أحمد: [من الوافر]
أبا إسحاقَ إن تكُنِ اللَّيالي … عَطَفْنَ عليك بالخَطْبِ الجَسيم
فلم أرَ صرفَ هذا الدَّهر يَجني … بمكروه على غير الكريمِ (١)
ومن شعر أحمد: [من الوافر]
دنوتَ تواضُعًا وبَعُدْتَ قَدْرًا … فشأناك انخفاضٌ وارتفاعُ
كذاك الشَّمسُ تَبعد أن تُسامى … ويَدنو الضَّوءُ منها والشُّعاعُ (٢)
وقال (٣) أبو الحسين الرَّازي: كان أحمد بن المدبّر على دمشقَ وأعمالها لمالك بن طَوْق، فقدم عليه ديكُ الجنّ، فأقام ببابه مدَّة لا يصل إليه، فكتب إليه: [من البسيط]
إنّي ببابك لا وُدِّي يُقرِّبني … ولا نَسيبيَ يعلو بي ولا نَسبي
إنِّي امرؤٌ نازلٌ في ذِروَتَيْ شَرَفٍ … لقَيصَرٍ ولكِسرى مَحتدي وأبي
ما شِدَّةُ الحِرْصِ من شأني ولا طَلَبي … ولا المكاسبُ من هَمِّي ولا أَرَبي
لكن طوارقُ تأتيني وحادِثةٌ … والدَّهرُ يَطرُقُ بالأحداثِ والنُّوَبِ
وليس يَعرفُ لي قَدري ولا أدبي … إلا امرؤٌ كان ذا قَدْرٍ وذا أَدَبِ
واعلم بأنَّك ما أسْديتَ من حَسَنٍ … عندي أنا حَسنٌ أنقى من الذَّهبِ
فأحسن إليه (٤).
[وفيها توفي]
ديك الجنّ
ذكر أخباره:
[قال أبو الفرج:] واسم (٥) عبد السَّلام بن رَغْبان بن عبد السَّلام بن حبيب بن عبد الله بن رَغْبان بن يزيد بن تميم، أبو محمد.
стр. 7422
أسلم جدُّه تميم على يدي حَبيب بن مَسْلَمة الفِهريّ، وسمِّي ديك الجنّ لأنَّ عينيه كانتا خضراوتين، وكان قبيح المنظر.
[وكان شاعرًا] فصيحًا، عاصر أبا تمَّام، وكان أبو تمَّام يعترف له بالفضل، وهو من شعراء الدَّولة العبَّاسية، وكان يسكن حمص ويتشيَّع وله مَرَاثٍ في الحسين ﵇ (١).
ومن شعره: [من الكامل]
سُكران سكر هوًى وسُكر مُدامةٍ … فمتى يُفيق فتًى به سكران
وكان صاحبَ لَهْو، [ولم يذكر الأصفهاني تاريخ وفاته،] وهو الذي قتل غلامَه وجاريتَه.
وقال عليُّ بن عبد الله الأنماطي: كان عبد السَّلام (٢) بن رَغْبان الملقَّب بديك الجنّ شاعرًا، أديبًا، ذا نعمة حَسَنة، وكان له غلامٌ كالبدر، وجارية كالشَّمس، وكان يهواهما جميعًا، فدخل يومًا منزله على غَفلةٍ فرآهما مُتَعانقَين، والجارية تقبِّل الغلام، فشدَّ عليهما فقتلهما، ثمَّ جلس عند رأس الجارية يبكي ويقول: [من الكامل]
يا طلعةً طلع الحِمامُ عليها … وجنى لها ثَمَرَ الرَّدى بيدَيها
روَّيتُ من دمها الثَّرى ولطالما … روَّى الهوى شَفَتيَّ من شَفتيها
فأَجَلْتُ سَيفي في مَجال خِناقها … ومَدامعي تجري على خدَّيها
فوَحَقِّ عينيها وما وَطِئ الثَّرى … شيءٌ أعزُّ عليَّ من عَينيها
ما كان قَتْليها لأنِّي لم أكن … أبكي إذا سقط الغُبارُ عليها
لكن بَخِلْتُ على سِواي بحُسْنها … وأنِفْتُ من نظر الغلام إليها
ثم جلس عند رأس الغلام فقال: [من الكامل]
قمرٌ أنا استخرجتُه من خِدْره … بمَودَّتي وجَزيتُه من غَدْرهِ
فقتلتُه وله عليَّ كرامةٌ … مِلْءُ الحشا وله الفؤادُ بأَسْرهِ
стр. 7423
عَهْدي به مَيتًا كأحسنِ نائمٍ … والدَّمعُ يَنْحرُ مُقلَتي في نَحْرهِ
غُصَصٌ تكاد تَفيضُ منها نَفْسُه … ويكاد يَخرجُ قَلبُه من صَدْرهِ (١)
أبو أحمد طلحة
وقيل: محمد بن جعفر المتوكِّل، الملقَّب بالموفَّق، ولقِّب بعد قتل الزَّنجي بالنَّاصر لدين الله، فكان يُخطب له على المنابر بلقَبَين، فيقال: اللَّهمَّ وأصلح الأمير النَّاصر لدينك أبا أحمد الموفَّق بالله، وليَّ عهد المسلمين، أخا أمير المؤمنين. وأمُّه أمُّ ولد، يقال لها: إسحاق.
كان من أَجَلِّ الملوك رأيًا، وأَسْمَحِهم نَفْسًا، وأحسنهم تدبيرًا، عزيزَ العقل، جوادًا، سَمْحًا، وكان أخوه المعتمد قد جعله وليَّ عهده بعد ابنه جعفر المفوَّض، فمات الموفَّق قبل المعتمد وقبل جعفر، ولمَّا مات الموفَّق بايع المعتمد لأبي العبَّاس بعد جعفر، ولقبه المعتضد.
وقال أبو عبد الله الألوسي (٢): لمَّا صار جيش الدَّعيِّ الخبيث بالبصرة وجاء إلى النُّعمانية طُرحت في دار الموفَّق رقعة، فقرأها وفيها: [من الوافر]
أرى نارًا تأجَّجُ من بعيدٍ … لها في كلِّ ناحية شُعاعُ
وقد نامتْ بنو العبَّاس عنها … فأضحتْ وهي غافِلةٌ رَتاعُ
كما نامت أميَّةُ ثم هبَّتْ … لتدفعَ حين ليس لها دِفاعُ
فأمر الموفَّق من ساعته بالرَّحيل إلى قتال الزَّنج.
