← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 7246–7285 · переход к 7251.

стр. 7246

الشافعيّ رحمةُ الله عليه الذي قرأَ عليه كتاب "الأم" (١)، ورَوى عنه أقواله القديمة. وقال: قدمَ علينا الشافعيُّ فاجتمعنا إليه، فقال: التمسُوا من يَقرأ لكم، فلم يتجاسر أحدٌ أن يقرأ عليه غيري، فقرأت عليه كتبَه كلَّها، وما كنَّا نظنُّ أمره أنَّه ينتهي إلى هذا، وكنت غلامًا ما في وجهي شعرة. فلمَّا قرأتُ عليه كتاب "الرسالة" قال: من أين أنت؟ قلت: من قريةٍ يقال لها: الزعفرانية، فقال: أنتَ سيِّدُ هذه القرية. [قال:] وكان قد غلبَ علينا مذهبُ الكوفيين (٢). وكانت وفاته [في رمضان] ببغداد بدرب الزعفرانيّ. [وقال الخطيب:] وإليه ينسب، وهو الدربُ المسلوك فيه من باب الشَّعير إلى الكَرْخ (٣)، وقد دَثرَ، فلا عين ولا أثر. أسندَ عن سفيان بن عيينة وغيره، وحدَّث عنه البخاريُّ وغيرُه (٤). وأجمعُوا على فضله وصدقه وأمانته. وقال أحمد بن محمَّد الشَّطَويّ: سمعنَا الحسن بن محمَّد بن الصبَّاح ينشد -وقد اجتمع إليه الناس ليحدثهم- فقال: [من المنسرح] لا والذي تسجدُ الجباهُ لهُ … ما لي بما دونَ ثوبِها خبرُ ولا بفيها ولا هممتُ بها … ما كان إلَّا الحديثُ والنَّظرُ فقال له رجل: يا أبا علي، إنَّ هذا الشعر يُغنَّى به! فقال له: ثكلتك أمُّك! وهل يغنى إلَّا بالشعر الجيد؟! (٥) [وفيها توفي] مالك بن طَوْق ابن مالك بن عتَّاب التغلبيّ، صاحب الرَّحْبَة.

стр. 7247

[ذكره الحافظ ابن عساكر قال:] كان أحد أجواد العرب ومُمَدَّحيهم. [وحكى عن أبي الحسين الرازي قال:] (١) وَلِيَ إمرة دمشق والأردن في خلافة الواثق والمتوكِّل ثم عزله المتوكِّل (٢). فقال أبو جعفر محمَّد بن يزيد الأمويّ: [من الطويل] ليهنكَ إذ أصبحتَ مُجتمعَ الحمدِ … وراعي المغاني (٣) والمُحامي عن المجدِ وأنَّك صُنْتَ المال فيما وليتَهُ … وفرَّقْتَ ما بين الغوايةِ والرُّشْدِ فلا تحسب الأعداءُ عزلكَ مغنمًا … فإنَّ إلى الإصدار عاقبةَ الردِّ (٤) وما كنتَ إلَّا السيفَ جُرِّدَ في الوغى … فأُحمِدَ فيه، ثمَّ رُدَّ إلى الغِمْدِ ومدحه بكرُ بن النطَّاح فقال: [من الطويل] أقولُ لمُرتادِ النَّدى عند مالك … كفى كلَّ هذا الخلق بعضُ عُدَاتِهِ ولو طاوعت (٥) أموالُه جودَ كفه … لقاسمَ من يرجوه شطرَ حياتِهِ ولو لم يجدْ في العمرِ قَسْمًا لسائل … وجازَ له الإعطاءُ من حسناتِهِ لجادَ بها من غير كُفْرٍ بربِّهِ … وأَشركَنَا في صَومِه وصلاتِهِ ولما كان (٦) أمره على دمشق، كان ينادي مناديه كلَّ ليلةٍ في رمضان بعد المغرب على باب الخضراء: الإفطارَ رحمكم الله، والأبوابُ مفتَّحة، لا يُمنعُ أحد. [قال:] ومرض [فدخل عليه العُوَّاد]، فأنشده شاعر: [من الوافر] وليس من الرزيَّةِ فقدُ مالٍ … ولا شاةٌ تموتُ ولا بعيرُ ولكن الرزيَّةَ فَقْدُ شخصٍ … يموتُ لموته خلقٌ كثيرُ [وقال الرازي:] قدم عليه أبو تمام دمشق، فأقام مدَّةً [فـ] لم يصل إليه، فقال للحاجب: استأذن [لي] عليه، فقال: لا سبيل لي ولكن اكتب ورقةً، وهو اليومَ خارجٌ إلى بستانه،

стр. 7248

فألقها في مكانٍ أقول لك، ففعل، وكان [في الرقعة هذه الأبيات:] (١) [من المتقارب] لعمري لئن حَجَبَتْنِي العبيـ … ــدُ عنك فلن تُحجَبَ القافيهْ سأرمي بها من وراءِ الجدا … رِ شنعاءَ تأتيكَ بالدَّاهيهْ تُصِمُّ السَّميعَ وتُعمي البصير … ومن بعدهَا تسألُ العافيهْ قال أبو تمام: فلمَّا قرأهَا استدعاني، ولم يكن يعرفُني قبلها، فقال: أنت صاحبُ الرقعة؟ قلت: نعم، قال: أنشدها، فأنشدتُه إيَّاها، فلمَّا بلغت إلى قولي: ومن بعدها تُسألُ العافيهْ قال: لا، بل من قبلها، ثمَّ قال: [ما] حاجتك؟ فأنشدت: [من الكامل] ماذا أقولُ إذا انصرفتُ وقيل لي … ماذا لقيتَ من الجوادِ المُفْضِلِ إن قلتُ أعطاني كذبتُ وإن أقلْ … بخلَ الجواد بماله لم يجمُلِ فاختر لنفسِك ما أقول فإنَّني … لا بدَّ مخبرُهم وإنْ لم أُسألِ فقال: إذًا والله لا أختارُ إلَّا أحسنَها، كم قد أقمت ببابي؟ قلت: أربعةَ أشهر، فأعطاني مئة ألف درهم وعشرين ألفًا؛ لكلِّ يوم ألف درهم (٢). ودخل أبو تمام عليه وعنده خيلٌ، فأعجبَه بِرْذَونٌ، فطلبَه منه، فأرادَ مالك أن يُولَعَ به، فأخرجه عنه، فقال أبو تمام: اسمع، فقال: على هذه السرعة؟! قال: نعم، وأنشده: [من البسيط] اسمع مقالي وخيرُ القول أصدقُه … وإنَّما لكَ في ذي اللُّبِّ منطقُهُ وبابكَ الدهرَ مفتوحٌ لطارقِه … غيري ويُطرقُ دوني حين أطرقُهُ إنِّي أحبُّكَ فاسمع قوله ذي ثقةٍ … ما المالُ مالُكَ إلَّا حينَ تُنفِقُهُ والناس شتَّى فذو لؤمٍ وذو كرمٍ … والعِرْض سورٌ وبذلُ المالِ خندقُهُ والسورُ ما لم يكن ذا خندقٍ غَدِقٍ … بالماءِ هان على الراقي تَسلُّقُهُ ها قد هززتُ وما في الهزِّ منقصةٌ … والمسكُ يزدادُ طيبًا حين تَفْتِقُهُ (٣)

стр. 7249

بل قد كشفتُ قناعَ العَتْبِ معتذِرًا … إلى السؤالِ فقل لي كيف أغلقُهُ فقال له: أغلقه، وخذ البرذونَ بسرجِهِ ولجامِه (١). [وقال أبو الحسين الرازي:] لمَّا عزل مالك عن دمشق جمعَ التجَّار في القبَّة التي في وسط الجامع، وقال: قد دخلتُ بلدَكم ومعي أموالُ الدنيا، وأنا خارجٌ من عندكم مديون، كم لكم علي؟ قالوا: ثلاثون ألف دينار، فقال: من شاء منكم أن يقيم وأرسل إليه ماله، ومن شاء فليخرج معي إلى الرَّحبة، فخرجَ بعضُهم وأقام البعض، فوفَّاهم جميعَ أموالهم (٢). وكانت وفاته بالرَّحْبَة [في] سنة ستين ومئتين (٣). موسى (٤) بن مُسْلِم ابن عبد الرَّحمن، أبو بكر القنطريّ. كان ينزل قنطرة البردان ببغداد، فنُسِبَ إليها، وكان يشبَّه في الزهد والورع ببشر الحافي، وكان قوتُه يسيرًا. كان يكتبُ "جامع" سفيان الثوري لقومٍ لا يشكُّ في صلاحهم ببضعة عشر درهمًا، ويتقوَّتُ بالأجرة. وقال أحمد بن محمَّد المَرُّوذي: دخلتُ على أبي بكر بن مُسلم يوم عيد، فوجدتُه وعليه قميصٌ مرقوع، وقدَّامه قليلُ خرنوبٍ يقرضهُ، فقلت له: اليوم العيد، وأنت تأكلُ الخرنوب؟! فقال لي: لا تنظر إلى هذا، ولكن انظر إن سألني يوم القيامة: من أين هو؟ أيَّ شيءٍ أقول (٥)؟ وقال الجُنيد بن محمَّد: عبرتُ يومًا إلى أبي بكر القنطري نصفَ النهار، فقال: أمَّا

стр. 7250

كان لك شغلٌ في هذا الوقت يشغلك عني؟ فقلت: إذا كان مجيئي إليكَ هو شغلي، فما أعمل (١)؟ وكان الجنيدُ يقول: كان لي شيوخٌ كانت رؤيتُهم قوتي من الأسبوع إلى الأسبوع، وإنَّ أبا بكر القنطريّ منهم. وكانت وفاتُه في ذي الحجَّة. * * *

стр. 7251

السنة الحادية والستون بعد المئتين (١) فيها مالت الدَّيلم إلى يعقوب بن الليث الصفَّار، ومالت على الحسن بن زيد، فخرج الحسنُ من الديلم، وأحرقَ منازلهم ومكانًا يقال له: شالوس، وصار إلى كرمان (٢). وفيها كتب المعتمد كتابًا، وبعث به إلى بغداد، فُقرِئ على الحاجِّ من أهل خراسان والرَّيّ وطبرستان، ومضمونُه أنَّ الخليفةَ لم يولِّ يعقوبَ الصفَّار خراسان، ويأمرُهم بالبراءةِ منه، وينكرُ عليه دخولَ خراسان وأسْرَه محمَّد بن طاهر (٣). وفيها وليَّ المعتمدُ أبا السَّاج الأهواز وحربَ صاحب الزَّنج، فسار إليها فأقام بها، فبعثَ إليه قائدُ الزَّنج عليَّ بن أبان المهلبيّ، وبعث إليه أبو السَّاج صهرَه عبد الرَّحمن، فاقتتلوا عند الدولاب، وكانت بينهم وقعةٌ عظيمةٌ، قُتِل عبد الرَّحمن، وانحازَ أبو السَّاج إلى عسكر مكرَم، ودخل الزَّنجُ الأهواز وقتلوا أهلَها، وسبوا ونهبوا، وأحرقوا دورَها، وصُرِفَ أبو السَّاج عن قتال الزَّنج والأهواز، ووُلِّيَ ذلك إبراهيم بن سيما (٤). وفيها كتبَ المعتمدُ إلى أحمد بن أسد (٥) السامانيّ بولاية ما وراء جَيحُون وسَمَرْقَند وبُخَارى. وفيها جاء يعقوبُ بن الليث إلى فارس، وبها ابنُ واصل، فالتقيَا، فهزمَه يعقوب، وفلَّ عسكرَه، وأخذَ من قلعةٍ له أربعين ألف ألف درهم، ويقال للقلعة: خُرَّمَة.

