← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 7141–7180 · переход к 7146.

стр. 7141

[قال:] وسُئِل عن أهل الحقائق فقال: أَكْلُهم أكلُ المرضى، ونومُهم نومُ الغرقى (١). وقال الجنيد: قال لي سريّ: احذر أنْ تكون ثناءً منشورًا وعيبًا مستورًا (٢). وقال: قلوب المؤمنين متعلقةٌ بالسوابق، يقولون: ترى ماذا سبق لنا؟ وقلوبُ الأبرار متعلِّقة بالخواتيم، يقولون: ترى بماذا يختمُ لنا؟ (٣) وقال: من حاسبَ نفسه استحيى الله من حسابِه. [وحكى ابن باكويه عن سريّ أنَّه قال:] (٤) الشوقُ والأنسُ يرفرفان على القلب، فإن وجدا فيه الهيبةَ والتعظيم حلَّا، وإلَّا رحلا. [وحكى عليُّ بن جَهْضَم عنه أنَّه قال:] إذا فاتني شيءٌ من وردي، لم أقدر على أن أعيده (٥). قال المصنفُ ﵀ (٦): أشارَ إلى أنَّ الزمانَ الَّذي يعيدُه فيه أنَّه يذهبُ بمقابلته زمانٌ آخر؛ لأنَّه مجتهدٌ فِي العمل لا يفتر، وقد قيل لعمر بن الخطاب ﵁: لم لا تنام؟ فقال: ليس لي وقتٌ أنام فيه، وكان ينعس وهو قاعد، ويقول: إن نمتُ بالنهار ضيَّعتُ المسلمين، وإن نمتُ بالليل ضيَّعت [حظَّ] نفسي من الله تعالى (٧). [وحكى ابن جهضم عنه أنَّه قال:] (٨) لو أنَّ رجلًا دخل بستانًا، فيه من جميع الأشجار، وعليها ما خلقه الله من الثمار والأطيار، فخاطَبه كلُّ طائرٍ بلغته وقال: السلام عليك يا وليَّ الله، وسكنت نفسُه إلى ذلك، كان أسيرًا فِي يدها مخدوعًا (٩). [وحكى فِي "المناقب" عن سريٍّ أنَّه قال:] (١٠) التصوُّفُ اسمٌ لثلاثة معانٍ؛ أحدها

стр. 7142

أنَّ الصوفيَّ [هو] الَّذي لا يطفئُ نورُ معرفته نورَ ورعه، ولا يتكلَّم فِي علمٍ باطنٍ ينقضُه عليه ظاهرُ الكتاب، ولا تحملُه الكراماتُ على هتك أستار المحرَّمات (١). [قال:] وقال لي رجلٌ: ادع لي، [فقال:] جمعَ الله بيننا تحتَ شجرة طُوبى، فإنَّ أولَ ما يدخلُ المحبُّونَ الجنَّة يستريحونَ تحتها. [قال:] وتكلَّمَ يومًا فِي الصبر فدبَّت عقربٌ على رجله، وجعلت تضربُه [مرارًا]، وهو صابرٌ حتَّى سال دمه، فقيل له: لم لا تنحِّيها؟ فقال: إئي أستحي من الله أن أتكلَّم فِي الصبر ولا أصبر (٢). [قال:] وقُرِئ بين يديه: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَينَكَ وَبَينَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] فقال: هذا حجابُ الغيرة، ومعناه أنَّ الله لم يجعل الكفَّار أهلًا لمعرفته (٣). وقال الجنيد: دفعَ إليَّ سريٌّ رقعةً، وقال: هذه خيرٌ لك من الدنيا وما فيها، فقرأتُها وهو يقول: سمعتُ حاديًا يحدو فِي البادية يقول: [من الكامل] أبكي وما يدريكَ ما يبكيني … أبكي حذارًا أنْ تفارقينِي وتقطعي حبلي وتهجريني … وتجعلين الهجرَ منك دينِي (٤) قال: ودفع إليَّ رقعةً أخرى وقال: هذه خيرٌ لك من كذا وكذا، فقرأتُها فإذا فيها: [من الطويل] ولمَّا ادَّعيتُ الحبَّ قالت كذبتَني … فما لي أرى الأعضاءَ منك كواسيَا فلا حبَّ حتَّى يلصقَ الجسمُ (٥) بالحشا … وتخرس (٦) حتَّى ما تجيب المناديَا وتتلفَ حتَّى لا يُبَقِّي لك الهوى … سوى مُقلةٍ تبكي بها وتناجيَا

стр. 7143

وقال سريٌّ: تطربُ قلوب المحبِّين عند السماع، وتخافُ قلوب المقصِّرين، وتلهبُ قلوبُ المشتاقين (١). وقال الجنيد: دخلتُ عليه يومًا وهو ينشد [ويقول:] [من البسيط] لا فِي النهار ولا فِي الليل لي فَرَجٌ (٢) … فما أبالي أطال الليلُ أم قصرَا لأنَّني طولَ ليلي هائمٌ دَنِفٌ … وفي النهارِ أقاسي الهمَّ والفِكرَا ثم قال: لولا خوفُ الشناعة لصِحتُ، ثم قال: أين شاهد هذا؟ قالوا: لا نعلم، قال: قوله ﷺ : "ليس عند ربكم ليل ولا نهار" (٣) فمن كان عند ربِّه فليس فِي ليلٍ ولا نهار. [قلت: قد فاتَ سريًّا المعنى؛ لأنه من كان عند ربِّه يغيب عن الموجودات، فلا يبقى له رسمٌ، ولا يَعرفُ عكرًا ولا همًّا] (٤). وقال: الفوائدُ ترِدُ فِي ظلماتِ الليل. (٥) وقال الجنيد: قال لي سريٌّ: ما أرى لي فضلًا على أحد، فقلت: ولا على المخنَّثين؟ فقال: ولا على المخنَّثين (٦). [وحكى أيضًا عن الجنيد قال:] (٧) كُنْتُ نائمًا عند سريّ، فأيقظني وهو يبكي، فقلت: ما لك؟ فقال: رأيتُ كأنَّ الله تعالى أوقفني بين يديه وقال: يا سريّ، قلت: لبَّيك، فقال: خلقتُ الخلقَ، فكلُّهم ادَّعوا محبتي، وخلقتُ الدُّنيا، فهربَ مني تسعةُ أعشارهم إليها، وبقي معي العشر، وخلقتُ الجنَّة فذهب (٨) إليها تسعةُ أعشار ذلك العشر، وبقيَ معي عشر العشر، وخلقتُ النَّار فذهب إليها تسعةُ أعشار عشر العشر، [فسلَّطت عليهم البلاء،

стр. 7144

فهرب مني تسعة أعشار عشر العشر،] (١) فقلتُ لما بقي: لا فِي الدنيا أردتم، ولا للجنة طلبتم (٢)، ولا من النار هربتم، ولا من البلاء فررتُم، فما الَّذي أردتم؟ قال المصنف ﵀ (٣): كذا وقعت هذه الرواية، والصحيح [ما حدثنا به أبو اليُمن الكنديّ بإسناده عن محمد بن أحمد المفيد] (٤) قال: سمعتُ الجنيدَ يقول: كُنْتُ نائمًا عند سريّ، فأنبهني وقال لي: يا جنيد، رأيتُ كأنِّي وقفتُ بين يدي الله تعالى، فقال لي: يا سريّ، خلقتُ الخلقَ، فكلُّهم ادَّعوا محبَّتي، وخلقتُ الدنيا، فهرب منِّي تسعةُ أعشارهم، وبقيَ معي العشر، وخلقت الجنَّة، فهربَ مني تسعةُ أعشار العشر، وبقي معي عشر العشر، فسلَّطتُ عليهم ذَرَّةً من البلاء، فهربَ مني تسعةُ أعشار عشر العشر، فقلتُ للباقين معي: لا للدنيا أردتم، ولا للجنَّة أخذتم، ولا من البلاء هربتم، فما الَّذي أردتم؟ قالوا: وإنَّك لتعلمُ ما نريد، فقال لهم: فإنِّي مسلِّطٌ عليكم من البلاء بعدد أنفاسكم ما لا تقوم له الجبالُ الرواسي، أتصبرون؟ قالوا: إذا كنتَ أنت المبتلي، فافعلْ ما شئت. فهؤلاء عبادي حقًّا (٥). [وحكى فِي "المناقب" عن الجنيد قال:] سألني سريٌّ يومًا عن المحبة، فقلت: قد قال قوم: هي الإيثار، وقال قومٌ: هي الموافقة، وقال قوم: كذا وكذا، فأخذ سريٌّ جلدةَ ذراعه فمدَّها، فلم تمتد، وقال: وعزَّتِه، لو شئتُ أن أقول: [إنَّ] هذه الجلدةَ يبست على هذا العظمِ من محبَّة الله تعالى لصدقت. ثم غشي عليه، فدارَ وجهُه كأنَّه قمر، وكان [السريُّ فيه] أُدْمَة (٦). ذكر وفاته رحمة الله عليه: [قال أبو نعيم: حدثنا جعفر الخُلْدي فِي كتابه قال: سمعت الجُنيد يقول:] (٧) اعتلَّ

стр. 7145

سريٌّ فدخلتُ عليه أعوده، فقلت: [السلام عليك]، كيف تَجِدُكَ؟ فقال: [من الخفيف] كيف أَشْكو إلى طبيبي ما بي … والذي بي أصابَني من طبيبي [قال:] فأخذتُ المروحة أروِّحُه، فقال لي: كيفَ يجدُ ريحَ المروحة من جوفه يحترقُ من داخل؟ ثم قال: [من البسيط] القلبُ محترقٌ والدمعُ مستبقٌ … والكربُ مجتمِعٌ والصبرُ مُفترِقُ كيفَ القرارُ على من لا قرارَ له … ممَّا جنَاه الهوى والشوقُ والقلقُ يا ربِّ إنْ كان شيءٌ فيه لي فرجٌ … فامنُن عليَّ به ما دام لي رَمقُ (١) [وحكى الخطيب عن علَّان الخياط قال:] (٢) قلت لسريّ: كيف أنت؟ فقال: [من الكامل] من لم يبتْ والشوقُ حشو فؤاده … لم يدرِ كيف تفتَّتُ الأكبادُ (٣) وقال الجنيد: قلت له: أوصني، فقال: إيَّاكَ ومصاحبة الأشرار، ولا يشغلنَّك عن الله [مشاهدةُ] الأخيار، ثمَّ تشهَّد، فكان [هذا] آخر كلامه (٤). [واختلفوا في وفاته، فقال الخطيب:] توفي يوم السبت (٥) لستٍّ خلون من رمضان [سنة ثلاث وخمسين ومئتين. وقال جدي في "المنتظم": مات] (٦) يوم الثلاثاء بعد أذان الفجر [لستٍّ خلون من رمضان]، ودفن بعد [صلاة] العصر، وقبره ظاهر بالشونيزيَّة (٧).

