السنة الثالثة والستون بعد المئتين
فيها بعث يعقوبُ بن اللَّيث عُزيزَ بن عبد الله الأسَدي (١) إلى ابنِ واصل عاملِ المعتمد على فارس، فأخذه عُزيزٌ أسيرًا، وقدم به على يعقوب، ودخل يعقوبُ الأهوازَ واستولى عليها، وهرب من بين يديه [ابنُ] (٢) لَيثَويه نائبُ الموفَّق.
وفيها مات عُبَيد (٣) الله بن يحيى بنِ خاقان، واستوزر من الغَدِ الحسن بن مَخْلَد، ثمَّ قدم موسى بنُ بُغا سامرَّا، فهرب الحسنُ إلى بغداد، واستوزرَ مكانه سليمان بن وهب في ذي الحِجَّة.
وفيها أخرج [أخو] شركب (٤) الحسينَ بنَ طاهر عن نَيسابور، وغلب عليها، وصار الحسينُ إلى مَرْو، وبها ابنُ (٥) خُوارِزم شاه يدعو لمحمَّدِ بنِ طاهر، وضارَّ أخو شركب أهلَ خُراسان، وأخذ ثُلُثَ أموالِهم (٦).
وفيها سلَّمت الصَّقالبةُ حِصنَ لُؤلؤة إلى ملكِ الرُّوم.
وحجَّ بالنَّاس الفَضْلُ بنُ إسحاقَ الذي حجَّ بهم عامَ أوَّل [والله أعلم] (٧).
وفيها توفي
عُبَيدُ الله بنُ يحيى
ابنِ خاقان بن عُرطوج (٨)، أبو الحسن (٩)، الوزير التُّركي.
стр. 7282
وَزَر [عبيد الله] للمتوكِّل، وقَدِم معه الشَّام، ونفاه المستعينُ إلى بَرْقة سنةَ [ثمانٍ وأربعين ومئتين، ثمَّ عاد إلى بغدادَ في سنة] (١) ثلاثٍ وخمسين ومئتين.
ذكرُ طرفٍ من أخباره:
كان جَوَادًا سَمْحًا، ذا مروءةٍ ظاهرةٍ، يفكِّر في العاقبة، و [كان ممدَّحًا،] مدحه البحتريُّ بقصيدته الَّتي يقول فيها: [من الكامل]
يا عارضًا مُتَلَفِّعًا ببُرُودهِ … يَختالُ بين بُرُوقه ورُعُودهِ
لو شئتَ عُدْتَ بلادَ نَجْدٍ عَوْدَةً … فنزلْتَ بين عَقِيقهِ وزَرُودهِ
وإلى أبي الحسنِ انصرفْتُ بهِمَّتي … عن كلِّ منْزُور النَّوالِ زَهيدهِ
الدَّهرُ يَضحكُ عن بَشاشةِ بِشْرِهِ … والعيشُ يرطُبُ من نضارةِ عُودهِ
أعلي بنو خاقانَ مجدًا لم تزلْ … أخلاقُهم حُبُسًا على تَشييدهِ
إنْ أوقفَ الكُتَّابَ أمرٌ مُشكِلٌ … في حَيرةٍ رجعوا إلى تسْديدِهِ
فاللهُ يُبْقيه لنا ويُعزُّه … ويحوطُه ويزيدُ في تأييدهِ
من أبيات (٢).
وقال ابن عساكر: قَدِمَ دمشقَ مع المتوكِّل، وقدمها [مرَّةً أخرى مُكرهًا] حين نفاهُ المستعينُ إلى بَرقة، [وحجَّ وعاد إلى بغداد في سنة ثلاثٍ وخمسين ومئتين، واستوزره المعتمدُ في شعبان سنةَ -ستٍّ- وخمسين ومئتين] وكان يَتَقلَّد (٣) دمشقَ عيسى بنُ الشيخ، فلقيه عيسى، وترجَّل له، وأعظمه، وأكرمه، وخَدَمه، ووصله، حتَّى كان عبيدُ الله يسيرُ في قُبَّةٍ له طول اللَّيل، وعيسى يسيرُ بين يديه على فرسِه اللَّيلَ كلَّه، وعبيدُ الله لا يشكُّ أنَّ عيسى في قُبَّة، فقيل له: ما زال عيسى يسيرُ بين يديك طولَ اللَّيل على فرسه، فحفظ له ذلك، فلمَّا قُلِّد الوزارةَ المرَّة الثانية، قلَّد عيسى بلادَ بكر وأرْمينية.
وحجَّ وعاد إلى بغدادَ سنةَ ثلاثٍ وخمسين، وأقبل يومًا فأنشدهُ عاصمُ بنُ وهبٍ البُرْجُميُّ: [من الطويل]
стр. 7283
نظرتُ إلى يحيى بنِ خاقان مُقْبلًا … فشبَّهْتُه في المُلْكِ يحيى بن خالدِ
ومرَّ عبيدُ الله يُشْبه جعفرًا … فأكْرِمْ بمولودٍ وأَكْرِمْ بوالدِ
جمعتُ بذا المعنى معانٍ كثيرةً … ولم أفسدِ المعنى بطولِ القصائدِ (١)
ولما ولي المعتمدُ الخلافةَ سمَّوا له جماعةً من الوزراء، فلم يُعجِبْه إلَّا عبيدُ الله فاستوزرهُ، فقام بأمر الخلافة أحسنَ قيام وأتمَّ نظامٍ، مع كثرة المتغلّبين على البلاد، وكان أحمدُ بنُ طولون قد تغلَّب على مصرَ والإسكندرية وبَرقة، وأماجور (٢) على الشَّام ودمشقَ، وسيما الطَّويل على العَواصم وقِنَّسْرين، وأيوبُ بنُ أحمد ديارَ ربيعة والموصلَ وشَهْرَزُور، وعمر بن علي (٣) أَذْرَبِيجان، وابن أبي دُلَف على أَصْبَهان وهَمَذَان ونَهَاوَنْد، ويعقوب الصفَّار على خُراسان وفارس وسِجِسْتان وكَرْمان، وكيغلغ على الرَّيِّ وقُمّ وقَزْوين، والحسنُ بنُ زيد على طَبَرِستان وجُرْجَان والدَّيلَم، وصاحبُ الزَّنْج على البَصْرة والأهواز والبحرين والأُبُلَّة وعبَّادان، وكَنْجور على سَقْيِ الفراتِ، ومُساور الشَّاري على دَقوقا وطريقِ خُراسان، فدبَّر الدُّنيا حكاية.
وقال محمدُ بن أحمد بن الخصيب: قال لي عبيدُ الله يومًا: أخرج إلى الباب ترَ شيخًا من صفتِه كذا وكذا. فقل له: أبْرَمْتَني (٤)، وأنت ثقيلٌ على قلبي، انصرفْ فليس لك عندي عمل، وإلَّا فعلتُ وفعلتُ، وحبستُكَ سنةً، فخرجتُ إلى الشَّيخ وإذا به قائمٌ، فأدَّيتُ إليه الرسالةَ، فقال لي غيرَ مكْترثٍ بما سمع منِّي: قل له: والله ما أتيتُك قاصدًا لكَ، ولا راغبًا فيك، ولكنَّك جلستَ في طريقِ أرزاقنا، ولابُدَّ من الاجتياز بك، وإن كان رجاءُ العاقل منوطًا بالله دونَك، وليس (٥) الملكُ منعٌ ولا عطاء، ثُمَّ تضاحك، وقال: يحبسني سنةً! يا وَيحه، من ملَّكه الزمانَ المستقبلَ حتَّى يستحكمَ هذا التحكُّمَ، ويتوعَّدَ هذا التوعُّد؟ قال محمد: فدخلتُ على عبيد الله فأعدتُ عليه ما قال، فقال: صدق والله، ولقد ابتُلِيتُ به، ثمَّ ركب عبيد الله فتلقَّاه بمثل ما كان يتلقَّاه به من السَّلام،
стр. 7284
وكان من عادته إذا رأى عبيد الله ترجَّل.
وسار عبيدُ الله إلى دار الخليفة، ثمَّ خرج غلامٌ فاستدعى الشيخَ، فدخل، فغاب ساعةً، وخرج وبيده ثلاثُ تواقيع، فعجبتُ منه، فلمَّا خرج عبيدُ الله سايرتُه، وسألته عن الشَّيخ فقال: دخلتُ على الخليفة وقد غلب عليَّ الغيظُ من رسالة الشَّيخ، فقال: دخلت على الخليفة فبعضُها يحرِّكني على مَساءته، وبعضُها يوقفني عنه، فقال لي الخليفةُ: قد مات عاملُ الخَراج على الثُّغور، فمن ترى أنْ نولِّي، فقلتُ: شيخًا على الباب يصلحُ إن قَبِلتَه، قال: فأَحضِرْه، فأحضرتُه، فلمَّا دخل عليه تأمَّله وقال: ما أحسنَ ما اخترتَ، قد قَبِلَتْه نفسي، قال: فقلتُ في نفسي: جاء والله معنى الرسالة، فكلَّم الخليفة فقال: والله يا أمير المؤمنين البطالةُ قد ضعَّفتْ حالي، فقال: توقّع له بألفِ دينار، وتكتب بأرزاق من يجيء معي، فقلتُ: نكتب بها، فقال: وتوقيعًا بالولاية، فكتب له بالجميع، قال عبيدُ الله: فلم أرَ في نفسي انحطاطًا ولا تذلُّلًا، وشكرًا لله تعالى وحدَه، فلم أرَ رجلًا استصغر مواردَ أمورِنا ومصادِرَها مثلَ الشَّيخ.
وقال أحمدُ بنُ إسرائيل: قال لي عبيدُ الله: قد فكَّرتُ في أمور الدُّنيا وصلاحها، ودُرور الأموال، وأَمْنِ السُّبُل، وعلمتُ أنَّ الدُّنيا أمكنُ وأنكرُ وأنكدُ من أن يدومَ صفاؤُها لأحد، فما مضتْ بعد ذلك أربعون ليلةً حتَّى قُتل المتوكِّل، ونُفي عبيدُ الله (١).
قال الصُّولي: ركب يومًا وهو وزيرٌ، فوقف له بعضُ الهاشميين، فأخذ بِلِجام فرسِه وقال له: يا زنديقُ، يا فاسقُ، يا كذَّابُ، فقال: أمَّا زنديق؛ فوالله ما كفرتُ بعد إسلامي، وأمَّا فاسق؛ ففي الحلال مندوحةٌ عن الحرام، وأمَّا كذَّاب؛ فوالله ما تعمَّدتُ الكذبَ ولا استَحْسَنتُه، خلِّ اللِّجامَ، فعجب النَّاسُ من حِلمه وعفوه (٢).
ولمَّا دخلت الزَّنجُ البصرةَ في أيام المعتمد، أكثر الناسُ الضَّجيجَ على الوزير فملَّ وضَجِر، فقال: ذهبت البصرةُ فمَهْ!؟ وسمعها النَّاس، فقال عمرو بن إبراهيم العدويُّ: [من المنسرح]
стр. 7285
قال الوزيرُ المعاونُ الظَّلَمَهْ … الأخرسُ اللَّفْظِ مُشْبِهُ الرَّخَمهْ (١)
وقد شكونا ذهابَ نُصرتِنَا … إن ذهبتْ نصرةُ الغريب فَمَهْ
إنْ ذهبتْ زال ملكُ بني العبَّاس أهلِ الفَخَار والعَظَمهْ
كَلْمة سُوءٍ زلَّ اللِّسانُ بها … ورُبَّ حَتْفٍ تسوقُه كَلِمهْ
هانَتْ عليه دماءُ سادَتِنا … أسأل ربِّي بما جناه دَمَهْ
وبلغ أبا يعلى كاتبَه فقال: والله لا يُفنه من الدنيا، فقال العدويُّ: أمَّا من الدُّنيا فلا يلي من سُرَّ مَنْ رأى فنعم، ثمَّ قال فيه: [من الخفيف]
نعمةُ الله لا تُعاب ولكنْ … رُبَّما استُقْبِحَتْ على أقوامِ
لا يليقُ الغِنى بوجه أبي يَعْـ … ــلى ولا نورُ بَهْجَةِ الإِسلامِ
وَسِخُ الثَّوبِ والقَلانسِ والبِرْ … ذَون والوَجْهِ والقَفَا والغُلام
لا تمسُّوا أقلامَه فتمسُّوا … من دماء الحُسين في الأَقلام (٢)
ومعناه أنَّهم لما أتَوا برأس الحسين ﵇ إلى ابنِ زياد، طلب من يقوِّره، فلم يتجاسرْ عليه أحدٌ، فقام طارقُ بنُ المبارك فقوَّره على ما أراد ابنُ زياد (٣)، وأبو يعلى من ولد طارق. وكان عبيد (٤) الله مشغولًا بالوزارة ليس عنده أدبٌ ولا رواية، وابنُه موسى صاحبُ القصيدة الخاقانيَّةِ في تجويد القراءة وهي مشهورة.
