← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 7316–7355 · переход к 7321.

стр. 7316

وما يصلح [له]، فورد عليه ذلك، وقدم التُّجَّار بالأموال والأمتعة، وبنى الموفَّق الجامع والأسواق والمنازل، وشاع خبر الموفَّقية، فقدم إليها النَّاس من كل مكان واستوطنوها (١)، وتتابع قوَّاد الزَّنج إلى أبي أحمد بالأمان، فكان عددُ من وافاه منهم من رجب إلى رمضان خمسةَ آلاف رجلٍ ما بين أبيضَ وأسود. وفي شوَّال كانت وقعة بين أبي العبَّاس والخبيث قَتل منهم خلقًا كثيرًا، وذلك لأنَّ الخبيث انتخب من قوَّاده خمسة آلاف، وأمرهم أن يعبروا فيبيِّتوا عسكر الموفَّق، فاستأمن إلى الموفَّق غلام من الملَّاحين، فأنهى إليه خبرَهم، فأمر الموفَّق ابنَه أبا العباس بالنُّهوض إليهم، وكان لهم كمين، فبعث إليه قومًا آخرين، واقتتلوا، فنصره الله عليهم، فركب أكتافهم، فكانوا بين قتيل وأسير وغريق، وأخذ أبو العبَّاس الأسارى، فصلبهم على السُّفن، ورمى برؤوس القتلى في المجانيق إلى مدينة الخبيث؛ وسببه: أنَّ أصحاب الخبيث لمَّا رأوا من الأمان والإحسان جعلوا يهربون إلى الموفَّق، فأيقن الخبيثُ بالهلاك، فوكَّل بكل ناحية من المدينة مَن يمنعهم الهربَ، فأرسل جماعةٌ من قوَّاده إلى الموفَّق يسألونه الأمان، وأن يعبرَ إلى المدينة ليكون قريبًا منهم، وكان الزَّنج قد ظهروا على أبي العبَّاس قبل ذلك بيومين، وقتلوا من أصحابه جماعة، فعبر إليهم الموفَّق في جميع أصحابه وجيوشه، وكان يومًا مشهودًا، ودار حول المدينة وأصحاب الخبيث يرمونهم بالمجانيق وغيرها، وجاء أبو العبَّاس من مكان آخر، فاقتحم الخنادق، وثلم السُّور ثُلْمة اتَّسع منها الدخول، وانهزم أصحاب الخبيث وهو معهم، وأصحابُ الموفق يتبعونهم إلى الليل، وعاد الخبيث إلى المدينة، وعبر الموفَّق إلى معسكره، وتراجع أصحاب الخبيث، واستأمنَ إلى الموفَّق خلقٌ كثيرٌ من قوَّاده وفرسانه، فأحسن إليهم، وخرجت هذه السَّنة والقتالُ بينهم والحرب قائمة، ورمَّ الخبيث ما كان وَهَى من الأسوار والخنادق. وفيها استولى أحمد [بن عبد الله] الخجستانيُّ على خُراسان وكِرْمان وسِجِسْتان، وطرد عنها نوَّاب عمرِو بن اللَّيث، وعزم على المسير إلى العراق، وضَرَب الدنانير

стр. 7317

والدراهم باسمه، وجعل وزنَ الدينار عشرة دوانيق، والدِّرهم ثمانية دوانيق، وكتب على جانبٍ منه: المعتمد بالله، وعلى الجانب الآخر: أحمد بن عبد الله. وقيل: إنَّه كتب على وجهٍ: المُلْك والقُدرة [لله]، والحولُ والقوَّة بالله، لا إله إلَّا الله محمَّد رسول الله، وعلى الجانب الآخر: اسم المعتمد واسمه [والله أعلم] (١). وفيها وثب أحمد بن طولون على أحمد بن المدبّر، وكان متولِّي خراج دمشق والأردن وفلسطين، فحبسه وأخذ أمواله، ثمَّ صالحه على ستِّ مئة ألفِ دينار (٢). وحجَّ بالنَّاس هارون بنُ محمد بنِ إسحاق بنِ موسى بنِ عيسى الهاشميُّ. فصل [وفيها توفي] العبَّاس بن عبد الله ابن أبي عيسى أبو محمد التَّرْقُفِي (٣). كان زاهدًا [عابدًا] عالمًا، [وروى الخطيب عن] ابن مخلد قال: ما رأيته يضحك قطُّ، قيل: ولا تبسم؟ قال: لا. وأثنى عليه الخطيب، وروى عنه أنَّه قال: قيل لبعض العرب (٤): لم لا تتزوَّج؟ فقال: مُداراةُ العِفَّةِ أيسرُ من الاحتيال لمصالح المرأة. [قال الخطيب:] توفي بسُرَّ من رأى [في] هذه السَّنة، وقيل: في سنة ثمانٍ وستين [ومئتين]. سكن بغداد، وحدَّث بها عن محمد بن يوسف الفريابيّ وغيره، وروى عنه ابنُ أبي الدنيا وغيره، وكان ثقةً صالحًا صدوقًا.

стр. 7318

[فصل وفيها توفي] عليُّ بن الحسن ابنِ موسى بن مَيسرة، الهلاليُّ، النَّيسابوريُّ، الدَّرابْجِرْدي، ودَرابْجِرْد محلَّةٌ بنَيسابور، وكان من أكابر علماء نيسابور، وابنَ عالمهم، وله مسجد بهذه المحلَّة يُتبرَّك بالصلاة فيه. واختلفوا في وفاته؛ فقيل: إنَّه زَبَر عامل نيسابور وزجره عن ظُلمه، فأوقد له نارًا في تِبْنٍ، وأدخله في بيت، فمات من الدُّخان، وقيل: إنَّه وُجد ميتًا في مسجده بعد أسبوع [من وفاته] ولم يعلموا به، وقيل: أكله الذِّئب. سمع أبا عاصم النَّبيل وغيرَه، وروى عنه البخاريُّ ومسلم وغيرهما، وكان سيِّدًا، عالمًا، فاضلًا، صدوقًا، ثقة (١). محمد بن حمَّاد ابن بكر، المقرئ، صاحب خَلَف بن هشام. كان أحدَ القرَّاء المُجَوِّدين، وعباد الله الصَّالحين، وكان الإمامُ أحمد رحمة الله عليه يُجلُّه ويُكرمه، ويصلِّي خلفَه في شهر رمضان وغيره، وكانت وفاتُه ببغداد في يوم الجمعة لأربعٍ خلون من ربيع الآخر. سمع يزيدَ بن هارون وغيرَه، وروى عنه القراءات خلقٌ كثير، وانتفعوا به، وكان صالحًا ثقة (٢). [وفيها توفي] يحيى بن محمد بن يحيى أبو زكريا الذُّهْليُّ، [ويلقب حَيْكان (٣).

стр. 7319

وكان يحيى] إمامَ أهل نيسابور في الفتوى والرياسة وابنَ إمامها، [وقد اختلف هو وأبوه في مسألة، فحكَّما محمد بن إسحاق بن خزيمة، فحكم ليحيى على أبيه. وذكره أبو عبد الله في "تاريخه" وأثنى عليه، وقال: قتله] أحمد بن عبد الله الخُجُسْتانيُّ الخارجيُّ، [وكان] جبَّارًا ظالمًا عنيدًا، تغلَّب على نيسابور مدَّة، ثمَّ خرج عنها، واستخلف إبراهيمَ بن نصر رئيس البلد مع أصحابه، فشرع أصحابُ الخُجستانيِّ في الفساد، فنهض يحيى بن محمد وأصحابُه فقاتلوهم وأخرجوهم من البلد، فلمَّا عاد الخجستانيُّ إلى البلد أخذ يحيى بن محمد، فبنى عليه حائطًا، وقيل: إنَّه قتله في جمادى الآخرة. وقال [الحاكم: سمعت الحسن بن يعقوب المُعَدَّل يقول: سمعت] أبا عمر وأحمد بن المبارك المستملي [يقول:] رأيتُ يحيى بن محمد في المنام، فقلتُ: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي. قلت: فما فعل الخُجستانيُّ؟ فقال: هو في تابوت من نار ومفتاحُه بيدي. أسند يحيى عن الإمام أحمد أبن حنبل، وغيره، وروى عنه أبوه إمام نيسابور صاحب الواقعة مع البخاريِّ، وكان يقول: أبو زكريا ولدٌ، وهو والد، وروى عنه محمد بنُ إسحاق بنِ خزيمة وغيرُه، وخلقٌ كثير. [وفيها توفيت] عابدة يمنية [لم يذكر اسمها، ولها قصَّة رواها أبو الفضل محمد بن ناصر بإسناده إلى] محمد بن سليمان القرشيِّ [قال:] بينا أنا أسير في بلاد اليمن، إذا أنا بغلام واقف على الطَّريق في أذنيه قُرطان، في كلِّ قُرط جوهرة يضيء وجهه منها (١)، وهو يمجِّد ربَّه تعالى ويقول: [من الوافر] مَليكٌ في السماءِ به افتخاري … عزيزُ القدْر ليس به خفاءُ فسلَّمتُ عليه فقال: ما أنا برادٍّ عليك حتَّى تؤدِّي [من] حقِّي الذي يجب عليك،

стр. 7320

قلت: وما حقُّك؟ فقال: أنا غلام على مذهب الخليل ﵇، لا أتغدَّى ولا أتعشَّى كلَّ يوم حتى أسيرَ الميلَ والميلين في طلب الضَّيف، فسرتُ معه حتَّى قربنا من خيمة شَعَر، فصاح: يا أُختاه، فأجابته جاريةٌ من الخيمة: يا لَبَّيْكاه، فقال: قومي إلى ضيفنا، فقالت: حتَّى أبدأَ بشكر المولى الذي سبَّبَ لنا هذا الضَّيف، فقامت فصلَّت ركعتين، ثمَّ أخذ الغلامُ شَفرةً، ومال إلى عَناقٍ فذبحها، وأدخلني الخيمة، وقامت أختُه لتُصلحَ العَناق، فنظرتُ إلى أحسن الناس وجهًا، فجعلتُ أُسارقُها النَّظر، ففطنت لبعض لَحظاتي إليها، فقالت: مه، أما علمتَ أنَّ ساكنَ يثرب ﷺ قال: "زنى العيون النظر" (١)، [وفي رواية: أما علمت أنَّه قد نُقل إلينا عن صاحب يثرب … وذكرته،] ثمَّ قالت: أما إنِّي ما قصدتُ توبيخَكَ، ولكن أردتُ أن أؤدِّبك لكي لا تعود إلى مثلها. فلمَّا جاء اللَّيل خرجت أنا والغلام فبِتنا خارجَ الخيمة، وباتت الجارية في الخيمة، فكنتُ أسمع دَويَّ القرآن اللَّيلَ كلَّه من الخيمة بأحسن صوتٍ وأرقِّه، فلمَّا أصبحتُ سألتُ الغلام عن ذلك الصَّوت فقال: هي أختي؛ تحيي الليلَ كلَّه إلى الصَّباح، فقلت: فأنت يا غلام أحقُّ (٢) بهذا العمل منها! فتبسَّم وقال: أما علمتَ أنَّه موفَّقٌ ومَخذول. * * *