стр. 7146

[وقال أبو عبد الرَّحمن السلمي:] (١) مات [في] سنة إحدى وخمسين [ومئتين] (٢). أو: سنة سبع وخمسين ومئتين (٣). [وحكى الخطيب عن أبي عبيد بن حربويه قال:] (٤) حضرتُ جنازة سريّ، فسررتُ من كثرة الجمع، فحدَّثني رجلٌ شهد الجنازة قال: رأيتُ سريًّا في المنام، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفرَ لي ولمن حضر جنازتي وصَلَّى عليّ، قال: فقلت: فأنا ممَّن حضرها وصلى عليك، [قال:] فأَخْرَجَ درجًا فنظر فيه وقال: مالكَ فيه اسم، فقلت: انظر جيدًا، فإنِّي حضرت، فنظر وقال: بلى، هذا اسمك في الحاشية (٥). ذكر مسانيده: [قال الخطيب: حدَّث عن هُشيم، وأبي بكر بن عيَّاش، ويزيد بن هارون (٦)، وكان من العبَّاد المجتهدين. وذكره الحافظُ ابن عساكر في "تاريخه" فقال: السَّريُّ السَّقَطيّ بن المُغَلِّس الصوفيّ، أحدُ الزهَّاد والأتقياء العُبَّاد، قدمَ دمشق، وحدَّث بها (٧) عن مروان بن معاوية، ويحيى بن اليمان، ومحمد بن معن الغفاريّ، وعليّ بن غُراب، ومحمد بن فُضَيل الضبيّ، وأبي أسامة حمَّاد بن أسامة الكوفيّ وغيرهم. واجتمع بأحمد بن أبي الحواري، فقال له: يا أحمد، عظني وأوجز (٨). وقد ذكرنا اجتماعه في ترجمة أحمد بن أبي الحواري وحكايةَ ما قال سريٌّ عن الراهب الذي لقيه لزوجةِ أحمد رايعة.

стр. 7147

قال ابن عساكر: وقال سريّ: أشتهي الباقلاء منذ ثلاثين سنة ما أقدرُ عليه، وأشتهي الحندقوقا منذ ثمانية وعشرين سنة (١) ما أقدر عليه، فالعجب لمن يتَّسع في المآكل. قال: وكان يقول: ما دام ملحُك مدقوقًا (ما تفلح) (٢). وقال أبو نعيم: وقد حَكَى عن سريّ أبو العباس بن مسروق الطوسيّ، وأبو الحسين النُّوري. واشتغل بحاله وخلوتِه وعزلته عن الرواية. انتهت ترجمته رحمة الله عليه] (٣). عبد الله بن محمد ابن [أبي] (٤) يزيد القاضي الخَلَنجي الحنفي. ولي قضاءَ دمشق، وكان من أصحاب ابن أبي دؤاد، يقول بخلق القرآن، وكان عفيفًا، وهو الذي قال: برئتُ من الإسلام إن كان كما (٥) محمدُ بن عبد الله ابن طاهر بن الحسين بن مصعب، أبو العباس الخُزاعيّ. ولي إمارةَ بغداد في أيَّام المتوكل، وأبوه أمير، وجدُّه أمير. [وذكره الخطيب فقال: أميرٌ بن أمير بن أمير]، وكان جوادًا فاضلًا، أديبًا شاعرًا،

стр. 7148

مَأْلَفًا لأهل الفضل والأدب (١)، أسند الحديث، ورَوى الأشعار، [وقد ذكرنا أخباره متفرِّقة في الكتاب، وهو الذي خلع المستعين في السنة الماضية، فما طال عمره.] (٢) وقال الحسن بن وهب: كنَّا عند محمد بن عبد الله بن طاهر، فعرضَتْ سحابةٌ، فأرعدت وأبرقَتْ ومَطَرَتْ، فقلت: [من الخفيف] هطلَتنا السماء هطلًا دِرَاكًا … عَارَضَ المَرْزبانُ فيها السِّماكَا قلتُ للبرق إذ توقَّد فيها … يا زنادَ السَّماء من أوراكَا أحبيبٌ أحببتَه فجفاكا … فهو العارِضُ الذي استبكاكَا أم تشبَّهتَ بالأمير أبي العـ … ـباس في جودِه فلستَ هناكَا (٣) [ذكر طرف من أخباره: قال الصولي:] وكتب ابنُ طاهر إلى جاريةٍ له فقال: [من البسيط] ماذا تقولين فيمن شفَّه سَقَمٌ … من جَهْدِ حبِّك حتى صار حيرانَا فأجابته [تقول:] إذا رأينا مُحِبًّا قد أضرَّ به … جهدُ الصبابةِ أوليناهُ إحسانَا (٤) وجلسَ ابنُ طاهر يومًا، ومعه الحسنُ بن محمَّد بن طالوت، فقال ابنُ طاهر: نحتاجُ إلى ثالثٍ نَأْنسُ به، فقال له الحسن: هاهنا ماني الموسوس، فإنَّه ظريفٌ لطيف، يُحتمَلُ ما يبدو منه لظرفِه، فأرسلَ خلفَه، فوجدَه في خراب كَرْخِ بغداد، يأوي دائمًا إلى خربة هناك، فجاء به إلى دار ابن طاهر، فدخلَ فسلَّم فأحسن، وردَّ عليه ابنُ طاهر وقال: قد آنَ لك أن تزورنا يا ماني على شوقنا إليك، فقال: يا سيدي، أمَّا الشوق فشديد، وأما الودُّ فحميد (٥)، والبوَّابُ فظٌّ عتيد، ولو سهلَ لنا الحجابُ الغليظ، لهانت علينا الزيارة، فقال محمَّد للحسن: ما أحسنَ ما أتى به من العذر في تأخير الزيارة، ثُمَّ

стр. 7149

أمر محمدٌ جاريتَه فيوسة (١) فغنَّت: [من الطويل] ولستُ بناسٍ إذ غدَوا فتحمَّلوا … دُموعي على الخدَّين من شدَّةِ الوجدِ وقَولي وقد سارت سُحَيرًا حُمُولهم … بأمِّ الثنايا لا تكن آخرَ العهدِ (٢) فبكى ماني بكاءً شديدًا، ثم قال لمحمد: أتأذنُ لي يا سيدي؟ قال: نعم، فأطرقَ ساعةً ثمَّ رفع رأسَه وقال: وعدتُ أناجي الفكرَ والدمعُ حائرٌ … بمقلةِ موقوفٍ على الضَّرِّ والجَهْدِ ولم يعدُ هذا الأمر إلَّا بعزِّهِ … على ظلامٍ لجَّ في الهجرِ والبعدِ (٣) فقال له محمَّد: أحسنتَ يا ماني، أعاشقٌ أنت؟ فخجل وقال: يا سيدي، أبعدَ الشيب صبوة، وإنَّما حرَّك الطربُ وجدًا كامنًا وشوقًا مبرِّحًا، ثم غنَت الجاريةُ شعر أبي العتاهية: [من الخفيف] حجبوها عن الرياح لأنِّي … قلتُ للريحِ بلِّغيهَا السلاما لو رَضُوا بالحجاب هانَ ولكن … منعوهَا يومَ الرياح الكلاما (٤) فقال ماني: ما على قائل هذا الشعر لو زادَ فيه: فتنفَّستُ ثمَّ قلتُ لقلبي (٥) … آهِ إن زار طيفُها إلماما (٦) حيِّها بالسلامِ سرًّا وإلَّا … منعوهَا لشقوتي أنْ تناما

стр. 7150

فقال محمد: أحسنتَ والله يا ماني، ثم غنّت بشعر أبي نواس: [من الخفيف] يا خليليَّ ساعةً لا تريما … وعلى ذي صبابةٍ فأقيما ما مررنَا بقصر زينبَ إلَّا … فضحَ الدمعُ سرِّيَ المكتومَا (١) فقال ماني: ظبيةٌ كالهلالِ لو تلحظُ الصـ … ـخرَ بطرفٍ لغادرتهُ هشيمَا وإذا [ما] (٢) تبسَّمتْ خِلْتَ ما يبـ … ـدو من الثَّغر لؤلؤًا منظومَا فطربَ محمدٌ وقال: يا ماني، الرغبةُ في حسن ما تأتي به حائلةٌ بينك وبين الرهبة، فإن كنتَ مجيزًا فأجزْ هذين البيتين: [من السريع] لم تطبِ اللذات إلَّا بما … دارت به أنفاسُ فيُّوسَهْ غنَّت غناها مظهرًا لذَّة (٣) … كانت بحسنِ الصبرِ محبوسَهْ فقال ماني: وكيف صبرُ النفس عن غادةٍ … تظلمُها إن قلتَ طاووسَهْ وجُرْتَ إن شبَّهتَها بانةً … في جنَّةِ الفردوسِ مغروسَهْ فقال له محمد: فاعدلْ في الوصف، فقال ماني: جَلَّت عن النعتِ فما فكرةٌ … يدركها بالوصفِ محسوسَهْ فدعتْ له الجارية، ثمَّ قال محمد: هات يا ماني، فقال: [من المديد] مدمنُ الإغضاءِ موصولُ … ومديمُ العتبِ مملولُ ليس لي شغلٌ فيقطعني … فارقت نفسي الأباطيلُ أنا مغبوطٌ بزورةِ من … ربعُهُ بالجود مأهولُ طاهرُ الأعراق ذي أَنَفٍ (٤) … عرفُه للناسِ مبذولُ دمُ من يشقى بصارمه … مع هبوبِ الريح مطلولُ

стр. 7151

فشكرَه محمدٌ وعرضَ عليه مالًا، فأبى أنْ يقبلَه، وعرض عليه المقامَ فأبى، وقال: بل زيارة، وقام فخرج (١). فقال محمد للحسن: لله درُّ صالح بن عبد القدوس حيث يقول: [من الكامل] لا يعجبنَّك من يصونُ ثيابَه … حذرَ الغبارِ وعرضهُ مبذولُ ولربما افتقرَ الفتى فرأيتَهُ … دنسَ الثيابِ وعرضُه مغسولُ ومن شعر محمد بن طاهر: [من الوافر] أواصلُ من هويتُ على خلالٍ … أذودُ بهنَّ ليَّات المقالِ (٢) وفاءٌ لا يحولُ به انتكاثٌ … وودٌّ لا تخوّنه الليالي وأحفظُ سرَّه والعيبَ (٣) منه … وأرعَى عهدَه في كلِّ حالِ وأوثرهُ على عسرٍ ويسر … وينفذُ حكمُه في سرِّ مالي وأغفرُ نبوةَ الإدلالِ منه … إذا ما لم يكن غيرُ الدلالِ وما أنا بالمَلُول ولا التجنِّي … ولا الغدرُ المذمَّمُ من فعالي من أبيات (٤). قال الخطيب (٥): مرضَ محمدٌ بعلَّةِ القروحِ في حلقِه ورأسه، فكان يُدخِلُ فيها الفتائل، فما زالت به حتى خنقَتهُ، وذلك في ليلة النصف من ذي القعدة ليلةَ الأحد (٦)، وكَسَف القمر تلك الليلة. وقيل: ماتَ ليلةَ الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت منه (٧)، والأوَّلُ أشهر، وكان بينه وبين قتل المستعينِ سنة.