ذكر وفاته:
[قال الصُّولي:] دخل عبيدُ الله ميدانًا في داره يوم الجمعة لعشرٍ خلون من ذي القعدة [في سنة ثلاث وستين ومئتين] على ثلاث ساعات ليضرب بالصَّوالِجَة، فصدمه خادمُه رَشيق، فسقط من دابَّته فلم يَنْطق بحرف، وجرى من أذنيه دمٌ كثير، وبلغ الموفَّق فجاء مُبادرًا، فوضع رأسَه على فخذِه، وكلَّمه فلم يتكلَّم، فقال ابنُ راسبة (٥) [الطبيبُ] طبيبُ
стр. 7286
أبي أحمد: هذا الدَّمُ الخارجُ من أذنيه؛ انقطع بعضُ الشّريانات الَّتي في رأسه، فمات بعد ثلاثِ ساعاتٍ عند صلاة الجمعة، فحزن عليه الموفَّق، ومشى في جنازته، وصلى عليه، وحُمِل في جنازته أعلامٌ احترامًا له، ولم تُحمل في جنازة غيره، ودفن بسُرَّ من رأى، ورثاه الشُّعراء؛ فقال (١) يحيى بنُ عليّ: [من الطويل]
أبا حسنٍ لا تَبْعَدَنَّ فقد مضى … من الأرض لما أن مَضيتَ بهاؤُها
وهي المُلكُ وانحلَّتْ عُرى الدِّين بعدَه … وأظلم من أرض العراقِ ضياؤُها
لقد فارق الدُّنيا حَميدًا وأَلْسُنُ … البَرِيَّة مصروفٌ إليه ثناؤُها
يُسَكِّن نفسي أَنَّني لستُ باقيًا … ولستُ أرى نفسًا يَدومُ بقاؤُها
عزاءً أميرَ المؤمنين لنفسك … البقاءُ طويلًا والنُّفوسُ فداؤُها
ولا تُحْبِطَنْ أجرَ المصيبةِ إنَّه … على قَدْرِ أحزانِ النُّفوس جزاؤُها
وفيها توفي
محمد بن محمد (٢) بن عيسى
أبو الحسن البغداديُّ، ويعرف بابن أبي الوَرْد، وبـ: حَبَش؛ لأنَّه كان أسمرَ اللَّون، وإلى جدِّه أبي الوَرْد تُنسب [سُويقة أبي الورد] (٣) ببغداد.
واسم جدِّه أبي الورد: (محمد) (٤) بنُ محمدِ بنِ عيسى، مولى سعيدِ بنِ العاص مولى عَتاقة، وكان في صحابة المنصور.
و [قال الخطيب:] ما زال - محمَّدٌ هذا - مشهورًا بالزُّهد والوَرَع والخلوةِ [والعبادة] حتَّى توفِّي في رجب من هذه السَّنة ببغداد (٥).
стр. 7287
صحب بِشرًا الحافيَّ، وسَريًّا السّقَطيَّ، والحارثَ المُحاسِبيَّ، وأسند الحديثَ عن هاشم (١) بنِ القاسم وغيرِه، وروى عنه عبدُ الله بنُ محمدٍ البغويُّ وغيرُه (٢).
ومن حديثه عن ابنِ مسعودٍ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "أوحى اللهُ إلى نبيٍّ من أنبياءِ بني إسرائيل: قل لفلانٍ العابد: أمَّا زهدُك في الدُّنيا فقد تعجَّلت الراحةَ لنفسك، وأمَّا انقطاعُكَ إليَّ فتعزَّزتَ بي، فماذا عملتَ فيما لي عليك؟ فأخبره النبيُّ بذلك فقال: سَلْه: يا ربُّ، ومالك عليَّ؟ فقال: قل له: هل عاديتَ فيَّ عدوًّا، أو واليتَ فيَّ وليًّا؟ " (٣).
وقال محمَّد بنُ هلال: النَّاس في حرفين؛ اشتغالٍ بنافلةٍ وتضييعٍ لفريضة، وعملٍ بالجوارح بغير مواطأة القلب، وإنَّما مُنعوا الوصول بتضييع الأصول (٤).
وأخوه أحمدُ بن محمد أبو الحسن أيضًا كان من كبار الزهَّاد، مات قبلَ أخيه محمَّد، وصحب أحمدُ مَنْ صحب أخوه محمَّد، وله الرِّياضاتُ والمجاهداتُ والكلامُ الحسنُ. قال: وليُّ الله كلَّما زاد جاهُه زادَ تواضعُه، وإذا زاد مالُه زاد سخاؤُه، وإذا زاد عمرُه زاد اجتهادُه.
وقال: إنَّما وصل القومُ بخمسٍ: بلُزومِ الباب، وتركِ الخلاف، والنَّفاذِ في الخدمة، والصَّبرِ على المصائب، وصيانةِ الكرامات (٥).
وكان هو وأخوه قد صحبا أبا عبد الله السَّاجي، فكان يقول: مَن أراد أن يخدمَ الفقراءَ فلْيخدِمْهم خدمةَ ابنَي أبي الوَرْد؛ صَحِباني عشرين سنةً ما سألاني مسألةً قطُّ، ولا رأيتُ منهما ما أكره.
وقال ابنُ حُميد: أحمد ومحمد ابنا أبي الوَرْد من كبار المشايخ العراقيين، وأقاربِ
стр. 7288
الجُنيد وجُلسائه، وطريقتُهما في الوَرَع قريبةٌ من طريقة بِشر الحافي.
وقال محمَّد: مَن كانت نفسُه لا تحبُّ الدنيا فأهلُ الأرض يُحبُّونَه، ومَن كان قلبُه لا يحبُّ الدُّنيا فأهل السماء يُحبُّونه.
وقال: الوليُّ مَن يوالي أولياءَ الله، ويعادي أعداءَه.
وقال أحمد: بِساطُ المجد بُسِط لأولياء الله ليأنَسُوا به، ويرفعَ عنهم حِشمةَ البَديهة، وبِساطُ الهَيبة بُسط للأعداء ليستوحشوا من قبائح أفعالهم، ولا يشاهدوا ما يستريحون إليه في المشهد الأعلى (١).
* * *
стр. 7289
السَّنة الرابعة والسّتون بعد المئتين
فيها (١) في المحرَّم خرج أبو أحمد الموفَّق إلى قتال الزَّنج ومعه موسى بن بُغا، فعسكرا بالقائم (٢)، وشيَّعهما المعتمدُ، فلمَّا نزلا بغداد مات موسى بنُ بُغا، فُحمِل إلى سامراء فدُفن بها.
وفي شهر ربيعٍ الأوَّل ماتت قَبيحةُ أمُّ المعتزِّ، وكان المعتمد قد أعادها من مكَّة إلى سامرَّاء.
وفيها أسرت الرُّوم عبدَ الله بن رُشَيد بن كاوس، وكان قد دخل الرُّوم في أربعة آلاف فارسٍ، فأوغلَ فيها، فأَسر وقتل وغَنم، وقَفل عنها، فلمَّا نزل البَذَنْدُون (٣) أقام به، ثمَّ رحل، وكانت البطارقة قد تتبَّعته بطريق سَلُوقية، وبطريق قديدة (٤)، وبطريق قُرَّة، وبطريق كوكب، وبطريق خَرْشَنة (٥) فأَحْدقوا به، فنزل جماعةٌ من المسلمين فَعَرْقَبوا (٦) دوابَّهم، وقاتلوا إلَّا خمس مئةٍ من المسلمين انهزموا، فقتلوا الرُّومُ مَن قتلوا، وأسروا عبد الله بنَ رُشيد بعدما جُرح جِراحات، وحُمل إلى لُؤلؤة، ثمَّ حُمل إلى ملك الرُّوم على البريد.
وفيها ولَّى المعتمدُ محمدًا المولَّد واسِطًا، فحاربه سُليمان بن جامع قائد صاحب الزَّنج، وكان قد ولَّاه تلك النَّواحي، فهزمه محمدٌ عن واسِطٍ ودخلها، ثمَّ دخلت الزَّنج واسِطًا، فهرب أهلُها حُفاةً عُراةً، فأحرقها الزَّنجُ بعدما أخذوا من الأموال والسَّبايا ما أرادوا (٧).
стр. 7290
وفيها خرج سليمانُ بن وهب من بغداد إلى سُرَّمن رأى ومعه أخوه الحسنُ، وشيَّعه أبو أحمد الموفَّق، ومَسْرور البَلْخيُّ، وعامَّة القوَّاد، فلمَّا صاروا بسامرَّاء، غضب المعتمدُ على سليمانَ بنِ وهب، وقيَّده، وحَبَسه، وانتهب أمواله ودُورَ أهله.
واستوزر الحسنَ بنَ مَخْلد في ذي القَعدة، فبلغ الموفَّق، فشخص من بغداد ومعه عبدُ الله بنُ سليمان بنِ وهب، فلمَّا قَرُب من سامرَّاء، تحوَّل المعتمدُ إلى الجانب الغربيِّ فعسكر به، ونزل أبو أحمد بظاهر سامرَّاء في جزيرة المؤيَّد، وهذا أوَّلُ ما بدا من الموفَّق في حقِّ المعتمد، ثمَّ تراسلا واصطلحا في ذي الحجَّة، واجتمعا في حرَّاقة في دجلة، خلع عليه المعتمدُ وأطلق سليمانَ بنَ وهب، واجتمع العَسكران، ورجع المعتمدُ إلى الجَوْسَق، وهرب الحسنُ بنُ مَخْلد، وأحمدُ بنُ صالح بن شيرزاد (١)، فقبضَ على أسبابهما، وشَخصَ القوَّاد الذين كانوا بتَكْريت إلى الموصِل، فوضعوا أيديَهم في جبَايةِ الخَراج.
وحجَّ بالناس هارونُ بنُ محمد بنِ إسحاق بنِ موسى بنِ عيسى الهاشميُّ الكوفيُّ.
وفيها توفي
أحمدُ بنُ حَمْدون
ابنِ إسماعيلَ بنِ داودَ، أبو عبد الله، الكاتبُ.
كان فاضلًا شاعرًا كثيرَ الأدب، كان يحضر مجالسَ الخلفاء؛ الواثقِ والمتوكِّلِ (٢).
ومِنْ شعرِه يعاتبُ أبا الحسن عليَّ بنَ يحيى المنَجِّم: [من الرمل]
مَنْ عَذيري مِنْ أبي حَسَنٍ … حينَ يجْفوني ويَصْرمُني
كان لي خِلًّا وكنتُ لهُ … كامتزاجِ الرُّوحِ بالبَدَنِ
فوَشَى واشٍ فغيَّرهُ … وعليه كان يَحْسُدُني
إنَّما يزدادُ معرفةً … بوِدادي حين يَفْقِدُني
стр. 7291
وكان أحمد مُمدَّحًا، مدحه البُحتريُّ وغيرُه (١).
