← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 7211–7250 · переход к 7216.

стр. 7211

وفيها ظهر بالكوفة علي بن زيد الطالبي، فوجَّه إليه المعتمد الشاه بن ميكايل، فهزمَه الطالبي. وقدم أبو أحمد بن المتوكل من مكَّة إلى سامرَّاء، وقبيحة أيضًا (١). وفيها خلصَ إبراهيمُ بن المدبَّر من يد الخبيث، كان محبوسًا في بيت، فتحيَّل حتى نقبَ المتوكلون به سَرَبًا، وهرب منه هو وابنُ أخٍ له يعرف بـ[أبي] (٢) غالب ورجلٌ من بني هاشم. وفيها جرت وقعات بين الخبيث وأصحاب المعتمد، مثل سعيد الحاجب، ومنصور بن جعفر الخيَّاط، وشاهين بن بِسْطَام، وهو يظهرُ عليهم، وقَتل من أصحابهم خلقًا كثيرًا، وعاد فدخلَ البصرة، وفعلَ فيها أعظمَ ما فعل أولًا، وهربَ من بقي من جيش المعتمد وأهل البصرة على وجوههم، وكان يقول: الملائكةُ أخربتها. وانتسبَ في ذلك اليوم إلى [يحيى بن زيد بن علي، وذلك لمصير جماعةٍ من العلويّة الذين كانوا بالبصرة إليه، وأنَّه كان فيمن أتاه عليٌّ بن أحمد بن عيسى بن زيد، وعبد الله] (٣) بن علي وغيرهما؛ خوفًا على نسائهم وحرمهم، فلما جاؤوه تركَ الانتساب إلى أحمد بن عيسى بن زيد، وانتسبَ [إلى] يحيى بن زيد، وكان كاذبًا؛ لأنَّ يحيى بن زيد لم يُعقِّب [إلا] ابنةً مات (٤) وهي ترضع. وفيها قُتِل ميخائيل بن توفيل قتله بسيل الصَّقْلَبي، وبسيل من أهل بيت المملكة، وكان ميخائيل بن توفيل قد ملك أربعًا وعشرين سنة (٥). وحجَّ بالناس الفضلُ بن إسحاق بن الحسن بن إسماعيل بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس.

стр. 7212

فصل: وفيها توفي أحمد بن إبراهيم ابن أيوب، أبو علي المُسُوحي، [وهو] غيرُ الذي ذكرناه في السنة الماضية. كان من كبار القوم، صاحبَ مجاهداتٍ ورياضات، [وذكره السلميّ وغيره. قال السلميّ: كان المُسُوحيُّ] من جِلَّة مشايخِ بغداد وظرافهم ومتوكليهم. كان يَحُجُّ ماشيًا بقميصٍ ورداء، ونعل طاق، ولا يحملُ معه شيئًا إلا كوز فيه تفاحٌ شامي، يشمُّه من بغداد إلى مكة، وكان من أفاضل الناس. صحب سَرِيًّا، وسمع ذا النون المصريّ وغيره (١). الحسن بن عبد العزيز أبو علي الجُذاميُّ المصريّ. قدم بغداد وحدَّث بها. وقال الدارقطنيُّ: لم يُرَ مثلُه فضلًا وزهدًا ودينًا وورعًا وثقةً وصدقًا وعبادةً. وكانت وفاته في هذه السنة، حدث عن أبي معاوية الضرير وأقرانه، وحدَّث عنه جماعة آخرهم القاضي المَحَامِلي. وقال الحسن: [من] لم يردعهُ القرآن والموت، ثمَّ تناطحت الجبالُ بين يديه لم يرتدع (٢). الحسن بن عَرَفة بن يزيد أبو عليّ العبديُّ. ولد سنة خمسين ومئة، سمع الكثير، وروى عنه الأئمَّة، ثم نزلَ سُرَّ من رأى فتوفِّي بها. قال الخطيب: وقد بلغ من العمر مئةً وعشر سنين، وكان يقول: لم يبلغ أحدٌ من

стр. 7213

أهل العلم هذا السِّنَّ غيري. و: لي عشرةُ أولاد سميتُهم بأسامي العشرة المبشرين. و: قد كتب عنِّي خمسةُ قرون. سمع عبدَ الله بن المبارك وغيره، وروى عنه عبدُ الله ابن الإمام أحمد وغيره، وكان صدوقًا ثقة (١). [وفيها توفي] زهيرُ بن محمد ابن قُمَير بن شُعبة، أبو محمد، المَروَزيُّ الأصل. كان زاهدًا ورعًا، سكن بغداد، ثم انتقل إلى طَرَسُوس مرابطًا. [قال الخطيب:] وكان يختمُ القرآنَ في كل يومٍ وليلةٍ ثلاثَ مراتٍ في شهر رمضان، [فكان يختمه في الشهر] تسعين مرة (٢). [وقد حكاه جدي في "المنتظم" عن محمد بن زهير بن قُمَير قال:] (٣) كان أبي يجمعُنا عند ختمة القرآنَ في رمضان [، في كل يومٍ وليلةٍ ثلاثَ مرات] (٤). [واختلفوا في وفاته، قال الخطيب: مات بطَرَسُوس في هذه السنة. وقال أبو الحسين بن المنادي: ماتَ ببغداد، ودُفن بباب حرب. قال الخطيب: وهم ابنُ المنادي، والأوَّلُ أصحّ.] (٥) سمع عبد الرزاق وغيره. [ورَوى عنه ابنُ صاعد، والحربيُّ، وعبدُ الله بن أحمد، وأبو القاسم البغوي.] وقال البغويُّ: ما رأيتُ بعد أحمد بن حنبل أورعَ من زهير ولا أفضلَ، سمعتُه

стр. 7214

يقول: أشتهي لحمًا [من] أربعين سنة، ولا آكلُه حتى أدخلَ الروم، فآكله من مغانم الروم. [والله أعلم] (١). سليمان بن مَعْبد أبو داود النحويُّ المروزيُّ. رحلَ في طلب العلم إلى العراق، والحجاز، واليمن، والشام (٢)، ومصر، وقدمَ بغداد وذاكرَ الحفَّاظ، وتوفِّي بها في ذي الحجَّة. سمعَ النضرَ بن شُمَيل وغيره، وروى عنه مسلمُ بن الحجَّاج وغيره، وكان صدوقًا ثقةً. ومن شعره: [من البسيط] يا آمرَ الناس بالمعروف مُجتهدًا … وإن رأى عامِلًا بالمنكر انتهرَهْ ابدأ بنفسكَ قبلَ الناس كُلِّهم … فأوصِها واتلُ ما في سورة البقرَهْ أتأمرون ببرٍّ تاركينَ له … ناسين ذلك دأبَ الخُيَّبِ الخسرَهْ فإن أمرتَ ببرٍّ ثمَّ كُنت على … خلافه لم تكن إلَّا من الفَجَرَهْ (٣) العباسُ بن الفرج أبو الفضل الرِّياشيُّ، النحويُّ البصريُّ، مولى محمد بن سُليمان العباسيّ. رحلَ في طلب العلم، وكان من النحو والأدب واللغة والفضل بالمحلِّ الأعلى، وكان من الثقاتِ الحفَّاظ. [قال المازني:] قرأ [عليَّ] (٤) كتاب سيبويه، وهو أعلم به منِّي. وقال الأصمعيُّ: خطبنا الرياشيُّ بالبادية، فحمد الله، وأثنى عليه، ووحَّده، وصلَّى على نبيه ﷺ ، فبلغ في الإيجاز، ثمَّ قال: أيُّها الناس، إنَّ الدنيا دارُ بلاء، والآخرةَ دارُ قرار، فخذُوا لمقرِّكم من ممرِّكم، ولا تهتكُوا أستارَكم عند من لا تخفى عليه

стр. 7215

أسراركم، في الدنيا [أنتم]، ولغيرها خلقتم، أقول قولي هذا وأستغفرُ الله لي ولكم، والمدعوُّ له الخليفة، والأميرُ جعفر بن سليمان، وصلَّى الله على سيدنا محمد (١). ومن شعره -وقيل: إنه أنشده لغيره-: [من الطويل] فلو أنَّ لحمي إذ وهى لَعِبَتْ به … أسودٌ كرامٌ أو ضِبَاعٌ وأذؤبُ لهوَّن من وجدي وسلَّى مصيبتي … ولكنَّما أودى بلحميَ أَكْلُبُ (٢) [وقال:] (٣) [من البسيط] إنَّ الغصونَ إذا قوَّمتَها اعتدلت … ولا يلينُ إذا قوَّمتهُ الخَشَبُ قد ينفع [الأدبُ] الأحداثَ في مَهَلٍ … وليس ينفعُ [في] ذي الشيبةِ الأدبُ (٤) دخل عليه الزَّنجُ، وهو في مسجده بالبصرة قائمٌ يصلِّي الضحى، فضربوه بأسيافهم وقالوا: هاتِ المال، وهو يقول: أيُّ مال؟! أسندَ عن عمرو بن مرزوق وغيره، وروى عنه ابن دُريد والمبرد وغيرهما في آخرين (٥). فضل الشاعرة كانت من مولدات اليمامة وكذا أمُّها (٦)، وبها ولدت، ونشأت في دار رجل من بني عبد القيس، فأدَّبها وأخرجها فباعها (٧)، فاشتراها محمد بن الفرج الرُّخَجِي، فأهداها إلى المتوكِّل، ولم يكن في زمانها أفصح منها ولا أشعر، فلمَّا دخلت على المتوكل قال

