وقال [الخطيب بإسناده عن الحسين بن أحمد النديم قال: سمعتُ] محمد بن علي المادَرَائي [يقول]: كنتُ أجتاز بتربة أحمد بن طولون فأرى شيخًا ملازمًا للقراءة على قبره، ثمَّ إنِّي لم أره مدَّة، ورأيتُه بعد ذلك، فقلت له: ألستَ الذي كنتُ أراك عند قبر أحمد بن طولون تقرأ عليه؟ قال: بلى، قد [كان] وَلينا في هذه البلد، [وكان] له علينا بعض العدْل وإن لم يكن الكلّ، فأحببت أنْ أصِله بالقرآن، قلت: فلِمَ انقطعتَ عنه؟ قال: رأيتُه في النَّوم وهو يقول: أحبُّ أن لا تقرأ [عليَّ أو] عندي، قلت: فلأيِّ سبب؟ قال: ما تمرُّ بي آية إلا قُرِّعت بها، وقيل لي: أما سمعتَ هذه؟! فهذا كان سبب انقطاعي (١).
ورثاه جماعة، فقال بعض المصريِّين يرثيه: [من الكامل]
يا غُرَّة الدُّنيا الذي أفعالُه … غُرَرٌ بها كلُّ الوَرَى تتعلَّقُ
أنت الأمير على الشَّآم وثَغْرِه … والرَّقَّتين (٢) وما حواه المشرقُ
وإليك مصرُ وبَرْقةٌ وحجازُها … كلٌّ إليك مع المَدى يتشوَّقُ
ذكر أولاده، وما خلف من المال وغيره:
[قال علماء السِّيَر:] خلَّف ثلاثةً وثلاثين ولدًا، منهم سبعة عشر ذكرًا؛ العبَّاس، وخُمارويه، وعدنان، ومُضر، وشيبان، وربيعة، وأبو العَشَائر، وهؤلاء أعيانُهم:
فأمَّا العبَّاس فهو الذي عصى على أبيه، ودخل (٣) إلى الغرب، وحُمل إلى أبيه، توفِّي بعد [وفاة] أبيه بيسير، وكان شاعرًا [فصيحًا]، وهو القائل: [من البسيط]
لله درِّيَ إذْ أعْدو على فرسي … إلى الهِياجِ ونارُ الحرب تَسْتَعِرُ
وفي يدي صارمٌ أفري الرُّؤوس به … في حدِّهِ الموتُ لا يُبقي ولا يَذَرُ
إن كنتِ سائلةً عنِّي وعن خبري … فها أنا اللَّيثُ والصَّمْصَامَةُ الذَّكَرُ
стр. 7352
من آل طولونَ أصلي إن سألتِ فما … فوقي لمُفْتَخِرٍ في الجودِ مُفْتخَرُ (١)
ولما خرج أبوه إلى الشَّام في السنة الماضية أخذه معه مقيَّدًا.
وأمَّا خُمارويه، فكنيته أبو الجَيش، قُتل بظاهر دمشقَ بعد أن استخلفه أبوه فيها سنةَ ثلاث وثمانين ومئتين.
وعدنان مات سنةَ خمس وعشرين وثلاث مئة، وسنذكرهم إن شاء الله تعالى.
[قالوا:] وخلَّف من العَين عشرة آلاف ألف دينار، ومن المماليك سبعة آلاف، ومن الخيل سبعة آلاف فرس، ومن البغال والحمير ستة آلاف رأس، ومن الدَّوابِّ الخاصَّة ثلاث مئة، ومن المراكب [الحربيَّة مئة مركب، ومن الغلمان أربعة وعشرون ألفًا، ومن الجمال عشرة آلاف، ومن البراذين] ما لا يحصى، وكان له خاصَّة من المال في كلِّ سنة ألف ألف دينار. [انتهت ترجمة أحمد بن طولون، وهذا ما انتهى إلينا من سيرة أحمد.]
إسماعيل بن عبد الله
ابن مَيْمون بن عبد الحميد بن أبي الرِّجال، أبو النَّضْر، العِجليُّ.
توفِّي ببغداد ليلةَ الاثنين لثلاث وعشرين خلت من شعبان، وقد بلغ أربعًا وثمانين سنة.
سمع خلقًا كثيرًا، وروى عنه ابنُ المنادي وغيرُه، وكان ثقة شاعرًا فصيحًا، قال: [من الطويل]
تُخَبِّرني الآمال أنِّي مُعَمَّرٌ … وأنَّ الذي أخشاه عنِّي مؤخَّرُ
فكيف ومرُّ الأربعين قضيّةٌ … عليَّ بحكمٍ قاطعٍ لا يُغَيَّرُ
إذا المرءُ جاز الأربعين فإنَّهُ … أسيرٌ لأسباب المنايا مُعثَّرُ (٢)
[وفيها توفي]
بكَّار بن قُتيبة بن عبد الله
وقيل: قُتيبة بن أسد بن [أبي] بَرْذَعة بن عبيد الله بن [بشير بن عبيد الله بن] أبي بَكْرة الثَّقفي مولى رسول الله ﷺ (٣)، وكنيةُ بكَّار أبو بكرة، القاضي، البَصريّ.
стр. 7353
[قال أبو جعفر الطَّحاوي:] ولد [أبو بكرة بكَّار] بالبصرة سنةَ اثنتين وثمانين ومئة، وكان عالمًا، فاضلًا، زاهدًا، ورِعًا، عفيفًا عن أموال الناس، حَنفيّ المذهب [يحكم على مذهب أبي حنيفة، وذكره أبو الحسن بن إبراهيم بن زُولاق المصريُّ في كتاب "القضاة" وذكر طرفًا من سيرته، فقال:] ولَّاه المتوكِّل القضاءَ على مصر، فقَدِمها يوم الجمعة لثمانٍ خلون من جمادى الآخرة (١) سنة ستٍّ وأربعين ومئتين، فلقي محمَّد بن أبي اللَّيث (٢) قاضي مصر قبله عند الجِفَار خارجًا إلى بغداد مصروفًا، فقال له بكَّار: أنا رجل غريب، وأنت قد عرفتَ النَّاس، فدُلَّني على مَن أشاوره في أموري وأسكن إليه، فقال: عليك برجلين؛ أحدهما عاقل، والآخر زاهد، أمَّا العاقل فيونسُ بن عبد الأعلى، فإنِّي سعَيتُ في سفك دمه، فقدر عليَّ فحَقَن دمي، وأمَّا الزَّاهد فأبو هارون موسى بن عبد الرَّحمن بن القاسم، فقال: صِفْ لي حِلْيَتَهما، فوصفهما له.
فلمَّا دخل مصر جاءه الرجلان فاختصَّ بهما، وكان يشاورهما في أموره، فقال يومًا لموسى: يا أبا هارون، من أين المعيشة؟ قال: مِنْ وقفٍ وَقَفه أبي أتكفَّى به، ثمَّ قال له موسى: يا أبا بَكْرة، قد سألتني وأُريد أن أسألك، قال: سَلْ، قال: هل رَكِبَك دينٌ بالبصرة؟ قال: لا، قال: فهل لك ولدٌ أو زوجة؟ قال: لا، ما نكحتُ قطُّ، قال: أفَلَك عِيال؟ قال: ما عندي سوى غلامي، قال: أَفَأكرَهكَ السُّلطان على القضاء وعرضَ عليكَ العذاب؟ قال: لا، قال: أَفضَربتَ آباطَ الإبل من البصرة إلى مصرَ لغير حاجةٍ ولا ضرورةٍ إلَّا لتليَ دماء المسلمين وأموالهم وفروجَ نسائهم! لله عليَّ لا عُدْتُ إليك بعد اليوم، ولا كلَّمتُك أبدًا، ثمَّ انصرف عنه ولم يَعُد إليه.
[قال ابن زُولاق:] وكان النَّصارى يتولَّون أَمْرَ المقياسِ (٣) بمصر، فكتب بكَّار إلى المتوكِّل بأنَّ هذا أمرٌ عظيم من إنعام الله تعالى، فلا ينبغي أن يتولَّاه إلَّا مَن يُوحِّد الله تعالى، فكتب إليه: افعل: فولَّاه عبدَ الله بن عبد السَّلام ويُكنى أبا الرَّدَّاد (٤) -وكان
стр. 7354
محدِّثًا- وأجرى عليه رزقًا، وذلك في سنة سبعين (١) ومئتين، فهو باقٍ في عَقِبه إلى هلُمَّ جرًّا.
[قال ابن زولاق:] وكان أحمد بن طولون يعظِّم بكَّارًا وَيحترمه، ويحضر مجالسه، ويسمع عليه الحديث؛ إلى أن طلب منه لعنةَ الموفَّق، فامتنع، فحبسه، وقيل: إنَّه لما ألحَّ عليه قال: ألا لعنةُ الله على الظَّالمين، فلم يَقْنَع منه بذلك.
[قال:] ولمَّا حبسه كان يغتسل في كلِّ جمعة، ويتطيَّب، ويَلْبَس ثيابَه، ويأتي إلى باب السِّجن، فيقول له السجَّان: إلى أين؟ فيقول: قد ناداني منادي ربِّي، وأنا أوَّل من أجابه، فيقول] السجَّان: اعذرني، فما أقدر على ذلك، ويعزُّ عليَّ، فيقول بكَّار: اللَّهمَّ اشهد، ثمَّ يرجع، وبلغ ابنَ طولون فبعث إليه يقول: كيف رأيتَ المقهورَ المغلوبَ، لا أمر له ولا نهي؟ أشار إلى المعتمد.
وقال الطَّحاوي: لا أقدر أن أُحصي كم كان أحمد بن طولون يجيء إلى مجلس بكَّار وهو على الحديث، ومجلسُه مملوء بالنَّاس، ويتقدَّم الحاجب ويقول: لا يتغيَّرْ أحد من مكانه، فما يشعر به بكَّار إلا وهو إلى جانبه، فيقول له: أيُّها الأمير، ألا تركتَني حتَّى أَقضي حقَّك، وأقومَ بواجبك! ثمَّ فسد الحال بينهما حتَّى حبسه، وفعل به ما فعل.
و [قال ابن زولاق:] دخل على بكَّار قومٌ من أهل الرَّمْلة فقال لهم: كيف حال قاضيكم؟ قالوا: عفيف، فقال: إنا لله، غَمَمْتوني، إنَّما يقال: قاضٍ عَفيف، إذا فسدت الدُّنيا.
[قال:] ولمَّا عصى العبَّاسُ بن أحمد [بن طولون] على أبيه، أرسل أبوه إليه جماعة من الأعيان منهم بكَّار بالأيمان والأمان، فقال العبَّاس لبكَّار: المستشار مؤتمن، أتخاف عليَّ من أبي شيئًا؟ فقال له: قد أمَّنك وحلف، ولا أدري أيفي لك أم لا، فامتنع العبَّاس من القدوم على أبيه، فأرسل إليه من أحضره.
