← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 7386–7425 · переход к 7391.

стр. 7386

كان الإمام أحمد رحمة الله عليه يقول: ما أخرجتْ خُراسان مثلَ الفتح بن شَخْرف. قال الفتح: رأيتُ ربَّ العزَّة في منامي، فقال لي: يا فتح، احذر، لا آخذكَ على غِرَّة، [قال]: فتهتُ في الجبال سبع سنين. [وحكى عنه الخطيب أنَّه] قال: كتبتُ بقَلَمٍ واحد أربعين سنة. [وقال ابن باكويه:] كتب [الفتح] على باب [داره]: رحم الله ميتًا دخل على هذا الميت فلم يَذْكرِ الموتى عنده إلَّا بالخير. وقال محمد بن أحمد بن إشكاب: أقام الفتح بن شخرف ثلاثين سنة لم يرفع رأسه إلى السَّماء حياءً من الله تعالى، فرفعه مرَّة ناسيًا فقال: قد طال شوقي إليك، فعجِّل قدومي عليك. وقال الخطيب (١): أقام [الفتح] ثلاثين سنة لم يأكل الخبز، وكان يُطعِم النَّاسَ الطَّعامَ الطَّيِّبَ. ذكر وفاته كان [الفتح] يقول: أعرف رجلًا على عضوٍ من أعضائه مكتوب: لله، والله ما كتبها كاتب. [حكى الخطيب عن] الجُريريّ قال: لما مات [الفتح] غسَّلتُه، فإذا على فَخِذه الأيمن كتابةٌ بيِّنة: لله، وكان الشِّبلي يصبُّ عليه الماء. [وقال أبو الحسين بن المنادي:] توفِّي [الفتح] يوم الثلاثاء منتصف شوَّال بداره بالجانب الغربي من بغداد [في دَرْب سليمان بن جعفر حِيال الجسر الأعلى]، ولما خرجوا بجنازته صلِّي عليه ثلاثًا وثلاثين مرَّة، أقلُّ قوم كانوا يصلُّون عليه خمس وعشرون ألفًا إلى ثلاثين ألفًا، ودفن بين المقبرة التي بين باب حَرْب وقُطْرُبُّل. أسند عن رجاء بن مُرَجّا المَروزيّ وغيره، وروى عنه أحمد بن سليمان النجَّاد وغيره.

стр. 7387

[قال الخطيب:] قال الفتح: رأيت عليَّ بن أبي طالب رضوان الله عليه في المنام، فقلت: يا أمير المؤمنين، عِظني، فقال: ما أحسن تواضعَ الأغنياء للفقراء، وأحسنُ منه تِيه الفقراء على الأغنياء ثقةً بالله. وقال: رأيتُ بالبادية شابًّا بغير زاد ولا راحلة، فقلت: أين الزَّاد؟ فأخرج مصحفًا وقال: اقرأ ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] الكاف من كافٍ، والهاء من هادٍ، فيُحتاج مع هذا إلى زاد (١)؟! محمد بن إبراهيم بن مُسلم أبو أميَّة، البغداديُّ. كان رفيعَ القدر، إمامًا في الحديث، متقدِّمًا على أهل زمانه، سكن طَرَسوس، وكانت وفاته بها في جمادى الآخرة. سمع أبا نُعيم وغيرَه، وروى عنه أبو حاتم الرَّازي، وكان صدوقًا ثَبْتًا. ومن شعره: [من البسيط] في كلِّ يومٍ أرى بيضاءَ قد طَلَعتْ … كأنَّما طلعتْ في باطنِ البَصَرِ لئن قطعتُكِ بالمِقراض عن بصري … فما قطعتُكِ عن هَمِّي وعن فِكري (٢) [وفيها توفي] محمد بن عبد الرَّحمن ابن الحكم بن هشام، الأُموي، والي الأندلس. [ذكره الحُميديُّ في "تاريخه" (٣) وقال:] كان عالمًا، فاضلًا، [عاقلًا]، فصيحًا،

стр. 7388

يخرج إلى الجهاد فيُوغل في بلاد الكفَّار السَّنة والسَّنتين وأكثر، فيقتل ويَسبي، وهو صاحب وقعة وادي سَلِيط؛ وهي من الوقائع المشهورة، لم يُعرَف قبلها مثلُها في الأندلس، وللشُّعراء فيها أشعارٌ كثيرة، يقال: إنَّه قتل فيها ثلاث مئة ألف كافر. وذكره بَقيُّ بن مَخلَد فقال: ما رأيت (١) ولا علمتُ أحدًا من الملوك، ولا سمعتُ أبلغَ لفظًا منه، ولا أفصحَ، ولا أعقل، ذكر يومًا الخلائفَ وصفتَهم وسِيَرهم ومآثرهم بأفصح لسان، فلمَّا وصل إلى نفسه سكت، وكان خيرَهم. [قال: وقال له رجل: ما أطيب الموت، فقال له محمد: يا أَبْله، وهل أقْعَدَنا هذه القعدة إلَّا الموت. وفي رواية أنَّ الرجل قال: ما أقبح الموت، فردَّ عليه.] بويع يوم مات والده سنة ثمان وثلاثين ومئتين في أيام المتوكِّل، فأقام واليًا خمسًا وثلاثين سنة، وأمُّه أمُّ ولد، وكان محبًّا للعلماء [وأهلِ العلم]. ولمَّا مات ولي بعده ولدُه المنذر بن محمد، ويقال: إنَّه مات سنة خمس وسبعين ومئتين (٢). محمد بن يزيد بن ماجه أبو عبد الله، الحافظ، القَزْويني، الإمام، صاحب "السُّنن" و"التاريخ" و"التَّفسير"، وهو مولى ربيعة. ولد سنة تسع (٣) ومئتين، ورحل إلى مكَّة، والكوفة، والبصرة، وبغداد، والشَّام، ومصر، وغيرها، وسمع الكثير، وكان ذا فنون. توفِّي يوم الاثنين، ودُفن يوم الثلاثاء لستٍّ بقين من رمضان وهو ابن أربع وستين (٤) سنة.

стр. 7389

سمع خلقًا عظيمًا، وقال: عَرضتُ كتاب "السُّنن" على أبي زُرعة، فنظر فيه وقال: إنْ وقع هذا في أيدي النَّاس تعطَّلت هذه الجوامع كلُّها أو أكثرها. وكانت وفاته بقَزْوين، وصلَّى عليه أخوه أبو بكر. [وفيها توفي] أبو يعقوب الشَّريطي [البَصْري] الصُّوفي. صحب أبا تُراب النَّخْشَبيَّ وغيره، وكان عارفًا بعلوم جمَّة حافظًا. ذكر حكايته مع داود الظَّاهري: قال الخطيب (١) بإسناده عن أبي سعيد الزِّيادي قال:] دخل [أبو يعقوب الشريطي] مجلسَ داود بن علي الأصبهانيّ وعليه خِرقتان، فتصدَّر لنفسه من غير أن يرفعه أحد، فقال له داود: سلْ يا فتى، فقال أبو يعقوب: بل يسألُ الشيخُ عمَّا أحبَّ، فغضب داود وقال: أسأل عن الحِجامة، فبرك أبو يعقوب، ثمَّ روى طُرُق: "أفطر الحاجم والمحجوم" ومَن أرسله، ومَن أسنده، ومَن وقفه، ومَن ذهب إليه من الفقهاء، وروى اختلافَ طُرُق: احتجم النبيُّ ﷺ ، وأعطى الحجَّام أجرَه (٢)، ثمَّ ذكر أحاديث الحِجامة، وما ذكر فيها أهلُ الطِّبِّ وغيرهم، ثمَّ قال في آخر كلامه: وأوَّل ما خرجت الحجامة من أصبهان، فقال داود: والله لا احتَقَرْتُ أحدًا بعدك. [قلت: قد ذكرنا ما يتعلَّق بهذا المعنى في ترجمة داود بن علي الظاهريّ (٣). وقوله: أوَّل ما خرجتْ الحِجامةُ من أصبهان؛ إنَّما أراد تبكيتَ داود على عادة شرار المُتَفَقِّهَة، وإلَّا فقد كانت الحجامةُ منذ خَلَق الله العالم، وقد احتجم رسول الله ﷺ والصحابة. انتهت ترجمتُه والحمد لله وحده.] (٤)

стр. 7390

السنة الرابعة والسبعون بعد المئتين فيها خرج الموفَّق إلى كَرْمان يقصد حرب عمرو بن اللَّيث في ربيع الأوَّل. وغزا يازمانُ الخادمُ، فأسر وقتل وسبى، وعاد سالمًا في رمضان. وفيها هجم صِدِّيق الفَرْغانيُّ سامراء، فأخذ أموال التُّجَّار، ونَهب دورَ النَّاس، وكان [الفرغاني] لصًّا يقطع الطَّريق فصار خفيرًا، ثم رجع إلى قَطْع الطُّرُق، ونَهب الأموال، وكان المعتمد بسُرَّ مَن رأى، والموفَّق قد خرج [من بغداد] لقتال عمرو [بن الليث]. وحجَّ بالنَّاس هارون بن محمد أيضًا (١). وفيها توفي أحمد بن حَرْب بن مِسْمَع أبو جعفر، المُعَدَّل. كان من قرَّاء القرآن، وأحدَ الشهود الذين رغبوا عن الشَّهادة في آخر أعمارهم، ومات ببغداد فُجاءة. سمع عفَّانَ بن مُسلم وغيره، وروى عنه المَحامِليُّ وغيره، وكان ثقة. وقيل: مات سنة خمس وسبعين (٢). * * *

стр. 7391

السنة الخامسة والسبعون بعد المئتين فيها بعث الموفَّق جيشًا إلى نواحي سُرَّ من رأى مع [شخص يقال له:] الطَّائي، فأخذ صِدِّيق الفرغانيّ اللصّ، فقطعوا يديه ورجليه، وأيدي أصحابه وأرجلَهم، وحُملوا إلى بغداد على تلك الصُّورة. وفيها غزا يازمان الخادم البحر، فأخذ عدَّةَ مراكب للرُّوم. وفي شوال حبس الموفَّقُ ابنَه أبا العبَّاس، فشَغَب أصحابُه، وحملوا السِّلاح، واضطربت بغداد، فركب الموفَّق، وصاح بأصحاب أبي العبَّاس وغلمانه: أَتُراكُم أَشْفَقَ على ولدي منِّي! هو ولدي على كلِّ حال، وقد احتجْتُ إلى تقويمه وتأديبه، فوضعوا السِّلاح وتفرَّقوا. وحجَّ بالنَّاس هارون بن محمد الهاشميّ (١). وفيها تُوفِّي أحمد بن محمد بن الحجَّاج أبو بكر، المرُّوذي، صاحبُ الإمام أحمد رحمة الله عليه. كان أبوه خُوارزميًّا، وأمُّه مَرُّوذِيَّة، وكان مقدَّمًا في أصحاب الإمام أحمد رحمة الله عليه لوَرعه وفضله، وكان الإمام أحمد يأنَس به، وينبسط إليه، وإذا بعثه في حاجة يقول له: كلُّ ما تقول فهو قولي وعلى لساني. وكان قد سلك طريقةَ الإمام أحمد في الزُّهد والورع، وكان له في قلوب النَّاس محبَّة، ولهم فيه حُسنُ اعتقاد، وهو الذي تولَّى إغماضَ الإمام أحمد ﵀ وتغسيلَه لمَّا مات، وروى عنه مسائلَ كثيرة. وكان قد خرج إلى الغزو فشَيَّعه النَاسُ إلى سُرَّ من رأى، فجعل يردُّهم ولا يرجعون، فحُزِر مَن وافاه بسُرَّ من رأى سوى من رجع فكانوا خمسين ألفًا، فقيل له: يا أبا بكر، احْمَدِ الله، فهذا علم قد نُشِر لك، فبكى ثمَّ قال: ليس هذا العلم لي، وإنَّما هو علم أبي