стр. 7252

وفيها لاثنتي عشرة ليلة خلت من شوَّال جلسَ المعتمدُ في دار العامَّة، فولَّى ابنَه جعفر بن المعتمد، وسماه المفوِّض إلى الله، وولَّاه المغرب، وضمَّ إليه موسى بن بُغَا، وولّاه إفريقية، والشَّام، ومصر، والجزيرة، وإرمينية، وطريق خراسان، ومِهْرِجان قَذَق، وحُلوان، وولَّى أخاه أبا أحمد الموفق العهدَ بعد جعفر، وولَّاه المشرق، وضمَّ إليه مسرورًا البلخي، وولَّاه بغداد، والسَّواد، والكوفة، وطريقَ مكَّة والمدينة، واليمن، وكور دِجْلة، والأهواز، وفارس، وأصبهان، وقُمْ، والكرج، والدِّينَور، والرَّي، وزِنْجَان، وقَزْوين، وخراسان، وطبرستان، وكَرْمان، وسِجستان، والسِّند، وعقد لكلِّ واحدٍ منهما لواءين؛ أبيض وأسود، وشرط إنْ حَدَثَ به حدثُ الموت ولم يكتمل (١) أنْ يكونَ الأمرُ لأبي أحمد الموفق، ثمَّ لجعفر بعدَه، وأُخِذت البيعةُ على الناس، وفُرِّقَت نسخةُ الكتب، وبُعث نسخةٌ مع الحسن بن محمَّد بن أبي الشوارب القاضي ليعلِّقَها في الكعبة، فمات الحسنُ بمكَّة بعد ما حجّ، وعقد جعفر (٢) المفوض لموسى بن بغا على المغرب في شوَّال. وحجَّ بالناس الفضل بن إسحاق الذي حجَّ بهم في السنة الماضية (٣). وفيها توفي الحسن بن محمَّد بن عبد الملك أبو محمَّد القاضي الأمويّ، ويعرف بابن أبي الشوارب، وجدُّه عتَّاب بن أسيد الذي ولَّاه رسول الله ﷺ مكَّة. وقيل: جدُّه خالدُ بن أسيد (٤).

стр. 7253

ولي القضاءَ بسُرَّ من رأى في أيَّام المتوكِّل وبعده، وكان عالمًا، فاضلًا، جوادًا، ذا مروءة. وقال [أحمد بن] (١) إبراهيم بن محمَّد بن عرفة: وليَ جعفرُ بن عبد الواحد الهاشمي قاضي القضاة سنة أربعين ومئتين، واستخلفَ على القضاء بسُرَّ من رأى الحسنَ بن محمد بن أبي الشوارب، وكان أفتى فقيهٍ وقاض، [وكان] من السخاء والكرم وإظهارِ المروءة على حالةٍ لم يُرَ (٢) عليها حاكمٌ قطّ، ولم يزل في هذا البيت إمارةٌ ورياسة، منهم عتَّاب بن أسيد. [وورد على محمَّد] (٣) بن عبد الملك بن أبي الشوارب كتابُ ابنه الحسن بولايته القضاء، فكتب إليه: وردَ كتابُك بتوليتكَ القضاء، وحاشا لوجهك الحسنِ يا حسنُ من النَّار. وكان المعتزُّ يقول: ما رأيتُ أفضلَ من الحسن بن محمَّد بن أبي الشوارب، ولا أكثرَ وفاءً منه، ما حدَّثني قطُّ فكذَبَني، ولا ائتمنته على سرٍّ فخانني فيه. واختلفوا في وفاته فقال ابن المنادي: توفي ببغداد في ذي الحجَّة، وصلَّى عليه يوسُف بن يعقوب القاضي. وقال الطبريُّ: توفِّي بمكَّة (٤). [وفيها توفي] أبو يزيد البِسْطَامي واسمه طَيْفُور بن عيسى بن شروسان (٥)، وكان شروسان مجوسيًّا فأسلم، وكان لعيسى ثلاثةُ أولاد، آدم وهو أكبرهم، وطيفور وهو أوسطهم، وعليّ وهو أصغرهم،

стр. 7254

وكانوا كلُّهم زهَّادًا عُبَّادًا. وكان أبو يزيد أفضلَ أهل زمانه، وأجلَّهم حالًا، له لسان في المعارف والتدقيق، وفي العلوم والمكاشفات (١)، والفناء والبقاء لم يُسبَق إليه. ذكر طرف من أخباره: [حكى أبو نعيم الأصفهاني وابن باكويه وابن خميس في "مناقب الأبرار" طرفًا من زهده وكراماته وخوفه وورعه وجميل صفاته وعباداته. حدثنا جدِّي ﵀ بإسناده إلى العباس بن حمزة يقول:] (٢) صلَّيتُ خلفَ أبي يزيد [البِسطامي] الظهرَ، فلمَّا أرادَ أنْ يرفعَ يديه ليكبِّر، لم يقدر إجلالًا لاسم الله تعالى، وارتعدت فرائصُه، حتَّى كنتُ أسمعُ تقعقعَ عظامِه، فهالني ذلك (٣). [وروى جدِّي عن ابن ناصر بإسناده إلى عيسى بن آدم ابن أخي أبي يزيد قال:] (٤) وإن أبو يزيد يعظُ نفسه، فيصيح عليها: [يا مأوى كل سوء]، المرأةُ إذا حاضت طهرتْ بعد ثلاثة أيام، وأكثره عشرة، وأنت قاعدةٌ منذ عشرين أو ثلاثين سنة وبعد ما طهرت، فمتى تَطهُرين، إنَّك تقفين بين يدي الله تعالى، والوقوف بين يدي (٥) الطاهر ينبغي أن يكون طاهرًا (٦). [قلت: لم يذكر له جدِّي في "المنتظم" سوى هذه الكلمات عن العبَّاس بن حمزة وعن عيسى بن آدم ابن أخي أبي يزيد، ولا خفاء أنَّ الرجل كان جليلًا سيِّدًا عارفًا نبيلًا، وقد استقصيتُ أخباره، وذكرتُ أحواله وآثاره، فأقول: حكى ابن باكويه بإسناده عن قاسم الحدَّاد قال:] (٧) خرجَ أبو يزيد في سياحاته، فجاءَ إلى دِجْلة، فالتقى له

стр. 7255

الشَّطَّان (١)، فحوَّل وجهَه عنها، ثمَّ قال: وعزَّتك إنَّك تعلم أنِّي ما عبدتُك لهذا، فلا تحجبني بك عنك (٢). [وحكى عنه عليُّ بن جهضم في "بهجة الأسرار" قال:] صعدَ أبو يزيد ليلةً على سور بِسْطام، فدارَ عليه طول الليل يجتهدُ أن يذكرَ الله تعالى فلم يقدر؛ إجلالًا له وهيبةً، فلما طلعَ الفجرُ نزلَ فبال الدم (٣). [قال:] وجلسَ يومًا بين يدي المنبر، فقرأ الخطيب: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١]، فخرجَ الدم من بين عيني أبي يزيد، فضربَ الدمُ المنبر (٤). [وقد حكى هاتين الحكايتين جدِّي في كتاب "المنتخب في الوعظ". وحكى عنه أبو عبد الرحمن السلميّ قال:] قال أبو يزيد جلستُ ليلةً في المحراب، فمددتُ رجلي، فهتفَ بي هاتفٌ: يا أبا يزيد، من يجالسُ الملوك ينبغي أن يجالسَهم بحسنِ الأدب (٥). [وحكى عنه ابن جهضم في "البهجة" أنَّه قال:] (٦) رأيت ربَّ العزَّة في المنام فقلت: يا خُداه، كيف الطريقُ إليك؟ فقال: فارق نفسَك وتعال (٧). [وحكاه جدِّي في "المنتخب". وذكر ابنُ خميس في "المناقب" عنه أنَّه] أذَّنَ مرَّة، ثمَّ أراد أن يقيم، فنظرَ في الصفِّ، فرأى رجلًا عليه آثارُ السفر، فكلَّمه بشيء، فخرجَ الرجل من المسجد، فقيل له: ما قال لك أبو يزيد؟ فقال: قال لي: اخرج واغتسل، فما يجوزُ التيمُّمُ في الحضر.

стр. 7256

وكان الرجلُ قد أجنبَ في السفر، فتيمَّم وصلَّى، ثمَّ قدمَ فدخلَ المسجد، ولم يعلم أنَّه لا يجوز للجنب أنْ يتيمَّمَ في الحضر (١). [وحكى أيضًا قال:] اشتهرَ رجلٌ بالولاية، فقال أبو يزيد لبعض أصحابه: قم بنا إليه، فدخلَ الرجلُ المسجدَ وبصق تُجاه القبلة، فرجعَ أبو يزيد وقال لصاحبه: امض بنا، فهذا غيرُ مأمونٍ على أدب من آداب الشريعة، فكيف يكونُ مأمونًا على ما يدَّعيه من الولاية؟! (٢). [قال:] وغسلَ يومًا ثوبَه في الصحراء ومعه صاحبٌ له، فقال له صاحبه: علِّقه على حائط الكرم، فقال: ما أذنَ لي صاحبه، فقال: علِّقه على الشجر، قال: تنكسرُ أغصانه فيفسد، فقال: ابسطهُ على الإذخِر، قال: يفسد؛ لأنَّ الله تعالى جعلَه علفًا للدواب، ثمَّ ولَّى أبو يزيد ظهرَه إلى الشمس، وجعل القميصَ على رأسه وظهره، وقلَّبَه حتى جفّ، ثمَّ لبسَه (٣). [قال:] ودخلَ يومًا إلى الجامع، فغرسَ عصاه في الأرض، فوقعت على عُكَّاز شيخٍ إلى جانبه، فوقعَ العكَّاز، فقام الشيخُ فانحنى وأخذَه، فقام أبو يزيد إلى الشيخ وقبَّل رأسَه وحاللَهُ، وقال: إنَّما انحنيتَ وأخذتَ العكَّازَ بسببي (٤). [قال:] وقدمَ شقيقٌ البلخيُّ وأبو تراب النَّخْشَبيّ عليه، وقُدِّمت السُّفرة، وهناك شابٌّ جالس، فقال له أبو يزيد: قم وكل مع الشيوخ، فقال: أنا صائم، فقال له أبو تراب: كل ولك أجر صوم شهر، فأبى، فقال له شقيق: كل ولك أجر صوم سنة، فأبى، فقال لهم أبو يزيد: دعوا من سقطَ (٥) من عين الله، فأُخِذَ الشاب بعد سنةٍ في تُهَمَة، فقطِعت يده. [قال:] وقال عُمر البِسْطامي (٦): كنَّا قعودًا في مسجد أبي يزيد، فقال: قُوموا بنا