أماجور التركيُّ
ذكره أبو الحسين الرَّازيُّ في أمراء دمشقَ في أيَّام المعتمِد على الله، وكان (٢) مَهيبًا شجاعًا، أَمِنَت الطُّرق في أيَّامه والحُجَّاج، وجعل الشَّامَ مثلَ المَهْد.
[وحكى الحافظ (٣) عن أبي الحسين الرَّازي قال:] بعث [أماجورُ] مرَّةً جنديًّا إلى أذرِعات في رسالةٍ، فنزل اليرموكَ، فصادف أعرابيًّا في قرية، فجلس الجنديُّ [إليه، فمدَّ الأعرابي يدَه، فنتف من سِبال (٤) الجنديِّ] خَصلتين، وعاد الجنديُّ إلى دمشقَ، وبلغ الخبرُ أماجورَ التركيَّ، فدعاه وسأله عن القصَّة فاعترف، فأمر بحبسه، ثمَّ استدعى بمعلِّم الصِّبيان، فأعطاه مالًا وقال له: اذهبْ إلى المكان الفلانيِّ وأَظْهِرْ أنَّك تعلِّم الصِّبيان، ولابدَّ أن ترى الأعرابيَّ هناك، فإنْ رأيتَه فشاغِلْه، وأعطاه طيورًا، وقال: عرِّفني الأخبارَ يومًا بيوم، فخرج الرجلُ وأتى إلى القرية، فجلس يعلِّم الصِّبيان ستَّة أشهر، ويبحث عن الأعرابي حتَّى عرفه، وجاء الأعرابي، فقال المعلِّم لأهل القرية: شاغلوه، وأطلق الطيورَ إلى دمشقَ، فركب أماجورُ بنفسه من دمشقَ إلى اليرموك [في] يومٍ واحد، وأحاط بالقرية، وأخذ الأعرابيَّ مَكتوفًا معه، فلمَّا دخل دمشقَ أحضره وقال: ما حملك على أنْ رأيت رجلًا من أولياء السُّلطان في قريةٍ، ما تعرَّض لك أن تنتفَ سِباله؟ قال: كنتُ سَكرانًا لم أعقل، فأمر بنتفِ كلِّ شعرةٍ فيه من أجفانه [وحاجبيه] ولحيته ورأسه، فما ترك عليه شعرة [إلا نتفها]، وضربه ألف سوط، وقطع يديه ورجليه، ثمَّ صلبه، وأخرج الجنديَّ من الحبس، فضربه مئةَ سوطٍ، وطرده عن الخدمة، وقال: أنت ما دافعتَ عن نفسكَ، فكيف تدافعُ عنِّي لو احتجتُ إليك؟
[قال الرازيُّ:] ولمَّا مات أماجور رُئيَ في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي. فقيل: بماذا؟ قال: بحفظي طُرُقات المسلمين والحُجَّاج.
стр. 7292
و [قال ابنُ عساكر:] بنى بدمشقَ خانًا بالخوَّاصين، وكتب على بابه: مئةُ سنةٍ وسنةٍ، فعاش بعد ذلك مئة يومٍ ويوم، [والله العالم بما في الغيب] (١).
[وفيها توفي]
أبو زُرْعَة الرَّازي
واسمه عُبيد (٢) الله بنُ عبد الكريم بنِ يزيد بنِ فَرُّوخ، مولى (٣) عيَّاشِ بن مُطَرِّف القُرشيُّ، وُلدَ سنة مئتين بالرَّيِّ، وكان إمامًا، حافظًا، مُتقنًا، صَدوقًا، [وكان] من كبار الحفاظ، وسادات أهل التَّقوى.
[وذكره الخطيب (٤) فقال: هو] أحدُ الأئمَّة المشهورين الرَّاحلين لطلب العلم، [وقال:] (٥) قدم بغدادَ غيرَ مرَّة، وحدَّث بها، وجالس الإمامَ أحمدَ بن حنبل رحمة الله عليه، وكان الإمامُ أحمد يحبُّه ويُثني عليه، ويقدِّم الجلوسَ معه على النَّوافل.
وقال عبدُ الله بنُ أحمد: لما ورد أبو زرعةَ بغداد نزل علينا، فقال لي أبي: يا عبد الله، قد اعتَضْتُ بنوافلي مُذاكرةَ هذا الشَّيخ، وفي رواية: ما صلَّيتُ اليوم غيرَ الفرض، استأثرتُ بمذاكرته على نوافلي. وما جاوز الجسرَ أحفظُ منه.
وقال محمَّدُ بنُ مسلمِ بنِ وَارةَ: كنتُ عند إسحاقَ بن إبراهيم بنيسابور، فقال رجلٌ من أهل العراق: سمعتُ الإمامَ أحمدَ بنَ حنبل يقول: صحَّ من الحديث سبعُ مئة ألف حديثٍ وكسور، وهذا الفتى -يعني أبا زرعةَ- قد حفظ ستَّ مئة ألف حديث، فقيل للإمام أحمد: مِنْ أين لك هذا؟ فقال: ذاكَرْتُه الأبوابَ. قال البيهقيُّ: معنى قولِ أحمدَ أنَّه يحفظ ستَّ مئة ألف حديث؛ فإنَّما أراد ما صحَّ من الحديث وأقاويلِ الصَّحابة وفتاويهم، لا مجرَّدَ الأحاديثِ المرفوعة.
стр. 7293
وكان أبو زُرعةَ يقول: كتبتُ عن إبراهيمَ بنِ موسى الفرَّاء مئةَ ألفِ حديثٍ، وعن أبي بكر بن أبي شيبةَ مئةَ ألف حديثٍ، وأحفظ مئتي ألفِ حديثٍ كما يحفظُ أحدُكم ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ وفي روايةِ ابن منده: وأحفظ ثلاثَ مئةِ ألفِ حديث.
وقال محمَّدُ بنُ إسحاقَ الصنعانيُّ: أبو زُرعة يشبه أحمدَ بنَ حنبل.
وقال الإمامُ أحمدُ رحمةُ الله عليه: ما رأيتُ أحفظَ من أبي زُرعة.
وقال إسحاقُ بن رَاهُويه: كلُّ حديثٍ لا يعرفه أبو زُرعةَ فليس له أصلٌ.
وقال أبو يعلى المَوصليُّ: ما سمعنا أحدًا يُذكر من الحُفَّاظ إلا كان اسمُه أكبرَ من رؤيته، إلّا أبا زُرعة؛ فإنَّ مشاهدتَه كانت أعظمَ من اسمه.
وحكى [الخطيبُ عن] أبي زُرعة قال: إنَّ في بيتي ما كتبتُه منذ خمسين سنة ولم أطالِعْه منذ كتبتُه، وإنِّي لأعلمُ في أيِّ كتاب هو، في أيِّ وَرَقٍ هو، وفي أيِّ صفحةٍ هو، وما سمعتُ بأُذُني شيئًا إلا وعاهُ قلبي، وإنِّي لأمشي في أسواق بغدادَ فأسمعُ من الغُرَف صوتَ المغنِّيات، فأضعُ أصبعي في أُذني مخافةَ أن يعِيَه قلبي (١).
وقال محمَّد بنُ إسحاق الثقفيُّ: لما انصرف قتيبةُ بنُ سعيد إلى الرَّيِّ، سألوه أن يحدِّثهم، فامتنع وقال: أحدِّثكم بعد أن حضر مجلسي أحمدُ بنُ حنبل وابنُ معين وابنُ المديني؟! وعدَّ جماعة، فقالوا: إنَّ عندنا غلامًا يسردُ ما حدَّثتَ به مجلسًا مجلسًا، ثم قال: قم يا أبا زُرعة، فقام فسرد كلَّ ما حدَّثهم به قتيبة، فعجب، ثمَّ حدَّثهم حينئذٍ.
وحكى ابن باكويه عن أحمد بن سعيد الدَّارميِّ قال (٢): صلَّى أبو زُرعة عشرين سنةً وفي مِحْرابه كتابةٌ فيها اسمُ الله تعالى لم ينظر إليها، فقدم عليه جماعةٌ من المحدثين، فقالوا: ما تقول في الكتابة على المحاريب؟ فقال: قد كرهها قومٌ، قالوا: فهذه كتابة في محرابك! فرفع رأسه إليها فرآها (٣)، وقال: والله ما رأيتها قبلَ اليوم، أيدخل الداخلُ على الله وَيدري ما بين يديه؟
стр. 7294
وكان أبو زُرعة يدعو للإمام أحمدَ بنِ حنبل رحمة الله عليه، ويقول: إنِّي لأكون في شدَّة، وأسأل الله ببركات أبي عبد الله؛ فيرفعها عنِّي وعن أهل بلدي.
وقال (١): اِلتقاني رجلٌ فقال: ليكوننَّ لك شأنٌ من الشأن، فلا تقربنَّ أبوابَ هؤلاء -يعني الأمراءَ-[قال]: فخُيِّل إليِّ أنَّه الخَضِرُ، فقبلتُ وصيَّته.
[ذكر وفاته:]
قال الخطيب بإسناده إلى أبي جعفر التُّسْتري: حضَرْنَا (٢) أبا زُرعة وكان في السَّوْق وعنده أبو حاتم، ومحمَّد بنُ مُسلم بنُ وارة، والمنذر بنُ شاذان، وجماعةٌ من العلماء، فذكروا حديث التَّلْقين، وقولَه ﷺ : "لقِّنوا موتاكم لا إله إلا الله" (٣) فاستحيَوا من أبي زُرعة، وهابوا (٤) أن يلقِّنوه، فقالوا: [تعالوا] (٥) نذكر الحديث، فقال محمد بن مسلم بن وارة: حدَّثنا الضَّحَّاك بن مخلد، عن عبد الحميد بن جعفر، عن صالح، ولم يجاوز، والباقون سكوت، فقال أبو زُرعة وهو في السَّوق: حدَّثنا بُندار، حدَّثنا أبو عاصم، حدَّثنا عبدُ الحميد بنُ جعفر، عن صالح بن أبي عَريب، عن كثير بن مُرَّة الحَضْرمي، عن معاذ بن جبل، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "من كان آخرُ كلامه لا إله إلا الله دخلَ الجنَّةَ" (٦)، وتوفِّي ﵀.
[وقال الخطيب: توفي] بالرَّيِّ يوم الاثنين سَلْخ ذي الحجَّة وقد بلغ أربعًا وستين سنة (٧).
[ذكر ما رُئيَ له من المنامات:]
روى الخطيب بإسناده إلى أحمدَ (٨) بنِ محمد المُرادي [قال:] رأيتُ أبا زُرْعَة [في
стр. 7295
المنام فقلت له: يا أبا زرعة، ما فعل الله بك؟ قال: لقيتُ ربِّي تعالى فقال لي: يا أبا زُرعة،] إنِّي أوتى بالطِّفل فآمر به إلى الجنَّة، فكيف بمَن حفظ السُّننَ على عبادي؟ تبوَّأ من الجنَّة حيثُ شئتَ.
وقال يزيد (١) بن مَخلد الطَّرَسُوسي: رأيتُه في المنام فقلت: يا أبا زُرعة، إنَّ الجهمية قد آذونا. فقال: اسكت، فإنَّ أحمد بن حنبل قد سدَّ عليهم الماءَ من فوق.
[قال:] (٢) ورآه محمَّد بنُ مسلم بن وارة في المنام، فقال [له:] ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي وقال: ألحقوه بأبي عبد الله وأبي عبد الله [وأبي عبد الله وأبي عبد الله] فقيل [لابن] وارة: فسِّر لنا هذا، فقال: أبو عبد الله الأوَّل؛ سفيانُ الثَّوري، والثاني: مالكُ بن أنس، والثالثُ: الشافعي، والرابع: أحمدُ بن حنبل.