стр. 7355
[قال:] ومات رجل ولأحمد بن طولون عليه دَيْن، فأرسل أحمد [بن طولون] إلى بكَّار: ربعْ ماله، فقال: حتَّى تحلفَ أنَّك تستحقُّه، فجاء ابنُ طولون إلى مجلسه وحلف، فقال بكَّار: أمَّا الآن فنعم، فباع ماله، وقضى دينَه.
[قال:] وكان بكَّار يقرأ آية في ليلة فيردِّدها إلى الصَّباح، [فقرأ ليلةً ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ [ص: ٢٦] فما زال يردِّدها إلى الصَّباح ويبكي] (١).
ذكر وفاته:
[قال ابن زولاق:] أرسل إليه ابن طولون وهو مريض يقول: أجِبْنِي إلى ما دعوتُك إليه واخْلص، فقال: أنا شيخ كبير ومريض، والملتَقى قريب، وأنت أيضًا مريض، والحاكم بيننا عادل.
ومات ابن طولون، فقيل لبكَّار: مات أحمد، فقال: مات البائس، فقيل له: انصرف إلى منزلك، فقال: الدَّار بالأجرة وقد صلحتْ لي، فأقام بها، وجاءه أصحابُها يطلبون أجرة الماضي، وقالوا: غصَبَنا ابن طولون إيَّاها، فقال: مذهبي أنَّ الغاصبَ لا أُجرة عليه، ولكن أَدْفع لكم في المستقبل.
[وقال الطَّحاويّ:] توفِّي يوم الخميس لستٍّ بقين من ذي الحجَّة [سنة سبعين ومئتين] بعد ابن طولون بنيِّفٍ وأربعين يومًا.
وقيل: [إنَّه] مات قبل [ابن طولون] وهو وهم.
[وقال الطَّحاوي:] ولي القضاء سنة ستٍّ وأربعين [ومئتين]، فأقام على القضاء أربعًا وعشرين سنة وستَّة أشهر وأيَّامًا، وتوفِّي وهو ابنُ سبع وثمانين سنة، ومات في اللَّيل، فلم يُدفن إلا بعد العصر لكثرة الزِّحام، وصلى عليه ابن أخيه محمد بن [الحسن] الفقيه (٢)، ودُفن بقَرَافة مصر عن يسار الطَّريق حيال الكرم (٣) الذي عند مصلَّى بني
стр. 7356
مسكين، وقبرُه ظاهر يُزار، ويقال: إنَّ الدُّعاء عنده مُستجاب مُجرَّب.
حدَّث عن خَلْق كثير (١)، وكان ممَّن أحيى علم البصرة بمصر، واتَّفقوا على زهده وثقته وورعه.
وأسند عنه ابنُ عساكر أنَّه روى عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "من قال: سبحان الله وبحمده غرس الله له بها نخلة في الجنَّة" (٢).
وقال ابن زُولاق: كان لبكَّار اتِّساع في العلوم والفقه، وصنَّف كتابًا ردَّ فيه على الإمام محمد بن إدريس الشَّافعي، وسببُ تصنيفه أنَّه وقف على كتابٍ لإبراهيم المزنيِّ ردَّ فيه على أبي حنيفة في إسنادٍ ذكر أنَّه سمعه من الشَّافعي، فقال بكَّار لرجلين من عُدُوله: اذهبا فاسمعا من المزنيِّ هذا الكتاب، واشهدا عليه أنَّه سمعه من الشَّافعي، وكان يقال لأحدهما: سقلاب والآخر سرداب، فذهبا إليه وسمعاه منه، فقالا: أنت سمعتَ هذا من الشَّافعي؟ قال: نعم، فرجعا إلى بكَّار، وشهدا عنده بذلك، فقال: الآن طاب لنا أن نقول، ثمَّ ردَّ عليه.
وكان بكَّار ينشد دائمًا: [من الطويل]
لنفسيَ أبكي لستُ أبكي لغيرها … لنفسيَ (٣) في نفسي عن النَّاس شاغلُ
ومات ولم يخلِّف (٤) دينارًا ولا درهمًا ولا دارًا ولا عَقارًا.
وولي بعده أبو عبيد الله محمد بن عبدة (٥) بن حرب البصري، وكان جبَّارًا، له مئة مملوك، وبنى دارًا بمصر عند دار العنقود غرم عليها مئة ألف دينار، وأجرى عليه أبو الجيش بن أحمد بن طولون في كلِّ شهر ثلاثة آلاف دينار، وكان يعظِّمه. [انتهت ترجمته.
стр. 7357
وفيها توفِّي]
داود بن علي بن خَلَف
أبو سليمان، الظَّاهريُّ صاحب مذهب الظَّاهرية.
ولد سنة مئتين، وقيل: سنة اثنتين ومئتين، وهو أوَّلُ من نفى القياسَ في الأحكام الشرعيَّة، وتمسَّك بظواهر النُّصوص، وجمد على الأحاديث والآثار، وأصله من أصبهان.
سمع الحديث [الكثير]، ولقي الشيوخ، وتبعه خلق كثير، وقدم بغداد، وصنَّف بها الكتبَ.
وقال أحمد بن كامل: داود أوَّلُ من أظهر انتحال الظَّاهر، ونَفَى القياس في الأحكام [قولًا] (١)، واضطُرَّ إليه فعلًا، فسمَّاه دليلًا.
ورحل من أصبَهان إلى نيسابور قبل قدومه بغداد، فسمع من إسحاق بن راهويه "المسند" و"التفسير"، وقال أبو عمرو المُسْتملي: سمعتُه يردُّ على إسحاق، وما رأيتُ أعقلَ منه ولا أكثرَ علمًا.
وقال القاضي المَحَامليُّ: رأيتُ داود يصلِّي، فما رأيتُ مسلمًا يشبهُهُ في حُسن صلاته، وتضرُّعه، وتواضعه.
وكان زاهدًا، ورعًا، عابدًا، متقلِّلًا من الدُّنيا، يتقنَّع منها باليسير.
[وقال الخطيب بإسناده عن أحمد بن الحسين قال: سمعت أبا عبد الله المحاملي يقول:] (٢) صلَّيتُ صلاةَ العيد في يومِ فطرٍ في جامع المدينة -يعني مدينة المنصور- فلمَّا انصرفتُ قلتُ في نفسي: أدخل على داود فأُهَنِّيه، وكان ينزلُ قطيعة الرَّبيع، فجئتُه، وقرعتُ عليه الباب، فأَذِن، فدخلتُ، وإذا بين يديه طاقات هِنْدَباء ونُخالة وهو يأكل، فهنَّيتُه، وعجبت من حاله، ورأيتُ أن جميع ما نحن فيه من الدُّنيا ليس بشيء، فخرجتُ من عنده، ودخلتُ على رجلٍ من أهل [القطيعة] يُعرف بالجُرْجاني له مال، فقال: ما الذي عنَّى القاضي؟ قلت: مهمّ، قال: وما هو؟ قلت: في جوارك داود بنُ
стр. 7358
علي، ومكانُه من العلم ما تعلم، وأنت كثير البرِّ والرَّغبة في الخير، كيف غفلتَ عنه؟! وحدَّثته حديثَه، فقال: إنَّ داود شَرِسُ الخُلُق، بعثتُ إليه البارحة مع غلامي بألف درهم، فقال للغلام: قل له: بأيِّ شيءٍ رأيتَني؟ وما الذي بلغك من حاجتي حتَّى بعثتَ إليَّ بهذا؟ قال المحاملي: فعجبتُ وقلت: هاتِ الدَّراهمَ، [فأنا أحملها إليه، قال:] فدفعها إليَّ، وأعطاني ألفًا أخرى وقال: هذا لموضع القاضي وتعنّيه (١).
[قال:] فأخذتُ الألفين، وجئتُ إلى داود، فطرقتُ بابَه فقال: مَن هذا؟ فقلتُ: فلان، فقال: ما الذي عنَّاك؟ ادخل، [فدخلتُ] فجلستُ ساعة، ثمَّ أخرجتُ الألفَين وجعلتهما بين يديه، فنظر إليَّ وقال: هذا جزاءُ مَن ائتمنك على سرِّه!؟
[وفي رواية: فقال للمحامليّ:] ما الذي رأيتَ من حاجتي؟ قلت: رأيتُك تأكل الهِنْدَباء بالنّخالة، فقال: لو كان عندي امرأة أكنتَ تنظر إليها؟! إنَّما أدخلتُك بيتي بأمانة العلم، ارجع فلا حاجة لي فيما معك.
[قال المحامليّ:] فرجعتُ وقد صَغُرت الدُّنيا في عيني، ودخلتُ على الجرجانيّ فأخبرتُه بما كان، فقال: هذه الدَّراهم قد خرجت لله تعالى، فلا ترجع إلى مالي، فلْيتولَّ القاضي إخراجَها في أهل السَّتر والعفاف، فقد أخرجتُها عن قلبي.
[وقال الخطيب:] (٢) كان داود يقول: خير الكلام ما دخل الأُذُن بلا إِذْن.
وقال صالح بن الإمام أحمد: سألني داود أن أتلطَّف له في الدُّخول على أبي، فاستأذنتُه فقال: قد كتب إليَّ محمد بن يحيى النَّيسابوريُّ في أمره أنَّه يزعم أنَّ القرآن الذي في اللَّوح المحفوظ قديم، لا يمسه إلَّا المطهَّرون، والذي تقرأه النَّاس مخلوق تمسُّه الحائض والجُنُب، فقلت: قد رجع عن هذا.
وفي رواية: أنَّه أنكر ما قد قيل عنه، فقال: لا حاجةَ لي في الاجتماع به.
وقال المحامليُّ: وسئل داود فقيل له: ما معنى (٣) قول القائل لجرير والبيت لجرير: [من الكامل]
стр. 7359
لو كنتُ أعلم أنَّ آخرَ عهدكُم … يومُ الرَّحيل فعلتُ ما لم أفعلِ (١)
ما كان يفعل؟ فقال: كان يَقلع عينَه، ولا يرى مَظْعَن أحبابه.
وكان أبو جعفر محمد بن جرير الطَّبريُّ على مذهب داود، وعنه أخذ، وقرأ عليه، وكان يَحضر حلقته، ثمَّ تخلَّف عنه، وعقد لنفسه مَجلسًا، وبلغ داود فأنشد: [من الوافر]
فلو أنِّي بُلِيتُ بهاشميٍّ … خُؤولته بنو عبد المَدَانِ
صَبرتُ على أذيَّته ولكن … تعالي وانظُري بمَن ابتلاني
[حكاية جرت لداود مع محمد بن يحيى النَّيسابوري:]
حكاها المحامليُّ (٢) قال: قدم داود نَيسابور وعليه طِمْرٌ (٣) خَلَق، وعلى رأسه خُريقة، فدخل مجلس محمد بن يحيى، فجلس في أطراف النَّاس ولم يعرفوه، فذكر محمد بن يحيى حديثًا هو: "أفطر الحاجم والمحجوم" (٤). ولم يبيِّن ما فيه، فأخذ داود يذكر إسناده ومتنه، ومَن رواه من الصَّحابة، ومن ذهب إليه منهم ومن الفقهاء، فقام محمد بن يحيى من مجلسه، ومضى إليه، وأجلسه إلى جانبه، وسأله عن نفسه فعرَّفه إياه، فاعتذر إليه.