стр. 7216

لها: أنت فضل (١)؟ فخجلت وقالت: كذا يزعُم من باعني ومن اشتراني، فقال لها: أنشدينا من شعرك، فقالت: [من السريع] استقبلَ الملكَ إمامُ الهُدى … عامَ ثلاثٍ وثلاثينَا وحَضَرَتْ يومًا عنده وعنده عليُّ بن الجهم، فقال له المتوكل: قل بيتًا، وطالبْ فضلًا بأن تجيزَه، فقال: [من مخلع البسيط] لاذ بها يَشتكي إليها … فلم يجد عندها ملاذَا ثم قال: أجيزي، فقالت: ولم يزل ضارعًا إليها … تهطلُ أجفانُه رذاذَا فعاتبوهُ فزادَ عشقًا … فماتَ وجدًا فكان ماذا فطرب المتوكل، وقال: أحسنت وحياتي يا فضل، وأمر لها بألفي دينار (٢). وألقى عليها يومًا أبو دُلَف العجليّ يقول: [من الكامل] قالوا عشقتَ صغيرةً فأجبتُهم … أشهى المَطيِّ إليَّ ما لم يُركبِ فقالت: كم بينَ حبَّةِ لؤلؤٍ مثقوبةٍ … لبست (٣) وحبةِ لؤلؤٍ لم تثقبِ (٤) وكتبت إلى بُنَان: [من السريع] يا نفسُ صبرًا إنَّها مِيْتَةٌ … يَجْرَعُها الكاذبُ والصادقُ ظنَّ بُنَانٌ أنَّني خُنْتُهُ … روحي إذًا من جسدي طالقُ (٥) ولها أشعارٌ كثيرة.

стр. 7217

محمد بن عمرو ابن حَنَان، الكلبيُّ الحمصيّ، ولد سنة إحدى وسبعين ومئة، وقدم بغداد، وحدَّثَ بها عن بقيّة بن الوليد وغيره، وروى عنه المَحامِلي وغيره. وأخرج له الخطيبُ عن أبي هريرة أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إذا اجتمعَ في يوم الجمعة العيد، فمن شاءَ أجزأه العيد عن الجمعة، فإنَّا مُجمعون إنْ شاء الله تعالى" (١). * * *

стр. 7218

السنة الثامنة والخمسون بعد المئتين فيها عقد المعتمد لأخيه أبي أحمد الموفَّق على الشام ومصر وقِنسْرين والعواصم (١)، وخلعَ عليه وعلى مُفلح، وجهَّزَهما إلى حروب الخبيث الزَّنجي. وفيها قتلت الزنْجُ منصور بن جعفر بن دينار، وكان محاربًا لهم ما زال ينازلُهم حتى التقَوا، فتفرَّقَ عنه أصحابُه، فجاءَ إلى نهرٍ، فضرب فرسَه، فنزل فيه، وراه بعضُ الزّنج، فلمَّا صعدَ الفرس بمنصور، ضرب الزنجيُّ رأسَه فابانَه، وانهزم عسكرُه، وغنم الزَّنْجُ ما كان معهم (٢). وفيها قُتِلَ مفلحٌ أيضًا، وقد ذكرنَا أنَّ المعتمدَ جهَّزَ أخاه الموفق ومفلحًا إلى الخبيث، وخرجَا في جيشٍ لم يخرج [مثله] من بغداد [في] (٣) العُدَد والفرسان والخزائن، وكان المعتمدُ قد أهمَّه أمرُ الخبيث وما يفعلُ في بلاد الإسلام، وسارَ الموفقُ إلى قتال الخبيث، وكان أصحاب الخبيث يراوحون البصرة ويغادونها (٤)؛ لقلَّة الناصر لها، وكانوا يَمتَارُون منها، وجيشُ الخبيث بنهر مَعْقِل، فلمَّا وردَ الموفق نهر مَعْقِل انهزمَ جيشُ الخبيث مرعوبين، فلحقُوا به وقالوا: هذا جيشٌ هائلٌ لم يأتنا مثله، وبعث الخبيث طلائعه، فرجعُوا إليه بتعظيم أمرِ الجيش وتفخيمه، فبعثَ إليهم جندًا، فلقيه مفلح، واقتتلوا قتالًا شديدًا، وظهر مُفْلِح على الخبيث، فبينا الناسُ على الظفَر جاء مفلحًا سهمٌ غائرٌ بغير نصل، فوقعَ في صدره يوم الثلاثاء، فمات يوم الأربعاء، وزعم الخبيث أنَّه الذي رَمى مفلحًا بالسهم، وكذب، وانهزم أصحابه، وركبهم الزنْجُ، واقتسموا لحومَ القتلى، وتهادوها فيما بينهم. وسأل الخبيث بعضَ الأسارى عن مُقَدَّم جيش المعتمد، ولم يكن يعلم، فقال له: أبو أحمد الموفَّق، فارتاعَ لذكر الموفَّق.

стр. 7219

وتحيَّز الموفق إلى الأُبُلَّة، واجتمع إليه الفلولُ، فعادَ فنزل بنهر أبي الأسد (١). وفيها أُسِرَ يحيى بنُ محمد البَحرَانيّ قائدُ الزَّنْج، بعث (٢) الموفَقُ جيشًا، فالتقاهم يحيى، فأسروه، وقتلُوا عامَّةَ أصحابه، وبعث به الموفق إلى المعتمد، فضربه مئة سوط (٣)، وشهره، ثمَّ ذبحَه وأحرقَه. وفيها انحازَ أبو أحمد الموفَّق عن مقاتلة الزَّنج إلى واسط. وسببه أنَّه لمَّا أقامَ بنهر أبي الأسد وقعَ في العسكر الوباء، فمرضَ منهم خلقٌ كثير، ومات جماعةٌ، وامتدَّ الوباءُ إلى العراق، ووقع ببغداد وسامرَّاء داءٌ عظيمٌ، يسمّونه القُفَّاع، فأتلفَ خلقًا كثيرًا (٤). ورحل الموفَّقُ فنزلَ قريبًا من واسط، وأعطى الجندَ أرزاقهم، وأصلح السفنَ والمعابر، وشحنهم بالعساكر، وبعثهم إلى نهر أبي الخصيب، وكان الزنجُ به، وأقام هو موضعه في نفرٍ يسيرٍ قد أمرَهم أنْ لا يفارقوه، فلما نشبت الحرب مال أكثرُهم إلى نهر أبي الخصيب، فثبتَ الموفَّق موضعَه مخافَة أن يطمعَ فيه الزَّنج، وتفرَّقَ عنه أصحابه، وعرف الزَّنجُ ذلك، فقصدوه فثبتَ، ودخلَ أوائلُ أصحابه على أهل الزَّنج، وأحرقُوا منازلهم، واستنقذوا من النساء جمعًا، فلما رأى الموفَّق الغلبة، أمرَ أصحابَه بالرجوع إلى سفنهم (٥)، وتقطَّع بعضهم في الأدغال والمضايق، وخرجت عليهم الزنج فاقتتلوا، وثبتَ منهم طائفةٌ، فقُتِلوا، وانهزم أصحابُ الموفَّقِ إليه بعد قتل جماعةٍ منهم، وحُمِل إلى الخبيث مئةُ رأس، فزاد في غيِّه، ووقع في عسكر الموفَّقِ حريقٌ، فاحترقت الخيام، ورَحل أبو أحمد إلى واسط في رمضان، وتفرَّقَ عنه معظمُ أصحابِه (٦).

стр. 7220

وفيها كانت هدَّاتٌ عظيمة بالصَّيمرَة، وقعت المنازل، وماتَ تحت الهدم زهاء عشرين ألفًا. وحجَّ بالناسِ الفضلُ بن إسحاق بن الحسن (١). وفيها توفي أحمد بن بُدَيل ابن قريش (٢)، أبو جعفر، القاضي الكوفي. كان من أهل العلم والفضل، ولي قضاءَ الكوفة وهمَذان والرَّي، وكان يسمَّى راهب الكوفة. وكان يقول: خُذِلتُ على كبر السنّ (٣)، يعني لمَّا قُلِّدَ القضاء. قال أبو القاسم عبيدُ الله بن سليمان: كنتُ أكتبُ لموسى بن بُغَا، وكنَّا بالرَّي، وقاضيها إذ ذاك أحمدُ بن بُدَيل الكوفي، فاحتاج موسى أن يجمعَ ضيعةً هناك كان له فيها سهامٌ ليعمرها، وكان فيها سهمٌ ليتيم، فصرتُ إلى أحمد بن بُدَيل، وخاطبتُه ليبيعَ علينا حصَّة اليتيم، ويأخذ الثمن، فامتنع وقال: ما باليتيم حاجةٌ إلى البيع، ولا آمنُ أن أبيعَ مالهُ وهو مستغنٍ عنه، فيحدث على ماله حادثةٌ، فيكون قد ضيعتُه عليه، فقلت: فإنَّا نعطيكَ في حصَّته ضعفَ ثمنها، فقال: ما هذا لي بعذرٍ، فأدرتُه (٤) بكل لون وهو يمتنع، فأضجرني فقلت: أيُّها القاضي ألا (٥) تفعل؛ فإنه موسى بن بغا؟! فقال لي: أعزَّك الله، إنَّه اللهُ تعالى. فاستحييتُ من الله تعالى أن أعاودَه، وفارقتُه، ودخلت على موسى، فقال لي: ما عملت في الضيعة؟ فقصصتُ عليه الحديث، فلما بلغتُ إلى قوله: إنَّه الله، بكى، وما زال يكررُها، وقال: لا تتعرَّض لهذه الضيعة، وانظر في أمر