стр. 7152

[وقال الخطيب: وفيه يقول أخوه عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:] (١) [من الخفيف] هُدَّ ركنُ الخلافة الموطودُ … زال عنها السُّرادقُ الممدودُ يا كسوفان ليلة الأحد النَّحـ … ـس أحلَّتكُما النجومُ السعودُ أحدٌ كان حدُّه من نحوسٍ … جمعت نَحْسَها إليه الأحودُ كسفَ البدرُ والأميرُ جميعًا … فانجلَى البدرُ والأميرُ غَمِيدُ [قال الخطيب:] ولمَّا مات محمدٌ تنازعَ في الصلاة عليه أخوه عبيد الله بن عبد الله ابن طاهر] وابنه طاهر بن محمد، وكان قد أوصى أن يصلِّيَ عليه ابنُه طاهر، واستخلفَ على بغداد أخاه عبيد الله ابن عبد الله]، فصلَّى عليه ابنُه طاهر، واقتتل أهل بغداد من الجانبين؛ فريق مع طاهر، وفريق مع عبيد الله، وكان عوام بغداد إلى ابنه طاهر أميل. ودُفِنَ بمقابر قريش، ووردتِ الخلعُ من المعتزِّ لأخيه عبيد الله، وتقرره مكانَ أخيه، وأطلقَ له خمسينَ ألف درهم (٢). وقال محمد بن عبد الله بن طاهر: كنت واقفًا على رأس أبي، وعنده أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو الصَّلت الهَرَويّ، فقال أبي: ليحدِّثني كلُّ رجلٍ منكم بحديث، فقال أبو الصلت: حدثني عليُّ بن موسى الرضا -وكان والله رضا كما سُمِّي- قال: حدَّثني أبي موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن [الحسين، عن أبيه] (٣) الحسين بن عليّ، عن أبيه عليّ قال: قال رسول الله ﷺ : "الإيمانُ قولٌ وعمل" (٤)، فقال بعضهم: ما هذا الإسناد؟! فقال أبي

стр. 7153

عبدُ الله بن طاهر: هذا سَعوطٌ، لو سُعِط به مجنونٌ لبرأ (١). [وفيها قُتِل] وصيف التركي كان أميرًا كبيرًا، خدمَ جماعةً من الخلفاء، وكان حاكمًا على الدُّول. وسببُ قتله أنَّه استولَى على المعتز، واحتجر على الأموال لنفسه، فشغبت الأتراكُ والفراغنة والأشروسنية وطلبوا أرزاقهم، فخرج إليهم بُغَا ووَصيف وسيما الشرابي في نحوٍ من مئة رجل من أصحابهم، فقال لهم وصيف: ما تريدون؟ قالوا: أرزاقنا، فقال: ما لكم عندنا سوى التراب فخذوه، مالٌ ما عندنا، وقال بغا: ثم (٢) نسألُ أمير المؤمنين لكم، وخرجَ بغا وسيما لاستئمار الخليفة، وبقيَ وصيف في دار أشناس (٣)، فوثبوا عليه فضربوه بالطبرزينات حتى قتلُوه، وقطعوا رأسه، ونصبوه على محراك تنُّور، وبلغ المعتزّ، فولَّى بغا الشرابي ما كان إلى وصيف (٤). وقال هلال بن المُحْسن الصابي: حدثني بعض [مشايخ قم] قال: وردَ علينا قم وصيفٌ أميرًا [على بلدتنا، فـ] لقيناه، فرأيناه عاقلًا راجحًا، فسَأَلنَا عن [أمرِ] بلدنا وأهله سؤال عالمٍ [به، وسألنَا عن شيوخ] البلد، إلى أن انتهى إلى [أن ذكر] رجلًا، فلم يعرفه منَّا إلَّا رجلٌ واحد، [ثمَّ أتبَع] ذكرَه بتعظيمِ أمره، وتَعرُّفِ خبر ولده، وحالِه في معيشته، وأطال إطالةً استجهلنَاه فيها، ثمَّ قال: أحضرونيه إحضارًا رفيقًا، فإنِّي أكرهُ أن أنفُذَ إليه فينزعج، فأحضرناه، فلمَّا وقعت عينه عليه قام إليه وأجلسَه معه في دَسته (٥)، ثمَّ أقبل يسألُه عن أهله وولده، والشيخُ يجيبه جوابَ دَهشٍ، ثمَّ قال له: أحسبُكَ قد نسيتني وأنكرتَ معرفتي، فقال: كيف أُنكِر الأميرَ مع جلالة قدره؟! فقال: دع هذا، أتعرفُني جيِّدًا، قال: لا، قال: أنا وصيفٌ مملوكُك، ثمَّ التفتَ إلينا وقال: يا مشايخ،

стр. 7154

أنا رجلٌ من الديلم، سُبيت وقتَ كذا وكذا، وحُمِلتُ إلى قزوين، وسنِّي نحو العشر سنين، فاشتراني هذا الشيخ، وأسلَمني مع ابنه في المكتب، فأحسَن تربيتي، وكان إذا وقعَ في [يدي شيءٌ] تركتُه عند بقالٍ في المحلَّة اسمه [فلان، أهو] باقٍ؟ قالوا: نعم، فأحببت بعد بلوغي العمل [بحمل السلاح]، فرآني بعضُ الجند، فقال: هل لك أن تجيء [إلى خراسان]، فأركبَك الخيلَ وأعطيكَ السلاح؟ [فقلت: أفعلُ، على] أن [لا] أكونَ لك مملوكًا، بل غلامًا، قال: نعم، فجئتُ إلى البقَّال فحاسبتُه، وأخذتُ ما لي عندَه، وابتعتُ ما أحتاج إليه، وهربتُ من مولاي هذا إلى خراسان مع الجند، وتدرَّجَت بي الأمور، وتقلَّبت بي الأحوال، حتى بلغتُ إلى هذه المنزلة وأنا تحت رقِّ مولايَ هذا، وأسألكُم أن تسألوه أن يبيعني نفسي، فقال الشيخ: الأمير حرٌّ لوجه الله، وأنا عبدُه ومتحمِّلٌ بولائه ومفتخرٌ به، فقال وصيف: يا غلام، هات ثلاث بِدَر، فأُحضِرت، فسلَّمها إلى الشيخ، ثم استدعى له من الثياب والطِّيب والدواب مثلَ قدر المال، وطلبَ ابنه فأكرمَه وأعطاه عشرةَ آلاف درهم وثيابًا وطيبًا ودوابًا، واستدعى البقَّال، فأعطاه خمس مئة دينار، ثم بعثَ إلى زوجة الشيخ مالًا وثيابًا، وقال للشيخ: انبسط في سلطاننا انبساطَ من صاحبه مولاك، فإنِّي لا أردُّكَ عن مطلبٍ تطلبُه، ولا أعترضُ عليك في شيءٍ تعملُه، ثمَّ قال: يا مشايخ قم، أنتم شيوخي، ما على وجه الأرض أوجبُ حقًّا منكم عليّ، إلَّا أنِّي أخالفُكم في التشيُّع (١)، فإني قد حلفتُ (٢) وطفتُ الآفاقَ، وعرفتُ المذاهبَ، فرأيتُ الناسَ يخالفونَكم، ومن المحال إجماعُ الأمَّةِ على ضلال، وانفرادُكم من بين الناس، وصار الشيخُ وابنُه رئيسَي البلد. (٣) * * *

стр. 7155

السنة الرابعة والخمسون بعد المئتين فيها قتل بُغا الشرابي. وفيها عُقِد لأحمد بن طولون على مصر. وفيها وقع مفلح وباجور بأهل قم، فقتَلا منهم مقتلةً عظيمةً في ربيع الأول. وفي جمادى الآخرة ماتَ عليُّ بن محمد بن عليِّ بن موسى الرضا. وفي هذا الشهر وافى دُلَف بن عبد العزيز بن أبي دُلَف الأهواز، بعثَهُ إليها أبوه. واستولى مُساور الشاري على الجزيرة، فبعثَ المعتزُّ إليه نوشري، فقتل من أصحاب الشاري جماعةً، وهزمهم. وحجَّ بالناس علي بن الحسن بن إسماعيل بن العباس بن محمد بن علي (١). وفيها قُتِل بُغَا التركيُّ الصغير الشرابيّ وكان فاتكًا قد طغَى وبغى، وخالف أمرَ المعتزّ، واستبدَّ بالأموال، وكان المعتزُّ يقول: لا ألتذُّ بحياةٍ ما دام بغا في الدنيا، وما يطيبُ لي عيشٌ حتَّى أعلمَ أنَّ رأس بغا لي. وكان بغا يحثُّ المعتزَّ على النزول إلى بغداد والمعتزُّ يأبى ذلك [عليه، وكان] (٢) باكباك التركيّ عدوًّا لبغا، ثمَّ إنَّ بغا اشتغلَ مع صالح بن وصيف في عُرسٍ لابنة بغا، واسمها جمعة، كان صالح قد تزوَّجها في منتصف ذي القعدة، فركب المعتزُّ ليلًا ومعه أحمد بن إسرائيل إلى كرخ سامراء يريد باكباك، وكان باكباك مستخفيًا من بغا محترزًا، وكان قد وقعَ بينهما؛ جلسا على الشراب، فعربَد أحدُهما على صاحبه، فتهاجَرا، فلمَّا وَافى المعتزُّ إلى باكباك شكا إليه ما يلاقيه من بغا، واجتمعَ مع المعتزِّ أهلُ الكرخ

стр. 7156

والدور، وخرجوا ومعهم باكباك وهو يقول: الساعةَ أقتل بغا، فجاؤوا إلى الجَوْسَق بسامرَّاء، وبلغَ ذلك بغا، فخرجَ في غلمانه، وهم زهاء خمس مئة، ومثلهم من ولده وقوَّاده، فصار إلى السنّ من بلد الموصل، وكان معه من العين تسع عشرة بَدْرَة دنانير، ومئة [بدرة] (١) دراهم، أخذها من بيت مال السلطان. وقيل: لمَّا بلغَه أنَّ المعتزَّ قد صار إلى الكرخ خرج إلى عُكْبَرا في خواصّه، ثم مضى حتى صار في السنّ، [فشكا أصحابُه] (٢) بعضُهم إلى بعضٍ ما هم فيه من العَسْف، وأنَّهم لم يخرجوا معهم بمَضَارب، وأنَّهم ليس معهم ما يُكِنُّهم من البرد، وكان الزمان شتاءً، ونزل هو في مضربٍ صغيرٍ على دجلة، فأتاه ساتكين، فقال: أصلحَ الله الأمير، قد تكلَّم أهلُ العسكر وخاضُوا في كذا وكذا، وأنا رسولُهم إليك، فقال: وكلُّهم على مثل رأيك وقولك؟ قال: نعم، قال: دعني الليلة حتى أفكر، فلمَّا جنَّ عليه الليل دعا بزورقٍ، فركب مع خادمين له، وحمل معه شيئًا من المال، ولم يحمل معه سلاحًا، ولم يُعلِم أهلَ عسكره بذلك، والمعتزُّ خائف منه لا ينام إلا في السِّلاح، وقد بطل شُرب الشراب، ووصلَ بغا إلى الجسر ثلثَ الليل الأول، فصاحَ المتوكِّلون بالجسر: من في الزورق؟ وخرجَ بغا إلى البستان الخاقاني، فتبعَه بعضُهم، فقال: أنا بغا، ولحقه وليد المغربي، فقال له: ما لك؟ فقال: إمَّا أن تذهب بي إلى موسى بن صالح بن وصيف (٣)، وإمَّا أن تذهبوا معي حتى أُحسنَ بكم، فوكَّل به وليد، ومرَّ يركض نحو [الجوسق، فاستأذن] (٤)، فدخل على المعتزّ، فأخبرَه فقال: ائتني الساعة برأسه، فرجعَ الوليد، [وقال للموكَّلين] (٥) به: تنحَّوا عنه حتى أبلغَه الرسالة (٦)، فضربَه بالسيف على جبهته، فصرعَه، ثمَّ ذبَحه، وحملَ رأسَه إلى المعتزّ، فأعطاه عشرةَ آلاف دينار، وخلع عليه، ونصب الرأس بسامرَّاء، ثم بعث به إلى بغداد، ووثب المغاربةُ على