وحكى الحافظُ ابنُ عساكر عن حفصِ (٣) بن عبد الله قال: رأيت أبا زُرعة في المنام وهو في السَّماء يصلِّي بالملائكة، فقلت له: بِمَ نلتَ هذا؟ فقال: كتبتُ بيدي ألفَ ألفِ حديث، في كلِّ حديث إذا ذكرتُ النبيَّ ﷺ أصلِّي عليه، وقد قال ﷺ : "من صلَّى عليَّ مرَّةً صلَّى الله عليه بها عشرًا" (٤).
أسند أبو زُرعة عن (٥) خلقٍ كثير، منهم (٦): الإمام أحمدُ بن حنبل رحمة الله عليه، والفضلُ بن دُكين، والقَعْنَبيُّ، والطَّيالسيُّ، وأبو سَلَمة، والبخاريُّ، ويحيى بنُ بُكَير المصريُّ وغيرهم، وروى عنه: أبو زُرعة الدمشقيُّ، ومسلمُ بنُ الحجَّاج، وأبو حاتم الرَّازيُّ، وعبدُ الله بنُ أحمد وغيرهم (٧).
ودخل أبو زُرعة على الإمام أحمد، فحدَّثه أحمدُ عن عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن
стр. 7296
منصور، عن سالم، عن جابر: أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا سجدَ جافى جنبيه (١)، ومَجْمَجَ (٢) أحمدُ عليه في الإسناد، فقال أبو زُرعة: في أيِّ خبرُ هذا الحديث؟ فقال الإمام أحمد: أخاف أن يكون فيه غلط، فقال أبو زُرعة: حدثنا محمَّد بن إسماعيل البخاريُّ، عن رضوان البخاريِّ، عن الفضيل بن عياض، عن منصور، عن سالم، عن جابر: أن رسول الله ﷺ كان إذا سجد جافى بين جنبيه. فقال الإمام أحمد ﵀: هاتِ القلم، وكتب: صحّ صحّ صحّ، ثلاثَ مرَّات (٣).
* * *
стр. 7297
السنة الخامسة والستون بعد المئتين
فيها خرج ابن طولون من مصرَ إلى الشام في المحرَّم، فحصر سيما الطَّويل بأنطاكية، ولم يزلْ مقيمًا عليها [حتى افتتحها] (١)، وقَتَل سيما.
وفيها في المحرَّم لحق محمد المولَّد (٢) بيعقوب بنِ اللَّيث، وصار من خواصِّه، فأمر المعتمد بقَبْض أمواله.
وفيها أمر أبو أحمد الموفَّق بحبس سليمانَ بنِ وهب وابنِه عُبيد (٣)، فحُبسا، وقَبضَ أموالهما وعقارَهما، ثمَّ صُولحا على تسعِ مئةِ ألف دينار.
وفيها استوزر إسماعيل بن بُلْبُل، ومات يعقوب بنُ اللَّيث بالأهواز، وخلفه أخوه عمرو بنُ اللَّيث، وكتب إلى المعتمد بأنَّه سامع مطيع.
وفيها بعث ملك الرُّوم بعبد الله بنِ رُشيد بن كاوس الذي كان عاملَ الثُّغور إلى أحمد بنِ طولون مع عدَّة أسارى [ومصاحف] كان أحدُها مع أهل أَذَنَة، فبعث بذلك إلى أحمد هَديَّة (٤).
وفيها وصلت الزَّنج إلى جَبُّل، فأخذوا سُفُنًا فيها طعام.
وفيها لحق العبَّاسُ [بنُ] أحمدَ بن طولون ببَرْقة مخالفًا لأبيه، وكان أبوه قد استخلفه على مصر لمَّا توجَّه إلى سيما محاصرًا بأنطاكية، وحمل معه -العبَّاسُ- ما في بيت مال مصرَ من الأموال، وما كان لأبيه من الأثاث وغيرِ ذلك، ثمَّ مضى إلى بَرْقة، فوجَّه أبوه أحمد خلْفه جيشًا، فظفروا به، فردُّوه إلى أبيه، فحبسه، وقتل جماعةً من القوَّاد الذين كانوا مع ابنه، وكانوا قد تركهم في خدمة العبَّاس، [فأشاروا عليه] بالعصيان (٥)، فعصى وأخذ العساكر والأموال وتوجَّه نحو بَرْقة إلى إفريقية، فوصل إلى لَبْدة، فخرج
стр. 7298
إليه عاملُها وأهلُها، وتلقوه بالإكرام، فأمر العبَّاس بنهْبِهم على غِرَّة، فنُهبوا، وقتل رجالَهم وسبى نساءَهم، وبلغ ذلك إلياسَ بنَ منصور النَّفُوسيَّ رأسَ الإباضيَّة -وهو يومئذ بجبل نَفوسة- فسار إلى العبَّاس في اثني عشر ألفًا، وبعث إبراهيم بنُ أحمد بنِ الأغلب العجليُّ صاحبُ إفريقية جيشًا كثيفًا مع غلامٍ له، فأطبق الجيشان على العبَّاس، فباشر الحربَ بنفسه، فقُتلت صناديدُه، ونُهبت أموالُه، فعاد إلى بَرْقة، فبعث إليه أبوه جيشًا، فهرب أصحابُه، وأسروه، وحملوه إلى أبيه مقيَّدًا، فحبسه، وقتل مَنْ بقي معه من الَّذين أشاروا عليه بالعِصيان (١).
وفيها (٢) دخل الزَّنج النُّعمانية، فأحرقوا أسواقَها وأكثرَ منازل أهلها، وقتلوا وسبَوا، ووصلوا إلى جَرْجَرايا، فانهزم أهلُ السَّواد، ودخلوا إلى بغداد، وعاد الزنج إلى مواضعهم.
وفيها ولَّى أبو أحمد الموفَّقُ عمرَو بنَ الليث خُراسان، وكِرْمان، وفارس، وأَصبهان، وسِجِسْتان، والسِّند، وأشهد عليه الشُّهودَ بذلك، وبعث بعهده مع أحمدَ بنِ أبي الأصْبَغ، وبعث معه بالخِلَع.
وحجَّ بالنَّاس هارون بن محمَّد بنِ إسحاق بن موسى بن عيسى الهاشميُّ (٣).
[فصل] وفيها توفي
إبراهيمُ بنُ هانئ
أبو إسحاق النَّيسابوريُّ، رحل في طلب العلم إلى العراق والشَّام ومصرَ والحجاز، ثمَّ استوطن بغدادَ.
[قال الخطيب:] واختفى أحمدُ [بن حنبل] في داره أيَّام المحنة، وكان [أحمد] يُثني عليه ويقول: أبو إسحاق أقوى منِّي على العبادة، إنِّي لا أُطيق ما يُطيق، وإنَّ [أبا إسحاق من الأبدال، وفي رواية: إنْ] كان ببغدادَ أحدٌ من الأبدال فإبراهيم (٤).
стр. 7299
[وروى الخطيب عن أبي بكر النَّيسابوريِّ قال:] لما احتُضر أبو إسحاق قال لابنه: أنا عطشان، فجاءه بماء، فقال: يا بُني، غابت الشمس؟ قال: لا، قال: فردَّه، ثمَّ قال: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾ [الصافات: ٦١]. ثمَّ خرجتْ روحُه، وذلك في ربيع الآخر من هذه السَّنة، وفي رواية: فقال له ابنُه: قد رُخِّص لك في الإفطار وأنت متطوِّع. فقرأ الآية ومات.
سمع خَلْقًا كثيرًا منهم: أحمد بن حنبل ببغداد، وأبا اليَمان، وقَبيصة، ومحمدَ بن بكَّار، وأبا نُعيم الفضلَ بن دُكَين، وعفَّانَ بن مسلم وغيرهم. وأجمعوا على صدقِه، وثقتِه، ودينه، وعبادتِه (١).
سَعْدَان (٢) بن نَصْر
ابن منصور، أبو عثمان، الثَّقفيُّ، البزَّاز، واسمه سعيد، ولد سنةَ اثنتين وسبعين ومئة، رحل في طلب العِلم، وسمع الشُّيوخ، وتوفِّي في ذِي الحجَّة وقد جاوز تسعين سنةً.
سمع سفيانَ بنَ عُيينة وغيرَه، وروى عنه ابنُ أبي الدُّنيا وغيرُه.
وكان شاعرًا، فمن شعره: [من السريع]
أيا غريمَ الموتِ يا ابْنَ (٣) الخُطى … أنتَ بأنفاسك مَلْزومُ
يا مُغْفِلَ الموتِ تناسيتَهُ … حتَّى كأنَّ الموتَ مكتومُ
قد ماتَ مَنْ كانت له فارسٌ … حينًا ومَنْ كانت له الرُّومُ
وكان ثقة (٤).
صالح ابن الإمام أحمدَ
ابن محمد بن حَنْبل، أبو الفَضْل، الشَّيباني، ولد سنةَ ثلاثٍ ومئتين في ربيع الآخر، ولي القضاءَ بأصبهان، فلمَّا دخلها بدأ بالجامع، فصلَّى ركعتين، فاجتمع النَّاس
стр. 7300
والشُّيوخ، فقرأ عهدَه عليهم وهو يبكي، فبكَوا وقالوا: والله كلُّنا نحبُّ أبا عبد الله، فازداد بكاؤه وقال: وددتُ أبي أن يراني في مثل هذه الحالة، وكان عليه ثيابٌ سواد وقال: كان أبي إذا جاءه رجلٌ مُتَقَشِّفٌ يبعثُ خلفي لأنظرَ إليه؛ يُحبُّ أن أكون مثلَه، وكان إذا انصرف مجلسُ الحُكْم يخلعُ سَوادَه ويقول: ترى أموتُ على هذا؟ والله ما دخلتُ فيه إلا لِدَين رَكِبَني، وعجزتُ عن وفائه مع كثرة العيال.
وقال الخطيب (١): قدم دمشقَ، وحدَّث بها، وولي القضاءَ بطَرَسوس، ثمَّ قدم إلى بغداد، وكان يجلس للفقه وعلى رأسه طويلةُ (٢)، فجاءت عجوزٌ فوقفت عليه وقالت: أعرف أباك وهو يخرج من بيته ولا شيءَ على رأسه، ما رفعه الله بهذه الطَّويلة، وإنَّما رفعه من فَوق.
سمع أباه الإمامَ أحمد، وعفَّانَ بنَ مسلم، وابنَ المديني وغيرَهم، وروى عنه ابنُه زهير، والبغويُّ، والحسنُ بن حبيب وغيرُهم.
وتوفِّي بأصبَهان في رمضان سنةَ خمسٍ وستين ومئتين، وقيل: سنةَ ستٍّ، أو ثلاثٍ أو أربعٍ وستِّين، وله ثلاثٌ وستون سنة، ودُفن ببابِ بيرة، وكان صدوقًا، كريمًا، جوادًا، صالحًا، كما سُمِّي (٣).
عبد الله بن محمد بن أيوب
أبو محمد، المُخَرِّمي، الزاهدُ، الورعُ.
قال محمد بن محمد بن سليمان الباغَنْدي: كنتُ بسُرَّ مَن رأى، وكان عبد الله المُخَرِّمي يَقْرب إليَّ، وكان مُقيمًا ببغداد، فخرج توقيعُ الخليفة بتَقْليده القضاء، فانحدَرْتُ في الحال إلى بغداد، فطرقتُ الباب عليه فخرج، فقلت له: البُشرى. فقال: بشَّرك الله بخير، وما هو؟ قلت: خرج توقيعُ الخليفة بتقليدكَ القضاءَ لأحد البَلَدَين؛ إمَّا بغداد وإمَّا سُرَّ مَن رأى. فأطبق الباب، وقال: بشَّرك الله بالنَّار، وجاء أصحابُ السُّلطان، فلم يَظهر لهم، فانصرفوا.
стр. 7301
وتوفِّي في جمادى الأولى (١) وقد جاوز السبعين.
سمع سفيان بن عُيينة وغيره، وروى عنه أبو حاتم الرَّازي وغيره، وكان ثقة.