ومراد الشَّاعر قولُ نَصْر بن سيَّار:
أرى تحت الرَّمادِ وَمِيضَ جَمْرٍ (٣)
стр. 7424
ولد الموفَّق يوم الأربعاء لليلتين خلتا من ربيع الأوَّل، سنة تسع وعشرين ومئتين، وقتل الزنجي وفعل ما فعل، وكان يقول: بلغني عن جدِّي عبد الله بن عبَّاس أنَّه كان يقول: إنَّ الذباب لَيقع على جليسي فيَغُمُّني ذلك، وهذا نهاية الكرم، وأنا والله أرى جُلسائي بالعين الَّتي أرى بها نفسي وإخواني وأهلي.
وقال يومًا: صدق المأمون حيث يقول: الفَلَك أدَقُّ من أن يَبقى على حال، فاغتنموا أوقات السُّرور، واعتقدوا المِنَن في أرقاب الرِّجال، واتَّخِذوا لأعقابكم الصَّنائع، فإنَّ المُقام في الدُّنيا لُمَعٌ، ولا يدوم الدَّهر على حال.
ذكر وفاته:
كان الموفَّق قد حبس ابنَه أبا العبَّاس عند إسماعيل بن بُلبل، فضيَّق عليه، فلمَّا ورد الموفَّق بغداد، واشتدَّ مَرضُه، وأُرْجِف بموته، ويئس منه إسماعيل، وجَّه إلى بكتمر التُّركي -وكان موكَّلًا بالمعتمد (١) وابنِه جعفر بالمدائن- أن يُحضِرهما إلى بغداد، فأصعد بهما، وأنزلهما ابنُ بلبل في داره، فأقاما يومًا، فقيل لابن بُلْبل: قد أفاق الموفق من غَشْيته، فانحدر ومعه المعتمد وابنه جعفر المفوّض إلى دار الموفق، وقال المعتمد: أريد أن أَنْصُرَ أخي.
ومضى صافي الحُرَميُّ ومؤنس ويانس خدم الموفَّق فأخرجوا أبا العبَّاس، وأتَوْا به إلى دار الموفَّق، فقرَّبه أبوه وأدناه، وخلع عليه وعلى إسماعيل، وكان قد ضيَّق إسماعيل على أبي العبَّاس، وعلمت العامَّةُ ذلك، وكانوا يخافون عليه من إسماعيل، فنَهبت العامَّة دار إسماعيل، فخرج أهلُه وولده حُفاةً عُراةً، وطلب إسماعيل حَصيرًا يجلس عليه فلم يجد، فاستُعير له حَصير من بعض دور الجيران.
وفي يوم الأربعاء لثمانٍ بقين من صفر توفِّي الموفق، ودُفن ليلة الخميس في الرُّصافة عند قبر أمِّه، وصلَّى عليه ابنُه أبو العبَّاس، وكانت وفاته بالقصر الحَسَني، وله تسع وأربعون سنة إلا أيامًا (٢).
стр. 7425
قال عبد الله بن المعتز: لمَّا مات الموفّق كتب إليّ عبيد الله بن عبد الله بن طاهر يعزِّيني فيه، وقال: إنَّما أُعزِّيك بالمنصور الثاني، لا أعرف في ولده أشبهَ به منه (١).
وبايع النَّاسُ والقوَّادُ والغِلمانُ لأبي العبَّاس بولاية العهد بعد جعفر المفوّض، ولُقِّب المعتضد بالله، وخُطب يوم الجمعة للمعتمد، ثمَّ للمفوَّض جعفر، ثم لأبي العباس (٢)، وذلك لسبعِ ليالٍ بَقين من صفر.
وفي يوم الاثنين لأربعٍ بقين منه قبض أبو العبَّاس على إسماعيل بن بُلُبل، وعذَّبه بأنواع العذاب، وجعل في عُنُقه غُلًّا فيه رُمَّانةُ حديد، وزنُها مئة رطلٍ وعشرون رطلًا، وألبسه جُبَّة صوف وقد صيِّرت في دهن الأكارع، وعلَّق في عنقه رأسَ كَلْبٍ مَيت، ثمَّ مات، فدفن بقيوده وغلّه وجُبَّته.
واستكتب أبو العبَّاس عبيد الله بن سليمان بن وهب لثلاثٍ بقين من صفر يوم الثلاثاء، وولَّاه الوزارة، وقيل: إنَّ إسماعيل [بن بلبل] مات في سنة تسع وسبعين ومئتين بعد موت المعتمد، وتمكُّن المعتضد من الخلافة (٣).
وقال عبد الله بن أحمد بن حَمدون: حدَّثني المعتضد بالله وهو خليفة قال: لما ضرَّب إسماعيل بن بُلبل بيني وبين أبي الموفَّق، وأوحشه منِّي حتَّى حبسني الحَبْسَةَ المشهورة، كنتُ أتخوَّف القتلَ صباحًا ومساءً، وأن يَرميَني إسماعيلُ عنده بما يكون سببًا لقتلي، واتَّفق خروج أبي إلى الجَبل، فازداد خَوفي، وأشفَقْتُ أن يُكاتبه إسماعيل عنِّي بكَذبٍ يجعل غَيبتَه طريقًا إلى تَلَفي، وكنتُ محبوسًا عنده، فأقبلت على الدُّعاء والتضرُّع إلى الله تعالى.
وكان إسماعيل يأتي كلّ يوم، ويريني أنَّ ذلك خدمة لي، فدخل عليَّ يومًا والمصحف في يدي وأنا أقرأ فيه فقال: أيُّها الأمير، أعطني هذا المصحف لأتفاءل لك، فلم أُجِبْه، فمدَّ يده فأخذه، فأول ما فتح خرج: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩] فاسودَّ وجهُه، ثمَّ فتح
стр. 7426
ثانيًا فخرج: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٥] فارْبَدَّ وَجْهُه، ثم فتح ثالثًا فخرج: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥] فوضع المصحف وقال: أيُّها الأمير، أنت والله الخليفة بغير شكّ، فما حَقُّ بِشارتي؟ فقلت: اللهَ اللهَ في دمي، وأسأل الله أن يُبقي أمير المؤمنين والأمير الموفَّق، وما لنا وهذا؟ وجعل يحلف بالأيمان أنَّه لم يكن منه إليَّ مكروه، فصدَّقتُه ولاطفتُه؛ خوفًا من أن تزيد وحشتُه فيسرع في تدبير أمري، حتَّى سكن، وجاء الموفَّق من الجبل مريضًا، وجاؤوا فأخرجوني من الحبس، وولِّيت الخلافة ومكَّنني الله من ابن بلبل، فأنفذتُ الحكمَ فيه (١).