стр. 7157

جسده، فأحرقوه بالنار، وكتب المعتزُّ إلى عبيد الله بن طاهر ببغداد، فيتتبعَ بنيه، وكانوا قد هربوا إليها، فحبس في قصرِ الذهب منهم ومن أصحابه خمسةَ عشر، وفي المطبق عشرة، ونفى المعتزُّ من ولده خمسةَ صغار إلى عُمان والبحرين، ونجا يونس بن بغا فاستترَ عند بختيشوع (١). وقيل: إنَّ مُسَاور الشاري خرج بأرض الموصل، فوجَّه المعتزُّ إليه بغا في جيشٍ، فلمَّا فصل بغا عن سرَّ من رأى نهبَ الموالي دارَه، فتفرَّق الجيش الذي كان معه، فانحدَر في زورقٍ، فقتلَه الوليد المغربيّ. [وفيها توفي] عليُّ بن محمد ابن عليِّ بن موسى بن جعفر بن محمد بن عليِّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو الحسن الهاشمي العسكريّ، أحدُ الأئمَّة الاثني عشر، وإنَّما سُمِّي العسكريّ لأنَّ المتوكِّلِ أنزلَه بمكان العسكر، ثمَّ انتقلَ إلى سرَّ من رأى، فأقام بها عشرين سنةً وأشهرًا. ومولده [في] سنة أربع عشرة ومئتين، وقيل: في رجب سنة ثلاث عشرة ومئتين (٢). واسم أمه سوسن، وقيل: سُمَانة (٣). [والله أعلم بالصواب]. [ذكر سبب قدومه إلى سُرَّ من رأى: حكى الصوليُّ عن يحيى بن هرثمة] (٤) أنَّه كان مقيمًا بالمدينة بين أهله، فمال الناس إليه، وبلغَ المتوكِّل، قال يحيى بن هرثمة: قال لي المتوكِّل: يا يحيى، اذهب إلى المدينة، فانظر في حاله وأَشخصْهُ إلينا، [قال يحيى:] فقدمت المدينة، فضجَّ أهلُها ضجيجًا ما سمع الناسُ بمثله؛ خوفًا عليه من المتوكِّل؛ [لأنَّه كان يبغضُ العلويين،] وكان أهل المدينة يحبُّون عليًّا؛ لأنَّه كان ملازمًا للمسجد، مواظبًا على العبادة، محسنًا إلى الناس، لم يكن عنده ميلٌ إلى الدنيا، قال يحيى: فجعلتُ أسكِّنهم، وأحلفُ لهم

стр. 7158

أني ما أمرتُ فيه بمكروه، ولا بأس عليه، فاطمأنُّوا، وفتَّشتُ بيتَه، فلم أجد فيه إلَّا مصاحف وأدعية، فعظم في عيني، وتولَّيتُ خدمته بنفسي، وأحسنتُ عشرتَه، فلمَّا قدمتُ بغداد بدأت بإسحاق بن إبراهيم الطاهري، وكان نائبَ الخليفة ببغداد، فقال لي: يا يحيى، إنَّ هذا الرجل قد ولدَه رسولُ الله ﷺ ، وقد عرفتَ انحرافَ المتوكِّل [على أهل البيت] فإن بلَّغتَه عنه كلمةً (١) قتله، ويكون النبيُّ ﷺ خصمكَ يوم القيامة، فقلت: والله ما عرفتُ منه ما أنكرُه، ولا وقفتُ منه إلَّا على أمرٍ جميل، ثم صرتُ به إلى سامرَّاء، فبدأتُ بوصيف التركيّ، فقال لي: يا يحيى، والله لئن سقطَ منه شعرةٌ لا يطالبُ بها سواك، [قال:] فعجبتُ كيف وافق قولُه قولَ إسحاق، ثم دخلتُ على المتوكِّل، فسألني عنه، فأخبرتُه بحسن سيرته، وسلامة طريقته، وزهده وورعه، وأنِّي فتَّشتُ كتبَه ودارَه، فلم أجد سوى المصاحف وأدعية، وأخبرتُه بما رأيتُ من محبَّة أهل المدينة له وخوفهم عليه، فقال: عليَّ به، فأدخلته عليه، فأكرمَه وقرَّبهُ، ورفعَ منزلتَه، وأجزلَ صِلتَه، وأنزله معه بسُرَّ من رأى (٢). [وقال الخطيب بإسناده عن الحسين بن يحيى قال:] (٣) اعتلَّ المتوكِّلُ في أوَّل خلافتِه، فقال: لئن برئتُ لأتصدقنَّ بدنانيرَ كثيرة، فلما برئَ جمعَ الفقهاء، فسألهم عن ذلك، فاختلفوا [فيه]، فبعث إلى عليِّ بن محمد [بن علي بن موسى]، فقال: يتصدَّقُ بثلاثةٍ وثمانين دينارًا، فعجبَ قومٌ من ذلك، [وتعصَّب عليه قومٌ]، وقالوا للمتوكِّل: سله من أين هذا؟ فسأله، فقال للرسول: قل لأمير المؤمنين: في هذا الوفاء بالنَّذر؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ [التوبة: ٢٥]، فروى أهلنا (٤) جميعًا أنَّ المواطنَ في الوقائع والغزوات والسرايا كانت ثلاثةً وثمانين موطنًا، وأنَّ يومَ حنين كان الرابع والثمانين، وكلَّما زاد أميرُ المؤمنين في فعل الخير كان أنفعَ له وأجدَى [عليه] في الدنيا والآخرة (٥).

стр. 7159

[وفي رواية:] فعجب المتوكِّلُ من جوابه، وبعثَ إليه بمالٍ كثير وقال: تصدَّق منه بما أحببت. وقال المسعوديُّ: بلغ المتوكِّلَ أنَّ في منزل عليٍّ كتبًا وسلاحًا من شيعة أهل قم، وأنَّه عازمٌ على الوثوب [عليه]، فبعثَ جماعةً من الأتراك، فهجموا دارَه، فلم يجدوا فيها شيئًا، ووجدوه في بيتٍ مغلقٍ عليه، وعلى بدنه مِدْرَعةٌ من صوف، وهو جالسٌ على الرمل يقرأ القرآن ويبكي، فحملُوه على حاله إلى المتوكِّل وهو جالسٌ على شرابه، فأجلسَه إلى جانبِه وناوله الكأس التي كانت في يده، فبكى وقال: والله ما خامرَ لحمي ودمي قطّ، فأعفني (١) لله، فأعفاه، وقال: أنشدني شعرًا، فقال: والله ما أنا راويةٌ للشعر، وما أعرفُ إلَّا ما أقول وما كان في معناه، فقال: قل، فقال: [من البسيط] بانوا على قُلَلِ الأجبال تحرسُهم … غُلْبُ الرجال ولم تحرسهم القللُ واستُنزِلُوا بعد عزٍّ من معاقلِهم … وأسكنوا حُفرًا يا بئسَ ما نزلُوا ناداهمُ صارخٌ من بعدِ دفنهم … أين الأسرَّة (٢) والتيجانُ والحُلَلُ أين الوجوهُ التي كانت منعَّمةً … من دونها تضرَبُ الأستارُ والكِلَلُ (٣) فأفصحَ القبرُ عنهم حين ساءلهُم … تلك الوجوهُ عليها الدودُ يقتتلُ قد طال ما أكلُوا دهرًا وما شربوا … فأصبحُوا بعد طول الأكل قد أُكلِوا [قال:] فبكى المتوكّل [بكاءً شديدًا]، وبكى الحاضرون، وأمرَ له بأربعة آلاف دينار، وصرفَه مكرمًا (٤). وقال يحيى بن هرثمة: اختلفَ الفقهاءُ بحضرة المتوكِّل فيمن حلقَ رأس آدم ﵇، فلم يعرفوا من حلقه، فأرسلَ إلى عليٍّ فسأله، فقال: حدثني أبي عن آبائه عن عليٍّ ﵇ أنَّه قال: أنزلَ الله ياقوتةً من يواقيتِ الجنَّة مع جبريل ﵇،

стр. 7160

فحلق بها رأسَ آدم، فتناثرَ الشعرُ، فحيثما بلغ نور الياقوتة صارَ حَرَمًا. [روي هذا المعنى مرفوعًا إلى النبيِّ ﷺ ] (١). وكانت وفاته في جمادى الآخرة بسُرَّ من رأى، ودفن بداره في أيام المعتزّ، وصلَّى عليه أبو أحمد بن المتوكِّل في الشارع المنسوب إلى داره (٢). وقيل: إنَّه مات مسمومًا، [وكان سنُّه يوم مات] أربعين سنة، وكان نقش خاتمه: الله وليُّ عصمتي. وكان له أولادٌ، منهم الحسن بن عليّ [الإمام، وسنذكره] (٣)، وأوصَى إليه والده. كَثير بن عُبيد ابن نُمير، أبو الحسن الحِمْصي (٤). أمَّ بالناسِ ستين سنةً بجامع حمص ما سها في صلاته قَطّ، فقيل له في ذلك، فقال: ما دخلتُ المسجدَ وفي نفسي غير الله تعالى. توفي بحمص، حدَّث عن بقيَّة بن [الوليد] (٥)، وأخرج عنه أبو داود وغيره، وكان ثقةً صالحًا (٦). [وفيها توفي] محمد بن منصور ابن داود، أبو جعفر الطوسيّ، الزاهدُ العابدُ الصالح. كان من الأبدال، [وأصله من طوس]، سكنَ بغداد ومات بها، وكان الإمام أحمد يُثني عليه ويشكره، وهو صاحبُ كرامات.