стр. 7392

عبد الله. وكانت وفاتُه في جمادى الأُولى. قال عبد الله بن الإمام أحمد: شَهِدتُ جنازتَه، وأمَّنَا هارون بن العبَّاس الهاشمي، ودُفن قريبًا من أحمد بن حنبل. ورُئيَ أحمد في المنام ليلةَ مات المرُّوذيُّ راكبًا على فرسٍ أشهب، فقيل له: إلى أين؟ قال: إلى شَجرة طُوبى، ألحق أبا بكر المرُّوذي. أسند المرُّوذي عن الإمام أحمد رحمة الله عليه وطبقته (١). [وفيها توفي] أحمد بن محمد ابن غالب بن خالد أبو عبد الله، البَصريّ الباهلي، ويعرف بغلام خليل. سكن بغداد [في دار الكلبيِّ] وحدَّث بها، وكان زاهدًا متعبِّدًا، يصوم دائمًا، ويتقوَّت بالباقِلاء اليابس، [وكان حافظًا]، وكان له في قلوب النَّاس مكانة. [وقال الخطيب:] توفِّي ببغداد في رجب، وحُمل في تابوت إلى البصرة، فخرج عامَّة أهل بغداد [الرِّجال والنِّساء والصّبيان] للصلاة عليه، [وغُلِّقت أسواقُ بغداد، فلم يقدروا من الزِّحام، فصلَّى بعضهم بالإيماء، ونزل البعض في الزَّواريق، وبعضهم مُشاةً إلى كَلْواذى -يعني تحت بغداد وأسفل منها- يشيِّعونه]، وكان يومًا عظيمًا، ولما وصل البصرة بنَوا عليه قبَّة ولازموه مدَّة. حدَّث [ببغداد] عن [ابن حبيب، وشَيبان بن فَرُّوْخ، وسليمان] الشَّاذَكوني، [ودينار بن عبد الله، ويروي عن أنس بن مالك، (٢) وغيرهم، وروى عنه أحمد بن كامل وغيره. وتكلَّموا فيه، قال أبو عبد الله النَّهاوندي: قلتُ لغلام خليل: هذه الأحاديث الرَّقائق التي تحدِّث بها من أين؟ فقال: هذه وضعناها لنرقِّق بها قلوبَ العامَّة.

стр. 7393

وقال الدَّارقطني: غلام خليل متروك (١). [وفيها توفي] سَعْد الأَعْسَر [ويقال: أَيْسَر]. كان أمير دمشق، وكان عادلًا مُحسنًا، من خواصِّ أحمدَ بنِ طولون، وهو الذي هزم أبا العبَّاس بن الموفَّق يوم الطَّواحين، ولمَّا مات أحمد بن طولون، واستخلف ابنَه خُمارَويه، وجاء للقاء أبي العبَّاس، وانهزم خمارويه إلى مصر؛ اشتغل بِلَهْوه [وفساده، ومُجاهرة الله بالمعاصي]، فكان سعد يَعيب عليه ويقولى: هذا الصَّبيُّ مَشغولٌ بلَهوه وأنا أُكابِد الشدائد. وبلغ خمارويه، فخرج من مصر، ونزل الرَّمْلَة، واستدعاه، فخرج [سعد من دمشق إلى الرملة]، فلمَّا دخل على خُمارويه قام إليه فقتله بيده، وبلغ أهلَ دمشق فعصَوا، ولعنوا خمارويه على المنبر، وأخرجوا نائبَه من دمشق، وكاتبوا الموفَّق، وأقاموا المَآتم على سعد، فنادى خمارويه بالحجِّ في تلك السَّنة، وغرم أموالًا عظيمة، وبَذل العطاء، فسكن النَّاس. وقيل: إنَّما قتله سنة ثلاث وسبعين [ومئتين، والله أعلم (٢). وفيها توفي] أبو داود السِّجِسْتاني واسمه: سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شَدَّاد بن عمرو بن عِمْران الأزديُّ، الإمام الحافظ، صاحب "السُّنن". قُتل جدُّه عمران مع عليِّ بن أبي طالب ﵇ بصِفِّين. ولد أبو داود سنة اثنتين ومئتين، وهو إمامُ أهلِ الحديث في عصره بغير مُدافعة.

стр. 7394

سافر إلى خُراسان، والعراقَين، والحجاز، والشَّام، ومصر، [وكتب بهراة قبل أن يخرج إلى العراق، وكتب بالرّيّ أيضًا]، وقدم بغداد غير مرَّة، وروى بها كتاب "السُّنن"، ونقله عنه أهلُها، وعرضه على الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه فاستحسنه. وكان [حاذقًا]، عارفًا بعِلَلِ الحديث، ذا عَفافٍ ووَرع، وكان يُشبَّه بالإمام أحمد [بن حنبل] ﵀، وكان الإمام أحمد يُثني عليه [خيرًا]. وكان لأبي داود كُمٌّ واسع وكُمٌّ ضيِّق، فقيل له في ذلك فقال: الواسع للكتب، والآخر لا أحتاج إليه. [وحكى الخطيب عن أبي داود] قال: كتبتُ عن رسول الله ﷺ خمس مئة ألف حديث، انتخبتُ منها ما ضمَّنتُه كتابَ "السُّنن" أربعة آلاف وثمان مئة حديث، ذكرتُ الصَّحيحَ وما يُشبهه ويُقاربه، ويكفي الإنسانَ لدينه من ذلك أربعةُ أحاديث: أحدها: قوله ﷺ : "الأعمال بالنيات" (١). والثاني: قوله ﷺ : "من حُسنِ إسلام المَرْء تَركُه ما لا يَعنيه" (٢). والثالث: قوله ﵇: "لا يكون المؤمن مؤمنًا حتَّى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه" (٣). والرابع: قوله ﵊: "الحلالُ بَيِّنٌ، والحرام بيِّن، وبينهما [أمور] مُتَشابهات [أو مشتبهات] (٤). قال المصنِّف ﵀ (٥): ولو أخرج الخامس كان أبلغ وهو قوله عليه [الصَّلاة]

стр. 7395

السلام: "المسلم من سَلِم المسلمون من لسانه ويده" (١). [وقال الخطيب: كان يقول: الشهوة الخفيَّة حبُّ الرِّياسة] (٢). [وذكر الحافظ ابن عساكر حكاية عنه، عن] أبي بكر بن جابر خادم أبي داود قال: كنتُ معه ببغداد، فجاء أبو أحمد الموفَّق إليه بعدما صلى المغرب، فاستأذن فأُذن له، فدخل، فقال له أبو داود: ما الذي عنَّى الأمير في مثل هذا الوقت؟ قال: خِلال ثلاث، قال: وما هي؟ قال: تنتقل إلى البصرة فتَتَّخِذها دارًا؛ ليرحلَ النَّاسُ وطلبةُ العلم إليها من أقطار الأرض، فإنَّها قد خَرِبت لما جرى عليها من الزَّنج، قال: هذه واحدة فهات الثانية، قال: تَروي لأولادي كتابَ "السُّنن"، قال: نعم، هات الثالثة، قال: تُفرِد لهم مجلسًا للرِّواية؛ فإنَّ أولاد الخلفاء لا يَقعدون مع العامَّة، قال: أمَّا هذه فلا سبيلَ إليها؛ لأنَّ النَّاس شريفهم ووضيعهم في العلم سواء، فكانوا يحضرون، ويُضرَبُ بينهم وبين العامَّة ستر، ويسمعون معهم (٣). ذكر وفاته: [واختلفوا فيها، فحكى أبو سليمان الخطَّابي قال:] مات [أبو داود] بالبصرة سنة خمس وسبعين ومئتين في شوَّال ليلةَ الجمعة، ودُفن إلى جانب سفيان الثَّوري، وعمره ثلاثٌ وسبعون سنة. وقيل: مات سنة ستٍّ وسبعين. وقيل: سنةَ ثلاث وسبعين، وصلَّى عليه عبَّاس بن عبد الواحد الهاشميّ. أسند عن خلق كثير؛ منهم الإمام أحمد، وإسحاقُ بن راهويه، وهشام بن عمَّار، وغيرهم. وروى عنه خلق كثير؛ منهم أبو عيسى التِّرمذيّ، وأبو عبد الرَّحمن النَّسائي، وعبد الله بن الإمام أحمد، وآخرون. واتَّفقوا على فَضْله، وصِدقه، وأمانته.

стр. 7396

وكان إبراهيم الحربيُّ يقول: أُلِين لأبي داود الحديثُ كما أُلين لداودَ الحديد. وجمع مع علمه الورعَ والتَّقوى. وحكى [الحافظ] ابن عساكر [في "تاريخه"] عن أبي داود أنَّه قال: شَبرتُ بمصرَ قِثَّاءةً، فكان طولُها ثلاثة عشر شِبرًا، ورأيتُ بمصر أُتْرُجَّةً قُطعت نصفين، وصُيِّرتْ مثلَ عِدْلَين (١). [قلت: وهذا بعيد في زماننا، ويحتمل أن يكون في زمانهم، والله أعلم. (٢) وفيها توفي] عليُّ بن يحيى بن أبي منصور أبو الحسن، المُنَجِّم، من أبناء فارس. كان أديبًا، شاعرًا، جوادًا، مُمَدَّحًا، مدحه البحتريُّ وغيره، ونادم الخلفاء من المتوكل إلى المعتمد، وكانوا يعظِّمونه ويحترمونه. [وذكره الخطيب وقال:] كان عالمًا بأيَّام النَّاس، راويةً للأشعار والأخبار، أخذ الأدب وصنعة الغِناء عن إسحاق بن إبراهيم] (٣). ومن شعره: [من الرمل] مَنْ لقلبٍ هائمٍ دَنِفٍ … كلَّما سكَّنْتُه قَلِقا زارني طيفُ الحبيب فما … زاد أن أغْرى بيَ الأرَقا أنا لم أُرْزَق مَودَّتَكم … إنَّما للعبد ما رُزِقا (٤) وكانت وفاته بسُرَّ من رأى.