стр. 7221

هذا الشيخ الصالح، فإن كانت له حاجةٌ فاقضها، قال: فأحضرته وقلت: إنَّ الأمير قد أعفاكَ من أمر الضيعة، وهو يعترض حوائجَك، فقال: هذا الفعل وما لي حاجةٌ إليه (١). وقال أحمد بن بُدَيل: بعث إليَّ المعتزُّ، فأتيتُ بابَه، فقال الحاجب: يا شيخ [نعليك] (٢)، فلم ألتفت، ودخلتُ الباب الثاني، فقال الحاجب: نعلك، فلم ألتفت، ودخلتُ الثالث، فقال الحاجب: نعليك، فقلت: فأنا بالواد المقدس طُوى فأخلع نعلي؟! ثمَّ دخلتُ على المعتزّ، فأكرمني وأجلسني على مُصَلَّاة وقال: أتعبناكَ يا أبا جعفر، فقلت: نعم أتعبتني وذعرتني (٣)، فكيف بك إذا سُئِلت عنِّي؟ فقال: ما أردنا إلا الخير، أردنا أن نسمعَ العلم، فقال: وقلت: وتسمع العلم أيضًا؟ ألا جئتني؟ فإنَّ العلمَ يؤتَى ولا يأتي، فقال: حدِّث، فأمليتُ عليه حديثين أسخنَ الله بهما عينيه، أمَّا الأول فقوله ﷺ : "من استُرعيَ رعيةً فلم يَحُطْها بالنصيحة، حرَّم الله عليه الجنَّة"، والثاني: "ما من أمير عشرة إلَّا يؤتَى به يوم القيامة مَغْلولًا" (٤). سمعَ حَفْصَ بن غياث وغيره، وحدَّث عنه عليُّ بن عيسى الوزير وغيره، وكتبَ عنه أبو حاتم الرازي، وقال: محلُّه الصدق (٥). أحمد بن الفرات بن خالد أبو مسعود الرازيّ الأصفهانيُّ الحافظ، أحدُ الأئمَّة الثقات، ذكره أبو نعيم في الطبقة السابعة وأثنى عليه (٦). وقال الخطيب: هو من كبار الأئمة، سافر الكثير؛ إلى البصرة، والكوفة، والحجاز، واليمن، والشام، ومصر، ولقي العلماء، وقدمَ بغداد في أيَّام الإمام أحمد

стр. 7222

﵀، وكان أحمد يكرمه ويقدِّمه، ويقول: ما رأيتُ أسودَ الرأس أحفظَ منه، ولا أعرفَ بمسانيد رسول الله ﷺ (١). وكان قد استوطن أصبهان، وأقام بها خمسًا وأربعين سنة، وكان وفاتُه بها في شعبان. أسند عن خلق كثير، منهم هشام بن إسماعيل، والحكمُ بن نافع، ويزيد بن هارون، وعبد الرزَّاق بن همَّام، والطيالسي، وعفان بن مسلم، وغيرهم، وأخرجَ عنه أبو داود وغيره. ولمَّا ماتَ غسَّله محمد بن عاصم، وصلَّى عليه القاضي إبراهيم بن أحمد الخطابي، ودفن في مقبرة مردبان (٢). وقال محمد بن يوسف: رأيتُ أبا مسعود في المنام، فقلت: ما فعل الله بك (٣)؟ فقال: حدثنا وحدثنا، قلت: وفي الآخرة أنبأنا وحدثنا؟! قال: نعم. وكان يقول: كتبتُ عن ألفٍ وسبع مئة وخمسين شيخًا، أدخلتُ منهم في تصانيفي ثلاثَ مئة وعشرة، وأسقطت الباقين، وكتبتُ ألفَ ألف حديث وخمس مئة ألف حديث، أدخلتُ في تصانيفي ثلاثَ مئة ألف في التفاسير والأحكام والفوائد وغيرها (٤). وقال الخطيب: دخل مصر، فاستلقى على قَفاه وقال: خذُوا حديث مصر، فجعل يقرأه شيخًا شيخًا من قبل أن يلقاه (٥). واتَّفقوا على صدقه وأمانتِه وفضِله، وأنَّه لم يكن في زمانِه أحفظ منه. وقد تكلَّم فيه عبدُ الرَّحمن بن يوسف بن خراش وضعَّفه، وقد ردَّ عليه الحافظ أبو أحمد بن عدي فقال: لم يُوافق ابنَ خراش على الطعن في أبي مسعود أحدٌ، ولقد

стр. 7223

تحامل عليه (١)، وسببُ تحامله أنَّ ابن خراش صنَّفَ كتبًا في مثالب الشيخين أبي بكر وعمر ﵄، وكان رافضيًّا، فبلغ أبا مسعود، فأنكرَ عليه فتهدَّده بالقتل، فقيل له في ذلك فقال: وددتُ أني قُتلت في حبّ أبي بكر وعمر (٢). فتحامل. أحمد بن محمد بن سَوادة أبو العباس الكوفيّ، ويلقب بخُشَيش (٣). نزلَ بغداد، وحدَّث بها، ومن شعره: [من المديد] كنْ بذكرِ الله مشتغلا … لجميعِ النَّاس معتزِلَا فانجُ منهم (٤) قد عرفتَهم … ليس ذو علمٍ كمن جهلَا لا تَرِدْ من مشربٍ كدرًا … أبدًا علًّا ولا نَهلَا ودعِ الدُّنيا لطالبها … فكأنْ قد ماتَ أو قُتِلَا وكانت وفاته ببغداد. حدَّث عن عبيدة بن حميد وغيره، وروى عنه قاسم المطرز وغيره، وتكلَّم فيه الدارقطني وغيره، وردَّ عليه الخطيب فقال: ما أرى أحاديثَه إلا مستقيمةً (٥). أحمد بن محمد ابن يحيى بن سعيد القطَّان البصري، أبو سعيد.

стр. 7224

سكن بغداد، وحدَّث بها عن جدِّه وغيره. وقال: كنتُ أقرأ على يزيد بن هارون يوما فأبرمته، فقال: أنتَ أثقلُ عليَّ من نصف حَجَرِ البزر، قلت: ولم لم تقل من الحجر كلِّه؟ قال: لأنَّه إذا كان صحيحًا تدحرجَ، وإذا كان نصفًا لم يتدحرج ولم يتحرَّك. وكانت وفاته بسُرَّ من رأى. أسندَ عن جدِّه وغيره، وروى عنه المَحَامليُّ وكيره، وكان ثقةً (١). جعفر بنُ عبد الواحد ابنِ جعفر بن سليمان بن عليّ بن عبد الله بن عباس الهاشميّ، وأمُّه أم ولد واسمها جمانة. قدم دمشق مع المتوكِّل سنةَ ثلاثٍ وأربعين ومئتين، وكان يقال له: قاضي الثغور، ووليَ القضاء بسُرَّ من رأى سنةَ خمسٍ وأربعين (٢). وبلغ عنه المستعين كلامٌ، فنفاه إلى البصرة سنة خمسين، وعزلَه، ورجع إلى سُرَّ من رأى فماتَ بها. حدث عن أبي عاصم النبيل وغيره، وروى عنه محمد بن محمد الباغندي وآخرون. وكان له وقارٌ وهيبة وسكينةٌ وبلاغةٌ، وحفظَ الحديث، فقال أبو زرعة الرازي: كنت إذا رأيته هبتهُ وأقول: هذا يصلحُ للخلافة، ثم حُدِّثت بأحاديثَ لا أصل لها، فقلت: سبحان الله! يضعُ مثلُ هذا الأحاديث (٣). محمد بن يحيى ابن عبد الله بن خالد بن فارس، أبو عبد الله النيسابوريّ، الذهْلِيّ مولاهم، إمامُ الحديث بنَيسابور، وصاحبُ الواقعة مع البخاري. كان أحدَ الأئمة العارفين، والحُفَّاظ المتقنين، والثقاتِ المأمونين، وكانَ الإمام

стр. 7225

أحمد رحمة الله عليه يُثني عليه، وينشرُ فضله، ويقول: هو إمام السنة بنيسابور. ودخلَ على أحمد ﵀، فقام إليه، وقال لأصحابه ولابنيه (١): اكتبوا عنه، فتعجب الناس من قيامه له، فقال: ألا أقوم لإمام السنة، اكتبوا عن أبي عبد الله (٢). وكان جوادًا زاهدًا ورعًا صدوقًا فاضلًا، وقد أجمعوا عليه. وقالت جاريته: خدمتُه ثلاثينَ سنةً، فما رأيتُ ساقَه وأنا ملكٌ له (٣). وقال: رحلتُ إلى البصرة ثماني عشرة رحلةً من نيسابور، وإلى اليمن رحلتين، واتَّفقَ دخولي البصرة، فاستقبلَتني جنازةُ يحيى بن سعيد القطان على باب البَصرة (٤). وسمع خلقًا كثيرًا من أهل العراق والحجاز والشام ومصر والجزيرة. واختلفوا في وفاته، فقيل: سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٥)، في أحد الربيعين بنيسابور (٦)، وقد بلغ ستًّا وثمانين سنة. وحدَّثَ عنه خلقٌ كثير، وأخرج عنه البخاريُّ في مواضع (٧)، واتَّفقوا على فضلِه وزهده وثقته. وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن يحيى إمام أهل زمانه (٨). وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة: محمدُ بن يحيى إمامُ زمانه، أسكنَه اللهُ جنَّته مع محبِّيه.