стр. 7161

[فقال الخطيب بإسناده عن أحمد بن محمد بن الفضل قال:] (١) سمعتُ محمد بن منصور الطوسيّ، وحواليه قومٌ، فقالوا له: قد شكّ الناسُ أنَّ اليومَ يومُ عَرَفة أم غيره؟ فقال: اصبروا، ثمَّ قام فدخل البيت. وخرج وقال: هو عندي يوم عرفة، فقيل له: من أين لك ذلك؟ قال: دخلتُ البيت فسألتُ ربِّي تعالى أن يريني ذلك، فكشفَ لي، فرأيتُ الناس في الموقف، فعدُّوا الأيامَ والليالي، فكان كما قال (٢). توفي [الطوسيُّ] يومَ الجمعة لستٍّ بقين من شوال، وله ثمان وثمانون سنة. [سمع إسماعيل بن عُليَّة، وسفيان بن عيينة، وعفان بن مسلم، وغيرهم.] (٣) وروى عنه البغويُّ وغيره، وكان صدوقًا دَيِّنًا ثقةً. المؤمَّل بن إهاب ابن عبد العزيز بن قَفَل، أبو عبد الرحمن الكوفي. أصله من كَرْمان، ونزل الكوفة، وقدم بغداد، وحدَّث بها [و] (٤) بدمشق، وقدم مصر، ثمَّ خرج إلى الشام، فأقام بالرَّمْلَة، فمات بها يوم الخميس لتسع (٥) ليالٍ خلونَ من رجب. وكان عسرَ الخلق يَكرهُ أصحابَ الحديث، وكان وَعْرًا (٦) ممتنعًا، فألحُّوا عليه، فامتنع عليهم، فمضوا جميعًا إلى الوالي، وأبقوا منهم نَفْسَين (٧)، وتقدَّموا وقالوا: إنَّ لنا عبدًا إن بيناه وأدبناه (٨)، وأَبَقَ منا، وقد أردنَا بيعَه فتعزَّزَ علينا بالمحبرة وطلب

стр. 7162

الحديث، فقال: وكيفَ أعلمُ صحة قولكم؟ فقالوا على الباب جماعةٌ من الأعيان يشهدون بذلك، فأحضرَهم فحضروا، وشهدوا عليه بالإباق وهو ساكت، فقال: لم أبقتَ من مواليك؟ فلم ينطق، فحبسَه، وبلغَ أصحابَه، فجاؤوا إلى الوالي، فأنكروا عليه، وقالوا: مثلُ هذا الرجل يحبسُ ظلمًا؟! فقال: ذاك الآبق، قالوا: معاذَ الله، ذاك إمامُ المسلمين، وأخبروه بحاله، فأحضرَه وسأله أن يجعلَه في حلّ، فلم يزلْ مؤمَّل مقيمًا بالرملة لم يُسمِع أحدًا حديثًا واحدًا حتى لحق بالله تعالى (١). أسندَ عن يزيد بن هارون وغيره، وروى عنه ابنُ أبي الدنيا وغيره، وكان صدوقًا ثقةً (٢). * * *

стр. 7163

السنة الخامسة والخمسون بعد المئتين فيها دخل مُفْلِح طبرستان، فهزمَ الحسنَ بن زيد الطالبيّ، فلحقَ بالديلم، ودخل مفلح آمُل، فهدم منازل الحسن، ثمَّ سار إلى الديلم في طلبه. وفيها كان بين يعقوب بن الليث وطَوْق بن المُغَلِّس وقعةٌ خارج كَرْمان، ظهر فيها يعقوب على طوق، فأخذَه أسيرًا، وسببه أن يعقوب كان قد استولى على فارس، فكلاهما غيرُ مطيعٍ للسلطان، يجبيان الخراج لأنفسهما، فكتب عليُّ بن الحسين إلى المعتزِّ يسألهُ ولايةَ خراسان، ويقول بأنَّ آل طاهر قد ضعفُوا عن مقاومة يعقوب بن الليث، وقد خرب خراسان، فكتبَ إليه بولايتها، وكتب أيضًا إلى يعقوب بولايتها، وأرادَ أن يغريَ بينهما، ليسقط مؤونة الهالكِ منهما عنه، وينفرد بمؤونة الآخر، إذ كان كلُّ واحدٍ منهما له حربًا، فسار يعقوبُ من سجستان يريد كَرْمان [ووجَّه عليُّ بن الحسين طوق بن المُغَلّس، وقد بلغه خبر يعقوب وقصده كَرْمان في جيشٍ عظيمٍ من فارس، فصار طوق بكَرْمان، وسبق يعقوب إليها] (١)، فدخلها، وجاء يعقوب فصار على مرحلة منها، فأقامَ كلُّ واحدٍ منهما مكانَه شهرين، وحفظ عسكره من الدخول إلى عسكر الآخر، فلمَّا طال ذلك عليهما، أظهرَ يعقوبُ الرحيلَ إلى سجستان، فسار نحو مرحلة، وبلغ طوقًا رحيلُه، فوضع له آلة الحرب، ودعا الملاهي، وقعد يشرب، ويعقوب يستطلعُ أخبارَه ساعةً بساعة، ويضع عليه العيون والجواسيس، فجاءت عيونُه، فأخبرته خبرَه، فسار وطوى مرحلتين في مرحلة (٢)، فلم يشعر به طوق إلَّا وقد أحاطَ به وبأصحابه، فذهبَ أصحابه يدافعون عن أنفسهم، فقال يعقوب: أفرجوا لهم، فخرجوا هاربين لا يلوون على شيء، وخلوا جميعَ ما كان في عسكرهم، وأسر يعقوب طوقًا.

стр. 7164

وكان عليُّ بن الحسين بعث معه صناديق في بعضها أطواقٌ وأسورة، وفي بعضها قيودٌ وأغلال، فلمَّا حازَها يعقوب فتحَ الصناديقَ التي فيها الأطواق والأساورة، فقال: يا طوق: ما هذه؟ قال: حمَّلنيها عليٌّ لأطوِّقَ بها وأسوِّر أهلَ البلاء من أصحابي، وفتحَ الصناديق التي فيها القيودُ والأغلال، فقال: ما هذه؟ قال: أمرني أن أقيِّدَ بها أصحابك، فقال: انظروا أثقل قيدٍ وأكبر غُلٍّ، فاجعلوه في رِجْلِ طوقٍ ورقبته، وفعل بأصحابه كذلك، وأخذ الأطواق والأساورة فجعلها في أعناق أصحابه وأيديهم. ولمَّا أمر يعقوب بمدِّ يد طوق ليضعها في الغُلِّ، إذا بعصابة على ذراعه، قال: ما هذه؟ قال طوق: كنتُ وجدت حرارةً ففَصَدْتُ، فمدَّ يعقوب رجله، وقال: يا غلام، انزع الخف، فنزعه، فتناثرَ الخبز اليابس، فقال: يا طوق هذا خُفِّي، لم أنزعه منذ شهرين، وخبزي في خفِّي آكل منه لا آكل من غيره، ولا أطأُ فراشًا، وأنت جالسٌ في مجالس الشراب والملاهي. ولمَّا فرغ يعقوب من أمرِ طوق دخلَ كَرْمان وحازها، وصارت له مع سجستان. وفيها دخل يعقوب بن الليث فارس، وأسرَ عليَّ بن الحسين بن قُرَيش. السبب لمَّا اتَّصل خبرُ طوقٍ بعليِّ بن الحسين، أيقن بقصدِ يعقوب إيَّاه، وكان يومئذ بشيراز، ونزل بمكان ضيِّقٍ تحت جبل، لا يقدرُ أنْ يمرَّ به غيرُ رجلٍ واحد، ومن الجانب الآخر نهر يقال له الكر عريض، وترك شيراز وراءه (١) بين يديه، وقال: إنْ جاء يعقوب لا يقدر على الوصولِ إلينا؛ لصعوبة المكان. وجاء يعقوب، فنزل قريبًا منه ممَّا يلي كَرْمان، ثم ركب وحده وبيده رمح عُشَاريّ، ومعه رجلٌ واحد، فوقف ينظر إلى الكرّ والطريق التي بينه وبين الجبل، ويتأمَّل عسكرَ عليِّ بن الحسين، فعرفه أصحابه، فأخذُوا يشتمونَه، ويقولون: لنردنَّك إلى شعب القماقم والمراجل يا صَفَّار (٢)، وهو ساكتٌ لا يتكلَّم، فلمَّا شاهدَ ما أراد من ذلك انصرف، فلمَّا كان من الغد عند الظهر أقبلَ بأصحابه ورجاله حتى صار على شطِّ كُرّ ممَّا يلي كرمان، فأمرَ أصحابه فنزلوا عن دوابِّهم، وحظُّوا أثقالهم، ثُمَّ أخرج صندوقًا

стр. 7165

كان معه، ففتحه، وأخرج منه كلبًا ذئبيًّا (١)، ثمَّ ركبوا دوابَّهم عُرَاة (٢)، ورماحُهم بأيديهم، وكان عليٌّ قد عبَّأ صفوفَه على الممرِّ بين الجبل والكرّ، وهم يرون أنَّه لا سبيلَ ليعقوب (٣) إلَّا من هناك، وقد سجنوه، ثم أطرق (٤) أصحاب يعقوب الكلبَ في الكر، وأصحابُ عليٍّ ينظرونَ ويضحكون، وسبحَ الكلبُ في الماء، وتبعَه أصحابُ يعقوب، فجازوا الكرّ، وجاء أصحابُ يعقوب من وراء الكر (٥)، فانهزَم عليُّ بن الحسين وأصحابه، وعملَ فيهم السيف، وقصدوا كرمان (٦)، وعثرت بعليِّ بن الحسين دابَّتُه، فسقطَ، فوضع بعضُ الغلمان عمامتَه في عنقه، وسحبه إلى بين يدي يعقوب، فقيَّدهُ وحبَسهُ، ودخل يعقوب إلى شيراز، ونهب أصحابُه دارَ عليٍّ ودورَ أصحابه، وجمع يعقوب الغنائمَ وأموال الخراج، وعاد إلى سجستان، ومعه علي بن الحسين مقيَّدًا. وبعث يعقوب إلى المعتزِّ بخيلٍ وبُزَاة ومسك وهدايا. وفيها ولَّى المعتزُّ سليمانَ بن عبد الله بن طاهر شرطةَ بغداد والسواد في ربيع الآخر، وكان قدم من خراسان يوم الخميس لثمان خلون من ربيع (٧). وفيها أخذ صالح بن وصيف أحمد بن إسرائيل، والحسن بن مَخْلَد، وأبا نوح عيسى بن إبراهيم، فقيَّدهم، وطالبَهم بالأموال، وهؤلاء هم كتاب المعتزِّ وخاصَّتُه. وسببُ ذلك أنَّ صالح بن وصيف قال للمعتز: يا أمير المؤمنين، ليس للأتراك (٨) عطاء، ولا في بيت المال مال، وقد ذهب ابنُ إسرائيل وأصحابُه بأموال الدنيا، فقال له أحمد: يا عاصي يا ابنَ العاصي، وتراجعا الكلام حتى وقعَ صالح مغشيًّا عليه وبلغ