[فصل في الكلام على الحديث:
قلت: عامَّة العلماء على أنَّ الحجامة لا تُفطر الصَّائم ولا تُكره له، وبه قال مالك والشافعيُّ، وقال أحمد: الحجامة تُفطر الحاجم والمحجوم، واحتجَّ بثمان أحاديث أخرجها أحمد في "المسند" عن رافع بن خَديج، وشدَّاد بن أوس، وثَوبان، ومَعْقِل بن يَسار الأشجعيّ، وأُسامة بن زيد، وأبي هُريرة، وعائشة، قالوا: إنَّ النبيَّ ﷺ قال: "أفطر الحاجم والمحجوم" (٥).
стр. 7360
قال أحمد: أصحُّ شيء في هذا الباب حديث رافع بن خَديج (١).
ولعامَّة العلماء ما روى البخاريُّ عن ابن عبَّاس قال: احتجم رسول الله ﷺ بالقاحة وهو صائم (٢).
وروي عن أنس قال: أوَّل ما كُرهت الحجامة للصَّائم أنَّ جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم، فمرَّ بهما رسول الله ﷺ وهما يغتابان رجلًا فقال: "أفطر الحاجم والمحجوم" (٣)، ثمَّ رخَّص بعد ذلك في الحجامة للصَّائم، وقد ذكرناه] (٤).
ذكر وفاة داود بن علي:
حكى الخطيب أنه توفِّي في رمضان، وقيل: في ذي القَعدة ببغداد [سنة سبعين ومئتين، رحمة الله عليه]، وسمع إسحاق بن راهويه وغيره خلقًا كثيرًا، وروى عنه ابنُه محمد بن داود وغيره.
قال الخطيب (٥): وفي كتبه حديث كثير، إلَّا أنَّ الرِّواية عنه عزيزة جدًّا (٦).
الرَّبيع بن سليمان
ابن عبد الجبَّار بن كامل، أبو محمد، المُراديُّ، مولى مُراد، صاحب الشَّافعي، نَقل عنه معظمَ أقاويله.
وكان فقيهًا سيِّدًا فاضلًا ثقة، وكانت وفاتُه بمصرَ في شوَّال، وصلَّى عليه خُمارَويه ابن أحمد بن طولون.
أسند عن الشَّافعي وغيره، وروى عنه المصريُّون وغيرهم (٧).
стр. 7361
عبد الله بن محمد بن شاكر
أبو البَخْتَريّ، العَنْبريُّ، الكوفيُّ.
سمع الحديث، وقدم بغداد، وحدَّث بها، وكان فاضلًا حافظًا.
قال السَّرَّاج: أنشدنا أبو البَخْتري: [من السريع]
يَمنَعُني من عَيبِ غيري الذي … أعرفُه فيَّ من العَيبِ
وكيف شُغْلي بسوى مُهْجَتي … أم كيف لا أنظرُ في جَيبي
إنْ كان عَيْبي غاب عنهم فقدْ … أحصَى عيوبي عالمُ الغيبِ
عَيْبي لهم بالظَّنِّ منِّي لهم … ولستُ من عَيبيَ في رَيبِ
لو أنَّني أقبلُ من واعظٍ … إذًا كفاني واعظُ الشَّيبِ
سمع حُسَينًا الجُعفيَّ وغيرَه، وروى عنه القاضي المحامليُّ وغيرُه، وكان ثقة (١).
عليُّ بن محمد
صاحب الزَّنْج، وقيل: اسمه بَهْبوذ، وقد ذكرنا وقائعَه مع أبي أحمد الموفَّق وحصارَه له، وكان الموفَّق قد بنى مدينة وسمَّاها الموفَّقية على جانب دِجلة، فكانت دجلةُ بينهما، كان يعبر إليه فيقاتله، ويضيِّق عليه إلى هذه السَّنة، فجرَت بينهما واقعتان؛ واقعةٌ في المحرَّم، وأخرى في صفر قُتِل فيها (٢).
فصل: ذِكْر تلخيصِ الواقعتين (٣):
قد ذكرنا حديث السِّكْر الذي عمله الخبيث، وما كان من أمر الموفَّق وأصحابه، ولم يزل حتَّى تمكَّن من الدُّخول في نهر أبي الخَصيب بالشَّذا والسُّمَيريَّات، وكان قد اجتمع إلى الموفَّق من أهل البلدان زهاءَ ثلاث مئة ألف مقاتل، بعضُهم تطوُّعًا وبعضهم بالدِّيوان، وزحف إلى الخبيث، فخرج إليه الخبيث برجاله وكانوا خلقًا كثيرًا، فنصر الله الموفَّق على الخبيث، فانهزم هو وأصحابه، فقُتِل وأُسر وغَرق منهم أكثرُ من ذلك، واستولى الموفَّق على مدينة الفاسق بأسرها، واستَنْقَذ مَن كان بقي فيها من الرِّجال
стр. 7362
والنِّساء والصِّبيان، وظفروا بعيال عليِّ بن أبان المُهَلَّبيّ وأخويه الخليلِ ومحمدٍ ابنَي أبان وسليمان بنِ جامع وأولادهم، وعُبر بهم إلى الموفَّقية.
ومضى الخبيث هاربًا ومعه ابنه أنكلاي والمهلّبيّ وسليمان بن جامع وغيرهم إلى النَّهر المعروف بالسُّفيانيّ، وكان الخبيث قد أعدَّ فيه موضعًا ليهرب إليه إذا غُلب على مدينته، ولمَّا رآهم لؤلؤ قد اقتحموا النَّهر اقتحم خلفَهم، فانهزموا في نهرٍ يعرف بالسَّامان (١) فاعتصموا بجبلٍ وراءه، فأرسل الموفَّق إلى لؤلؤ يأمره بالانصراف عنهم خوفًا عليه، فرجع، فشكره الموفَّق، وحمله على الشَّذا معه، ورفع منزلته، وأكرمه حيث باشر قتال العدوِّ بنفسه، وأيقن النَّاسُ بالفتح لمَّا هرب الخبيث من مدينته واستولى عليها المسلمون.
ثمَّ أقام أبو أحمد بمدينته أيَّامًا لإصلاح السُّفُن وما تحتاج إليه، ثمَّ أمر ولده أبا العبَّاس أن يتقدَّمه إلى موضع يُعرف بعَسْكر رَيحان بين النَّهر المعروف بالسُّفياني والنَّهر الذي لجأ إليه الخبيث، وبثَّ القوَّاد في المكان الذي فيه الخبيث، ثمَّ عبر الموفَّق يوم السَّبت لليلتين خلتا من صفر من هذه السَّنة، فوافى نهرَ أبي الخَصيب.
وكان الخبيث لمَّا عبر الموفَّق إلى مدينته عاد هو وأصحابُه إلى مدينتهم ليصلحوا ما تشعَّث منها، وجاءت مقدّمات الموفَّق، فلمَّا وصلوا إلى المدينة لم يعلموا أنهم قد رجعوا إليها، فأوقعوا بهم، فانهزم الخبيث وأصحابُه، وتبعهم أصحابُ الموفَّق يَقتُلون ويَأسرون، وانقطع الخبيثُ في جماعة من قوَّاده وجماعةٍ من الزَّنْج، وفارقه ابنُه أنكلاي وسليمان بن جامع.
وظفر أبو العبَّاس بسليمان بن جامع، فجاء به إلى الموفَّق من غير عهدٍ ولا عقد، فارتفع الضَّجيج، وكبَّر الناس، وأيقنوا بالفتح؛ لأنَّ سليمان كان أكبرَ أصحابه مدافعةً عنه، ثم أسر خواصَّ أصحابه، فبعث بهم الموفَّق إلى الموفقيَّة، ثم شدَّ الخبيثُ وغلمانُه فأزالوا النَّاسَ عن مواقعهم، فحمل عليه الموفَّقُ والنَّاس، فانهزموا، وتبعهم إلى آخر نهر أبي الخَصيب، فبينا الموفَّق واقف والقتال يعمل إذ أتاه فارس مع أصحاب لؤلؤ يَركض ورأسُ الخبيث في يده، فلم يصدِّق الموفَّق، فعرضه على جماعة من
стр. 7363
أصحابه فعرفوه، فترجَّل وترجَّل أبو العبَّاس والخواصُّ وخرُّوا لله سُجَّدًا، وأكثروا الشُّكر والثَّناء على الله تعالى، وأمر الموفَّق برفع رأس الخبيث على قناة طويلة ليَعرفه النَّاس، فكثر التَّحميد لله، وارتفعت الأصواتُ بذلك.
وذكر أنَّ أصحاب الموفَّق لمَّا أحاطوا به، ولم يبق معه من أصحابه إلَّا المهلَّبيُّ؛ ولَّى هاربًا وأسلم نفسَه، فقذف نفسه في النَّهر الذي يُعرف (١) بنهر الأمير، فقتلوه، وجاؤوا برأسه إلى الموفَّق، فعاد الموفَّق فنزل في الشَّذا، ورأسُ الخبيث على قناة بين يديه، وسليمان بن جامع والهمداني مصلوبان على دِفْل (٢) بأيديهما، وكان أنكلاي قد لجأ إلى الآجام والدَّغَل، فجيء به، وحُبس هو وأصحابُ أبيه.
وهرب قِرطاس الذي رمى الموفَّقَ بالسَّهم إلى رامَهُرْمز، فعرفه رجل كان رآه في عسكر الخبيث، فدلَّ عليه عاملَ البلد، فأخذه وبعث به إلى الموفَّق، فسأله أبو العبَّاس أن يُوليه قتلَه، ففعل، فقام إليه فقتله.
وبعث الموفَّق برأس الخبيث مع ولده أبي العبَّاس إلى بغداد، فدخل وهو على قناة بين يديه، وكبَّر الناس، وضُربت القباب، وزُيِّنت المدينة، وأكثر النَّاس من الدُّعاء للموفَّق وولدِه، وكان يومًا عظيمًا لم يُرَ في الإسلام مثلُه، وكتب الموفَّق إلى الآفاق برجوع النَّاس إلى أوطانهم: البصرةِ، والأُبُلَّة، والأهواز، وواسط، وكُوَر دجلة، وغيرِها، وطابت قلوب النَّاس ورجعوا، وأحسن الموفَّق إليهم، وولَّى قضاءَ البصرة محمدَ بن حمَّاد، وأقام هو بالموفَّقية حتى تراجع النَّاس.
فكان خروج الموفَّق يوم الأربعاء لأربع بقين من رمضان سنة خمسٍ وخمسين ومئتين، وقيل: يوم السَّبت، أو ليلة السَّبت، لليلتين خلتا من صفر سنةَ سبعين ومئتين، وكانت مدَّةُ إقامته أربع عشرة سنة وأربعة أشهر وعشرةَ أيَّام (٣).