стр. 7397

[وفيها توفي] محمد بن إسحاق ابن إبراهيم بن العَنْبَس، الصَّيمري (١)، الشاعر. كان أديبًا، قدم بغداد، ونادم المتوكل. وأنشد الخطيب مُقَطّعات من شعره (٢): [من الخفيف] كم مريضٍ قد عاش مِن بعد يأسٍ … بعد موت الطَّبيبِ والعُوَّادِ قد يُصادُ القَطا فينجو سَليمًا … ويَحُلُّ القضاءُ بالصَّيَّادِ وكانت وفاته ببغداد، وحُمل إلى الكوفة فدُفن بها [والله تعالى أعلم]. المُنْذر بن محمد ابن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام، أبو الحكم، الأموي، والي الأندلس. ولي سنة ثلاث وسبعين، فأقام واليًا سنتين، وأمُّه أمُّ ولد يقال لها: أثْل، وهو السادس لصُلب عبد الرَّحمن الدَّاخل، وولي بعده أخوه عبد الله بن محمد، بويع يوم مات أخوه المنذر في صفر، فأقام إلى سنة ثلاث مئة واليًا على الأندلس خمسًا وعشرين سنة. وكانت وفاة المنذر يوم السَّبت لثلاث عشرة بقين من صفر، وهو ابن ستٍّ وأربعين سنة في غَزاةٍ له، وكان أشدَّ الأيِّدِين (٣) شَكيمةً، وأمضاهم عَزيمةً، لما ولي بعث إليه أهلُ طُليطلة بالأموال والتُّحف والهدايا والجبايات عن خراج رؤوسهم، فردَّها عليهم وقال: أتُمِدُّونني بمال؟! لا حاجةَ لي فيه، ولابدَّ من حربكم، وفتوحِ بلدكم، واستعدَّ لهم استعدادًا لم يستعدَّه غيره، فأدركه أجلُه (٤).

стр. 7398

السَّنة السَّادسة والسَّبعون بعد المئتين فيها رضي المعتمد على عمرو بن اللَّيث الصَّفَّار، وكتب اسمه على الأعلام والتِّراس والعُدد الَّتي تكون في مجلس الحرب (١) ببغداد، وذلك في المحرَّم. وفي ربيع الأوَّل خرج الموفَّق إلى الجبل من بغداد يريد أحمدَ بن عبد العزيز بن أبي دُلَف بأصبهان، فتنحَّى له أحمد عن داره بآلتها وفُرُشِها، فنزل فيها الموفَّق، وخرج أحمد بجيشه وعياله عن البلد، وقدم محمد بن أبي السَّاج على الموفَّق هاربًا من خُمارويه بعد وقعات جرت بينهما، وضعُف عنه ابن أبي السَّاج، فخلع عليه الموفَّق وأحسن إليه. وولي عمرو بن اللَّيث شرطة بغداد. وفيها انفرج تلٌّ بنهر الصّلح (٢) عند فم الصّلح بالعراق، ويعرف بتلِّ بني شَقيق، عن سبعة أَقْبُر فيها سبعة أبدان صحيحة، والأكفان جُدد تفوح منها رائحة المِسك، وأحدهم شابٌّ له جُمَّةٌ طويلة طريَّة، ولم يتغيَّر منه شيء، وفي خاصرته ضَرْبةٌ، وكانت القبور من حجارة مثل المِسَنّ، وعندهم كتاب لا يُدرى ما فيه. وفي شوال أمر المعتمد برمي الأعلام والمطارد التي عليها اسمُ عمرو بن اللَّيث، وإسقاط ذِكره، وعزله عن شرطة بغداد. وحجَّ بالنَّاس هارون بن محمد [الهاشمي]، وكان واليًا على مكَّة والمدينة والطَّائف [والله أعلم]. [فصل] وفيها توفي بَقيّ بن مَخْلَد بن يزيد أبو عبد الرَّحمن، الأندلسيُّ، الحافظُ، صاحب الرِّحلة المشهورة والتَّصانيف

стр. 7399

المذكورة. كان إمامًا، عالمًا، فاضلًا، وَرِعًا، مُجابَ الدعوة. [ذكره العلماء وأثنوا عليه، و] رحل إلى مكة، والمدينة، ومصر، والشَّام، ودمشق، وبغداد، والمشرق، والعراقَين، وكان له مئتان وأربعة وثمانون شيخًا. ولد في رمضان سنة إحدى ومئتين. [ذكر حكايته مع المرأة التي أُسر ولدُها: حدثنا عبد الملك بن مُظَفّر بن غالب الحربي، عن أحمد بن مظفّر بإسناده إلى عبد الرَّحمن بن أحمد يقول: سمعت أبي يقول:] جاءت امرأة [إلى بقي بن مخلد] فقالت: إنَّ ابني أسره الرُّوم، وليس له مالٌ سوى دُويرةٍ أسكُنُها، ولا طاقةَ لي على بيعها، فلو أشرتَ إلى مَن يَفديه، فليس لي قَرارٌ في ليل ولا نهار، فقال: نعم، [تصبَّري] حتَّى انظر في أمره إن شاء الله، وأطرق الشَّيخ وحرَّك شَفَتيه، ولبثت المرأة مدَّةً، وجاءت ومعها ابنُها وهي تدعو للشَّيخ وتقول: قد جاء سالمًا، وله حديثٌ يحدِّثُك به، فقال الشَّابُّ: كنَّا في يدَي بعض العمَّال يستعملنا، فخرجنا يومًا إلى الصَّحراء وعلينا قيودُنا، فبينا أنا كذلك انفتح القَيدُ من رجلي، ووصف اليوم والسَّاعة التي جاءت المرأة فيها إلى (١) الشَّيخ ودعا، قال: فصاح بي الَّذي كان يَحفظُني ويستعملني وقال: كسرتَ القيد؟ قلت: لا والله، بل سقط من رجلي، فتحيَّر وأخبر الملك، فأحضر الحدَّاد وقيَّدني ثانيًا، فلما مشَيت خطوات سقط القيد من رجلي، فتحيَّر، وأعاده ثالثًا وهو يسقط، [فقال الملك: لك والدة؟ قلت: نعم، وفي رواية:] فأُحضر علماؤهم ورُهبانُهم [فأخبروهم] فقال الرهبان: ألك والدة؟ قلت: نعم، فقالوا: قد وافق دعاؤها الإجابة، وقد أطلقك الله تعالى فلا نقدر على تَقييدك، وزوَّدوني وبعثوني إلى ناحية المسلمين. [قال الحميدي:] كان بقيٌّ يمشي في حوائج النَّاس إلى الولاة، وربَّما أتته المرأة في الليلة المظلمة في حاجة، فيمشي معها إلى الأمير [والله أعلم].

стр. 7400

ذكر وفاته: [واختلفوا فيها، فقال أبو عبد الله الحُميدي في "تاريخ الأندلس" (١):] توفي [بقي بن مخلد] ليلة الثلاثاء لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة، سنةَ ستٍّ وسبعين ومئتين، وهو ابن سبع أو ستٍّ وسبعين سنة، ودُفن بالأندلس. [وذكر الدَّارقطني في كتاب "المؤتلف والمختلف" (٢) أنه مات سنة ثلاث وسبعين ومئتين. وقول الحميدي أصحُّ؛ لأنه أعرف بأهل بلده. سمع الإمام أحمد رحمة الله عليه وغيره (٣)، وصنَّف "المسندَ"؛ روى فيه عن ألف وستِّ مئة صحابيٍّ بل يزيدون، وشيوخُه أعلام، وتصانيفُه كثيرة؛ منها "التفسير". وجمع بين العلم، والدِّين، والتقوى، والصدق، والأمانة. وكان الإمام أحمد رحمة الله عليه يحترمه ويعظِّمه (٤)، وروى عنه أئمة المغرب (٥)، ومعظم حديثه عندهم (٦) [انتهت ترجمته والحمد لله]. سَهْل (٧) بن عبد الله بن الفَرُّخان أبو طاهر، الأصبهاني، العابد. كان من رَبَض مدينة أصبهان، مجابَ الدَّعوة، مَفْزَع أهلِ أصبهان في النَّوائب إلى دعائه، وله آثار في الدُّعاء مشهورة، كتب الحديث الكثير بالعراق والشَّام ومصرَ. سمع هشامَ بن عمَّار وغيرَه، وأقام بالثَّغْر مدَّة، وروى عنه محمد بن عبد الله الصفَّار وغيرُه.

стр. 7401

[وفيها توفي] شاه بن شُجاع أبو الفوارس، الكَرْماني. من أبناء الملوك، ترك الدُّنيا وتزهَّد، وصحب [أبا عُبيد البُسْريّ، و] أبا تراب النَّخْشَبيَّ وغيرهما. [قال أبو نعيم الأصبهاني: سمعت أبا عبد الرَّحمن السُّلمي (١) يقول: سمعت جدي أبا عمرو بن نُجيد يقول:] كان [شاه بن شجاع] حادَّ الفِراسة؛ قلَّما أخطأت فراسته. وكان يقول: مَن غضَّ بصرَه عن المُحرَّمات، وأمسك نفسَه عن الشَّهوات، وعمَّر باطنَه بدَوام المُراقبات، وظاهرَه باتِّباع السُّنَّة، وعوَّد نفسه أكلَ الحلال؛ لم تُخطئ له فراسة قطّ. وقال: مَن صَحِبك ووافقك على ما تُحبّ، وخالفك فيما تكره فإنَّما يصحب هواه، ومَن صَحب هواه فهو يَطلب راحةَ الدُّنيا. [وله الكلام المليح]. وكانت وفاته هذه السَّنة، وقيل: قبلَها، والله أعلم (٢). [وفيها توفي] عبد الله بن مُسلم بن قُتَيبة أبو محمد، المَرْوزيّ، الكاتب. [ويقال: الدِّينَوَري لأنَّه أقام بالدِّينَوَر مدَّة فنسب إليها، و] مولده بمَرْو، [و] سكن بغداد، وصنَّف الكتب: "غريب الحديث"، و"غريب القرآن"، و"مشكل القرآن" و"مشكل الحديث"، و"أدب الكاتب"، و"المعارف"، و"عيون الأخبار" وغير ذلك. [وأقام ببغداد إلى أن توفي في هذه السَّنة.]