стр. 7321

السنة الثامنة والستون بعد المئتين (١) فيها في المحرَّم استأمن إلى الموفَّق جعفر بن إبراهيم، ويعرف بالسَّجَّان، صاحبُ الخبيث، وكان صاحبَ أسراره، قد اطَّلع على أحواله، وهو أحدُ ثِقاته، فلمَّا استأمن إلى الموفَّق خلع عَليه ووَصَله، وأعطاه مالًا كثيرًا، وأمر بحمله في سفينة إلى قريب مدينة الخبيث، فلمَّا حاذى قصرَ الخبيث صاح بهم: وَيْحكم إلى متى تصبرون على الخبيث الكذَّاب، وأخبرهم بما وقف عليه من كَذِبه وفُجوره، وأنَّهم في غُرور منه، فاستأمن في ذلك اليوم إلى الموفَّق خلقٌ كثير من قوَّاد الزَّنج، وأحسن إليهم، وتتابع النَّاس في الخروج من عند الخبيث. وفي ربيع الأوَّل زُلْزِلت بغداد زلزلةً هائلة، وجاء بعدها مطرٌ شديد وصواعقُ، فخاف النَّاس. وفي ربيع الآخر عبر الموفَّق إلى مدينة الخبيث بعد أن ضيَّق عليه ومنعه المِيرة، فزحف إليها، وهدم من السُّور أماكنَ كثيرة، ودخل أصحابُه من كلِّ ناحية واغترُّوا، فخرج عليهم أصحابُ الخبيث من مواضعَ كانوا قد كَمَنوا فيها، فتحيَّروا في الخروج، وبعضُهم قصد الشَّطَّ فغرق، وأصابوا من أصحاب الموفَّق أسلحة وأسلابًا (٢)، وثبت جماعةٌ من غلمان الموفَّق ومن الدَّيلم نحوًا من ثلاثين فقُتلوا، ورجع الموفَّق فعبر إلى المدينة الموفَّقيَّة، وكان قد أمر أصحابه بأن يَنْقُبوا السُّورَ لا غير، ولا يدخلوا المدينة، فخالفوه، فجرى ما جرى، فلمَّا عبر إلى الموفَّقية جَمَعَ الناسَ، وعَذَلهم على ما كان من مُخالفته، والالتفات (٣) عليه في رأيه، وتوعَّدهم بالعقوبة إن عادوا إلى الخلاف، وأمر بتسمية مَن قُتل، فانتسبوا أسماءهم، فأقرَّ ما كان جاريًا لهم على أولادهم وأهاليهم، فحَسُن موضعُ ذلك، ومالت قلوب النَّاس، ومنع المِيرة عن الخبيث، وضاق بهم الأمر حتَّى أكلوا لحوم الكلاب، ونبشوا الموتى من القبور فأكلوا لحومَهم، واستأمن منهم

стр. 7322

خلقٌ كثير، فسُئلوا عن الخبز؟ فقالوا: لنا سنة ما أكلناه. وواصل الموفَّق القتال عليهم والتضييق إلى رجب، فقُتل بَهْبوذ قائد الزَّنج، وكان من أكبرهم وأعزِّهم على الخبيث، وكان صاحبَ أموالٍ جليلة، وكان يخرج فيقاتل في السُّمَيريات الخفاف، فيخترق الأنهار المؤدِّية إلى دجلة، فإذا صادف سفينة للموفَّق أخذها فأدخلها النَّهر الذي خرج منه، فركب يومًا شَذاةً وشبَّهها [بشَذَوات] (١) الموفَّق، وجعل عليها مثلَ أعلام الموفَّق، وسار بها في دِجْلة، فإذا ظفر بغزَةٍ من أهل العسكر أوقع بهم، فقَتل وأَسر، وكان يخترق الأنهار؛ نهرَ الأبُلَّة، ونهر مَعْقِل، وبَثْق شيرين، ونهر الدّير (٢)، ويقطع السُّبُل، ويعبث في أموال السَّابلة ودمائهم، فبلغ الموفَّق، فأمر بسكر الأنهار (٣) التي يَخرجُ منها، وأقام السُّميريَّات على رؤوس الأنهار، فخرج من نهرٍ لم يسكر، فقَتَل وسَبى ونَهب، فبعث الموفَّق ابنَه أبا العباس في شذًى وسُميريَّات يسبقه إلى النَّهر الذي يأخذ إلى مدينة الخبيث، فسبقه. وأقبل بَهْبوذ في شذاه وسُمَيرياته وأصحابه، فالتقَوْا، فقتل أبو العبَّاس من أصحابه جمعًا كثيرًا، وأسر جمعًا، وأفلت بَهْبوذ في جمع يسير. ثمَّ خرج بَهبوذ بعد ذلك يعترض أهلَ القرى ليمتارَ منها، وعلم به أبو العبَّاس فخرج في طلبه، فاعترضه في طريقه غلامٌ لأبي العبَّاس في سُميرية، وطمع بَهبوذ في السُّميرية، فطعنه بعض غلمان السُّميرية السُّود في بطنه فأنفذه، فهوى إلى الماء، فحمله أصحابه إلى مدينة الخبيث، فلم يصلوا به إليها حتَّى عجَّل الله بروحه الخبيثة إلى النَّار، فعظم ذلك على الخبيث وأصحابه، وكان قتْلُه من أعظم الفتوح. وخفي على الموفَّق هلاكُه، ثمَّ علم من ملَّاح كان مع بَهبوذ واستأمن إلى الموفَّق، فسُرَّ بذلك، وأحضر الرِّجال الذين كانوا في تلك السُّميرية والغلامَ الذي طعنه، فوصلهم وزاد في أرزاقهم، وخلع على الغُلام الذي قتله وطوَّقه وسوَّره، وأمر لكلِّ من كان في السَّفينة بخِلَع وصِلات وجوائز.

стр. 7323

قال الطبريُّ (١): وفي هذه السَّنة اتَّفق أنَّ أوَّل رمضان كان يوم الأحد، وكان الأحد الثَّاني السَّعانين (٢)، والأحد الثَّالث الفِصْح، والأحد الرَّابع النَّيروز، والأحد الخامس انسلاخ الشَّهر. وفيها خرج رجل من ولد عبد الملك بن صالح الهاشميِّ بالشَّام (٣)، وبعث إليه لؤلؤ بن أبان بن طولون قائدًا يقال له: يوذر، في جيش (٤)، فهزمه الهاشميُّ، ورجع وليس معه كثير أحد. وفيها أظهر لؤلؤ الخلاف على ابن طولون، وكاتب الموفَّق بالقدوم عليه، ولؤلؤ مولى ابن طولون. وفيها عبر الموفَّق لقتال الخبيث، فجاءه سهمٌ في صدره رماه غلامٌ به روميٌّ اسمه قُرطاس، فتجلَّد ولم يُظهر شيئًا، وأقام أيَّامًا وبرئ، وقيل: بل قُتل في السَّنة الآتية (٥)، وسنذكره إن شاء الله تعالى. وجاء لؤلؤ فنهب بالِس والرَّقَّة، وافتتح قرْقِيسياء، وسار إلى العراق. ولما قُتل بَهْبوذ حبس الخبيث غلمانه على المال، وأخرب دورَه فلم يجد شيئًا، فزهد فيه أصحابُ بَهبوذ، واستأمنوا إلى الموفَّق، وبلغ الخبيث أنَّ ابنه يريد اللَّحاق بالموفَّق فقتله (٦). وفيها قُتل أحمد بن عبد الله الخُجستاني المتغلِّب على خراسان (٧)، قتله غلمان له في ذي الحجَّة.

стр. 7324

وفيها غزا الصَّائفةَ خلف الفرْغانيُّ عاملُ ابن طولون على الثُّغور الشَّامية، فقتل من الرُّوم بضعة عشر ألفًا، وغنم الغنائم، فبلغ السَّهم أربعين دينارًا. وحجَّ بالنَّاس هارون بن محمد بن إسحاق [بن موسى] (١) الهاشميّ. وفيها توفي أحمد بن سيَّار (٢) ابن أيوب أبو الحسن المَرْوَزيُّ، إمام أهل الحديثَ بمَرْو، جمع بين الحديث، والعلم، والزُّهد، والفقه، والوَرَع، وكان يقاس بعبد الله بن المبارك في عصره. ورد بغداد فحدَّث بها، ورحل إلى الشَّام ومصر وغيرها، وصنَّف كتابًا في أخبار مرو، وصنَّف "فتوح خراسان"، وكانت أمُّه من موليات المأمون، وتوفِّي في ربيع الأوَّل. سمع إسحاقَ بن راهويه والأئمَّة، وروى عنه أئمَّة خراسان؛ البخاريُّ وغيره، واتَّفقوا على صلاحه وصدقه وثقته. أنس بن خالد ابن عبد الله (٣) بن أبي طلحة بن موسى بن أنس بن مالك الأنصاري، صاحِب رسول الله ﷺ . كان فاضلًا، توفِّي ببغداد في جمادى الأوَّل، أسند عن سفيانَ بنِ عُيينة (٤) وغيره، وروى عنه عبد الله ابن الإمام أحمد وغيره، وكان ثقة. محمد بن عبد الله ابن عبد الحكم أبو عبد الله، فقيه أهل مصر ومحدِّثُهم.

стр. 7325

ولد سنة اثنتين وثمانين ومئة، وتوفِّي بمصر منتصف ذي القعدة، وصلَّى عليه بكَّار بن قتيبة، ويعرف بصاحب الشافعيِّ، وكان مالكيَّ المذهب، حُمل إلى بغداد، وامتحنه ابن أبي دؤاد، فثبت على السُّنَّة، ولم يُجب إلى ما أراد منه، وكان فقيهًا بارعًا زاهدًا عابدًا ورعًا. أسند عن الإمام الشَّافعيِّ رحمة الله عليه، وروى عنه أبو حاتم الرَّازيُّ وغيره، وأجمعوا على فضله ودينه وثقته (١). * * *

стр. 7326

السَّنة التَّاسعة والستون بعد المئتين (١) وفي شهر المحرّم (٢) اجتمع كسوفان؛ كسوفُ القمر وكسوفُ الشَّمس، [فكسوف القمر] في ليلة أربعة عشر [منه] وغاب منكسفًا، وكسوف الشَّمس يوم الجمعة لليلتين بقيتا منه وقتَ المغيب. وغابت منكسفة، وهذا نادر كسوفُهما في شهر (٣). وفيها في المحرَّم قطعت الأعرابُ الطَّريق على قافلة الحاجِّ قريبًا من سَميراء، فأخذوا نحوًا من خمس مئة جمل (٤) بأحمالها وأناسًا كثيرًا [والله أعلم بالصواب] (٥). وفيها وثب خَلَف الفَرْغانيُّ صاحب ابن طولون على يازمان خادم الفتح بن خاقان ومولاه، وكان بالثُّغور بأَذَنة وطَرَسوس، فحبسه خَلَف، فوثب أهل الثَّغر فخلَّصوا يازمان، وأرادوا قتل خلف، فهرب إلى دمشق، ولعنوا ابن طولون على المنابر، وبلغه فخرج من مصر إلى دمشق، ثمَّ نزل أَذَنة وبها يازمان الخادم، فتحصَّن بها، وسدَّ أبوابها سوى باب الجهاد وباب البحر، وبَثَق المياه حولها، وفعل ذلك أهل طَرَسوس، فأقام ابن طولون على أَذَنة، فلم يظفر منها بطائل، فعاد إلى أنطاكية، ثمَّ إلى دمشق فأقام بها. قال الطَّبريُّ (٦): وفي هذه السَّنة خالف لؤلؤ، وسار إلى قَرْقِيسياء وبها ابن صفوان العُقيلي، ففتحها عَنوةً، وسلَّمها إلى أحمد بن مالك بن طَوْق، وهرب ابنُ صفوان، وكاتَب لؤلؤ الموفَّقَ، وشرط عليه شروطًا فأجابه، فسار يريد العراق. وفيها دخل الموفَّقُ مدينةَ الخبيث عَنوةً، وكان الخبيث لما هلك بَهْبوذ طمع في أمواله، وكان قد صحَّ عنده أنَّه قد ملك مالًا عظيمًا وجوهرًا، فجمع أصحاب بَهْبوذ وأقاربَه، وسألهم عن المال، فأنكروا، فضربهم بالسِّياط، وهدم دورًا من دُوره فلم

