← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 7176–7215 · переход к 7181.

стр. 7176

فاستزريُته، وقلت: أيُّها الشيخ، قد قلت فيك شعرًا، فقال: هاته، فقلت: [من الوافر] كأنك صَعْوةٌ في أصلِ حُشٍّ … أصابَ الحُشَّ طَشٌّ بعدَ رشِّ (١) فقال لي: فاسمع جوابك، فقلت: هات، فقال: كأنك جندب (٢) في دبر كبشِ … تُدَلدلُ هكذا والكبشُ يمشي والجندب ضربٌ من الجراد، وكان الجاحظُ قبيحَ المنظر دميمًا، ناتئ العينين، قصيرًا مشوّهًا، قال: فخجلتُ منه وانصرفت. وأما المرأة فكنتُ راكبًا على حمارة، فحَبَقت (٣)، وإذا بامرأتين، فقالت إحداهما للأخرى: وي وي حمارة الشيخ تفعل كذا وكذا، قال: فغاظتني، فقلت: نعم، ما حملتني أنثى إلَّا أصابَها كذا، فقالت: لقد كانت أمُّك تسعةَ أشهرٍ معكَ في جهدٍ جهيد. وفي رواية: فضربت بيدِها على كتفِ الأخرى، وقالت: لقد كانت أمُّ هذا منه تسعةَ أشهر. . . وذكرتهُ. قلت: وقد غلبتهُ أخرى، جاءت إليه امرأةٌ فقالت: إنَّ فلانًا يستدعيك، وذكرت رجلًا جميلًا، فقال: وما يريدُ مني؟ قالت: يسألك عن مسألة في علم الكلام، ومشى معها، وأجلسته عند صائغ وقالت: أقعد هاهنا حتى أهيِّئَ لك الجائزة، وأستأذِن لك وأعود، فقعد عند الصائغ عامَّة النهار، والصائغ ينظرُ إليه، ويردِّدُ النظرَ فيه، فضجر وقال للصائغ: أتعرف هذه المرأة؟ فقال: لا والله، وإنَّما جاءت وقالت: عندنا صبيٌّ صغيرٌ يبكي قد منعنا النوم، والساعة آتيك برجلٍ قبيحِ المنظر، تصوِّرُ [بي] (٤) على صورته شيئًا يفزعُ به الصغير، وها أنا قد صوَّرتك في هذه الصحيفة، فقام الجاحظُ خجلًا وانصرف. وحكى الخطيب عن [ابن] (٥) أبي الذيَّال قال: حضرنا مع الجاحظ وليمةً، فجاء

стр. 7177

الظهر، فصلَّينا ولم يصلِّ الجاحظ، وجاء العصر ولم يصلِّ، وقام الجاحظُ لينصرف، فقال لصاحب المنزل: إنِّي لم أصل لمذهبٍ أخبركَ به، فقال له الرجل: ما أظنُّ لك في الصَّلاة مذهبًا إلَّا تركها. وحكى ابن عساكر عنه أنَّه قال: رأيتُ جاريةً سوداء ببغداد في سوق النخَّاسين ينادى عليها، قال الجاحظ فقلت لها: ما اسمك؟ قالت: مكَّة، فقلت: قد قرَّب الله الحجّ، أتأذنين لي أن [أقبل الحجر] (١) الأسود؟ فقالت: ألم تسمع إلى قوله تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إلا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ [النحل: ٧]؟ وحكى ابن عساكر أيضًا عن الجاحظ عن ثُمَامة بن أشرس قال: قدَّمَ رجلٌ خصمًا له إلى بعض الولاة، فقال: هذا خصمي ناصبيٌّ، رافضيٌّ، جهميٌّ، مشبهيٌّ، يشتمُ الحجاج بن الزبير [الذي هدم الكعبة على علي بن أبي سفيان] (٢)، ويلعن معاوية بن أبي طالب، فقال له الوالي: ثكلتك أمك، ما أدري ممَّ أعجب، من معرفتك بالإنساب، أو من معرفتك بالمقالات؟! فقال: ما خرجتُ من الكتَّاب حتى تعلمتُ هذا كلَّه، قال: صدقت. ذكر نبذة من كلامه: قال الجاحظ: المكافأة على الإحسان فريضة، والتفضُّلُ ابتداءً نافلةٌ. و: العقلُ والهوى ضدَّان، فقَرِينُ العقل التوفيق، وقَرِينُ الهوى الخِذْلان. وقال: القلوبُ أوعيةٌ، والعقولُ معادن، وما في الوعاء ينفد إنْ لم يمدّه المعدن. وقال: الأشخاصُ كالأشجار، والحركاتُ كالأغصان، والألفاظُ كالثمار. وقال: كفى بالتجارب تأديبًا، وبتقلُّبِ الأيام عظةً، وبالأخلاق ممن عاشرتَ معرفةً، وبالموتِ زاجرًا. وقال: النظر في العواقب أوَّلُ الاستعداد للنوائب.

стр. 7178

وقال: لا خير فيمن لم يتلقّ هفواتِ الإخوان بالعفو والغفران (١). وقال المبرد: كتبَ إلى صديق له يعزيه بميِّت مات له: أمَّا بعد، فإن الماضي قبلك (٢) هو الباقي لك، والباقي بعدك هو المأجورُ فيك، وفي الله العزاءُ من كلِّ هالك، وفيه الخَلَفُ من كل مصيبة، ومن لم يتعزَّ بعزاء الله تقطَّعت نفسُه على الدنيا حسرات، والصبرُ يعقبُه الأجر، والجزعُ يعقبُه الهلَع، فتمسَّك بحظِّكَ من الصبر، تنلْ به عظيمَ الأجر والثواب ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. وحكى الخطيبُ عنه أنَّه كان يقول: ما أكرهُ من الشيعةِ إلَّا الشين التي في أوَّل اسمهم، فإنِّي لا أجدُها إلا في كل شرٍّ، وشؤمٍ، وشيطانٍ، وشَغبٍ، وشقاءٍ، وشِقَاق، وشَينٍ، وشكوى (٣)، وشهرةٍ، وشحٍّ، وذكر كلَّ لفظةٍ في أوَّلها شِين (٤). وكان قد فُلِجَ، فأتاهُ رسول المتوكِّل يطلبه، فقال: ما يصنع بشقٍّ مائل ولعابٍ سائل؟ (٥) ذكر وفاته: [روى الخطيبُ عن الصيمريِّ، عن المَرزُبانيِّ، عن الجرجاني، عن المبرِّد قال:] (٦) دخلتُ على الجاحظ في آخر أيَّامه وهو عليل، فقلت: كيف أنت؟ فقال: كيف يكونُ من نصفُه مفلوجٌ، فلو نشرَ بالمناشير ما أحسَّ به، ونصفُه الآخر مُنَقْرَسٌ، فلو طارت ذبابة بقربه (٧) لآلمته، والآفةُ في هذا كله أنِّي قد جاوزت (٨) تسعين سنة، ثم أنشد يقول: [من الوافر] أترجو أن تكونَ وأنت شيخٌ … كما قد كنت أيَّام (٩) الشبابِ

стр. 7179

لقد كذبتكَ نفسُك ليس ثوبٌ … دَرِيسٌ كالجديد من الثيابِ ومات [الجاحظ] ببغداد في المحرَّم، ودُفن قريبًا من أبي حنيفة، وعمره مئةُ سنة [انتهت ترجمته] (١). عيسى بن إبراهيم أبو نوح، الكاتب المقتول، كتب للفتح بن خاقان، ثمَّ للمتوكِّل، وكان جوادًا ممدَّحًا، ومدحه البحتريُّ (٢) فقال: [من الكامل] وأخٍ لبستُ العيشَ أخضر [ناضرًا] (٣) … بكريمِ عِشْرَتِه وفَضلِ إخائِهِ ما أكثرَ الآمال عندي والمُنَى … إلَّا دفاعُ اللهِ عن حوبائِهِ وعلى أبي نوحٍ لباسُ محبَّةٍ … تعطيه محضَ الودِّ من أعدائِهِ تنْبِي طلاقةُ وجهه عن جودِهِ … فتكاد تلقى النُّجْحَ قبلَ لقائِهِ وضياءُ وجهٍ لو تأمَّله امرؤٌ … صادي الجوانحِ لارتوى من مائِهِ (٤) [تمام حديث] المعتزِّ بالله [واسمه] محمد بن جعفر المتوكِّل قد ذكرنا ما فعله به الأتراك (٥)، ثمَّ أتوا به إلى المهتدي بعد ما سلَّمه صالحٌ إلى نوشري (٦)، فعذَّبه بأنواعِ العذاب، ومشَّاه في الرمل حافيًا، فطلب نعلًا فلم يعطوه، فأسبل سراويله على رجليه، ومشى، وجعل يستغيثُ فلا يغاث. [واختلفوا في كيفيه قتله على أقوال؛ أحدها أنَّهم] (٧) أدخلوه حمامًا، ومنعوه الماء

стр. 7180

البارد، ثمَّ أخرجُوه، فسقوه الماء والثلج فمات. [والثاني] (١) أنهم نزعوا أصابعَ يديه ورجليه ثمَّ خنقوه، [والثالث] (٢) أنَّهم أدخلُوه سردابًا مجصَّصًا بجصٍّ جديد (٣)، فاختنق، ولم يعذَّب خليفةٌ ما عذِّب على صغرِ سنه. وكانت وفاته يوم السبت لستٍّ خلون من شعبان، وقيل: لليلتين خلتا منه (٤). [وذكره جدِّي في "التلقيح" وقال: مات المعتز بمكروهٍ نالهُ في] اليوم الثاني من رمضان، [وقيل: في غُرَّة شعبان،] وكانت ولايتُه ثلاثَ سنين وستَّة أشهر وثلاثة وعشرين يومًا (٥)، و [كان سنُّه يوم قتل أربعةً وعشرين سنة (٦)؛ لأنَّه ولد في رمضان سنة اثنتين وثلاثين ومئتين قبل خلافة أبيه المتوكِّل بثلاثة أشهر وعشرة أيَّام]، وأخرجوه ميتًا، وأحضروا القضاة والشهود، فشهدُوا أنَّه لا أثرَ به، ودُفِن إلى جانب أخيه المنتصر في ناحية قصر الصوامع، [فقال الخطيب: كان ابن ثلاث وعشرين سنة، وقال ابن أبي الدنيا: دفن] (٧) بمكان يقال له: السَّمَيدَع [عند أخيه المنتصر]. وكان أبيض جميلًا على خدِّه الأيسر خالٌ أسود، وصلى عليه [محمد بن الواثق الملقب] المهتدي، ونقشُ خاتمه: المعتزُّ بالله، وهو ثالثُ خليفة خُلِعَ من بني العباس، ورابعُ خليفة قتل منهم. [وقال الصوليّ: ولمَّا قتلَه صالح بن وصيف ظفر بأمَّه قبيحة، فأخذَ أموالها وذخائرها، وركبَ منها الفاحشة، ونفاها إلى مكَّة، فكانت تتعلَّق بأستار الكعبة،