стр. 7402

[واختلفوا في وفاته؛ فحكى الخطيب (١) عن محمد بن العبَّاس قال: قُرئ على ابن المنادي وأنا أسمع أنَّ ابن قتيبة] مات فجأة؛ صاح صَيحةً عظيمةً سُمِعت من بُعد، ثمَّ أُغمي عليه ومات. [قال ابن المنادي: أخبرني أبو القاسم الصَّائغ أنَّ ابن قتيبة أكل هَريسة، فأصابته حرارة شديدة، فصاح ثمَّ أُغمي عليه، ومازال يضطرب إلى السَّحر، ثمَّ مات]. وذلك في أوَّل ليلة من رجب [سنة ستٍّ وسبعين ومئتين]. وقال جدِّي في "المنتظم" (٢): قال أهل العلم بالنَّقل: إنَّه مات بالكوفة، ودفن إلى جانب قبر أبي خازم القاضي. قلت: وهو وهم منهم؛ لأنَّ أبا خازم مات في سنة اثنتين وتسعين ومئتين، بينهما مدَّة طويلة. وقيل: مات ابن قتيبة سنة سبعين ومئتين. وهو وهم أيضًا]. حدَّث عن إسحاق بن راهويه وغيره، وروى عنه ابنُه أحمد وغيره. وقال الدَّارقطني: كان يميل إلى التَّشبيه (٣)، وكلامُه يدلُّ عليه. وقال البيهقيُّ: كان يرى رأيَ الكرَّاميَّة. [فصل وفيها تُوفِّي] عبد الملك بن محمد ابن عبد الله، أبو قِلابة، الرَّقاشي [البصريّ]. ولد بالبصرة سنة تسعين ومئة، وسكن بغداد إلى حين وفاته، [وكان يُكنى أبا محمد، فكُني بأبي قلابة. وحكى الخطيب عن أم أبي قلابة] قالت: رأيتُ في المنام كأنِّي وَلدت هُدْهُدًا، فقيل لي: تلدين وَلدًا يُكثر الصلاة، فولدت أبا قلابة، فكان يصلِّي في كل يوم وليلة أربع مئة

стр. 7403

ركعة [، قلت: لا معنى لهذا؛ لأنَّ الهدهد ينقل الأخبار ولا يصلِّي (١)]. وأقام ببغداد يحدِّث، [قال الخطيب:] وكانت وفاته بها في شوَّال، ودُفن بباب خُراسان [رحمه الله تعالى]. سمع يزيد بن هارون وغيره، وروى عنه المَحامِليُّ وغيره، وكان صدوقًا، ثقةً، من أهل الصَّلاح، حدَّث ببغداد من حفظه سِتين ألف حديث، فوقع الخطأ في بعضها (٢). * * *

стр. 7404

السنة السابعة والسبعون بعد المئتين فيها اتَّفق يازمان الخادم مع خمارويه [بن أحمد بن طولون]، ودعا له على المنابر بطرسوس، وسببُه: أنَّ خمارويه استماله ولاطفَه، وبعث إليه بثلاثين ألف دينار، وخمس مئة ثوب، وخمس مئة دابَّة، وسلاحًا كثيرًا، فلمَّا وصل ذلك إليه دعا له على المنابر، فبعث إليه [خمارويه] بعد ذلك بخمسين ألف دينار. وفيها ولي [يوسف بن] (١) يعقوب بن إسماعيل بنِ حمَّاد بن زيد بن درهم أبو محمد المظالمَ ببغداد، فنادى: مَن كانت له مظلمةٌ ولو عند الأمير أبي أحمد الموفَّق فليحضرْ نُنْصفه منه، فكفَّ النَّاس عن المظالم، وأُطلقت يده، فشكره النَّاس، وحَسُنت سيرتُه. وقدم على الموفَّق قائد من قوَّاد خمارويه في جيش كبير، ففرح به. [وفيها] حجَّ بالنَّاس هارون بن محمد الهاشميَّ. [فصل] وفيها توفي أحمد بن عيسى أبو سعيد الخرَّاز، الصُّوفي البغداديّ، أحد المشايخ المذكورين بالزُّهد والمُجاهدة، والوَرَع والمُراقبة، وهو من أئمَّة القوم وجِلَّة مشايخهم، وكانوا يعظِّمونه، ويحترمونه، ويعترفون بفضله. قال الجنيد: لو طالبَنا الله بحقيقة ما عليه أبو سعيد الخرَّاز لهلكنا، قيل له: وعلى أيِّ شيءٍ حاله؟ قال: أقام كذا وكذا سنة يَخرِز، ما فاته الله بين الخَرزتين؛ يعني ذكر الله تعالى. [ذكر طرف من أخباره وكراماته وواقعاته: قال الخطيب بإسناده عن العبَّاس بن الشاعر قال: حدثتني تلميذة لأبي سعيد الخرَّاز قالت:] (٢) كنتُ أسألُه مسألةً والإزار بيني وبينه مشدود، فاستفزَّني حلاوة كلامه،

стр. 7405

فنظرت من ثقب في الإزار فرأيت شَفتَه، فلمَّا وقعتْ عيني عليها سكَت وقال: حدث هاهنا حدَثٌ [فأخبريني ما هو؟] فأخبرتُه، فقال: أما علمتِ أنَّ هذا العلم لا يَحتمل التَّخليط؛ لأنَّ نظرك إليَّ معصية. قال المصنِّف ﵀: من باب تدقيق الورع، [لأنَّ نظر المرأة إلى الرجل لا يحرم عليها إلا إذا قصدت الخلوة لغرض]. وقال أبو القاسم بن مردان: كان عندنا بنهاوند فتًى يَصحبني، وكنتُ أصحب أبا سعيد الخرَّاز، وكنتُ أصف للفتى أخلاقَه وأحواله، وكان أبو سعيد إذ ذاك بمكَّة، فقال لي: اخرج بنا إليه، ثمَّ إنَّ الفتى أخذ حجَّة من حمولا -وهو [رئيس نهاوند (١) - ولم أعلم، فلمَّا قدمنا مكَّة دخلنا على أبي سعيد، فسلَّمنا عليه، فقال له الفتى: يا أبا سعيد، ما حقيقةُ التوكُّل؟ فقال: ألا تأخذ حجَّة من حمولا، فخجل الفتى، فقال له: خذ فيما كنتَ فيه. ثم قال: كنتُ في حداثتي أراعي شيئًا من هذا الأمر، فسلكتُ باديةَ الموصل، فبينا أنا أسير إذ سمعت حِسًّا من ورائي، فحَفِظْتُ قلبي عن الالتفات، ودنا الحِسُّ منِّي، وإذا بسَبُعَين قد صعدا على كتفي، ولحسا خدِّي، فلم أنظر إليهما حين صعدا، ولا حين نزلا. وقال: كنتُ أمشي في الصَّحراء وإذا بقريب من عشرة كلاب من كلاب الرُّعاة قد شدُّوا عليَّ، فلمَّا قربوا منِّي جعلت أستعمل المراقبة، فإذا كلب أبيضُ من بينهم قد خرج وحمل عليهم، فطردهم عنِّي، ولم يفارقني حتَّى غابوا عنِّي. وقال: رأيتُ إبليس في منامي وهو يمرُّ عني ناحية، فقلتُ له: تعال، فقال: إيش أعمل بكم؟ أنتم طرحتُم عن نفوسكم ما أخادع به النَّاس، قلت: وما هو؟ قال: الدُّنيا، ثمَّ التفتَ إليَّ بعد ما ولّى وقال: غير أنَّ لي فيكم لطيفة، قلت: وما هي؟ قال: صحبة الأحداث، [وفي رواية قال:] فأخذتُ عصًا لأضربه فقال: أمَّا أنا ما أخاف من عصا، قال: ممَّ تخاف (٢)؟ قال: من نور القلب (٣).

стр. 7406

[وحكي عنه أيضًا] قال: دخلتُ الباديةَ مرَّة بغير زاد، فأصابتْني فاقةٌ شديدة، وكانت المَرْحَلةُ بعيدة، فوصلتُ إلى قرية، فسُررتُ بوصولي إليها، ثمَّ فكَرتُ في نفسي فرأيتُ أنِّي قد اتَّكلْتُ على غير الله، فآليتُ على نفسي أن لا أدخلَ القرية إلا أن أُحمل إليها، فحفرتُ لي حُفْرةً في الرَّمل، وتواريتُ فيها إلى صدري، فلمَّا كان نصفُ اللَّيل سمع أهل القرية صوتًا عاليًا يقول: يا أهلَ القرية، إنَّ لله وليًّا قد حبس نفسه في الرَّمل، فالحقوه، فجاؤوني، فأخرجوني من الرَّمل، وحملوني إلى القرية (١). [وحكى في "المناقب" أيضًا] قال: رأيتُ يوم الجمعة فقيرًا يدور على الصُّفوف ويقول: تصدَّقوا عليَّ؛ فقد كنتُ صوفيًّا فضَعُفْتُ، [قال]: فرفقتُه بشيء، فنظر إليَّ وقال: مُرَّ، ليس هذا من ذاك، ومضى ولم يأخذ شيئًا. قال المصنِّف ﵀: إنَّما عنى الفقيرُ أنَّه كان له حال مع الله ففقده، ولم يُرِد الدُّنيا. [وحكى عنه أيضًا] قال: كنتُ بمكَّة، فخرجتُ يومًا من باب بني شَيبة، فرأيت شابًّا حسنًا ميتًا على قارعة الطريق، فنظرتُ في وجهه فتبسَّم، فقلت: أحياةٌ بعد الموت؟! فقال: أبا سعيد، أما علمتَ أنَّ أولياء الله أحياءٌ عنده، إنَّما يُنقلون من دار إلى دار. [وحكى عن أبي سعيد أيضًا] قال: رأيتُ رسول الله ﷺ في المنام فقلتُ: اعذرني، فإنَّ محبَّة الله شغلتْني عن مَحبَّتك، فقال لي: يا مبارك، أما علمتَ أنَّ من أحبَّ الله فقد أحبَّني. [وحكى في "المناقب" (٢) أيضًا عن] أبي القاسم بن مَرْوان النَّهاوندي قال: كنتُ أنا وأبو بكر الورَّاق مع أبي سعيد الخرَّاز نمشي على ساحل البحر نحو صَيدا، فرأى شخصًا من بعيد فقال: لا يخلو هذا المكان من وليٍّ لله تعالى، وإذا بشابِّ حسنِ الثِّياب مليحِ الوجه، وبيده رِكوة ومحبرة، وعليه مرقَّعة، فالتفت إليه أبو سعيد مُنكرًا عليه بحمل المحبرة والركوة، وقال له: يا فتى، كيف الطريق إلى الله تعالى؟ فقال: يا أبا سعيد أعرف إليه طريقين، طريقًا خاصًّا، وطريقًا عامًّا، فالعامُّ ما عليه أنت وأصحابُك، والخاصُّ ما ترى، ثمَّ تقدَّم فدخل البحر ومشى على الماء حتَّى غاب عن أعيننا، فتحيَّر أبو سعيد وقال: هذه المواهِب.