стр. 7257

نستقبل وليًّا من أولياء الله تعالى، فقمنا، وإذا بإبراهيم بن شَيبة الهَرَويّ (١) قد أقبل، فقال أبو يزيد: وقع في خاطري أن أستقبلك، وأشفع لك إلى ربِّي، فقال له إبراهيم: لو شفَّعَك في جميع الخلائق لم يكن عجبًا، إنَّما هم قطعة من طين. فتحيَّر أبو يزيد من جوابه. [ذكر المختار من كلامه: قال أبو نعيم بإسناده عن إبراهيم الهَرَويِّ يقول: سمعت أبا يزيد يقول:] غلطتُ في ابتداء أمري في أربعة أشياء؛ توهَّمتُ أنِّي أذكرُه وأعرفُه وأحبُّه وأطلبُه، فلمَّا انتهيتُ رأيتُ ذكرَه سبق ذكري، ومحبَّته سبقت محبَّتي، ومعرفتَه سبقت معرفتي، وطلبَه سبق طلبي (٢). [وقال إبراهيم: وسمعته يقول:] (٣) عملتُ في المجاهدة ثلاثين سنة، فما وجدتُ شيئًا أشدَّ عليّ من العلم ومتابعته، ولولا اختلاف العلماء لبقيتُ متحيِّرًا، واختلافُهم رحمةٌ إلَّا في تجريدِ التوحيد (٤). [قال:] وسئل [أبو يزيد:] ما علامةُ العارف؟ فقال: لا يفترُ من ذِكره، ولا يملُّ من حقِّه، ولا يستأنس بغيره. وقال: إنَّ الله تعالى أمرَ العباد ونهاهم، فأطاعوه، فخلَعَ عليهم من خِلَعه، فاشتغلوا (٥) بالخلع عنه، وإنِّي لا أريدُ من الله إلا الله تعالى. [وقد حكينا عن أحمد بن خضرويه أنَّه قال:] (٦) رأيتُ ربَّ العزَّةِ في المنام، فقال لي: يا أحمد، كلُّ الناس يطلبون منِّي إلَّا أبا يزيد، فإنَّه يطلبُني (٧). وقال: لو صفتْ لي تهليلةٌ ما باليتُ بعدَها بشيء.

стр. 7258

وقال: هذا فرحي بك وأنا أخافُك، فكيف فرحي بك إذا أمنتك. وسئل: بم نالوا المعرفة؟ فقال: بتضييع ما لهم والوقوف مع ما له. وقال: إنَّ الله اطَّلعَ على قلوبِ أوليائه، فمنهم من لا يصلح لحملِ المعرفة صِرفًا، فشغله (١) بالعبادة. [وقال: ليس العجبُ من حبِّي لك وأنا عبدٌ فقير، وإنَّما العجبُ من حبِّك لي وأنت ملكٌ قدير.] (٢) وقال: منذ ثلاثينَ سنةً كلَّما أردتُ أن أذكرَ الله أتمضمضُ وأغسل لساني؛ إجلالًا له أنْ أذكرَه (٣). وحكى عنه في "المناقب" أنَّه قال:] أشدُّ المحجوبين عن الله ثلاثةٌ بثلاثة، فأوَّلُهم الزاهدُ بزهده، والثاني العابدُ بعبادته، والثالثُ العالم بعلمه، ثمَّ قال: مسكينٌ الزاهد، لو علمَ أن الله سمَّى الدنيا كلها قليلًا في قليل، فكم مقدارُ ما ملكَ من ذلك القليل؟ وفي كم زهد ممَّا ملك؟ وأمَّا العابد فلو رأى مِنَّةَ الله عليه في العافية (٤)، عرف عبادته في المنَّة، وأمَّا العالم فلو عَلِم أنَّ جميعَ ما في العالم سطرٌ (٥) واحدٌ ممَّا في اللوح المحفوظ، فكم عَلِمَ هذا العالم من ذلك السطر؟ وكم عَمِلَ ممَّا علم؟ [قال:] وقال: ما ذكروه إلَّا بالغفلة، ولا خدمُوه إلَّا بالفترة، وأكثرُ الناس إشارةً إليه أبعدُهم عنه (٦). وقال: غبتُ عن الله تعالى ثلاثينَ سنة، وكانت غيبتي عنه ذِكري إيَّاه، فلما حضرت (٧) وجدتُه في كلِّ حال.

стр. 7259

[قال: وقيل له: لم لا تسافر؟ فقال: لأنَّ صاحبي مقيم، فقيل له: إنَّ الماء الراكدَ يُكرهُ الوضوءُ منه، فقال: لم يَرَوا بماءِ البحر بأسًا، "هو الطَّهور ماؤه والحلُّ مَيتَتُهُ". ثم قال: نرى للأنهار دَويًّا وخَرِيرًا، فإذا دَنت من البحر وامتزجَت، سكنت وذهب خريرُها (١). وحكى أبو نُعيم عنه قال:] طلقَّتُ الدنيا ثلاثًا بتاتًا، لا رجعة لي فيها، وصرتُ إلى ربِّي وحدي، فناديتُه بالاستغاثة: أدعوك دعاءَ من لم يبق له غيرُك، فلمَّا عرفَ صدق الدعاءِ من قلبي، واليأس من نفسي، كان أول ما ورد [عليَّ] من إجابة دعائي أنَّه أنساني نفسي بالكليَّة، ونصبَ لي الخلق بين يديّ مع إعراضي عنهم بالكليَّة (٢). وقال: دعوت نفسي إلى الله، فاستعصت [عليَّ]، فتركتُها ومضيتُ إليه. [وحكى عنه ابن باكويه أنَّه قال:] (٣) كلُّ الناس يخافون من الحساب، ويتجافون عنه، وأنا أسأل الله أن يحاسبني، قيل له: ولم؟ قال: لعلَّه أن يقول لي فيما بين ذلك: يا عبدي، فأقول: لبيك، ثمَّ ليفعل بي ما يشاءُ بعد ذلك (٤). [قال:] وقال له رجلٌ: دُلَّني على عملٍ أتقرَّبُ به إلى الله، فقال: تحبَّب إلى أوليائه ليحبُّوك، فإنَّه ينظرُ إلى قلوب أوليائه، فلعلَّه أن ينظرَ إلى اسمك في قلب وليِّه فيحبَّك، فيغفر لك. [وحكى عنه ابن باكويه قال:] (٥) عُرِجَ بقلبي إلى السماء، فطاف وعاد، قيل له: بأيِّ شيء عاد؟ قال: بالمحبة والرضا. [وحكى عنه ابن جهضم أنَّه قال:] (٦) نظرتُ، فإذا الناسُ يتلذَّذونَ في الدنيا بالطعام

стр. 7260

والشراب والنكاح، وكذا في الآخرة، فجعلتُ لذَّتي في الدنيا ذِكرَه، وفي الآخرة النظرَ إليه. [وقال جعفر الخُلْدِي:] قال له رجل: لمن أصحب؟ فقال: لمن إذا مرضتَ عادك، وإذا أذنبت سامحك (١). [وحكى في "المناقب" أنَّ رجلًا قال له:] (٢) بماذا أستعين على العبادة؟ فقال: بالله إن كنت تعرفه (٣). وقال: لا خطرَ للجنَّة عند أهل المحبَّةِ، وأهلُ الجنَّة محجوبون لمحبتهم (٤). وقال: من سمعَ الكلام ليتكلَّم به مع الناس (٥)، رزقَه اللهُ فهمًا يكلِّمُ به الناس، ومن سمعَه ليعاملَ به الله، رزقَه الله فهمًا يناجي به ربَّه. وقال: اللهمَّ أفهمني عنك، فإنِّي لا أفهمُ عنك إلَّا بك (٦). وقال: القلانس تنزل من السماء، وإنِّي أعرفُ أقوامًا يقولون برؤوسهم كذا وكذا. وقال: كنت اثنتي عشرة سنة حَدَّادَ نفسي، وخمسَ سنين مرآة قلبي، وسنةً أنظرُ فيما بينهما، فنظرت فإذا في وسطي زُنارٌ ظاهر، فعملتُ في قطعه اثنتي عشرة سنة، ثمَّ نظرتُ فإذا في باطني زُنَّارٌ آخر، فعملت في قطعه خمس سنين، فكُشف لي عن الحقائق، فرأيتُ الخلق موتى، فكبَّرت عليهم أربعَ تكبيرات (٧). وقيل له: بأيِّ شيءٍ وجدتَ هذه المعرفة، فقال: ببطنٍ جائع، وبدنٍ عار (٨).

стр. 7261

وقال: العارفُ همُّه ما يُؤمِّل، والزاهدُ همُّه ما يأكُل. وقال: السنَّةُ ترك الدنيا، والفريضةُ الصحبةُ مع المولى (١). وسُئِل عن الزهد فقال: ليس له منزلة، ثمَّ ذكر ابتداءَ زهده فقال: كنتُ في الزهد ثلاثة أيام، ففي اليوم الأوَّلِ زهدتُ في الدنيا وما فيها، وفي اليوم الثاني زهدتُ في الآخرة وما فيها، وفي [اليوم] الثالث زهدتُ فيما سوى الله، فلمَّا كان في اليوم الرابع لم يبق لي شيءٌ سوى الله، فهتف بي هاتف؛ يا أبا يزيد، إنَّك لا تقوى معنا، فقلت: هذا الذي أردت، فقال: وَجدتَ وجدتَ (٢). وقال: دعوتُ نفسي إلى طاعة [الله]، فأبت عليّ، فمنعتُها شربَ الماء سنة. وقال: إنَّ لله تعالى شرابًا يسقيه في الليل قلوبَ أحبابه، فإذا شربُوه طارت قلوبهم في الملكوت الأعلى حبًّا لله تعالى وشوقًا إليه، ثمَّ أنشد: [من الوافر] غرستُ الحبَّ غرسًا في فؤادي … فلا أسلُو إلى يوم التنادي جرحتُ القلبَ منِّي باتِّصالٍ … فشوقي زائدٌ والحبُّ بادي سقاني شربةً أحيا فؤادِي … بكأسِ الحبِّ من بحر الودادِ فلولا الله يحفظُ عارفيه … لهام العارفونَ بكلِّ وادي (٣) [قال:] وسألَه بعضُ أصحابه عن التوكُّل، فقال له: ما تقول أنت [فيه]؟ فقال: إنَّ أصحابَنا يقولون: لو أنَّ السباعَ والأفاعي عن يمينك وشمالك ما تحرَّك سرُّك لذلك. قال أبو يزيد: هذا قريبٌ، ولكنِّي أقول: لو أنَّ أهل الجنَّة في الجنة يتنعَّمون، وأهلَ النار في النار يعذَّبون، ثمَّ وقع لك تمييزٌ بين الفريقين، لخرجتَ من التوكُّل (٤). [قال: ورأى أبو يزيد رجلًا يسوقُ حمارًا، فقال: ما حِرْفتُك؟ فقال: خربنده (٥).