[وفيها توفي]
عليُّ بن المُوَفَّق
[أبو الحسن] العابد، صاحبُ (٢) الكرامات والمقامات.
حكى الخطيبُ بإسناده عن محمد بن أحمد المهتدي (٣) قال: سمعت عليَّ بن الموفَّق يقول: أضَقْتُ إضاقةً شديدة، فخرجتُ يومًا لأؤذِّن، فأصبتُ قرطاسًا فيه مكتوب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، يا عليَّ بن الموفَّق، تخشى الفقرَ وأنا ربُّك.
قال: وسمعتُه يقول ما لا أُحصيه: اللَّهمَّ إن كنتَ تعلم أنِّي أعبدكَ خوفًا من نارِكَ فعذِّبْني بها، وإن كنتَ تعلم أنِّي أعبدكَ حُبًّا لجنَّتك وشوقًا إليها فاحْرِمْنيها، وإن كنتَ تعلم أنَّما أعبدكَ حبًّا منِّي لك، وشوقًا إلى وجهِكَ الكريم، فأبحْنيه وافعلْ بي ما شئتَ.
وحكى الخطيب عنه أنَّه قال (٤): لمَّا تمَّ لي ستُّون حجَّة خرجتُ من الطَّواف، وجلستُ حِذاءَ المِيزاب، وجعلتُ أفكِّر لا أدري ما حالي عند الله، وقد كثُر تردُّدي إلى هذا المكان، فغَلَبتْني عيناي [فنمتُ]، فكأنَّ قائلًا يقول: يا عليّ، أتدعو إلى بيتك إلَّا من تحبُّه؟ فانتبهتُ وقد سرِّي عنِّي ما كنتُ فيه.
و [في رواية عنه أنَّه] قال: كنتُ في الموقف، فسمعتُ ضجيجَ النَّاس، فقلت: اللَّهمَّ إن كان في هؤلاء مَن لم يُقبل حجُّه فقد وهبتُ حجَّتي له، [قال:] ونمت، فرأيت ربَّ العزَّة سبحانه في المنام وهو يقول: يا عليّ، يا ابنَ الموفّق، أتتسخَّى عليَّ وأنا الملكُ،
стр. 7302
قد غفرتُ لأهل الموقف، وشفَّعتُ كلَّ واحد منهم في أهل بيته وذرَّيته وعشيرته (١).
وقال [الخطيب (٢) بإسناده إلى] أبي العبَّاس محمَّدِ بنِ إسحاق الثقفيِّ: سمعتُ ابنَ الموفَّق يقول: حَجَجْتُ على قدمي ستِّين حجَّة، منها عن رسول الله ﷺ [ثلاثين حجَّة، قال أبو العبَّاس الثقفيُّ: فاقتديت بابن الموفَّق، فحججتُ عن النبي ﷺ ] سبع حِجَج، وضحَّيتُ عنه مئةً وسبعين أضحية، وقرأتُ القرآن عنه اثنتي عشرة مرَّةً، وجعلتُ أعمالي كلَّها له.
[قلت: رسولُ الله ﷺ مستغن عنهما، فلو جعلاه لأنفسهما لكان أولى.]
[وقال أبو الحسين بن المنادي:] مات عليُّ بن الموفق ﵀ ببغداد [سنة خمسٍ وستين ومئتين،] ولما خرجوا بجنازته رأى الفَتْحُ بن شَخْرف الأُزُر تُطرح على تابوته فقال: ما أحسن هذه المُزاحَمات لو كانت على الأعمال.
[وحكى الخطيب عن] أحمدَ بن عبد الله الحفَّار (٣) [قال:] رأيتُ الإمام أحمدَ بن حنبل رحمة الله عليه في المنام، فقلت: ما فعل الله بكَ؟ فقال: حَبَاني وأعطاني، وقرَّبني إليه وأدناني، قلت: فما فعل عليُّ بنُ الموفَّق؟ قال: السَّاعة تركتُه في زَلّال وهو يريد العَرْش (٤).
حدَّث [عليُّ بنُ الموفَّق] عن منصور بن عمَّار، [وأحمدَ بن أبي الحَواري] وغيرهما، وروى عنه أحمدُ بن مسروق الطُّوسيُّ وغيرُه، واتَّفقوا على صدقه وثقتِه وفَضْله ﵁.
[وأخرج له الخطيب حديثًا عن يعلى بن مُنْية، أنَّ النبي ﷺ قال: "إنَّ النار لَتقول يوم القيامة: جُزْ يا مؤمن، فقد أطفأ (نورُك لهبي) (٥) ". انتهت ترجمة ابن الموفَّق، والحمد لله وحده.]
стр. 7303
[وفيها توفي]
عمرو بن مُسلم (١)
أبو حَفْص، الزَّاهد، النَّيسابوريُّ، كان من الأبدال، مُجابَ الدعوة، [ذكره أبو عبد الله الحاكم في "تاريخ نيسابور"، وأثنى عليه، وذكر له حكايةً فقال: سمعتُ أبا الحسن بن إسحاق المزكي يقول: سمعت جعفر الخير يقول: سمعت أبا عثمان سعيدَ بن إسماعيل [يقول:] قال أبو حفص: اذهب فاقترضْ لي من بعض إخواننا ألفَ درهم إلى شهر، [قال:] فاقترضتُها وحملتها (٢) إليه، فوضع لعياله منها قوتَ سنة، ثمَّ خرج إلى الحجِّ، [قال:] فتحيَّرتُ في أمري، وجعلتُ أعدُّ الأيام وأقول: قد قرُب الأجل، فمِنْ أين أؤدِّي هذه الألف وهو غائب، [قال:] فلمَّا كان اليوم التَّاسعُ والعشرون خرجتُ لصلاة الصُّبح، فرأيت السِّكَّة من أوَّلها إلى آخرها جُوالقات (٣) مطروحةٌ، والحمَّالون عليها قُعود، فقلت في نفسي: تُرى لمن هذه؟ وإذا بحمَّال يقول لي: بعْ هذه الحِنطةَ واقضِ بها دينَ فلان. [قال:] فبعتها بألف درهم، وقضيت دَين أبي حفص (٤)، فلمَّا جاء من الحجِّ لقيتُه، فقال لي في أوَّل كلمة: لِمَ شَغَلتَ فكرك شهرًا؟ هلَّا وثقتَ بربِّك.
وقال أبو عثمان: دخلت معه على مريضٍ، فقال المريض: آه، فقال أبو حفص: ممَّن؟ فسكت، فقال: مع مَنْ؟.
وكانت وفاتُه ليلةَ الجمعة لاثنتي عشرةَ ليلة خلتْ من ربيعٍ الأوَّل، وقيل: توفِّي في سنة أربع وستين، أو سبع وستين، أو سبعين ومئتين، والأوَّل أصحّ (٥).
[وفيها توفي]
стр. 7304
يعقوب بن اللَّيث [الصَّفَّار]
الخارجيُّ المتغلِّب على سِجستان، وطَبَرِسْتان، وخُراسان، وفارس وغيرها، وكان قد طغى وبغى، وتجبَّر وتكبَّر، وقصد المعتمد ليَحكم عليه، فالتقاه أبو أحمد الموفَّق، فكسره فانهزم، وقد ذكرناه.
وكانت وفاتُه بالأهواز، وحُمل تابوته إلى جُنْدَيسابور، وخلَّف في بيت ماله مئة ألف ألف دينار، وخمسين ألف ألف درهم، وكتب على قبره: [هذا قبر] يعقوب المسكين، وتحته هذين البيتين: [من البسيط]
أحسنْتَ ظنَّكَ بالأيَّام إذ حسُنَتْ … ولم تَخَفْ سُوءَ ما يأتي به القَدَرُ
وسالمتْكَ اللَّيالي فاغْتَررْتَ بها … وعند صَفْو اللَّيالي يحدُث الكَدَرُ (١)
[فولَّى أبو أحمد الموفَّقُ أخاه عمرَو بنَ اللَّيث ما كان إلى أخيه، وقد ذكرناه، والله أعلم.]
* * *
стр. 7305
السنة السادسة والستون بعد المئتين (١)
فيها كتب عمرو بن الليث [صاحب خُراسان] إلى عبيد (٢) الله بنِ عبد الله بنِ طاهر بأن يكون نائبَه على الشرطة ببغداد (٣)، وكان في عهد عمرو بن الليث ذلك، وبعث إليه [عمرو] بخِلعة وعمودٍ من ذهب، وخلع الموفقُ أيضًا على عبيد الله.
وفيها وصلت سرايا الرُّوم إلى ديار ربيعة، فقتلتْ جماعةً من المسلمين، وهرب أهلُ الجزيرة والموصل.
ومات في المحرَّم سليمانُ بنُ عبد الله بنِ طاهر، وكان على شرطة بغداد.
ومات أبو السَّاج بجُنْدَيسابور في ربيع الأوَّل.
وولَّى عمرو بنُ اللَّيث أحمدَ بن عبد العزيز [بن] أبي دُلَف أصبهان.
وولَّى الموفَّق محمدَ بن أبي السَّاج الحرمين وطريقَ مكة.
وفيها دخل عليُّ بن أبان مُقَدَّم الزَّنج الأهوازَ، فقاتله أغرتمش التركيُّ، وجرى بينهم قتال شديد، فهزمه عليُّ بن أبان ووجَّه بالرؤوس إلى الخبيث، فنصبها على سور مدينته، وكانت الحربُ بين عليِّ بن أبان وأغرتمش سِجالًا، وابنُ أبان يَظهر في كلِّ مرَّة عليه.
وفي شوَّال قتل أهلُ حمص عاملَهم الكرخيَّ.
وفيها دعا الحسن بنُ محمد بنِ جعفر بنِ عبد الله بنِ حسين (٤) الأصغر أهلَ طَبَرِسْتان إلى نفسه، وكان أحمدُ بن عبد الله الخُجُسْتانيُّ قد خرج على الحسن بن زيد، فاستحلف الحسن بن محمد أنَّ الحسنَ بنَ زيد قُتِل، فحاربه الحسنُ بنُ محمد، فاحتال له الحسنُ
стр. 7306
ابن زيد حتَّى ظفر به فقتله (١).
وفيها حارب الخُجُستانيُّ عمرَو بن اللَّيث، فظهر على عمرو، فهزمه ودخل نيسابور، فأخرج عاملَ عمرو منها، وقتل جماعةً ممَّن كان يميل إلى عمرو.
وفيها كانت وقعةٌ بالمدينة ونواحيها بين الجَعافِرَة والعلويِّين، وسببُها: أنَّ العاملَ على المدينة ووادي القُرى ونواحيها إسحاقُ بنُ محمد بنِ يوسف الجَعْفَريّ، فولَّى وادي القُرى عاملًا من جهته، فوثب أهلُ الوادي على الغُلام فقتلوه، وقتلوا أخوين لإسحاق، فخرج إسحاقُ لوادي القرى ليقاتِلَهم، فمرض ومات، فقام بأمر المدينة أخوه موسى بنُ محمد، فخرج عليه الحسنُ بن موسى بن جعفر، فأرضاه بثمان مئة دينار، ثمَّ خرج عليه أبو القاسم أحمدُ بنُ محمد بنِ إسماعيل بنِ الحسين (٢) بن زيد، [ابنُ] عمِّ الحسن بن زيد صاحب طَبَرِسْتان، فقتل موسى، وغلب على المدينة فضَبَطها، وكان قد غلا بها السِّعر، فرفع الجبايةَ عنهم، وجلب الغلَّة، فرخصت المدينةُ، وسكنت الفتنةُ، فأقام بها إلى أن قدم إليها ابنُ أبي السَّاج.
وفيها وثب الأعرابُ على كسوة الكعبة (٣)، فانتهبوها، وصار بعضُها إلى صاحب الزنج، وأصاب الحاجَّ شدَّةٌ شديدة.