стр. 7407

[وحكى عنه في "المناقب" أيضًا قال:] كان لأبي سعيد ابنٌ فمات قبله، فرآه أبو سعيد في المنام، فقال له: يا بُنيَّ، أوصني، فقال: يا أبتِ، لا تجعل بينك وبين الله قميصًا، فما لبس أبو سعيد قميصًا ثلاثين سنة (١). [ذكر المختار] من كلامه: [روى الخطيب (٢) أنَّه قال:] إذا بكى الخائفون فقد كاتبوا اللهَ بدموعهم [، وفي رواية: إذا بكت أعينُ الخائفين .. وذكره]. [وروى الخطيب (٣) عنه أنَّه] قال: ذنوب المقرَّبين حسنات الأبرار. وقال: العافية سترت البَرَّ والفاجرَ، فإذا جاءت البلوى تبيَّن عندها الرِّجال (٤). وقال (٥): بقيتُ إحدى عشرة سنة أتردَّد من مكَّة إلى المدينة، ومن المدينة إلى مكة؛ أريد أن أحجَّ حجَّة أرى فيها ربَّ البيت ولا أرى البيت، فما صحَّ لي، فلمَّا كان بعد إحدى عشرة سنة وأنا بين مكَّة والمدينة وإذا بشخص قد تراءى لي من الجنِّ، فناداني: يا أبا سعيد، قد والله رحمتُك من كثرة تردُّدك في هذا الموضع، وقد حَضرني شيءٌ فاسمع، فقلتُ: هات، فقال: [من الطويل] أتيهُ فلا أدري من التِّيه مَن أنا … سوى ما يقول النَّاس فيَّ وفي جنسي أتيه على جنِّ البلاد وإنسها … فإنْ لم أجد خَلْقًا أتيهُ على نفسي فقلت له: اسمع إن كنتَ تُحسِن أن تسمع، ثمَّ قلت: [من الطويل] أيا مَن يرى الأسباب أعلى وجودِه … ويَفرح بالتِّيه الدَّنيِّ وبالأُنْسِ فلو كنتَ من أهل العُلوِّ لغِبتَ عن … مُباشرةِ الأملاكِ والعَرْشِ والكُرسي وكنتَ بلا حالٍ مع الله واقفًا … تُصان عن التَّذكار والجنِّ والإنسِ ألا اسمعْ صِفاتي في الوجود فإنَّني … إذا غِبتُ عن نَفسي كغيبوبة الشَّمسِ وقامتْ صِفاتي للمليك بأسْرِها … وغابت صفاتي حين غبتُ عن الحسِّ

стр. 7408

وغاب الَّذي من أجله غاب شاهدي … فذاكَ فَنائي فافهموا يا بني جِنسي فهذا وجودي في المغيب بحاله … أقرِّبه حتَّى يواري الثَّرى رمسي ولستُ أبالي فائتًا بعد فائتٍ … ولو صيَّر المحبوبُ دارَ الشَّقا حَبْسي [وحكى عنه في "المناقب" أنَّه] قال: دخلت البادية، فنالني جوعٌ شديدٌ، فضَعُفْتُ، فوقع في نفسي أنَّني أسأل الله صَبْرًا، فهتف بي هاتف يقول: [من الوافر] ويزعم أنَّه منَّا قريبٌ … وأنَّا لا نُضَيِّعُ مَن أتانا ويسألُنا القوى جُهدًا وصَبرًا … كأنَّا لا نراه ولا يرانا [قال:] فأخذني الاستقلال من ساعتي، وقمتُ فمشيتُ (١). وقال: كلُّ باطنٍ يُخالفه الظاهر فهو باطل (٢). [وحكي عنه أنَّه] قال: لولا أنَّ الله تعالى أدخل موسى ﵇ في ظلِّ كَنَفِهِ، لأصابه ما أصاب الجبلَ. وقال: للعارفين خزائن أُودِعَتْ علومًا ربَّانيَّة؛ يتكلَّمون بها بعبارة الأزلية. وقال: المحبُّ يتعلَّل بكلِّ شيءٍ، ولا يتسلَّى عن حبيبه بشيء، وأنشد: [من الطويل] أسائلُكُم عنها فهل من مُخبِّرٍ … فما لي بنُعْمٍ بعد مُكْثَتنا عِلمُ فلو كنتُ أدري أين خيَّم أهلها … وأيُّ بلاد الله إذ ظَعَنوا أَمُّوا إذًا لَسَلَكْنا مَسْلَكَ الرِّيح خلفَها … ولو أصبحتْ نُعمٌ ومن دونها النَّجْمُ وقال: العلم ما استعملك، واليقين ما حملك (٣). وقال (٤): المُسْتنبِط من مُلاحظة الغيب لا يَخفى عنه شيء، ثمَّ قرأ: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]. والمتوسِّم العارف بما في سويداء القلب، ثمَّ قرأ: ﴿إِنَّ

стр. 7409

فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ الحجر: ٧٥، والمتفرِّس الذي ينظر بنور الله فيدرك المعاني "اتقوا فراسة المؤمن" (١). والرَّبَّاني أعلى مرتبةً من هؤلاء ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩] لله، أي: تخلَّقوا بأخلاقه، وافنَوا به عن خلقه. وقال: إذا أراد الله أن يواليَ عبدًا فتح عليه باب ذِكره، فإذا استلذَّ الذِّكرَ فتح عليه باب القُرْب، ثمَّ رفعه إلى مجالس الأُنس، ثمَّ أجلسه على كرسي التوكُّل (٢)، ورفع عنه الحجاب، وكشف له عن الجَلال، فبقي هو بلا هو، فيتبرَّأ حينئذٍ من دعاوى نفسه، ويبقى في حفظ الله تعالى خلقه. وسئل: هل يصير العارف إلى حالٍ ينقطع عنه البكاء؟ فقال: نعم، إنَّما البكاء للقوم بمنزلة الزَّاد في حال سفرهم إلى الله تعالى، فماذا نزلوا منازلَ القُرب، وذاقوا طَعْمَ الوصال، استقرَّ بهم المنزل، فلا حاجةَ لهم إلى الزَّاد. وقال: إذا خَرِسَت الألسنُ عن الأذكار، نَطقَتْ القلوبُ بالافتكار (٣). وقال: مُعاداةُ الفقراء بعضهم لبعض غيرةٌ من الله عليهم، لئلَّا يسكن بعضُهم إلى بعض. وقال: علامة التَّوحيد خروجُ العبد عن كل شيء، وردُّ جميع الأشياء إلى متولِّيها (٤). ذكر وفاته: [حكى في "المناقب" عن] رُوَيم قال: حضرتُ وفاةَ أبي سعيد، فسمعتُه يقول في آخر نَفَسه: [من الطويل] حنينُ قلوب العارفين إلى الذِّكر … وتَذكارهم وقتَ المُناجاةِ للسِّرِّ (٥) أُديرَتْ كؤوسٌ للمنايا عليهم … فأغفَوا عن الدُّنيا كإغفاء ذي السُّكْرِ همومهمُ جوَّالةٌ بمُعَسْكَرٍ … به أهلُ ودِّ الله كالأنْجُمِ الزُّهْرِ

стр. 7410

فأجسامهم في الأرض قَتْلى بحبِّه … وأرواحهم في الحُجْبِ نحو العُلى تَسري فما عرَّسوا إلَّا بقُرب مَليكهم … ولا عرَّجوا عن مسِّ بؤسٍ ولا ضرِّ وبلغ الجُنيد فقال: إنَّ أبا سعيد كان كثير التَّواجد، فليس بعجيب أن تطير روحه إلى الله اشتياقًا. [واختلفوا في وفاته على أقوال، أحدها:] توفي سنة ستٍّ وسبعين ومئتين. و [الثاني:] سنة سبع (١) وسبعين. [والثالث في] (٢) سنة ستٍّ وثمانين [ومئتين]. وقال أبو نعيم:] (٣) والأصحُّ في هذه السَّنة. [وذكر أبو عبد الرَّحمن السُّلمي: أنَّ أبا سعيد مات في سنة سبع وأربعين ومئتين (٤). قال الخطيب: وهذا القول ثابت، والأصحُّ في هذه السَّنة] (٥). أسند عن هشام بن عمَّار وغيره، وصحب بشرًا الحافيَّ، وسريًّا السَّقَطيَّ، وذا النُّون المصريَّ، وأقرانَهم، وروى عنه أبو جعفر الصَّيدلانيُّ وغيرُه. وأخرج له الخطيب حديثًا رفعه إلى عائشة ﵄ قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "سوءُ الخُلُق شؤم، وشرارُكم أسوؤكم أخلاقًا" (٦). إبراهيم بن إسحاق ابن أبي العَنْبس أبو إسحاق، الزُّهريُّ، الكوفيُّ. ولي قضاء بغداد، ثمَّ صُرف عنه سنة أربع وخمسين ومئتين، وسببُ صرفه: أنَّ أبا أحمد الموفَّق أراد منه أن يدفع إليه أموال الأوقاف (٧)، فامتنع، فولِّي قضاء الكوفة، فخرج إليها فأقام بها، ومات في ربيع الآخر، وحمل النَّاسُ عنه الحديث الكثير.

стр. 7411

أسند عن يَعلي بن عُبيد الطَّنافسي وغيره، وروى عنه علماءُ الكوفة، واتَّفقوا على خيرِه، وصدقه، وصلاحه، وورعه (١). [وفيها توفي] أبو حاتم محمد بن إدريس ابن المنذر بن داود بن مِهْران، الرَّازيُّ، الحافظ المشهور، الحَنْظَليُّ مولى تميم بن حَنْظَلة الغَطَفانيّ، وقيل: سمِّي الحَنْظَليّ لأنّه كان يسكن بالرَّيِّ بدَرْب حَنْظَلة. كان أحدَ الأئمة الرحَّالين، والأثبات المتقنين، العارفين بعِلَل الحديث والجرح والتعديل، طاف الدُّنيا فسافر إلى خُراسان، والعراقَين، والحجاز، واليمن، والشَّام، ومصر. وقال [الخطيب: حكى عبد الرَّحمن بن أبي حاتم، عن أبيه قال:] مشيتُ على قَدَمي في طلب الحديث زيادةً على ألف فرسخ، وكان يتعذَّر عليَّ القوت فأبقى اليوم واليومين والثلاثة مالي ما آكل (٢). وقال: سألني هشام بن عمَّار فقال: أيّ شيء تحفظ في الأَذْواء؟ فقلت: ذو الأصابع، وذو الثُّدَيَّة، وذو الجَوْشَن، وذو الزَّوائد، وذو اليَدَين، وذو اللِّحية الكلابيّ، فقال هشام: حفِظْنا نحن ثلاثة، وزِدْتَنا أنت ثلاثة. وسئل أبو حاتم عن الفرق بين المُسْنَد، والمُرْسَل، والمتَّصل، والمُعَنْعَن، والتَّدليس، والمُنْقَطع؛ فقال: أمَّا المسند؛ فهو ما اتَّصل إسناده إلى رسول الله ﷺ . وأما المرسل؛ فهو أن يحدِّث التَّابعي عن النبيِّ ﷺ وقد لقي جماعة من الصَّحابة، مثل ابنِ المسيب والحسنِ والشَّعبيِّ وأمثالِهم، فيقول: قال رسولُ الله ﷺ . وأمَّا المتَّصل؛ فبمعنى المسند.