стр. 7226

وقال عبد الله بن سليمان: محمدُ بن يحيى أميرُ المؤمنين في الحديث (١). وقال الإمامُ أحمد رحمة الله عليه: ما رأيتُ أعلمَ بحديث الزهريّ ولا أصحَّ كتابة (٢) منه. وقال أبو عمرو (٣) الخفَّاف: رأيتُ محمد بن يحيى في المنام، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفَر لي، قلت: فما فعل في علمك؟ قال: كُتِبَ بماء الذهب، ورُفِعَ في عِليين. معاوية بن صالح بن حُدَير أبو عمرو الحضرميّ الحمصيّ، قاضي الأندلس (٤)، من الطَّبقة الثَّالثة من أهل مصر (٥). لما دخل عبدُ الرَّحمن بن معاوية بن هشام الأندلس وملكَها، اتَّصل به معاوية، فأرسَلَه إلى الشَّام في بعض أمره، فلمَّا عادَ ولَّاه قضاءَ الأندلس، وهو ابنُ نيِّفٍ وثلاثين سنة. وكان خروجُه من حمص سنةَ خمسٍ وعشرين ومئة (٦). وقدمَ مصر حاجًّا إلى مكَّة. وقال أبو صالح الفارسي: مرَّ بنا معاوية بن صالح حاجًّا في سنة أربع وخمسين ومئتين (٧)، وكتب عنه أهل مصر والمدينة. قال المصنِّفُ ﵀: ولم يذكر ابن سعد ولا ابنُ يونس ولا ابنُ عساكر مولدَه، وعلى قول [ابن] يونس أنَّه وليَ القضاء في أيَّام عبد الرَّحمن الداخل، وعبدُ الرَّحمن

стр. 7227

وليَ الأندلس سنة تسعٍ وثلاثين ومئة، وماتَ سنة اثنتين وسبعين ومئة، وكان [عمره] (١) لمَّا وليَ اثنان وثلاثون سنة، فقد عاشَ دهرًا طويلًا، ونصَّ ابنُ يونس أنَّه ماتَ بالأندلس سنةَ ثمان وخمسين ومئتين (٢)، وله عقب. حدَّثَ عن مكحول، والأوزاعيّ، وسليمان بن موسى، وعبد الرَّحمن بن جبير بن نفير، ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهم، ورَوى عنه الليثُ بن سعد، والواقدي، ورِشْدِين بن سعد في آخرين (٣). [فصل: وفيها توفي] يحيى بن معاذ بن جعفر أبو زكريا الرازيُّ الواعظ، حكيمُ زمانه، وأوحدُ وقته في علوم الحقائق، وكان له لسانٌ في المعرفة، وخصوصًا في الرجاء. أصلُه من الرَّيّ، ثم انتقلَ إلى نَيسَابور، فسكنَها إلى أن ماتَ بها. وكانوا ثلاثة إخوة، يحيى، وإسماعيل، وإبراهيم، وكان إسماعيلُ أكبرَهم سنًّا، ويحيى أوسطَهم، وإبراهيم أصغرَهم، وكانوا [كلُّهم] زُهَّادًا عبَّادًا. خرج إلى بَلخ ومعه أخوه إبراهيم، فمات بين بلخ ونَيسابُور، فأقام يحيى ببلخ مدَّةً، ثم عاد إلى نَيسْابور (٤). وقال رجلٌ لإسماعيل: مع من يريد أخوك يحيى أن يعيش، وقد هجرَ الخلقَ كلَّهم؟! فذكر إسماعيلُ ذلك لأخيه يحيى، فقال له: ألا قلتَ له: يعيشُ مع الذي هجرهم لأجله (٥).

стр. 7228

ذكر طرفٍ من كلامه: قال: أحسنُ شيءٍ من الكلام الحسنُ معناه، وأحسنُ من معناه استعمالُه، [وأحسن من استعماله] (١) ثوابُه، وأحسنُ من ثوابه رِضَى من يُعمَل لأجله. وقال: قلوبٌ من التقوى خراب، وذنوبٌ عددَ الرَّمل والتراب، ثمَّ نطمعُ في الكواعب الأتراب، هيهات، أنت سكران من غير شراب (٢). وقال (٣): ما أكملك لو بادرتَ أملَك، ما أجلَّكَ لو بادرت أجلَك، ما أقواك لو خالفتَ هواك. وقال: ليكن بيتكُ الخلوة، وطعامُك الجوع، وحديثُك المناجاة، فإمَّا أن تموتَ بدائك، وإمَّا أن تصلَ إلى دوائك (٤). [وحدثنا غير واحد عن أبي (بكر بن) (٥) محمد بن عبد الباقي الأنصاري بإسناده إلى عبد الواحد بن محمد قال:] جاء يحيى بنُ معاذ إلى شيراز، وله شيبة حسنة، وقد لبس دست ثيابٍ سود، فكان أحسن [شيء]، فصعدَ المنبر، واجتمع الناس [إليه] (٦)، فأوَّلُ ما بدأ به أنْ قال: [من السريع] مواعظُ الواعظ لن تُقبلا … حتَّى يعيَها قلبُه أوَّلَا يا قومِ من أظلمُ من واعظٍ … خالفَ ما قد قاله في الملَا أظهر بين الناس إحسانَه … وبارزَ الرَّحمن لمَّا خلَا ثم وقع من الكرسي ولم يتكلَّم في ذلك اليوم، ثمَّ إنَّه ملكَ قلوب أهل شيراز بعد ذلك، وكان إذا أرادَ أن يضحكَهم أضحكَهم، وإذا أراد أن يبكيَهم أبكاهم، وأخذَ من

стр. 7229

البلد سبعة آلاف دينار (١). [وروى الخطيب بإسناده عن محمد بن أحمد الصرَّام قال:] دخلَ يحيى [بن معاذ] على علويٍّ [ببلخ -أو بالرَّيّ-] زائرًا له ومسلِّمًا عليه، فقال له العلويّ: أيَّد الله الأستاذ، ما تقولُ فينَا أهلَ البيت؟ فقال: ما أقولُ في طين عُجِنَ بماء الوحي، وغُرِس فيه شَجرُ (٢) النبوَّة، وسُقِي بماء الرسالة، فهل يفوح منه إلَّا مسكُ الهدى وعنبر التُّقى؟! فحشَا العلويّ فاهُ بالدرّ. وفي رواية: ما أقولُ في طينةٍ غُرِست بماء الجلالة، وخمِّرَت في إناءِ الرسالة، وسُقِيت بماء الوحي، فهل تثمرُ إلَّا مسك النُّسُك، وعنبرَ الجلال. ثمَّ زار العلويّ من الغد يحيى [بن معاذ]، فقال يحيى: إن زرتَنا فبفضلك، كان زرناك فلفضلك، فلك الفضلُ زائرًا ومَزورًا. [وقال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري بإسناده عن محمد بن جعفر بن علكان يقول:] (٣) من خانَ الله في السرِّ هتكَ الله سترَه في العلانية. [وحكى أبو نُعيم الأصفهاني عن يحيى أنه قال:] لا تستبطئ الإجابةَ إذا دعوت، وقد سددتَ طريقَها بالذُّنوب (٤). [قال:] وقال: لو سمع الخلقُ صوتَ النياحةِ على الدنيا في الغيب من ألسنة الفناء، لتساقطت القلوب حزنًا، ولو رأت العقول بعين الحقائق نزهةَ الملكوت، لذابت النفوس شوقًا، ولو أدركت القلوب كنهَ المحبَّة لخالقها، لانخلعت مفاصلُها [فَرَقًا]، ولطارت الأرواحُ دَهشًا (٥). وقال: الليلُ طويلٌ، فلا تقصِّره بمنامك، والنهارُ نقيّ، فلا تدنِّسهُ بآثامِك.

стр. 7230

وقال: مفاوزُ الدنيا تُقطَع بالأقدام، ومفاوز الآخرة بالاهتمام (١)، ولا يزال دينُك متمزِّقًا ما دامَ قلبُك بحبِّ الدنيا متعلِّقًا. وقال: الزهَّادُ غرباءُ الدنيا، والعارفونَ غرباءُ الآخرة. وقال: لولا أن العفوَ أحب الأشياء كلِّها إليه ما ابتلى بالذنبِ أكرمَ الخلق عليه. وقال: جازُوا على قناطرِ الفتن إلى خزائنِ المنن. وقال: اللهم لا تجعلنا أهونَ الأشياءِ عليك (٢). وقال: يا من ألزمنَا طاعةً لا حاجةَ له إليها، لا تحرمنَا مغفرة لا غنى لنا عنها. وقال: إن وضع علينا عدلَه لم تبق لنا حسنة، وإن أتى فضلُه لم تبق لنا سيئة (٣). [وحكى عنه في "المناقب" عن يحيى أنه قال:] (٤) من استفتح باب المعاش بغير مفاتيح الأقدار وُكِلَ إلى المخلوقين (٥). وقال: جوعُ التائبين تجربة، وجوعُ الزاهدين سياسة، وجوعُ الصدِّيقين مكرمة (٦). وقال: مَن سُرَّ بخدمةِ الله سُرَّت الأشياءُ كلُّها بخدمته، ومن قرَّت عينُه بالله قرَّتْ كل عينٍ بالنظر إليه (٧). وقال: أبناء الدنيا تخدمهم العبيد والإماء، وأبناء الآخرة يخدمهم الأمراء والأبرار (٨). وقال: الدرهمُ عقرب، فإن لم تحسن رقيتَه، فلا تأخذه، فإنَّه إن لدغك قتلك (٩).