стр. 7262

فقال أبو يزيد: أماتَ الله حمارك لتكون عبد الله لا عبد الحمار (١). قال:] وأرسل إليه ذو النون المصري يقول: يا أخي [إلى] متى النوم والراحة وقد سارت (٢) القافلة؟ فقال أبو يزيد لرسوله: قل لأخي ذي النون: ليس الرجلُ من يقومُ طولَ الليل ثمَّ يسبقُ إلى المنزل، إنَّما الرجل من ينام طول الليل على فراشه، ثمَّ يصبحُ وقد سبقَ القافلة، فبكى ذو النون وقال: هذا كلامٌ لا تبلغُه أحوالُنا. [قال:] وقال له رجل: أنت أبو يزيد؟ فقال: ومن أبو يزيد؟ ومن يعرف أبا يزيد؟ [أبو يزيد] يطلب أبا يزيد فما يجده. وبلغَ ذا النون فقال: رحمَ الله أخي أبا يزيد، فقدَ نفسه في الذاهبين (٣) إلى الله تعالى. وقال: أولياءُ الله عرائسُ مخدَّرون عنده في حِجَال (٤) الأُنس، لا يراهُم أحدٌ لا في الدنيا ولا في الآخرة. وقال: حظوظُ الأولياء في أربعة أشياء؛ الأول، والآخر، والظاهر، والباطن، فمتى فني عنها بعد ملابسته إيَّاها فهو الكامل، [و] بيانه: من كان حظُّه من اسمه [في] الظاهر، لاحظَ عجائب قدرته، ومن كان حظُّه من اسمه [في] الباطن، شاهد ما يجري في السرائر، ومن كان حظُّه من اسمه الأوَّل، كان شغله بالسوابق، ومن لاحظَّ له إلَّا في الآخر، صار مرتبطًا بالمستقبل، وكلٌّ كُوشف (٥) على قدرِ طاقته. وسئل عن المعرفة فقال: ﴿قَالتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ [النمل: ٣٤]. وقال: للخلقِ أحوالٌ، ولا حال للعارف؛ لأنَّه مُحيَت رسومُه، فلا يشاهدُ في يقظته ونومه غيرَ الله تعالى (٦).

стр. 7263

وسئل عن المحبَّة فقال: استقلالُ الكثير من نفسِك، واستكثارُ القليل من حبيبِك (١). وقال أبو موسى الديلمي (٢): سألت عبد الرَّحمن بن يحيى عن التوكُّل، فقال: لو أدخلتَ يدَك في فم التنين، حتى تبلغَ إلى الرسغ، لا تخافُ غير الله، قال: فخرجتُ إلى أبي يزيد لأسأله عن التوكُّل، فطرقتُ عليه الباب، فقال: قد كان لك في جواب عبد الرَّحمن كفاية، فقلت: افتح، فقال: ما أتيتني زائرًا، وقد أتاكَ الجوابُ من وراء الباب، ولم يفتح لي، [قال:] فغبتُ عنه سنةً ثمَّ أتيتُه، فطرقتُ عليه الباب، فقال: مرحبًا، الآن أتيتَ زائرًا، وفتحَ لي، فأقمتُ عنده شهرًا لا يخطرُ بقلبي شيءٌ إلَّا أخبرني به، فقلت له عند وداعي إياه: أفدني فائدة، فقال: أخبرتني أمِّي أنَّها كانت حاملًا بي، فكانت إذا قُدِّم إليها طعام فيه شبهةٌ انقبضت يدُها عنه. [فإن قيل: فهذا الجوابُ لا يطابقُ السُّؤال، قلت: هذا جوابٌ عن إخبار أبي يزيد عمَّا كان يخطرُ له، فإنَّ من منعَ الله أمَّه وهي حاملٌ به عن تناول الحرام، لا يبعدُ منه أن يتكلَّم عن الخواطر والأوهام. وقال في "المناقب": كتب يحيى بنُ معاذ إلى أبي يزيد:] (٣) سكرتُ من كثرة ما شربت من كأس محبَّته، فكتب إليه أبو يزيد: غيرُك شربَ بحار السماوات والأرض وما روي بعدُ، ولسانُه خارجٌ على صدره، وهو يصيح: العطش العطش، وأنشد [في ذلك:] [من الوافر] عجبتُ لمن يقول ذكرتُ ربِّي … وهل أنسى فأذكر ما نسيتُ شربتُ الحبَّ كأسًا بعد كأس … فما نَفِدَ الشرابُ ولا رويتُ (٤) وقال: إنَّ لله عبادًا لو احتجبَ عنهم في الدنيا أو في الجنَّة لحظةً، لاستغاثوا كما يستغيثُ أهل النار [في النار].

стр. 7264

وقال: إنَّ الله خلقَ إبليسَ كلبًا من كلابه، وخلقَ الدُّنيا جيفةً، ثمَّ أقعدَ إبليس على آخر طريق الدنيا وأوَّل طريقِ الآخرة، وقال له: كلُّ مَن مال إلى الجيفة، فقد سلَّطتُك عليه (١). [حديث الطَّاس والعسل والشعرة: حكى القاضي الدامغانيُّ في "مجرَّد الحكايات" عن أبي يزيد البِسطاميّ قال: كنتُ جالسًا يومًا وعندي أربعةٌ من الصَّالحين، فأتي بَطاسٍ فيه عسلٌ، وإذا فيه شعرةٌ، فوُضِعَ بين أيدينا، فقال أبو يزيد: طاسٌ حسنٌ، وعسلهُ حلوٌ، وشعرةٌ دقيقةٌ، فليقل كلُّ واحدٍ منكم في هذا شيئًا. فقال واحدٌ منهم: الأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر أحسنُ من هذا الطَّاس، وحلاوةُ العلمِ أحلَى من هذا العسل، وصدقُ الدَّعوى أدقُّ من هذه الشعرة. وقال الثاني: العقلُ أحسنُ من هذا الطَّاس، وكتابُ الله أحلَى من العسل، وطريقُ الحُجَّة أدقُّ من هذه الشعرة. وقال الثالث: اليقينُ أحسنُ من هذا الطَّاس، والعلمُ أحلى من هذا العسل، وطريقُ الورعِ أدقُّ من هذه الشعرة. وقال الرابع: الآخرة أحسن من هذا الطَّاس، ونعيمُ الجنَّة أحلى من هذا العسل، وطريقُ الأولياء إلى الله أدقُّ من هذه الشعرة. فقالوا لأبي يزيد: فما تقول أنت؟ فقال: المعرفةُ في قلوب العارفين أحسنُ من هذا الطَّاس، ورؤيةُ المحبِّين لله أحلى من هذا العسل، وطريقُ الصدق أدقُّ من هذه الشعرة. ذكر قصَّة الشابِّ الذي ماتَ عند رؤيته: ذكر ابن خميس في "المناقب"، والغزاليُّ في "الإحياء"، وصاحب "القوت"، وغيرهم عن بعض أصحاب أبي يزيد قال:] (٢) كان عندي شابٌّ متعبِّدٌ ملازمٌ للخلوة،

стр. 7265

فقلت له: هل رأيتَ أبا يزيد؟ فقال: لا، فتركتُه أيَّامًا وأعدتُ عليه القول، فقال: لا، فلمَّا أكثرتُ عليه قال: رأيتُ الله، فأغناني عن أبي يزيد، [قال: فكررتُ عليه القول، وهو لا يزيدُ على هذا، فأغضبني، فقلت:] لو رأيتَ أبا يزيدٍ مرَّةً [كان أنفعَ لك من رؤية الله سبعين مرَّة]، فقال: قم بنا إليه، فخرجنَا نطلُبه، وإذا به قد خرجَ من النهر وفروتُه مقلوبةٌ على كتفه، فلمَّا رآهُ الشاب صاح ومات، فقلت لأبي يزيد: ما هذا، فإنَّه ذَكر أنَّه يَرى الله وما مات، يراك فيموت؟! فقال: نعم، كان يرى الله على قدرِ حاله، فلمَّا نظرَ إليَّ رأى الله على قدر حالي، فلم يثبت (١) فمات، [قال: ثمَّ واريناه] (٢) فغسَّلناه وكفَّنَّاه، وصلَّى عليه، ودفنَهُ وبكى (٣). [حديث حجِّه وما جرى له: ذكر ابن خميس في "المناقب" طرفًا من ذلك فقال:] قال أبو يزيد: حججتُ أوَّل مرَّةٍ فرأيتُ البيتَ ولم أرَ صاحبَ البيت، وحججتُ ثانيًا فرأيتُ صاحبَ البيت ولم أر البيت، وحججتُ ثالثًا فلم أرَ البيت ولا صاحبَ البيت ولا الناس. [هذا صورةُ ما ذُكر في "المناقب" (٤)، وذُكِرَ في كتابٍ جمعَهُ عبدُ الحقّ البغدادي الحرميّ تمام الحكاية، فرواه عن أشياخه قالوا: قال أبو يزيد:] فقلت: من مثلي، وقد وصلتُ إلى هذه الحالة، وعجبتُ، فهتفَ بي هاتفٌ: أعجبت، اذهب فلا حاجةَ لنا فيك، [قال:] فتِهتُ أيَّامًا في البادية على وجهي، لا آكلُ ولا أشربُ ولا أنام، فمررتُ بديرٍ فيه راهبةٌ، فقلت [لها:] ها هنا مكانٌ طاهرٌ أصلِّي فيه؟ فقالت: طهِّر قلبَك وصَلِّ حيث شئت [قال:] فدخلتُ ديرًا، فرأيتُ قومًا يعبدون الصليب، فغرت (٥) وقلت: ويحكم أتعبدون ما يضرُّ ولا ينفع، وتَدَعُون عبادةَ من ينفعُ ولا يضرّ، فهتفَ بي ذاك الهاتف: نحنُ في غنى عن نصحك، اذهب فلا حاجةَ لنا فيك، فقلت: ما بقيَ بعد هذا حديث، ثم قلت لراهبٍ: ناولني زُنَّارًا، فناولني، فقلت: ما بقيَ غير شدِّ الزُّنَّار،