стр. 7327

يجد فيها شيئًا، ففَسَدت قلوبُهم. وعَبَر الموفَّق إلى المدينة، ونادى في أصحاب بَهْبوذ بالأمان، فسارعوا إليه من كلِّ وجه، فأجازهم، وأحسن إليهم، ووصلَهم، ثمَّ زحف على المدينة فدخلها بعد قتالٍ جَهيد، وقصد الدَّارَ التي كان الخبيث اتَّخذها مسجدًا وسمَّاه الجامع، فقاتل أصحابُه دونَه قتالًا شديدًا لما كان يعظِّمه الخبيث، فقُتل عليه خلقٌ كثير منهم. وبذل الموفَّق الأموال والأَطْوقَة والأَسْورة لمَن سارع إلى هدم كمار (١) الخبيث، وهدموا المسجد، وأتَوا بالمنبر إلى الموفَّق، فسُرَّ سرورًا عظيمًا، وعاد إلى مدينته وقد أنكى في الزَّنج نِكاية عظيمة، ونهب خزائنَ الخبيث، وأُحرقت عامَّة دُوره ودُور أصحابه، وأحرقوا الأسواق. وظهر في ذلك اليوم للموفَّق تباشير الفتح، وبينا هو واقف إذ رماه غلامٌ روميٌّ -كان مع الخبيث، يقال له: قرطاس- بسهم، فأصابه في صدره، وذلك يوم الاثنين لخمسٍ بقين من جمادى الأولى، فستر الموفَّقُ ما ناله من السَّهم، وانصرف إلى الموفَّقيَّة، فعُوْلج في تلك اللَّيلة، ثمَّ باكر الحرب على ما به من ألم الجراح؛ ليشدَّ قلوب أوليائه، فزاد عليه الألم بسبب الحركة، وعَظُم أمره حتَّى خِيف عليه، واضطرب العسكر والرَّعيَّة، وخافوا قوَّة الخبيث عليهم، وأشار عليه أصحابه بالرَّحيل إلى بغداد، فأبى ذلك، وخاف أن يكون فيه ائتلافُ ما قد تفرَّق من شَمْل الخبيث، فأقام على مَضَض من الألم، ثمَّ منَّ الله عليه بالعافية، فظهر للنَّاس بعد احتجابه، فقويت نفوسُهم وتباشروا، وعادوا إلى ما كانوا عليه من حرب الخبيث. ولما بلغ الخبيثَ حديثُ السَّهم [جعل] (٢) يَعِد أصحابه العِدَات، ويمنِّيهم الأماني الكاذبة، ويحلف على منبره أنَّ أبا أحمد قتله السَّهم، وما يُرى في السُّميريات والحروب مثالُه؛ ليموِّهوا على النَّاس بحياته. وقال الصُّولي: أصاب الموفَّقَ سهمٌ في ثُنْدوَته (٣) اليسرى، فكادَ يَتْلَف، وتصدَّقت

стр. 7328

عنه أمُّه بَوْزنِه وَرِقًا فبرئ، وأقام الخبيث مدَّة مرض الموفَّق في إصلاح ما تشعَّثَ من مدينته. وفي يوم السَّبت نصف جمادى الأولى شَخَصَ المعتمدُ من سُرَّ من رأى يريد اللَّحاق بابن طولون لأمرٍ تقرَّر بينهما. وقال أبو جعفر أحمد (١) بن يوسف بن إبراهيم الكاتب: خرج أحمد بن طولون من مصر في آخر سنة ثمانٍ وستين ومئتين، وحمل معه ابنَه العبَّاس معتقلًا في قُبَّة، فأقام بدمشق، وخرج المعتمد من سُرَّ مَن رأى على وجه التنزُّه (٢)، وقصْدُه دمشق لاتِّفاقٍ جرى بينه وبين ابن طولون، وخرج مع المعتمد أخوه أبو عيسى، وإبراهيم بن المدبّر، وأحمد بن خاقان، وخطارمِش وغيرهم، فلمَّا بلغ الموفَّق وهو بالبصرة في مقابلة الزَّنجيِّ، كتب إلى إسحاق بن كُنْداج يقول له: قد عزم المعتمد على قصد ابن طولون، وإن دخل مصر تغلَّب على دار السُّلطان، ومتى استولى ابن طولون على المعتمد لم يبقَ منكم يا معاشر الموالي اثنين، فاجتهد في ردِّه. وكان ابن كنداج في نَصِيبين في أربعة آلاف فارس، فصار إلى المَوْصِل، فوجد حرَّاقات (٣) المعتمد وحشَمَه بموضع يقال له: الدَّواليب، فوكَّل بهم هناك وسار، فلقي المعتمد بين المَوْصل والحَديثة (٤)، فخرج إليه نحرير الخادم، فسلَّم عليه واستأذن، فأذن له، فدخل إسحاق ومعه ابنُه محمد وجماعة يسيرة، فسلَّم على المعتمد، ووقف بين يديه، فقال له: يا إسحاق (٥)، لِمَ منعتَ الحشَم من الدُّخول إلى الموصل؟ وكان بين يدي الخليفة أحمد بن خاقان، وخطارمش، وتينك (٦)، فقال: يا أمير المؤمنين، أخوك في وجه العدوّ، وأنت تخرج من مُستقرِّك ومدينةِ آبائك

стр. 7329

ودار مُلكك، ومتى صحَّ عنده هذا رجع عن مقاومة الخارجيِّ، فتغلَّب عدوُّك على دار ملكك، وهذا كتابُ أخيك يأمرني بردِّك. فقال: أنت غلامي أو غلامُ أخي؟ فقال: كلُّنا غِلمانك ما أطعتَ الله، فإذا عصيتَه فلا طاعة لك علينا، وقد عصيتَ الله بما فعلتَ من خروجك، وتسليط عدوِّك عليك وعلى المسلمين. ثمَّ خرج من المَضرب، ووكَّل به جماعة، ثمَّ بعث إلى المعتمد يطلب ابنَ خاقان وخطارمِش وتينك ليُناظرهم، فبعث بهم إليه، فقال لهم: ما جنى أحدٌ على الإسلام وعلى الخليفة ما جنيتُم، أخرجتموه من دار مُلكه في عدَّة يسيرة، وهارونُ الشَّاري بإزائكم في جمع كبير، فلو حضركم وأخذ الخليفة لكان عارًا وسُبَّة على الإسلام. ثمَّ وكَّل بهم، وبعث إلى الخليفة يقول: ما هذا بمُقامٍ والشَّاري بإزائنا، فارجع. فقال الخليفة: فاحْلِف لي أنَّك تنحدر معي ولا تُسلمني، فحلف له، وانحدر إلى سُرَّ من رأى، فتلقَّاه صاعد بن مَخْلد كاتبُ الموفَّق، فسلَّمه إسحاق إليه، فأنزله في دار أحمد بن الخَصيب، ومنعه من نزول الجَوْسَق (١)، ووكَّل به قائدًا معه خمس مئة رجل يَمنعون من الدُّخول إليه. وقيل: كان ابن طولون بمصر، وإسحاق بن كنداج عامل الموفَّق على الموصل والجزيرة، فبعث إليه الموفَّق مع صاعد بن مَخلد كاتبه بالقبض على المعتمد وعلى من معه، وردِّهم إلى سُرَّ من رأى، وكان المعتمد قد أقام بالكُحَيل يتصيَّد، ومعه من القوَّاد: أحمد بن خاقان وخطارمش وجماعة، فلمَّا وصلوا إلى الموصل أظهر إسحاق أنَّه مع المعتمد موافقٌ غيرُ مخالف، وكان مَن مع المعتمد قد حذَّروه إسحاق وقالوا: لا حاجةَ لنا إلى المرور به، فخالفهم وقال: هو غلامي، وفي الطَّريق إليه صَيد كثير. وكان ابن طولون قد بعث قائدًا إلى الرَّقَّة أسيرًا في خدمة المعتمد، فلمَّا بقي بين المعتمد وبين عمَّال ابن طولون منزل؛ أمر برحيل الغِلمان والأثقال والأتباع، فخلا ابنُ كنداج بالقوَّاد الذين مع المعتمد، وقال لهم: إنَّكم إذا صرتم إلى ابن طولون فالأمر أمرُه، وأنتم تحت يده، أفترضَون بذلك، وإنَّما هو مثلُ واحد منكم؟

стр. 7330

وجرى بينهم مناظرات حتَّى ارتفع النَهار، ولم يَرتَحِل المعتمد لاشتغال القوَّاد بالمناظرة، ولم يجتمع رأيُهم على شيء، فقال لهم ابن كنداج: قوموا بنا حتَّى نتناظر في غير هذا المكان، وأكرِموا مجلسَ أمير المؤمنين عن ارتفاع الأصوات فيه، فأخرجهم من مَضْرب المعتمد وأدخلهم مضرب نفسه، وأمر قوَّاده وأصحابَه وفرسانه فدخلوا عليهم، فقيَّدوا الجميع، ثمَّ عاد إسحاق فدخل على المعتمد، وعَذَله في شخُوصه عن دار مُلكه، وفراقِ أبي أحمد على الحال الَّتي هو بها من مُحاربة الخبيث، وما في ذلك من الفساد، ثمَّ حمله ومَن كان معه إلى سُرَّ مَن رأى في شعبان، وبعث أبو أحمد بِخِلَع [إلى] إسحاق، وقلَّده سيفين، وتُوِّج وطُوِّق وسُوِّر، وأفضى عليه من الخِلَع والأموال ما لا يحصى، وأُقطِع ضياعَ القوَّاد الذين كانوا مع المعتمد (١). وقال الصُّولي: كان المعتمد قد تخيَّل من أخيه الموفَّق، فكاتَبَ ابنَ طولون، واتَّفقا على أنَّه يتوجَّه إلى مصر، فلما خرج من سُرَّ من رأى قال لقُوَّاده خطارمش وأحمد بن خاقان وغيرهما: لا حاجة لنا إلى العبور على الموصل؛ فإنَّ ابن كنداج مائلٌ إلى أبي أحمد فلا آمنه، فاعدلوا عنه، فقالوا: هو أخونا ومعنا ويُساعدنا على ما نريد، فقال: سوف ترون، فلمَّا قيَّدهم صاح بهم المعتمد بالله: قيِّدْهم وزِدْهم قيدًا آخر، قال: ولمَ؟ قال: لأنَّك أخوهم وتُساعدهم على ما يريدون (٢)، وسلَّم ابنُ كنداج المعتمدَ إلى صاعد، فأنزله في دار ابن الخَصيب، وحجر عليه، فقال: [من الوافر] أليس من العجائب أنَّ مِثلي … يرى ما قَلَّ مُمْتَنعًا عليه وتُؤكَل باسمه الدُّنيا جميعًا … وما من ذاك شيءٌ في يديه (٣) ولُقِّب ابن كنداج ذو السَّيفَين، وصاعد ذو الوزارتين، وأقام صاعد في خدمة المعتمد، والمعتمد يجور عليه ليس له أمرٌ ولا نهي. حكاية جرت لصاعد: قال الصُّولي: سعَوْا بصاعد إلى الموفَّق، ورمَوه بمال عظيم، فأمر بحمله إليه إلى

стр. 7331

واسط، وجعلوا الرُّقعة التي فيها السِّعاية بالمال العظيم تحت ذَنَب طائر، وانتُظر به مسير صاعد إلى واسِط. قال صاعد: وكان عندي مئتا ألف درهم، فقلت: أحملها إلى الموفَّق، ثمَّ قلتُ: والله لا فعلتُ، ولأتصدَّقنَّ منها بمئة ألف درهم. قال: فتصدَّقت بمئة ألف في اليوم الذي حُملت فيه إلى واسط، ونزلتُ في سفينة، فبينا أنا أسير إذ سقط بين يديَّ طائر، فأخذتُه، فوجدتُ الرُّقعة الَّتي سُعي بي فيها تحت ذَنَبه، فعلمتُ أنَّ الله كفاني ذلك لأجل صدقتي، فلمَّا دخلتُ على الموفَّق أريتُه الطَّائر والرُّقعة، وعرَّفتُه الصَّدقةَ وما فعلتُ، فعظمتُ في عينه، وارتفعتْ منزلتي عنده، وقال: ما فعل الله بك هذا إلَّا لخيرٍ رَادَك له، وخصَّك به (١). ولما بلغ أحمدَ بن طولون ذلك جمع القُضاةَ والأشرافَ والعدول، وفيهم العمريُّ وأبو حازم وبكَّار، وقال: قد نَكَث أبو أحمد بأمير المؤمنين، فاخلعوه من العهد، فخلعوه إلا القاضي بكَّار فإنَّه قال: أنت أوردتَ عليَّ كتابًا من المعتمد بولاية العهد للموفَّق، فأورِدْ عليَّ كتابًا ثانيًا منه بخلعه، فقال: إنَّه مَحْجورٌ [عليه و] مقهور، فقال: لا أدري، فقال ابن طولون لبكَّار: غرَّك النَّاس بقولهم: ما في الدنيا مثل بكَّار، وأنت شيخٌ قد خَرِفتَ، وأنا أحبسك حتَّى يَرِد عليَّ كتابٌ بإطلاقك، فحبسه وقيَّده، واستردَّ منه جميع ما كان قد أعطاه من الجوائز في مدَّة ولايته، فكانت عشرة آلاف دينار، فوجدها في بيت بكَّار بحالها وبختمها. وكتب ابن طولون كتاب الخَلْع وفيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا ما أجمع عليه القُضاة، والعلماء، والأولياء، ووجوهُ الأمصار؛ أنَّ ابن طولون أحضرهم إلى مَجْلسه بدمشق، وسألهم عن ما يوجبه ما أقدم عليه النَّاكث أبو أحمد في أمر أمير المؤمنين المعتمدِ على الله؛ من احتياله على الحَجْر عليه، وقبضِ أمواله، وتشريد جماعته، وأنَّه دسَّ إليه السُّمَّ، واحتال في اغتياله، فخاف أمير المؤمنين على نفسه فأجمع المسيرَ إلى أحمد بن طولون ليَعتصمَ به؛ إذ هو ثقتُه، وعدتُه، وسيفُه، وحصنُه، وإنَّ إسحاقَ بن كنداج عرض له بأمر أبي أحمد وكتابه، فردَّه قهرًا إلى سُرَّ من رأى، وسلَّمه إلى صاعد