وفيها دخل إسحاقُ بن كنداج [نَصِيبين]، فاستنجد عليه إسحاقُ بن أيوب عيسى (٤) ابنَ الشَّيخ صاحبَ آمِد، فأنجده، فظهر على ابن كنداج، وبعث المعتمدُ إلى ابن كنداج بخِلَع ولواء، وولَّاه الموصلَ وديارَ ربيعة وأرمينيةَ، فبعثوا يطلبون الصُّلح وبذلوا مالًا.
وفيها وافى محمَّدُ بن أبي السَّاج مكَّةَ وبها المخزوميُّ (٥)، فحاربه، فهزمه ابنُ أبي
стр. 7307
السَّاج، واستباح ماله، وذلك يوم التَّروية.
وفيها دخل أصحاب قائد الزَّنج رامَهُرْمُز، فاستباحوها.
وفيها كانت لأكراد الدَّاربان (١) وقعةٌ مع الزَّنج عظيمة، ظهر الزَّنج على الأكراد في أوَّلها، وكان قائدَ الزَّنج عليُّ بنُ أبان، وكان الأكراد بمكان يقال له: الدَّاربان قريبًا من رامَهُرْمُز، وكان ابن أبان لمَّا دخل رامَهُرْمُز صالحه محمَّد بن عبيد الله بن أزامَرْد (٢) على ثمانين ألف درهم؛ على أن يكفَّ عنه، وأن يكونَ عند عليِّ بن أبان عسكر من محمَّد، فأجابه، فلمَّا قصد ابنُ أبان الأكرادَ طلب من محمَّد جندًا، فبعث له، فلمَّا قصد ابن أبان الأكراد خذله أصحابُ محمَّد، فانهزم الزَّنج، وعمل فيهم السَّيف فقُتِل أكثرُهم.
وكتب الخبيث إلى محمَّد يقول: قد علمت أنَّ الذي جرى على أصحابي إنَّما كنتَ سبَبَه، وتهدَّده، فخاف محمَّد منه، فبعث إليه بخيل وعدَّة، وكتب يعتذر ويتضرَّع للخبيث، وكاتب أصحابَ الخبيث وأهدى لهم؛ مثل: عليٍّ بن أبان وبَهْبُوذ والكِرْماني وغيرهم، فكلَّموا الخبيث فيه فقال: لا أرضى عنه حتَّى يخطب لي على منابرِ أعماله، فكتبوا إليه فطاولهم، وكان مقيمًا بمكانٍ يقال له: مَتُّوث، من كُوَر الأهواز، فقصده عليُّ بن أبان ومعه المجانيق والسَّلالم.
وكان أبو أحمد قد قدَّم في مقدمته إلى الزَّنجي مَسْرورًا البَلْخيَّ، فصار يقصد الأهواز، ولم يعلم بحصار الخبيث وعليِّ بن أبان محمدٌ، فوافاهم وهم يقاتلون، فلمَّا رأوا أوائل خيلِ مَسْرور انهزم عليُّ بن أبان أقبح هزيمة، وترك ما كان معه من الآلات، فقتل منهم مسرورٌ جمعًا كثيرًا وأسر، وبعث بالرؤوس إلى الموفَّق، وشاعت الأخبار بوصول الموفَّق إلى قتال الزَّنج، فطابت قلوب الناس واطمأنُّوا، وقيل: إنَّما شاعت الأخبار بوصول المعتمد.
وحجَّ بالنَّاس هارون بن محمد الذي حجَّ بهم في السَّنة الماضية (٣).
стр. 7308
وفيها توفي
إبراهيم بن أُوْرمة
ابن سياوش بن فَرُّوخ أبو إسحاق، الأصبهانيُّ.
سكن بغداد، وكان يُشَبَّه بالإمام أحمدَ بنِ حنبل، وابنِ معين، وابن المديني وطبقتِهم، وكان حافظًا، مُتقنًا، ثَبْتًا، ثقة، توفِّي يوم السبت لأربعٍ خلَون من ذي الحجَّة، وله خمس وخمسون سنة، والله أعلم (١).
* * *
стр. 7309
السَّنة السَّابعة والستُّون بعد المئتين
فيها دخل الزَّنج واسِطًا، فقتلوا وأحرقوا، وبلغ الخبرَ الموفَّقُ وهو ببغداد، فجهَّز ابنَه أبا العبَّاس إلى الزَّنج في عشرة آلاف فارس في أحسن زيِّ وأكمل عُدَّة، ومن الرَّجَّالة ما لا يُحصى، ومعهم المعابرُ والسُّفن قد أُحكمت، فرحل أبو العبَّاس فنزل المدائن، وشيَّعه أبوه، ثمَّ رحل فنزل دَيرَ العاقُول، وكان قد قدَّم في السُّميريَّات والشَّذا نُصيرًا -المعروف بأبي حمزة- بين يديه، وأمره أن يكشف خبر قائد الزَّنج هو وسليمان بن جامع، وكان قد وافى في خيل ورجَّالة وسُميريات، وكذا الجبَّائي (١) وسليمان بن موسى، وأنَّهم قد أخذوا المضايق، ثمَّ عادوا فاجتمعوا، ونزل أوَّلهم بفم الصِّلْح وآخرُهم ببستان موسى بن بُغا أسفلَ واسِط.
فأرسل أبو العبَّاس طائفةً من عسكره، وتأخَّر بفم الصِّلْح، ثمَّ التقَوْا في الظَّهْر والسُّفُن، واقتتلوا، فمنح الله أبا العبَّاس أكتافَهم، فانهزموا لا يَلْوُون على شيء؛ وأبو العبَّاس في أكتافهم، حتَّى أدرك آخرَهم بقرية عبد الله، وهي ستَّة فراسخ كثيرًا (٢)، وكان ذلك أوَّلَ الفتح.
وأشار أصحاب أبي العبَّاس عليه بأن يعسكر بالصِّلْح؛ المكانِ الذي كانت الوَقْعة فيه، إشفاقًا عليه من الزَّنج، فقال: ما أنزل إلا واسِطًا، فنزلها.
واجتمع أصحاب الخبيث: سليمانُ بن موسى الشَّعرانيُّ، وعليُّ بن أبان، وسليمانُ بن جامع، وأداروا الرّأي، وقالوا: هذا فتًى حَدَثٌ، لم يُمارِس الحرب، والرَّأيُ أن نرميه بحدِّنا وحديدنا في أوَّل مرَّة؛ فلعلَّه أن يَرتدعَ فيرحلَ إلى موضع جاء منه، أو نَظفر به، فاجتمعوا وحشدوا.
ودخل أبو العبّاس واسطًا في أحسن زيٍّ، واستأمن إليه خلقٌ كثير، ثمَّ انحدر إلى العُمْر (٣) -وهو على فرسخ من واسط- فأقام به، ورتَّب غلمانه في السّفن يراوحونهم
стр. 7310
القتال ويغادونهم.
واستعدَّ سليمان بنُ موسى الشَّعراني للقاء أبي العبَّاس، وفرَّق أصحابه ثلاثَ فرق في ثلاث نواحٍ، وجاؤوا بحدِّهم وحديدهم وفارِسِهم وراجِلِهم، فلقيهم أبو العبَّاس، فانهزموا وتفرَّقوا في كل موطن، ثمَّ ورد الخبر على أبي العبَّاس بأنَّهم على عزم كَبْس عسكرِه، وأنهم قد أقاموا كمينًا فيه عشرةُ آلاف، وساروا في السفن والبَرِّ، والتقاهم أبو العبَّاس، فمنحه الله أكتافهم، وانهزم سليمان والجبَّائي وحدهما راجِلَين، وغنم أبو العبَّاس الجميع، وكان سليمان قد حفر حفائرَ وجعل فيها سَفافِيد (١) الحديد قيامًا، وغشَّاها بالبَواري (٢) ليتهوَّر فيها الفرسان، وعلم أبو العبَّاس فاحترز.
ثمَّ كتب سليمان إلى صاحب الزَّنج يستمدُّه، فأمدَّه بأربعين سُميريَّة فيها أربعون مجذافًا (٣)، وفيها الرِّجال والعُدَد والسِّلاح، فأقاموا شهرين يقاتلونهم، فرتَّب أبو العباس أصحابَه وخواصَّه في السُّميريات، ونزل هو في سُميرية، والتقَوا، فقذف الله الرُّعب في قلوب الزَّنج فانهزموا، وأخذ منهم ثلاثين سُمَيرية، وانهزم الجبَّائيُّ في ثلاث سُمَيْريات، ورمى أبو العبَّاس بقوس حتَّى دَمِيت أصبعه، وانهزم الزَّنْج، وعاد أبو العبَّاس إلى معسكره، وخلع على أصحابه وقوَّاده الخِلَع والأطواق والأساور، وأمر أن تُصلَح السُّمَيريات المأخوذة من الزَّنج.
وأما قوَّاد الزَّنج فإنَّ سليمان بنَ جامع تحصَّن وعسْكَرَه في مكان يقال له: طَهيثا (٤)،
وتحصَّن الشعرانيُّ بمكانٍ يقال له: سوق الخميس، وجعلوا يخرِّبون ويحرِّقون ويحملون المِيرة والغلَّات، وواقعهم أصحابُ أبي العباس، وأخذوا جميعَ ما كان معهم قد حمل إليهم من الغلَّة والمِيرة، وقصد مكانًا يقال له: الصينيَّة، وكان بها منهم جمع كثير فغنمهم، وعاد إلى عسكره، فاستنقذ أبو العبَّاس يومئذٍ من النِّساء اللَّواتي كنَّ في أيدي الزَّنج خَلْقًا كثيرًا، فردَّهن إلى أهليهنَّ، وغنم ما جمع الزَّنج، ثمَّ عزم على
стр. 7311
دخول مكانٍ يقال له: سوقُ الخميس فيه قوَّاد الزَّنج، فقال له أصحابه: نحن نسير إليه عوضكَ. فقال: لا بدَّ لي من ذلك، قالوا: فلا تُكثر العدد في السُّميريات، فسار في خمس عشرة سُميرية، وقدَّم أصحابه بين يديه في السُّميريات.
وكان سليمان بن موسى الشَّعراني قائد الخبيث قد بنى مدينةً بسوق الخميس وسمَّاها المَنيعَة، وبَثَق حولها الأنهار، ووعَّر طريقها، فجاء أبو العبَّاس فأخذ فوهة النَّهر الذي يصل إليها، وخرج إليه خلقٌ كثير من الزَّنج فقاتلوه، وحالوا بينهم وبين المنيعَة وسورِها مقدارَ فرسخين، وكان قد قدَّم بين يديه نُصيرًا القائد، فخالفه في بعض الأنهار والبُثوق، ومضى نُصير فوقع بمدينة الزَّنج فقاتلهم، وأسر منهم جماعةً.
وصاح الزَّنج بأبي العبَّاس: قد أسَرْنا نُصيرًا، فضاق صدرُه، وإذا بنُصير قد وافاه بالأسارى والغنيمة على فوهة النَّهر، فسُرَّ به، ثمَّ وقع القتال، وقاتل أبو العبَّاس قتالًا شديدًا والزَّنج يرمونه من السُّفن والبَرِّ بالنُّشَّاب والآجرّ، فنُزِع من دِرعه خمسٌ وعشرون نُشَّابة، ومن لُبَّادٍ كان عليه أربعون نشّابة، ونصره الله عليهم، فانهزموا، فغنم سفنَهم وسلاحَهم.
ورجع أبو العبَّاس إلى معسكره بالعُمر (١) سالمًا غانمًا، وخلع على الملَّاحين ووصلهم، وأخذ سُمَيريَّات الزَّنج مشحونة بالسِّلاح، فكان من غرق مَن الزنج أكثرَ ممن قُتل وأُسر، وكتب إلى أبيه الموفَّق بالفتح، ويخبره بما جرى، ويُطمعه في الزَّنج.