وقال الصُّولي: قتل من المسلمين ألفُ ألف وخمسُ مئة ألفٍ ما بين شيخ وشابٍّ
стр. 7364
وصبيٍّ وذَكَرٍ وأنثى، وقتل في يوم واحد بالبصرة ثلاثة مئة ألف، واستأمن من أصحابه خمسة عشر ألفًا (١).
وكان له مِنبرٌ في مدينته، يصعد عليه، ويسبُّ عثمانَ وعليًّا ومعاويةَ وطلحة والزُّبير وعائشة ﵃، وهذا رأيُ الخوارج الأَزَارِقة، وكان ينادى على الجارية من ولد الحسن والحسين ﵃، أو بني هاشم العبَّاسيِّين وغيرهم بدرهمين أو ثلاثة، وينادى عليها في عسكره بنَسَبها: هذه فلانة بنتُ فلان بنِ فلان، وكان عند كلِّ واحد من الزَّنج من العلويَّات العشرةُ والعشرون يطؤهُنَّ، وتخدمن نساءَ الزَّنج مثل الوصائف (٢).
واستغاثت إليه يومًا ربقة (٣) من ولد الحسين ﵇ ما تلقاه من بعض الزَّنج، وسألته أن ينقلها إلى غيره، فأسمعها كلامًا فاحشًا، وذكر فاطمةَ ﵍ بنتَ رسول الله ﷺ .
وأكثر الشُّعراء في مقتله ومدْحِ الموفَّق، فقال يحيى بن محمد الأسلميُّ: [من الطويل]
أقولُ وقد جاء البشيرُ بوَقْعةٍ … أعزَّتْ من الإسلام ما كان واهيا
جزى الله خيرَ النَّاس للنَّاسِ بعدما … أُبيح حِماهم خيرَ ما كان جازيا
تفرَّد إذ لم ينصر اللهَ ناصرٌ … بتجديدِ دينٍ كان أصبح باليا
وتشييدِ مُلْكٍ قَدْ وَهَى بعد عزِّه … وإدراكِ ثاراتٍ تُبير الأعاديا
وتَرجِعَ أمصارٌ أُبيحتْ وأُحرقتْ … مِرارًا فقد أمستْ قواءً عَوافيا
وتُشفَى صدورُ المؤمنين بوَقْعةٍ … تَقَرُّ بها منَّا العيونُ البواكيا
وأعرض عن أحبابه ونعيمِهِ … وعن لذَّةِ الدُّنيا وأقبلَ غازيا
من أبيات طويلة.
وقال أيضًا: [من السريع]
стр. 7365
أين نجومُ الكاذبِ المارِق … ما كان بالطَّبِّ ولا الحاذقِ
صبَّحه بالنَّحسِ سَعْدٌ بدا … لسيِّدٍ في قوله صادقِ
فخرَّ في مأزِقِه مُسْلَما … إلى أُسودِ الغاب في المأزِقِ
وذاقَ من كأسِ الرَّدى شَرْبةً … كَريهةَ الطَّعْمِ على الذَّائقِ
وقال يحيى بن خالد: [من الكامل]
يا بنَ الخلائفِ من أَرُومَةِ هاشمٍ … والغامرينَ النَّاسَ بالإفضالِ
والذَّائدين عن الحَريمِ عدوَّهم … والمُعْلِمين لكلِّ يومِ نِزالِ
مَلِكٌ أعاد الدِّينَ بعد دُروسه … واستنقَذ الأسرى من الأغلالِ
أنت المُجيرُ من الزَّمان إذا سَطَا … وإليك يَقصِدُ راغبٌ بسؤالِ
أطفَأْتَ نيرانَ النِّفاق وقد علَتْ … يا مُنيةَ الآجال والآمالِ
لله درُّكَ من سليلِ خلائفٍ … ماضي العزيمة طاهرِ السِّرْبالِ
أفنيتَ جمعَ المارقِين فأَصبحوا … متذلِّلين قد ايقنوا بزَوالِ
أمطرتَهُم عَزَماتِ رأيٍ حازمٍ … مَلأتْ قلوبَهُمُ من الأهوالِ
لمَّا طغى الرِّجْسُ اللَّعينُ قَصدْتَه … بالمَشْرَفيِّ وبالقَنَا الجوَّالِ
وتركتَه والطَّيرُ يَحجُلُ حولَه … متقطِّعَ الأوداج والأوصالِ
يَهوي إلى حَرِّ الجحيم وقَعْرِها … بسَلاسلٍ قد أوهنَتْهُ ثِقالِ
هذا بما كَسَبتْ يداه وما جَنى … وبما أتى من سيِّئ الأعمالِ
أقررْتَ عينَ الدِّين ممَّن كادَه … وأدَلْتَهُ من قاتل الأطفالِ
صال الموفَّقُ بالعراق فأفْزَعَتْ … مَن بالمغارب صَولةُ الأبطالِ
وقال عيسى بن مَخلد بن مروان (١): [من الطويل]
أَبِنْ لي جوابًا أيُّها المنزلُ القَفْرُ … فلا زال مُنْهَلًّا بساحاتِكَ القَطْرُ
أَبِنْ لي عن الجيران أين تحمَّلوا … وهل عادتِ الدُّنيا وهل يَرجعُ السَّفْرُ
وكيف تُجيب الدَّارُ بعد دُرُوْسِها … ولم يَبْقَ من أعلام ساكنِها سَطْرُ
منازلُ أبكاني مَغانيُّ أهلها … وضاقَتْ بيَ الدُّنيا وأسْلَمني الصَّبْرُ
стр. 7366
كأنَّهُمُ قومٌ رَغا البَكْرُ فيهمُ … وكان على الأيَّام في هُلْكهم نَذْرُ
وعاثَتْ صُروفُ الدَّهرِ فيهم فأسرعتْ … وشرُّ ذوي الأضْغانِ ما فعل الدَّهرُ
فقد طابتِ الدُّنيا وأينَعَ نَبْتُها … بيُمْنِ وليِّ العَهْدِ وانقَلَبَ الأَمْرُ
وعاد إلى الأوطان مَن كان هاربًا … ولم يبقَ للمَلعون في مَوْطنٍ أَمْرُ (١)
بسيف وليِّ العَهد طالت يدُ الهدى … فأشرق وجهُ الدَّهر واصطُلِم الكُفْرُ
وجاهَدَهم في الله حقَّ جهادِهِ … بنَفْسٍ لها طولُ السَّلامةِ والنَّصْرُ
من أبيات.
الفضل بن العبَّاس
ابن موسى، أبو نُعيم، العَدَويُّ الأستراباذيُّ.
كان فقيهًا فاضلًا، مقبولَ القول عند الخاصِّ والعامّ غير أحمد بن عبد الله الطاغي على أستراباذ، فعزم على نهبها، فاشتراها منه بست مئة ألف درهم، ووزَّعها على النَّاس.
ويقال: إنَّ محمد بن زيد العلويّ قتله سرًّا وأخفاه. وروى عن الفَضْل بن دُكَين وغيره، وكان ثقة (٢).
[محمد بن إسحاق] (٣) بن جعفر
أبو بكر، الصَّاغانيّ، الحافظ.
رحل في طلب العلم، ولقي الشّيوخ، وكتبوا عنه، وكانت وفاته يوم الخميس لسبعٍ خلون من صفر.
سمع يزيد بن هارون وغيرَه، وروى عنه النَّسائي وغيرُه، وكان أحدَ الأثبات المُتْقنين، مع صَلابةٍ في الدِّين، واشتهارٍ بالسُّنَّة، واتِّساع في الرِّواية، واتَّفقوا على فضله وثقتِه، حتَّى قال الدارقطنيُّ: كان ثقةً وفوقَ الثِّقة، رحمه الله تعالى.
стр. 7367
محمد بن الحسين بن المبارك
أبو جعفر، ويعرف بالأعرابي.
كان عابدًا ناسكًا، وسببُ وفاته: أنَّه توفِّي له وَلَد نَفيس كان يحفظ الحديث، فتغيَّر حالُه، وحَزِن عليه، وما زال به الحُزْنُ حتَّى مات في رمضان لعشرٍ بقين منه.
سمع أسود بنَ عامر وطبقتَه، وروى عنه ابنُ صاعد وغيرُه، وكان ثقةً رحمة الله عليه (١).
محمد بن مُسلم
ابن عثمان (٢) بن عبد الله، أبو عبد الله، الرَّازي، ويعرف بابن وارة.
أحد الحفَّاظ الرَّحَّالين، والعلماء المتقنين، وكان أبو زُرعة الرَّازي لا يقوم لأحد، ولا يُجلس أحدًا مكانه إلَّا ابن وارة، وكان يقول: ابنُ وارة أبو الحديث وأمُّه.
توفِّي في شهر رمضان بالرِّيِّ سنة سبعين ومئتين، وقيل: سنة خمس وخمسين، أو سنة خمس وستِّين، وهو وهم.
أسند عن خلقٍ كثير، منهم: أبو مُسْهر الدِّمشقيُّ وغيره، وروى عنه البخاريُّ وغيره.
واتَّفقوا على فضله وصدقه وثقتِه؛ إلَّا أنَّه كان متكبِّرًا.
[وفيها توفي]
نَصْر بن اللَّيث بن سعد (٣)
أبو منصور، البغداديُّ، الورَّاق.
[رحل وطلب الحديث وحدَّث ببغداد. وقد] أخرج له الخطيب حديثًا غريبًا بإسناده
стр. 7368
عن عثمان (١) بن عفان ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الإيمان يَمان، ورَحَى الإيمان في قَحطان، والقَسوة والجفاء فيما وَلَد عدنان، وحِمْيَر رأسُ العرب ونابُها، والأَزْدُ كاهِلُها وجُمْجُمتها، ومَذْحِج هامَتُها وغَلْصَمَتُها، وهَمْدان ذِرْوَتُها، اللهمَّ أعِزَّ الأنصار الذين آوَوْني ونَصَروني وحَمَوْني، وهم أصحابي في الدُّنيا، وشيعتي في الآخرة، وأوَّلُ مَن يدخل بُحبوحة الجنَّة من أمَّتي".