стр. 7332

فحبسه، ومنع أهلَه وحشَمه عنه، وقد أصبح أسيرًا بعيدَ النَّاصر، عُرضةً لسُوء القول، وقبيحِ الفعل، يَخاف على نفسه ليلًا ونهارًا، وسرًّا وجَهارًا، فرأى كلُّ مَن حضر من القضاة والعلماء خَلْعَ أبي أحمد ممَّا فوَّضه إليه أمير المؤمنين من ولاية عهده، والتبرِّي منه، وأفتَوا بجهاده لوجوهٍ؛ أحدها: أنَّه منع حقَّ إمامه، والثاني: حقَّ الأخوّة، والثالث: حقَّ النِّعمة، وأوقع مَن حضر من الحكَّام شهاداتهم عليه، وفتياهم به، وكتب في سنة تسعٍ وستِّين ومئتين، شهد عُبيد الله بن محمد العمريُّ، وعبدُ الحميد بن عبد العزيز قاضي دمشقَ والأردن وفلسطين، وكتبوا بها نُسخًا، وبعثوا بها إلى الأمصار. وأكثر الشُّعراء في ذلك، فقال إسحاق بن طريف المخزوميّ: [من الخفيف] كيف يُرجى للعهد مَنْ نَقَض العَهْـ … ــــدَ ولم يَرْعَ حُرمَةَ الأجدادِ ناكثٌ قد أضلَّ قومًا أطاعو … هُ على نكْثِ بيعةٍ وفسادِ أيُّ صوم لكم وأيُّ صلاةٍ … وإمامُ الهُدى أسيرُ الأعادي أيُّ عُذْرٍ لكم بخَذْلِ إمامٍ … لابسٍ ثوبَ ذِلَّةٍ واضطهادِ وبلغ الموفَّق، فكتب إلى الأمصار بلعنةِ ابن طولون على المنابر، فكان الخطيب يقول: وإنَّ عدوَّ الله، المباينَ لجماعة المسلمين، المعروفَ بابن طولون، المارقَ عن الدِّين، الذي أخرب ثغورَ المسلمين، وقاتَلَ المجاهدين، وأهَّل بالفسوق المارقين، واستباح الحريم، وسفك الدِّماء، وظلم الرَّعيَّة، ولم يقسم بالسَّويَّة … وذكر كلامًا طويلًا. ثمَّ سار ابن طولون من دمشق إلى المصِّيصة وبها يازمان الخادم، فتحصَّن ونصب المجانيق والعرَّادات، وجاء فنزل المَرْج والبردُ شديد، والمطرُ كثير، فبثق عليه يازمان نهر طَرَسوس المعروف ببردان، فغرق المَرْج، وهلك عسكرُ ابن طولون، فرحل وهو خائف، وخرج أهل طَرَسوس، فنهبوا ما كان في عسكره، فسار إلى دمشق لا يلوي على أحد، فمرض مرضته الَّتي مات على عَقيبها، ولم يكن فيه إلَّا الغبن من لعنته على المنابر، وعصيان يازمان عليه، وأخذ المعتمد من يده بعد أن كان قد نوى أن يأخذ به الدُّنيا وما فيها. وولَّى ابنُ طولون قضاءَ مصر محمد بن شاذان الجوهريَّ نيابة عن بكَّار، وولَّى

стр. 7333

الموفَّق إسحاقَ بن كنداج المغرب كلَّه، والعراقَ وشرطتَه، وما كان بيدِ أحمد بن طولون، وقرئ كتاب بمكة بلَعْنَةِ ابنِ طولون، وأقام إسحاق بسامرَّاء بأمر الموفَّق هذه السَّنة. وفيها عبر الموفَّق إلى الخبيث، وأحرق قطعةً من البلد، وجرح أنكلاي بن الخبيث صاحب آمد وديار بكر. قال الطَّبريُّ (١): وفيها صار جعفر المفوَّض إلى جامع سُرَّ من رأى يوم الجمعة، ولعنَ ابنَ طولون على المنبر، وعقد لإسحاق بن كنداج من باب الشَّمَّاسِيّة إلى إفريقية (٢)، وعقد لصاعد على شَهْرَزور، والجبال، وحُلْوان، وأعمال الفرات. وفيها كانت بين الموفَّق والزَّنج وقعةٌ عظيمةٌ في شوَّال. كان الخبيث مدَّة اشتغال الموفَّق بمرضه قد أعاد القنطرة الَّتي كانت قريبة من نهر أبي الخَصيب، وألبسها الحديد، وعمل دونها سكرًا بالحجارة يمنع دخول السُّفن إليه، فندب الموفَّق قائدَين في أربعة آلاف ليُجليا أصحابَ الخبيث عن القنطرة، وركب الموفَّق حتَّى وافى نهرَ أبي الخَصيب ليشغلهم عن المعاونة على القنطرة. وخرج الزَّنج يقودهم أنكلاي بن الخبيث، وسُليمان بن جامع، وعلي بن أبان المهلَّبيّ، وقاتلوا عن القنطرة أشدَّ قتال؛ لعِلْمهم بما في قطعها من الضَّرر عليهم، ولم يزل القتال بينهم إلى العصر، وكره الموفَّق أن يهجم اللَّيل والجيشُ موغل في نهر أبي الخَصيب؛ فتتمكنَ الزَّنج من أذاهم، فرجع إلى الموفَّقيَّة، وأحسن إلى المقاتِلة، وخلع عليهم. ولمَّا رأى الخبيث أن الموفَّق قد ضيَّق عليه تحوَّل إلى مكان آخر، وانقطعت عنه المِيرة، وضَعُف أمرُه، وقلَّ عنده الشَّيء، حتَّى كان الرَّجل منهم إذا خلا بامرأة أو صبيِّ ذبحه وأكله، ثمَّ كان مَنْ قوي من الزَّنْج بعضُهم على بعض ذبحه وأكله، وكان الخبيث لا يعاقب مَن يفعل ذلك إلَّا بالحبس، ثمَّ يُطلقه.

стр. 7334

وكان الموفَّق قد أحرق على الخبيث دارَه وقصرَه ومنازلَه، وبقي في جانب من النَّهر في قصره لبعض أصحابه، ووعَّر الطريق إليه وسدَّها، وعمل الخنادق، فسار إليه الموفَّق، وأحرق الأماكن الَّتي كان فيها، ودخل مدينته فتمَّم خرابها، وأمر بقلع باب قصره الذي انتزعه من حصن البصرة، فحُمل إلى بغداد، وقطع الجسرَ الذي كان يرتفق منه الخبيث، فخاف الزنج، وقاتلوا قتالًا شديدًا، ثمَّ انهزموا، فدخل غلمان الموفَّق، فخَلَّصوا مَن كان في تلك الناحية، ودخلوا دار القائد، ونهبوها، وسبَوْا ولدَه ونساءه. وعبر الخبيثُ إلى الجانب الشَّرقي من نهر أبي الخَصيب، وأخلى الغربيَّ، واستأمن إلى الموفَّق جماعةٌ من قوَّاد الخبيث ممَّن كان يَثق بهم، فأحسن إليهم ووصلهم، وجاء بعضهم بمنبر الخبيث، فسُرَّ به وتفاءل بالفتح، واستنقذ الموفَّق نساءً علويَّات كنَّ عند الخبيث مُحَبَّسات، فأمر بحملهنَّ إلى العسكر، وفتحوا سجنًا كبيرًا كان للخبيث فيه خلق من العساكر الذين كانوا يقاتلون من أصحاب الموفَّق ومن غيرهم، فأَخرجوا الجميع وفي أرجلهم القيود، وفي أعناقهم الأغلال، فأطلقوهم. وبعث أنكلاي بن الخبيث إلى الموفَّق يَطلب الأمان، ويَشترط أشياء، فأجابه إلى كلِّ ما سأل، وبلغ أباه، فعَدَله إلى قتال الموفَّق، وباشر الحرب بنفسه. وفي ذي القعدة دخل الموفَّق مدينة الخبيث الشَّرقيَّة من نهر أبي الخَصيب، جمع السفن والمعابر من دجلة والبَطيحة ونواحيها، وأضافها إلى ما في عسكره، فأُحصي ما كان في المعابر والشَّذا والسُّميريات زهاءَ عشرة آلاف ملَّاح، ممَّن يجري عليه الرِّزق من بيت المال مشاهرة، سوى سُفن أهلِ العسكر الَّتي يحمل فيها المِيرة، ويركبها النَّاس في حوائجهم، وأمر الموفَّق بتفرقة السُّفن على الفرسان والرَّجَّالة، وقدَّم ابنه أبا العبَّاس وقوَّاده ومواليه، وذلك في يوم الاثنين لتسعٍ خلون من ذي القعدة. وفي هذا الشهر أدخل المعتمد إلى واسط. وسارت السفن والسُّميريات والخيَّالة والرَّجَّالة على ترتيب لم يُرَ مثله (١)، فيقال: إنَّ المقاتِلة كانوا ثلاثين ألفًا، وسارت السُّفن في دجلة منذ صلاة الظُّهر إلى اللَّيل، وأصبح

стр. 7335

يوم الثلاثاء وقد انضاف إليه خلقٌ كثير، فصار في خمسين ألفًا؛ يكبِّرون، ويهلِّلون، ويقرؤون القرآن، ويصلُّون على النبيِّ ﷺ ، فلمَّا رأى الخبيث ذلك أبهره، وزال عقلُه، وزحف الجيشُ نحو الخبيث، فتلقَّاه بنفسه في جيشه، واشتبكت الحرب، وكَثُر القتل والجراح بين الفريقين. وحامى (١) الزَّنج على المدينة الشَّرقية واستقتلوا، وحمل الموفَّق بنفسه وأبو العبَّاس والخواصُّ فهزموهم، وقتلوا منهم مَقْتلَةً عظيمة، وأسروا من شُجعانهم خلقًا كثيرًا، فضرب الموفَّق أعناقَهم، وقصد دار الخبيث وقد التجأ الخبيث إليها، وانتخب أنجادَ أصحابه، وكان فيها بقايا ما كان سَلِم للخبيث، فانتهب غلمانُ الموفَّق الجميع، وأخذوا حرمه وأولاده -وكانوا أكثر من مئة امرأة وصبيّ-، وهرب الخبيث على وجهه نحو دار المهلّبيّ لا يلوي على أحد ولا مال ولا أهل، وأُتي بأولاده ونسائه، فأمر الموفَّق بحملهم إلى الموفَّقيَّة، وأحسن إليهم، وأمر بإحراق دار الخبيث فأُحرِقَت بما فيها، واستنقذ خمس مئة امرأة من المسلمات اللَّاتي كنَّ عند الخبيث، فردَّهنَّ الموفَّق إلى أهاليهنَّ، وكان الخبيث قد جاءه منهنَّ أولاد. وفي ذي الحجَّة ورد كتاب لؤلؤ مولى ابن طولون إلى الموفَّق يسأله القدومَ عليه؛ ليَشهَد حرب الخبيث، فأجابه إلى ذلك، وأقام ينتظر قدوم لؤلؤ ليُناجز الخبيث، فقدم لؤلؤ مدينة السَّلام في جمع عظيم من الفَراغِنة والأتراك والرُّوم والبَربر والسُّودان وغيرهم، فأقام ببغداد أيَّامًا، ثمَّ توجَّه إلى الموفَّق، فوافاه يوم الخميس لليلتين خلتا من المحرَّم سنة سبعين ومئتين، وسنذكره هناك. وبعث الموفَّق بعيالِ (٢) صاحب الزَّنج إلى بغداد. وحجَّ بالنَّاس هارون بن محمد بن إسحاق الهاشميّ. وفيها توفي أحمد بنُ عبد الله ابنِ القاسم، أبو بكر، الورَّاق الحافظ. حدَّث [عن] عُبيد الله بن مُعاذ العَنْبريّ وغيره، وروى عنه أبو سعيد بن الأعرابيِّ وغيره.