стр. 7166

أصحابه وهم على الباب، فصاحوا صيحةً واحدةً، واخترطُوا السيوفَ، ودخلُوا على المعتزّ، فلمَّا رآهم قام فدخل، وأخذ صالح أحمد بن إسرائيل ومن سمَّينا، فقال له المعتز: هب لي أحمد، فقد ربَّاني وهو كاتبي، فلم يفعل، وأخذهم إلى داره، فضرب ابن إسرائيل حتى تكسَّرت أسنانُه، وضرب ابن مخلد مئة مقرعة، وكان عيسى بن إبراهيم قد احتجم، فضُرب حتى سالت محاجمُه، وأخذَ خطوطهم بمال جليل، وجُعِل في رِجْل كلِّ واحدٍ منهم ثلاثون رطلًا من حديد، وفي عنقه عشرون رطلًا، وطولبوا بالأموال، فلم يُجب واحدٌ منهم إلى شيء، فبعث صالح في قبض ضياعهم وأسبابهم (١). ولليلتين مضتا من رجب ظهرَ بالكوفة عيسى بن جعفر، وعليّ بن زيد الحسنيّان، فقتلا بها عبدَ الله بن محمد بن داود بن عيسى (٢). ولثلاثٍ بقين من رجب خُلِع المعتز. وسببُه أنَّ هؤلاء الكتاب لمَّا لم يقرُّوا بشيءٍ، صار جماعة من الأتراك إلى المعتز، وقالوا: أعطنا أرزاقَنا لنقتلَ صالحَ بن وصيف، فأرسلَ إلى أمِّه يطلبُ مالًا، فلم تعطه شيئًا، وليس في بيوت الأموال شيء، فحينئذٍ أجمعَ الأتراكُ والمغاربةُ والفراغنةُ في خلعه، ووافقَ في ذلك صالح بن وصيف، وباكباك، ومحمد بن بُغا وغيرهم، فلبسوا السلاح، وجاؤوا إلى دار المعتزِّ، وهو في بعض حجره، فبعثوا إليه: اخرج إلينا، فقال: قد شربتُ دواءً، وأنا ضعيف، فإن كان ولا بد، فابعثُوا إليَّ من يُعلِمني بأمركم، فهجم عليه جماعةٌ منهم، وجماعةٌ من أهل الدُّور والكَرْخ والقُوَّاد، فجرُّوا برجلِه إلى باب الحجرة، وتناولوه بالضرب بالدبابيس، فخرج وقميصه مخرَّن في مواضع، وآثارُ الدم في منكبيه، فأقاموه في الشمس في الدار في شدة الحرّ، فبقيَ يرفعُ قدمًا ويضع أخرى، ثمَّ جعلوا يلطمونَه في وجهه، وهو يتَّقي بيده، ويقولون: اخلعْها، ثمَّ حبسوه في حجرة، وبعثُوا إلى القاضي ابن أبي الشوارب، فأحضروه مع جماعةٍ من أصحابه، فقال له صالح بن وصيف: اكتبْ كتاب خَلع، فقال: لا أحسنه، وكان معه رجلٌ

стр. 7167

أصبهانيّ، فقال: أنا أكتبه، فكتبه، وشهدوا عليه، وشهدوا على الجماعة أنَّ له ولابنه ولأخته (١) ولأمِّه الأمان، فقال صالح بكفّه، أي: نعم، ووكَّلوا بذلك (٢) المجلس وبأمِّه جماعة نساء يحفظنَها، فيقال: إن أمَّه وأخته وقُرْب حفرن سَرَبًا، وهربنَ منه، وأقام هو في الدار محبوسًا (٣). الباب الرابع عشر في خلافة المهتدي بالله وهو أبو إسحاق، وقيل: أبو عبد الله، محمد بن هارون الواثق بن المعتصم بن هارون الرشيد. ولد بالقاطول، وأمُّه رومية يقال لها: قُرْب، تزوجها المستعين، فلَّما قُتِل [المستعين] صيَّرها المعتزُّ في قصر الرُّصَافة الذي فيه الحُرَم، ثم ماتت قبل أن يلي ابنُها الخلافة (٤). [واختلفوا في مولده على أقوال؛ أحدها] (٥) في ربيع الآخر سنةَ خمس عشرة ومئتين، [والثاني: في سنة سبع عشرة ومئتين، والثالث:] (٦) سنة ثمان عشرة [ومئتين، والرابع: في] (٧) سنة تسع عشرة ومئتين، وهو الأشهر (٨). [ذكر صفته] وكان أسمر رقيقًا، رحبَ الجبهة، حسنَ الوجه، أشنب (٩)، [والشَّنَبُ: حِدَّة الأسنان، وقيل: بَرْدُها وعُذُوبتها،] عظيمَ البطن، [عريض المنكبين، قصيرًا، طويل اللحية.

стр. 7168

ذكر بيعته: واختلفوا فيها، فقال الطبريُّ: بويعَ يوم الأربعاء لليلةٍ بقيت من رجب، فقال:] ولم يقبل [المهديُّ] بيعةَ أحدٍ حتى أتي بالمعتز فخلع نفسه، وأخبرَه بعجزه عن القيام بما أسند إليه، ومدَّ المعتزُّ يدَه فبايعه. وذكر صفةَ خلعِ المعتزِّ، [وأنَّه أشهدَ عليه الشهود في صحَّة عقله، وجوازٍ من أمره، طائعًا غير مكره، وأنَّه عاجزٌ عن القيام. وكتب المعتزُّ خطَّه على الكتاب. وذكر الطبريُّ كلامًا طويلًا حاصلُه ما ذكرناه (١). والمعتزُّ ابن عمه لحًّا. واختلفوا في كيفية حضور المعتز للبيعة، فقال الصوليّ:] لمَّا جاء المعتزُّ [إلى المهتدي]، قام له المهتدي، وسلَّم عليه بالخلافة وجلس بين يديه، وجيءَ بالشهود، فلمَّا رآهم المعتزّ قال: لا مرحبًا بهذه الوجوه التي لا تُرى إلا في الخسوف، فلمَّا بايعَه المعتزُّ ارتفعَ المهتدي إلى صدرِ المجلس وقال: لا يجتمعُ سَيفَان في غمد، ولا فحلان في شَوْل، ثم أنشدَ لأبي ذؤيب: [من الطويل] تريدينَ كيما تجمعيني وخالدًا … وهل يُجمعُ السيفان ويحكِ في غمدِ (٢) [وفي رواية الصولي أيضًا أنَّ الأتراكَ وصالحَ بنَ وصيف لمَّا فعلوا] (٣) بالمعتزِّ ما فعلُوا أرسلُوا إلى بغداد، فأحضرُوا محمدَ بن الواثق، وهو ابنُ عمه لحًّا، وكان [المعتزُّ] قد نفاه من سرَّ من رأى إلى بغداد، فوافوا به سُرَّ من رأى ليلةَ الأربعاء لليلة بقيت من رجب، فأُدخِل عليه المعتزُّ لثلاثٍ خلون من شعبان، فقال له المهتدي: أخُلِعت أم خَلَعتَ نفسَك؟ فقال: بل خُلِعت، فوُجِئ في عنقه حتى سقطَ، ثمَّ أقيم، فقال: بل خلعتُ نفسي على أنَّ لي الأمان ولإخوتي وأمي وولدي، فلم يفوا لي بشيءٍ من ذلك.

стр. 7169

وقال المسعوديُّ: أتي بالمعتزِّ إلى المهتدي في ثوب دنس، وعلى رأسه منديل، فلمَّا رآه قام إليه واعتنقه، وأجلسه معه على سريره، وقال: ما هذا يا أخي؟ فقال: هو ما ترى، فقال [له المهتدي:] أنا أصلحُ أمرك مع الموالي، فقال: هذا أمرٌ لا أطيقُه، ولا حاجة لي فيها، فقال: فأنا في حلٍّ من بيعتك؟ قال: نعم، وفي سَعَةٍ منها، فردَّ المهتدي وجهَه عنه، وأقيمَ من المجلس، فحُبس وقُتل بعد سبعة أيام (١)، وقيل: بعد ثلاثة أيام. قال الصوليُّ: وأولُ ما فعلَ المهتدي بعد بيعته أنَّه نفَى المغنين والمغنِّيات إلى بغداد، وأمرَ بقتل السباع التي كانت في دار السلطان، وكسرِ الملاهي، وطرد الكلاب، وردِّ المظالم، وجلس للعامَّة، وكان يتحرَّى سيرةَ عمر بن عبد العزيز ﵁، ويقول: إني لأغار لبني العباس أنْ لا يكونَ فيهم مثلُه، ولزم الصلاة والصوم وقراءةَ القرآن والتقشُّف، وكان من أحسن الناس مذهبًا، وأحمدهم (٢) طريقة، وأكثرهم ورعًا وعبادةً، ولم يُبَايع ببغداد حتى قُتِلَ المعتزُّ ليومين من شعبان. [قلت: من (أين) (٣) وصفُ الخطيب والصوليِّ وغيرهما له بالورع، وقد واطأ على قتل ابن عمِّه المعتزّ من غير سبب إلَّا حبّ الدنيا، وقد كان قادرًا على منع الأتراك من قتله وتعذيبه بأن يأخذَه إلى داره فيقول: إن قتلتموه فلا حاجة لي في الخلافة، وهل يفي دمُ مسلمٍ بعبادة الثقلين، وقد عُوجل بعد المعتزِّ بيسير، والله أعلم.] (٤) وفيها أوقعت العامَّةُ ببغداد بسليمان بن عبد الله بن طاهر، وكان وردَ كتابُ المهتدي يوم الخميس سلخ رجب يأمرُه بأخذِ البيعة على الناس، وكان أبو أحمد بن المتوكِّل ببغداد، فأرسلَ إليه فأخذَه إلى داره، وعلِم أهلُ بغداد، فجاؤوا إلى باب سليمان وشغبوا وهجموا عليه، ودعوا باسم أبي أحمد، وأرادوا نهبَ دار سليمان، وقالوا: أرنَا أبا أحمد، فأظهرَه لهم، فسكنوا، ثم شغبوا، وقالوا عن المهتدي: هذا كان أبوه