* * *
стр. 7369
السَّنة الحادية والسَّبعون بعد المئتين
فيها دخل محمَّد وعليٌّ ابنا الحسين بن جعفر بن موسى بن جعفر بن محمد بن عليٍّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب المدينة، وقتلا جماعةً من أهلها وأخذا الأموال، ولم يصلِّ أهلُها في مسجد رسول الله ﷺ أربع جُمَعٍ، لا جمعة ولا جماعة، فقال العبَّاس بن الفَضْل العَلَويُّ (١): [من الخفيف]
أُخرِبتْ دارُ هجرةِ المصطفى … البَرِّ فأبكى إخرابُها المسلمينا
عينُ فابكي مقامَ جبريلَ والقَبْـ … ـرَ والرَّوْضَ والمِنْبرَ الميمونا
وعلى المسجد الذي أُسُّهُ التَّفـ … ـوى خَلاءً أضحى من العابدينا
وعلى طَيبةَ الَّتي بارك اللـ … ـه عليها بخاتَم المُرْسَلينا
وفيها أُدخل جماعةٌ من أهل خُراسان على المعتمد، وأَشهدهم أنَّه قد عَزل عمرَو بن الليث عمَّا كان قَلَّده من خراسان، وأنَّه قد قلَّدها محمَّدَ بن طاهر، وأمر بلَعْن عمرو بن اللَّيث على المنابر (٢).
وفيها كانت وقعة عظيمة بين أبي العبَّاس ابن الموفَّق وبين خُمارويه بن أحمد بن طولون بمكان يقال له: الطَّواحين بأرض فلسطين.
كان الموفَّق قد جهَّز ولده أبا العبَّاس في جيوش العراق، وأعطاه الخزائن، وولَّاه أعمال ابن طولون، فخرج أبو العبَّاس من سُرَّ مَن رأى إلى الشَّام، فنزل بفلسطين، وجاء خُمارويه [بن أحمد] من مصر، والتقيا، فقُتل بينهما خلقٌ عظيم (٣) بحيث جرت الطَّواحينُ من الدِّماء على ما قالوا، وكانت الدَّبْرة على خُمارويه، فانهزم إلى مصر على الجمازات (٤)، واشتغل أصحابُ أبي العبَّاس بالنَّهب.
стр. 7370
ونزل أبو العبَّاس في مَضرب خُمارويه ولا يرى أنَّه بقي له طالب، وكان سعدٌ الأعسر مع خُمارويه قد كَمَّن كَمينًا لأبي العبَّاس [فخرج عليهم وقد وضعوا السِّلاح، فحمل عليهم فانهزموا وتفرَّقوا، ومضى أبو العبَّاس] إلى طَرَسوس في نَفَرٍ يسير، وذهب جميع ما كان معه وما حواه من عسكر خُمارويه، انتهب الجميعَ سعدٌ الأعسر، وأقام أبو العباس بطَرَسوس.
وفيها وثب يوسف بن أبي السَّاج على الحُجَّاج، فقاتلوه وأسروه، وقدموا به بغداد مقيَّدًا قد أُشهِر على جمل.
قال أبو بكر الأدمي القاري (١): [لما أُدخل ابن أبي السَّاج سامراء مقيَّدًا مشهورًا أخرجني] مؤنس معه فتلقيناه [من فراسخ -وقيل: إنَّما أدخل به بغداد- قال الأدمي:] فقرأتُ بين يديه وهو مقيَّدٌ مشهور ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [هود: ١٠٢] وأَتبعتُها بكلِّ ما جاء في القرآن من هذا الجنس، وابنُ أبي السَّاج عليه البُرنس وهو يبكي، فلمَّا كان بعد مدَّة شفع فيه مؤنس، فرضي الخليفة عنه، وأَطلقه إلى داره، فقال لي مؤنس: قد طلبك ابن أبي السَّاج منِّي، فامضِ إلى داره، فقلت: خَفِ الله فيَّ، لعلَّه وجد في نفسه من ذلك اليوم، فقال: لا بدَّ، فقلتُ: اللهَ اللهَ فيَّ أيُّها الأستاذ، فقال: لا بدَّ أن تمضي إليه.
فدخلت عليه، فقرَّبني ورفع مجلسي وقال: أحبُّ أن تقرأ [تلك] الآيات التي قرأتَها بين يدي يوم كذا وكذا، فقلت: كان الحالُ يقتضي ذلك، أمَّا اليوم فلا، فقال: لا بدَّ ولا بأس عليك، فإنَّني انتفعتُ بها.
فشرعتُ، فقرأتها وهو يبكي ويَنْتَحب إلى أن قطعتها، فأخرج من تحت مُصلَّاه دنانيرَ كثيرة، فَحَشَا بها فمي، ثمَّ أعطاني ألفي درهم، فأخذتُها وخرجت، وإذا ببَغْلةٍ فارهة بسَرْجها ولجامها، فركبتُها، وأصحبني ثيابًا، وقال: إذا شئت فعُدْ إلينا، ولا تنقطع عنَّا ما دمنا مُقيمين، فكنتُ آتيه في كلِّ أسبوع أقرأ عنده، فيعطيني في كلِّ شهر مئة دينار، إلى أن خرج من دار السَّلام.
стр. 7371
ويقال: إنَّ في هذه السَّنة ردَّ الموفَّق أخاه المعتمد إلى سُرَّ مَن رأى، فصلَّى بالنَّاس عيد الأضحى، وخرج عليهم وعليه البُردة والقَضيب، وابنُ طاهر يمشي بين يديه بالحربة (١).
[وفي هذه السَّنة] زُلزلت مصر زلزلة عظيمة، هَدَمت المنازلَ والجوامع، وقتلت خلقًا عظيمًا، فأخرج في يوم واحد ألفُ جنازة (٢).
وحج بالنَّاس هارون بن محمد.
وفيها توفيت
بُوران بنت الحسن
ابن سَهْل، زوجة المأمون. [وقد ذكرنا تزويجها ودخولَ المأمون بها في فم الصِّلْح، وما أنفق عليها أبوها من الأموال، وإقامتها ببغداد مكرّمة محترمة.]
وكانت فَطِنة مُتصدِّقة، توفِّيت في ربيع الأوَّل ببغداد وقد بلغت ثمانين سنة، ودُفنت بالسَّهلية عند جامع السلطان على باب بغداد، وهناك بُنْيتُه قائمة، يقال إنَّها في تابوت مربوط بسلاسل (٣).
حَمْدون بن أحمد بن عُمارة
أبو صالح، القصَّار، النَّيسابوريّ.
إمام الملامتيَّة (٤) بنيسابور ومنه انتشر مذهبهم.
وكان أبو صالح فقيهًا على مذهب سفيان الثوريّ، وسمع الحديث وصحب [أبا تراب، النَّخْشَبيَّ وأقرانه.
[وذكره ابن خميس في "المناقب" (٥) وأثنى عليه، وله الكلام المليح، فمنه ما ذكره السُّلميُّ
стр. 7372
وغيره أنه كان يقول: إذا رأيت سكرانًا فتمايل لئلَّا تنعي عليه؛ فتُبتلى بمثل ما ابتُلي به.
وقال: لا تُفشِ على أحدٍ سرًّا تحبُّ أن يكون منك مكتومًا.
وقال: من ضيَّع عهودَ الله عنده فهو لآداب الشريعة أضيعُ.
وقال: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بمسجون.
وقال: لا يفرح إبليس بشيءٍ كفرحه بقلب فيه خوف الفقر.
وحكى عنه أبو نعيم قال: قيل لحمدون: ما بال كلام السلف (١) أنفعُ من كلامنا؟ فقال: لأنَّهم تكلَّموا لعزِّ الإسلام، ورضى الرَّحمن، ونجاة النُّفوس، ونحن نتكلَّم لعزِّ النُّفوس، وطلب الدُّنيا، ورضى الخلق.
[قال:] وسَفِهَ عليه رجل، فقال له حمدون: لو نقصتَني كلَّ نَقْصٍ لم تَنقصني كنقصي عند نفسي، ثمَّ قال: سَفِهَ رجل على إسحاق الحنظليّ فاحتمله، فقيل له في ذلك فقال: لأيِّ شيءٍ تعلَّمنا العلم؟.
وقال: مَن استطاع منكم أن لا يَعمى على نُقصان نفسه فليفعل.
وقال: مَن نظر في سِيَر السَّلف عرف تقصيره وتخلُّفَه عن درجات الرِّجال.
وتوفِّي صديقٌ له وهو قاعد عند رأسه، فأطفأ السِّراج وقال: هذا زيتٌ قد صار للوَرَثة.
وكانت وفاة حمدون بنيسابور [في هذه السنة (٢).
وفيها توفي]
أبو حَفص النَّيسابوري
[واسمه:] عمرو بن سَلْم، وقيل: ابن سَلَمة (٣)، الحدَّاد.
стр. 7373
وهو من قرية على باب نَيسابور يقال لها: كُورْدَاباذ على طريق بُخارى.
كان عظيم الشَّأن [صحب المشايخ، وإليه ينتمي شاه بن شجاع الكِرْماني، وكان] أحد السادة الأئمة، من كبار مشايخ القوم، وله الكراماتُ المشهورة.
روى الخطيب عن الجنيد بن محمد: أن أبا حفص ذُكر عنده، فقال الجنيد: كان رجلًا من أهل الحقائق، ولو رأيتُه لاستغنيتُ به.
وكان يتكلَّم في غَور بعيد، ولقد قال له يومًا بعضُ أصحابه: كان مَن مضى لهم الآيات الظاهرة، فأيش لك؟ فأخذ بيده وأتى به إلى سودتى الحدَّادين إلى كُور عظيم محميٍّ، فيه حديدةٌ عظيمة، فأدخل يده فأخذها؛ فبَردت في يده.
[وقال الخطيب:] دخل أبو حفص على مريض، فقال المريض: آه، فقال أبو حفص: ممَّن؟ فسكت، فقال: مع مَن، فقال المريض: كيف أقول؟ قال: لا يكنْ (١) أنينُك شكوى، ولا سكوتُك تجلُّدًا، وليكن بين ذلك.
[وحكى السُلميُّ عن] مَحْمِش الجَلّاب قال: صحبتُ أبا حفص اثنتين وعشرين سنة، [فما رأيتُه ذكر الله تعالى إلَّا على وجه الحضور والتَّعظيم والحُرمة]، وما رأيتُه يذكره على حدِّ الغَفلة والسَّهو والانبساط، وكان إذا ذكره تغيَّر حاله (٢).
وكان يقول: ما أظنُّ محقِّقًا يذكر الله على غير غفلة، ثمَّ يبقى بعد ذلك حيًّا إلَّا الأنبياء؛ فإنَّهم أُيِّدوا بقوَّة النُّبوَّة.
وحكى ابن باكويه الشّيرازي، عن أبي عثمان النَّيسابوري قال: خرجنا (٣) مع أبي حفص إلى ظاهر نيسابور، فتكلَّم علينا، فطابت قلوبنا، فبَصُرنا بأُيَّل (٤) قد نزل من الجبل، فبرك بين يديه وأصغى إليه، فبكى أبو حفص بكاء شديدًا، فقلنا له: تكلَّمتَ علينا فطابت قلوبُنا، فلمَّا جاء هذا الوحشُ وبَرَك بين يديك أزعجك وأبكاك! فقال: نعم، رأيتُ اجتماعَكم حولي وطيبَ قلوبكم، فوقع في خاطري لو أنَّ شاةً ذبحتُها
стр. 7374
ودعوتكم إليها، فما تحكَّم هذا الخاطر حتَّى جاء هذا الوحش فبرك بين يديَّ، فخُيِّل لي أنِّي مثل فرعون لمَّا سأل ربَّه فأجرى له النِّيل، قلت: فما يؤمنني أن يُعطيني الله حُظوظي في الدُّنيا، وأبقى فقيرًا يوم القيامة لا شيء لي؟ فذلك الذي أزعجني.