وقال أحمد بن حَمْدون: حدَّثني المعتضد قال: لمَّا قدم أبي من الجبل وهو عَليل عِلَّتَه التي مات فيها وأنا في حبسه، اشتدَّ خوفي، ولم أشكَّ أنَّ إسماعيل يَحمله على قتلي، أو يحتال بحيلةٍ يَسفك فيها دمي إذا وجد أبي قد ثقل ويئس منه، فصلَّيتُ في اللَّيل صلاةً كثيرة، ودعوتُ دعاءً عظيمًا، وتضرَّعت إلى الله تعالى، ونمتُ، فرأيتُ في منامي كأنِّي على شاطئ دجلة، وهناك رجل يمدُّ يده إلى مائها فيصير في يده، ثمَّ يردُّه فيعود إلى دجلة، فعل ذلك مرارًا، فدنوتُ منه، وسلَّمتُ عليه، وقلتُ: من أنتَ يا عبد الله الصالح؟ فقال: أنا عليُّ بن أبي طالب، فقلت: يا أمير المؤمنين، ادعُ الله لي، فقال: إنَّ هذا الأمرَ صائرٌ إليك، فاعتضِدْ بالله، واحفظْني في ولدي، قال: فانتبهتُ مَرعوبًا، وكتبتُ: فلان الوزير، وفلان الأمير، وكتبتُ ما أعتمده إذا وليتُ الخلافة، ودفعتُ الرُّقعة إلى غلامٍ كان معي في الحبس، ولَحِقَتِ الموفَّقَ غَشْيةٌ، وإذا بأقفال البيت الذي أنا فيه تُكْسَر، فأيقنتُ بالهلاك، واستقبلتُ القبلة، وجرَّدت سيفي بين يدي وقلت: أموتُ كريمًا، وإذا بخدم أبي وغلماني قد دخلوا عليَّ، فزال خوفي، ورميتُ السَّيف من يدي، فأخرجوني وأدخلوني على أبي، فأخذت يده وجعلتُ أقبِّلها، ففتح عينيه فرآني، فرقَّ لي، وأشار إلى الخدم أن قد أحسنتُم فيما فعلتُم، ثمَّ مات من ليلته، فلمَّا وليتُ الخلافة عملتُ بما في الورقة.
قال أحمد بن حمدون: فما عرض المعتضد في أيَّامه للعلويِّين، ولا آذى منهم أحدًا، وأحسن إليهم ووصلهم (٢).
стр. 7427
السَّنة التَّاسعة والسَّبعون بعد المئتين
فيها لثمانٍ بقين من المحرَّم خُلع جعفر المفوّض من العهد من بعد المعتمد، وبويع المعتضد [بالله] بأنَّه وليُّ العهد بعد المعتمد، وخُطب يوم الجمعة على المنابر بذلك، وأنشئت الكتب عن المعتضد إلى الآفاق، وأنَّه قد فُوِّض إليه ما كان إلى الموفَّق أبيه من الأمر والنَّهي، والولاية والعزل، وأمر المعتضد أن لا يَقعد على الطَّريق ببغداد ولا في المسجد الجامع قاصٌّ، ولا صاحبُ نجوم وزجر، وحُلِّف الورَّاقون لا يبيعوا كتب الفلاسفة والجدل ونحو ذلك، وحمل المعتضد إلى المعتمد مئتي ألف درهم، وثيابًا وطِيبًا، وإلى ابنه المفوَّض مئة ألف درهم وثيابًا وطيبًا، فطابت نفوسهما. [وهذا يدلُّ على أنَّ المعتمد كان محجورًا عليه، وأنَّ أخاه الموفَّق فعل به ذلك].
وفيها توفِّي المعتمد وولي المعتضد [بالله] (١).
الباب السَّادس عشر في خلافة المُعْتَضِد بالله
واسمه أحمد بن طلحة بنِ المتوكِّل، [وكنيته] أبو العبَّاس، [وقال الصُّولي:] وأمُّه أمُّ ولد يقال لها: خزر [وقال الخطيب (٢): اسمها] ضرار، وقيل: خفير، توفِّيت قبل خلافته بيسير، وكانت وَصيفةً لخديجة بنت محمد بن إبراهيم بن مصعب، فاشتراها بعض القوَّاد، فأهداها إلى المتوكِّل، فوهبها لجاريته [واسمها:] إسحاق أمّ الموفّق، فوهبتها [إسحاقُ] لابنها الموفَّق، فحملت بأبي العبَّاس.
ولد بسُرَّ من رأى في سنة اثنتين أو ثلاث وأربعين ومئتين.
[ذكر صفته:]
كان أسمر، نحيفَ البدن، مُعْتَدِلَ الخَلْق، قد وَخَطَه الشَّيب في مقدَّم لحيته، وكان في رأسه شامةٌ بيضاء، وكان يَخضِبُ بالسَّواد، [وكان] نقشُ خاتَمه: أحمد يؤمن بالله الواحد.
стр. 7428
[قال ابن أبي الدنيا:] وبويع بالخلافة صبيحةَ يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من رجب حين مات المعتمد، وهو ابن سبعٍ أو ستٍّ وثلاثين سنة، فولَّى بدرًا غلامَه الشُّرطةَ، وعبيدَ الله بن سليمان الوزارة، ومحمدَ بن الشَّاة الحرس، وحُجُبه الخاصَّة والعامَّة صالحًا المعروف بالأمين، فاستخلف صالح جعفرًا السَّمرقندي، وسكنت الفتن، وصَلحت الدُّنيا، وارتفعت الحروب، ورخصت الأسعار، ومال إليه كلُّ مخالف، ودانت له الأمور، وتهيَّأت له الأسباب، وانفتح له الشَّرقُ والغرب، وأسقط المُكوس من البلاد، ورفع المَظالم، وسار في النَّاس أحسنَ سيرة.