стр. 7170

يقول بخلق القرآن، ما نبايعه، وقُتِلَ بينهم جماعة، وجُرِح آخرون، فبعثَ المهتدي مالًا، ففُرِّقَ فيهم، فسكنوا، وبويع يوم الجمعة لثمان خلونَ من شعبان، واستقرَّ له الأمر (١). [فصل:] وفيها ظهرت قَبيحة أمُّ المعتزِّ في رمضان، بعد أن كانت قد استترت وأودعت الأموال والجواهر وما كان لها عند الناس، وطلبَها صالحُ بن وصيف، فأرسلت إليه امرأةً يقال لها العطَّارة تثقُ بها، فتوسَّطت بينهما، وكان لها ببغداد أموالٌ عظيمةٌ غير ما كان لها بسرَّ من رأى، فأحضرت من بغداد خمس مئة ألف دينار (٢) وخمسينَ ألف دينار (٣) ثم نقلَها صالح [بن وصيف] بعدما استصفاها إلى مكَّة في ذي القعدة، فذُكِر عمَّن سمعها وهي تقول [في طريقها:] اللهمَّ أخزِ صالحَ بن وصيف، وخذ لي بحقِّي منه كما قتل ولدي، وأخذ مالي، وبدَّد شملي، وهتكَ ستري، وارتكب الفاحشةَ منِّي (٤)، وغرَّبني عن بلدي. ولما انصرفَ الناس من الموسم حُبِست بمكَّة، وكان الأتراك [قد] طلبوا منها قبل قتلِ المعتز [وخلعِه] خمسينَ ألف دينار على أن يُبقوا المعتز في الخلافة، ويقتلوا صالح بن وصيف، فبخلَتْ [عليهم] (٥)، وأنكرت أن يكون عندها مال، ثم ظهرَ لها بعد ذلك من العين (٦) زهاء على ألف ألف دينار، وثلاث مئة ألف دينار (٧)، ووجدوا ثلاثة أسفاط في كلِّ سَفَطٍ مقدارُ مكُّوك زمرد [من الذي] (٨) لم تر الخلفاءُ مثلَه، وسفط فيه

стр. 7171

[نصف] (١) مكوك حبٍّ كبار، لم يشاهَد مثله، وسفطٌ فيه مقدارُ كيلجة [من] ياقوت أحمر، لم يوجد في الدنيا مثله، فقوِّمتِ الأسفاطُ بألفي ألف دينار (٢)، فحُمِل الجميعُ إلى صالح [بن وصيف]، فلمَّا رآه قال: قبَّحها الله، عرَّضت ابنَها للقتل في خمسين ألف دينار، وعندها هذا، فنفاها (٣) إلى مكَّة، وأخذ الجميع وهي ترى، وكان ذلك في حائطِ دارٍ لبعض من تثق به، فغمزَ عليه (٤). وفي رمضان قتل صالحُ بن وصيف أحمدَ بن إسرائيل وأبا نوح (٥). وفيها شخص موسى بن بغا بمن كان معه من الرَّيّ، وانصرف مفلح عن طبرستان بعدما دخلها، وهَزَم الحسَن بن زيد إلى الديلم، وسبب ذلك أنَّ قبيحةَ لمَّا رأت تغيُّرَ الأتراك كتبت إلى موسى تسألُه القدوم، وكان مُفْلِح بطبرستان، فكتب إليه موسى يأمره بالانصراف إليه (٦)، وكان قد أوغلَ في الديلم لطلب الحسن بن زيد، فرجع قافلًا إلى الرَّيّ، فشقَّ ذلك على رؤساء طبرستان؛ لأنَّه كان يَعِدُهم اتِّباعَ الطالبيِّ أين توجَّه، فسقط في أيديهم، فقال لهم: قد وردَ عليَّ كتابُ الأمير موسى يأمرني أن لا أضعَه من يدي حتى أقبل إليه، وأنا مهتمٌّ بأمرِكم، ولكن لا سبيل إلى مخالفته، ولم يتهيَّأ لموسى المسيرُ من الرَّيِّ حتى أتاه كتابٌ بهلاك المعتزّ، وقيام المهتدي، فثناه عن القدوم إلى سامرَّاء، وامتنع هو وأصحابُه من بيعة المهتدي، ثمَّ بايعوا بعد ذلك في رمضان (٧). ثمَّ إنَّ المواليَ الذين في عسكرِه بلغَهم أنَّ صالح بن وصيف استخرجَ الأموال من

стр. 7172

قبيحة ومن الكُتَّاب، فشحُّوا (١) بذلك على المقيمين بسُرَّ من رأى، وسألوا موسى المسيرَ إليها. وكتب إليه المهتدي يأمرُه بالمقام بالريّ، وبعثِ الجيوش إلى الطالبيّ، فلم يلتفت، فبعث إليه عبد الصَّمد بن موسى و [أبا] (٢) عيسى بن إسحاق العباسيين يخبراه بضيقِ المال بسامرّاء، وما يخافُ من رجوع الطالبيِّ إلى طبرستان، فأبلغاه الرسالة، فلم يسمع، وأغلظ الموالي للرسولين، وهمُّوا بقتلهما، وأقبلَ موسى إلى بغداد وصالح يعظِّمُ على المهتدي قدومَه، وينسبُه إلى المعصية والخلاف، فرفعَ يده إلى السماء وقال: اللهمَّ إنِّي أبرأُ إليكَ من فعل موسى بن بغا، وإخلاله بالثغر، وإباحةِ العدو، ثم جعل يبكي خوفًا من قدومه. وكتبَ موسى إلى المهتدي يعتذرُ بتخلُّف من معه عن الرجوع إلى قوله دون ورود باب أمير المؤمنين، وأنه متى خالفهم لم يأمنهم على نفسه، ثُمَّ وردَ سامرّاء (٣) لأربعٍ خلون من المحرَّم سنة ستٍّ وخمسين. وكان كنجور التركيّ قد نفاهُ المعتزُّ إلى فارس، فأقام عند علي بن [الحسين بن] قريش، فلمَّا غلبَ يعقوبُ ابنَ قريش كان كنجور محبوسًا عنده، فأطلقه (٤)، وجاء إلى. . . (٥) فأمرَ المهتدي بأن يقيَّد ويبعث إلى بغداد فيحبس، فخالفَه صالح (٦)، وأراد أن يتقوَّى به على موسى (٧). وفيها عَصَى أبو موسى، عيسى بنُ الشيخ بنِ السليل الشيبانيّ بديارِ بكر وآمِد

стр. 7173

ومَيَّافارِقين (١)، وكان المعتزُّ قد ولَّاه ذلك (٢)، فلمَّا قُتِل المعتزّ عَصى على المهتدي، ولم يبايعه، وأنكرَ قتلَ المعتزّ، ووَلَّى ولدَه محمدًا آمد، وأحمد مَيَّافَارِقين، والذي (٣) بنى منارةَ الجامع بمَيَّافَارِقين محمدُ بن أحمد بن عيسى، وكتب اسمَه في لوح، وهو عند بابها يقرؤه من دخل (٤). فصل: وفيها توفِّي إبراهيم بن الحسين بن دِيزيل الهَمَذَاني (٥) كتب الكثير، وكان منهمكًا في كتابة الحديث، حكى جدِّي في "المنتظم" عن إسماعيل بن أحمد السمرقنديّ، بإسناده إلى إبراهيم قال: جلستُ في بعض الليالي أكتب، فكتبتُ حتى عييتُ، ثُمَّ خرجتُ أتأمَّل السماء، وإذا به أول الليل، فأتممتُ كتابي، أصبحتُ وصلَّيتُ الصبحَ، وخرجتُ إلى حانوتِ تاجرٍ بالسوق، وإذا به يكتبُ حسابًا له، ويؤرِّخه يوم السبت، فقلت: سبحان الله! أليس اليوم يوم الجمعة؟ فضحك وقال: لعلَّك لم تحضر أمس الجامع، فراجعت نفسي، وإذا أنا قد كتبتُ ليلتين ويومًا (٦).

стр. 7174

قلت: وإيش نفعته كتابةُ الحديث، وقد ضيَّع فرائضَ الصلوات، وهل كان من الملائكة، أقامَ ليلتين ويومين لا يأكل ولا يشرب ولا ينام ولا يبول! وهذا الرجل من هَمَذَان، كوفيٌّ من رفقاء محمد بن سعد كاتب الواقدي (١)، وتوفي في هذه السنة بالكوفة. [فصل:] وفيها توفي إسماعيل بن يوسف أبو عليّ الدَّيلَميُّ الزاهد العابد. جالسَ أحمدَ بن حنبل ومن بعده من الحفَّاظ. وروى الخطيبُ عن الجوهريِّ بإسناده عن أبي الحسين ابن المنادي قال: كان إسماعيل [الديلميّ] من خيار الناس، وذُكر لي أنَّه كان يحفظُ أربعينَ ألف حديث. وكان من أشهر الناس بالزُّهدِ والورعِ والصيانة، وكان يسكن بالأَرْحَاء على شاطئ نهر عيسى (٢). وحكى عنه الخطيب قال: اشتهيتُ حلواء، فخرجت في الليل من المسجد لأبول، فإذا بجانبي (٣) الطريق أخاوين (٤) حلواء، فنوديتُ: يا إسماعيل، هذا الذي اشتهيت، وتركُه خيرٌ لك، فتركته. وكانت وفاتُه في هذه السنة، وقبرُه وراءَ قبر معروف مشهور، ويعرف بقبر الديلمي. واتفقوا على صدقه ودينه وورعه وحفظه للحديث ومعرفته به، فيقال: إنَّه كان يذاكر بسبعين (٥) ألف حديث.

стр. 7175

وفيها توفي الجاحظ واسمه عمرو بن بحر بن محبوب، أبو عثمان البصري، من كبار المعتزلة، وأحد شيوخهم، ولد سنة خمس وخمسين ومئة. قال جدِّي في "المنتظم": وكان جدُّه أسود، وكان هو من متكلِّمي المعتزلة، وهو تلميذ أبي إسحاق النظَّام، قال: والناس يَعمونَ (١) بتصانيفه زائدًا في الحدّ، وليس الأمر كذلك، بل له جيِّدٌ ورديء. قلت: هذا صورةُ ما ذكر له جدِّي، ولم يذكر شيئًا من مصنَّفاته، ولا حكى بعض مقالاته، فأقول: أمَّا مصنفاتُه فثلاثُ مئةٍ وستُّون مصنَّفًا، ووقعتُ على أكثرها في مشهد الإمام أبي حنيفة ببغداد، منها كتاب الحيوان، وهو كتابٌ كثيرُ الحشو، قليلُ الفائدة، وذكر فيه أن الذي يحيض من الحيوانات أربع؛ المرأة، والأرنب، والضبع، والخفاش (٢). وكان الجاحظُ في أيَّام المعتصم والمتوكِّل، وانفردَ عن أصحابه بمسائل، منها قوله: إنَّ المعارفَ كلَّها ضرورية، وليس شيءٌ من ذلك من أفعال العباد. و: ليس للعبادِ [كسبٌ] (٣) سوى الإرادة. ومنها: إن أهل النار لا يخلَّدون، وإنَّما يصيرون إلى طبيعةٍ ناريَّة. ومذهبه مذهبُ الفلاسفة في نفي الصِّفات ونحو ذلك. ذكرُ طرفٍ من أخباره: ذكر له الخطيب حكايةً بإسناده إلى يَمُوت بن المُزَرِّع قال: قال لنا الجاحظ: ما غلبني إلَّا رجلٌ وامرأة؛ فأمَّا الرجلُ، فإنِّي كنتُ مجتازًا ببعض الطرق، فإذا برجلٍ قصيرٍ بطين، كبير الهامة، طويل اللحية، متَّزرٍ بمئزرٍ، وبيده مشطٌ يسقي به شقَّهُ، ويمشطها بيده (٤)،