[وقال السُّلمي:] كان أبو حفص إذا غضب تكلَّم في حُسن الخُلُق حتَّى يَسْكُن غَضَبُه، ثم يرجع إلى حديثه.
[وحكى عنه السُّلمي أيضًا أنه] قال: حرستُ قلبي عشرين سنة، ثمَّ حرسني قلبي عشرين سنة، ثمَّ وردتْ عليَّ وعليه حالةٌ صرنا فيها محروسَين جميعًا (١).
وحكى في "المناقب" عن المرتَعِش قال: دخلنا (٢) مع أبي حفص على مريض نعوده ونحن جماعة، فقال للمريض: ما تشتهى؟ فقال: أن أبرأ، فقال أبو حفص لأصحابه: تحمَّلوا عنه، فقام المريض وخرج معنا، وأصبحنا كلُّنا أصحاب فُرُشٍ نُعاد.
[وقال السُّلمي:] قيل لأبي حفص: مَن الوليّ؟ قال: من أُيِّد بالكرامات وغُيِّب [عنها] (٣).
[وحكي عنه في "المناقب" أنه] قال: المعاصي بَريد الكفر، كما أنَّ الحُمَّى بريد الموت (٤).
وقيل له: إنَّ فلانًا إذا سمع السَّماع صاح ومزَّق ثيابه، فقال: الغريق يتشبَّث بكلِّ شيءٍ يظنُ أنَّ فيه نَجاتَه.
قال: ولما دخل بغداد قال له الجُنيد: لقد أدَّبتَ أصحابَك أدب السَّلاطين، فقال أبو حفص: حُسنُ الأدبِ في الظَّاهر عنوان حُسنِ الأدبِ في الباطن، ألا ترى إلى قوله ﷺ : "لو خشع قلبُ هذا لخشعَتْ جوارحُه" (٥).
стр. 7375
[قال:] وسُئل: من الرجال؟ فقال: هم القائمون لله تعالى بوفاء العهود، قال الله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ﴾ الآية [الأحزاب: ٢٣].
وقال: الخوف سَوْط (١) الله في أرضه، يقوِّم به الشَّاردين عن بابه، وهو سِراج القلب، به يُبصر ما فيه من الخير والشّر.
[وقيل له: أيُّهما أفضل، النُّطق أو الصَّمت؟ فقال: لو علم النَّاطق ما آفة النُّطق لصمت عمر نوح، ولو علم الصَّامت ما آفة الصَّمت لسأل الله ضِعفَي عمر نوح حتى ينطق] (٢).
وقال: إنَّ الله تعالى دعا الخَلْق إليه من أربعة أبواب؛ دعاهم من باب الرضا فما أجابه إلَّا القليل، ودعاهم من باب الصَّبر فما أجابه إلَّا القليل، ودعاهم من باب الذِّكر فما أجابه إلَّا القليل، ودعاهم من باب حُسن الظَّن فقال: "لا يموتَنَّ أحدُكم إلا وهو يُحسن الظَّنَّ بربِّه" (٣) فأجابوه.
[واختلفوا في وفاته: فقال السُّلمي: في] سنة سبعين [ومئتين] وقيل: سنة إحدى وسبعين، وقيل: [في] سنة أربع [أو ستٍّ] أو سبع وستين ومئتين ﵀ (٤).
[وفيها توفي]
محمد بن وَهْب
أبو جعفر، العابد، صاحب الجنيد.
[حكى عنه الخطيب أنَّه] قال: سافرتُ لألقى أبا حاتم العطَّار البصريَّ الزَّاهد، فطرقتُ عليه بابَه فقال: مَنْ؟ قلتُ: رجلٌ يقول: ربي الله، ففتح الباب، ووضع خدَّه على الأرض وقال: طَأْ عليه؛ فهل بقي في الدُّنيا مَن يُحسِن أن يقول: ربِّي الله؟!
стр. 7376
وكانت وفاته ببغداد، فتولَّى الجنيدُ غسلَه وتكفينَه والصَّلاةَ عليه، ودُفن إلى جانب سَرِيٍّ السَّقَطي [رحمة الله عليهما] (١).
محمد (٢) بن يعقوب بن الفَرَج
أبو جعفر، الصُّوفي، من أهل سُرَّ مَن رأى.
كان من أبناء الدُّنيا، ورث مالًا كثيرًا، فأنفقه في طلب العلم، وعلى الفقراء والزُّهَّاد والصُّوفية والمحدِّثين.
وقال بُنان بن أحمد المصري: قدم محمد بن يعقوب مصرَ، فقصدتُه، فإذا هو في بيت مملوءٍ كُتبًا، فقلت: رحمك الله، اختصر لي من هذه الكتب كَلمتين أنتفعُ بهما، فقال: ليكن همُّك مَجموعًا فيما يُرضي الله تعالى، فإنِ اعترضَ عليك شيءٌ فتُب من وقتك.
وكانت وفاته بالرَّمْلَة، حدَّث عن عليِّ بن المَديني وغيره، وروى عنه بِشر بن يوسف الهَرَوي وغيره (٣).
مصعب بن أحمد
ابن مُصْعَب، أبو أحمد القلانسيُّ.
ولد ببغداد، وكان من أقران الجُنيد، عظيمَ الشَّأن.
قال جعفر الخُلْدي (٤): قال لي أبو أحمد القَلانِسيُّ: يا جعفر، فرَّق رجل على الفقراء أربعين ألف درهم ببغداد، فقال لي سَمنون: يا أبا أحمد، ما تَرى ما فعل هذا الرجل؟ ونحن ما معنا شيء نفرِّقه، اخرج بنا إلى المدائن نصلِّي بكلِّ درهمٍ ركعة،
стр. 7377
فخرجنا إليها، فصلَّينا أربعين ألف ركعة، وزُرنا قبرَ سليمان وحُذيفة، وانصرفنا.
وكان أبو أحمد مُجَرَّدًا من الدُّنيا، مُلازِمًا للمساجد والصَّحارى ليس له منزل، وكان يَصحبه غلام اسمُه محمد بن يعقوب المالكي، وكان حَدَثَ السِّنّ، فقال لأبي أحمد: أحبُّ أن أتزوَّج، فأمر مَن خطب له ابنةَ رجل من أعيان النَّاس، فأجاب، فلمَّا حضر جماعة بسبب العقد قال محمد بن يعقوب: قد بدا لي من التَّزويج، فغضب أبو أحمد وقال: تَخطب إلى رجلٍ كَريمتَه فيُجيب، ثمَّ تمتنع؟ والله لا يتزوَّجها غيري، فقام أبوها فقبَّل رأسه، فقال: ما كنتُ أظنُّ أنَّ قَدْري عند الله أن أُصاهِرك، ولا قدْرَ ابنتي أن تكون أنت زوجَها.
وقيل: إنَّه مات سنة سبعين، خرج حاجًّا، فلمَّا قضى نُسُكَه توفِّي، فدُفن بأَجْياد عند الهدف، ﵀.
* * *
стр. 7378
السَّنة الثانية والسَّبعون بعد المئتين
فيها وقع بين يازمان الخادم وأبي العبَّاس بن الموفَّق خلافٌ في طَرَسوس، فأخرج أهلُها أبا العبَّاس منها، فخرج يريد بغداد في نصف المحرَّم، وقدم بغداد لسبعٍ بقين من جُمادى الآخرة.
وفيها دخل حَمدان بن حَمدون وهارون الشَّاري (١) الخارجيَّان مدينةَ المَوْصِل، وصلَّى الشاري بالنَّاس في المسجد الجامع.
وفيها قدم صاعد بن مَخْلد كاتب الموفَّق من فارس إلى واسِط في رجب، وكان الموفَّق بها، فأمر القوَّاد باستقباله، فتلقَّوه وقبَّلوا يده، وكان في قتال عمرو بن اللَّيث.
ولسبعٍ (٢) بقين من رجب قبض عليه الموفَّق وعلى أصحابه، وانتَهبَ منازلَهم، وقبض على ابنَيه أبي عيسى وأبي صالح ببغداد، وعلى أخيه عَبْدون بسامرّاء، وذلك كلُّه في يوم واحد، واستكتب الموفَّق إسماعيلَ بن بُلْبُل (٣).
وفيها تحرَّكت الزَّنج بواسط وصاحوا: أنكلاي يا منصور، وهو ابنُ الخبيث، وكان أنكلاي، وسليمان بن جامع، والمهلّبيّ، والشَّعرانيّ، وغيرهم من قوَّاد الزنج مُحْتَبَسين ببغداد في دار محمد بن عبد الله بن طاهر، في يدِ غُلامٍ من غلمان الموفَّق يقال له: فتح السَّعيدي، فكتب إليه الموفَّق أن يبعث إليه برؤوسهم، فذبحهم واحدًا واحدًا، وبعث برؤوسهم إليه، وقيل: إنَّه صلب أبدانهم على الجسر، وكانوا قد رُموا ببالوعة، فأُخرجوا، وصلب ثلاثة منهم في الجانب الغربيّ، وثلاثة في الجانب الشرقيّ.
وفيها غزا الصَّائفة يا زمان الخادم.
وحجَّ بالنَّاس هارون بن محمد بن إسحاق بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عبَّاس الهاشميّ.
стр. 7379
وفيها توفي
أحمد بن مَهْديّ بن رُسْتم
أبو جعفر، الأصبهانيّ.
أحد الثِّقات الأثبات، الرحَّالين في طلب العلم، صاحب صلاة وتعبُّد واجتهاد، لم يُفْرَش له فراشٌ منذ أربعين سنة، وأنفق على تحصيل العلم ثلاث مئة ألف درهم، وصنَّف "المسند".
سمع ببغداد أبا عُبيد القاسم بن سلَّام، وعزم على أن يكتب كتاب "الأموال" لأبي عبيد بماء الذَّهب، فقال له أبو عبيد: اكتب بالحِبر فإنَّه أبقى.
وسمع ابن أبي الدُّنيا وخَلْقًا كثيرًا، وكان فوق الثِّقة (١).
[وفيها توفي
الحسن بن إسحاق] بن يزيد
أبو علي، العَطَّار.
قال عبد الرَّحمن بن هارون: كنَّا في البحر سائرين إلى إفريقية، فرَكَدَت علينا الرِّيح، فأرسَينا إلى موضع يقال له: البَرْطون، ومعنا فتًى صَقْلَبي يقال له: أيمن، ومعه شِصٌّ (٢) يَصطاد به السَّمَك، فاصطاد سَمكةً نحوًا من شِبر أو أقلّ، فرأينا على صَحْفَةِ (٣) أُذنها اليُمنى مكتوبًا: لا إله إلا الله، وعلى اليُسرى: محمد رسول الله، وكانت السَّمكةُ بيضاء، والكتابةُ سوداء؛ كأنَّها كُتبتْ بحِبر، وكانت أَبْيَنَ من نَقْشٍ على حَجَر، فقذفناها في البحر، ومَنعْنا النَّاسَ أن يصيدوا من ذلك الموضع.