стр. 7412

وأمَّا المعنعن؛ مثل أن يقول: عن فلان، عن فلان، هو مثل المسند إذا جمع شروطًا ثلاثة؛ عدالة الرِّجال، ولقاءَ بعضهم بعضًا، والبراءةَ من التَّدليس؛ مثل أن يقول: حدَّثنا محمد، ثمَّ يقول في حديث آخر: حدَّثنا أبو عبد الله، وهو ذاك الرَّجُل بعينه، وهو عَيب عند الحفَّاظ. وأمَّا المنقطع، فمثل أن يروي التابعيُّ عن الصحابيِّ، والتابعيُّ لم يسمع منه، مثاله: عن الزهريِّ، عن ابن عبَّاس وأبي هريرة، والزهريُّ لم يسمع منهما. وقيل: إنَّ المنقطع بمعنى المرسل. ذكر وفاته: [قال الخطيب:] توفِّي بالرّيِّ في شعبان، وأسند عن خلقٍ كثير وسمع محمدَ (١) بن عبد الله الأنصاريَّ، وأبا زيد النَّحويَّ، وهشامَ بن عمَّار وغيرَهم. وأخرج عنه ابنُه عبد الرَّحمن وابنُ أبي الدنيا وغيرُهما، وأخرج عنه البخاريُّ (٢) وغيره. واتَّفقوا على صدقه، وثقته، وورعه، وفضله، وأنَّه كان إمامًا في السُّنَّة. ومن شعره: [من الطويل] تفكَّرتُ في الدُّنيا فأبصرتُ رُشْدَها … فذلَّلتُ بالتَّقوى من الله خدَّها (٣) أسأتُ بها (٤) ظنًّا فأخلفتُ وَعْدَها … وأصبحتُ مولاها وقد كنتُ عبدَها محمد بن يوسف ابن عيسى، أبو بكر بن الطبَّاع.

стр. 7413

قدم سُرَّ من رأى فنزل في البَغَويّين، فاجتمع المحدِّثون والنَّاسُ إليه، فسمع محمد بنُ عبد الله بن طاهر الضَّوضاء، فقال: ما هذا؟ قالوا: كلام المحدِّثين عند ابن الطَّبَّاع، فكتب إليه محمد بن طاهر رُقعةً يسأله أن يَحضُر إليه فيحدِّث فتيانه، فكتب إليه جواب رقعته: أمَّا بعد، فأكرمك الله كرامةً تكون لك في الدُّنيا عِزًّا، وفي الآخرة من النَّار حِرْزًا، إنِّي لم أتخلَّف عنك صِيانةً، بل ديانة؛ لأنَّ العلم يُؤتى ولا يأتي. فلمَّا قرأها محمد قال: صدق، ثمَّ صار إليه هو وبنوه، فحدَّثه عامَّةَ الليل، ثمَّ قام محمَّد فانصرف، وقال لصاحبه: سَلْه ما يريد؟ فقال ابن الطَّبَّاع: قل له يبعث لنا ما نتغطَّى به من البرد، فبعث إليه بمِطْرَفِ خَرٍّ يساوي خمس مئة دينار. وكانت وفاته في المحرَّم. سمع يزيد بن هارون وغيرَه، وروى عنه المَحامِليُّ وغيره، وكان ثقة (١). مُضَر بن محمد ابن خالد بن الوليد أبو محمد، القاضي، الأسديُّ، البغداديّ. ولي قضاء واسط، وكان راوية لحروف القراءات، وحدَّث بدمشق، ومصر، وبغداد عن يحيى بن معين وغيره، وروى عنه يحيى بن محمد بن صاعد وغيره. ومن شعره: [من البسيط] لو كان في البَيْنِ إذ بانوا لهم دَعَةٌ … لكان بَينُهمُ من أعظمِ الضَّرَرِ فكيف والبَيْنُ مَقرونٌ به تَعَبٌ … تَعَسُّفُ البِيدِ والإدْلاجُ في السَّحَرِ سيَّان إتعابُ من أهوى وبينهُم … هذا لعَمْرُكَ خَطْبٌ غيرُ مُغْتَفَرِ كأنَّ أيدي مَطاياهُم إذا وَخَدَتْ (٢) … يَقَعْنَ في حُرِّ وَجهي أو على بَصري عندي من الوَجْدِ ما لو أنَّ أَيسَرَه … يُصَبُّ في الماء لم يُشْرَب من الكَدَرِ (٣) [وفيها توفي]

стр. 7414

يعقوب بن سفيان بن جُوان (١) أبو يوسف، الفارسيُّ، الفَسَويُّ، صاحب "التاريخ" والتَّصانيف الحسان. [وذكره الحاكم أبو عبد الله في "تاريخه" وقال: هو] إمام أهل الحديث بفارس، سافر إلى البلاد، ولَقي الشيوخ، [قدم نيسابور وأقام بها سنين، وسمع منه مشايخنا]، وقال: كتبت عن ألف شيخ وأكثر وكلُّهم ثقات. وقال أبو زُرعة الدِّمشقي: قدم علينا يعقوبُ دمشقَ، ويعجز أهلُ العراق أن يَرَوا مثلَه. وحكى الحافظ ابن عساكر عن يعقوب بن سفيان قال: كنت أطلب (٢) في رحلتي الحديث، فدخلتُ بلدًا صادفتُ فيه شيخًا احتجت إلى الإقامة عليه للاستكثار منه، فقَلَّتْ نَفقتي، وبعُدْتُ عن أوطاني، [فكنتُ] أُدمِن الكتْبَة ليلًا ونهارًا، فبينا أنا ذات ليلةٍ أنسخ في السِّراج؛ نزل الماء في عينيَ فلم أُبصر شيئًا، فبكيتُ على انقطاعي عن بلدي ووطني، وقلَّة نفقتي، وعلى ما يَفوتُني من العلم، فنمت، فرأيت النبيَّ ﷺ في المنام، فقال لي: يا يعقوب، ما الذي بك؟ فقلت: يا رسول الله، ذهب بصري، وشكوتُ إليه حالي، فقال: اُدْنُ مني، فدنوتُ، فمسح يده على وجهي وعيني كأنَّه يقرأ، فاستيقظتُ، وفتحتُ عينيَّ وإذا بهما على حالهما، فأخذتُ الكتاب وقعدتُ أنسخ في السِّراج. [واختلفوا في وفاته، فقال أبو سعيد بن يونس:] مات بالبصرة. وقال [أحمد بن محمود بن صَبيح: مات] ببلده بفَسَا قبل موت أبي حاتم الرَّازي بشهر (٣). أسند عن خلقٍ كثير منهم هشام بن عمار وغيره، وأخرج له البخاريُّ ومسلم حديثَ عمرو بن عَبَسة في صدر الإسلام (٤).

стр. 7415

[وروى الخطيب عن] عَبْدان بن محمد المروزيُّ قال: رأيتُ يعقوب في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، وأمرني أن أحدِّث في السماء الرَّابعة، فاجتمع عليَّ الملائكةُ، واستملى عليَّ جبريل، وكتبوا بأقلام من ذهب. واتفَّقوا على فضله وصدقه وثقته. * * *

стр. 7416

السَّنة الثامنة والسَّبعون بعد المئتين فيها لليلتين بقيتا من المحرَّم طلع كوكب ذو جمَّة، ثمَّ صارت الجمَّة ذُؤابة. ووردت الأخبار أنَّ نيل مصر غار فلم يبق منه شيء، ولم يُعْهَد ذلك قطُّ، ولا سُمع به في الأخبار السالفة، فغلت الأسعار عندهم. وفي المحرَّم انصرف أبو أحمد الموفَّق من الجبل إلى بغداد مريضًا، وكان به نِقْرِس، فلم يقدر على ركوب الخيل، فاتُّخذ له سريرٌ عليه قُبَّة، فكان يَقعد عليه والخدم يبرِّدون رجليه بالثلج، فأنزلوه في دَيالى في زَلَّالٍ (١) حتَّى أخرجوه إلى دجلة، ثمَّ زاد مرضه فصار داءَ الفيل، فكان يَحمل سريرَه قبل نزوله في الماء أربعون رجلًا، يتناوب عليه عشرون عشرون، وربما اشتدَّ به الوجع أحيانًا فيأمرهم أن يضعوه، وقال يومًا للذين يحملونه: لعلَّكم قد ضَجِرتُم منِّي، وَدِدْتُ والله أنِّي كواحدٍ منكم أَحملُ على رأسي وآكل وأنِّي في عافية. وقال في مرضه هذا: قد أطبق دستوري [أو دفتري] على مئة ألف مُرتَزِق، وما أصبح فيهم أسوأ حالًا منِّي. وفي يوم الاثنين لثلاث بَقينَ من المحرَّم وافى النَّهْروان، فأخرجوه إلى دجلة إلى الزَّعفرانية، وصار في داره يوم الجمعة لليلتين خلتا من صفر، فأقام بها، وانتفخ قدمه وعَظُم، فتوفِّي في صفر، وسنذكره إن شاء الله تعالى [في ترجمته، والله أعلم] (٢). وفيها ظهرت القرامطة بسواد الكوفة، وقد اختلفوا فيهم على أقوال: أحدها: أنَّه قدم رجل من ناحية خُوزِستان إلى سواد الكوفة إلى موضع يقال له: النَّهرين، فأقام بها وأظهر الزُّهد والتَّقشُّف، وكان يَسُفُّ الخُوصَ ويأكل من كَسْبه، ويصلّي اللَّيل والنَّهار،