стр. 7181

وتدعو عليه وتقول: اللهمَّ خذ لي بحقِّي من صالح، فقد فعل بي وفعل بي، فاستجابَ الله لها، فَقُتِل أقبحَ قتلةٍ لما نذكر]. وكان له من الولد جماعةٌ لم يشهر منهم إلا عبد الله، وليَ الخلافة يومًا واحدًا، وسمَّى نفسَه الغالب [، وسنذكره]. ووزرَ للمعتزِّ جعفرُ بن محمد (١) الإسكافيّ، ثمَّ عزلَه وولَّى عيسى بن فرخان شاه، ثم أحمد بن إسرائيل. وقاضيه الحسنُ بن أبي الشوارب. وقال البحتريُّ الشاعر: كنتُ مصاحبًا لأبي معشر المنجِّم، فأضقنا إضاقةً شديدةً، فدخلنا على المعتزّ، وهو محبوسٌ قبلَ أن يليَ الخلافة، فأنشدتُه أبياتًا كنتُ قلتُها في محمد بن يوسف الثَّغْريّ لمَّا حُبِس، وكأنِّي عملتها في الحال وهي: [من الطويل] جعلتُ فداكَ الدهرُ ليس بمنفكِّ … من الحادث المشكوِّ والنازلِ المُشْكِي وما هذهِ الأيَّام إلَّا منازلٌ … فمن منزلٍ رحبٍ ومن منزلٍ ضَنْكِ وقد هذَّبتكَ الحادثاتُ وإنَّما … صفا الذهبُ الإبريزُ قبلَك بالسبكِ أما في رسولِ الله يوسفَ أسوةٌ … لمثلكَ محبوسًا على الظُّلم والإفكِ أقام جميلَ الصبر في الحبسِ بُرهةً … فآل به الصبرُ الجميل إلى الملك (٢) وكان على رأسِه خادمٌ، فدفعَ إليه الرقعةَ التي فيها الأبيات، وقال له: احتفظ بها، فإن فرَّج الله عنِّي فذكِّرني بها، لا ينسى حقُّ هذا الرجل (٣). وكان أبو معشر قد أخذَ مولده، فحكم له بالخلافة بمقتضى طالع الوقت، فناولَه رقعةً فيها ذلك، وانصرفنا، فلما وليَ الخلافةَ دخلنا عليه، وأعطَى كلَّ واحدٍ منَّا ألف دينار، وأجرى له في كل شهرٍ مئةَ دينار (٤).

стр. 7182

وقال الزبير بن بكَّار: دخلتُ على المعتزِّ فقال لي: يا أبا عبد الله، قد قلتُ أبياتًا في مرضي هذا -وكان مريضًا- وقد أعيا عليَّ إجازةُ بعضها، فأنشدَني: [من البسيط] إنِّي عرفتُ علاج القلب من وجعِ … وما عرفتُ علاجَ الحب والهلعِ جزعتُ للحبِّ والحمَّى صبرتُ لها … [إني لأعجبُ من صبري ومن جزعي من كان يشغلُه عن حبِّه وجعٌ] … فليسَ يشغلني عن حبِّكُم وَجعي (١) قال الزبير: فقلت [له:] وما أملُّ حبيبي (٢) ليلتي أبدًا … مع الحبيبِ ويا ليتَ الحبيبَ معي (٣) محمد بن عِمْران ابن زياد الضَّبِّيّ، أبو جعفر النحوي الكوفي. كان الغالب عليه الأخبار والأدب، وكان ثقةً فيما ينقل، وكان شيخًا حلوًا، وكان قبل أن يؤدِّب [عبد الله بن] المعتزّ معلمًا يعلِّم الصبيان، فلمَّا اتَّصل بالمعتز، جعلَه على القضاة والفقهاء، فاجتمعوا إليه يومًا فنعسَ، ففتحَ عينيه وقال: تهجَّوا، فضحكُوا. وحفَّظ عبد الله بن المعتزّ سورةَ النازعات، وقال له: إذا سألكَ أبوك أميرُ المؤمنين: في أي سورة أنت؟ فقل: في السورة التي تلي عبس، فسألَه أبوه، فقال ذلك، فقال: من علَّمكَ هذا؟ قال: معلمي، فأمرَ له بعشرة آلاف درهم (٤). محمد بن كَرَّام ابن عِراق، أبو عبد الله، السِّجزيُّ العابد، شيخ الكرَّاميَّة. أصله من مرو من قريةٍ يُقال لها: زَرَنْج (٥)، ونشأ بسجستان، ثم دخلَ خراسان. وصرَّح في كتبه بأن [الله] (٦) جسم، وأنَّ ذاتَه محلُّ الحوادث، وأنه مماسُّ العرش،

стр. 7183

فلا هو سكت سكوتَ الزاهدين، ولا تَفلَّقَ بكلام المتكلمين. وذكره أبو حاتم بن حبان الحافظ في كتاب "المجروحين" وقال: كأنَّه خُذِل حتى التقط من المذاهب أردأها، ومن الأحاديث أوهاها، وجالسَ أحمد الجُوَيباري وابنَ تميم، ولعلَّهما قد وضعا على رسول الله ﷺ وعلى الصحابة والتابعين مئةَ ألف حديث، ثمَّ جالس أحمد بن حرب الأصفهاني بنيسابور، فأخذ عنه التقشُّف، ولم يكن يُحسِنُ العلم. وقال أبو عبد الله الحاكم: جاورَ بمكَّة خمسَ سنين، ثمَّ انصرفَ إلى نَيسابور، فحبسَه طاهر بن عبد الله بن طاهر، فلمَّا أطلقَه خرجَ إلى بعض ثغور الشام، ثم عاد إلى نيسابور، فحبسه محمد بن طاهر، وطالت حبسته ومحنته، وكان يغتسلُ كُلَّ جمعة، ويتأهَّبُ للخروج إلى الجامع، ويقول للسجَّان: أتأذنُ لي في الخروج إلى الجمعة؟ فيقول: لا، فيقول: اللهمَّ إنَّك قد علمتَ أنِّي قد بذلتُ مجهودي، والمنعُ من غيري (١). ومكث بنيسابور أربع عشرة سنة، منها ثمانيةٌ في السجن، وكان في أوَّل أمره يلبسُ مَسْكَ ضأنٍ مدبوغ، وعلى رأسه قلنسوةٌ بيضاء، ويجلس فيعظُ ويذكِّرُ الناس (٢). وقال الشهرستانيُّ: كان محمد بن كرَّام قليلَ العلم قد قمَّشَ من كل مذهَبٍ ضِغْثًا، وأثبتَه في كتابه، وروَّجهُ على أغتامٍ، فانتظمَ ناموسُه بسواد خراسان، وصار ذلك مذهبًا، قد نصره السلطان محمود بن سُبكتكين، وصبَّ البلاءَ على أصحاب الحديث من جهتهم (٣)، وأصحابُه فرقٌ، ونصَّ على أن معبودَه على العرش مستقرٌّ، وأطلقَ عليه اسمَ الجوهر، وأنَّه سبحانه مماسُّ العرش من الصفحة العليا، وجوَّزَ عليه الانتقال والتحويل (٤). ذكر وفاته: لمَّا أطلقَه محمدُ بن طاهر خرج إلى الشام، فنزلَ القدس، فنفاهُ الأمير يانس -وكان

стр. 7184

على الرملة والقدس- فنزل زُغَر، فمات بها في صفر، ثُمَّ حُمِل إلى القدس ميتًا، فدُفن بمقابرِ الأنبياء، عند باب أريحا، بقرب يحيى بن زكريا ﵉، ولم يَعلم به أحد. وتوفِّي وأصحابُه بالقدس أكثرُ من عشرين ألفًا على التقشُف والتعبُّد، ولهم رباطٌ يجتمعون إليه، ويظهرونَ النسك. وكان نصر بن إبراهيم المقدسيّ ينكرُ عليهم ويقول: ظاهرٌ حسن وباطن قبيح. وكان بالقدس رجلٌ يقال له: هجَّام يحبُّ الكَرَّاميَّة، ويحسنُ الظنَّ بهم، فنهاه الفقيه نصر، فقال: إنَّما لي ما ظهر منهم، فلمَّا كان بعدَ ليالي رأى هجَّام في منامه كأنَّه اجتازَ برباطهم، وقد نبتَ النرجسُ في حيطانِه، فمدَّ يده ليأخذَ منه باقةَ نرجس، فوجدَ أصولَه في العَذِرَة، فقصَّ رؤياه على الفقيه نصر، فقال: هذا تصديقُ ما قلت لك: ظاهرُهم حسن، وباطنُهم خبيث (١). قال المصنِّف ﵀: وأصحابُ ابن كرَّام اليوم بسجستان وخراسان، منهم خلقٌ كثير، ولهم معبدٌ رائد، ولهم مقالاتٌ في التشبيه والحلول (٢). مُعَلَّى بن أيوب أبو العلاء الكاتب، وهو ابن خالة الفضل والحسن بن سَهْل. وكتب للحسن بن سهل ثم للمأمون ثم للمتوكِّل، وكان عفيفًا، وإليه المظالم. وقال معلَّى: [حدثني أحمد بن صالح بن أبي فنن الشاعر قال:] (٣) كان محمدُ بن يزيد بن مَزْيد الشيباني أجودَ بني آدم في عصره، لا يردُّ طالبًا من حاجة، فإن كانت عنده دفعها، وإن لم تكن عنده لم يقل: لا، ولكنه يَعِدُ، ثمَّ يستدينُ وينجزُ وعدَه، وأنشدني أحمد بن صالح بن أبي فنن فيه: [من الكامل] عشقَ المكارمَ فهو مشتغلٌ بها … والمكرماتُ قليلةُ العشَّاقِ وأقام سوقًا للثناء ولم يكن … سوقُ [الثناء يعدُّ] (٤) في الأسواق

стр. 7185

بثَّ الصنائعَ في البلاد فأصبحتْ … تُجبى إليه محامدُ الآفاقِ وقال معلَّى: دخلتُ على المأمون، فرأيتُه مقبلًا على شيخٍ شديد بياضِ الثياب، حسن اللحية، على رأسه لاطية، فقلت: من هذا؟ قالوا: أبو العتاهية، فقال له المأمون: أنشدني من شعرك، فقال: [من مجزوء الكامل] أنساكَ محياكَ المماتَا … فطلبتَ في الأرض الثباتَا أَوثقِت بالدنيا وأنْـ … ـتَ ترى جماعتَها شتاتَا إنَّ الإله يُميتُ من … أَحْيى ويحيي من أماتَا يا من رأى أبويه في … من قد رأى كانا فماتَا (١) وقال: دخلتُ على عبد الله بن طاهر، فدخلَ عليه رجل، فأجلسَه على سريره -وكان يعرفه قديمًا- ثم أنشدَه ابنُ طاهر: [من الوافر] أميلُ مع الذِّمام (٢) على ابن عمِّي … وأحملُ للصديقِ على الشقيقِ فإن ألفيتني ملكًا عظيمًا … فإنَّك واجدِي عبدَ (٣) الصديقِ أفرِّقُ بين معروفي ومَنِّي … وأجمعُ بين مالي والحقوقِ * * *