حدَّث الحسن عن أبي نُعيم وغيره، وروى عنه مَخْلد وغيرُه، وكان ثقة.
سليمان بن وَهْب
كان كاتب الموفَّق، وهو الَّذي تعصَّب لأبي تمام، وولَّاه بَريد الموصل.
стр. 7380
وكان فاضلًا، حبسه الواثق سنة ثمانٍ وعشرين ومئتين، فكتب إليه أخوه الحسن بن وهب يقول: [من الكامل]
صَبْرًا أبا أيُّوب صَبْرًا يُرْتَضى … فإذا جَزِعتَ من الأمور فَمَن لها (١)
توفِّيت أمُّ سليمان، فدخل عليه صالح بن شَهريار (٢) الكاتب وكان مُغَفَّلًا، فأنشده مرثيَّة في أمِّه يقول: [من الطويل]
لأمّ سليمانٍ علينا مصيبةٌ … مُغَلْغَلَةٌ مثلُ الحُسامِ البَواترِ
وكنتِ سِراجَ البيتِ يا أمَّ سالمٍ … فأمسى سِراجُ البيت بين المقابرِ
فقال سليمان: ما نزل بأحدٍ مثل ما نزل بأمِّي؛ ماتت وتُرثى بمثل هذا الشعر المشؤوم، واسمي سليمان فصيَّرني سالمًا.
وتوفِّي سليمان في حبس الموفَّق يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من صفر (٣).
[وفيها توفي] (٤)
العلاء بن صاعِد
أبو عيسى، البغداديُّ، الكاتب.
كان يتعاطى علمَ النُّجوم، حبسه الموفَّق على مالٍ اتَّهمه به، وكان مريضًا فحُمِل في مِحَفّة إلى الحبس [فقال لأصحابه: طالعُ الوقت يقتضي أنَّ بعد ثلاثة عشر يومًا أخرج من الحبس]، وأَعودُ إلى منزلي، فتوفِّي في الحبس بعد ثلاثة عشر يومًا، فدُفع ميتًا إلى أهله.
[وقال الصُّولي:] رأى النبيَّ ﷺ في المنام وكان مريضًا، فقال: يا رسول الله، ادعُ الله أن يهبَ لي العافية، فأعرض عنه يمينًا وشمالًا وهو يقول ذلك، فقال له رسول الله ﷺ : لا أفعل، فقال: يا رسول الله، ولم؟ قال: لأنَّ أحدكم يقول: أعلَّني المرِّيخ، وأبرأني المُشْتري (٥).
стр. 7381
عيسى بن جعفر
أبو موسى، الورَّاق، البغداديّ.
كان من أفاضل النَّاس، وشجعان المجاهدين، مع ورع، وعقل، ومعرفة، وحديث كثير.
سمع الإمام أحمد رحمة الله عليه وغيرَه، وروى عنه المَحامِليُّ وغيره، وكان صالحًا ثقة (١).
محمد بن عبد الله
ابن عمَّار بن سَوادة، أبو جعفر، المَولى، المُخَرِّمِّيُّ (٢).
ولد سنة اثنتين وستِّين ومئة، وقَدِم سُرَّ مَن رأى تظلُّمًا من القاضي الزُّبَيري، فكثر النَّاس عليه في طلب الحديث، فبلغ الخليفة فقال: ما الذي أقدم هذا الرَّجل؟ قالوا: يتظلَّم من الزُّبيري، فقال: اعزلوا الزُّبيري.
ومحمد نزيل الموصل، وأحد العلماء المحقِّقين، حافظٌ، كثير الحديث، سمع سفيانَ بن عُيينة وغيرَه، وروى عنه عبدُ الله بن الإمام أحمد وغيره، وكان ثقة صدوقًا.
محمد بن أبي داود عُبيد الله
ابن يزيد، أبو جعفر، [ابن] المُنادي.
كان يسكن المُخَرِّم (٣) ببغداد سنة إحدى وسبعين ومئة، ومات لثلاثٍ بقين من رمضان سنة اثنتين وسبعين ومئتين، وله مئة سنةٍ وسنة، وأربعة أشهر (٤)، وأيامًا.
وقال: صمتُ اثنين وتسعين رمضانًا.
سمع يزيد بن هارون وغيرَه، وروى عنه البخاريُّ وغيره، وكان ثقة.
стр. 7382
محمد بن عَوْف بن سفيان
أبو جعفر، الطائيّ، الحِمصيّ، الزاهد، العابد، الفاضل.
كان الإمام أحمد رحمة الله عليه يقول: ما كان بالشَّام منذ أربعين سنة مثله.
حدَّث عن هشام بن عمار وطبقته، وروى عنه أبو زُرعة الرَّازي وغيره، واتَّفقوا على فضله وصدقه وثقته (١).
[وفيها توفي]
يعقوب بن سِواك
أبو يوسف (٢) الخُتَّليُّ، الزاهد.
سكن بغداد، وصحب بِشرًا الحافيَّ وانتفع به، وسلك طريقتَه في الزُّهد والوَرَع، وكان حافظًا للسانه.
ولمَّا احتُضر قال له ابنه محمد: يا أبتِ، أَدْفِنُكَ عند أخيك وصديقك بشرٍ الحافيِّ؟ فقال: يا بُنيّ، ادفنِّي عند أبي وأمي؛ فإنِّي أحبُّ أن يجمعنا الله غدًا في القيامة جميعًا، فقال له: يا أبت، فأكفِّر عن يمينك بشيء؟ فقال: يا بُنيّ، ما حلفتُ بالله تعالى على حقٍّ ولا على باطل، ومات ﵀.
* * *
стр. 7383
السَّنة الثَّالثة والسَّبعون والمئتين
فيها كانت وَقعةٌ بين إسحاق بن كُنداج وبين محمد بن أبي السَّاج بالرَّافقة، فانهزم إسحاق في جمادى الأولى، ثمَّ تواقعا أيضًا في ذي الحجَّة، فانهزم إسحاق أيضًا (١).
وفيها وثب ثلاثةُ بنين لملك الرُّوم على أبيهم، فقتلوه، وملَّكوا أحدَهم عليهم.
وفيها قبض الموفَّق على لؤلؤ مولى ابنِ طولون الَّذي قدم عليه بالأمان من الشَّام، وأخذ أمواله وكانت أربع مئة ألف دينار، وكان الموفَّق يقول: إنَّه كاتبَ خُمارويه، فكان لؤلؤ يقول: والله ما كاتَبْتُه، ولا لي ذنبٌ إلَّا كثرة مالي، شَرِه أبو أحمد إليه ففعل بي هذا، فقيَّده وحبسه.
وحجَّ بالنَّاس هارون بنُ محمد بن إسحاق الَّذي حجَّ بهم في السِّنين الماضية، وهي السَّنة العاشرة من حجِّه بالنَّاس، ولم يحجَّ بالنَّاس عشر سنين متتابعة بعد عمر بن الخطاب رضوان الله عليه سواه، وقد حجَّ أيضًا بعد هذه (٢).
[فصل] وفيها توفي
أحمد بن سَعْد بن إبراهيم
ابن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف، أبو إبراهيم، الزُّهريُّ، الجَوْهريّ. [قال الخطيب:] كان عالمًا، فاضلًا، زاهدًا، ورعًا، مشهورًا بالصَّلاح (٣).
[وقال الحافظ ابن عساكر: كان] يعدُّ من الأبدال، وهو من أهل بيت كلُّهم زهاد وعلماء ومحدِّثون (٤).
دخل على الإمام أحمد رحمة الله عليه، فقام له، وأكرمه، واعتنقه، وفرح به، فلمَّا
стр. 7384
خرج [من عنده]، قال له ابنه عبد الله: يا أبتِ، أبو إبراهيم شابٌّ وتعمل به هذا [وتقوم له!] فقال [له]: يا بُنيّ، لا تُعارضْني في مثل هذا، ألا أقوم إلى ابن عبد الرَّحمن بن عوف؟!
ومولده في صفر سنة ثمانٍ وتسعين ومئة، وتوفِّي في المحرَّم (١) ببغداد، ودُفن بمقبرة باب التَّبّانين (٢) [ببغداد] وقد بلغ خمسًا وسبعين سنة.
وله أخوان أكبر منه، عبد الله وعبيد الله.
[وحكى الخطيب عنه أيضًا حكاية عجيبة، قال أبو إبراهيم]: كنتُ (٣) جائيًا من المَصِّيصة، فمَررْتُ بجبل اللُّكام، فأحبْبتُ أن أرى المتعبِّدين (٤) هناك، فقصدتُهم، وجاءت صلاة الظُّهر وفيهم رجلٌ يعرفني، فقلت: دلُّوني على رجل، فقالوا: هو شيخ يصلِّي بنا، وإذا به قد أقبل فصلَّى بهم، فلمَّا فرغ قال له الرجل: هذا من ولد عبد الرَّحمن بن عوف، وجدُّه لأمِّه سعدُ بن معاذ، فبَشَّ بي، وسلَّم عليَّ كأنَّه قد كان يعرفني، فقلت له: من أين تأكل؟ فقال: أنت مُقيمٌ عندنا الليلة؟ [قلت: أما الليلة، فأنا عندكم.]
ثمَّ مضى بي إلى كَهْفٍ في الجبل، فأخرج منه قَعْبًا (٥) قد مضت عليه الدُّهور (٦)، يسع رَطْلًا ونصفًا، فلمَّا صلَّينا المغرب اجتمع حواليه الظِّباء، فاعتقل منها ظَبْية، فحلبَها حتَّى ملأ القَعْب، ثمَّ أرسلها، وشرب وسقاني وسقا القوم، وقال: ما هو غيرُ ما ترى، وربَّما أحتاج إلى الشَّيء، فتجتمع الظِّباء حولي، فآخذ حاجتي ثمَّ أُرسلها.
سمع الإمام أحمد [بن حنبل] ﵀، [وعلي بن -جعد- الجوهري، ومحمد بن سَلام الجُمحي] وغيرهم، وروى عنه عبد الله بن محمد البغوي، [ويحيى بن محمد بن صاعد، وأبو الحسين بن المنادي، وآخرون]، وكان صالحًا ثقة.
стр. 7385
[وفيها توفي]
أحمد بن العَلاء بن هِلال
أبو عبد الرَّحمن، القاضي، الرَّقيِّ [، أخو هلال بن العلاء.
قدم دمشق في أيام ابن طولون، وكان فيمن خَلعَ أبا أحمد الموفّق] (١).