стр. 7417

وَيسْرُدُ الصَّوم، فأقام على ذلك مدَّة، فكان إذا قعد إليه إنسان ذاكره أمر الدِّين، وزهَّده في الدُّنيا، وأعلمه أنَّ الصَّلاة المفترضة على النَّاس خمسون صلاة في اليوم واللَّيلة، حتَّى فشا ذلك عنه، ثمَّ أعلمهم أنَّه يدعو إلى إمام من أهل البيت ﵈. وكانوا يقعدون إليه، ويحدِّثهم بمثل هذا وأشباهِه، وكان يقعد إلى بقَّال في القرية، وبالقرب منه نَخْل اشتراه قوم من التُّجَّار، فسألوا البقَّال أن يطلب لهم رجلًا يحفظ عليهم التَّمر، فدلَّهم عليه، فكان يأخذ من البقَّال كلَّ ليلة رطلَ تمر، فيفطر عليه، ويبيع للبقَّال النَّوى، وبلغ التُّجار، فأتوا إليه، وضربوه، وقالوا: ما كفاك أن أكلتَ التَّمر حتَّى بعتَ النَّوى؟ فقال لهم البقَّال: ويحكم، لقد ظلمتموه؛ فإنَّه لم يأكل من تمركم، وإنَّما كان يشتري منِّي التمر فيفطر عليه، ويبيعني النوى، فندموا على ضربه، وسألوه أن يجعلهم في حِلٍّ ففعل، فازداد نُبْلًا عند أهل القرية، ومرض فرمى بنفسه على الطَّريق. وكان في القرية رجل اسمه حَمدان، ويقال له: كرميته، وتفسيره بالنبطيَّة: الأحمر العين، وكان له ثوران يحمل عليهما غلَّات السَّواد، فقال البَقَّال لكرميته: هذا الخراسانيُّ رجل صالح وغريب ومريض، فاحمله إلى منزلك. فحمله وأقام عنده حتَّى برأ، ثمَّ كان يأوي إلى منزله، ووصف مذهبه لأهل تلك النَّاحية فاتَّبعوه، فكان يأخذ من كلِّ رجل دينارًا، واتَّخذ منهم اثني عشر نقيبًا [كما فعل موسى وعيسى بالحواريين]، وفرض عليهم في كلِّ يوم خمسين صلاة ووظائف للعبادات، فاشتغلوا بها عن أعمالهم، فخربت الضياع وتعطَّلت المصالح. وكان للهَيْصَم هناك ضياع، فقصَّروا في عمارتها، فسأل عن ذلك [فقيل له: إنَّ رجلًا ظهر فيهم، وأظهر لهم مذهبًا، وفرض عليهم كذا وكذا،] فأُخبر بخبره، فطلبه، فحضر، فسأله عن أمره، فدعاه إلى مذهبه، فحبسه في بيت، وأقفل عليه الباب، وحلف ليَقْتُلَنَّه، وترك مفتاح القفل تحت رأسه ونام، وسمعتْه جاريةٌ من جواريه فرقَّت له، وأخذت المفتاح، وفتحت عليه وأخرجته، وقفلت الباب، وأعادت المفتاحَ إلى مكانه، وانتبه الهَيْصَم ففتح الباب، فلم يجده، وقال النَّاس: رُفع إلى السَّماء. ثمَّ ظهر في مكان آخر، فسألوه عن قصَّته فقال: من تعرَّض لي بسوء هلك. ثمَّ هرب إلى الشَّام فلم يُعرف له خبر، وسمِّي كرميته باسم الرَّجل الذي كان في

стр. 7418

منزله، ثمَّ خُفِّف فقيل: قرْمط. وفي رواية: وكان هذا الرَّجل قد لقي الخبيثَ صاحبَ الزَّنْج، فقال له: ورائي مئة ألف سيف، فوافِقْني على مذهبي حتَّى أصير إليك بمن معي، وتناظرا فاختلفا ولم يقع بينهما اتِّفاق، فافترقا من غير شيء أو هذا أحد الأقوال في تسمية قُرمط]. والثاني: [أنَّ] أوَّل مَن أظهر لهم هذا المذهبَ رجل يقال له: محمد الورَّاق، يُعرف بالمُقرمِط، من أهل الكوفة، شرَّع لهم شرائع، ورتب لهم ترتيبًا، قال: خالف به الإسلام. والثالث: أنَّ بعض دُعاتهم اكترى دوابَّ [أو بقرًا] من رجل يُقال له: قُرمط بن الأشعث، ودعاه إلى مذهبه [فأجابه]، وصار [قرمط] داعيةً في مذهبهم. والقول الأوَّل أصحُّ. ثمَّ همْ فرق: القرامطة، والباطنية، والخُرَّميَّة، والبابَكية، والمحمِّرة، والسَّبعيَّة، والتعليميَّة. فأمَّا الباطنيَّة: فادَّعَوا أنَّ لظواهر الآيات والأخبار بواطنُ تجري مجرى اللُّبِّ من القشر، وادَّعوا ذلك لقوله ﵇: "لكلِّ آية بطن وظهر" (١) وكذا قوله تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَينَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ﴾ [الحديد: ١٣] يعني بين علمائهم والجهَّال، وإنَّ من وقف على علم الباطن سقطت عنه التَّكاليف، واستراح من أعبائها. وأما الخُرَّمية: فخُرَّم اسمٌ أعجميٌّ معناه: الشيء المُستَلَذّ، وهم أهلُ الإباحة من المجوس الَّذين نبغوا في أيَّام قُباذ، فأباحوا المحظورات، فلُقِّب هؤلاء بهم. [وقد ذكرناهم في صدر الكتاب]. وأمَّا البابَكية: فهم أصحاب بابَك الخُرَّمي، ولهم ليلة في السَّنة يجتمعون فيها، يختلط النِّساء بالرِّجال، ويتناهبون النساء، فمن وقعت في يده امرأة استحلَّها. وأمَّا المحمِّرة: فهم قوم يلبسون الثِّياب الحُمر، لهم مذهب يُعرفون به. وأمَّا السَّبعية: فزعموا أنَّ الكواكب السَّبعة تدبِّر العالم السُّفلي.

стр. 7419

وأمَّا التعليمية: فمذهبهم إبطالُ القياس، ولا علم إلَّا ما يُتلقَّى من إمامهم. قال المصنِّف ﵀: وقد زعم [قوم] أنَّ الإسماعيليَّة منهم، وأنَّ قُرمط غلام إسماعيل بن جعفر بن محمد بن محمد الصَّادق أحدث لهم هذه المقالات، وليس كما ذكروا؛ فإنَّ إسماعيل كان يدعو إلى مذهب آبائه وأجداده، ولا يخرج عن الشَّريعة المحمديَّة، ولا يُعرف له غلام اسمه قُرمط، وإنَّما القرامطة مَن ذكرنا يشيرون إلى مذهب الملاحدة مثل زرادشت ومزدك وماني وغيرهم، [ومن ذكرنا في صدر الكتاب] ممَّن أباح المحظورات والأمَّهات والبنات، وشيَّدوا مذهب الفرس والمجوسيَّة، وقالوا بقول الفلاسفة، وجَحدوا النُّبوَّات، وأباحوا الخمورَ والملاهي وغير ذلك. فأمَّا الإسماعيلية: فينتسبون إلى إسماعيل بن جعفر الصَّادق، وأنَّه لا يزال منهم إمام معصوم يتلقَّون منه العلوم، ويُظهرون التمسُّك بالإسلام والصَّوم والصلاة ونحو ذلك. ومن مذاهب القرامطة أنَّ محمد بن الحنفية هو المهديّ، وأنَّه جبريل، والمسيح، والدَّابة الَّتي تخرج في آخر الزَّمان، ويزيدون في الأذان: وأنَّ نوحًا رسول الله، وإبراهيم رسول الله، وعيسى رسول الله، ومحمد بن الحنفية رسول الله، وأنَّ القبلة والحج إلى بيت المقدس، ويوم الجمعة والاثنين والخميس يوم استراحة، وأن قوله تعالى: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٩] أي: ظاهرها؛ ليعلموا بها عدد السِّنين والحساب والشهور والأيَّام، وباطنها هم أوليائي الذين عرَّفوا عبادي سبيلي، وأنَّ الصَّوم في السَّنة يومان وهما: النَّيروز والمهرجان، وأنَّ النَّبيذ حرام، والخمر حلال، ولا غُسل من الجنابة إلا غسل الذَّكر، وما معنى الاغتسال من المنيِّ دون البول. وكثير من هذه الحماقات والخرافات (١). ومنهم مَن يتحيَّل على المسلمين بطرق شتَّى، ولا يَنْفق قولُهم إلَّا على الجُهَّال، فتارةً يدخلون على أهل السنة بما يوافقهم، وعلى الشِّيعة بما يوافقهم، ويَخدعون الطَّوائف بكلِّ حيلة، ويتوسَّلون إلى استجلابهم بكلِّ وسيلة، فيقولون للدّاعي: اجعل التشيُّع دينَك عند أهله، فقل: ظُلِم عليٌّ ﵇ وغُصب حقُّه، وقُتل الحسين وسُبي

стр. 7420

أهله، وجرى عليهم ما جرى، وتَنَقَّص أبا بكر وعمر، واذكر ما فعلا، وما فعل بنو أميَّة بأهل البيت، وإن كان سنِّيًّا فاعكس الأمر، وإن كان رقيق الدِّين فاذكر له الرَّجعةَ، والمجون، والخلاعةَ، والتَّناسخ، وإن كان زاهدًا فاذكر له الزُّهد والتَّقشُّف ونحو ذلك، وعلى هذا المثال يستدرجون الخلائق إلى مذاهبهم بكلِّ طريق، فمن وافقهم سُلب التَّوفيق، [وقد ذكرنا في صدر الكتاب طرفًا من ذلك]، وسنذكر جملة من مذاهبهم في أماكنها (١). [فصل وحجَّ بالنَّاس هارون بن محمد الهاشميّ]. وفيها غزا يازمان الخادم الصَّائفة، فبلغ حِصنًا يقال له: سَلَنْدو، فنصب عليه المجانيق، وأشرف على فتحه، فجاءه حجر من الحصن فقتله، فارتحلوا به وفيه رمق، فمات بالطَّريق من غده في رجب، فحُمل على أكتاف الرِّجال إلى طَرَسوس، فدُفن بها، وكان شجاعًا جوادًا (٢). وفيها توفي أحمد بن محمد ابن عبيد الله بن المدبّر، الكاتب، أبو الحسن [الذي أسره الزَّنج من الأهواز. قال الحافظ ابن عساكر:] بعثه المتوكّل سنة إحدى وأربعين ومئتين إلى دمشق، فمسح أراضيها، وأصله من سُرَّ من رأى، وكان أديبًا شاعرًا، [ولّاه المتوكل خراج جند دمشق والأردنّ. وذكره الصُّولي فقال: أحمد أسنُّ من أخيه إبراهيم، وأحمد بن المدبر هو الذي إذا امتدحه شاعر فلم يرضه بعث غلمانه معه إلى الجامع، فيلازمونه حتى يصلِّي مئة ركعة فتحاماه الشُّعراء، وقد ذكرناه في ترجمة الجَمَل الشاعر، واسم الجَمَل حسين بن عبد السَّلام]. حُبس أخوه إبراهيم، فكتب إليه من الحبس رُقْعةً يشكو إليه ما هو فيه، فكتب إليه

стр. 7421

أحمد: [من الوافر] أبا إسحاقَ إن تكُنِ اللَّيالي … عَطَفْنَ عليك بالخَطْبِ الجَسيم فلم أرَ صرفَ هذا الدَّهر يَجني … بمكروه على غير الكريمِ (١) ومن شعر أحمد: [من الوافر] دنوتَ تواضُعًا وبَعُدْتَ قَدْرًا … فشأناك انخفاضٌ وارتفاعُ كذاك الشَّمسُ تَبعد أن تُسامى … ويَدنو الضَّوءُ منها والشُّعاعُ (٢) وقال (٣) أبو الحسين الرَّازي: كان أحمد بن المدبّر على دمشقَ وأعمالها لمالك بن طَوْق، فقدم عليه ديكُ الجنّ، فأقام ببابه مدَّة لا يصل إليه، فكتب إليه: [من البسيط] إنّي ببابك لا وُدِّي يُقرِّبني … ولا نَسيبيَ يعلو بي ولا نَسبي إنِّي امرؤٌ نازلٌ في ذِروَتَيْ شَرَفٍ … لقَيصَرٍ ولكِسرى مَحتدي وأبي ما شِدَّةُ الحِرْصِ من شأني ولا طَلَبي … ولا المكاسبُ من هَمِّي ولا أَرَبي لكن طوارقُ تأتيني وحادِثةٌ … والدَّهرُ يَطرُقُ بالأحداثِ والنُّوَبِ وليس يَعرفُ لي قَدري ولا أدبي … إلا امرؤٌ كان ذا قَدْرٍ وذا أَدَبِ واعلم بأنَّك ما أسْديتَ من حَسَنٍ … عندي أنا حَسنٌ أنقى من الذَّهبِ فأحسن إليه (٤). [وفيها توفي] ديك الجنّ ذكر أخباره: [قال أبو الفرج:] واسم (٥) عبد السَّلام بن رَغْبان بن عبد السَّلام بن حبيب بن عبد الله بن رَغْبان بن يزيد بن تميم، أبو محمد.