стр. 7231

وقال: لو خاف ابنُ آدم من النَّار كما يخاف من الفقرِ، دخلَ الجنَّة (١). وقال: من فرَّ إلى الله بذنبه وهو يتَّهمه في رزقه، فقد فرَّ منه لا إليه (٢). وقال: الدنيا حانوتُ المؤمنين، والليلُ والنهارُ رؤوس أموالهم، وصالحُ الأعمال بضائعهم، وجنَّةُ الخلد أرباحهم، والنَّارُ خسرانهم. وقال: من هجرَ أقرباءَه في الله عوَّضه الله صحبةَ أوليائه. وقال: العلماءُ يُحتَاج إليهم في الجنَّة، قيل له: وكيف؟ قال: لأنَّه يقال: يا أهل الجنة تمنَّوا، فلا يدرون ما يتمنون، فيقال: فاسألُوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون، فيرجعون إليهم، فيسألونهم، فيقولون: سلُوا النظرَ إلى وجهه الكريم، فيكون ذلك تكرمة للعلماء (٣). وقال: مثل الحكيم مثل الصياد يصيد العبادَ من أفواه الشياطين، فالدنيا بحرٌ، والحكمةُ شبكةٌ، والناسُ صيده، فلو لم يصد في عمره إلا واحدًا لكان [قد حصل له] خيرٌ كثير (٤). وقال: كم بين من يريدُ حضورَ الوليمة للوليمة، وبينَ من يريدُ حضورَها ليلقى صاحبه فيها (٥). وقال: لو لطمَني واحدٌ فلم أقدر على الانتصاف منه لكان أحبَّ إليَّ من أن يبرَّني واحدٌ ولا أقدرَ على مكافأته (٦). وقال: محاربةُ الصِّدِّيقين مع الخطرات (٧)، ومحاربةُ الزهَّاد مع الشهوات، ومحاربةُ التائبين مع الزلَّات.

стр. 7232

وقال: لا يحضُر مجلسَ الذكر إلا ثلاثة، راغبٌ وطالبٌ وعائب، فالراغبُ يريدُ بحضوره ما عندَ الله، والطالب يريدُ بحضوره العلم والأدب، والعائبُ يريد إصابةَ عيب، فيذيعه، فلُبابُ المجلس الراغب، وقلبه الطالب، ووباله (١) على العائب (٢). وقال: في الحديث: "الدنيا ملعونةٌ ملعونٌ ما فيها إلا ما كان لله" (٣)، [ثَم قال:] وما يحبُّ الملعونَ إلَّا ملعون، أو من هو ألعن منه، وأنشدَ -وقيل: إنَّه له-: [من مجزوء الوافر] دع الدُّنيا لناكحِها … سيصبحُ من ذبائِحها أرى الدنيا وإن صلحَتْ … تدلُّ على فضائِحها مصدقةٌ لعائبِها … مكذبةٌ لمادحِها (٤) وقال: من سمعت أذنُه من ربَّه صمَّتْ عن خلقِه. وأنشد: [من البسيط] سلِّم على الخلقِ وارحلْ نحو مولاكَ … واهجر على الصدقِ والإخلاصِ دنياكا عساكَ في الحشر تُعطَى ما تؤمِّلُه … ويكرمُ الله ذو الآلاءِ مثواكَا (٥) وقال: [من الطويل] دعتني دواعي الحبِّ من كلِّ جانبٍ (٦) … فليسَ لها منِّي سبيلٌ ومهربُ وحمَّلتني ما لم تطقهُ جوانحي … فسرُّك في الأحشاءِ مني مغيَّبُ (٧)

стр. 7233

ذكر وفاته: [قال الحاكم:] توفِّي [يحيى] بنيسابور في جمادى الأولى، وكُتِبَ على قبره: ماتَ حكيمُ الزمان يحيى بن معاذ (١). أسندَ الحديث عن إسحاقَ بنِ سليمان (٢) الرازي، ومكي بن إبراهيم البلخي، وعلي بن محمد الطنافسي وغيرهم. وروى عنه محمد بن محمود السمرقندي، وعبد الواحد بن محمد، وغيرهما. [وفي الأعيان ثلاثة، اسم كلِّ واحدٍ منهم يحيى بن معاذ، أحدُهم صاحب هذه الترجمة، والله أعلم (٣). وفيها توفي] يحيى الجلَّاء [والد أبي عبد الله أحمد بن يحيى الجلاء، وسنذكره في سنة ست وثلاث مئة. و] كان [يحيى] من الزهَّاد، صحب بِشرًا الحافي، ومعروفًا الكرخي، وسريًّا السقطي. وقال أحمد بن يحيى الجلَّاء: قلتُ لذي النُّون: لم يُسمَّى أبي الجلَّاء، أكان يصنع صنعه؟ فقال: لا، نحن سمَّيناهُ الجلَّاء، كان إذا تكلَّم [علينا] جلا قلوبَنا (٤). [وروى أبو نعيم عن أحمد بن يحيى الجَّلاء قال:] (٥) قلتُ لأبي وأمِّي: أحبُّ أن تهبَاني لله، قال: قد وهبناك [له]، فغبتُ عنهما مدَّةً، ثمَّ رجعت من غيبتي -وكانت ليلةً مطيرةً- فدققتُ عليهما الباب، فقالا: من؟ قلت: ولدكما أحمد، فقالا: كان لنا ولد فوهبناه لله، ونحنُ من العرب، لا نرجعُ فيما وَهبْنَا. وما فتحَا ليَ الباب (٦).

стр. 7234

[وحكى الخطيب عن أحمد بن الجلَّاء قال:] (١) مات أبي، فلمَّا وُضِع على المغتسل رأينَاه يضحك، فالتبسَ على الناس أمرُه، فجاؤوا بطبيب وغطَّوا وجهه، فأخذ مجسَّه، وقال: هذا ميِّت، فكشفوا الثوبَ عن وجهه، فرأيناه يضحك، فقال الطبيب: ما أدري أحيٌّ هو أم ميِّت؟! وكان إذا جاءَ إنسانٌ ليغسله لبستهُ منه هيبةٌ، فلا يقدرُ على غسله، حتى جاءَ رجلٌ من إخوانه، فغسَّله، وكفَّنه وصَلَّى عليه، ودُفِن. [رحمه الله تعالى] (٢). * * *

стр. 7235

السنة التاسعة والخمسون بعد المئتين (١) فيها تراجعَ الناسُ إلى الموفَّق وهو بواسط، وجاءته الأمداد والخزائن، وهيَّأ المعابر والسفنَ ليدخل إلى الخبيث، وكان الخبيثُ قد نزل البَطِيحة، وشقَّ حولَه الأنهار، وتحصَّن بها، فهجم عليه الموفَّقُ فقتَل من أصحابه مقتلةً عظيمة، وأحرق أكواخَه، واستنقذ من النساء جمعًا كثيرًا، ووقعَ الوباءُ في عسكرِ الموفق، فرحل إلى بغداد، واستخلف على قتال الخبيث محمد بن المولَّد، فقصد الخبيثُ الأهوازَ، فقتل خمسينَ ألفًا، وسبَى مثلهم، فجهَّز إليه المعتمد موسى بن بُغَا، فلمَّا خرجَ من سامرَّاء خلع عليه المعتمدُ، وطوَّقه، وخرجَ مشيِّعًا له، فجرت بينه وبين الخبيث حروبٌ يطول ذكرها (٢). وفيها ولد عبيد الله الملقَّب بالمهدي، جدّ الخلفاء المصريين. وفيها قتل كنجور، وكان على الكوفة، فانصرفَ عنها يريدُ سامرَّاء بغير إذن المعتمد، فأرسلَ إليه يأمرُه بالرجوعِ فأبى، فبعثَ إليه بمالٍ ليفرِّقَه في أصحابه، فلم يقنع، وكان له في المعتمد نية رديئة، فجهَّز إليه المعتمدُ جماعةَ من القوَّاد منهم ساتكين، وعبد الرحمن بن مُفْلِح، وموسى بن أتامش، فالتقوه، فأنزلُوه من فرسه فذبحوه، وحملُوا رأسَه إلى سُرَّ من رأى (٣). وفيها استولى يعقوب بن الليث على بَلْخ وهرَاة وبُوشَنج وبَاذَغِيس، مضافًا إلى ما كان بيده من سجِستان (٤).