ولد سنة اثنتين وتسعين ومئة، وكانت وفاتُه بمصرَ بعد ابن أخيه أبي الهيثم بعشرين يومًا، فرثاهما أخوه هلال فقال: [من الطويل]
ألا أيُّها القَبْران شوقي إليكما … شديدٌ فقد أفنيتُ دَمْعي عليكما
تضمَّنْتُما منِّي حَبيبَين فارفُقا … بشخْصَين حلَّا في ثَرى حُفْرَتَيكما
حبيبَين كانا مؤنِسَين فأصبحا … برَغْمي على طول البِلى مؤنسيكما
سلامٌ ورَيحانٌ ورَوْحٌ ورحمةٌ … من السَّيِّد المَولى على ساكِنَيكما
سمع من الإمام أحمد رحمة الله عليه وغيرِه، وروى عنه ابن أبي الدُّنيا وغيرُه [والحمد لله] (٢).
حَنْبل بن إسحاق بن حَنْبل
ابن عمِّ الإمام أحمد ﵀.
سمع الكثير، وصنَّف التاريخ، وكان زاهدًا، عابدًا، ورعًا، خرج إلى واسط وغيره، وروى عنه أبو القاسم البغويّ، وكان ثَبْتًا ثقة (٣).
الفَتْح بن شَخْرف
ابن داود بن مُزاحم، أبو نصر الكَشّيُّ، أحد الزهَّاد الوَرعين، والصُّلحاء السَّيَّاحين. [ذكره الخطيب وأثنى عليه.] (٤)
стр. 7386
كان الإمام أحمد رحمة الله عليه يقول: ما أخرجتْ خُراسان مثلَ الفتح بن شَخْرف.
قال الفتح: رأيتُ ربَّ العزَّة في منامي، فقال لي: يا فتح، احذر، لا آخذكَ على غِرَّة، [قال]: فتهتُ في الجبال سبع سنين.
[وحكى عنه الخطيب أنَّه] قال: كتبتُ بقَلَمٍ واحد أربعين سنة.
[وقال ابن باكويه:] كتب [الفتح] على باب [داره]: رحم الله ميتًا دخل على هذا الميت فلم يَذْكرِ الموتى عنده إلَّا بالخير.
وقال محمد بن أحمد بن إشكاب: أقام الفتح بن شخرف ثلاثين سنة لم يرفع رأسه إلى السَّماء حياءً من الله تعالى، فرفعه مرَّة ناسيًا فقال: قد طال شوقي إليك، فعجِّل قدومي عليك.
وقال الخطيب (١): أقام [الفتح] ثلاثين سنة لم يأكل الخبز، وكان يُطعِم النَّاسَ الطَّعامَ الطَّيِّبَ.
ذكر وفاته
كان [الفتح] يقول: أعرف رجلًا على عضوٍ من أعضائه مكتوب: لله، والله ما كتبها كاتب.
[حكى الخطيب عن] الجُريريّ قال: لما مات [الفتح] غسَّلتُه، فإذا على فَخِذه الأيمن كتابةٌ بيِّنة: لله، وكان الشِّبلي يصبُّ عليه الماء.
[وقال أبو الحسين بن المنادي:] توفِّي [الفتح] يوم الثلاثاء منتصف شوَّال بداره بالجانب الغربي من بغداد [في دَرْب سليمان بن جعفر حِيال الجسر الأعلى]، ولما خرجوا بجنازته صلِّي عليه ثلاثًا وثلاثين مرَّة، أقلُّ قوم كانوا يصلُّون عليه خمس وعشرون ألفًا إلى ثلاثين ألفًا، ودفن بين المقبرة التي بين باب حَرْب وقُطْرُبُّل.
أسند عن رجاء بن مُرَجّا المَروزيّ وغيره، وروى عنه أحمد بن سليمان النجَّاد وغيره.
стр. 7387
[قال الخطيب:] قال الفتح: رأيت عليَّ بن أبي طالب رضوان الله عليه في المنام، فقلت: يا أمير المؤمنين، عِظني، فقال: ما أحسن تواضعَ الأغنياء للفقراء، وأحسنُ منه تِيه الفقراء على الأغنياء ثقةً بالله.
وقال: رأيتُ بالبادية شابًّا بغير زاد ولا راحلة، فقلت: أين الزَّاد؟ فأخرج مصحفًا وقال: اقرأ ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] الكاف من كافٍ، والهاء من هادٍ، فيُحتاج مع هذا إلى زاد (١)؟!
محمد بن إبراهيم بن مُسلم
أبو أميَّة، البغداديُّ.
كان رفيعَ القدر، إمامًا في الحديث، متقدِّمًا على أهل زمانه، سكن طَرَسوس، وكانت وفاته بها في جمادى الآخرة.
سمع أبا نُعيم وغيرَه، وروى عنه أبو حاتم الرَّازي، وكان صدوقًا ثَبْتًا.
ومن شعره: [من البسيط]
في كلِّ يومٍ أرى بيضاءَ قد طَلَعتْ … كأنَّما طلعتْ في باطنِ البَصَرِ
لئن قطعتُكِ بالمِقراض عن بصري … فما قطعتُكِ عن هَمِّي وعن فِكري (٢)
[وفيها توفي]
محمد بن عبد الرَّحمن
ابن الحكم بن هشام، الأُموي، والي الأندلس.
[ذكره الحُميديُّ في "تاريخه" (٣) وقال:] كان عالمًا، فاضلًا، [عاقلًا]، فصيحًا،
стр. 7388
يخرج إلى الجهاد فيُوغل في بلاد الكفَّار السَّنة والسَّنتين وأكثر، فيقتل ويَسبي، وهو صاحب وقعة وادي سَلِيط؛ وهي من الوقائع المشهورة، لم يُعرَف قبلها مثلُها في الأندلس، وللشُّعراء فيها أشعارٌ كثيرة، يقال: إنَّه قتل فيها ثلاث مئة ألف كافر.
وذكره بَقيُّ بن مَخلَد فقال: ما رأيت (١) ولا علمتُ أحدًا من الملوك، ولا سمعتُ أبلغَ لفظًا منه، ولا أفصحَ، ولا أعقل، ذكر يومًا الخلائفَ وصفتَهم وسِيَرهم ومآثرهم بأفصح لسان، فلمَّا وصل إلى نفسه سكت، وكان خيرَهم.
[قال: وقال له رجل: ما أطيب الموت، فقال له محمد: يا أَبْله، وهل أقْعَدَنا هذه القعدة إلَّا الموت. وفي رواية أنَّ الرجل قال: ما أقبح الموت، فردَّ عليه.]
بويع يوم مات والده سنة ثمان وثلاثين ومئتين في أيام المتوكِّل، فأقام واليًا خمسًا وثلاثين سنة، وأمُّه أمُّ ولد، وكان محبًّا للعلماء [وأهلِ العلم].
ولمَّا مات ولي بعده ولدُه المنذر بن محمد، ويقال: إنَّه مات سنة خمس وسبعين ومئتين (٢).
محمد بن يزيد بن ماجه
أبو عبد الله، الحافظ، القَزْويني، الإمام، صاحب "السُّنن" و"التاريخ" و"التَّفسير"، وهو مولى ربيعة.
ولد سنة تسع (٣) ومئتين، ورحل إلى مكَّة، والكوفة، والبصرة، وبغداد، والشَّام، ومصر، وغيرها، وسمع الكثير، وكان ذا فنون.
توفِّي يوم الاثنين، ودُفن يوم الثلاثاء لستٍّ بقين من رمضان وهو ابن أربع وستين (٤) سنة.
стр. 7389
سمع خلقًا عظيمًا، وقال: عَرضتُ كتاب "السُّنن" على أبي زُرعة، فنظر فيه وقال: إنْ وقع هذا في أيدي النَّاس تعطَّلت هذه الجوامع كلُّها أو أكثرها.
وكانت وفاته بقَزْوين، وصلَّى عليه أخوه أبو بكر.
[وفيها توفي]
أبو يعقوب الشَّريطي
[البَصْري] الصُّوفي. صحب أبا تُراب النَّخْشَبيَّ وغيره، وكان عارفًا بعلوم جمَّة حافظًا.
ذكر حكايته مع داود الظَّاهري:
قال الخطيب (١) بإسناده عن أبي سعيد الزِّيادي قال:] دخل [أبو يعقوب الشريطي] مجلسَ داود بن علي الأصبهانيّ وعليه خِرقتان، فتصدَّر لنفسه من غير أن يرفعه أحد، فقال له داود: سلْ يا فتى، فقال أبو يعقوب: بل يسألُ الشيخُ عمَّا أحبَّ، فغضب داود وقال: أسأل عن الحِجامة، فبرك أبو يعقوب، ثمَّ روى طُرُق: "أفطر الحاجم والمحجوم" ومَن أرسله، ومَن أسنده، ومَن وقفه، ومَن ذهب إليه من الفقهاء، وروى اختلافَ طُرُق: احتجم النبيُّ ﷺ ، وأعطى الحجَّام أجرَه (٢)، ثمَّ ذكر أحاديث الحِجامة، وما ذكر فيها أهلُ الطِّبِّ وغيرهم، ثمَّ قال في آخر كلامه: وأوَّل ما خرجت الحجامة من أصبهان، فقال داود: والله لا احتَقَرْتُ أحدًا بعدك.
[قلت: قد ذكرنا ما يتعلَّق بهذا المعنى في ترجمة داود بن علي الظاهريّ (٣).
وقوله: أوَّل ما خرجتْ الحِجامةُ من أصبهان؛ إنَّما أراد تبكيتَ داود على عادة شرار المُتَفَقِّهَة، وإلَّا فقد كانت الحجامةُ منذ خَلَق الله العالم، وقد احتجم رسول الله ﷺ والصحابة. انتهت ترجمتُه والحمد لله وحده.] (٤)
стр. 7390
السنة الرابعة والسبعون بعد المئتين
فيها خرج الموفَّق إلى كَرْمان يقصد حرب عمرو بن اللَّيث في ربيع الأوَّل.
وغزا يازمانُ الخادمُ، فأسر وقتل وسبى، وعاد سالمًا في رمضان.
وفيها هجم صِدِّيق الفَرْغانيُّ سامراء، فأخذ أموال التُّجَّار، ونَهب دورَ النَّاس، وكان [الفرغاني] لصًّا يقطع الطَّريق فصار خفيرًا، ثم رجع إلى قَطْع الطُّرُق، ونَهب الأموال، وكان المعتمد بسُرَّ مَن رأى، والموفَّق قد خرج [من بغداد] لقتال عمرو [بن الليث].
وحجَّ بالنَّاس هارون بن محمد أيضًا (١).
وفيها توفي
أحمد بن حَرْب بن مِسْمَع
أبو جعفر، المُعَدَّل.
كان من قرَّاء القرآن، وأحدَ الشهود الذين رغبوا عن الشَّهادة في آخر أعمارهم، ومات ببغداد فُجاءة.
سمع عفَّانَ بن مُسلم وغيره، وروى عنه المَحامِليُّ وغيره، وكان ثقة.
وقيل: مات سنة خمس وسبعين (٢).
* * *