стр. 7266

فأدخلت يديَّ في أكمام مرقعتي، وقلت: أرمي بها وأشدُّ الزُّنَّار، ولم يبقَ إلَّا أن أُخرِجَ رأسي من مرقعتي، فهتف بي الهاتف: لا يا أبا يزيد، ما وصلَ الحالُ إلى هذا، وإنَّما نحن نَعْلَمُ أنَّك تحبُّنا، فنتدلَّلَ عليك. وأنشدوا في هذا المعنى: [من البسيط] قالت لطيفِ خيالٍ زارَها ومَضى … بالله صفهُ ولا تنقص ولا تزدِ فقال خلَّفته لو ماتَ من عطشٍ … وقلت قفْ عن ورودِ الماء لم يردِ قالت صدقتَ الوفا في الحبِّ عادتُه … يا بردَ ذاك الذي قالت على كبدِي ذكر وفاته: [قالت علماء السير: توفِّي أبو يزيد في هذه السنة ببِسْطَام] (١) وقبره ظاهرٌ يزار. [قال أبو نُعيم:] وإذا أجدبُوا استسقَوا به فسُقُوا. وكان له يوم مات ثلاثةٌ وسبعون سنة. وقد أسندَ الحديث (٢)، وأخرجَ له أبو نُعيم حديثًا واحدًا (٣)، وأخرج له غيره أحاديث (٤)، واشتغَل بحاله عن رواية الحديث رحمة الله عليه ورضوانه. فصل: قال المصنِّفُ ﵀: وقد نقلتُ عنه ألفاظًا من باب الشطح والدعاوى، والجوابُ مختصر؛ وهو أن للمشايخ أحوالًا، حالُ قبض وبسط، وفناء وبقاء، وقد يطرأُ على الإنسان أحوالٌ فتغيِّبه عن الموجودات. وقيل للجنيد: قد قال أبو يزيد: سبحاني! فقال: الرجل مستهلَكٌ في شهود الجلال، أذهلَه الحقُّ عن رؤية ما سواه، فوصفَه بما لا يليقُ إلَّا به سبحانه (٥). وفي الحديث: لو رأيتموهم لقلتم مجانين، ولو رأوكم لقالوا: ما آمنوا … (٦) وفصلُ

стр. 7267

الخطاب -إن صح ما ذكروا-[عنه في] (١) هذا الباب أنَّ للرجل حالين، حال بسطٍ وحال قبض، ففي حالة البسط ينطقُ عن وجده بلسان الفناء [وفي حالةِ القَبْضِ ينطق] (٢) بما يردُ عليه من الواردات، فيغيبُ عن الموجودات فلا يشاهدُ إلَّا مُوجِدَها، وهذه الأحوالُ ينكرُها من لا يعرفها، ويعرفها من لابَسها: يَعرِفُهُ (٣) الباحِثُ من جِنْسِه … وسائرُ الناسِ له مُنكِرُ وهذا الرجلُ ﵁ كان يغرفُ من بحرٍ عميق لا يزاحمُه فيه غيره، ولا يفهمُه إلَّا من حصلَ له من الذوقِ ما حصل له، ثمَّ إنَّ الأقوال التي نُقِلت عنه من هذا، إن صحَّت عنه، فهي متأوَّلَةٌ (٤) محتمِلةٌ، والله أعلم (٥). وكان في محلَّة أبي يزيد فقيهٌ، فبلغَه عنه ميل، فجاء إليه فقال: يا أبا يزيد، بلغني عنك أعاجيب، قال له: وما لم تسمع من عجائبي أكثر، فقال له الرجل: فعلمك هذا عمَّن أخذته؟ ومن أين؟ فقال أبو يزيد: علمي من عطايا الله تعالى، وعن الله، ومن حيث قال رسول الله ﷺ : "العلمُ علمان، علمٌ ظاهرٌ وعلمٌ باطن، فالظاهرُ حجَّةُ الله على خلقه، والباطنُ هو العلم النافع" (٦)، و"من عمل بما علِمَ ورَّثه الله علم ما

стр. 7268

لم يعلم" (١)، فعلمُك من أين؟! إنَّما هو نقلٌ من لسانٍ إلى لسان، وعلمي إلهام من الله تعالى ألهمني إيَّاه [فقال] (٢) الشيخ: علمي من الثقات كابرًا عن كابر إلى رسول الله ﷺ ، عن جبريل، عن الله تعالى، فقال أبو يزيد: فهل لله علم لم يطَّلع عليه جبريل ولا المقرَّبون؟ قال: نعم، قال: فتُنْكِرُ (٣) أن يلهمَ الله أولياءه من ذلك العلم ويلقيه في أسرارِهم حتى ينطقُوا بالحكمة فينفعُوا الأمَّة، ألم تعلم أنَّ الله ألهم أمَّ موسى أنْ صنعت التابوتَ، وألقتهُ في اليمّ، حتى وصلَ إلى فرعون، وجرى ما جرى؟ أمَّا علمتَ أنَّ الله تعالى ألهمَ الخضر أمر السفينة والجدار والغلام وما جرى؟ أمَّا علمتَ أنَّ الله ألهم يوسف في السجن تعبيرَ الرؤيا حتى قال: ذلك مما علَّمني ربِّي، وكمَا ألهمَ أبا بكر ﵁ حتى قال لعائشة ﵄: إنما هما أخواك وأختاك (٤)، وكما ألهم عمر بن الخطاب ﵁ بأن قال: يا ساريةُ الجبل، فسمعَه سارية، وبينهما مسافةٌ طويلة (٥)، وذلك إنَّما هو من علم الله الخفيّ، قال الله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥]، فأهلُ الإلهام قومٌ اختصَّهم الله تعالى بالفوائد، وفضَّل بعضَهم على بعض في الإلهام والفراسة، فقال له الشيخ: جزاكَ الله عنِّي خيرًا، فلقد أفدتَنِي علمًا، وشفيتَ صدري (٦). عبد الله بن محمد ابن يزداد، أبو صالح الكاتب المروزيّ. وزر أبوه للمأمون، ووزرَ هو للمستعين والمهتدي، وكان فاضلًا شاعرًا. قدم دمشق في صحبة المتوكِّل، ومدحَهُ البحتريُّ وغيره.

стр. 7269

ومن شعره يفتخر لمَّا وزرَ أبوه للمأمون، وولَّاه أمورَ بني هاشم: [من الخفيف] إنَّ بيتي من الأكاسرة الغُر … ر مكانًا تحلُّه العَيُّوقُ (١) ولنا من ولاء أحمد خير الـ … ـناس ما نحوه النفوس تتوقُ تتلظَّى الأعداءُ شحًّا عليه … ما لهمْ من جُمَالةٍ ثُفْروقُ (٢) والإمامُ المأمونُ آكد منه … سببًا قادَه له التوفيقُ ومن شعره في جارية كان يهواها: [من الخفيف] ضاق صدري لما بعُدْتَ ولو كنـ … تَ قريبًا إذًا لما ضاقَ صدرِي يا خليًّا ممَّا ألاقيهِ فيه … ليس بالحُبِّ والصبابةِ تدرِي (٣) ومن شعره: [من البسيط] لا تجحد الذنب ثمَّ اطلبْ تجاوزَنا … عنه فإنَّ جحودَ الذنب ذَنْبانِ وامحُ الإساءةَ بالإحسان معترِفًا (٤) … إنَّ الإساءةَ قدُ تمحَى بإحسانِ توفِّي ببغداد، وكان مختفيًا لما قُتِل المهتدي، فلم يصدِّقوا موته، وكان قد دفنَ في داره، فنبشُوه ونظروا إليه، ثمَّ ردُّوه في قبره (٥). عبد الرَّحمن بن المتطبِّب (٦) كان يَطُبُّ الإمام أحمد وبشرًا الحافي، قال: فكنت إذا دخلتُ على بشر أقول له: كيف تجدكَ يا أبا نصر؟ فيحمدُ الله، ثمَّ يخبرني، يقول: أحمدُ الله إليك، أجدُ كذا وكذا، فأدخلُ على الإمام أحمد فأقول: كيف تجدكَ يا أبا عبد الله؟ فيقول: بخير،

стр. 7270

فقلت له يومًا: إنَّ أخاكَ بشرًا عليل، وإذا سألتُه عن حاله بدأ بحمد الله ثمَّ يخبرني، فقال أحمد: سله عمَّن أخذ هذا؟ فقلت: إني أهابُه، فقال: قل له: أخوك أحمد يقول لك: عمَّن أخذت هذا؟ فدخلتُ على بشر، وقلت له ما قال الإمام أحمد، فقال لي: أبو عبد الله لا يريدُ الشيءَ إلَّا بإسناد، أخبرنا [أزهر، عن (١)] ابن عون، عن ابن سيرين قال: إذا حمدَ الله العبدُ قبل الشكوى لم تكن شكوى، وإنَّما أقول لك: أجد كذا وكذا؛ لأُعَرِّفكَ قدرةَ الله فيَّ، قال: فخرجتُ من عنده، فدخلتُ على الإمام أحمد، فعرَّفته ما قال، فكنتُ بعد ذلك إذا دخلتُ عليه أسأله يقول: أحمدُ الله إليك، ثمَّ يذكرُ ما يجد. مسلم بن الحجَّاج بن مسلم أبو الحسين النيسابوريُّ القُشيريُّ، صاحب "الصحيح". ولد بنَيسابور، ولم يُضْبط مولده، والظاهرُ أنَّه وُلِد سنة ستٍّ ومئتين (٢)؛ لأنَّه ماتَ وهو ابن خمسٍ وخمسين سنة. هو أحدُ الأئمَّة، رحلَ إلى العراق والحجاز والشام ومصر، وقدم بغداد مرارًا، وحدَّث بها، وآخرُ قدومه إليها في سنة تسعٍ وخمسين ومئتين، واقتفَى في جمع "الصحيح" طريقَ البخاريّ؛ لأنَّه لازمَه في آخر عمره، وصنَّفَ المصنَّفات الحسان، فمنها "الجامع الصحيح المسند" قال: جمعتُه من ثلاثِ مئة ألف حديث صحيحة مسموعة، وكتاب "طبقات التابعين"، و"الأسماء والكنى"، و"المسند الكبير على الرجال"، وما أظنُّ أنه سمعه منه أحد (٣)، وكتاب "الجامع الكبير" على الأبواب، وكتاب "التمييز"، وكتاب "العلل"، وكتاب "الأفراد"، وكتاب "سؤالات الإمام أحمد بن حنبل" رحمة الله عليه، وكتاب "الانتفاع بأُهُبِ السباع"، وكتاب "عمرو بن شعيب" يذكر فيه من لم يحتجَّ بحديثه وما أخطأ فيه، وكتاب "مشايخ مالك بن أنس"، وكتاب