стр. 7236

ولمَّا خرج موسى بن بُغَا من سامرّاء، جهّز قوَّاده إلى الخبيث، فبعث عبد الرَّحمن بن مفلح إلى الأهواز، وإسحاق بن كُندَاج إلى البصرة، وإبراهيم بن سيما إلى واسط، وكان خروجُ موسى من سامرَّاء في ذي القعدة، فأقام يحاربُ الخبيثَ بضعةَ عشرة شهرًا، حتى دخلت سنة ستين ومئتين، وبعث موسى بجماعةٍ من أصحاب الخبيث إلى سامرَّاء أسراء، فقتِلُوا وأحرِقوا (١). وفيها نزلت الرومُ على سُمَيسَاط (٢) ومَلَطْيَة، فقاتلهم أهلُ مَلَطْيَة، وكان بها أحمد بن محمد القابوس، فخرج إلى الروم، فقتلَ مقدَّم البطارقة، ويقال له: الإقريطشيّ. وفيها دخل يعقوبُ بن الليث نَيْسابور، فلمَّا قربَ منها بعثَ إليه محمدُ بن طاهر يستأذنُه في تلقِّيه، فلم يأذن له، فبعثَ إليه بعمومته وأهل بيته، فتلقَّوه، ثمَّ دخلَ نيسابور لأربع خلونَ من شوال آخر النهار، فنزل طرفًا من أطرافها، فركب محمد بن طاهر إليه، فنزل في مضربه، فأقبل عليه يعقوب يوبِّخُه ويؤنِّبُه على تفريطِه في البلاد حتى غلبَ عليها العدو، ثم وكَّل بمحمَّد وأهلِ بيته. ووردَ الخبرُ على المعتمد، وكتب إليه يعقوب يقول: إن الشُّرَاة والمخالفين قد تغلَّبوا على خراسان، ويشكو ضعفَ عبيد الله بن طاهر (٣)، وأنَّ أهلَ خراسان كاتبوا يعقوب، وسألُوه القدومَ عليهم، وأن يعينَهم، فكان الجواب لرسل يعقوب: إنَّ أميرَ المؤمنين لا يُقارُّ يعقوب على ما فعل، وأنَّه يأمُره بالانصراف إلى العمل الذي ولاه إيَّاه، يعنون سجستان، فليرجع، فإن امتثلَ الأمر كان من الأولياء، وإلا فهو من المخالفين. وحجَّ بالناس إبراهيمُ بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس ﵁ (٤). وفيها توفي

стр. 7237

أحمد بن سِنْدي بن الحسن بن بَحْر (١) أبو بكر الحدَّاد البغدادي، كان من الأبدالِ مجابَ الدعوة. سمعَ محمدَ بن العباس المؤدِّب وغيره، ورَوى عنه أبو نعيم الحافظ وغيرُه، وكان صالحًا ثقةً. الحسين بن عبد السَّلام أبو عبد الله المصريّ، ويعرف بالجَمَل الشاعر. ولد سنة سبعين ومئة، وكان الغالب عليه الهجو، ومدحَ المأمون وابن طاهر لمَّا قدما مصر (٢)، وكان يصحبُ الشافعيَّ رحمة الله عليه (٣). قال الجمل الشاعر: كان أحمد بن المُدَبِّر بدمشق [يقصده الشعراء] (٤)، فمن مدحَه بشعرٍ جيِّدٍ أجازَه، ومن مدحَهُ بشعرٍ رديءٍ بعثَ به إلى الجامع، ووكَّل به من لا يفارقه حتَّى يصلي مئةَ ركعة ثم ينصرف ولم يعطه شيئًا، وقال الجمل: فقدمتُ عليه فأنشدتُه: [من الوافر] أردنا في أبي حسنٍ مديحًا … كما بالمدح تُنتجَعُ الولاةُ فقالوا أكرمُ الثقلينِ طرًّا … ومن جدواهُ دجلةُ والفراتُ وقالوا يقبلُ المدحات لكن … جوائزُهُ عليهن الصَّلاةُ فقلت لهم وما يُغنِي عيالي … صَلَاتي إنَّما الشأن الزَّكاةُ فيأمر لي بكسرِ الصَّاد منها … فتضحي [لي] الصَّلاة هي الصِّلاتُ فقال لي: أخذتَ هذا من قول أبي تمَّام: هنَّ الحَمَامُ فإنْ كسرتَ عِيَافةً … من حَائِهنَّ فإنَّهنَّ حِمَامُ (٥)

стр. 7238

فقلت: نعم، فأجازني وأجزلَ إجازَتي. [فصل: وفيها توفي] محمد بن عمرو بن يونس أبو جعفر التَّغلبيّ، ويعرف بالسُّوسيِّ، الزاهد العابد. [قال الطحاوي:] حجَّ [في] سنة ثمانٍ وخمسين ومئتين، وعاد من الحج سنةَ تسع وخمسين [ومئتين]، فدخل في الصلاة، فتوفِّي وهو ساجد، وقد بلغ مئةَ سنة. حدث عن [عبد الله بن نمير، و] أبي معاويةَ الضرير وغيرهما (١). وروى عنه صالح بن عليّ الدِّمشقيُّ وغيره، وكان ثقةً (٢). محمود بن إبراهيم ابن محمد بن عيسى بن القاسم بن سُمَيع، أبو الحسن القُرَشيُّ الدمشقيُّ، العالمُ الفاضل الحافظُ الثقةُ الصدوق. صنَّفَ كتاب "الطبقات"، وذكرَ فيه أعيانَ العلماء، وتوفِّي بدمشق. حدَّثَ عن خلقٍ كثير، وحدَّث عنه أبو زُرْعة الدمشقيُّ وغيره. قال المصنف ﵀: وكلُّ ما أقولُ في كتابي هذا: قال ابن سُمَيع، فهو إشارةٌ إليه (٣). * * *

стр. 7239

السنة الستون بعد المئتين فيها واقع يعقوبُ بن الليث الحسنَ بن زيد الطالبيّ، فهزمه، ودخلَ طبرستان وأرض الدَّيْلَم، فتبعَه يعقوب، فصعد الحسن إلى جبال الديلم، ونزل الثلج والمطرُ على يعقوب، فأقام بأرض طبرستان، [وكان قد أقام] على بعض الجبال، فأتلفَ الثلجُ عامَّة من كان مع يعقوب، ولم يقدر [يعقوب] على النزول منه إلَّا على ظهور الرجال، ولم يكن له طريق إلى الطالبيِّ إلَّا من مكان ضيِّق، فخافَ، فرجعَ إلى سِجستان وقد فقد من أصحابه أربعين ألفًا، ولم يبق معه من الخيلِ والإبل والدواب والأثقال إلَّا شيء يسير (١). وفيها غلت الأسعار في الدنيا خصوصًا بالحجاز والعراق، وهربَ أهلُ مكَّة، وبلغ الكُرّ الحنطة ببغداد خمسين ومئة دينار، والشعيرُ عشرين ومئة دينار. وفيها أغارت الأعراب على حمص، فخرج إليهم منجور الكركي (٢) واليها، فقتلُوه، فولى عليها المعتمد بُكتمر التركي. واستولى يعقوب بن الليث على نَيسابور وخُراسان وأعمال ابن طاهر. وفيها قَتَلَ قائدُ الزَّنج عليَّ بن زيد العلوي صاحب الكوفة (٣). [وفيها أخذت الروم لؤلؤة من المسلمين.] (٤) وفيها أمر مفلح التركي أن يُزَاد في جامع المنصور الدار المسمَّاةُ بدار القَطَّان، كانت قديمًا ديوانًا و [أبي جعفر] المنصور، فتقدَّم مفلح إلى صاحبه القَطَّان ببنائها، وأنه يضيفها إلى الجامع؛ ليصلِّي فيها مفلح، ففعل (٥).

стр. 7240

قال المصنِّف ﵀: سمعتُ جماعةً من أهل بغداد يتفاصحُون ويقولون: دار القُطَّان -بضمِّ القاف- يعنونَ القاطنين، وليس كما قالوا، وإنما لمَّا بناها القَطَّان -بفتح القاف- نسبت إليه (١). وحجَّ بالناس إبراهيمُ بنُ محمد الذي حجّ بهم عام أول. وفيها توفي إبراهيمُ بن يعقوب بن إسحاق أبو إسحاق الجُوزَجانيّ. [ذكر الحافظ ابن عساكر قال: قال أبو أحمد ابن عدي:] سكن [الجُوزَجانيّ] دمشق، وكان يحدِّثُ [لها] على المنبر، [ويكاتبه أحمد بن حنبل، فقرأ كتبه على المنبر]. وأقام بمكة مدّةً، وبالرّملة مدّةً، وبالبصرة مدَّةً. [قال: وقال الدارقطني:] كان من الحفَّاظِ، إلا أنَّه كان منحرفًا عن علي بن أبي طالب، متحاملًا عليه. [وقال الدارقطني:] اجتمعَ على بابه أصحابُ الحديث، فأخرجتْ جاريتُه فروجةً، فلم تجد من يذبحها، فقال إبراهيم: سبحان الله! لا نجدُ من يذبحُ هذه الفروجة، وقد ذَبَحَ عليٌّ في ساعةٍ نيِّفًا وعشرين ألفًا. وفي روايةٍ: سبعين ألفًا. وبلغ يزيدَ بن هارون قولُه، فقال: لعنَه الله، وهل قتل عليٌّ أحدًا إلَّا وهو مستحقُّ القتل؟! [وقد اختلفوا في وفاته، فقال قوم في سنة ستٍّ وخمسين ومئتين بدمشق] (٢)، وقيل: [في] سنة تسع وخمسين، وقيل: في هذه السنة (٣). حدث عن يزيد بن هارون، [وأبي عاصم النبيل، وأبي مُسْهِر الغساني، وغيرهم]،