стр. 7422

أسلم جدُّه تميم على يدي حَبيب بن مَسْلَمة الفِهريّ، وسمِّي ديك الجنّ لأنَّ عينيه كانتا خضراوتين، وكان قبيح المنظر. [وكان شاعرًا] فصيحًا، عاصر أبا تمَّام، وكان أبو تمَّام يعترف له بالفضل، وهو من شعراء الدَّولة العبَّاسية، وكان يسكن حمص ويتشيَّع وله مَرَاثٍ في الحسين ﵇ (١). ومن شعره: [من الكامل] سُكران سكر هوًى وسُكر مُدامةٍ … فمتى يُفيق فتًى به سكران وكان صاحبَ لَهْو، [ولم يذكر الأصفهاني تاريخ وفاته،] وهو الذي قتل غلامَه وجاريتَه. وقال عليُّ بن عبد الله الأنماطي: كان عبد السَّلام (٢) بن رَغْبان الملقَّب بديك الجنّ شاعرًا، أديبًا، ذا نعمة حَسَنة، وكان له غلامٌ كالبدر، وجارية كالشَّمس، وكان يهواهما جميعًا، فدخل يومًا منزله على غَفلةٍ فرآهما مُتَعانقَين، والجارية تقبِّل الغلام، فشدَّ عليهما فقتلهما، ثمَّ جلس عند رأس الجارية يبكي ويقول: [من الكامل] يا طلعةً طلع الحِمامُ عليها … وجنى لها ثَمَرَ الرَّدى بيدَيها روَّيتُ من دمها الثَّرى ولطالما … روَّى الهوى شَفَتيَّ من شَفتيها فأَجَلْتُ سَيفي في مَجال خِناقها … ومَدامعي تجري على خدَّيها فوَحَقِّ عينيها وما وَطِئ الثَّرى … شيءٌ أعزُّ عليَّ من عَينيها ما كان قَتْليها لأنِّي لم أكن … أبكي إذا سقط الغُبارُ عليها لكن بَخِلْتُ على سِواي بحُسْنها … وأنِفْتُ من نظر الغلام إليها ثم جلس عند رأس الغلام فقال: [من الكامل] قمرٌ أنا استخرجتُه من خِدْره … بمَودَّتي وجَزيتُه من غَدْرهِ فقتلتُه وله عليَّ كرامةٌ … مِلْءُ الحشا وله الفؤادُ بأَسْرهِ

стр. 7423

عَهْدي به مَيتًا كأحسنِ نائمٍ … والدَّمعُ يَنْحرُ مُقلَتي في نَحْرهِ غُصَصٌ تكاد تَفيضُ منها نَفْسُه … ويكاد يَخرجُ قَلبُه من صَدْرهِ (١) أبو أحمد طلحة وقيل: محمد بن جعفر المتوكِّل، الملقَّب بالموفَّق، ولقِّب بعد قتل الزَّنجي بالنَّاصر لدين الله، فكان يُخطب له على المنابر بلقَبَين، فيقال: اللَّهمَّ وأصلح الأمير النَّاصر لدينك أبا أحمد الموفَّق بالله، وليَّ عهد المسلمين، أخا أمير المؤمنين. وأمُّه أمُّ ولد، يقال لها: إسحاق. كان من أَجَلِّ الملوك رأيًا، وأَسْمَحِهم نَفْسًا، وأحسنهم تدبيرًا، عزيزَ العقل، جوادًا، سَمْحًا، وكان أخوه المعتمد قد جعله وليَّ عهده بعد ابنه جعفر المفوَّض، فمات الموفَّق قبل المعتمد وقبل جعفر، ولمَّا مات الموفَّق بايع المعتمد لأبي العبَّاس بعد جعفر، ولقبه المعتضد. وقال أبو عبد الله الألوسي (٢): لمَّا صار جيش الدَّعيِّ الخبيث بالبصرة وجاء إلى النُّعمانية طُرحت في دار الموفَّق رقعة، فقرأها وفيها: [من الوافر] أرى نارًا تأجَّجُ من بعيدٍ … لها في كلِّ ناحية شُعاعُ وقد نامتْ بنو العبَّاس عنها … فأضحتْ وهي غافِلةٌ رَتاعُ كما نامت أميَّةُ ثم هبَّتْ … لتدفعَ حين ليس لها دِفاعُ فأمر الموفَّق من ساعته بالرَّحيل إلى قتال الزَّنج. ومراد الشَّاعر قولُ نَصْر بن سيَّار: أرى تحت الرَّمادِ وَمِيضَ جَمْرٍ (٣)

стр. 7424

ولد الموفَّق يوم الأربعاء لليلتين خلتا من ربيع الأوَّل، سنة تسع وعشرين ومئتين، وقتل الزنجي وفعل ما فعل، وكان يقول: بلغني عن جدِّي عبد الله بن عبَّاس أنَّه كان يقول: إنَّ الذباب لَيقع على جليسي فيَغُمُّني ذلك، وهذا نهاية الكرم، وأنا والله أرى جُلسائي بالعين الَّتي أرى بها نفسي وإخواني وأهلي. وقال يومًا: صدق المأمون حيث يقول: الفَلَك أدَقُّ من أن يَبقى على حال، فاغتنموا أوقات السُّرور، واعتقدوا المِنَن في أرقاب الرِّجال، واتَّخِذوا لأعقابكم الصَّنائع، فإنَّ المُقام في الدُّنيا لُمَعٌ، ولا يدوم الدَّهر على حال. ذكر وفاته: كان الموفَّق قد حبس ابنَه أبا العبَّاس عند إسماعيل بن بُلبل، فضيَّق عليه، فلمَّا ورد الموفَّق بغداد، واشتدَّ مَرضُه، وأُرْجِف بموته، ويئس منه إسماعيل، وجَّه إلى بكتمر التُّركي -وكان موكَّلًا بالمعتمد (١) وابنِه جعفر بالمدائن- أن يُحضِرهما إلى بغداد، فأصعد بهما، وأنزلهما ابنُ بلبل في داره، فأقاما يومًا، فقيل لابن بُلْبل: قد أفاق الموفق من غَشْيته، فانحدر ومعه المعتمد وابنه جعفر المفوّض إلى دار الموفق، وقال المعتمد: أريد أن أَنْصُرَ أخي. ومضى صافي الحُرَميُّ ومؤنس ويانس خدم الموفَّق فأخرجوا أبا العبَّاس، وأتَوْا به إلى دار الموفَّق، فقرَّبه أبوه وأدناه، وخلع عليه وعلى إسماعيل، وكان قد ضيَّق إسماعيل على أبي العبَّاس، وعلمت العامَّةُ ذلك، وكانوا يخافون عليه من إسماعيل، فنَهبت العامَّة دار إسماعيل، فخرج أهلُه وولده حُفاةً عُراةً، وطلب إسماعيل حَصيرًا يجلس عليه فلم يجد، فاستُعير له حَصير من بعض دور الجيران. وفي يوم الأربعاء لثمانٍ بقين من صفر توفِّي الموفق، ودُفن ليلة الخميس في الرُّصافة عند قبر أمِّه، وصلَّى عليه ابنُه أبو العبَّاس، وكانت وفاته بالقصر الحَسَني، وله تسع وأربعون سنة إلا أيامًا (٢).

стр. 7425

قال عبد الله بن المعتز: لمَّا مات الموفّق كتب إليّ عبيد الله بن عبد الله بن طاهر يعزِّيني فيه، وقال: إنَّما أُعزِّيك بالمنصور الثاني، لا أعرف في ولده أشبهَ به منه (١). وبايع النَّاسُ والقوَّادُ والغِلمانُ لأبي العبَّاس بولاية العهد بعد جعفر المفوّض، ولُقِّب المعتضد بالله، وخُطب يوم الجمعة للمعتمد، ثمَّ للمفوَّض جعفر، ثم لأبي العباس (٢)، وذلك لسبعِ ليالٍ بَقين من صفر. وفي يوم الاثنين لأربعٍ بقين منه قبض أبو العبَّاس على إسماعيل بن بُلُبل، وعذَّبه بأنواع العذاب، وجعل في عُنُقه غُلًّا فيه رُمَّانةُ حديد، وزنُها مئة رطلٍ وعشرون رطلًا، وألبسه جُبَّة صوف وقد صيِّرت في دهن الأكارع، وعلَّق في عنقه رأسَ كَلْبٍ مَيت، ثمَّ مات، فدفن بقيوده وغلّه وجُبَّته. واستكتب أبو العبَّاس عبيد الله بن سليمان بن وهب لثلاثٍ بقين من صفر يوم الثلاثاء، وولَّاه الوزارة، وقيل: إنَّ إسماعيل [بن بلبل] مات في سنة تسع وسبعين ومئتين بعد موت المعتمد، وتمكُّن المعتضد من الخلافة (٣). وقال عبد الله بن أحمد بن حَمدون: حدَّثني المعتضد بالله وهو خليفة قال: لما ضرَّب إسماعيل بن بُلبل بيني وبين أبي الموفَّق، وأوحشه منِّي حتَّى حبسني الحَبْسَةَ المشهورة، كنتُ أتخوَّف القتلَ صباحًا ومساءً، وأن يَرميَني إسماعيلُ عنده بما يكون سببًا لقتلي، واتَّفق خروج أبي إلى الجَبل، فازداد خَوفي، وأشفَقْتُ أن يُكاتبه إسماعيل عنِّي بكَذبٍ يجعل غَيبتَه طريقًا إلى تَلَفي، وكنتُ محبوسًا عنده، فأقبلت على الدُّعاء والتضرُّع إلى الله تعالى. وكان إسماعيل يأتي كلّ يوم، ويريني أنَّ ذلك خدمة لي، فدخل عليَّ يومًا والمصحف في يدي وأنا أقرأ فيه فقال: أيُّها الأمير، أعطني هذا المصحف لأتفاءل لك، فلم أُجِبْه، فمدَّ يده فأخذه، فأول ما فتح خرج: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩] فاسودَّ وجهُه، ثمَّ فتح
следующие страницы →