стр. 7336

وأخرج له الخطيب (١) أثرًا عن زِرّ بن حُبَيش قال: قلتُ لأُبيِّ بن كعب: إنَّ ابن مسعود يقول: مَن يَقُم شهرَ رمضان يُدركْ ليلة القَدْر، فقال أُبيّ: يرحم الله ابن مسعود، لقد علم أنَّها ليلةُ سبعٍ وعشرين. الحسن بنُ مَخْلد ابنِ الجرَّاح، أبو محمد، الكاتب، الوزير (٢). ولد سنة تسع ومئتين هو ومحمد بن عبد الله بن طاهر، وعُبيد الله بن يحيى بن خاقان، وأحمد بن إسرائيل، وكلُّهم وَلُوا الوزارة. وكان ابن مَخْلَد يتولَّى ديوان الضياع للمتوكِّل، وقدم معه دمشق، ثمَّ بقي إلى زمان المعتمد، فاستوزره سنة ثلاثٍ وستين، ثمَّ عزله فيها سليمان بن وهب، واعتقله، وأخذ منه مئة ألف وعشرين ألف دينار، ثمَّ أطلقه، واستوزره في سنة أربعٍ وستِّين وقبض على سليمان، ثمَّ عزل الحسن وأعاد سليمان إلى الوزارة في ذي الحجَّة، فهرب ابن مخلد، ثمَّ ظهر في ربيع الأول سنة خمس وستين، فأُعيد إلى الوزارة في ربيع الأوَّل، ثمَّ سخط عليه المعتمد في شعبان، واستوزر أحمد بن صالح، فبعث أحمد بن طولون إليه فأشخصه إلى مصر، فلمَّا قدم عليه رأى منه ما لم يره من غيره من الفَهم والدِّراية بأمر الدُّنيا، فحظي عنده، وقال له: انظر في أعمالي، فنظر فيها، وضمن له زيادةَ ألف ألف دينار في كلِّ سنة؛ مع العدل في الرَّعيَّة، فخافه الكتاب فوشَوْا به إلى ابن طولون، وقالوا: هذا عينُ الموفَّق عليك، فحبسه، فقالوا: لا ينبغي أن يكون في جِوارك محبوسًا؛ فربَّما حَدَث به حادث فيُنسب إليك، فبعث به إلى عامله بأنطاكية، وأمره أن يعذِّبه، فعذَّبه في هذه السَّنة. وكان شاعرًا جوادًا ممدَّحًا، مدحه البحتريُّ وغيره، ومن شعر الحسن وكتب به إلى أهله من مصر إلى بغداد: [من البسيط] مَن للغريب البعيدِ النَّازحِ الوَطَنِ … مَنْ للأسير أسيرِ الهَمِّ والحَزَنِ

стр. 7337

مَن للغريب الذي لا مُستراحَ له … مِنَ الهموم ولا حظٌّ من الوَسَنِ لا خيرَ في عيشِ نائي الدَّارِ مُغْتَربٍ … يأوي إلى الهمِّ كالمَصْفود في قَرَنِ يا أهلُ كم فاتني من حُسنِ مُستمعٍ … منكم وفارقتُه من مَنظَرٍ حَسَنِ وكم تجرَّعتُ للأيام بعدكمُ … من جُرعةٍ أزعجَتْ روحي من البَدَنِ وقال الحسن: عُرِضَتْ على المتوكِّل جاريتان شاعرتان، فقال لإحداهما: قولي في مجلسنا شيئًا -وكان فيه الفتح بن خاقان- فقالت: [من الطويل] أقول وقد أبصرتُ صورةَ جعفرٍ … إمامِ الهدى والفَتح ذي العزِّ والفخرِ أشمس الضُّحى أم شِبهُها وجهُ جعفر … وبدرُ السماءِ الفتحُ (١) أم مُشبِهُ البَدْرِ ثمَّ قال للأخرى: قولي أنت شيئًا، فقالت: [من الطويل] أقول وقد أبصرتُ صورةَ جعفر … تعالى الذي أعلاك يا سيِّدَ البَشَرْ وأكمل نَعماه (٢) بفَتْحٍ ونُصحه … فأنت لنا شمسٌ وفتحٌ لنا قَمَرْ فأمر بشراءِ الأولى دون الثانية، فقالت: لم رَدَدْتَني؟ فقال: لأنَّ في وجهك نَمَشًا، فقالت: [من السريع] لم يَسْلَمِ الظَّبيُ على حُسْنِه … يومًا ولا البَدْرُ الذي يُوصَفُ الظَّبيُ فيه خَنَسٌ بَيِّنٌ … والبدرُ فيه نُكتة تُعرَفُ فأمر بشراء الأخرى. خالد بن أحمد بن خالد ابن عمرو، أبو الهَيثم، الذُّهْليُّ. ولي إمارة مَرْو، وهَرَاة، وبُخارى، وغيرها من بلاد خُراسان، وكان من أهل السُّنَّة، وله آثار مَشهودة، وأمور مَحمودة، وهو الذي نفى البخاريَّ عن بخارى لما قال: لَفْظي بالقرآن مخلوق. وكان يحبُّ العلماء والحديث، وأنفق في طلب الحديث والعلم ألفَ ألفِ درهم،

стр. 7338

ولمَّا استوطن بُخارى استقدم إلى حَضرته حفَّاظ الحديث، مثل: صالح جَزَرة، ومحمد بن نَصْر المَرْوزي، ونصر بن أحمد، وغيرهم، وسمع من إسحاق بن راهويه وغيره. ورد بغداد وحدَّث بها، فسمع منه القاضي وكيع، وأبو طالب الحافظ، وابن عُقدة، وغيرهم. وكان يختلف إلى المحدِّثين فيسمع منهم، ويمشي لطلب الحديث ولا يركب تواضعًا، وبسط يده بالإحسان إلى العلماء فأحبُّوه، وقَدِموا عليه من الآفاق، وكان شديدًا على الطَّاهرية، مائلًا إلى يعقوب الصَّفَّار، وكان قد كلَّم محمد بنَ طاهر لمَّا كان بهَراة بما ساءه، فرفع محمد أمرَه إلى السَّلطان، فاتَّهمه السُّلطان فحبسه ببغداد، فمات في حبسه، فكانوا يرَون أنَّه عُوقب بسبب ما فعل بالبخاريّ (١). [فصل وفيها توفي] عيسى بن الشَّيخ ابن السَّليل بن ضَبِيس (٢)، أبو موسى، الذُّهْلي، الشَّيباني (٣)، من ذُهْل بن شَيبان. غلب على دمشق في أيَّام المهتدي وأوَّلِ أيام المعتمد، وذكره أبو الحسين الرَّازي في أمراء دمشق فقال: غلب على دمشق (٤) سنةَ خمسٍ وخمسين ومئتين، وأظهر الخلاف، وأخذ مال الشَّام، وكان يتقلَّد فلسطين والرَّملة والأردنّ، وكان ذلك في وقت اضطراب الأتراك بسامراء، فاغتنم عيسى ذلك، فجمع الرِّجال، ومنع المال، واتَّفق أنَّ ابنَ المدبَّر حمل من مصر سبع مئة ألف دينار وخمسين ألف دينار يريد سامراء، فأخذها عيسى منه، فبعثوا من سامرَّاء حسين الخادم، ومعه الكُريزي وأبو نصر المروزيّ الفقيهان؛ لمطالبته بمال مصر، وبما كان في يده من الأعمال، وبعثوا بعَهْده على أرمينية معهم، فلم يُقرَّ بشيء وقال: استولت النَّفقات على الجميع.

стр. 7339

وكان لمَّا ولي المعتمد لم يبايعْه عيسى لأجل المهتدي، ولا لبس السَّواد، فتلطَّف به حُسين الخادم، ودفع إليه عهدَه على أرمينية حتى أقام الدَّعوة للمعتمد، وهو يظنُّ أنَّه استُعمل على أرمينية مضافًا إلى الشَّام، فقلَّد المعتمد أماجور التُّركي دمشقَ وأعمالها، فسار إلى الشَّام في جيشه، وقيل: في أقلَّ من ألف رجل، فلمَّا قَرُب منها أنهض عيسى ابنَه منصور وكنيته أبو الصَّهباء، فخرج إلى أماجور وقاتله، فانهزم منصور وأُخذ أسيرًا، وجيء به إلى أماجور، فضرب عنقه، وصلبه على باب دمشق (١)، ومضى عيسى منهزمًا إلى أرمينية، فأقام بها إلى سنة تسع وخمسين ومات بها، [وهذه حكاية ابن عساكر عن أبي الحسين الرَّازي]. وذكره الدارقطني فقال (٢): كان عيسى أميرًا على آمد [ومن ولده جماعة من أصحاب الحديث، منهم: محمد بن إسحاق بن عيسى بن الشيخ]. وقال الصُّولي: جاءه رجل فأنشده هذه الأبيات: [من الوافر] رأيتُكَ في المنام خَلَعْتَ (٣) خزًّا … عليَّ بَنَفْسَجًا وقضيتَ دَيني فعجِّل لي فِداكَ أبي وأمِّي … مقالًا في المنام رأتْه عيني فقال عيسى: يا غلام، كم في الخزانة من شِقاق البنفسج؟ قال: سبعون شُقَّة، قال: ادفعها إليه. ثم قال: كم دَينُك؟ قال: عشرة آلاف درهم، فأعطاه إيَّاها وقال: اقض [بهذه] دينك، وعشرة آلاف أخرى استَعِنْ بها (٤)، وإيَّاك أن تَعودَ فترى منامًا آخر، فلعلَّك لا تجد مَن يُفسِّره لك.

стр. 7340

وقال الصُّولي: كان بُغا الكبير قد ولّى عيسى بن الشيخ على فلسطين والأردنّ في سنة خمس وخمسين ومئتين، فغلب على دمشق، ثم مضى إلى أرمينية، فتوفي بها في هذه السنة.] وحكى ابن عساكر عن عيسى أنَّه قال: قال المأمون (١): دخول الحمَّام بالغَدَوات دخولُ الملوك، ووقت الظُّهر دخولُ التُّجَّار، وبعد العصر دخول السُّفَّل، ووقتَ السَّحَر دخول العيَّارين [والطَرَّارين، وهذا ما انتهى إلينا، والله أعلم]. [وفيها توفي] محمد بن إبراهيم أبو حمزة، الصُّوفيُّ، البغداديُّ، [مولى عيسى بن أبان القاضي، وقيل: إنَّه من ولده. وكان أبو حمزة] أستاذَ البغداديِّين، وهو أوَّل مَن تكلَّم ببغداد في هذه المذاهب من صفاء الذِّكر، وجمعِ الهَمِّ، والمحبَّة، والشَّوق، والقُرب، والأُنس، لم يسبقه إلى الكلام بهذا على رؤوس المنابر ببغداد أحد، وما زال مَقبولًا، حسنَ المنزلة عند النَّاس، إلى أن توفي في سنة تسع وستين ومئتين، ودفن بباب الكوفة (٢). وكان عالمًا بالقراءات، وجالس الإمام أحمد، وكان الإمام أحمد أبن حنبل، إذا جرى في مجلسه شيءٌ من كلام القوم يلتفت إلى أبي حمزة ويقول: ما تقول في هذه المسألة يا صوفيّ؟ وصحب سريًّا، والجنيد (٣)، وحسنًا المُسُوحي [وإليه كان ينتمي وغيرهم، وحكى عنه خير النَّسَّاج]. وقدم مكَّة والمدينة وتكلَّم بهما مرارًا. [ذكر طرف من أخباره وكلامه: حكى الخطيب بإسناده إلى خير النَّسَّاج قال: سمعتُ أبا حمزة] يقول: خرجتُ من