وكان يُعدُّ من رجالات بني العبَّاس، وكان أمرُ الخلافة قد ضعف، وبيوت الأموال قد فَرغت، فدبَّر وساس الملك حتَّى استقامت أمور الخلافة، وامتلأت بيوت الأموال، فقال عبد الله بن المعتزّ: [من المديد]
يا أمير المؤمنين المرجَّى … قد أقرَّ الله فيك العُيُونا
ودعينا لك ببيعة حقٍّ (١) … فسَعَينا نحوها مُسرعينا
بنفوسٍ أمَّلتْك زمانًا … سبقتْ أيديَنا (٢) طائعينا
أنت أقْرَرْتَ حَشا كلِّ نفسٍ … وفرشْتَ الأمنَ في الخائفينا
[وذكره الصُّولي في كتاب "الأوراق" قال:] وكان يسمَّى السَّفَّاح الثاني؛ لأنَّه جدَّد مُلك بني العبَّاس بعد إخلاقه، وفي ذلك يقول عليُّ بن العبَّاس الرُّوميّ (٣): [من الطويل]
هنيئًا بني العبَاس أنَّ إمامَكم … إمامُ الهدى والبأسِ والجودِ أحمدُ
كما بأبي العباس أُنشئ مُلككُم … كذا بأبي العبَّاس أيضًا يُجدَّدُ
وكان يقتل الأسد وحده لشجاعته.
[وقال المسعوديُّ في "مروج الذهب" (٤): ومع هذا] كان شَحيحًا، ينظر فيما لا ينظر فيه أقلُّ النَّاس، وكان إذا غضب على قائد عذَّبه بأنواع العذاب [وسنذكره في ترجمته].
стр. 7429
وبدرٌ الذي ولَّاه الشُّرطة كان أبوه خيرًا من موالي الموفَّق، وكان بدر يخدم الموفَّق ويحمل له العبَّاسية، فنقلتْه السَّعادة إلى أن صار عبارةً عن المعتضد.
ثمَّ بنى المعتضد قصرَه المعروف بالثُّريَّا وهو دار الخلافة، وفيه التَّاج، وكان قصر الحسن بن سهل [فجعله] المعتضد [دار الخلافة، وهو] أوَّل من سكنه من الخلفاء، وغَرِم على عمارته أربع مئة ألف دينار، وقيل: إنَّما جدَّده في السَّنة الآتية، وإنَّ قصر الثُّريا غيرُه.
وفيها قدمت عليه الهدايا، وأطاعه الخوارج، فقدم عليه في شعبان رسولُ عمرو بن اللَّيث الصَّفَّار بهدايا، وسأله ولايته على خراسان، فأجابه، فبعث إليه المعتضد بالعهد والخِلَع واللِّواء مع عيسى النُّوشري، فوصل إليه في رمضان.
وفيها قدم الحسين بن عبد الله المعروف بابن الجَصَّاص رسولًا من خمارويه [بن أحمد بن طولون إلى المعتضد] بهدية من الذَّهب العين: عشرين حِملًا على بغال، وخدم وصناديقَ وخيول بأطواق الذَّهب والفضَّة، وجواهر وبغال سروجيَّة، وزرافة، وذلك في شوال، فوصل إلى المعتضد وخلع عليه، وسَفَر ابنُ الجصَّاص في تزويج ابنة خُمارويه من عليِّ بن المعتضد وهو المكتفي، فقال المعتضد: إنَّما قصد أبو الجيش أن يتشرَّف بنا، ونحن نَزيده شَرَفًا، أنا أتزوَّجها، فتزوَّجها، وولي أمرها ابن الجصَّاص.
[فصل:] وفيها فتح أحمد بن عيسى بن الشَّيخ قَلْعة ماردين، وكانت بيد محمد بن إسحاق بن كُنداج.
وفيها صلَّى المعتضد بالنَّاس صلاة الأضحى قريبًا من القصر الحسنيِّ، فكبَّر في الأولى ستَّ تكبيرات، وفي الثَّانية واحدة، ولم يُسمَع منه خطبة.
وحجَّ بالنَّاس هارون بن محمد الهاشميّ، وهي آخر حجَّة حجَّها بالنَّاس، وكان [هارون] قد حجَّ بهم ستَّ عشرة حجَّة، أوَّلها [من] سنة أربع وستين ومئتين إلى هذه السَّنة (١).
وفيها توفي
стр. 7430
المُعْتَمِد على الله
[واسمه] أحمد بن جعفر المتوكِّل، [وكنيته] أبو العبَّاس.
كان له أشعار حسنة منها: [من مجزوء الرمل]
طال والله عَذابي … واهتمامي واكتئابي
بغَزالٍ من بني الأصـ … ـــفَر لا يَعنيه ما بي
أنا مُغرًى بهواه … وهو مغرًى باجتنابي
فإذا ما قلتُ صِلْني … كان لا منه جوابي
وله: [من مجزوء الرمل]
عجَّل الحبُّ بفُرْقه … فبقلبي منه حُرقه
مالكٌ بالحبِّ رقِّي … وأنا أملك رِقَّه
إنَّما يستروح الصَّبُّ … إذا أظهر عِشقَه (١)
بويع المعتمد يوم الثلاثاء لأربع عشرةَ ليلةً بقيت من رجب، سنة ست وخمسين ومئتين.
ذكر وفاته:
[حكى الصُّولي عن القاضي الحسين بن إسماعيل المحاملي قال:] جلس [المعتمد] في يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب بالقصر [المعروف بـ] الحَسَني على المُسَنَّاة المُشرِفة على دجلة مع المغنِّين والنُّدماء، وأكل في ذلك اليوم رؤوس الجِداء، وأصبح مُصْطَبِحًا، ثم اشتكى ليلة الاثنين ومات فيها.
[وقال المسعودي:] (٢) إنَّه سُمَّ في رؤوس الحُملان، ومات معه كلُّ من أكل منها.
وقيل: إنَّه نام فغُمَّ في بساطٍ لُفَّ فيه رأسُه فأصبح ميتًا.
وقيل: إنه سُمَّ في كأسه، فدخل عليه القاضي إسماعيل بن إسحاق بن حمَّاد ومعه شهود، فلم يروا به أثرًا، وذلك بأمر المعتضد، فغُسِّل وكُفِّن، وجُعل في تابوت قد أُعدَّ له،
стр. 7431
وحُمل إلى سُرَّ من رأى فدفن بها وهو ابن ثمانٍ وأربعين سنة، وقيل: ابن خمسين سنة.
كان أسنَّ من الموفَّق بستَّة أشهر، وعاش بعده سنة وأربعة أشهر، وكانت خلافتُه ثلاثة وعشرين سنة وشهورًا.
[وقال جدّي في "التلقيح" (١): مات ليلة الاثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من رجب سنة تسع وسبعين ومئتين فجاءة ببغداد، وحمل إلى سُرَّ من رأى، فكانت خلافته ثلاثًا وعشرين سنة وستَّة أشهر]. وقيل: وستة أيَّام، وقيل: ويومًا واحدًا.