стр. 7186

السنة السادسة والخمسون بعد المئتين فيها قدم موسى بن بُغَا سامرَّاء يوم الإثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرَّم، عبَّأ أصحابَه ميمنةً وميسرة، وأقام هو في القلب، وشهرُوا السلاح، ودخلوا المدينة مجمعين على قتل صالح بن وصيف، يقولون: قَتلَ المعتزَّ، وأخذَ أمواله وأموال قبيحة وأموال الكتَّاب، وفعل وفعل، وصاحت العامة في الأسواق بصالح: يا فرعون قد جاءك موسى. وكان المهتدي قد جلس للمظالم، فطلب موسى الإذنَ عليه، فلم يأذن لهم، فهجمَ بمن معه عليه، أقاموه من مجلسه وحملوه على دابَّة من دواب الشاكريَّة، ومضوا يريدون الكَرْخ، وانتهبُوا ما كان في الجَوْسَق، فلمَّا وصلوا إلى دار ياجور، أدخلُوا المهتدي إليها، وهو يقول لموسى: ويحك يا موسى، اتَّقِ الله، ما تريد؟ فإنَّك قد ارتكبتَ أمرًا عظيمًا. فقال له موسى: والله ما نريدُ إلَّا خيرًا، وتربةِ المتوكِّل، لا نالكَ منَّا سوءٌ البتة. ولو أرادوا به خيرًا لقالوا: وتربةِ المعتصم والواثق. ولمَّا صاروا به إلى دار ياجور، وأخذُوا عليه العهودَ والمواثيق لا يمالي صالحًا عليهم، ولا يضمرُ لهم سوءًا، ويكون باطنه مثل ظاهره، فحلف، وجدَّدوا له البيعةَ ليلة الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من المحرَّم. وأصبحوا يوم الثلاثاء، فبعثُوا إلى صالح أنْ يحضرهم للمناظرة، فوعدَهم أن يصير إليهم، فقيل لبعض الفراغنة: ما الذي تريدون منه؟ قال: دماء الكتَّاب، ودم المعتزّ، وما أخذ منه ومن كتَّابه ومن أمِّه. وأصبحَ صالح يوم الأربعاء فاستتر، وأقيمَ النداءُ عليه، ورُدَّ المهتدي إلى الجَوْسَق (١). ولثمانِ ليالٍ بقينَ من صفر قُتِل صالح بن وصيف. وسببُ قتله أنَّه لمَّا كان يومُ الأربعاء لثلاثٍ بقين من المحرَّم، أُظهر كتابٌ ذكرَ أنَّ سيما الشرابي زَعَمَ أنَّ امرأةً

стр. 7187

جاءت به، ودفعتهُ إلى كافور الخادم، وقالت: فيه نصيحةٌ لأمير المؤمنين، فإن طلبتموني ففي المكان الفلاني، فلمَّا وقف عليه المهتدي طلبَها في المكان، فلم يوجد لها أثر، فدعا المهتدي سليمان بن وهب، وموسى بن بغا، ومُفْلِح، وباكباك، وياجور، وأعيانهم، ودفع الكتابَ إلى سليمان وقال: أتعرفُ هذا الخط؟ قال: نعم، هذا خطُّ صالح، فقرأه عليهم، وفيه يذكر أنه مستخفٍ بسامرّاء، وإنَّما استتر خوفًا من الفتن واتصال الحروب، وأنَّ الأموال علمُها عند الحسن بن مَخْلَد، وذكر وجوهًا في تفرقة أموال قبيحة وغيرها، وكان كتابه يدلُّ على قوَّةٍ في نفسه. فذكر المهتدي ما يدلُّ على الصلح ودفع الفتن، فلمَّا سمعَ القومُ اتَّهموه بأنَّه يعلمُ علمَ صالح، وأنَّه يتقدَّمهم عنده، فكان بينهم في هذا كلام، فأصبحُوا يوم الخميس لليلتين بقيتا من المحرم، فصاروا إلى دار موسى بن بُغَا، وتراطنوا وتكلَّموا في خلع المهتدي وقتله، فقال لهم باكباك (١): ويحكم، قتلتُم ابنَ المتوكِّل وهو حسن الوجه، سخيُّ النفس، وتريدون أن تقتلوا هذا، وهو مسلمٌ يصوم ويصلِّي، ولا يشرب النبيذ، من غير ذنب! والله لئن فعلتم هذا لأَصِيرَنَّ إلى خُراسان، ولأُشِيعَنَّ أمركم هناك. وبلغ المهتدي، فخرج إلى مجلسه وقد لبس ثيابًا بياضًا، وتطيَّب، وتقلَّد بسيف، ثمَّ أمرَ بإدخالهم إليه، فقال لهم: قد بلغني ما أنتم عليه، ولستُ كمن تقدَّمني مثل أحمد المستعين، ولا مثل ابن قبيحة، والله ما خرجتُ إليكم إلَّا وأنا متحنِّط، وقد أوصيتُ إلى إخوتي بولدي، وهذا سيفي، والله لأضربنَّ به ما استمسكت قائمتُه بيدي، ولئن سقط مني شعرة، ليذهبنَّ بها أكثركم، أمَّا دين! أما حياء! أما رِعَة (٢)! كم يكون الخلافُ على الخلفاء، والإقدامُ والجرأةُ على الله؟! ثم قال: ما أعلم علم صالح. قالوا: فاحلف لنا، فقال: إذا كان يوم الجمعة وحضرَ القضاة والهاشميون والشهود والقوَّادُ، فإذا صلَّيتُ الجمعة حلفتُ لكم، ليكون اليمينُ بحضرتهم، فرضوا بذلك، وانفصلوا على هذا. ثمَّ ورد مال من فارس والأهواز يوم الأربعاء لثلاثٍ بقينَ من المحرم، ومبلغُه عشرة

стр. 7188

آلاف ألف درهم (١)، وخمس مئة ألف. فانتشرَ في العامَّةِ أنَّ الأتراكَ قد اتَّفقوا على خلع المهتدي، والفتك به، فثار العوام والقوَّاد، وكتبوا رقاعًا، وألقَوها في الجوامع والمساجد والطرقات مضمونها: يا معاشر المسلمين، ادعوا الله لخليفتكم العدل الرضا، المضاهي لعمر بن الخطاب، أنْ ينصره على عدوِّه، ويكفيه مؤنة ظالمه. وتحرَّكَ أهلُ الكَرْخ والدور، وكانوا مع المهتدي، وراسلُوه في الوثوب بالأتراك وبموسى بن بُغَا وغيره، فأرسل إليهم وجزاهم خيرًا، ووعدَهم بكلِّ خير (٢). وفيها تحرك الزَّنج من السَّبَخَة وقربوا من البصرة، وأخذوا مراكبَ كثيرة، وغنموا منها أموالًا جليلة، وكانوا قد هزموا جُعلان، فتهيَّأ سعيد الحاجب نحوهم (٣). وفي مستهل جمادى الأولى رحلَ موسى بن بُغا وباكباك إلى مُساور الشاري، وكان بالسِّنِّ قريبًا من الموصل، وجاءهم المساء، وكانوا عند جبل، فأوقد مساور النيران على رأس الجبل، ثم نزلُوا من مكانٍ آخر ومضوا، وفارقوا موسى، فأقام موسى وباكباك وجماعة من الموالي بالكُحَيل (٤). ولأربع عشرة ليلةً خلت من رجب خُلِع المهتدي، وقُتِل يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلةً بقيت منه، وسبب (٥) ذلك [أنَّ الجند] (٦) ثاروا يطلبونَ العطاء، فلم يعطِهم شيئًا، ووعدَهم، وكان موسى بن بُغا وباكباك والموالي بطريقِ خراسان في طلب مساور الشاري، وكان المهتدي قد استمالَ جماعةً من الأتراك منهم باكباك، وهو مع موسى في وجه الشاري، فكتب إلى باكباك يأمره يقتلُ موسى ومُفْلِحًا، أو يحملهما إليه مقيَّدَين، ويكون هو الأمير على الأتراك، فأوقف (٧) موسى على كتابه وقال: إنِّي لستُ

стр. 7189

أفرح بهذا، وإنَّما هذا تدبيرٌ علينا جميعًا، وإذا فَعَلَ بك اليوم شيئًا فَعَلَ بي غدًا مثله، فماذا ترى؟ فقال: أرى أن تصير إلى سامرَّاء وتخبره أنَّك في طاعته وناصره، فإنَّه يطمئنُّ إليك، ثم ندبِّرُ في قتله. فسار إلى سامرَّاء ودخل على المهتدي، فغضب وقال: ألم آمرك تقتل موسى ومفلحًا، فداهنت في أمرهما؟! فقال: يا أمير المؤمنين، كيف كنتُ أقدرُ عليهما، وجيشُهما أعظمُ من جيشي، ولكنِّي قد قدمت بجيشي ومن أطاعني، لأنصرنَّك عليهما، وقد بقيا في عددٍ يسير، فأمرَ بأخذِ سلاحه، فقال: أذهب إلى منزلي وأعود، فليس مثلي من يفعل به هذا، فقال: أحتاجُ إلى مناظرتك، فأخذ سلاحَه وحبسه، ولما أبطأ خبرُه على أصحابه، قال لهم أحمد بن خاقان حاجبه: اطلبوا صاحبكم قبل أن يحدثَ به حدث، فجاشوا وأحاطوا بالجَوْسَق، فقال المهتدي لصالح بن علي بن يعقوب بن أبي جعفر المنصور: ما ترى؟ فقال: قد كان أبو مسلم أعظم شأنًا من هذا العبد، وأنت أشجع من المنصور، فاقتلهُ، فأمر بضربِ عنقه، فقُتِل، وألقي رأسُه إلى أصحابه، فجاشوا، وأرسل المهتدي إلى الفراغنة والمغاربة والأشروسنية، فجاؤوا، فاقتتلوا، فقتل من الأتراك أربعة آلاف، وقيل: ألفان، وقيل: ألف، وذلك يومَ السبت لثلاث عشرة خلت من رجب. وحجز بينهم الليل وجاؤوا يوم الأحد، ومعهم أخو باكباك وحاجبه أحمد بن خاقان في زهاء عشرة آلاف، وخرج المهتدي ومعه صالح بن علي، والمصحف في عنقه، وهو يقول: أيُّها الناس، انصرُوا خليفتكم، وحمل عليهم طغوبا (١) أخو باكباك في خمس مئة رجل، فمالت الأتراكُ الذين مع المهتدي إلى طغوبا، والتحمَ القتال، فانهزم الذين كانوا مع المهتدي، وكثر فيهم القتل، ومضى المهتدي يركض منهزمًا، والسيف في يده مشهور، وهو ينادي: أيُّها الناس، انصروا خليفتكم، ولم يزل منهزمًا حتى وصل إلى دار [أبي] (٢) صالح بن محمد بن يزداد، فدخلَها، ورمى سلاحه، ولبس البياض ليعلوا دارًا فينزل إلى أخرى ويهرب، وجاء أحمد بن خاقان حاجب باكباك، فسأله عنه، فأخبر به، فتبعَه