стр. 7341

بلاد الرُّوم، فوقفتُ على راهب فناديته: هل عندك خَبَرُ مَن قد مضى؟ قال: نعم، فريقٌ في الجنَّة، وفريق في السَّعير [، وذكرها ابن خَميس في "المناقب" (١)]. وقال: استراح من أسقط عن قلبه محبَّة الدُّنيا، ومتى خلا منها سكنه التوكُّل. [وحكى عنه في "المناقب"] (٢) قال: مَن رُزق ثلاثة أشياء نجا من الآفات؛ بطنٌ جائع مع قلبٍ قانع، وفقر دائم مع زهد حاضر، وصبر كامل مع ذكر دائم. وسئل عن الأُنس فقال: ضِيق الصَّدر من مُعاشرة الخَلْق. وقال: إنِّي لأستحيي من الله أن أَدخل الباديةَ وأنا شبعان وقد اعتقدتُ التَّوكُّل. وقال الجنيد: خرج مرَّة من البادية، فقدَّمت إليه طعامًا كثيرًا فأكل الجميع، فعجبتُ منه فقال: لا تعجب؛ فإنِّي أكلتُ أكلةً بمكَّة وهذه الثانية. وسمع رجلًا يلوم إنسانًا على إظهار وَجْدِه، وغلبةِ الحال عليه في مجلس بعض الأضداد، فقال أبو حمزة: يا أخي، الوَجْدُ الغالب يُسقط التَّمييز، ويجعلُ الأماكن كلَّها مكانًا واحدًا، والأعيانَ عينًا واحدة، فلا لَوْمَ على مَن اضطرَّه وجْدُه إلى ذلك، وما أحسن قولَ القائل: [من الكامل] فدَعِ المحبَّ من الملامةِ إنَّها … بئسَ الدَّواءُ لمُوْجَعِ مِقْلاقِ لا تُطفِئنَّ جَوًى بلَوْمٍ إنَّه … كالرِّيح تُغري النَّارَ بالإحراقِ (٣) وخرج طائفة من مكَّة من المشايخ يستقبلونه، وقيل: إنَّما خرجوا من بغداد يستقبلونه عند قدومه من مكَّة، فإذا به قد شَحَب لونُه، فقال له الجريريُّ: يا سيِّدي، هل تتغيَّر الأسرار بتغيُّر الصِّفات؟ قال: معاذ الله أن تتغيَّر بتغيُّر الصِّفات، لو تغيَّرت لهلك العالم، ولكنَّه ساكنَ الأسرارَ فحملها، وأعرض عن الصِّفات فلاشاها (٤)، ثمَّ أنشد:

стр. 7342

[من مجزوء الكامل] كما ترى صَيَّرني … قَطْعُ قِفارِ الدِّمَنِ شرَّدني عن وطني … كأنَّني لم أكنِ إذا تغيَّبتُ بدا … وإن بدا غيَّبني يقولُ لا تشهد ما … يشهد أو يشهدني ذكر وفاته: قال: تكلمتُ يومًا فهتف بي هاتف: قد تكلَّمتَ فأحسنتَ، بقي أن تسكتَ فتُحسن، فما تكلَّم بعد ذلك، وعاش أسبوعًا ومات. وقال السُّلَمي: تكلَّم يومًا في جامع الرُّصافة في علوم الإرادات، فسقط من المنبر، فأقام مريضًا، وتوفِّي بعد أيام. وقيل: إنَّما سقط في جامع المنصور، وقيل: إنَّه مات في سنة تسعٍ وسبعين. [قال الخطيب: وفي] سنة تسعٍ وستين أصحّ (١). * * *

стр. 7343

السَّنة السَّبعون بعد المئتين فيها في المحرَّم كانت وَقعةٌ بين الموفَّق والخبيث أوهَنَت الخبيث، ووقعةٌ أخرى في صفر قُتل فيها الخبيث، وسنذكره. وفيها توفي هارون بن [أبي] (١) أحمد الموفَّق ببغداد يوم الخميس لليلتين خلتا من جمادى الأولى. وفيها مات الحسنُ بن زيد العَلَوي بطَبَرِستان في شعبان، وقيل: في رجب، ومات ابنُ طولون في ذي القعدة. وفي نصف شعبان أُعيد المعتمد إلى سامرَّاء، ودخل بغداد ومحمد بن طاهر يسير بين يديه بالحَرْبة، والجيشُ في صحبته كأنَّه لم يُحجر عليه. وفيها انبثق ببغداد في الجانب الغربي بَثْقٌ من نهر عيسى من الياسِرِيَّة، فجاء الماء إلى الكَرْخ، فهدم سبعةَ آلاف دار. وقال أبو الحسين الرَّازي: وفيها ظهر أحمد بنُ عبد الله بنِ إبراهيمَ بنِ إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الله [بن حسن] بن حسن بن عليٍّ ﵇ (٢) بصعيد مصر، وتبعه خلقٌ كثير، فبنى أحمد بن طولون على قبر معاوية بن أبي سفيان أربعةَ أَرْوقَة، وأخرج عظامَ الصَّحابة، فرمى بها حتَّى أسَّس البناء، ورتَّب عند القبر أُناسًا يقرؤون القرآن، ويوقدون الشُّموع. ثمَّ جهز [أحمد بن طولون] إلى أحمد بن عبد الله الجيوشَ إلى صعيد مصر، فكانت بينهم حروب، فظفر به أصحابُ ابنِ طولون، فحملوه إليه فقتله، ومات ابن طولون بعده بيسير.

стр. 7344

وفيها نزلت الرُّوم طَرَسوس في مئة ألف، [وعليهم بِطْرِيق يقال له: أندرياس، وكان بطَرَسوس يازمان الخادم، فبيَّتهم ليلًا] وقَتل البطريقَ وسبعين ألفًا معه، وأَخذ منهم صُلبانَ الذَّهب منها صليب الصَّلَبوت، وعليه جواهرُ لا قيمةَ لها، وأَخذ منهم مئتي كرسيٍّ من الذَّهب والفضَّة مرصَّعة بالجواهر، ومن الخيام والسِّلاح ما لا يُحصى، وكذا من الخيل، لم يفلتْ منهم إلَّا القليل، وذلك في ربيع الأوَّل. وحجَّ بالنَّاس هارون بن محمد الهاشميّ (١). [فصل] وفيها توفي أحمد بن طولون أبو العبَّاس، التُّركي، وطولون مولى نوح بن أسد عامل بخارى وخراسان. أهداه نوح إلى المأمون في سنة مئتين، ووُلد له أحمد في سنة عشرين ومئتين، وقيل: في سنة أربع عشرة، والأوَّل أصحّ، ببغداد، وقيل: بسُرَّ من رأى، من جارية يقال لها: هاشم، وقيل: قاسم. وقيل: إنَّ أحمد لم يكن ابنَ طولون وإنَّما تبنَّاه. وذكر أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحُميدي [ما يدلّ عليه:] قال بعض المصريِّين (٢): إنَّ طولون تبنَّاه ولم يكن ابنَه، وإنَّه رأى فيه مَخايل النَّجابة. ودخل عليه يومًا [وهو صغير] فقال: بالباب قوم ضُعَفاء، فلو كتبتَ لهم بشيء، فقال [له طولون:] ادخل إلى المقصورة وائتني بدواة وبيضاء، فدخل أحمد، فرأى في الدِّهليز حَظِيَّة من حظاياه قد خلا بها خادم، فأخذ الدَّواة وخرج ولم يتكلَّم، فخَشيت الجاريةُ أن يسبقها إلى طولون بالقول، فجاءت إلى طولون وقالت: إنَّ أحمد راودني السَّاعةَ في الدّهليز، فصدَّقها، وكتب كتابًا إلى بعض خَدَمِه يأمره بقتل حامل الكتاب من غير مشورة، وقال لأحمد: اذهب بهذا الكتاب إلى فلان، فأخذ الكتاب، ومرَّ على الجارية [بالكتاب]، فقالت له: إلى أين؟ فقال: في حاجةٍ مُهمَّةٍ للأمير [ولا يعلم ما]

стр. 7345

في الكتاب، فقالت: أنا أرسله [إليه] ولي بك حاجة (١)، فدفع إليها الكتاب، فدفعتْه إلى الخادم الذي كان معها وقالت: اذهب به إليه، وشَغَلت أحمد بالحديث، وإنَّما قصدت أن يزداد عليه طولون حَنَقًا. فلمَّا وقف المأمور على الكتاب قطع رأس الخادم، وبعث به إلى طولون، فلمَّا رآه عَجِب، واستدعى أحمد، وقال له: اصدُقْني، ما الذي رأيتَ في طريقك إلى المقصورة؟ قال: لا شيء، قال: اصدقني وإلَّا قتلتُك. فصدقه الحديث، وعَلِمت الجارية بقتل الخادم، فخرجت ذَليلةً حَيرانة، فقال لها: اصدُقيني، فصدقتْه، فقتلَها، وحظي أحمد عنده. [قلت: ما أشبه هذه الحكاية بقول القائل: أحسنْ إلى المُحْسِن بإحسانه، فأمَّا المُسيء فتكفيه مَساءته. وفي الباب حكاية معروفة]. قال أحمد بن يوسف [الكاتب]: قلتُ لأبي العباس بن خاقان: النَّاس [في أحمد] فرقتان؛ فرقة تقول: إنَّ أحمدَ ابنُ طولون. وأخرى تقول: هو ابن مَليح التركي (٢)، وأمُّه قاسم جارية طولون، فقال: كذبوا، إنَّما هو ابن طولون، ودليله: أنَّ الموفَّق لمَّا لعنه نسبه إلى طولون ولم ينسبه إلى مليح (٣)، و [كان] مليح مِضحاكًا يُسخر منه، وطولون معروف بالسّتر. وقال أحمد بن يوسف في "سيرة ابن طولون": إنَّ طولون كان رجلًا (٤) من أهل طُغُزغُز، فحمله نوح بن أسد عامل بخارى إلى المأمون فيما كان موظَّفًا عليه [من المال والرَّقيق والخيل في كلِّ سنة. وولد أحمد بن طولون بسامرَّاءَ من جارية يقال لها: قاسم]. واختلفوا في وفاة طولون، فحكينا عن أحمد بن يوسف الكاتب: أنه مات في سنة

стр. 7346

أربعين ومئتين، [وكذا ذكر الخطيب، وقيل: إنَّ أحمد ولد في سنة أربعة عشر ومئتين، ومات أبوه] (١) في سنة ثلاثين ومئتين، والأوَّل أصحّ، وفوِّض إليه ما كان إلى أبيه، ولمَّا ترعرع خطب إلى يارجوخ بنت عمٍّ له تُعرف بخاتون، فزوَّجه إيَّاها، فوَلَدت له العبَّاس [بن أحمد في] سنة اثنتين وأربعين ومئتين. ذكر طرف من أخباره: [حكى ابن عيسى اللؤلؤي وقال:] كان ظاهر النَّجابة من صغره، ونشأ بعيدَ الهِمَّة، على طريقة مستقيمة ومذهبٍ جميل، وطلبَ العلم في صغره، وسمع الحديث، وقرأ القرآن، وكان حسنَ الصوت، يَدرس القرآنَ كثيرًا (٢). وكان يقول: ينبغي للرَّئيس أن يَجعل اقتصادَه على نفسه، وسَماحتَه على مَن يَقصُده ويشتمل عليه؛ فإنَّه يملكهم ملكًا لا يزول به عن قلوبهم. ونشأ أحمد في العِفَّة والصَّلاح والدِّين والجود، حتَّى صار له في الدُّنيا ذكر جميل (٣)، وكان شديدَ الإِزْراء على التُّرك وأولادِهم؛ لما يرتكبونه من أمر الخلفاء، غير راضٍ بذلك، ويستقلُّ عقولهم، ويقول: [إنَّ] حرمة الدِّين عندهم مَهتوكة، وكانوا يَهابونه ويتَّقونه على الأموال (٤) ويحبُّونه. وقال الخاقانيُّ وكان خَصِيصًا بابن طولون: قال لي يومًا: يا أخي، كم نُقيم [على] هذا الإثم مع هؤلاء الموالي -يعني الأتراك- لا نَطأ مَوطئًا إلا كُتب علينا الخطأ والإثم؟ وكان يستصغر عقولهم ويقول: يَسْمُون (٥) إلى ما لا يستحقُّونه من المراتب، والصَّواب أن نسأل الوزير أن يكتب بأرزاقنا إلى الثَّغر، فسأله، فكتب له، فخرجْنا إلى طَرَسوس، فلمَّا رأى ما النَّاسُ عليه من الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر سُرَّ بذلك،