стр. 7271

"مشايخ الثوري" وكتاب " [مشايخ] (١) شعبة"، وكتابٌ ذكرَ فيه من ليس له إلَّا راوٍ واحد، وكتاب "ذِكْرُ أوهام المحدثين"، وكتاب "المخضرمين"، وكتاب "أولاد الصحابة"، وكتاب "تفضيل السن" (٢)، وكتاب "أفراد الشاميين"، وكتاب "المعرفة"، وغير ذلك. وسئل أبو العباس بن عُقْدة: أيُّما أعلم الإمام البخاريُّ أو مسلم؟ فقال: البخاريُّ يقع في حديثه الغلطُ في أهل الشام، فتارةً يذكرُ الواحدَ منهم بكنيتِه، وتارةً باسمه، ويتوهَّم أنَّهما اثنان، ومسلم ما يقع الغلطُ في حديثه (٣). وكان أبو [عليّ] (٤) الحسين بن علي النيسابوري يحلفُ بالله: ما تحتَ أديم السماء مثلُ كتاب مسلم ولا أصح (٥). قال المصنف ﵀: ومع هذا فيه أحاديثُ فيها نظر مثلُ حديث أبي ذر في المعراج، قال: قلت: يا رسول الله، رأيتَ ربَّك؟ فقال: "نورٌ أنَّى أراه" (٦)، وقد ضعَّفَه

стр. 7272

الإمامُ أحمد (١). وكان محمدُ بن يحيى الذُّهْليّ يكرهُ مسلمًا لميلِه إلى البخاريّ، قال الحافظ محمَّد بن يعقوب: لمَّا صنَّف مسلمٌ كتاب "الصحيح" دخل على محمَّد بن يحيى الذُّهْلي، فوضعه بين يديه، فقال له: ما هذا؟ قال: "الصحيح"، قال: وكم فيه حديث؟ قال: عشرةُ آلاف حديث، قال: اقتفيتُ أنا ومحمد بن إسماعيل أحاديثَ رسول الله ﷺ ألفا ألف حديث، ما صحَّ منها سوى عشرة آلاف حديث، فيقال: إنَّ محمدًا ألقاه في بركةٍ بين يديه (٢). ولمَّا استوطن البخاريُّ نَيسابور، ووقعَ بينه وبين محمد بن يحيى الذُّهْلِي في مسألة اللفظ، ونادى عليه، ومنعَ الناس عنه، لم ينقطع مسلمٌ عن البخاريّ، ولزمَه، فحضرَ مسلمٌ يومًا عند محمد بن يحيى فقال: من قال بأنَّ لفظي بالقرآن مخلوقٌ فلا يقربنَّ مجلسَنا، وكان مسلم يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، ولا يخفيه، فأقامَه محمدٌ من مجلسه، فمضى مسلمٌ إلى منزله (٣)، وجمع جميع ما سمعَ من محمد بن يحيى، وبعثَ به على ظهر حَمَّالٍ إلى باب محمد بن يحيى، فألقَاه ومضى. ذكر وفاته: اتَّفقوا على أنه ماتَ في رجب سنة إحدى وستين ومئتين، ودُفن بنَيسابور في ميدان زياد. وقال أحمد بن سلمة: عُقِد لمسلم مجلس المذاكرة، فذكر له حديثٌ لم يعرفه،

стр. 7273

فانصرفَ إلى منزله، وأوقدَ السِّراج، وقال لمن في الدار: لا يدخلنَّ أحدٌ منكم هذا البيت، فقيل له: أُهِديت لنا سلَّةٌ فيها تمرٌ، فقال: قدِّموها إليّ، فقدَّموها إليه، فكان يأكل تمرةً تمرة، فأصبح وقد فنيَ التمرُ ووجدَ الحديث (١). وقال ابن عساكر: أقامَ مسلمٌ ليلةً يفتِّش على حديثٍ، وبينَ يديه سلَّة من تمر، فلم يزل يفتِّشُ عليه ويأكلُ من السلَّة، حتَّى لم يبقَ فيها شيء، فماتَ (٢)، وذلك لخمسٍ بقينَ من رجب (٣). أسندَ عن خلقٍ كثير، منهم الإمامُ أحمد، ومحمد بن يحيى الذُّهْلي، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم، ورَوى عنه خلقٌ كثير، منهم يحيى بن محمد، ومحمد بن مَخْلَد، وصالح بن محمد، في آخرين. وكان مسلمٌ (٤) أبيضَ الرأس واللحية. * * *

стр. 7274

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان تصنيف شمس الدين أبي المظفر يوسف بن قز أوغلي بن عبد الله المعروف بـ «سبط ابن الجوزي» (٥٨١ هـ - ٦٥٤ هـ) الجزء السادس عشر [٢٦٢ - ٣١٧ هـ] حقق هذا الجزء وعلق عليه زاهر إسحق - فادي المغربي - عمار ريحاوي

стр. 7275

السنة الثانية والستون بعد المئتين (١) فيها وافى يعقوبُ بن اللَّيث الصفَّار رامَهُرْمُز (٢) في المحرَّم، وقيل: في ربيع الأوَّل، فأطلق المعتمدُ مَن كان في حبسه من أصحابه، لأنَّه لما حبس محمَّدَ بن طاهر حبس المعتمدُ مَن كان عنده ممَّن يلوذ بيعقوبَ؛ مثل غلامه وَصيف وغيرِه. وولَّى المعتمدُ يعقوبَ خُراسان، وطَبَرِستان، وجُرجان، والرَّيّ، وفارس، والشُّرطةَ بمدينة السلام، وبلغ يعقوبَ، فقال: لا أرضى بهذه الولايات حتَّى أصيرَ إلى باب أمير المؤمنين، وأضمرَ في نفسه الحُكمَ على الخليفة، والاستيلاءَ على العراق والأموال، مضافًا إلى ما كان بيده من المشرق كلِّه ومن وراء النَّهر، وعلم المعتمدُ قَصْدَه، فارتحل من سُرَّ مَنْ رأى يوم السَّبت لثلاثٍ خلون من جمادى الآخرة، واستخلف على سامراءَ ابنَه جعفرًا المفوَّض، وضمَّ إليه محمدًا المولَّد. ووافى بغدادَ يوم الأربعاء لأربع عشرةَ خلت منه ولم ينزلها، ونزل بالزَّعْفَرانيّة، وقدَّم أخاه أبا أحمد الموفَّق، وسار يعقوبُ بجيش لم يُرَ مثلُه، وأموالٍ وخزائنَ لم يَحوِها مَلِك، فيقال: كان جيشُه سبعين ألفًا، وخزائنُه وأموالُه على عشرة آلاف جَمَل. ووافى واسِطًا، فدخلها لستِّ بقين من جمادى الآخرة. وارتحل المعتمدُ من الزَّعْفَرانيَّة يومَ الخميس لليلة بقيتْ منه حتَّى صار إلى سِيب بني كُوما، فأقام أيامًا حتَّى جاءه مَسْرور البَلْخيُّ والعساكر، وزحف يعقوبُ من واسِط إلى دَير العاقول نحو المعتمد، فأقام المعتمد في السِّيب على حاله، ومعه عبيدُ الله بن يحيى بن خاقان، وجهَّز أخاه الموفَّق إلى حَرْب يعقوب، فجعل الموفَّقُ موسى بنَ بُغا على ميمنته، ومَسْرورًا البَلْخيَّ على مَيسرته، ووقف هو في القلب، والتقى العَسْكران لثلاثٍ خَلَون من رجب بمكانٍ يقال له: اضطربد؛ بين سِيب بني كُوما ودَير العاقول. فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وكانت الهزيمةُ أوَّلًا على الموفَّق، ثمَّ صارت على يعقوب، فكره أصحابُه قتال أصحاب المعتمد فولَّوا مُدْبِرين.

стр. 7276

وانهزم يعقوبُ في نَفَرٍ من أصحابه، فذكروا أنَّه أُخذ من عسكره عشرةُ آلاف فرسٍ، ومن العَين ألفا ألف دينار، ومن الدَّراهم ما يعجزون عن حَمْلِه، وعدَّةُ أحمالٍ من الجواهر والمِسْك والعَنْبر، وعشرةُ آلاف خيمة، وثلاثون ألف سرك (١)، وخلَّصوا محمَّد بنَ طاهر، وكان مع يعقوب مُثْقلًا بالحديد وخَلع عليه الموفَّقُ، وأعلى مرتبتَه، وكتب المعتمد كتابًا مضمونُه: ولم يزل المَلْعون المارقُ المسمَّى يعقوب بنُ اللَّيث الصفَّار يَنتحل الطَّاعة، حتَّى أحدث الأحداثَ المُنْكَرةَ؛ من مصيره إلى صاحب خُراسان، وغلبتِه إيَّاه عليها، وتقلُّدِه الصَّلاةَ والإحداثَ بها، ومصيرِه إلى فارس مرَّةً بعد مرَّة، واستيلائه على أموالها، وإقباله على أمير المؤمنين مُظْهرًا لطاعته، وفي قلبه الغشُّ بعد أنْ فوَّض إليه أمير المؤمنين خُراسانَ وطَبَرِسْتان وغيرها، فما زاده ذلك إلا طُغيانًا وبَغْيًا، فذاق وَبَال أمرِه، وأخذه اللهُ أخْذَ عزيز مقتدر، فولَّى هو وأصحابُه مهزومين مجروحين مَسلوبين، وذكر بمعناه. ثمَّ عاد المعتمد إلى سُرَّ من رأى، وقيل: إلى المدائن، وصار يعقوبُ إلى فارس، وقدم محمد بنُ طاهر إلى بغداد، ورُدَّ عليه عملُه، فلم يَعزِلْ أحدًا، وأمر له المعتمد بخمس مئة ألف درهم. وقال محمَّد بن علي الطَّائي يمدح الموفَّق ويذمُّ الصفَّار: [من الكامل] ولقد أتى الصَّفار في عَدَدٍ له … رَهَجٌ فوافَقَهُنَّ (٢) نَكْبَةُ ناكبِ جلب القضاءُ عليه حَتْفًا عاجلًا … سَقْيًا ورَعْيًا للقضاء الجالبِ أغواه إبليسُ اللَّعينُ بكَيده … واغترَّه منه بوَعْدٍ كاذبِ حتَّى إذا اختلفوا وظنَّ بأنَّه … قد عزَّ بين عَساكرٍ وكتائبِ دَلَفتْ إليه عساكرٌ مَيمونةٌ … يَلْقَونَ زَحْفًا باللِّواءِ الغالبِ في جَحْفَلٍ لَجِبٍ (٣) تُرى أبطالُه … من دارعٍ أو رامِحٍ أو ناشِبِ