стр. 7190

فهرب، فرماه بعضهم بسهم، ولفحه بالسيف، ثم حُمِل إلى أحمد بن خاقان، فأركبوه بغلًا، وجعلوا خلفَه سائسًا، وحملوه إلى دار أحمد، وجعلُوا يوقعون به الفعل في رأسه ووجهه (١)، وسألُوه عن ثمن ما باع من القصر الجعفريّ من المتاع وأواني الذهب والفضة -وكان باعَ الجميع لمَّا ولي- فأقرَّ لهم بستِّ مئة ألف دينار مودعةٍ ببغداد، أودعها الكرخي، وأخذوا خطَّه إلى خَشَف الواضحية المغنية بستِّ مئة ألف دينار، ودفعوه إلى رجلٍ، فعصرَ على خصيتيه حتى مات (٢). وقيل: لمَّا أخرجُوه من الدار كان به طعنةٌ في خاصرته فحملوه على برذون أعجف في قميص وسراويل (٣). وقيل: لمَّا صاروا به إلى دار أحمد بن خاقان أرادوه على الخلع، فأبى، واستسلم للقتل وكان قد كتب بيده رقعةً لموسى وباكباك ومُفْلح وجماعةٍ من القوَّاد أنَّه لا يغدرُ بهم، ولا يغتالهم، ولا يواطئُ عليهم بقتلٍ ولا غيره، وأنَّه متى فعلَ ذلك فيهم، فيحلُّ من بيعته، والأمر إليهم يولُّون من أرادوا، فلمَّا قتل باكباك، وفعل ما فعل، استحلُّوا بذلك نقضَ أمره، فخلعُوه وقتلوه (٤)، وبايعوا أحمد بن المتوكل، ولقَّبوه المعتمدَ على الله (٥). الباب الخامس عشر في خلافة المعتمد (٦) [واسمه] أحمد بن جعفر المتوكل، ويكنى أبا العباس، وقيل: أبا جعفر، وأمُّه روميَّةٌ اسمها فِتْيان. ولد بسرَّ من رأى في أوَّل المحرَّم سنة تسعٍ وعشرين ومئتين، ولم تُدرِك أمُّه خلافتَه، وكان أسمرَ أعين، صغيرَ اللحية، خفيفَ الجسم، جميلًا، بوجهه أثرُ جدريّ (٧).

стр. 7191

[ذكر بيعته:] وبويع يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلةٍ بقيت من رجب [في هذه السنة]، في اليوم الذي توفِّي فيه المهتدي (١)، وهو ابن عمِّه لحًّا، وكان له يوم وليَ خمسٌ وعشرون سنة وشهورًا. وقيل: إنَّ المهتدي قُتِلَ بعد بيعة المعتمد بيومين في يوم الخميس (٢). ودخل موسى بنُ بُغَا سامراء يوم السبت لعشرٍ بقين من رجب، فسلم على المعتمد، فخلع عليه، وسكن الناس وخمدت [الفتنة] (٣). وكان المعتمدُ [بن فتيان] محبوسًا بالجَوْسق، فأخرجوه وبايعوه (٤). ولمَّا هلك المهتدي، طلب الأتراك أبا نصر محمد بن بغا أخا موسى، وهم يظنونه حيًّا، وكان المهتدي [قد] قتله يوم قتل باكباك، فدُلُّوا عليه في القصر، فنبشوه، [وأخرجوه] مذبوحًا، وحملوه إلى أهلِه، وكَسرتِ الأتراكُ على قبره ألف ألف سيف (٥)، وهذه عادتهم، وحُمِلت جثَّة باكباك فدفنت، [وسنذكر مقتل المهتدي في ترجمته] (٦). وحَبس المعتمدُ أولادَ المهتدي ببغداد، وضيَّقَ عليهم، وكان أكثرهم مرضى مقلِّين، فجعلُوا يبكون من الجوع، فبلغ خبرُهم إسماعيلَ بن إبراهيم نقيب العباسيين، فبعثَ إليهم بطعام، وكان يتفقَّدُهم، ولمَّا ولي المعتمدُ ولَّى أخاهُ طلحةَ الموفق العهد، وولَّاه المشرق، وجعلَ المعتمدُ ابنَه جعفرًا وليَّ عهده، وولاه المغرب، ولقبه المفوِّض إلى الله، وانهمك المعتمدُ في لهوه ولذَّاته، واشتغلَ عن الرعية، فكرهه الناس، ومالوا إلى أخيه طلحة (٧).

стр. 7192

وفيها دخل الزَّنْج البصرة لعشرٍ بقين من رجب، فقتلوا وفتكوا، ثمَّ دخلوا الأُبُلَّة والأهواز، ففعلوا فيها أكثرَ ممَّا فعلوا بالبصرة، وهربَ أهلُها (١). وفيها ظهرَ بالكوفة عليُّ بن زيد الطالبي. وفيها غلب الحسن بن زيد الطالبيّ على الرَّيِّ، فجهَّز إليه المعتمدُ موسى بن بُغَا في الموالي، وخرجَ معه مشيِّعًا له (٢). وحجَّ بالناس محمدُ بن أحمد بن عيسى بن أبي جعفر المنصور. وفيها توفي الحسنُ بن عليّ المُسوحيّ البغداديّ (٣) أوحدُ زمانه في علوم الحقائق، ولم يكن له مأوى غير المساجد، وهو أستاذُ أكثر البغداديين، وهو من كبار أصحاب السريّ، وهو أوَّلُ من عقِدت له الحلقةُ ببغداد، فتكلَّم في علوم الحقائق، ولم يتخلَّف عن مجلسه أحد من أصحاب السريّ، ولم يكن له روايةٌ يُعرَف بها. قال المُسوحي: كنت آوي إلى باب الكُناس (٤) كثيرًا، وكنتُ أدخل مسجدًا هناك أتَّقِي من الحر، وأستكنُّ من البرد، فدخلتُ يومًا وقد كظَّني الحرُّ واشتدَّ عليَّ، فحملتني عيني، فنمتُ، فرأيتُ كأنَّ سقفَ المسجد قد انشقَّ، فنزلت منه جاريةٌ عليها قميصُ فضَّة يتخَشْخَش، ولها ذؤابتان، فجَلَسَتْ عند رجلي، فقبضت رجلي عنها، فمدَّت يدها فنالت رجلي، فقلت لها: يا جارية، لمن أنت؟ فقالت: لمن دامَ على ما أنتَ عليه. وقال الجنيد: كلمتُ الحسن المُسوحيَّ في شيءٍ من الأُنس، فقال: لو مات من تحت السماء ما استوحشتُ (٥).

стр. 7193

[وفيها توفي] الزبيرُ بن بَكَّار ابنِ عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزُّبير بن العوَّام، أبو عبد الله الأسديُّ المدنيّ، الإمامُ العلَّامة، صاحب كتاب "النسب". كان عالمًا بالأنساب، وأخبار المتقدِّمين، وأيَّام الناس، ولي القضاءَ بمكَّة، وقدم بغداد، وحدَّث بها، [وقال الخطيب:] كان ظريفًا كَيِّسًا. [وروى الخطيب بإسناده عن محمد بن إسحاق الصيرفي قال:] (١) سألتُ الزُّبير وقد جَرى حديث (٢) النساء: منذ كم لزوجتك معك؟ فقال: لا تسألني (٣)، ما يردُ القيامة أكثرُ كباشًا منها، ضحَّيتُ عنها بسبعين كبشًا. [وروى الخطيب أيضًا أن أخت الزبير مدحته] (٤) فقالت: إنَّ أخي خير رجل لأهله، لا يتزَّوجُ، ولا يشتري [له] جاريةً، فقالت امرأتُه: إنَّ هذه الكتب أشدُّ عليَّ من ثلاثِ ضرائر (٥). وكان الزبير ممدَّحًا مدحه ابنُ أبي طاهر فقال: [من البسيط] ما قال لا قطُّ إلَّا في تشهُّدِه … ولا جَرَى لفظُه إلَّا على نعمِ بين الحواريِّ والصِّدِّيقِ نسبتُه … وقد جَرى ورسولُ الله في رحِمِ (٦) أشارَ إلى صفيَّة بنت عبد المطلب ﵂ أمِّ الزبير. واستقدمَه الخليفةُ إلى بغداد، فلقيَه محمدُ بن عبد الله بن طاهر، فقال: لئن تباعدت بيننَا الإنسابُ، لقد تقاربت بيننا الآداب، ثم وصلَه وأحسنَ إليه (٧)، وأُخْرِج إلى سُرَّ من

стр. 7194

رأى، ثمَّ عاد إلى مكَّة، فماتَ بها وهو على قضائها (١). [روى الخطيبُ عن أحمد بن سليمان قال: توفِّي] ليلةَ الأحد. لتسعِ ليالٍ بقين من ذي القعدة، [سنة ستٍّ وخمسين ومئتين]، وقد بلغَ أربعًا وثمانين سنة، ودُفِنَ بمكَّة، وصلَّى عليه ابنُه محمَّد (٢). [قال:] وسبب وفاته أنَّه وقعَ من سطح داره، فأقامَ يومين لا يتكلم ومات. [قال أحمد بن سليمان: مات بعد فراغنا من كتاب "النسب" عليه بثلاثة أيَّام.] (٣) سمعَ خلقًا كثيرًا منهم سفيانُ بن عيينة وغيره، ورَوى عنه أحمدُ بن يحيى ثعلب، وخلق كثير، واتَّفقُوا على صدقه وثقته، وأنَّه لم يكن في الدنيا في زمانه أعلم منه في نسب قريش وأيَّام العربِ ووقائعها. صالح بن وَصِيف التركي أحدُ قوَّاد المتوكِّل، قدم معه دمشق سنةَ ثلاثٍ وأربعين ومئتين (٤)، وكان قد استطال على الخلفاء، وقتلَ المعتزَّ وأخذَ أمواله ومال أمِّه، وولَّى المهتدي الخلافة وحكم عليه، وكان موسى بن بُغا (٥) بالريّ فكتبت إليه قبيحة تخبرُه بما فعل صالح، فسار موسى إلى سُرَّ من رأى، فدخلها، واستتر [صالح بن وصيف] (٦)، فنادى موسى: من جاءَ به فله عشرةُ آلاف دينار، فلم يظفر به أحدٌ. واتَّفقَ أنَّ بعضَ الشاكريَّةِ دخلَ زقاقًا وقتَ الحرِّ يستترُ فيه، فرأى بابًا مفتوحًا ولم يسمع حسًّا، فدخل الدهليز -وكان طويلًا مظلمًا- فرأى صالحًا نائمًا وليس عنده أحدٌ،