стр. 7347

وأقمنا نسمع الحديث. ورجعت إلى سرَّ من رأى، فاستَقبلَتْني أمُّه قاسم بالبكاء وقالت: مات ابني؟ فحلفتُ لها أنَّه في عافية، ثمَّ عدت إلى طَرَسوس، فأخبرته بما رأيتُ من أمِّه وقلت له: إن كنتَ أردتَ بمقامك بهذه البلاد وجهَ الله وتدع أمَّك كذلك فقد أخطأت، فوعدني بالخروج من طَرَسوس. ثمَّ خرجنا ونحن زُهاء خمس مئة رجل -والخليفةُ يومئذ المستعين- وخرج معنا خادم الخليفة ومعه ثيابٌ مثمنة عمل الرُّوم على بغل، فسرنا إلى الرُّها، فقيل لنا: إنَّ جماعة من قُطَّاع الطَّريق على انتظاركم، والمصلحةُ دخولُكم حصنَ الرُّها حتَّى يتفرَّقوا، فقال أحمد: لا يراني الله فارًّا وقد خرجتُ على نيَّة الجهاد، وخرجنا فالتقينا، فأوقع بالقوم، فقتل منهم جماعةً وهرب الباقون، فزاد في أعين النَّاس جَلالةً ومَهابة. ووصل الخادم إلى المستعين بالثِّياب، فلمَّا رآها استحسنها، فقال له الخادم: لولا ابن طولون ما سَلِمتْ ولا سلمْنا، وحكى له القصَّة، فبعث إليه مع الخادم بألفِ دينار سرًّا، وقال له: عرِّفْه أنَّني أحبُّه، ولولا خوفي عليه لقَرَّبتُه. وكان ابن طولون إذا دخل على المستعين مع الأتراك في الخدمة أومأ إليه الخليفة بالسَّلام سرًّا، واستدام الإحسان إليه ووهب له جارية اسمها ميَّاس، فولدت له ابنه خُمارويه في المحرَّم سنة خمسين ومئتين. ولما تنكَّر الأتراك للمستعين وخلعوه، أحْدروه إلى واسِط وقالوا: مَن تختار أن يكون في صُحبتك؟ فقال: أحمد بن طولون، فبعثوه معه، فأحسن صُحبته، ثمَّ كتب الأتراك إلى أحمد: أن اقتُل المستعين ونولِّيك واسطًا، فكتب إليهم: لا رآني الله قتلتُ خليفةً بايعتُ له أبدًا. فبعثوا سعيدًا الحاجب فقتل المستعين بالقاطول، فوارى أحمدُ جثَّته، ولما رجع أحمد [بن طولون] إلى سُرَّ من رأى بعد ما قَتل [سعيدٌ الحاجب] المستعينَ أقام بها، فزاد محلُّه عند الأتراك، فولَّوْه مصر نيابةً عن أميرها سنة أربع وخمسين [ومئتين]، فقال حين دخلها: غايةُ ما وُعدت به في قتل المستعين ولايةُ واسط، فتركتُ ذلك لله تعالى، فعوَّضني الله ولايةَ مصر والشَّام، فلمَّا قتل والي مصر في أيَّام المهتدي صار مستقلًّا به

стр. 7348

في أيَّام المعتمد. وقيل: إنَّه ولي الشَّام نيابةً عن باكباك [ثمَّ ولي باكباك مصر نيابة عنه]، فلمَّا قُتل باكباك استقلَّ، فكان حكمه من الفرات إلى المغرب. و [قال الخطيب:] (١) ركب يومًا يتصيَّد بمصر، فغاصت قوائم فرسه في الرَّمل، فأمر بكشف ذلك الموضع فظفر بمَطْلبٍ فيه ألف ألف دينار (٢)، فأنفقها في أبواب البرِّ والصَّدقات. وكان يتصدَّق في كلِّ يوم بمئة دينار غير ما كان عليه من الرَّواتب، وينفق على مطبخه كلَّ يوم ألف دينار، وكان راتبه على [الفقهاء، و] العلماء، وأهل القرآن، والأئمَّة، وأرباب البيوت في كلِّ شهر عشرة آلاف دينار. وكان يبعث بالصَّدقات إلى دمشقَ، والعراق، والثُّغور، والجزيرة، وبغداد، وسرَّ من رأى، والكوفة، والبصرة، والحرمين، وغيرها، فحُسب ذلك فكان ألفي ألف دينار ومئتي ألف دينار. وبنى الجامع المعروف بين مصر والقاهرة، وغَرم عليه أموالًا لا تحصى، قال أحمد الكاتب: أنفق عليه مئة ألف دينار وعشرين ألف دينار. [وقرأت في "تاريخ مصر" أنَّ ابن طولون لمَّا تمَّ بناءُ الجامع] قال له الصُّنَّاع: على أيِّ مثال نعمل المنارة -وما كان يَعبث قطّ- فأخذ درجًا من الكاغَد وجعل يعبث به، فخرج بعضُه وبقي بعضه في يده، فعجب الحاضرون، فقال: اصنعوا المنارةَ على هذا المثال، فصنعوها [وهي قائمة اليوم على ذلك] (٣). ولمَّا تمَّ بناءُ الجامع رأى ابن طولون في منامه كأنَّ الله تعالى قد تجلَّى للقصور الَّتي حول الجامع، ولم يتجلَّ للجامع، فسأل المعبّرين فقالوا: يخرب (ما حوله) ويبقى [الجامع] قائمًا وحده، فقال: من أين لكم هذا؟ قالوا: من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ

стр. 7349

لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ وقولِه ﷺ : "إذا تجلَّى الله لشيء خضع له" (١) فكان كما قالوا. وأنفق على المارستان ستِّين ألف دينار، وعلى حصن الجزيرة ثمانين ألف دينار، وعلى الميدان خمسين ألف دينار (٢). وحمل إلى المعتمد في مدَّة أربع سنين ألفي ألف دينار ومئتي ألف دينار، وكان خراجُ مصر في أيَّامه أربعة آلاف ألف وثلاثمئة ألف دينار. وقال له وكيله [يومًا] في الصّدقات: ربَّما امتدَّت إليَّ الكفُّ المطوَّقة، والمعصم فيه السِّوار، والكمّ النَّاعم، أفأمنع هذه الوظيفة؟ فقال له: ويحك، هؤلاء المستورون الَّذين يحسبهم الجاهلُ أغنياءَ من التَّعفُّف، احذر أن تردَّ يدًا امتدَّت إليك. [وجرت له قصَّة مع الحسن بن سفيان نذكرها في سنة ثلاث وثلاثمئة]. وحسَّن له بعض التجَّار التجارة، فدفع إليه خمسين ألف دينار، فرأى في المنام كأنَّه يُمَشْمِش (٣) عَظْمًا، فدعى المُعَبِّر فقصَّ عليه، فقال [له]: قد سَمَت همَّتُك إلى مَكْسَب لا يُشبه خَطَرك، فأرسل إلى التَّاجر، فأخذ المال فتصدَّق به. وكان فيه خِلال جميلة، إلَّا أنَّه لمَّا ولي مصر والشَام ظَلَم وسفك، فيقال: إنَّه مات في حبسه ثمانية عشر ألفًا. و [رأيتُ في كتاب "تعبير الرؤيا" أنَّ ابن طولون] رأى في منامه كأنَّ الحقَّ قد مات في داره، فاستعظم ذلك، وانتبه فَزِعًا، وجمع المعبِّرين فلم يَدْروا، فقال له بعضهم: أقول ولي الأمان، قال: نعم، قال: أنت ظالم قد أمتَّ الحقَّ في دارك، فبكى [ابن طولون]. ذكر [مرضه و] وفاته: [ذكر أحمد بن يوسف بن إبراهيم الكاتب في "سيرة ابن طولون" أنَّ] بدوَّ مرضه كان بأنطاكية لمَّا عاد عن طَرَسوس، وكان قد أكل من لبن الجاموس فأكثر منه، وكان له

стр. 7350

طبيب اسمه سعيد بن نوفيل نصرانيّ، فقال له: ما الرَّأي؟ قال: لا تقرب الغداء اليوم وغدًا. -وكان جائعًا- فاستدعى خروفًا وفراريجَ فأكل منها، وكان به علَّة القيام فانقطع، فأخبر الطَّبيب، فقال: إنَّا لله ضعُفت القوَّة الدَّافعة بقهر الغِذَاء لها، فعاوده الإسهال، فخرج من أنطاكية في مِحَفَّة تحمله الرِّجال إلى الفَرْما، فضعف، فركب في البحر في قُبَّة إلى مصر، وقيل لطبيبه: أنت حاذق، فانظر كيف تكون؟ فقال: والله ما خِدْمتي له إلَّا خدمة الفأر للسِّنَّور، والسَّخلة للذِّئب، وإنَّ قتلي عنده أهونُ عليَّ من صحبته (١). ولما دخل مصر استدعى الأطباء وفيهم الحسن بن زِيرك، وقال لهم: والله لئن لم يَنْجَع في تدبيرُكم لأضربنَّ أعناقكم قبل موتي، فخافوا منه، وما كان يحتمي، ويخالفهم. ولمَّا اشتدَّ مرضه خرج المسلمون بالمصاحف، واليهود والنَّصارى بالتَّوراة والإنجيل، والمعلِّمون بالصِّبيان إلى الصَّحراء، ودَعَوْا له، ولَزِم (٢) المسلمون المساجد يختمون الختمات، ويَدعون له، فلمَّا أَيِس من نفسه رفع يديه إلى السَّماء، وقال: يا ربّ، ارحم مَن جهِل مقدارَ نفسه، وأبطره حلمُك عنه، ثمَّ تشهَّد ومات بمصر يوم الاثنين لثمان عشرة خلت من ذي القَعدة في هذه السنة -وقيل: في التي قبلها- وعمره خمسون سنة، و [كانت] ولايته سبعة عشر سنة. [ذكر ما رُئيَ له من المنامات:] قال أبو عيسى اللؤلؤي: رآه بعض أصحابه في المنام، فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال: ما البلاء إلَّا على مَن ظلَم مَن لا ناصر له إلا الله تعالى. ورآه بعض المتزهِّدين في حال حسنةٍ، فقال [له]: كيف أنت؟ فقال: لا ينبغي لمن سكن الدُّنيا أن يَحتقر حَسَنةً فيدعَها، ولا سيِّئة فيرتكبَها، عُدل بي عن النَّار إلى الجنَّة بتثبُّتي عن مُتَظَلِّم عَييّ اللِّسان، شديد التهيُّب، فسمعتُ منه، وصبرتُ عليه حتَّى قامت حجَّتُه، [و] تقدَّمتُ بإنصافه، وما في الآخرة على رؤساء الدُّنيا أشدّ من الحِجابِ لِمُلتَمِسي الإنصاف.