وكان له من الولد جعفر المفوّض، ومحمد، وإسحاق، ووَزر له عُبيد الله بن يحيى بن خاقان، وسليمان بن وهب، ثمَّ صاعد بن مخلد، ثمَّ إسماعيل بن بُلبل، وقاضيه الحسن بن أبي الشَّوارب، وحاجبه موسى بن بغا.
وقال الخطيب (٢): توفِّي في صفر سنة ثمانٍ وسبعين ومئتين، وهو وهم.
وكانت عَريب جاريةَ المعتمد قد أعطاها أموالًا كثيرة، ولها فيه مدائحُ منها: [من الخفيف]
بارك الله للإمام أبي العبَّـ … ــــا س عند (٣) الأنام في المعشوقِ
وأراه فيه السُّرورَ وملَّاه … طويلَ لذيذِ عيشٍ رقيقِ
يا شبيهَ البدرِ المنيرِ كمالًا … وابن عمِّ الهادي النبيِّ الصَّدوقِ
فيم يا سيِّدي ومولاي أَشْمَتَّ … عدوِّي وسُؤْتني في صديقي
وكان المعتمد مشغولًا باللَّذَّات عن أمر الرَّعيَّة، فاستولى عليه أخوه الموفَّق وحجر عليه، واستصحب المعتضد الحال.
قال المصنِّف ﵀ (٤): أسند المعتمد الحديث، فقال إسماعيل بن عبد الله العسكري: كنَّا عند أمير المؤمنين بسُرَّ من رأى في رمضان، فلمَّا أمسينا دعا بتمرٍ فأفطر
стр. 7432
عليه على تمرة، ثمَّ ناول من حضر تمرةً تمرة، ثمَّ قال: حدَّثني أبي، حدَّثني أحمد بن حنبل، عن عبد الرَّزَّاق، عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس: أنَّ النبيَّ ﷺ كان يفطر قبل أن يصلِّي على رُطَبات، فإن لم يجد فتمرات، فإن لم يجد تمراتٍ حَسَا حَسَوات من ماء (١).
ثمَّ قال: سمعت أبي يقول: سمعت أحمد بن حَنْبل يقول: حدَّثنا عبد الرزَّاق، عن معمر، عن وَهْب بن مُنبِّه قال: إنَّ الصَّائم يَزيغ بصرُه، فإذا أفطر على الحلاوة رجع إليه بصَرُه.
قال أحمد بن يزيد المُهَلَّبي: كنَّا ليلةً بين يدي المعتمد، وكان [مع سماحة (٢) أخلاقه وكثرة جوده] كثيرَ العَرْبَدة على نُدمائه إذا سكر، فاشتهى أن يصطبح على أُترجّ، فاتَّخذ منه شيئًا كثيرًا مُفرِطًا، فاصطبح عليه، ولم يدع شيئًا من الخِلَع والصّلات إلَّا وعمله مع نُدمائه ذلك اليوم، وخصَّني منه بالكثير، وكان كثيرَ الشُّرب، وكانت عَلامتُه إذا أراد أن ينهض جلساؤه التفت إلى سرير لطيف، ويُسبِل رجليه عليه كأنَّه يريد أن يَصعده، فنقوم.
فلمَّا قام ذلك اليوم مدَّ رجله إلى السرير في أوَّل اللَّيل، فانصرفتُ إلى حُجرةٍ كانت مرسومةً لي، فلمَّا انتصف الليل دعاني بخادم، فأتيتُ مُسرعًا، فقال: أجب أمير المؤمنين، فقلت: مضى يومُنا على نهاية السُّرور، وسَلِمنا من عَربدته، فقد عنَّ له أن يُعَرْبد عليَّ، فقد استدعاني في هذا الوقت.
فأتيتُه وأنا في نهاية الجَزَع، فلمَّا رآني لم يستَجْلِسْني، وقال لخادمه: عليَّ بصاحب الشُّرطة، فقلتُ في نفسي: لم تَجْرِ عادته في العَرْبَدة بصاحب الشرطة، وما هذا إلَّا لبليَّةٍ احتيل بها عليَّ عنده.
فأقبلتُ أنظر إليه طَمعًا أن يُفاتحني بكَلمةٍ، فأرفق به في الجواب، وهو لا يرفع رأسه من الأرض، إلى أن جاء صاحب الشرطة، فرفع رأسه إليه وقال: في حبسك رجل يُعرف بمنصور الجمَّال؟ قال: نعم، قال: أحضِرْنيه الساعة، فمضى ليحضره، وسَهل
стр. 7433
عليَّ الأمر قليلًا، ووقفت وهو لا يخاطبني بشيء إلى أن أحضر الرجل، فقال له: من أنت؟ قال: أنا منصور الجمَّال، قال: وما قصَّتك؟ قال: أنا مظلوم، حُبست منذ كذا وكذا، وأنا رجل من أهل الجبل كان لي جمال، وكنتُ أعيش من فضل أُجرتها، وكان يتقلَّد بلدَنا فلان العامل، فاستدعى بي إلى الحَضْرة، فأخذ جمالي غَصْبًا يستعين بها في حمل سَواده، فتظلَّمت إليه فقال: إذا صرتَ بالحَضْرة رددتُها إليك.
فخرجتُ معه، فلمَّا بلغنا من حُلوان سلَّ الأكرادُ منها جملًا محمّلًا، فبلغه الخبر، فأحضرني وقال: أنت سرقتَ الجمل بما عليه.
ثم أمر بضَربي وتقييدي، فلمَّا ورد الحضرة أنفذني إلى الحبس، وأخذ الجمال، ولم يكن لي متظلِّم، وطالت بي المحنة إلى الآن، فقال لبعض الخدم: امض السَّاعة إلى فلان العامل، فاقعد على دماغه ولا تبرح، أو يردّ عليه جماله أو قيمتها على ما يريد، فإذا قبض ذلك فاحمله إلى الخزانة، واكسه كسوةً حسنة، وادفع إليه كذا وكذا دينارًا، واصرفه مصاحبًا.
ثمَّ قال لصاحب الشُّرطة: في حبسك رجل يُعرف بفلان الحدَّاد؟ قال: نعم، قال: أحضرنيه السَّاعة، فأحضره، فقال: ما قصَّتك؟ فقال: أنا رجل من أهل الشَّام، وكانت لي نعمةٌ فزالت، فهربتُ من بلدي، فوافيتُ الحَضْرَةَ طالبًا للتصرُّف، فتعذَّر عليَّ حتى كدتُ أتلَفُ جَزَعًا، فأُرشدتُ إلى حدَّاد يعمل ليلًا، فقصدتُه، فاستأجَرني بدرهم كلَّ ليلة، وكان معه غلامٌ آخر يضرب بالمِطْرَقة، فأفسد ذلك الغلامُ على الحدَّاد نعلًا كان يضربها، فرماه بالنَّعل الحديد، فوقعت على قُلَّته (١)، فتَلِف للوقت فهرب الحدَّاد، وبقيت أنا في الموضع متحيِّرًا.