وكان الخبيث قد أمر قوَّاده بالاجتماع على حرب العبَّاس، فسار الموفق من بغداد بجيوشه والسُّفن والمعابر والشَّذا والسُّميريات في هيئةٍ لم يُرَ مثلُها إلى واسِط، فتلقَّاه ولدُه أبو العبَّاس في وجوه قوّاده وجنده، فوصف له بلادَهم ونصحهم، فخلع عليهم وأحسنَ إليهم، فسار ونزل عند عسكر ابنه بالعُمْر، ثمَّ رحل فنزل قريةَ عبد الله، ثمَّ قدَّم بين يديه ولدَه أبا العبَّاس إلى المدينة التي سمَّاها صاحبُ الزَّنج المنيعة من سوق الخميس، فقيل لأبي أحمد: ابدأ بمدينة الشَّعراني ولا تجعلها خلفك، فبدأ بها، وهجمها أبو العبَّاس، فقتل من الزَّنج خلقًا كثيرًا، واستولى على ما كان فيها، وهرب
стр. 7312
الشَّعراني، وتبعهم أصحابُ أبي العبَّاس في السميريات إلى البطائح فقتلوهم، وغرق منهم أكثرُ مما قتل.
واستنقذوا من المسلمات زُهاء خمسة آلاف، فبعث بهنَّ أبو أحمد إلى واسط، وأمر بتسليمهنَّ إلى أهاليهنَّ، وهدم المدينةَ، وطمَّ خنادقَها، وأحرق جماعةً من الزَّنج كانوا بها، ثم نازل مدينة الشَّعراني فدخلها، وانهزم الشَّعرانى في نَفَرٍ يسير، وسلب ولده، وماله، وأهلَه، ووصل إلى المذَار، وكتب إلى الخبيث بخبره، فتردَّد الخبيث إلى الخلاء مرارًا في ساعة، ورجف فؤادُه، وتقطَّع كبده، وأيقن بالهلاك.
ثمَّ إن الموفَّق سأل عن أصحاب الخبيث فقالوا: معظمهم مع سليمان بنِ جامع في مدينة يقال لها: طَهيثا، فسار الموفَّق إليها في ربيع الآخر، وزحف عليها بجنوده، فتلقَّاه سليمانُ بن جامع وأحمدُ بنُ مهدي الجبَّائي في جموع الزَّنج، ورتَّبوا كمينًا في مواضعَ شتَّى، ونشبت الحرب، فرمى أبو العبَّاس أحمدَ بنَ مهديٍّ الجبَّائي بسهم في إحدى منخريه (١)، فخرقه ووصل إلى دماغه، فحُمل إلى معسكره فأقام أيامًا ومات، وكان أبو العبَّاس راميًا.
ثمَّ أصبح الموفَّق يوم السبت لثلاثٍ بقين من ربيعٍ الآخر، فعبَّأ أصحابه، وجعلهم كتائبَ يتلو بعضُها بعضًا فُرسانًا ورجَّالة، وأمر بالسُّميريات والسُّفن أن يشقَّ بها في النَّهر الذي يأخذ إلى مدينة طَهيثا؛ ويُعرف بنهر المنذر، وسار هو نحو الزَّنج حتَّى انتهى إلى سور المدينة، فرتَّب قوَّاده في الأماكن التي يُخاف خروجُ الزَّنج منها، وقدَّم الرجَّالة أمام الفرسان، ونزل فصلَّى أربعَ ركعات، وابتهل إلى الله تعالى في الدُّعاء، وسأله النَّصر، ثمَّ لبس سلاحَه، وأمر ابنَه أبا العباس بالتقدُّم إلى المدينة ففعل.
وكان سليمانُ بنُ جامع قد أعدَّ أمام سور مدينتِه التي سمَّاها المنصورة خندقًا عريضًا، فلمَّا وصل إليه عسكرُ أبي العبَّاس هابوه، فترجَّل القوَّاد بأسرهم، واقتحموا الخندق، ودخلوا البلد فوجدوا له خمسة أسوارٍ، وراء كلِّ سور خندق، فجعلوا يقتحمون خندقًا خندقًا والقتال يعمل، وشقَّت السُّميريات النَّهر الذي يدخل البلدَ، فما
стр. 7313
كانت إلا ساعة وانهزمت الزَّنج، وعمل فيهم السَّيف، فغرق أكثرهم، وأجلوهم عن المدينة. وأفلت سليمانُ بن جامع في نفرٍ من أصحابه، واستحرَّ القتلُ في الزَّنج والأسر، واستنقذ أبو أحمد من المدينة زُهاءَ عشرة آلاف امرأة، فأمر بحملهنَّ إلى واسط، ودفعهنَّ إلى أهاليهنَّ، واحتوى على ما كان في المدينة من الأموال والذَّخائر والأطعمة والمواشي ما لا يُحدّ ولا يحصى، واستغنى عسكرُه وشبعوا، وفرَّق فيهم ذلك.
وأقام أبو أحمد في المدينة سبعةَ عشر يومًا، ثمَّ أمر بهدم سورها وطمِّ خنادِقها، وكان قد لجأ من أعيان الزَّنج جماعةٌ إلى آجام حول المدينة، فبعث أبو أحمد أصحابه، فأتوا بهم إليه، فخلع عليهم وأحسن إليهم، وقصد صَرْفهم عن الخبيث، ومَنَّ عليهم، ولم يقتلْ من الأعيان أحدًا.
ولما كان يوم الجمعة لليلةٍ خلت من جمادى الآخرة توجَّه الموفَّق إلى الأهواز ليصلحَ أمورها، ووكَّل عساكره بفوهة نهر أبي الخَصيب الذي فيه مدينة الخبيث [و] قوَّادُه، وشحنها بالسُّميريات والفرسان.
وكان المهلبيُّ مقيمًا بالأهواز في ثلاثين ألفًا من الزَّنج، فلمَّا قصدها الموفَّق انهزم المُهَلَّبيُّ وتفرَّق أصحابُه، وكان بَهْبوذ الزَّنجي مقيمًا في أطراف البلاد، فهرب إلى الخبيث، وترك أمواله، ومن الطعام والتَّمر شيئًا عظيمًا، فاحتوى عليه الموفَّق.
ولما تفرَّق عن المهلبيِّ وبَهْبوذ أصحابهما كتبوا إلى الموفَّق يسألونه الأمان؛ لِمَا انتهى إليهم [من] عَفوه عمَّن ظَفِر به من أصحاب الخبيث، فأمَّنهم، وهرب بَهْبوذ والمُهَلَّبيُّ إلى الخبيث إلى نهر أبي الخَصيب.
وأقام الموفَّق حتَّى أحرز ما ترك المهلَّبيُّ وبَهْبوذ، وفتح السُّكور التي كان الخبيث أحدثها في دِجْلة، ورحل الموفَّق من السُّوس إلى جُندَيسابور، ثم سار إلى تُسْتَر فنزلها، ثمَّ أمر عاملَ الأهواز [بإحضار مَن معه] (١) من الموالي والغِلمان والجند ليعرضَهم، وأمر بإعطاء أرزاقهم، وجُمعت أموالُ الأهواز وحملت إليه، ففرَّقها في العساكر.
стр. 7314
ثمَّ رحل إلى عسكر مُكْرَم، فجعله منزلًا، وانقطعت عنه المِيرةُ ثلاثة أيام، فساءت أحوال العسكر وكادوا يتفرَّقون، فبحث الموفَّق عن السَّبب، فقيل له: هاهنا قنطرةٌ من بناء الأكاسرة بين سوق الأهواز ورَامَهُرْمز يقال لها: قنطرة أربُك، وكان الخبيث قد قطعها، فركب أبو أحمد في ساعته، وهي على فرسخين من سوق الأهواز، وجمع العساكر والرجَّالة والسودان، فنقلوا الحجارةَ والصخور، وبذل لهم الأموال، فلم يَرِمْ من مكانه حتى أعادها إلى ما كانت عليه، فوافت القوافل وحمل النَّاس المِيرةَ، فحسُنت أحوال عسكره.
وأمر الموفَّق بجَمْع السُّفن لعقد الجسر، وجاءه ألف رجل من أصحاب المهلّبيِّ يسألونه الأمان، فأحسن إليهم، ووصلهم، وضمّهم إلى قوَّاده، وأجرى أرزاقَهم، ولما عقد الجسر على دُجَيل عَبَر عليه، وعسكر بالجانب الغربيِّ من دُجَيل بمكان يقال له: قصر المأمون.
وكان قد قدَّم ابنه أبا العباس إلى نهر المبارك من فُرات البَصرة، وكان ابنه هارون قد خلفه بواسط، فكتب إليه ليسير بجيشه إلى نهر المبارك، ليجتمع العساكر ثَمَّ، ورحل أبو أحمد عن قصر المأمون، وسار حتَّى نزل نهر المبارك يوم السَّبت منتصف رجب، وتلقَّاه ابناه أبو العباس وهارون، وبعث ابنَه أبا العبَّاس إلى نهر أبي الخَصيب لقتال الخبيث، فبعث إليه الخبيث سُميرتات وسُفنًا، فاقتتلوا، فهزمهم أبو العبَّاس، واستأمن إليه قائد من قوَّاد الزَّنج يقال له: منتاب، فأحسن إليه ووصلَه.
ولما نزل الموفَّق بنهر المبارك يريد قتال الخبيث؛ كان أوَّل ما بدأ به أن كتب إلى الخبيث كتابًا يدعوه فيه إلى التَّوبة، والإنابة إلى الله تعالى ممَّا ركب من سفْكِ الدماء، وانتهاكِ المحارم، وإخرابِ البلدان والأمصار، واستحلالِ الفروج والأموال، وانتحالِ ما لم يجعلْه الله له أهلًا من النبوَّة والرسالة، ويعطيه الأمان، [فإن هو] (١) نزع عمَّا هو عليه، ودخل في جماعة المسلمين، محا ذلك ما سلف من عظيم جرائمه، وكان له به الحظّ الجزيل، وبعث به مع رجل من أصحابه، فلم يصل الرَّسول إلى الخبيث،
стр. 7315
وأخذوا منه الكتاب، فلمَّا قرأه ما زاده ذلك إلا نفورًا وإصرارًا واستكبارًا، ورجع الرسول إلى أبي أحمد فأخبره، ويقال: إنَّه قتل الرسول.
فسار أبو أحمد في جيوشه وعُدَدِه إلى مدينة الخبيث بنهر أبي الخَصيب، فأشرف عليها -وكان قد سمَّاها المختارة- فتأمَّلها، ورأى حصانتَها وأسوارَها وخنادقَها، وما وعّر (١) من الطُّرق المؤدِّية إليها، وما أعدَّ عليها من المجانيق والعرَّادات (٢) وآلاتِ القتال شيئًا لم يُرَ مثله في مدينة، ورأى من كثرة المقاتِلة (٣) ما استعظمه، ورفعوا أصواتهم فارتجَّت الأرض، فأمر الموفَّق ابنَه أبا العباس برَشْقِهم بالسِّهام فرماهم، ورمَوه عن يدٍ واحدة بالمجانيق والعرَّادات والمقاليع والآجُرّ والنُّشَّاب، فأذهلوا أبا أحمد والعسكر، فرجع عنهم، ولم يبق مكان إلَّا وفيه حَجرٌ أو سَهْم، وثبت أبو العبَّاس، واستأمن جماعةٌ من أصحاب الخبيث إليه، فأحسن إليهم ووصلهم، فلمَّا رأى أصحاب الخبيث ذلك استأمن منهم خلقٌ كثير، فخلع عليهم وأحسن إليهم.
ولما كان في اليوم الثاني جهَّز الخبيث بَهْبوذ في السّميريات، فالتقاه أبو العبَّاس واقتتلوا، فأصاب بَهبوذ طعنتان، وجُرح جراحات بالسِّهام، وهرب إلى الخبيث.
وعاد الموفَّق إلى معسكره بنهر المبارك وقد تبعه خلقٌ كثير من أصحاب الخبيث مستأمنين، فخلع عليهم وضمَّهم إلى ولدِه أبي العباس.