стр. 7351

وقال [الخطيب بإسناده عن الحسين بن أحمد النديم قال: سمعتُ] محمد بن علي المادَرَائي [يقول]: كنتُ أجتاز بتربة أحمد بن طولون فأرى شيخًا ملازمًا للقراءة على قبره، ثمَّ إنِّي لم أره مدَّة، ورأيتُه بعد ذلك، فقلت له: ألستَ الذي كنتُ أراك عند قبر أحمد بن طولون تقرأ عليه؟ قال: بلى، قد [كان] وَلينا في هذه البلد، [وكان] له علينا بعض العدْل وإن لم يكن الكلّ، فأحببت أنْ أصِله بالقرآن، قلت: فلِمَ انقطعتَ عنه؟ قال: رأيتُه في النَّوم وهو يقول: أحبُّ أن لا تقرأ [عليَّ أو] عندي، قلت: فلأيِّ سبب؟ قال: ما تمرُّ بي آية إلا قُرِّعت بها، وقيل لي: أما سمعتَ هذه؟! فهذا كان سبب انقطاعي (١). ورثاه جماعة، فقال بعض المصريِّين يرثيه: [من الكامل] يا غُرَّة الدُّنيا الذي أفعالُه … غُرَرٌ بها كلُّ الوَرَى تتعلَّقُ أنت الأمير على الشَّآم وثَغْرِه … والرَّقَّتين (٢) وما حواه المشرقُ وإليك مصرُ وبَرْقةٌ وحجازُها … كلٌّ إليك مع المَدى يتشوَّقُ ذكر أولاده، وما خلف من المال وغيره: [قال علماء السِّيَر:] خلَّف ثلاثةً وثلاثين ولدًا، منهم سبعة عشر ذكرًا؛ العبَّاس، وخُمارويه، وعدنان، ومُضر، وشيبان، وربيعة، وأبو العَشَائر، وهؤلاء أعيانُهم: فأمَّا العبَّاس فهو الذي عصى على أبيه، ودخل (٣) إلى الغرب، وحُمل إلى أبيه، توفِّي بعد [وفاة] أبيه بيسير، وكان شاعرًا [فصيحًا]، وهو القائل: [من البسيط] لله درِّيَ إذْ أعْدو على فرسي … إلى الهِياجِ ونارُ الحرب تَسْتَعِرُ وفي يدي صارمٌ أفري الرُّؤوس به … في حدِّهِ الموتُ لا يُبقي ولا يَذَرُ إن كنتِ سائلةً عنِّي وعن خبري … فها أنا اللَّيثُ والصَّمْصَامَةُ الذَّكَرُ

стр. 7352

من آل طولونَ أصلي إن سألتِ فما … فوقي لمُفْتَخِرٍ في الجودِ مُفْتخَرُ (١) ولما خرج أبوه إلى الشَّام في السنة الماضية أخذه معه مقيَّدًا. وأمَّا خُمارويه، فكنيته أبو الجَيش، قُتل بظاهر دمشقَ بعد أن استخلفه أبوه فيها سنةَ ثلاث وثمانين ومئتين. وعدنان مات سنةَ خمس وعشرين وثلاث مئة، وسنذكرهم إن شاء الله تعالى. [قالوا:] وخلَّف من العَين عشرة آلاف ألف دينار، ومن المماليك سبعة آلاف، ومن الخيل سبعة آلاف فرس، ومن البغال والحمير ستة آلاف رأس، ومن الدَّوابِّ الخاصَّة ثلاث مئة، ومن المراكب [الحربيَّة مئة مركب، ومن الغلمان أربعة وعشرون ألفًا، ومن الجمال عشرة آلاف، ومن البراذين] ما لا يحصى، وكان له خاصَّة من المال في كلِّ سنة ألف ألف دينار. [انتهت ترجمة أحمد بن طولون، وهذا ما انتهى إلينا من سيرة أحمد.] إسماعيل بن عبد الله ابن مَيْمون بن عبد الحميد بن أبي الرِّجال، أبو النَّضْر، العِجليُّ. توفِّي ببغداد ليلةَ الاثنين لثلاث وعشرين خلت من شعبان، وقد بلغ أربعًا وثمانين سنة. سمع خلقًا كثيرًا، وروى عنه ابنُ المنادي وغيرُه، وكان ثقة شاعرًا فصيحًا، قال: [من الطويل] تُخَبِّرني الآمال أنِّي مُعَمَّرٌ … وأنَّ الذي أخشاه عنِّي مؤخَّرُ فكيف ومرُّ الأربعين قضيّةٌ … عليَّ بحكمٍ قاطعٍ لا يُغَيَّرُ إذا المرءُ جاز الأربعين فإنَّهُ … أسيرٌ لأسباب المنايا مُعثَّرُ (٢) [وفيها توفي] بكَّار بن قُتيبة بن عبد الله وقيل: قُتيبة بن أسد بن [أبي] بَرْذَعة بن عبيد الله بن [بشير بن عبيد الله بن] أبي بَكْرة الثَّقفي مولى رسول الله ﷺ (٣)، وكنيةُ بكَّار أبو بكرة، القاضي، البَصريّ.

стр. 7353

[قال أبو جعفر الطَّحاوي:] ولد [أبو بكرة بكَّار] بالبصرة سنةَ اثنتين وثمانين ومئة، وكان عالمًا، فاضلًا، زاهدًا، ورِعًا، عفيفًا عن أموال الناس، حَنفيّ المذهب [يحكم على مذهب أبي حنيفة، وذكره أبو الحسن بن إبراهيم بن زُولاق المصريُّ في كتاب "القضاة" وذكر طرفًا من سيرته، فقال:] ولَّاه المتوكِّل القضاءَ على مصر، فقَدِمها يوم الجمعة لثمانٍ خلون من جمادى الآخرة (١) سنة ستٍّ وأربعين ومئتين، فلقي محمَّد بن أبي اللَّيث (٢) قاضي مصر قبله عند الجِفَار خارجًا إلى بغداد مصروفًا، فقال له بكَّار: أنا رجل غريب، وأنت قد عرفتَ النَّاس، فدُلَّني على مَن أشاوره في أموري وأسكن إليه، فقال: عليك برجلين؛ أحدهما عاقل، والآخر زاهد، أمَّا العاقل فيونسُ بن عبد الأعلى، فإنِّي سعَيتُ في سفك دمه، فقدر عليَّ فحَقَن دمي، وأمَّا الزَّاهد فأبو هارون موسى بن عبد الرَّحمن بن القاسم، فقال: صِفْ لي حِلْيَتَهما، فوصفهما له. فلمَّا دخل مصر جاءه الرجلان فاختصَّ بهما، وكان يشاورهما في أموره، فقال يومًا لموسى: يا أبا هارون، من أين المعيشة؟ قال: مِنْ وقفٍ وَقَفه أبي أتكفَّى به، ثمَّ قال له موسى: يا أبا بَكْرة، قد سألتني وأُريد أن أسألك، قال: سَلْ، قال: هل رَكِبَك دينٌ بالبصرة؟ قال: لا، قال: فهل لك ولدٌ أو زوجة؟ قال: لا، ما نكحتُ قطُّ، قال: أفَلَك عِيال؟ قال: ما عندي سوى غلامي، قال: أَفَأكرَهكَ السُّلطان على القضاء وعرضَ عليكَ العذاب؟ قال: لا، قال: أَفضَربتَ آباطَ الإبل من البصرة إلى مصرَ لغير حاجةٍ ولا ضرورةٍ إلَّا لتليَ دماء المسلمين وأموالهم وفروجَ نسائهم! لله عليَّ لا عُدْتُ إليك بعد اليوم، ولا كلَّمتُك أبدًا، ثمَّ انصرف عنه ولم يَعُد إليه. [قال ابن زُولاق:] وكان النَّصارى يتولَّون أَمْرَ المقياسِ (٣) بمصر، فكتب بكَّار إلى المتوكِّل بأنَّ هذا أمرٌ عظيم من إنعام الله تعالى، فلا ينبغي أن يتولَّاه إلَّا مَن يُوحِّد الله تعالى، فكتب إليه: افعل: فولَّاه عبدَ الله بن عبد السَّلام ويُكنى أبا الرَّدَّاد (٤) -وكان

стр. 7354

محدِّثًا- وأجرى عليه رزقًا، وذلك في سنة سبعين (١) ومئتين، فهو باقٍ في عَقِبه إلى هلُمَّ جرًّا. [قال ابن زولاق:] وكان أحمد بن طولون يعظِّم بكَّارًا وَيحترمه، ويحضر مجالسه، ويسمع عليه الحديث؛ إلى أن طلب منه لعنةَ الموفَّق، فامتنع، فحبسه، وقيل: إنَّه لما ألحَّ عليه قال: ألا لعنةُ الله على الظَّالمين، فلم يَقْنَع منه بذلك. [قال:] ولمَّا حبسه كان يغتسل في كلِّ جمعة، ويتطيَّب، ويَلْبَس ثيابَه، ويأتي إلى باب السِّجن، فيقول له السجَّان: إلى أين؟ فيقول: قد ناداني منادي ربِّي، وأنا أوَّل من أجابه، فيقول] السجَّان: اعذرني، فما أقدر على ذلك، ويعزُّ عليَّ، فيقول بكَّار: اللَّهمَّ اشهد، ثمَّ يرجع، وبلغ ابنَ طولون فبعث إليه يقول: كيف رأيتَ المقهورَ المغلوبَ، لا أمر له ولا نهي؟ أشار إلى المعتمد. وقال الطَّحاوي: لا أقدر أن أُحصي كم كان أحمد بن طولون يجيء إلى مجلس بكَّار وهو على الحديث، ومجلسُه مملوء بالنَّاس، ويتقدَّم الحاجب ويقول: لا يتغيَّرْ أحد من مكانه، فما يشعر به بكَّار إلا وهو إلى جانبه، فيقول له: أيُّها الأمير، ألا تركتَني حتَّى أَقضي حقَّك، وأقومَ بواجبك! ثمَّ فسد الحال بينهما حتَّى حبسه، وفعل به ما فعل. و [قال ابن زولاق:] دخل على بكَّار قومٌ من أهل الرَّمْلة فقال لهم: كيف حال قاضيكم؟ قالوا: عفيف، فقال: إنا لله، غَمَمْتوني، إنَّما يقال: قاضٍ عَفيف، إذا فسدت الدُّنيا. [قال:] ولمَّا عصى العبَّاسُ بن أحمد [بن طولون] على أبيه، أرسل أبوه إليه جماعة من الأعيان منهم بكَّار بالأيمان والأمان، فقال العبَّاس لبكَّار: المستشار مؤتمن، أتخاف عليَّ من أبي شيئًا؟ فقال له: قد أمَّنك وحلف، ولا أدري أيفي لك أم لا، فامتنع العبَّاس من القدوم على أبيه، فأرسل إليه من أحضره.

стр. 7355

[قال:] ومات رجل ولأحمد بن طولون عليه دَيْن، فأرسل أحمد [بن طولون] إلى بكَّار: ربعْ ماله، فقال: حتَّى تحلفَ أنَّك تستحقُّه، فجاء ابنُ طولون إلى مجلسه وحلف، فقال بكَّار: أمَّا الآن فنعم، فباع ماله، وقضى دينَه. [قال:] وكان بكَّار يقرأ آية في ليلة فيردِّدها إلى الصَّباح، [فقرأ ليلةً ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ [ص: ٢٦] فما زال يردِّدها إلى الصَّباح ويبكي] (١). ذكر وفاته: [قال ابن زولاق:] أرسل إليه ابن طولون وهو مريض يقول: أجِبْنِي إلى ما دعوتُك إليه واخْلص، فقال: أنا شيخ كبير ومريض، والملتَقى قريب، وأنت أيضًا مريض، والحاكم بيننا عادل. ومات ابن طولون، فقيل لبكَّار: مات أحمد، فقال: مات البائس، فقيل له: انصرف إلى منزلك، فقال: الدَّار بالأجرة وقد صلحتْ لي، فأقام بها، وجاءه أصحابُها يطلبون أجرة الماضي، وقالوا: غصَبَنا ابن طولون إيَّاها، فقال: مذهبي أنَّ الغاصبَ لا أُجرة عليه، ولكن أَدْفع لكم في المستقبل. [وقال الطَّحاويّ:] توفِّي يوم الخميس لستٍّ بقين من ذي الحجَّة [سنة سبعين ومئتين] بعد ابن طولون بنيِّفٍ وأربعين يومًا. وقيل: [إنَّه] مات قبل [ابن طولون] وهو وهم. [وقال الطَّحاوي:] ولي القضاء سنة ستٍّ وأربعين [ومئتين]، فأقام على القضاء أربعًا وعشرين سنة وستَّة أشهر وأيَّامًا، وتوفِّي وهو ابنُ سبع وثمانين سنة، ومات في اللَّيل، فلم يُدفن إلا بعد العصر لكثرة الزِّحام، وصلى عليه ابن أخيه محمد بن [الحسن] الفقيه (٢)، ودُفن بقَرَافة مصر عن يسار الطَّريق حيال الكرم (٣) الذي عند مصلَّى بني
следующие страницы →