وأحسَّ الحارس بما رابه، فهجم عليَّ، فوجدني قائمًا والغلام ميتًا، فلم يشكَّ أنِّي أنا القاتل، فقبض عليَّ ورفعني، فحُبِستُ إلى الآن.
فقال لصاحب الشرطة: خلِّ عنه، وقال لخادم آخر: خذه فغيِّر عليه حاله فاكسه، وادفع إليه خمس مئة دينار، ودعه ينصرف مُصاحَبًا.
стр. 7434
ثمَّ رفع رأسه إليَّ وقال: الحمد لله الذي وفَّقني لهذا الفعل، فقلت: كيف تكلَّف أمير المؤمنين النَّظر في هذا بنفسه في مثل هذا الوقت؟! فقال: ويحك، إنِّي رأيتُ في منامي رجلًا يقول: في حبسك رجلان مظلومان، منصور الجمَّال، وفلان الحدَّاد، فأَطْلِقْهما السَّاعة وأحسِنْ إليهما، فانتبهتُ مَذعورًا، ثمَّ نمت، فرأيت ذلك الشَّخص بعينه يقول لي: ويلك آمُرُك أن تُطلق رجلَين مظلومَين في حبسك فلا تفعل، وترجع تنام؟ فقلتُ له: يا هذا، مَن أنت؟ فقال: أنا محمد رسول الله، فقبَّلت يده وقلت: يا رسول الله ما عرفتُك، ولو عرفتُك ما جَسَرتُ على تأخير أمرك، قال: قم فاعمل في أمرهما ما أمرتُك به، فانتبهتُ، فاستدعيتُك لتَشهدَ ما يجري.
فقلت: هذه عنايةٌ من رسول الله ﷺ بأمير المؤمنين، واهتمامٌ بما يُصلح دينَه، ويثبِّتُ ملكَه، فالمنَّة لله ولرسوله، فقال: امض فقد أزعجناك.
فعدتُ إلى حُجرتي، فلمَّا كان من الغد دخلتُ عليه وهو جالس للرَّسم، فأحببت أن أعرِّف الجلساء ما جرى البارحة ليزهو بذلك، وكنتُ أعرفُ من طَبعه أنَّه يُحبُّ الإطراءَ والمَدْح، فقلت: أرى أمير المؤمنين ليس يخبر خدمه بما كان من المعجز البارحة، وعناية رسول الله ﷺ بخلافته، فقال: وما ذاك؟ فقلت: إحضاري البارحة، وإحضار صاحب الشُّرطة والجمَّال والحدَّاد، ورؤياه النبيّ ﷺ ، وما أمره فيهما، والإحسان إليهما، وإطلاقهما، فقال: والله ما أذكرُ من هذا شيئًا، وما كنت إلَّا سكران، نائمًا طولَ ليلتي، فقلتُ: بلى يا سيِّدي، فتنكَّر، وقال: قد صرتَ تُغالطني وتُخادعني بالكذب؟ فقلت: أعيذ أمير المؤمنين بالله، هذا أمر مشهور في الدَّار عند الخدم، وصاحب الشرطة نفسه، وقصصتُ عليه القصَّة، وشرحتُها له.
فاستدعى الخدم، فتحدَّثوا بمثل ما ذكرتُه، فأظهر تعجُّبًا شديدًا، وحلفَ بالبراءة من رسول الله ﷺ ، وبالله العظيم، وبالنَّفي من العبَّاس أنَّه ما يذكر شيئًا من ذلك، ولا يعلم إلَّا أنَّه كان نائمًا، ولا رأى منامًا، ولا انتبه، ولا جلس، ولا استدعى أحدًا، ولا أمر بأمر، فما رأيتُ أعجبَ من هذا المنام، ولا أظرف من هذا الاتِّفاق في كتابة ذلك.
стр. 7435
أحمد بن أبي خَيثَمة زُهير
ابن حرب بن شدَّاد، النَّسائيُّ الأصل.
كان عالمًا، حافظًا، ذا فنون، بَصيرًا بأيام النَّاس، راويةً للآداب.
أخذ علم الحديث عن الإمام أحمد بن حنبل، وابنِ معين، وعلمَ النَّسب عن مُصعب الزُّبَيري، وأيَّام النَّاس عن أبي الحسن المدائني، والآداب عن محمد بن سلَّام الجُمَحي، وصنَّف "التَّاريخ" الذي أحسن تصنيفَه، وأكثر فوائدَه.
وكانت وفاته في جمادى الأولى وقد بلغ أربعًا وتسعين سنة.
سمع عفَّان بنَ مسلم وغيرَه، وروى عنه البغويُّ، وابنُ صاعد، وابنُ المنادي، وغيرهم، وأجمعوا على دينه، وصدقه، وثقته.
ومن شعره: [من البسيط]
مَن كان لم يرَ من هذا الهوى أَثَرًا … فلْيَلْقَني فيرى آثارَ بَلواه
متيَّمٌ شَفَّه بالحُبِّ مالِكُهُ … ولو يشاء الذي أدْواه داواه (١)
[فصل وفيها تُوفِّي]
أحمد بن عبد الرَّحمن
ابن مَرْزوق، أبو عبد الله، البُزروي، البغدادي، ويعرف با بن أبي عَوْف.
[قال الخطيب:] (٢) وإليه يُنسب شارع ابن أبي عوف ببغداد، المسلوك فيه إلى نهر القلّائين.
ولد أحمد سنة أربع عشرة ومئتين، وطلب الحديث، وسمع الكثير، وكان ثقة، نبيلًا، رَفيعًا، جَليلًا، له منزلة من السُّلطان، ومودَّة في قلوب العوامِّ، وحالٌ من الدُّنيا واسعة، وطريقة في الخير مَحمودة.
وهو الذي سأل الإمام أحمد [بن حنبل] رحمة الله عليه عن بيع النَّرْجِس ممَّن يشرب
стр. 7436
المُسْكر، فقال: لا يعجبني.