стр. 7277

لما التَقَوْا بالمَشْرَفيَّةِ والقَنا … ضَرْبًا وطَعْنَ مُحاربٍ لمحاربِ ثار العَجاجُ وفوقَ ذاك غمامةٌ … غرَّاءُ تَسْكُبُ وَبْلَ صَوْبٍ صائبِ فلَّ الجموعَ برأيِ حَزْمٍ ثابتٍ … منه وفَرَّق صاحبًا عن صاحبِ يا فارسَ العَرَب الذي ما مثلُه … في النَّاس يُعْرَفُ مثلُه لنَوائبِ من فادِحِ (١) الزَّمَن العَضوض ومِن لُقا … جيشٍ لذي غدْرٍ خَؤُونٍ غاصبِ وفيها بعث الخبيثُ جيوشَه إلى ناحية البَطِيحة، وسببُه اشتغالُ المعتمد بقتال يعقوب، وخلوُّ كُوَرِ دجلةَ من عساكره، فطمع الخبيث، وبعث عسكره إلى البَطِيحة فنهبها، وأفسدوا، وقتلوا، وأسروا، وأخذوا من البقر والغنم والدَّوابِّ شيئًا كثيرًا، وفيها ولي القضاءَ عليُّ بن محمد بن أبي الشَّوارب بسُرَّ مَنْ رأى، وولي قضاء الجانب الشرقيِّ من بغداد إسماعيلُ بن إسحاق، ثمَّ جُمع له الجانبان (٢). وفيها تعرَّض رجلٌ لامرأة ببغداد، وأمر مَن يَسحبُها إلى مكانٍ معيَّن، وهي تصيح اتَّقِ الله [اتَّقِ الله] (٣)، وهو لا يلتفتُ، فقالت: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَينَ عِبَادِكَ﴾ الآية [الزمر: ٤٦] ثمَّ رفعتْ رأسها إلى السَّماء، وقالت: اللهمَّ إنْ كان قد ظلمني فخُذْه إليك، فوقع الرجلُ ميتًا، وانصرفت المرأة. قال أبو عون الفرائضيُّ (٤): فأنا والله رأيتُ الرَّجل مَيتًا، فحُمِل على نعشه والناس يهلِّلون ويكبِّرون. وفيها غلب يعقوب بن الليث على فارس، وهرب عاملُ المعتمد ابنُ (٥) واصل إلى الأهواز. وفيها كانت وقعة بين الزَّنْج وأحمدَ بنِ لَيثَوَيه صاحبِ مَسْرورٍ البَلْخي، فقتل من الزَّنْج خلقًا كثيرًا، وأسر قائدهم، ويقال له: الصُّعْلوك.

стр. 7278

وحجَّ بالنَّاس الفضل بن إسحاق (١) الذي حجَّ بهم عام أوَّل. [والله أعلم]. وفيها توفي خالد بن يزيد أبو الهيثم، التميميُّ، الخُراسانيُّ، الكاتبُ، أحدُ كُتَّاب الجيش ببغداد، وكان فاضلًا شاعرًا، وله [حكايات و] نوادرُ، قَصَده إلى داره إبراهيمُ بن المهدي، فطرق عليه الباب، فخرج وإبراهيمُ راكبٌ على حمار وعليه طَيلَسان، ومعه خادم، فقال له: أنت القائل: [من المنسرح] أقولُ للسُّقمِ عُدْ إلى بَدَني … حبًّا لِشَيءٍ يكونُ من سَبَبكْ قال خالد: نعم، فقال له: أحبُّ أن تنزل عنه، فقال: وهل ينزل الرَّجل عن ولده؟ فتبسَّم وأعطاه ثلاث مئة دينار. ولقيه أبو تمَّام على بغلة فقال له: أنت القائل: [من المتقارب] رَقَدْتَ ولم تَرْثِ للسَّاهرِ … وليلُ المحبِّ بلا آخرِ ولم تَدْرِ بعد ذهابِ الرُّقادِ … ما فعل الدَّمعُ بالنَّاظرِ فقال: نعم. ومن شِعره أيضًا (٢): [من السريع] يا تاركَ الجِسْم بلا قَلبِ … إن كنتُ أهواكَ فما ذَنْبي (٣) يا مُفْرَدًا بالحُسْن أفْرَدْتَني … منكَ بطُولِ الهَجْر والعَتْبِ إنْ تكُ عيني أبصرتْ فتنةً … فهلْ على قلبيَ من ذَنْبِ حسيبُكَ اللهُ لما بي كما … ألقاهُ في فِعلكَ بي حَسْبي وقد نادم المعتصمَ والمتوكِّلَ وغيرَهما، ولمَّا بنى المعتصم قصرَه بسامُرَّاء قال خالد: [من مجزوء الكامل]

стр. 7279

عزمَ السُّرورُ على المُقا … م بسُرَّ مَنْ را للإمامْ وتراه أشبهَ منزلٍ … في الأرضِ بالبَلَد الحرامْ فاللهُ يَعْمُرهُ بمَنْ … أضحى به عِزُّ الأنامْ فأعطاه خمسة آلاف درهم. [وقال الخطيب:] (١) عُمِّر خالد دهرًا طويلًا [وكان كاتبًا لجيش المعتمد وغيره ببغداد، وعاش إلى أيام المعتمد]، واختلط في آخر عُمُره، وكان الصِّبيان يَعْدُون خلفه ويصيحون: يا بارد، يا بارد، وهو يقول: وَيحَكُم، كيف أكون باردًا وأنا الَّذي أقول: [من الخفيف] سيِّدي [أنتَ] لم أقلْ سيِّدي أنتَ … لِخَلْقٍ سواكَ والصَّبُّ عَبْدُ خُذْ فؤادي فقد أتاك بودٍّ … وهو بِكْرٌ ما افْتَضَّه قطُّ وَجْدُ كَبِدٌ رَطْبةٌ (٢) يفتِّتُها الوَجْـ … ـــدُ وخدٌّ فيه من الدَّمع خَدُّ [قلت: من نَسب صاحب هذا الشِّعر إلى الاختلاطِ، فقد ضلَّ عن سواء الصِّراط.] وقيل: إنَّ سبب تغيُّره في آخر عمره أنَّه كان يهوى جاريةً لبعض الأكابر، ولم يَقدرْ عليها، فسمع يومًا قائلًا يُنشد ويقول: [من البسيط] مَنْ كان ذا شَجَنٍ بالشَّام يَطلُبُه … ففي سوى الشَّام أمسى الأهلُ والوطَنُ فبكى بكاءً شديدًا، ووقع إلى الأرض فخولط، واتَّصل به حتَّى وَسْوَس، ومات رحمةُ الله عليه. سَعْدان (٣) بن يزيد أبو محمد، البزَّاز (٤)، كان فاضلًا، توفِّي في رجب ببغداد، وروى عن يزيدَ بن هارون وطبقته، وروى عنه محمدُ بنُ نصرٍ الصَّائغ.

стр. 7280

وقال أبو بكر بن أبي معمر: أنشدنا سَعدان: [من الطويل] ألا في سبيلِ الله عُمرٌ رُزِئْتُه … وفَقْدُ ليالٍ فاتَ منها نعيمُها أأُغْبَنُ أيَّامي ولا أستقيلُها وتَذْهب عنِّي ليلةٌ لا أقومُها وتنقطعُ الدنيا ويذهب غُنْمها … ويغتنمُ الخيراتِ منها حكيمُها (١) [وفيها توفي] عبد الله بنُ منير (٢) المَرْوَزيُّ كان من الأبدال، مقيمًا بقَزوين، فإذا كان يوم الجمعة، رأَوه بآمِد، وبينهما مسافة بعيدة، وكان يمشي على الماء، ويقف له جَيْحون، فكان يجمع الأُشنان ويتقوَّتُ بثمنه، وإذا رآه السَّبُع خشع له وبَصْبَصَ (٣) بين يديه. [وفيها توفي] يعقوب بن شيبة (٤) ابن الصَّلْت بن عُصْفُور، أبو يوسف، السَّدوسيُّ البصريُّ. [قال الخطيب: حدَّثني الأزهريُّ قال:] صنَّف المسند معلّلًا؛ إلا أنَّه لم يُتِمَّه (٥)، وكان فقيهًا على مذهب مالك، وكان في منزله أربعون لِحَافًا أعدَّها لمَن يبيتُ عنده من الورَّاقين الذين يُبَيِّضون المسند، ولزمه في تصنيفه عشرةُ آلاف دينار لمن يُبيِّضه، ووقع منه بمصرَ نسخة [من مسند] أبي هريرة فكانت مئتي جزء. وسمع يزيد بنَ هارون، [وهاشمَ بنَ القاسم، وعليَّ بن عاصِم، وعَفَّانَ بنَ مسلم وغيرهم]، وكان ثقةً إلَّا أنَّه كان يقول بالوَقْف في القرآن، فهجره النَّاس. [انتهت ترجمته] (٦).

стр. 7281

السنة الثالثة والستون بعد المئتين فيها بعث يعقوبُ بن اللَّيث عُزيزَ بن عبد الله الأسَدي (١) إلى ابنِ واصل عاملِ المعتمد على فارس، فأخذه عُزيزٌ أسيرًا، وقدم به على يعقوب، ودخل يعقوبُ الأهوازَ واستولى عليها، وهرب من بين يديه [ابنُ] (٢) لَيثَويه نائبُ الموفَّق. وفيها مات عُبَيد (٣) الله بن يحيى بنِ خاقان، واستوزر من الغَدِ الحسن بن مَخْلَد، ثمَّ قدم موسى بنُ بُغا سامرَّا، فهرب الحسنُ إلى بغداد، واستوزرَ مكانه سليمان بن وهب في ذي الحِجَّة. وفيها أخرج [أخو] شركب (٤) الحسينَ بنَ طاهر عن نَيسابور، وغلب عليها، وصار الحسينُ إلى مَرْو، وبها ابنُ (٥) خُوارِزم شاه يدعو لمحمَّدِ بنِ طاهر، وضارَّ أخو شركب أهلَ خُراسان، وأخذ ثُلُثَ أموالِهم (٦). وفيها سلَّمت الصَّقالبةُ حِصنَ لُؤلؤة إلى ملكِ الرُّوم. وحجَّ بالنَّاس الفَضْلُ بنُ إسحاقَ الذي حجَّ بهم عامَ أوَّل [والله أعلم] (٧). وفيها توفي عُبَيدُ الله بنُ يحيى ابنِ خاقان بن عُرطوج (٨)، أبو الحسن (٩)، الوزير التُّركي.