стр. 7241

وروى عنه أبو زُرعةَ وغيرُه (١). أيوب بن إسحاق ابن إبراهيم بن سافري. سكنَ الرملةَ، وحدَّث بها، وبمصر ودمشق، وتوفِّي بها في ربيع الآخر. سمع محمّد بن عبد الله الأنصاري، وغيره. وكان زعر الخُلُق، سألَهُ بعضُ أصحابه أن يكتب عنه شيئًا من الأخبار، فمطلَه، فكتب الرجل إليه: [من البسيط] إذ لم أخُطَّ حديثًا عنك أعلمُه … ولا كتبتُ لغيري عنكَ مجتهدَا إلَّا أحاديثَ خوَّاتٍ وقصَّتَه … عن البعير ولمَّا فاء أو شردَا (٢) فسوف أخرجُها إن شئتَ من كتبي … ولا أعود لشيءٍ بعدَها أبدَا (٣) [وفيها توفي] الحسن بن علي ابن محمَّد [بن علي] بن موسى بن جعفر [بن محمَّد] بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁، ويقال له: العسكريّ أيضًا، وهو الإمام، وكنيتُه أبو محمَّد. ولد سنة إحدى وثلاثين ومئتين (٤) بسرَّ من رأى، وأمُّه أمُّ ولد يقال لها: سوسن، وقيل: عسفان. كان سيدًا فاضلًا، [حكى أبو الحسن النَّصيبيُّ قال:] (٥) خطرَ في قلبي عَرَقُ الجُنُبِ هل هو طاهر أم لا؟ فأتيتُ إلى باب الإمام أبي محمد الحسن لأسألَه، وكان ليلًا، فنمتُ، فلمَّا طلعَ الفجر خرجَ من داره، فرآني نائمًا، فأيقظني [وقال: إن كان من حلالٍ

стр. 7242

فنعم، وإن كان من حرامٍ فلا] (١). وقال داود بن القاسم: دخلتُ على الإمام أبي محمد الحسن العسكريّ، وفي خاطري أن أسأَلَه عن إيمان أبي طالب، فابتدأني وقال: إنَّ إيمانَ أبي طالب كإيمان أهل الكهف، أسرَّ الإيمانَ وأظهر الكفر، فآتاه الله أجرَهُ مرتين (٢). وكانت وفاته بسُرَّ من رأى [في هذه السنة] وقد بلغ تسعًا وعشرين سنة، [و] صلَّى عليه أبو عيسى بن المتوكِّل، ودُفِنَ إلى جانب أبيه في داره بسرَّ من رأى، وصحبَ أباه عشرين سنة، وكانت إمامته (٣) خمس سنين وشهورًا، وقيل: إنَّه ولدَ في سنة عشرين ومئتين، وعاشَ أربعين سنة، وكان نقشُ خاتمه: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢)﴾ [الأنبياء: ٤٢]. أسندَ الحديث عن أبيه عن آبائه الطاهرين. قال المصنف ﵀: وأخرج له جدِّي ﵀ حديثًا في كتابه المسمى بـ "تحريم الخمر" نقلتُ هذا الحديثَ من خطِّ جدِّي، وأشهدُ بالله أنِّي سمعتُه يقول: أشهدُ بالله لقد سمعتُ أبا عبد الله الحسين بن علي يقول: أشهدُ بالله لقد سمعتُ عبد الله بن عطاء الهروي يقول: أشهدُ بالله لقد سمعتُ عبد الرحمن بن أبي عبيد البيهقيّ يقول: أشهدُ بالله لقد سمعتُ أبا عبد الله الحسين بن محمَّد الدِّينَوريّ يقول: أشهدُ بالله لقد سمعتُ أحمد بن عبد الله الشيعي (٤) يقول: أشهدُ بالله لقد سمعت الحسنَ بن علي العسكريّ يقول: أشهدُ بالله لقد سمعتُ أبي علي بن محمَّد يقول: أشهدُ بالله لقد سمعتُ أبي محمدًا يقول: أشهدُ بالله لقد سمعتُ أبي علي بن موسى الرضا يقول: أشهدُ بالله لقد سمعتُ أبي موسى يقول: أشهدُ بالله لقد سمعتُ أبي جعفرًا يقول: أشهدُ بالله لقد سمعتُ أبي محمَّدًا يقول: أشهد بالله لقد سمعتُ أبي علي بن الحسين يقول:

стр. 7243

أشهدُ بالله لقد سمعت أبي الحسين بن عليٍّ يقول: أشهدُ بالله لقد سمعت [أبي] علي بن أبي طالب ﵁ يقول: "أشهد بالله، لقد سمعتُ محمدًا رسول الله ﷺ يقول: "أشهدُ بالله لقد سمعت جبريل يقول: أنا أشهدُ بالله لقد سمعتُ ميكائيل يقول: أشهدُ بالله لقد سمعت إسرافيل يقول: أشهدُ بالله على اللوح المحفوظ أنَّه قال: أشهدُ بالله لقد سمعتُ الله تعالى يقول: شارب الخمر كعابد وثن" (١). قال أبو نعيم الفضل بن دُكَيْن (٢): هذا حديثٌ صحيحٌ ثابتٌ، روتهُ العترةُ الطيبة (٣) الطاهرة، ورواه جماعةٌ عن رسول الله ﷺ ، عليٌّ، وابنُ عباس، وأبو هريرة، وأنس، وعبد الله بن أبي أوفى ﵃ أجمعين (٤)، في آخرين. وولده محمد القائم الحجَّة، لمَّا مرضَ أوصى إليه، وهو آخرُ الأئمة، وهو صاحبُ السرداب بسرَّ من رأى (٥).

стр. 7244

وقد رَوى جعفر الصادق (١) أنَّه قال: كأنِّي بيومٍ حرام في شهرٍ حرام قائمًا بين الركن والمقام ينادي: يا من يجيبُ المضطرَّ إذا دعاه ويكشفُ السوء، فما يبرح حتى يحصلَ في عدَّة أهل بدر، فيملك الأرض. وروي عن الصادق أيضًا أنَّه قال: إنَّ القائمَ ليدخلُ دورَهم، ويمشي في أسواقِهم، ولا يعرفونه، حتَّى يأذنَ الله له في الخروج، فيعرفهم نفسَه. ورويَ عن عليِّ بن موسى الرضا أنَّه قال في تأويل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يسمَعُونَ الصَّيحَةَ بالحَقِّ﴾: هو ظهورُ القائِمِ الحجَّة الخلف. ولدَ في ذي الحجَّة سنةَ ثمان وخمسين ومئتين، وقيل: سنة ست وخمسين ومئتين، وصحبَ أباه سنتين، ثم توفِّي أبوه في هذه السنة وأقام بعده سنتَين ثم اختفى، وكنيتُه أبو القاسم، أبو عبد الله، ويقال له: ذو الاسمين محمد وأبو القاسم، وأمُّه أمُّ ولدٍ ويقال لها: صقيل. وفي حديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "يخرجُ في آخرِ الزمان رجل من ولدي، اسمه كاسمي، وكنيتُه ككنيتي، يملأُ الأرضَ عدلأ كما مُلِئت جورًا، فذلك هو المهدي". وفي رواية: "ولو لم يبقَ من الدهرِ إلَّا يوم واحد، لبعثَ اللهُ من أهل بيتي من يملأ الأرض عدلًا" وذكره. وقد أخرج أبو داود والترمذيُّ طرفًا منه (٢). [وفيها توفي] الحسن الفلَّاس العابد البغدادي كان لا يتقوت إلَّا من قمام المزابل، صحب بشرًا الحافي، وسَرِيًا السقطي،

стр. 7245

ومعروفًا الكرخي. وانتفع ببشر الحافي، وهو كان سبب تزهُّده، [حدثنا غير واحد عن محمد بن أبي منصور بإسناده إلى وَهْب بن نُعيم بن الهَيصَم قال: جاء حسن الفلَّاس إلى بشر بن الحارث] (١) يسأله في مسألةٍ؛ ليكون حجَّةً فيما بينه وبين الله تعالى، فوجد بشرًا في المقابر، فقال له: يا حسن، يودُّ هؤلاء أن يُرَدُّوا ليصلحُوا ما أفسدوا؟ [وفي رواية:] يا حسن، لو قيل لهؤلاء: ما تشتهون؟ لقالوا: أن نردَّ إلى الدنيا، فنصليَ ركعتين، ونصوم يومًا، [ثم قال:] (٢) أوصني، فقال له بشر: يا حسن، إنَّه من فرحَ بشيءٍ من الدنيا أخطأ الحكمةَ قلبُه، ومن جعل شهواتِ الدُّنيا تحتَ قدميه فَرِقَ الشيطانُ من ظلِّه، ومن غلب هواه فهو الصابرُ الغالب. ألا واعلم أنَّ البلاءَ كلَّه في هواك، والشفاءَ كلَّه في مخالفتك إيَّاه، فإذا لقيتَ الله تعالى فقل: قال لي بشر. فرجعَ الحسنُ، فعاهدَ الله تعالى أن لا يأكل ما يُباع، ولا ما يُشترى، ولا ما يُلبس، ولا ما يُقتنى، ولا يُمسِك بيده ذهبًا ولا فضةً ولا يضحك أبدًا، وكان يأوي ستَّةَ أشهر في العباسيَّة قريةٍ قريبةٍ من بغداد، وستَّةَ أشهر حول دار البطيخ محلةٍ خارجةٍ عن بغداد، ويلبسُ ما في المزابل، فقيل له: يا حسن، من ترك شيئًا لله عوَّضَه اللهُ خيرًا منه، فما عوضك؟ فقال الحسن: الرضَا بما أنا فيه. ومرضَ، فلمَّا احتضر قيل له: كيف أنت؟ فقال: لقد أعطاني ما يتنافسُ فيه المتنافسون (٣). ودُفِن قريبًا من بشر الحافي رحمةُ الله عليهما. [وفيها توفي] الحسنُ بن محمد بن الصَّبَّاح أبو عليّ الزعفرانيّ، من قرية بالعراق يقال لها الزعفرانيَّة، وهو صاحبُ الإمام