[وقد أثنى عليه] إبراهيم الحربيُّ وقال: ابن أبي عوف أحد عجائب الدُّنيا، عفيفُ اللِّسان والفرج واليد.
وكان له اختصاص بعبيد الله بن سليمان الوزير، [وقد ذكر الخطيب (١) السَّبب بكلام طويل اختصرته عن ابن أبي عوف حاصله: أنَّ] ابن أبي عوف قال: كان سبب اختصاصي بعبيد الله [بن سليمان الوزير] أنِّي اجتَزْتُ يومًا بمدينة أبي جعفر، فدخلتُ جامعَ المنصور، وإذا بغَريم قد لزم عُبيد الله، وطالبه بثلاث مئة دينار، وهو في عَقيب نكبته، وكان بيننا مودَّة، فسألتُ الغريم إنظارَه، فأبى، فقلت: المال عندي إلى أسبوع، فقال: اكتب خطّك. فكتبتُ وانصرف، فشكرني الوزير، فقلت: أحبُّ أن تُتِمَّ سروري بأن تصير معي إلى منزلي، قال: نعم، فأركبتُه حماري، ومشيتُ في رِكابه، فأدخلتُه داري، وقدَّمت له طعامًا فأكل، وأخرجتُ له كيسًا فيه دنانير، وقلت: لعلَّك على إضاقة، فخُذْ منه ما شئتَ، فأخذ منه دنانير.
ثمَّ قام فخرج، فلامَتْني زوجتي وقالت: لم تقنع بأن ضَمِنتَ عنه ما لا يفي حالُك به حتَّى أعطيتَه دنانير! فقلتُ لها: ويحك يا هذه، قد فعلتُ جميلًا، وأسديتُ يدًا جليلةً إلى حرٍّ كريم من بيت كريم، وله أصلٌ خطير، فإن نفعني الله بذلك فله قصدتُ، وإن تكن الأخرى لم يضِع عند الله.
قال: وحلَّ الدَّين، وجاء الغَريم يُطالبني، فأخَّرتُه يومين لأبيع عقاري وأُعطيه ثمنَه، فبينما أنا على ذلك إذا برُقْعةِ الوزير قد جاءتني، فمضيتُ إليه، فقال: جاء الرَّجل؟ قلت: نعم، قال: فما الذي جرى؟ فقلتُ: أمهلْتُه يومين حتَّى أنادي على عقاري وأبيعه وأعطيه ثمنه، فقال: قد جاءتني غليلةٌ من ضَيعةٍ لي سَلِمت من النَّكبة، وثمنُها يفي بما ضمنتَ عنِّي، فبِعْها وأدِّ ثمنها إلى الغريم. [قال:] فبعتُها، وحملتُ ثمنَها إليه، وقلت: أنت مضيّق وأنا أعطي الغَريمَ البعض من عندي وأصبِّره، [فأبى، فقلت: لا بدَّ. وجاء الغريم، فأعطيته البعض من عندي، وصبَّرتُه] بالباقي إلى مدَّة.
ولم يمض على ذلك إلَّا اليسير حتَّى ولي عبيدُ الله الوزارة، فأحضرني من يومه، وقام من مجلسه [قائمًا]، وتلقَّاني، [وجعلني في السماء]، وكان إذا خرج ليركب دابَّتَه
стр. 7437
لا يركب حتَّى أركب دابَّتي، ويقف الوزيرُ والنَّاس حتَّى أركب، فكسبتُ الأموال الجليلة، وكلُّ ما أنا فيه من النِّعمة فمِن ذاك.
[قلت: وعبيد الله بن سليمان بن وَهْب نكبَه المعتمد مرارًا، فلمّا ولي المعتضد استكتبه واستوزره].
سمع أحمد عمرو بن محمد النَّاقد وغيره، وروى عنه أبو بكر الشافعيُّ وغيره، وكانت وفاته ببغداد (١)، وهو ثقة [انتهت ترجمته، والله أعلم] (٢).
أحمد بن يحيى بن جابر
أبو بكر، وقيل: أبو جعفر، وقيل: أبو الحسن، البَلاذُريُّ، صاحب "التاريخ"، الكاتب البغداديُّ.
طاف الدُّنيا، وصنَّف "التاريخ " ولم يصنَّف في فنِّه مثله، ومدح المأمون، وجالس المتوكِّل.
وكان شاعرًا أديبًا فاضلًا، ووفاته ببغداد، ومن شعره: [من الخفيف]
اِستعدِّي يا نفسُ للموت وابغي … لنَجاةٍ فالحازمُ المُسْتَعِدُّ
قد تيقَّنتُ أنَّه ليس للحيِّ … خلودٌ ولا من الموت بُدُّ
إنَّما أنتِ مستعيرةٌ ما سو … ف تَرُدِّيه والعَواري تُرَدُّ
أيّ مُلْك في الأرض أو أيُّ حظِّ … لامرئ حظُّه من الأرض لَحْدُ
كيف يَهوى امرؤٌ لَذاذَةَ أيَّا … مٍ عليه الأنفاسُ فيها تُعَدُّ
سمع هشام بن عمَّار وغيره، وروى عنه جمٌّ غَفير، وأجمعوا على صدقه وثقته وفضله.
وقال ابنُ عساكر: وسوس في آخر عمره (٣).
стр. 7438
خاقان أبو (١) عبد الله الصّوفي
كان له كرامات، اجتاز بشابٍّ، فقال له ابن فَضْلان الرَّازيُّ وهو جالس به: كان أبي ببغداد، وكان أبوه من الباعة، فدفع إلى خاقان دينارًا، فأخذه ولم يقلْ شيئًا، قال ابن فضلان: فتبعتُه، فاشترى بالدِّينار طعامًا، وحمله إلى مسجد الشُّونيز، فدخل، وإذا بثلاثة من الفقراء جلوس، فألقاه بين أيديهم، وقام يصلّي، فأكلوا، فلمَّا انفتل من صلاته قالوا له: لِمَ لمْ تأكل معنا؟ فقال: كنتُ مشغولًا بشابٍّ ناوَلَني دينارًا، فسألتُ الله أن يُعتِقَه من رقِّ الدُّنيا وقد فعل، قال الشابُّ: فلم أتمالك أن قعدتُ بين يديه وقلت: صدقتَ يا أستاذ، وخرج الشابُّ عن الدُّنيا.
محمد بن المُظَفَّر
ابن موسى بن عيسى، أبو الحسين، البزاز، الحافظ.
رحل إلى الأمصار، وبرع في علم الحديث ومعرفة الرجال، وتوفِّي في جمادى الأولى ببغداد.