стр. 7195

فعرفَه، فجاء إلى موسى بن بغا فأخبره، فبعث الموالي إليه فأخذوه. وقال إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مصعب بن زُرَيق: حدثني صاحبُ رَبْع القبَّة [وهو ربعٌ] (١) تلقاء دار صالح قال: بينَا نحن قعود يوم الأحد ثامن صفر (٢)، إذا غلامٌ قد خرجَ من زُقَاق، وأُراه مذعورًا، فأنكرناه، فأردنا أن نسألَه ففاتنا، وإذا بعيَّارٍ من موالي [صالح بن] وصيف قد أقبل، ويعرف بروزبه، ومعه ثلاث نفر، فدخلوا الزقاق، فلم يلبثوا أن أخرجوا صالحًا، فسألنا عن الخبر، وإذا بذلك الغلام قد دخل [دارًا في] (٣) الزُّقاق يطلبُ ماءً يشرب، فسمعَ قائلًا يقول بالفارسيَّة: أيّها الأمير تنحّ، فإنَّ غلامًا قد جاء يطلبُ ماء، فسمع الغلام ذلك، وكان بينه وبين هذا العيَّار [معرفة، فجاء فأخبره] (٤) فأخذ العيارُ ثلاثةً، وهجمَ عليه فأخرجَه. قال (٥): لمَّا نظرتُ إلى صالح في الدار، وإذا بيده مرآةٌ ومشطٌ، وهو يسرِّحُ لحيتَه، فلمَّا رآني بادرَ فدخل بيتًا، فظننتُ أنَّه يريدُ أخذَ سلاحٍ، فتلوَّمتُ ساعةً، وإذا به قد التجأَ إلى زاوية، فدخلتُ فأخرجتُه، فتضرَّعَ إليَّ، فقلت: ليس إلى إطلاقِك سبيل، ولكنِّي أمر بك على أبواب إخوتك وأصحابك وقوَّادك وصنائعك (٦)، فإن اعترض لي منهم اثنان أطلقتُك، قال: فخرجتُ به عليهم، فكلُّهم كان على مكروهه. وقيل: حملوه على بِرذَونٍ، ورأسه مكشوف، والعامَّة تعدو خلفه، فلمَّا صارُوا به إلى دار موسى، أتاه باكباك ومُفلح وياجور وساتكين وغيرهم من القوَّاد، وكانوا خائفين منه، ثم ذهبوا إلى الجَوْسَق، فبادرَه رجلٌ من أصحاب مفلح بضربةٍ من ورائه على عاتقه، فكاد يقدُّه نصفين، ثم احتزَّ رأسَه، وتركُوا جيفتَه هناك، وأتوا برأسه إلى

стр. 7196

المهتدي وهو قائمٌ يصلِّي المغرب، فلم يزدهم على أن قال: وارُوه، فلمَّا أن كان يومُ الاثنين تاسع صفر (١) حملُوا رأسَه على قناة، ونودي: هذا جزاءُ من قتلَ مولاه، [ونصب] (٢) بباب العامَّة ساعةً، ثم نُحّي، وفُعِل به ذلك ثلاثةَ أيَّام (٣)، وقال السَّلوليُّ لموسى: [من البسيط] ونِلتَ وتْرَك من فرعونَ حينَ طغَى … وجئتَ [إذ جئتَ] (٤) يا موسى على قَدرِ ثلاثةٌ كلُّهم باغٍ أخو حَسدٍ … يرميكَ بالظُّلم والعُنوانِ عن وَتَرِ وصيفُ بالكَرْخِ ممثُولٌ به وبُغا … بالجسرِ محترقٌ بالجمر والشَّررِ وصالحُ بن وصيفٍ بعدُ منعفرٌ … في الحير جيفتُه والروحُ في سَقرِ ورثى المهتدي صالحًا فقال: [من مجزوء الخفيف] رحمَ اللهُ صالحَا … فلقد كان ناصحَا ثم أضحى وقد ترا … مي به الدهرُ طائحَا والمنايا إن لم تُغَا … دكَ جاءت روائِحا (٥) وقال الصوليُّ: عذبوه كما فَعَل بالمعتزّ، ثم أدخلوه الحمام حتَّى قرَّ بالأموال، ثمَّ خنقوه، وقال أحمدُ بن صالح (٦) الخرَّاز: [من الطويل] دماءُ بني العباس غير ضوائع … ولا سيَّما عند العبيدِ الملاطعِ طغى صالحٌ لا قدَّس اللهُ صالحًا … على ملكٍ ضخم العلا والدسائعِ طغَى وبَغى جهلًا ونَوْكًا وغرَّةً … فأورد مولاهُ كريهَ المشارعِ وكان له ذو العرشِ طالبَ وتره … بموسى وموسى شاكر للصنائعِ يطيفُ برأسِ العبد ظهرًا وجسمُه … لقىً للضباعِ الناهشات الخوامعِ

стр. 7197

عبد الله بن محمد ابن المُهاجر، أبو محمد البغداديّ، ويُعرف بفُوران. من خواصّ أصحاب الإمام أحمد، وكان يقدِّمُه، ويكرمُه، ويحترمُه، ويأنسُ به، ويقترضُ منه، ومات الإمامُ أحمد وله عنده خمسونَ دينارًا، وأوصَى أنْ يعطى من غلَّته، فلم يأخذها فُوران، وأحلَّهُ منها. وولد للإمام أحمد ولد، فجاءَ إلى فوران وقال له: قد وهبَ الله لنا ولدًا، ما ترى أن نسميه؟ وكانت وفاةُ فوران منتصف رجب. حدَّث عن الإمام أحمد وغيره، وروى عنه عبد الله ابن الإمام أحمد وغيره. وكان صدوقًا زاهدًا ورعًا أمينًا (١). محمد بن إبراهيم أبو جعفر الأنماطيّ، ويعرف بمُرَبَّع، أحدُ الحفَّاظ. قال: حضرتُ عند الإمام أحمد بن حنبل، فذكرَ حديثًا، فقلت: أتأذنُ لي أن أكتبَ من محبرتك؟ قال: يا هذا، هذا ورع مظلم، اكتب. أسندَ عن أبي حذيفة النهديّ وغيره، ورَوى عنه القاضي المَحَاملي وغيره، وكان ثقةً (٢). محمدُ بن إسماعيل ابن إبراهيم بن المغيرة بن بَذْدِزْبة (٣)، أبو عبد الله، البخاريّ، الجعفيّ مولاهم. وكان المغيرةُ مجوسيًّا، أسلم على يدي يمان البخاريِّ الجعفيّ والي بخارى، نُسِب إليه (٤).

стр. 7198

وُلِدَ البخاريُّ يومَ الجمعة بعد الصلاة، لثلاث عشرة ليلة خَلت من شوال، سنة أربع وتسعين ومئة، وكان نحيفَ الجسم، ليس بالطويل ولا بالقصير (١). رحلَ في طلب العلم إلى سائر محدِّثي الأمصار، وكتبَ بخراسان، والجبال، ومدن العراق، والشام، ومصر، والحجاز، وصنَّفَ "الجامع الصحيح" و"التفسير" و"التاريخ" (٢). وكان قد ذهبَ بصرُه في صغره، فكانت أمُّه تبكي، فرأت في منامها إبراهيمَ الخليل ﵇ وهو يقول لها: يا هذه، قد ردَّ الله على ابنك بصرَه؛ لكثرة بكائك ودعائك، فأصبح وقد عادَ بصرُه (٣). ومَهرَ في معرفة الحديث، ورُزِقَ الحفظَ له. وقال محمد بن أبي حاتم الورَّاق: قلت للبخاري: كيف كان بدءُ أمرك في طلب الحديث؟ فقال: أُلهِمتُ حفظَ الحديث وأنا في الكُتَّاب، قلت: وكم أتى عليك إذ ذاك؟ فقال: عشر سنين أو أقل، ثمَّ خرجتُ من الكتَّابِ بعد العشر، فجعلتُ أختلف إلى الدَّاخلي وغيره، فقال يومًا في إملائه على النَّاس: عن سفيان، عن أبي الزبير، عن إبراهيم، قلت له: يا أبا فلان، إنَّ أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم، فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل، فدخل ثم خرج، وقال: كيف هو يا غلام؟ قلت: هو الزبير بن عدي (٤) عن إبراهيم، فأخذَ القلم منِّي، وأحكمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعض أصحابه: ابن كم أنت إذ ذاك؟ فقال: ابن أحد عشرة سنة، قال: فلمَّا طعنتُ في ستَّ عشرة سنة حفظتُ كتبَ ابن المبارك ووكيع، ثم خرجتُ مع أخي إلى مكَّة في طلب الحديث، ورجعَ أخي بعدما حجّ، وأقمتُ بها، فلما طعنتُ في ثمانِ عشرةَ سنة جعلتُ أصنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وصنفتُ كتابَ "التاريخ" إذ ذاك عندَ قبر النبي ﷺ في الليالي المقْمرة، وقلَّ اسمٌ في التاريخ إلَّا وله عندي قصَّة، إلَّا أنِّي كرهتُ

стр. 7199

تطويلَ الكتاب. وفي رواية عنه قال: كتبتُ تراجمَ الجامع الصحيح بين قبر رسول الله ﷺ ومنبره، كنتُ أصلِّي لكل ترجمة ركعتين (١). وكتبتُ عن ألف شيخ، وأخرجتُ هذا الكتابَ من زهاء ستِّ مئةِ ألف حديث وأكثر. ما وضعتُ في كتاب "الصحيح" حديثًا إلَّا اغتسلتُ قبلَ ذلك وصلَّيت ركعتين (٢). وقال الفَرَبْرِيّ: سمع كتاب "الصحيح" تسعون ألف رجل، ما بقي أحدٌ منهم يرويه غيري (٣). وروي عن البخاريِّ أنَّه قال: كتبتُ عن ألف شيخ، عن كلِّ واحدٍ عشرة آلاف حديث وأكثر، وما عندي حديثٌ إلا وأنا ذاكرٌ إسنادَه (٤). قال: ودخلتُ مرارًا بغداد، كل مرة أجالسُ أحمد بن حنبل، فقال لي في آخر ما ودَّعته: تتركُ العلمَ والناسَ وتصيرُ إلى خراسان؟! قال: فأنا الآن أذكرُ قوله (٥). يعني لمَّا امتُحن. وقال محمد بن يوسف: كنتُ أنامُ عند البخاريّ، فنمتُ عندَه ليلةً، فأحصيت أنَّه قام ثماني عشرة مرَّة، يوقدُ المصباح ويكتب ما يذكره (٦). وكان البخاريُّ حافظ زمانه، وكان الإمام أحمد يقول: البخاري من حفَّاظ زماننا. وكان يختلفُ إلى البصرة ولا يكتب، فقال له بعض رفقائه: لم لا تكتب؟ فقرأ عليهم جميعَ ما سمعوه من حفظه، وكان يزيد على خمسةَ عشر ألف حديث (٧). وكان بُندار يقول: ما قدمَ علينا مثلُ محمد بن إسماعيل (٨).