ولما كان في شعبان خرج الخبيثُ في ثلاث مئة ألف مقاتل ما بين فارس ورَاجِل، وركب أبو أحمد في خمسين ألفًا، وبينهم النَّهر، فنادى أبو أحمد بالأمان لأصحاب الخبيث، فاستأمن إليه خلقٌ كثير، فأحسن إليهم، وانفصلوا عن غيرِ قتال (٤).
وفيها بنى الموفَّق مدينة بإزاء مدينة الخبيث على جانب دجلة، وسمَّاها الموفَّقية، وذلك لأنَّه فكر ونظر، فرأى أنَّه لابُدَّ من مصابرته وحصاره، وتفريق جماعته عنه بالإحسان إليهم، فشرع في بناء المدينة، وكتب الكتب إلى عمَّاله بإنفاذ الصُنَّاع والمِيرة
стр. 7316
وما يصلح [له]، فورد عليه ذلك، وقدم التُّجَّار بالأموال والأمتعة، وبنى الموفَّق الجامع والأسواق والمنازل، وشاع خبر الموفَّقية، فقدم إليها النَّاس من كل مكان واستوطنوها (١)، وتتابع قوَّاد الزَّنج إلى أبي أحمد بالأمان، فكان عددُ من وافاه منهم من رجب إلى رمضان خمسةَ آلاف رجلٍ ما بين أبيضَ وأسود.
وفي شوَّال كانت وقعة بين أبي العبَّاس والخبيث قَتل منهم خلقًا كثيرًا، وذلك لأنَّ الخبيث انتخب من قوَّاده خمسة آلاف، وأمرهم أن يعبروا فيبيِّتوا عسكر الموفَّق، فاستأمن إلى الموفَّق غلام من الملَّاحين، فأنهى إليه خبرَهم، فأمر الموفَّق ابنَه أبا العباس بالنُّهوض إليهم، وكان لهم كمين، فبعث إليه قومًا آخرين، واقتتلوا، فنصره الله عليهم، فركب أكتافهم، فكانوا بين قتيل وأسير وغريق، وأخذ أبو العبَّاس الأسارى، فصلبهم على السُّفن، ورمى برؤوس القتلى في المجانيق إلى مدينة الخبيث؛ وسببه: أنَّ أصحاب الخبيث لمَّا رأوا من الأمان والإحسان جعلوا يهربون إلى الموفَّق، فأيقن الخبيثُ بالهلاك، فوكَّل بكل ناحية من المدينة مَن يمنعهم الهربَ، فأرسل جماعةٌ من قوَّاده إلى الموفَّق يسألونه الأمان، وأن يعبرَ إلى المدينة ليكون قريبًا منهم، وكان الزَّنج قد ظهروا على أبي العبَّاس قبل ذلك بيومين، وقتلوا من أصحابه جماعة، فعبر إليهم الموفَّق في جميع أصحابه وجيوشه، وكان يومًا مشهودًا، ودار حول المدينة وأصحاب الخبيث يرمونهم بالمجانيق وغيرها، وجاء أبو العبَّاس من مكان آخر، فاقتحم الخنادق، وثلم السُّور ثُلْمة اتَّسع منها الدخول، وانهزم أصحاب الخبيث وهو معهم، وأصحابُ الموفق يتبعونهم إلى الليل، وعاد الخبيث إلى المدينة، وعبر الموفَّق إلى معسكره، وتراجع أصحاب الخبيث، واستأمنَ إلى الموفَّق خلقٌ كثيرٌ من قوَّاده وفرسانه، فأحسن إليهم، وخرجت هذه السَّنة والقتالُ بينهم والحرب قائمة، ورمَّ الخبيث ما كان وَهَى من الأسوار والخنادق.
وفيها استولى أحمد [بن عبد الله] الخجستانيُّ على خُراسان وكِرْمان وسِجِسْتان، وطرد عنها نوَّاب عمرِو بن اللَّيث، وعزم على المسير إلى العراق، وضَرَب الدنانير
стр. 7317
والدراهم باسمه، وجعل وزنَ الدينار عشرة دوانيق، والدِّرهم ثمانية دوانيق، وكتب على جانبٍ منه: المعتمد بالله، وعلى الجانب الآخر: أحمد بن عبد الله.
وقيل: إنَّه كتب على وجهٍ: المُلْك والقُدرة [لله]، والحولُ والقوَّة بالله، لا إله إلَّا الله محمَّد رسول الله، وعلى الجانب الآخر: اسم المعتمد واسمه [والله أعلم] (١).
وفيها وثب أحمد بن طولون على أحمد بن المدبّر، وكان متولِّي خراج دمشق والأردن وفلسطين، فحبسه وأخذ أمواله، ثمَّ صالحه على ستِّ مئة ألفِ دينار (٢).
وحجَّ بالنَّاس هارون بنُ محمد بنِ إسحاق بنِ موسى بنِ عيسى الهاشميُّ.
فصل [وفيها توفي]
العبَّاس بن عبد الله
ابن أبي عيسى أبو محمد التَّرْقُفِي (٣).
كان زاهدًا [عابدًا] عالمًا، [وروى الخطيب عن] ابن مخلد قال: ما رأيته يضحك قطُّ، قيل: ولا تبسم؟ قال: لا.
وأثنى عليه الخطيب، وروى عنه أنَّه قال: قيل لبعض العرب (٤): لم لا تتزوَّج؟
فقال: مُداراةُ العِفَّةِ أيسرُ من الاحتيال لمصالح المرأة.
[قال الخطيب:] توفي بسُرَّ من رأى [في] هذه السَّنة، وقيل: في سنة ثمانٍ وستين [ومئتين].
سكن بغداد، وحدَّث بها عن محمد بن يوسف الفريابيّ وغيره، وروى عنه ابنُ أبي الدنيا وغيره، وكان ثقةً صالحًا صدوقًا.
стр. 7318
[فصل وفيها توفي]
عليُّ بن الحسن
ابنِ موسى بن مَيسرة، الهلاليُّ، النَّيسابوريُّ، الدَّرابْجِرْدي، ودَرابْجِرْد محلَّةٌ بنَيسابور، وكان من أكابر علماء نيسابور، وابنَ عالمهم، وله مسجد بهذه المحلَّة يُتبرَّك بالصلاة فيه.
واختلفوا في وفاته؛ فقيل: إنَّه زَبَر عامل نيسابور وزجره عن ظُلمه، فأوقد له نارًا في تِبْنٍ، وأدخله في بيت، فمات من الدُّخان، وقيل: إنَّه وُجد ميتًا في مسجده بعد أسبوع [من وفاته] ولم يعلموا به، وقيل: أكله الذِّئب.
سمع أبا عاصم النَّبيل وغيرَه، وروى عنه البخاريُّ ومسلم وغيرهما، وكان سيِّدًا، عالمًا، فاضلًا، صدوقًا، ثقة (١).
محمد بن حمَّاد
ابن بكر، المقرئ، صاحب خَلَف بن هشام.
كان أحدَ القرَّاء المُجَوِّدين، وعباد الله الصَّالحين، وكان الإمامُ أحمد رحمة الله عليه يُجلُّه ويُكرمه، ويصلِّي خلفَه في شهر رمضان وغيره، وكانت وفاتُه ببغداد في يوم الجمعة لأربعٍ خلون من ربيع الآخر.
سمع يزيدَ بن هارون وغيرَه، وروى عنه القراءات خلقٌ كثير، وانتفعوا به، وكان صالحًا ثقة (٢).
[وفيها توفي]
يحيى بن محمد بن يحيى
أبو زكريا الذُّهْليُّ، [ويلقب حَيْكان (٣).
стр. 7319
وكان يحيى] إمامَ أهل نيسابور في الفتوى والرياسة وابنَ إمامها، [وقد اختلف هو وأبوه في مسألة، فحكَّما محمد بن إسحاق بن خزيمة، فحكم ليحيى على أبيه.
وذكره أبو عبد الله في "تاريخه" وأثنى عليه، وقال: قتله] أحمد بن عبد الله الخُجُسْتانيُّ الخارجيُّ، [وكان] جبَّارًا ظالمًا عنيدًا، تغلَّب على نيسابور مدَّة، ثمَّ خرج عنها، واستخلف إبراهيمَ بن نصر رئيس البلد مع أصحابه، فشرع أصحابُ الخُجستانيِّ في الفساد، فنهض يحيى بن محمد وأصحابُه فقاتلوهم وأخرجوهم من البلد، فلمَّا عاد الخجستانيُّ إلى البلد أخذ يحيى بن محمد، فبنى عليه حائطًا، وقيل: إنَّه قتله في جمادى الآخرة.
وقال [الحاكم: سمعت الحسن بن يعقوب المُعَدَّل يقول: سمعت] أبا عمر وأحمد بن المبارك المستملي [يقول:] رأيتُ يحيى بن محمد في المنام، فقلتُ: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي. قلت: فما فعل الخُجستانيُّ؟ فقال: هو في تابوت من نار ومفتاحُه بيدي.
أسند يحيى عن الإمام أحمد أبن حنبل، وغيره، وروى عنه أبوه إمام نيسابور صاحب الواقعة مع البخاريِّ، وكان يقول: أبو زكريا ولدٌ، وهو والد، وروى عنه محمد بنُ إسحاق بنِ خزيمة وغيرُه، وخلقٌ كثير.
[وفيها توفيت]
عابدة يمنية
[لم يذكر اسمها، ولها قصَّة رواها أبو الفضل محمد بن ناصر بإسناده إلى] محمد بن سليمان القرشيِّ [قال:] بينا أنا أسير في بلاد اليمن، إذا أنا بغلام واقف على الطَّريق في أذنيه قُرطان، في كلِّ قُرط جوهرة يضيء وجهه منها (١)، وهو يمجِّد ربَّه تعالى ويقول: [من الوافر]
مَليكٌ في السماءِ به افتخاري … عزيزُ القدْر ليس به خفاءُ
فسلَّمتُ عليه فقال: ما أنا برادٍّ عليك حتَّى تؤدِّي [من] حقِّي الذي يجب عليك،
стр. 7320
قلت: وما حقُّك؟ فقال: أنا غلام على مذهب الخليل ﵇، لا أتغدَّى ولا أتعشَّى كلَّ يوم حتى أسيرَ الميلَ والميلين في طلب الضَّيف، فسرتُ معه حتَّى قربنا من خيمة شَعَر، فصاح: يا أُختاه، فأجابته جاريةٌ من الخيمة: يا لَبَّيْكاه، فقال: قومي إلى ضيفنا، فقالت: حتَّى أبدأَ بشكر المولى الذي سبَّبَ لنا هذا الضَّيف، فقامت فصلَّت ركعتين، ثمَّ أخذ الغلامُ شَفرةً، ومال إلى عَناقٍ فذبحها، وأدخلني الخيمة، وقامت أختُه لتُصلحَ العَناق، فنظرتُ إلى أحسن الناس وجهًا، فجعلتُ أُسارقُها النَّظر، ففطنت لبعض لَحظاتي إليها، فقالت: مه، أما علمتَ أنَّ ساكنَ يثرب ﷺ قال: "زنى العيون النظر" (١)، [وفي رواية: أما علمت أنَّه قد نُقل إلينا عن صاحب يثرب … وذكرته،] ثمَّ قالت: أما إنِّي ما قصدتُ توبيخَكَ، ولكن أردتُ أن أؤدِّبك لكي لا تعود إلى مثلها.
فلمَّا جاء اللَّيل خرجت أنا والغلام فبِتنا خارجَ الخيمة، وباتت الجارية في الخيمة، فكنتُ أسمع دَويَّ القرآن اللَّيلَ كلَّه من الخيمة بأحسن صوتٍ وأرقِّه، فلمَّا أصبحتُ سألتُ الغلام عن ذلك الصَّوت فقال: هي أختي؛ تحيي الليلَ كلَّه إلى الصَّباح، فقلت: فأنت يا غلام أحقُّ (٢) بهذا العمل منها! فتبسَّم وقال: أما علمتَ أنَّه موفَّقٌ ومَخذول.
* * *