стр. 7176

فاستزريُته، وقلت: أيُّها الشيخ، قد قلت فيك شعرًا، فقال: هاته، فقلت: [من الوافر] كأنك صَعْوةٌ في أصلِ حُشٍّ … أصابَ الحُشَّ طَشٌّ بعدَ رشِّ (١) فقال لي: فاسمع جوابك، فقلت: هات، فقال: كأنك جندب (٢) في دبر كبشِ … تُدَلدلُ هكذا والكبشُ يمشي والجندب ضربٌ من الجراد، وكان الجاحظُ قبيحَ المنظر دميمًا، ناتئ العينين، قصيرًا مشوّهًا، قال: فخجلتُ منه وانصرفت. وأما المرأة فكنتُ راكبًا على حمارة، فحَبَقت (٣)، وإذا بامرأتين، فقالت إحداهما للأخرى: وي وي حمارة الشيخ تفعل كذا وكذا، قال: فغاظتني، فقلت: نعم، ما حملتني أنثى إلَّا أصابَها كذا، فقالت: لقد كانت أمُّك تسعةَ أشهرٍ معكَ في جهدٍ جهيد. وفي رواية: فضربت بيدِها على كتفِ الأخرى، وقالت: لقد كانت أمُّ هذا منه تسعةَ أشهر. . . وذكرتهُ. قلت: وقد غلبتهُ أخرى، جاءت إليه امرأةٌ فقالت: إنَّ فلانًا يستدعيك، وذكرت رجلًا جميلًا، فقال: وما يريدُ مني؟ قالت: يسألك عن مسألة في علم الكلام، ومشى معها، وأجلسته عند صائغ وقالت: أقعد هاهنا حتى أهيِّئَ لك الجائزة، وأستأذِن لك وأعود، فقعد عند الصائغ عامَّة النهار، والصائغ ينظرُ إليه، ويردِّدُ النظرَ فيه، فضجر وقال للصائغ: أتعرف هذه المرأة؟ فقال: لا والله، وإنَّما جاءت وقالت: عندنا صبيٌّ صغيرٌ يبكي قد منعنا النوم، والساعة آتيك برجلٍ قبيحِ المنظر، تصوِّرُ [بي] (٤) على صورته شيئًا يفزعُ به الصغير، وها أنا قد صوَّرتك في هذه الصحيفة، فقام الجاحظُ خجلًا وانصرف. وحكى الخطيب عن [ابن] (٥) أبي الذيَّال قال: حضرنا مع الجاحظ وليمةً، فجاء

стр. 7177

الظهر، فصلَّينا ولم يصلِّ الجاحظ، وجاء العصر ولم يصلِّ، وقام الجاحظُ لينصرف، فقال لصاحب المنزل: إنِّي لم أصل لمذهبٍ أخبركَ به، فقال له الرجل: ما أظنُّ لك في الصَّلاة مذهبًا إلَّا تركها. وحكى ابن عساكر عنه أنَّه قال: رأيتُ جاريةً سوداء ببغداد في سوق النخَّاسين ينادى عليها، قال الجاحظ فقلت لها: ما اسمك؟ قالت: مكَّة، فقلت: قد قرَّب الله الحجّ، أتأذنين لي أن [أقبل الحجر] (١) الأسود؟ فقالت: ألم تسمع إلى قوله تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إلا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ [النحل: ٧]؟ وحكى ابن عساكر أيضًا عن الجاحظ عن ثُمَامة بن أشرس قال: قدَّمَ رجلٌ خصمًا له إلى بعض الولاة، فقال: هذا خصمي ناصبيٌّ، رافضيٌّ، جهميٌّ، مشبهيٌّ، يشتمُ الحجاج بن الزبير [الذي هدم الكعبة على علي بن أبي سفيان] (٢)، ويلعن معاوية بن أبي طالب، فقال له الوالي: ثكلتك أمك، ما أدري ممَّ أعجب، من معرفتك بالإنساب، أو من معرفتك بالمقالات؟! فقال: ما خرجتُ من الكتَّاب حتى تعلمتُ هذا كلَّه، قال: صدقت. ذكر نبذة من كلامه: قال الجاحظ: المكافأة على الإحسان فريضة، والتفضُّلُ ابتداءً نافلةٌ. و: العقلُ والهوى ضدَّان، فقَرِينُ العقل التوفيق، وقَرِينُ الهوى الخِذْلان. وقال: القلوبُ أوعيةٌ، والعقولُ معادن، وما في الوعاء ينفد إنْ لم يمدّه المعدن. وقال: الأشخاصُ كالأشجار، والحركاتُ كالأغصان، والألفاظُ كالثمار. وقال: كفى بالتجارب تأديبًا، وبتقلُّبِ الأيام عظةً، وبالأخلاق ممن عاشرتَ معرفةً، وبالموتِ زاجرًا. وقال: النظر في العواقب أوَّلُ الاستعداد للنوائب.

стр. 7178

وقال: لا خير فيمن لم يتلقّ هفواتِ الإخوان بالعفو والغفران (١). وقال المبرد: كتبَ إلى صديق له يعزيه بميِّت مات له: أمَّا بعد، فإن الماضي قبلك (٢) هو الباقي لك، والباقي بعدك هو المأجورُ فيك، وفي الله العزاءُ من كلِّ هالك، وفيه الخَلَفُ من كل مصيبة، ومن لم يتعزَّ بعزاء الله تقطَّعت نفسُه على الدنيا حسرات، والصبرُ يعقبُه الأجر، والجزعُ يعقبُه الهلَع، فتمسَّك بحظِّكَ من الصبر، تنلْ به عظيمَ الأجر والثواب ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. وحكى الخطيبُ عنه أنَّه كان يقول: ما أكرهُ من الشيعةِ إلَّا الشين التي في أوَّل اسمهم، فإنِّي لا أجدُها إلا في كل شرٍّ، وشؤمٍ، وشيطانٍ، وشَغبٍ، وشقاءٍ، وشِقَاق، وشَينٍ، وشكوى (٣)، وشهرةٍ، وشحٍّ، وذكر كلَّ لفظةٍ في أوَّلها شِين (٤). وكان قد فُلِجَ، فأتاهُ رسول المتوكِّل يطلبه، فقال: ما يصنع بشقٍّ مائل ولعابٍ سائل؟ (٥) ذكر وفاته: [روى الخطيبُ عن الصيمريِّ، عن المَرزُبانيِّ، عن الجرجاني، عن المبرِّد قال:] (٦) دخلتُ على الجاحظ في آخر أيَّامه وهو عليل، فقلت: كيف أنت؟ فقال: كيف يكونُ من نصفُه مفلوجٌ، فلو نشرَ بالمناشير ما أحسَّ به، ونصفُه الآخر مُنَقْرَسٌ، فلو طارت ذبابة بقربه (٧) لآلمته، والآفةُ في هذا كله أنِّي قد جاوزت (٨) تسعين سنة، ثم أنشد يقول: [من الوافر] أترجو أن تكونَ وأنت شيخٌ … كما قد كنت أيَّام (٩) الشبابِ

стр. 7179

لقد كذبتكَ نفسُك ليس ثوبٌ … دَرِيسٌ كالجديد من الثيابِ ومات [الجاحظ] ببغداد في المحرَّم، ودُفن قريبًا من أبي حنيفة، وعمره مئةُ سنة [انتهت ترجمته] (١). عيسى بن إبراهيم أبو نوح، الكاتب المقتول، كتب للفتح بن خاقان، ثمَّ للمتوكِّل، وكان جوادًا ممدَّحًا، ومدحه البحتريُّ (٢) فقال: [من الكامل] وأخٍ لبستُ العيشَ أخضر [ناضرًا] (٣) … بكريمِ عِشْرَتِه وفَضلِ إخائِهِ ما أكثرَ الآمال عندي والمُنَى … إلَّا دفاعُ اللهِ عن حوبائِهِ وعلى أبي نوحٍ لباسُ محبَّةٍ … تعطيه محضَ الودِّ من أعدائِهِ تنْبِي طلاقةُ وجهه عن جودِهِ … فتكاد تلقى النُّجْحَ قبلَ لقائِهِ وضياءُ وجهٍ لو تأمَّله امرؤٌ … صادي الجوانحِ لارتوى من مائِهِ (٤) [تمام حديث] المعتزِّ بالله [واسمه] محمد بن جعفر المتوكِّل قد ذكرنا ما فعله به الأتراك (٥)، ثمَّ أتوا به إلى المهتدي بعد ما سلَّمه صالحٌ إلى نوشري (٦)، فعذَّبه بأنواعِ العذاب، ومشَّاه في الرمل حافيًا، فطلب نعلًا فلم يعطوه، فأسبل سراويله على رجليه، ومشى، وجعل يستغيثُ فلا يغاث. [واختلفوا في كيفيه قتله على أقوال؛ أحدها أنَّهم] (٧) أدخلوه حمامًا، ومنعوه الماء

стр. 7180

البارد، ثمَّ أخرجُوه، فسقوه الماء والثلج فمات. [والثاني] (١) أنهم نزعوا أصابعَ يديه ورجليه ثمَّ خنقوه، [والثالث] (٢) أنَّهم أدخلُوه سردابًا مجصَّصًا بجصٍّ جديد (٣)، فاختنق، ولم يعذَّب خليفةٌ ما عذِّب على صغرِ سنه. وكانت وفاته يوم السبت لستٍّ خلون من شعبان، وقيل: لليلتين خلتا منه (٤). [وذكره جدِّي في "التلقيح" وقال: مات المعتز بمكروهٍ نالهُ في] اليوم الثاني من رمضان، [وقيل: في غُرَّة شعبان،] وكانت ولايتُه ثلاثَ سنين وستَّة أشهر وثلاثة وعشرين يومًا (٥)، و [كان سنُّه يوم قتل أربعةً وعشرين سنة (٦)؛ لأنَّه ولد في رمضان سنة اثنتين وثلاثين ومئتين قبل خلافة أبيه المتوكِّل بثلاثة أشهر وعشرة أيَّام]، وأخرجوه ميتًا، وأحضروا القضاة والشهود، فشهدُوا أنَّه لا أثرَ به، ودُفِن إلى جانب أخيه المنتصر في ناحية قصر الصوامع، [فقال الخطيب: كان ابن ثلاث وعشرين سنة، وقال ابن أبي الدنيا: دفن] (٧) بمكان يقال له: السَّمَيدَع [عند أخيه المنتصر]. وكان أبيض جميلًا على خدِّه الأيسر خالٌ أسود، وصلى عليه [محمد بن الواثق الملقب] المهتدي، ونقشُ خاتمه: المعتزُّ بالله، وهو ثالثُ خليفة خُلِعَ من بني العباس، ورابعُ خليفة قتل منهم. [وقال الصوليّ: ولمَّا قتلَه صالح بن وصيف ظفر بأمَّه قبيحة، فأخذَ أموالها وذخائرها، وركبَ منها الفاحشة، ونفاها إلى مكَّة، فكانت تتعلَّق بأستار الكعبة،
следующие страницы →