стр. 7200

وقال محمد بن نُمير: ما رأينا مثل البخاري (١). وقال الإمام أحمد: ما أخرجت خراسانُ مثلَ البخاري (٢). وقال إسحاق بن راهويه وعنده البخاري: يا معاشرَ أصحاب الحديث، اكتبُوا عن هذا الشاب، فإنَّه لو كان في زمنِ الحسن لاحتاجَ الناسُ إليه؛ لمعرفته بالحديث وفهمه (٣). وقال الدارقطنيُّ: لولا البخاريُّ ما ذهبَ مسلم ولا جاء. وقال محمد بن حَمْدويه: سمعتُ البخاري يقول: أحفظُ مئةَ ألف حديث صحيحة، ومئتي ألف غير صحيحة (٤). وقال أبو أحمد بن عدي الحافظ: سمعتُ عدَّة مشايخ يحكون أنَّ البخاريَّ قدمَ بغداد، فسَمِعَ به أصحابُ الحديث، فاجتمعوا وعمدوا إلى مئة حديث، فقلبوا متونَها وأسانيدَها، وجعلُوا متنَ هذا الإسناد لإسنادٍ آخر، وإسناد هذا المتن لمتنٍ آخر، ودفعوها إلى عشرة أنفس، إلى كل نفسٍ عشرةَ أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس يُلقونها على البخاريّ، فحضرُوا، فانتدَب رجل من العشرة، فسأله عن متن حديث من تلك الأحاديث، فقال: لا أعرفه، وسأله آخر، فقال: لا أعرفه، فما زال يُلقي عليه واحدًا بعد واحد، حتى فرغَ العشرة، والبخاريُّ يقول: لا أعرفه، فكان بعض الفُهماء قال: الرجُلُ فهِم، وبعضهم قال: الرجلُ عاجز، ثم انتدبَ رجلٌ آخر، فسألَه عن الأحاديث، ولا يزيده على: ما أعرفه، فلمَّا مسألة العشرة، التفتَ إلى الأوَّل فقال: أمَّا حديثُك الأول فهو كذا، والثاني كذا، والثالث كذا، حتى أتى على العشرة، فردَّ كل متنٍ على إسناده، وكلَّ إسنادٍ على متنه، وفعل بالجميع كذلك، فأقرَّ له الناسُ بالحفظ، وأذعنُوا له بالفضل. وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكرَه يقول: ذاك الكبشُ النَّطَّاح (٥).

стр. 7201

وذكر الخطيبُ أنّه حُمِل إلى البخاريَّ بضاعةٌ، أنفذَها إليه فلانٌ، فاجتمعَ إليه التجَّارُ بالعشيَّة، وطلبوها منه بربح خمسة آلاف درهم، فقال لهم: انصرفُوا الليلةَ، فجاءَ من الغد تجَّارٌ آخرون، وطلبوها بربح عشرة آلاف درهم، فقال: إنِّي نويتُ البارحةَ أنِّي أدفعُها إلى أولئك، وما أحب أن أغيِّرَ نيَّتي، فدفعها إلى الأُوَل (١). وكان البخاري يقول: أرجو أنْ ألقَى الله ولا يحاسبَني أنَّني اغتبتُ مسلمًا (٢). وكان يختم القرآنَ كلَّ ثلاثِ ليالٍ، ويقول: في عند كل ختمةِ دعوةٌ مستجابة (٣). وقال: جمعتُ الصحيحَ في ستة عشر سنة، وجعلتُه [حُجَّةَ فيما] (٤) بيني وبين الله تعالى. وقال الخطيب: كان البخاريُّ يصلِّي، فدخلَ زُنْبُورٌ بين ثيابه وجسده، فلسعَه في سبعة عشر موضعًا، ولم يقطع صلاته (٥). وقال الفضلُ بن إسماعيل الجُرْجَاني: [من المتقارب] صحيحُ البخاري لو أنصفوه … لمَا خُطَّ إلَّا بماءِ الذهبْ أسانيدُ مثلُ نجومِ السماء … أمامَ متونٍ كمثلِ الشُّهُبْ فيا عالمًا أجمعَ العالمون … على فضل رُتْبتِه في الرُّتَبْ نَفَيْتَ السقيمَ من النَّاقلين … ومن كان متَّهمًا بالكذِبْ وأثبَتَّ من عدَّلتهُ الرواة … وصحَّتْ روايتُه في الكُتُبْ وأبرزتَ من حسن ترتيبِه … وتبويبه عجبًا للعجبْ (٦) ذكر قدومه نيسابور ومحنته ووفاته: ورد البخاريُّ نيسابور، فقال يحيى بن محمد الذُّهْلِيّ: اذهبُوا إلى هذا الرجل

стр. 7202

العالم، فاسمعوا منه، فأقبلوا على السماع منه حتى ظهرَ الخللُ في مجالس محمد بن يحيى، فقال لهم: قد بلغني أنه يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، فامتحنُوه، فقامَ إليه رجلٌ من المحدِّثين فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول في اللفظ بالقرآن، مخلوقٌ أو غير مخلوق؟ فقال البخاريُّ: كلامُ الله غير مخلوفٍ، وأفعالُ العِباد مخلوقة (١)، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢)، فحركاتهم وأصواتُهم وكتابتهم مخلوقة، فصرَّح بأنَّ اللفظَ بالقرآن مخلوق (٣)، فشغبوا به وهجروه. وبلغ محمد بن يحيى فقال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق. فقد ابتدع، ولا يجالسُ ولا يُكَلَّم، ومن ذهب إلى البخاري بعدَ هذا فاتَّهموه، فإنّه لا يحضرُ مجلسَه إلا من هو على مثل هذا (٤). فخرج البخاريُّ إلى بُخارى، وترك نَيسابور، فلمَّا دخلَ بُخارى، أرسلَ إليه أميرُها خالد بن أحمد الذهلي: احمل إلينا "الجامع" و"التاريخ" وغيرهما (٥) لنسمعَها عليك، فقال البخاريُّ لرسوله: أنا لا أذلُّ العلم وأحملُه إلى أبواب الناس، فإنْ أرادَ السماع فليحضر إلى مسجدي، وإن لم يعجبه فيمنعني من الحديث؛ ليكون في عذرٌ عند الله يوم القيامة، فكان ذلك سببًا للوحشة بينهما، فاحتال عليه الوالي حتَّى أخرجَه من بُخَارى، فنزل قريةً من قرى سمرقند يقال لها: خَزتَنْك، على فرسخين منها، وله أقارب بها.

стр. 7203

وسببُ نفيه من نيسابور أنَّ أهلَها كتبوا إلى خالد بن أحمد الذهليّ يقولون بأنَّ البخاريَّ يقول: لفظي بالقران مخلوق، فقال الذُّهْليُّ: وما المحدث وهذا؟! وأراد قتلَه، فهرب، وكان خالدٌ من العلماءِ الأفاضل (١). وقال عبد القدُّوس السمرقندي: سمعتُ البخاري لمَّا أُخرج من بُخارى يقول في الليل: اللهم إنِّي قد ضاقت عليَّ الأرضُ بما رحبتْ، فاقبضني إليك، ودخل في الصلاة، فما تم التشهُّد حتَّى مات (٢). وكانت وفاتُه ليلةَ السبت عندَ صلاة العشاء الآخرة ليلةَ الفطر، ودفن يوم الفطر بعدَ صلاة الظهر بهذه القرية، وعمرُه اثنان وستون سنةً إلَّا أيَّامًا. وقيل: إلَّا ثلاثةَ عشر يومًا، ودُفن بخَزتَنْك ﵀ (٣). وقال عبد الواحد بن آدم الطَّواويسي: رأيتُ النبيَّ ﷺ في المنام ومعه جماعةٌ، وهو واقف، فسلَّمت عليه وقلت: يا رسولَ الله، ما وقوفك هاهنا؟ فقال: أنتظرُ محمَّد بن إسماعيل البخاريَّ، فماتَ في تلك الساعة (٤). وقال ابن أبي حاتم (٥) قدمَ البخاريُّ الريَّ سنةَ خمسٍ وخمسين ومئتين (٦)، وسمع منه أبي وأبو زُرْعة، ثم تَركا حديثَه عندما كتبَ إليهما محمد بن يحيى النيسابوريّ الذهليّ أنَّه أظهر عندهم أنَّ لفظَه بالقرآن مخلوق. وحكى ابن عساكر عن البخاريِّ أنَّه كان يقول: كلامُ الله غيرُ مخلوق، عليه أدركنا علماء الأمصار (٧).

стр. 7204

وقال الخطيب: قال البخاري: حركاتُ العباد وأكسابُهم وكتابتُهم مخلوقةٌ، فأمَّا القرآنُ المبين، المثبتُ في المصاحف، المسطور الموعى، فهو كلامُ الله ليس بمخلوق، قال اللهُ تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (١) [العنكبوت: ٤٩]. أسندَ البخاريُّ عن خلقٍ كثير، فمن أعيانهم الإمامُ أحمد بن حنبل، ويحيى بن مَعين، ومكِّي بن إبراهيم، ومحمدُ بن عبد الله الأنصاري، والفضلُ بن دُكين، وعفَّانُ بن مسلم، وأبو الوليد الطيالسي، والحُمَيديّ، والقَعنَبيّ، وعليّ بن المديني، وأبو اليمان الحمصي، وأبو عاصم النبيل، وغيرهم. وروى عنه إبراهيم الحربيّ، ومسلمُ بن الحجَّاج، وأبو حاتم وأبو زُرْعة الرازيَّان، ويحيى بنُ صاعد في آخرين. وقال ابن المدينيّ: ما رأى البخاريُّ مثله (٢). وكان مسلمٌ يجلسُ بين يديه ويسالُه سؤال الصبيِّ المتعلِّم (٣). محمد المهتدي بنُ هارون الواثق ابنِ محمد المعتصم (٤). قال أبو موسى العباسيّ: لم يزل المهتدي صائمًا منذ وليَ الخلافة حتى قتل (٥). وكان قد منعَ من الظلم والبغي والفساد، ونفى المغنيات، وحمل الناس على العدل وإقامة الصلوات، و [كسر] (٦) آلة المنكرات. وقال الصوليّ: كان إذا ركبَ أرتاعَ له الناس، ومنهم من يبكي إذا رآه، وكان عامَّةَ نهاره يكشف المظالم.