стр. 7282

وَزَر [عبيد الله] للمتوكِّل، وقَدِم معه الشَّام، ونفاه المستعينُ إلى بَرْقة سنةَ [ثمانٍ وأربعين ومئتين، ثمَّ عاد إلى بغدادَ في سنة] (١) ثلاثٍ وخمسين ومئتين. ذكرُ طرفٍ من أخباره: كان جَوَادًا سَمْحًا، ذا مروءةٍ ظاهرةٍ، يفكِّر في العاقبة، و [كان ممدَّحًا،] مدحه البحتريُّ بقصيدته الَّتي يقول فيها: [من الكامل] يا عارضًا مُتَلَفِّعًا ببُرُودهِ … يَختالُ بين بُرُوقه ورُعُودهِ لو شئتَ عُدْتَ بلادَ نَجْدٍ عَوْدَةً … فنزلْتَ بين عَقِيقهِ وزَرُودهِ وإلى أبي الحسنِ انصرفْتُ بهِمَّتي … عن كلِّ منْزُور النَّوالِ زَهيدهِ الدَّهرُ يَضحكُ عن بَشاشةِ بِشْرِهِ … والعيشُ يرطُبُ من نضارةِ عُودهِ أعلي بنو خاقانَ مجدًا لم تزلْ … أخلاقُهم حُبُسًا على تَشييدهِ إنْ أوقفَ الكُتَّابَ أمرٌ مُشكِلٌ … في حَيرةٍ رجعوا إلى تسْديدِهِ فاللهُ يُبْقيه لنا ويُعزُّه … ويحوطُه ويزيدُ في تأييدهِ من أبيات (٢). وقال ابن عساكر: قَدِمَ دمشقَ مع المتوكِّل، وقدمها [مرَّةً أخرى مُكرهًا] حين نفاهُ المستعينُ إلى بَرقة، [وحجَّ وعاد إلى بغداد في سنة ثلاثٍ وخمسين ومئتين، واستوزره المعتمدُ في شعبان سنةَ -ستٍّ- وخمسين ومئتين] وكان يَتَقلَّد (٣) دمشقَ عيسى بنُ الشيخ، فلقيه عيسى، وترجَّل له، وأعظمه، وأكرمه، وخَدَمه، ووصله، حتَّى كان عبيدُ الله يسيرُ في قُبَّةٍ له طول اللَّيل، وعيسى يسيرُ بين يديه على فرسِه اللَّيلَ كلَّه، وعبيدُ الله لا يشكُّ أنَّ عيسى في قُبَّة، فقيل له: ما زال عيسى يسيرُ بين يديك طولَ اللَّيل على فرسه، فحفظ له ذلك، فلمَّا قُلِّد الوزارةَ المرَّة الثانية، قلَّد عيسى بلادَ بكر وأرْمينية. وحجَّ وعاد إلى بغدادَ سنةَ ثلاثٍ وخمسين، وأقبل يومًا فأنشدهُ عاصمُ بنُ وهبٍ البُرْجُميُّ: [من الطويل]

стр. 7283

نظرتُ إلى يحيى بنِ خاقان مُقْبلًا … فشبَّهْتُه في المُلْكِ يحيى بن خالدِ ومرَّ عبيدُ الله يُشْبه جعفرًا … فأكْرِمْ بمولودٍ وأَكْرِمْ بوالدِ جمعتُ بذا المعنى معانٍ كثيرةً … ولم أفسدِ المعنى بطولِ القصائدِ (١) ولما ولي المعتمدُ الخلافةَ سمَّوا له جماعةً من الوزراء، فلم يُعجِبْه إلَّا عبيدُ الله فاستوزرهُ، فقام بأمر الخلافة أحسنَ قيام وأتمَّ نظامٍ، مع كثرة المتغلّبين على البلاد، وكان أحمدُ بنُ طولون قد تغلَّب على مصرَ والإسكندرية وبَرقة، وأماجور (٢) على الشَّام ودمشقَ، وسيما الطَّويل على العَواصم وقِنَّسْرين، وأيوبُ بنُ أحمد ديارَ ربيعة والموصلَ وشَهْرَزُور، وعمر بن علي (٣) أَذْرَبِيجان، وابن أبي دُلَف على أَصْبَهان وهَمَذَان ونَهَاوَنْد، ويعقوب الصفَّار على خُراسان وفارس وسِجِسْتان وكَرْمان، وكيغلغ على الرَّيِّ وقُمّ وقَزْوين، والحسنُ بنُ زيد على طَبَرِستان وجُرْجَان والدَّيلَم، وصاحبُ الزَّنْج على البَصْرة والأهواز والبحرين والأُبُلَّة وعبَّادان، وكَنْجور على سَقْيِ الفراتِ، ومُساور الشَّاري على دَقوقا وطريقِ خُراسان، فدبَّر الدُّنيا حكاية. وقال محمدُ بن أحمد بن الخصيب: قال لي عبيدُ الله يومًا: أخرج إلى الباب ترَ شيخًا من صفتِه كذا وكذا. فقل له: أبْرَمْتَني (٤)، وأنت ثقيلٌ على قلبي، انصرفْ فليس لك عندي عمل، وإلَّا فعلتُ وفعلتُ، وحبستُكَ سنةً، فخرجتُ إلى الشَّيخ وإذا به قائمٌ، فأدَّيتُ إليه الرسالةَ، فقال لي غيرَ مكْترثٍ بما سمع منِّي: قل له: والله ما أتيتُك قاصدًا لكَ، ولا راغبًا فيك، ولكنَّك جلستَ في طريقِ أرزاقنا، ولابُدَّ من الاجتياز بك، وإن كان رجاءُ العاقل منوطًا بالله دونَك، وليس (٥) الملكُ منعٌ ولا عطاء، ثُمَّ تضاحك، وقال: يحبسني سنةً! يا وَيحه، من ملَّكه الزمانَ المستقبلَ حتَّى يستحكمَ هذا التحكُّمَ، ويتوعَّدَ هذا التوعُّد؟ قال محمد: فدخلتُ على عبيد الله فأعدتُ عليه ما قال، فقال: صدق والله، ولقد ابتُلِيتُ به، ثمَّ ركب عبيد الله فتلقَّاه بمثل ما كان يتلقَّاه به من السَّلام،

стр. 7284

وكان من عادته إذا رأى عبيد الله ترجَّل. وسار عبيدُ الله إلى دار الخليفة، ثمَّ خرج غلامٌ فاستدعى الشيخَ، فدخل، فغاب ساعةً، وخرج وبيده ثلاثُ تواقيع، فعجبتُ منه، فلمَّا خرج عبيدُ الله سايرتُه، وسألته عن الشَّيخ فقال: دخلتُ على الخليفة وقد غلب عليَّ الغيظُ من رسالة الشَّيخ، فقال: دخلت على الخليفة فبعضُها يحرِّكني على مَساءته، وبعضُها يوقفني عنه، فقال لي الخليفةُ: قد مات عاملُ الخَراج على الثُّغور، فمن ترى أنْ نولِّي، فقلتُ: شيخًا على الباب يصلحُ إن قَبِلتَه، قال: فأَحضِرْه، فأحضرتُه، فلمَّا دخل عليه تأمَّله وقال: ما أحسنَ ما اخترتَ، قد قَبِلَتْه نفسي، قال: فقلتُ في نفسي: جاء والله معنى الرسالة، فكلَّم الخليفة فقال: والله يا أمير المؤمنين البطالةُ قد ضعَّفتْ حالي، فقال: توقّع له بألفِ دينار، وتكتب بأرزاق من يجيء معي، فقلتُ: نكتب بها، فقال: وتوقيعًا بالولاية، فكتب له بالجميع، قال عبيدُ الله: فلم أرَ في نفسي انحطاطًا ولا تذلُّلًا، وشكرًا لله تعالى وحدَه، فلم أرَ رجلًا استصغر مواردَ أمورِنا ومصادِرَها مثلَ الشَّيخ. وقال أحمدُ بنُ إسرائيل: قال لي عبيدُ الله: قد فكَّرتُ في أمور الدُّنيا وصلاحها، ودُرور الأموال، وأَمْنِ السُّبُل، وعلمتُ أنَّ الدُّنيا أمكنُ وأنكرُ وأنكدُ من أن يدومَ صفاؤُها لأحد، فما مضتْ بعد ذلك أربعون ليلةً حتَّى قُتل المتوكِّل، ونُفي عبيدُ الله (١). قال الصُّولي: ركب يومًا وهو وزيرٌ، فوقف له بعضُ الهاشميين، فأخذ بِلِجام فرسِه وقال له: يا زنديقُ، يا فاسقُ، يا كذَّابُ، فقال: أمَّا زنديق؛ فوالله ما كفرتُ بعد إسلامي، وأمَّا فاسق؛ ففي الحلال مندوحةٌ عن الحرام، وأمَّا كذَّاب؛ فوالله ما تعمَّدتُ الكذبَ ولا استَحْسَنتُه، خلِّ اللِّجامَ، فعجب النَّاسُ من حِلمه وعفوه (٢). ولمَّا دخلت الزَّنجُ البصرةَ في أيام المعتمد، أكثر الناسُ الضَّجيجَ على الوزير فملَّ وضَجِر، فقال: ذهبت البصرةُ فمَهْ!؟ وسمعها النَّاس، فقال عمرو بن إبراهيم العدويُّ: [من المنسرح]

стр. 7285

قال الوزيرُ المعاونُ الظَّلَمَهْ … الأخرسُ اللَّفْظِ مُشْبِهُ الرَّخَمهْ (١) وقد شكونا ذهابَ نُصرتِنَا … إن ذهبتْ نصرةُ الغريب فَمَهْ إنْ ذهبتْ زال ملكُ بني العبَّاس أهلِ الفَخَار والعَظَمهْ كَلْمة سُوءٍ زلَّ اللِّسانُ بها … ورُبَّ حَتْفٍ تسوقُه كَلِمهْ هانَتْ عليه دماءُ سادَتِنا … أسأل ربِّي بما جناه دَمَهْ وبلغ أبا يعلى كاتبَه فقال: والله لا يُفنه من الدنيا، فقال العدويُّ: أمَّا من الدُّنيا فلا يلي من سُرَّ مَنْ رأى فنعم، ثمَّ قال فيه: [من الخفيف] نعمةُ الله لا تُعاب ولكنْ … رُبَّما استُقْبِحَتْ على أقوامِ لا يليقُ الغِنى بوجه أبي يَعْـ … ــلى ولا نورُ بَهْجَةِ الإِسلامِ وَسِخُ الثَّوبِ والقَلانسِ والبِرْ … ذَون والوَجْهِ والقَفَا والغُلام لا تمسُّوا أقلامَه فتمسُّوا … من دماء الحُسين في الأَقلام (٢) ومعناه أنَّهم لما أتَوا برأس الحسين ﵇ إلى ابنِ زياد، طلب من يقوِّره، فلم يتجاسرْ عليه أحدٌ، فقام طارقُ بنُ المبارك فقوَّره على ما أراد ابنُ زياد (٣)، وأبو يعلى من ولد طارق. وكان عبيد (٤) الله مشغولًا بالوزارة ليس عنده أدبٌ ولا رواية، وابنُه موسى صاحبُ القصيدة الخاقانيَّةِ في تجويد القراءة وهي مشهورة. ذكر وفاته: [قال الصُّولي:] دخل عبيدُ الله ميدانًا في داره يوم الجمعة لعشرٍ خلون من ذي القعدة [في سنة ثلاث وستين ومئتين] على ثلاث ساعات ليضرب بالصَّوالِجَة، فصدمه خادمُه رَشيق، فسقط من دابَّته فلم يَنْطق بحرف، وجرى من أذنيه دمٌ كثير، وبلغ الموفَّق فجاء مُبادرًا، فوضع رأسَه على فخذِه، وكلَّمه فلم يتكلَّم، فقال ابنُ راسبة (٥) [الطبيبُ] طبيبُ
следующие страницы →