стр. 7246

الشافعيّ رحمةُ الله عليه الذي قرأَ عليه كتاب "الأم" (١)، ورَوى عنه أقواله القديمة. وقال: قدمَ علينا الشافعيُّ فاجتمعنا إليه، فقال: التمسُوا من يَقرأ لكم، فلم يتجاسر أحدٌ أن يقرأ عليه غيري، فقرأت عليه كتبَه كلَّها، وما كنَّا نظنُّ أمره أنَّه ينتهي إلى هذا، وكنت غلامًا ما في وجهي شعرة. فلمَّا قرأتُ عليه كتاب "الرسالة" قال: من أين أنت؟ قلت: من قريةٍ يقال لها: الزعفرانية، فقال: أنتَ سيِّدُ هذه القرية. [قال:] وكان قد غلبَ علينا مذهبُ الكوفيين (٢). وكانت وفاته [في رمضان] ببغداد بدرب الزعفرانيّ. [وقال الخطيب:] وإليه ينسب، وهو الدربُ المسلوك فيه من باب الشَّعير إلى الكَرْخ (٣)، وقد دَثرَ، فلا عين ولا أثر. أسندَ عن سفيان بن عيينة وغيره، وحدَّث عنه البخاريُّ وغيرُه (٤). وأجمعُوا على فضله وصدقه وأمانته. وقال أحمد بن محمَّد الشَّطَويّ: سمعنَا الحسن بن محمَّد بن الصبَّاح ينشد -وقد اجتمع إليه الناس ليحدثهم- فقال: [من المنسرح] لا والذي تسجدُ الجباهُ لهُ … ما لي بما دونَ ثوبِها خبرُ ولا بفيها ولا هممتُ بها … ما كان إلَّا الحديثُ والنَّظرُ فقال له رجل: يا أبا علي، إنَّ هذا الشعر يُغنَّى به! فقال له: ثكلتك أمُّك! وهل يغنى إلَّا بالشعر الجيد؟! (٥) [وفيها توفي] مالك بن طَوْق ابن مالك بن عتَّاب التغلبيّ، صاحب الرَّحْبَة.

стр. 7247

[ذكره الحافظ ابن عساكر قال:] كان أحد أجواد العرب ومُمَدَّحيهم. [وحكى عن أبي الحسين الرازي قال:] (١) وَلِيَ إمرة دمشق والأردن في خلافة الواثق والمتوكِّل ثم عزله المتوكِّل (٢). فقال أبو جعفر محمَّد بن يزيد الأمويّ: [من الطويل] ليهنكَ إذ أصبحتَ مُجتمعَ الحمدِ … وراعي المغاني (٣) والمُحامي عن المجدِ وأنَّك صُنْتَ المال فيما وليتَهُ … وفرَّقْتَ ما بين الغوايةِ والرُّشْدِ فلا تحسب الأعداءُ عزلكَ مغنمًا … فإنَّ إلى الإصدار عاقبةَ الردِّ (٤) وما كنتَ إلَّا السيفَ جُرِّدَ في الوغى … فأُحمِدَ فيه، ثمَّ رُدَّ إلى الغِمْدِ ومدحه بكرُ بن النطَّاح فقال: [من الطويل] أقولُ لمُرتادِ النَّدى عند مالك … كفى كلَّ هذا الخلق بعضُ عُدَاتِهِ ولو طاوعت (٥) أموالُه جودَ كفه … لقاسمَ من يرجوه شطرَ حياتِهِ ولو لم يجدْ في العمرِ قَسْمًا لسائل … وجازَ له الإعطاءُ من حسناتِهِ لجادَ بها من غير كُفْرٍ بربِّهِ … وأَشركَنَا في صَومِه وصلاتِهِ ولما كان (٦) أمره على دمشق، كان ينادي مناديه كلَّ ليلةٍ في رمضان بعد المغرب على باب الخضراء: الإفطارَ رحمكم الله، والأبوابُ مفتَّحة، لا يُمنعُ أحد. [قال:] ومرض [فدخل عليه العُوَّاد]، فأنشده شاعر: [من الوافر] وليس من الرزيَّةِ فقدُ مالٍ … ولا شاةٌ تموتُ ولا بعيرُ ولكن الرزيَّةَ فَقْدُ شخصٍ … يموتُ لموته خلقٌ كثيرُ [وقال الرازي:] قدم عليه أبو تمام دمشق، فأقام مدَّةً [فـ] لم يصل إليه، فقال للحاجب: استأذن [لي] عليه، فقال: لا سبيل لي ولكن اكتب ورقةً، وهو اليومَ خارجٌ إلى بستانه،

стр. 7248

فألقها في مكانٍ أقول لك، ففعل، وكان [في الرقعة هذه الأبيات:] (١) [من المتقارب] لعمري لئن حَجَبَتْنِي العبيـ … ــدُ عنك فلن تُحجَبَ القافيهْ سأرمي بها من وراءِ الجدا … رِ شنعاءَ تأتيكَ بالدَّاهيهْ تُصِمُّ السَّميعَ وتُعمي البصير … ومن بعدهَا تسألُ العافيهْ قال أبو تمام: فلمَّا قرأهَا استدعاني، ولم يكن يعرفُني قبلها، فقال: أنت صاحبُ الرقعة؟ قلت: نعم، قال: أنشدها، فأنشدتُه إيَّاها، فلمَّا بلغت إلى قولي: ومن بعدها تُسألُ العافيهْ قال: لا، بل من قبلها، ثمَّ قال: [ما] حاجتك؟ فأنشدت: [من الكامل] ماذا أقولُ إذا انصرفتُ وقيل لي … ماذا لقيتَ من الجوادِ المُفْضِلِ إن قلتُ أعطاني كذبتُ وإن أقلْ … بخلَ الجواد بماله لم يجمُلِ فاختر لنفسِك ما أقول فإنَّني … لا بدَّ مخبرُهم وإنْ لم أُسألِ فقال: إذًا والله لا أختارُ إلَّا أحسنَها، كم قد أقمت ببابي؟ قلت: أربعةَ أشهر، فأعطاني مئة ألف درهم وعشرين ألفًا؛ لكلِّ يوم ألف درهم (٢). ودخل أبو تمام عليه وعنده خيلٌ، فأعجبَه بِرْذَونٌ، فطلبَه منه، فأرادَ مالك أن يُولَعَ به، فأخرجه عنه، فقال أبو تمام: اسمع، فقال: على هذه السرعة؟! قال: نعم، وأنشده: [من البسيط] اسمع مقالي وخيرُ القول أصدقُه … وإنَّما لكَ في ذي اللُّبِّ منطقُهُ وبابكَ الدهرَ مفتوحٌ لطارقِه … غيري ويُطرقُ دوني حين أطرقُهُ إنِّي أحبُّكَ فاسمع قوله ذي ثقةٍ … ما المالُ مالُكَ إلَّا حينَ تُنفِقُهُ والناس شتَّى فذو لؤمٍ وذو كرمٍ … والعِرْض سورٌ وبذلُ المالِ خندقُهُ والسورُ ما لم يكن ذا خندقٍ غَدِقٍ … بالماءِ هان على الراقي تَسلُّقُهُ ها قد هززتُ وما في الهزِّ منقصةٌ … والمسكُ يزدادُ طيبًا حين تَفْتِقُهُ (٣)

стр. 7249

بل قد كشفتُ قناعَ العَتْبِ معتذِرًا … إلى السؤالِ فقل لي كيف أغلقُهُ فقال له: أغلقه، وخذ البرذونَ بسرجِهِ ولجامِه (١). [وقال أبو الحسين الرازي:] لمَّا عزل مالك عن دمشق جمعَ التجَّار في القبَّة التي في وسط الجامع، وقال: قد دخلتُ بلدَكم ومعي أموالُ الدنيا، وأنا خارجٌ من عندكم مديون، كم لكم علي؟ قالوا: ثلاثون ألف دينار، فقال: من شاء منكم أن يقيم وأرسل إليه ماله، ومن شاء فليخرج معي إلى الرَّحبة، فخرجَ بعضُهم وأقام البعض، فوفَّاهم جميعَ أموالهم (٢). وكانت وفاته بالرَّحْبَة [في] سنة ستين ومئتين (٣). موسى (٤) بن مُسْلِم ابن عبد الرَّحمن، أبو بكر القنطريّ. كان ينزل قنطرة البردان ببغداد، فنُسِبَ إليها، وكان يشبَّه في الزهد والورع ببشر الحافي، وكان قوتُه يسيرًا. كان يكتبُ "جامع" سفيان الثوري لقومٍ لا يشكُّ في صلاحهم ببضعة عشر درهمًا، ويتقوَّتُ بالأجرة. وقال أحمد بن محمَّد المَرُّوذي: دخلتُ على أبي بكر بن مُسلم يوم عيد، فوجدتُه وعليه قميصٌ مرقوع، وقدَّامه قليلُ خرنوبٍ يقرضهُ، فقلت له: اليوم العيد، وأنت تأكلُ الخرنوب؟! فقال لي: لا تنظر إلى هذا، ولكن انظر إن سألني يوم القيامة: من أين هو؟ أيَّ شيءٍ أقول (٥)؟ وقال الجُنيد بن محمَّد: عبرتُ يومًا إلى أبي بكر القنطري نصفَ النهار، فقال: أمَّا

стр. 7250

كان لك شغلٌ في هذا الوقت يشغلك عني؟ فقلت: إذا كان مجيئي إليكَ هو شغلي، فما أعمل (١)؟ وكان الجنيدُ يقول: كان لي شيوخٌ كانت رؤيتُهم قوتي من الأسبوع إلى الأسبوع، وإنَّ أبا بكر القنطريّ منهم. وكانت وفاتُه في ذي الحجَّة. * * *
следующие страницы →