стр. 7205

وقال الإسكافيّ: حضرتُ مجلسَ المهتدي، وقد جلسَ للمظالم، فاستعداه رجلٌ على ابنٍ له، فأحضرَه، وحكم عليه بردِّ الحق، فقال الرجل: أنتَ والله يا أمير المؤمنين كما قال الأعشى: [من السريع] حكَّمتموه فقضَى بينكم … أبلجُ مثل القمر الزَّاهرِ لا يقبلُ الرشوة في حُكْمه … ولا يبالي غَبَنَ الخاسرِ (١) فقال له المهتدي: أمَّا أنا فما جلستُ هذا المجلس حتى قرأتُ: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَينَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧] فما رأيتُ باكيًا أكثرَ من ذلك اليوم (٢). وقال هاشم بن القاسم الهاشميّ: كنتُ بحضرة المهتدي عشيةً من العشايا، فلمَّا كادت الشمسُ تغرب وَثَبْتُ لأنصرف، وذلك في شهر رمضان، فقال لي: اجلس، فجلست، وأذن المؤذِّنُ وأقام، فتقدَّم المهتدي فصلَّى بنا، ثم ركع وركعنا، ودعا بالطعام، فأُحضِر طبق خِلاف (٣)، وعليه أرغفةٌ من الخبز النقيّ، وفيه آنيةٌ في بعضها ملحٌ، وفي بعضها خلٌّ، وفي بعضها زيتٌ، فقال: كل، فأكلت أكل من يظنُّ أنَّه سيؤتَى بطعامٍ آخر فيه سَعَةٌ، فنظر إليَّ وقال: ألم تكن صائمًا؟ قلت: بلى، قال: أفلست عازمًا على الصوم غدًا؟ قلت: بلى، أليس هو شهر رمضان؟! فقال: كل واستوف غداءَك، فليس هاهنا من الطعام غير ما ترى، فعجبتُ من قوله وقلت: ولم يا أمير المؤمنين، وقد وسَّع الله عليك الرزقَ وبسطه؟ فقال: الأمرُ على ما وصفت، والحمد لله على ذلك، ولكنِّي فكَّرت في أنَّه كان في بني أميَّة عمرُ بن عبد العزيز، وكان من التقلُّل والتقشُّف على ما بلغك، فغرتُ علي بني هاشم أن لا يكون في خلفائهم مثلُه، فأخذتُ نفسي بما رأيت (٤). ووجد للمهتدي بعد قتله سَفَطٌ فيه جُبَّة صوف وكساء وبُرنُس كان يلبسه في الليل

стр. 7206

ويصلِّي فيه، ويقول: أما تستحي بنو العباس أن لا يكونَ فيهم مثلُ عمر بن عبد العزيز، وكان قد حرَّم على نفسه الغناءَ والشُّرب، وحسمَ أصحابَ السُّلطان عن الظلم، ويجلسُ يوم الاثنين والخميس لكشف المظالم، والكُتَّابُ بين يديه (١). وكانت الهدايا تقبل في العيدين والنيروز، فلم يَقبل المهتدي لأحدٍ هديَّةً، فلمَّا حمل الناس على المحجَّة البيضاء، ثَقُلَتْ وطأتُه عليهم، فقتلوه. وقد مدحهُ الشعراء، فقال البحتريُّ قصيدةً أولُها: [من الطويل] إذا عرضتْ أحداجُ ليلى فنادِها … سقتك الغوادي المزن صوبَ عِهادها (٢) غدا المهتدي بالله والغيثُ مُلْحَقٌ … بأخلاقِه أو داخلٌ (٣) في عِدَادِها حمدنا له (٤) عهد الليالي وأشرقَت … لنا أوجُه الأيام بعد اربدادِها سَرَتْ تتبغاه الخلافةُ رغبةً … إليه بأوفى قصدِها واعتمادِها لَسجَّادة السجَّادِ أحسنُ منظرًا … من التاج في أحجارِه واتِّقادِها سأشكرُ من نُعمَاكَ آلاءَ مُنْعِمٍ … وجدتُ طريفي كلَّه من تِلادها من أبيات (٥) وقال: [من الطويل] لقد خوَّل الله الإمامَ محمدًا … خصوصَ معانٍ (٦) في قريشٍ عمومُها إذا المهتدي بالله عُذَت خلالُه … حسبتَ السماء كاثرتكَ نجومُها هجرتَ الملاهي حِسْبةً وتفرُّدًا … بآياتِ ذكرِ الله يُتلَى حكيمُها وما تحسن [الدنيا] إذا هي لم تعن … بآخرةٍ حسناءَ يبقَى نعيمُها

стр. 7207

بقاؤكَ فينا نعمةُ الله عندنا … فنحنُ بأوفى شُكرِها نستديمُها من أبيات (١) ذكر مقتله: اختلفوا في صفةِ هلاكه، وقد ذكرنَا بعض الأقوال. قال الصوليّ: لمَّا ظفروا به قالوا: اخلع نفسك، فامتنع، فقالوا: إننا بايعناكَ على أنَّك متى مالأتَ علينا أحدًا وجبَ خلعُك، وقد قتلتَ رئيسنا باكباك من غير ذنبٍ، وضربوه، فخَلَعَ نفسه، وحبسُوه في مكانٍ ضيِّقٍ، فماتَ في الليل من جراحاتٍ كانت به، فأخرجوه ميتًا، فصلَّى عليه جعفرُ بن عبد الواحد القاضي، ودُفِنَ إلى جانب المعتزِّ والمنتصر. وقيل: لما امتنع من الخلعِ عذَّبوه، وخلعُوا أصابع يديه ورجليه من كفيه وقدميه، فتورَّمت يداه ورجلاه فمات (٢). وقيل: لمَّا أحاط به عسكرُ باكباك انهزمَ إلى سامرَّاء يستغيث ولا مُغيثَ له، ثم وعظَ الناس، فانقادوا إليه، فقال لهم أحمد بن ثَوابة الكاتب (٣): إنَّما يقولُ هذا بلسانه، ولو تفرَّغ لبدَّد شملَكم، فمالوا عليه بالخناجر، فأوَّلُ من جاءه بخنجر ابن باكباك (٤)، وكان سكرانًا، فنَدَرَ الدمُ، فأقبلَ يمصُّ دمَه حتى رَوي، وقال: قد رَويتُ من دمه كما رَويتُ من الخمر، ومات، فلمَّا رأوه ميتًا قتيلًا قعدوا يبكُون عليه، وندموا على قتله، وكان قد تمكَّن له في قلوب الموالي هيبةٌ عظيمةٌ، فلمَّا جاهرَهم بالقتل قتلوه. وآخر ما سُمِع منه: [من الطويل] أَهُمُّ بأمر العزمِ لو أستطيعه … وقد حيلَ بين العَيرِ والنَّزَوانِ (٥)

стр. 7208

وكان قتلُه يومَ الثلاثاء لأربع عشرة ليلة بقيت من رجب (١). وقيل: لأربعٍ وعشرين ليلة خلت منه. وقيل: يوم الخميس الثاني عشر منه. وكانت خلافتُه أحدَ عشر شهرًا وستَّة عشر يومًا. وقيل: وسبعة أيام. وكان موصوفًا بالزهد والعقل والعدلِ، متحريًّا سيرةَ عمر بن عبد العزيز، ونقشُ خاتمه: محمدٌ أمير المؤمنين، وهو رابعُ خليفةٍ خلِع، وخامسُ خليفةٍ قُتِل من بني العبَّاس. وقال أحمد بن سعيد الأموي: كان في حلقة بمكَّة في المسجد الحرام، أقرِئ فيها النحو واللغةَ والعروض، وقد علتْ أصواتُنا، فوقف علينا مجنونٌ، فنظرَ إلينا وقال: [من الطويل] أما تستحونَ الله يا معدِنَ الجهل … شُغِلْتم بذا والناس في أعظمِ الشغلِ إمامُكم أضحَى قتيلًا مجدَّلًا … وقد أصبحَ الإسلامُ مُفْتَرِقَ الشَّملِ وأنتم على الأشعارِ والنحو عُكَّفًا … تصيحونَ بالأصواتِ لستم ذوي عقل فتفرَّقنا وقد أفزعَنَا ما ذكرهُ المجنون، وحفظنا الأبيات، وأَخْبَرنَا إسماعيلَ بن المتوكل، وكان قد نفاهُ صالحُ بن وصيف إلى مكَّة ومعه قبيحة، فحدَّث بذلك قبيحة أمَّ المعتز، فقالت: أرِّخوا هذا اليوم، واطووه عن العامَّةِ، فلهذا نبأ، فوصل الخبرُ في اليوم الخامس عشر إلى مكة بقتل المهتدي (٢). ذكر أولاده: كان للمهتدي سبعة عشرة ذكرًا وست بنات، وأولادُه أعيانُ أهل بغداد، وهم الخطباء بالجوامع، ومنهم عدول، ولم يبقَ ببغداد من أولادِ الخلفاء أكثرَ من ولده. ذكر وزرائه وقضاته: وزرَ له أبو أيوب سليمان بن وهب، وجعفر بن محمد، ثمَّ صرفه، وقلَّدها عبدَ الله بن محمد بن يَزْداد، فلما قُتِل المهتدي قُبِضَ على عبد الله بن يزداد وسَلِّمَة إلى الحسن بن مخلد، ثمَّ نفي إلى الأهواز، واستترَ سليمانُ بن وهب.

стр. 7209

وكان على القضاء الحسن بن أبي الشوارب، فعزلَه، وولَّى عبدَ الرحمن بن نائل البصري. أسندَ المهتدي الحديثَ، فقال: حدثني علي بن [أبي] هاشم (١)، حدثنا محمد بن حسن الفقيه، عن [ابن] أبي ليلى، عن داود بن علي، عن أبيه، [عن] (٢) عبد الله بن عباس، عن النبي ﷺ أنَّه قال للعباس وقد سأله: ما لنا في هذا الأمر؟ فقال: "لي النبوَّة، ولكم الخلافة، بي (٣) فتح الله هذا الأمر وبكم يختمُه" (٤). * * *

стр. 7210

السنة السابعة والخمسون بعد المئتين فيها دخلت الزَّنْجُ الأُبلَّة فقتلوا [في] ثلاثة أيام ثلاثينَ ألفًا، وأحرقوها، فبعث إليهم المعتمدُ سعيد الحاجب، فأوقع بهم، واستخلص [منهم] ما أخذوه (١). وقيل: إنَّه خلص إبراهيم بن المدبَّر وغيره، ثمّ استظهرَ الزنجُ على سعيد [الحاجب]، فقتلوا من أصحابه مقتلةً عظيمة، ثم دخل صاحب الزنج البصرة، فقتل من أهلها خلقًا كثيرًا. وكان يموِّهُ على أصحابه ويقول: عُرِضت عليَّ النبوةُ فأبيتُها، ودعوتُ على أهلِ البصرة، فقيل لي: لا تدعُ عليهم، الملائكةُ تُخرِبُها على يدك (٢). وفيها عقدَ المعتمدُ لأخيه أبي أحمد على الكوفة والحجازِ والحرمين واليمن وبغداد وواسط والبصرة والأهواز وفارس وما والاها (٣). وفيها عاد صاحبُ الزَّنْجِ إلى البصرة، وتأخر عنه سعيد الحاجب، فأخربَ الجامع، وقتل اثني عشر ألفًا (٤)، وبعثَ إليه المعتمدُ من سامرَّاء محمد المولَّد في جيشٍ كثيف، وكان صاحب الزَّنج قد قال لأصحابه: قيل لي: إذا انكسفَ القمر بمقدار نصف الرغيف، فقد خربت البصرة، وكان يعرف النجومَ، فكسفَ القمر، فقال لأصحابه: صدق، ففعلُوا ما فعلوا بالبصرة. وفيها استسلم أهلُ عبَّادان للخبيث، وسلَّموا إليه حصنهم لما فعلَ بأهل الأبلَة والبصرة ما فعل، فأخذ ما كان في الحصن من السلاح والعبيد، ففرَّقه في أصحابه، ولم يتعرَّض لأهل عبَّادان في هذه المرَّة. وقيل: إنَّ في هذه السنة دخلَ الأهواز، وأسرَ إبراهيم بن المدبَّر، وكان على الخراج، وهرب من كان بقيَ بالبصرة، وتفرَّقُوا في البلدان.

стр. 7211

وفيها ظهر بالكوفة علي بن زيد الطالبي، فوجَّه إليه المعتمد الشاه بن ميكايل، فهزمَه الطالبي. وقدم أبو أحمد بن المتوكل من مكَّة إلى سامرَّاء، وقبيحة أيضًا (١). وفيها خلصَ إبراهيمُ بن المدبَّر من يد الخبيث، كان محبوسًا في بيت، فتحيَّل حتى نقبَ المتوكلون به سَرَبًا، وهرب منه هو وابنُ أخٍ له يعرف بـ[أبي] (٢) غالب ورجلٌ من بني هاشم. وفيها جرت وقعات بين الخبيث وأصحاب المعتمد، مثل سعيد الحاجب، ومنصور بن جعفر الخيَّاط، وشاهين بن بِسْطَام، وهو يظهرُ عليهم، وقَتل من أصحابهم خلقًا كثيرًا، وعاد فدخلَ البصرة، وفعلَ فيها أعظمَ ما فعل أولًا، وهربَ من بقي من جيش المعتمد وأهل البصرة على وجوههم، وكان يقول: الملائكةُ أخربتها. وانتسبَ في ذلك اليوم إلى [يحيى بن زيد بن علي، وذلك لمصير جماعةٍ من العلويّة الذين كانوا بالبصرة إليه، وأنَّه كان فيمن أتاه عليٌّ بن أحمد بن عيسى بن زيد، وعبد الله] (٣) بن علي وغيرهما؛ خوفًا على نسائهم وحرمهم، فلما جاؤوه تركَ الانتساب إلى أحمد بن عيسى بن زيد، وانتسبَ [إلى] يحيى بن زيد، وكان كاذبًا؛ لأنَّ يحيى بن زيد لم يُعقِّب [إلا] ابنةً مات (٤) وهي ترضع. وفيها قُتِل ميخائيل بن توفيل قتله بسيل الصَّقْلَبي، وبسيل من أهل بيت المملكة، وكان ميخائيل بن توفيل قد ملك أربعًا وعشرين سنة (٥). وحجَّ بالناس الفضلُ بن إسحاق بن الحسن بن إسماعيل بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس.

стр. 7212

فصل: وفيها توفي أحمد بن إبراهيم ابن أيوب، أبو علي المُسُوحي، [وهو] غيرُ الذي ذكرناه في السنة الماضية. كان من كبار القوم، صاحبَ مجاهداتٍ ورياضات، [وذكره السلميّ وغيره. قال السلميّ: كان المُسُوحيُّ] من جِلَّة مشايخِ بغداد وظرافهم ومتوكليهم. كان يَحُجُّ ماشيًا بقميصٍ ورداء، ونعل طاق، ولا يحملُ معه شيئًا إلا كوز فيه تفاحٌ شامي، يشمُّه من بغداد إلى مكة، وكان من أفاضل الناس. صحب سَرِيًّا، وسمع ذا النون المصريّ وغيره (١). الحسن بن عبد العزيز أبو علي الجُذاميُّ المصريّ. قدم بغداد وحدَّث بها. وقال الدارقطنيُّ: لم يُرَ مثلُه فضلًا وزهدًا ودينًا وورعًا وثقةً وصدقًا وعبادةً. وكانت وفاته في هذه السنة، حدث عن أبي معاوية الضرير وأقرانه، وحدَّث عنه جماعة آخرهم القاضي المَحَامِلي. وقال الحسن: [من] لم يردعهُ القرآن والموت، ثمَّ تناطحت الجبالُ بين يديه لم يرتدع (٢). الحسن بن عَرَفة بن يزيد أبو عليّ العبديُّ. ولد سنة خمسين ومئة، سمع الكثير، وروى عنه الأئمَّة، ثم نزلَ سُرَّ من رأى فتوفِّي بها. قال الخطيب: وقد بلغ من العمر مئةً وعشر سنين، وكان يقول: لم يبلغ أحدٌ من

стр. 7213

أهل العلم هذا السِّنَّ غيري. و: لي عشرةُ أولاد سميتُهم بأسامي العشرة المبشرين. و: قد كتب عنِّي خمسةُ قرون. سمع عبدَ الله بن المبارك وغيره، وروى عنه عبدُ الله ابن الإمام أحمد وغيره، وكان صدوقًا ثقة (١). [وفيها توفي] زهيرُ بن محمد ابن قُمَير بن شُعبة، أبو محمد، المَروَزيُّ الأصل. كان زاهدًا ورعًا، سكن بغداد، ثم انتقل إلى طَرَسُوس مرابطًا. [قال الخطيب:] وكان يختمُ القرآنَ في كل يومٍ وليلةٍ ثلاثَ مراتٍ في شهر رمضان، [فكان يختمه في الشهر] تسعين مرة (٢). [وقد حكاه جدي في "المنتظم" عن محمد بن زهير بن قُمَير قال:] (٣) كان أبي يجمعُنا عند ختمة القرآنَ في رمضان [، في كل يومٍ وليلةٍ ثلاثَ مرات] (٤). [واختلفوا في وفاته، قال الخطيب: مات بطَرَسُوس في هذه السنة. وقال أبو الحسين بن المنادي: ماتَ ببغداد، ودُفن بباب حرب. قال الخطيب: وهم ابنُ المنادي، والأوَّلُ أصحّ.] (٥) سمع عبد الرزاق وغيره. [ورَوى عنه ابنُ صاعد، والحربيُّ، وعبدُ الله بن أحمد، وأبو القاسم البغوي.] وقال البغويُّ: ما رأيتُ بعد أحمد بن حنبل أورعَ من زهير ولا أفضلَ، سمعتُه

стр. 7214

يقول: أشتهي لحمًا [من] أربعين سنة، ولا آكلُه حتى أدخلَ الروم، فآكله من مغانم الروم. [والله أعلم] (١). سليمان بن مَعْبد أبو داود النحويُّ المروزيُّ. رحلَ في طلب العلم إلى العراق، والحجاز، واليمن، والشام (٢)، ومصر، وقدمَ بغداد وذاكرَ الحفَّاظ، وتوفِّي بها في ذي الحجَّة. سمعَ النضرَ بن شُمَيل وغيره، وروى عنه مسلمُ بن الحجَّاج وغيره، وكان صدوقًا ثقةً. ومن شعره: [من البسيط] يا آمرَ الناس بالمعروف مُجتهدًا … وإن رأى عامِلًا بالمنكر انتهرَهْ ابدأ بنفسكَ قبلَ الناس كُلِّهم … فأوصِها واتلُ ما في سورة البقرَهْ أتأمرون ببرٍّ تاركينَ له … ناسين ذلك دأبَ الخُيَّبِ الخسرَهْ فإن أمرتَ ببرٍّ ثمَّ كُنت على … خلافه لم تكن إلَّا من الفَجَرَهْ (٣) العباسُ بن الفرج أبو الفضل الرِّياشيُّ، النحويُّ البصريُّ، مولى محمد بن سُليمان العباسيّ. رحلَ في طلب العلم، وكان من النحو والأدب واللغة والفضل بالمحلِّ الأعلى، وكان من الثقاتِ الحفَّاظ. [قال المازني:] قرأ [عليَّ] (٤) كتاب سيبويه، وهو أعلم به منِّي. وقال الأصمعيُّ: خطبنا الرياشيُّ بالبادية، فحمد الله، وأثنى عليه، ووحَّده، وصلَّى على نبيه ﷺ ، فبلغ في الإيجاز، ثمَّ قال: أيُّها الناس، إنَّ الدنيا دارُ بلاء، والآخرةَ دارُ قرار، فخذُوا لمقرِّكم من ممرِّكم، ولا تهتكُوا أستارَكم عند من لا تخفى عليه

стр. 7215

أسراركم، في الدنيا [أنتم]، ولغيرها خلقتم، أقول قولي هذا وأستغفرُ الله لي ولكم، والمدعوُّ له الخليفة، والأميرُ جعفر بن سليمان، وصلَّى الله على سيدنا محمد (١). ومن شعره -وقيل: إنه أنشده لغيره-: [من الطويل] فلو أنَّ لحمي إذ وهى لَعِبَتْ به … أسودٌ كرامٌ أو ضِبَاعٌ وأذؤبُ لهوَّن من وجدي وسلَّى مصيبتي … ولكنَّما أودى بلحميَ أَكْلُبُ (٢) [وقال:] (٣) [من البسيط] إنَّ الغصونَ إذا قوَّمتَها اعتدلت … ولا يلينُ إذا قوَّمتهُ الخَشَبُ قد ينفع [الأدبُ] الأحداثَ في مَهَلٍ … وليس ينفعُ [في] ذي الشيبةِ الأدبُ (٤) دخل عليه الزَّنجُ، وهو في مسجده بالبصرة قائمٌ يصلِّي الضحى، فضربوه بأسيافهم وقالوا: هاتِ المال، وهو يقول: أيُّ مال؟! أسندَ عن عمرو بن مرزوق وغيره، وروى عنه ابن دُريد والمبرد وغيرهما في آخرين (٥). فضل الشاعرة كانت من مولدات اليمامة وكذا أمُّها (٦)، وبها ولدت، ونشأت في دار رجل من بني عبد القيس، فأدَّبها وأخرجها فباعها (٧)، فاشتراها محمد بن الفرج الرُّخَجِي، فأهداها إلى المتوكِّل، ولم يكن في زمانها أفصح منها ولا أشعر، فلمَّا دخلت على المتوكل قال
следующие страницы →