سمع الطَّبريَّ وغيرَه، وروى عنه الدَّارقطني وغيرُه، واتَّفقوا على فضله وصدقه وثقته (٢).
فصل وفي الرّواة محمد بن المظفّر جماعة؛ فمنهم: محمد بن المظفّر بن عبد الله، أبو الحسن، البغداديّ، المعدَّل.
حكى عن جعفر الخالدي، عن الجنيد أنَّه قال: اطِّراح هذا العالم من المروءة، والاستئناس بهم حجاب عن الله، والطمع فيهم فقر الدُّنيا والآخرة.
وقال الخطيب: أنشدنا لغيره، وقيل: هما لهلال بن العلاء الباهليّ: [من الطويل]
سَيَبْلَى لسانٌ كان يعرف لفظَهُ … فيا ليته في وقْفَةِ العَرْض يَسْلَمُ
стр. 7439
وما تنفعُ الآداب إن لم يكن تُقًى … وما ضرَّ ذا تقوى لسانٌ مُعَجَّم (١)
وقال الخطيب: وأنشدنا أيضًا لأبي إسحاق إبراهيم بن هلال الصَّابئ: [من السريع]
قد كنتُ للحِدَّةِ من ناظري … أرى السُّها في اللَّيلةِ المُقْمِرَه
فالآن ما أُبصِرُ بدرَ الدُّجى … إلَّا بعينٍ تشتكي الشَّبْكره (٢)
لأنَّني أنظرُ منها وقد … غيَّر منِّي الدَّهرُ ما غيَّره
ومَن طوى السِّتِّين من عُمره … رأى أمورًا فيه مُسْتنكَرَه
وإن تخطَّاها رأى بعدها … من حادثاتِ الدَّهر ما غيَّره
وكانت وفاتُه في جمادى الأولى سنة عشرٍ وأربع مئة، وقد بلغ أربعًا وسبعين سنة (٣).
نَصْر بن أحمد
ابن أسد بن سامان.
[كان سامان] مع أبي مسلم صاحب الدَّعوة، وكان ينتسب إلى الأكاسرة، فمات سامان، وبقي ابنُه أسد مع علي بن عيسى بن ماهان، فولَّاه الرشيد خراسان، وتوفي أسد في ولايته، وخلَّف ابنَه نوحًا، وأحمد، ويحيى، وإلياس، فولي أحمد بن أسد فَرْغانة، ونوح سَمَرْقَنْد، ويحيى الشَّاش وأشْرُوسنة، وإلياس هَراة.
وكان أحمد أحسنَهم سيرة، توفِّي في أيَّام عبد الله بن طاهر، وخلَّف سبع بنين، منهم نصر بن أحمد، فولي ما كان إلى أبيه من سَمَرْقَند والشَّاش وفَرْغانة (٤)، وولَّى أخاه إسماعيل بخارى وأعمالها، وهؤلاء يُسمَّون السَّامانية، وكانوا ملوكًا.
وتوفِّي نصر بسَمَرْقَند في هذه السَّنة، وكان أديبًا، شاعرًا، فاضلًا، ثقة (٥).
* * *
стр. 7440
السَّنة الثمانون بعد المئتين
فيها في المحرَّم قبض المعتضد على محمد بن الحسن بن سَهل، ويُعرف بشَيلَمة، وكان أحدَ قوَّاد الزَّنجي إلى آخر أيامه، ثمَّ استأمن إلى الموفَّق، فبلغ المعتضد أنَّه يدعو إلى أحد أولاد المُهْتدي، فقُرِّر فلم يُقِرَّ، فهدَّده وقال: أخبرني عن الرَّجُل الذي تدعو إليه، فقال: والله لو كان تحت قدمي ما رفعتُهما عنه، فقتله.
وفي صفر خرج المعتضد من بغداد بجيوشه يريد بني شيبان، وكانوا قد عاثوا وأفسدوا، فلَحِقهم بمكان يقال له: السِّنّ، فأوقع بهم، فقتل منهم مقتلةً عظيمة، وغَرق منهم في الزَّابَيْن خلقٌ عظيم، وأخذ النساء والذَّراري، وغنم العسكرُ من أموالهم ما عَجزوا عن حمله، حتَّى بيعت الشَّاة بدرهم، والجمل بخمسة دراهم، وأمر بحفظ النِّساء والذَّراري عن التعرُّض لهم.
ثمَّ مضى المعتضد إلى الموصل، ثمَّ رجع إلى بغداد، فلقيه بنو شيبان، وتذلَّلوا، وسألوه الصَّفح عنهم، فأخذ منهم خمس مئة رجل رهائن، وردَّ عليهم نساءهم وذَراريهم، وكان مع المعتضد حادٍ يَحدو بصوتٍ شَجيٍّ، وكان يَدلُّ به، فأشرف على جبل تَوْباذ فأنشد: [من الطويل]
وأجْهَشْتُ للتَّوباذ حين رأيتُه … وهلَّل للرَّحمن حين رآني
وقلتُ له أين الَّذين عَهِدتُهم … بظلِّك في خَفْضٍ وأمن زمانِ
فقال مَضَوْا واستخلفوني مكانَهم … ومَن ذا الذي يَبقى على الحَدَثانِ
فبكى المعتضد بكاء شديدًا، وجعل يقول: ما سَلِم من الحَدَثان أحد (١).
وفيها فتح محمد بن أبي السَّاج مَراغَةَ بعد حصار طويل، وأخذ منها مالًا كثيرًا.
وفيها مات جعفر المفوَّض في ربيع الآخر، وكان محبوسًا في دار المعتضد لا يراه أحد، وقيل: إنَّ المعتضد نادمه.
стр. 7441
وفيها دخل عمرو بن اللَّيث نَيسابور في جمادى الأولى.
وفيها غزا إسماعيل بن أحمد بلادَ التُّرك من وراء النَّهر، وأسر مَلِكها وزوجتَه، وأسر عشرة آلاف [نفس]، وقتل مثلَهم، وأصاب غنائمَ كثيرة، أصاب الفارسَ ألفُ درهم من المغنم.
ومات مَسرور البلخيّ الأمير الذي كان مع الموفَّق في حصار الخبيث.
وفي ذي الحجَّة ورد كتاب من الدَّبِيل أنَّ القمر انكسف في شوَّال لأربع عشرة ليلة [خلت] منه، ثمَّ انجلى في آخر اللَّيل، فأصبحت الدُّنيا مظلمة، ودامت الظُّلمة إلى العصر، فهبَّت ريح سوداء شديدة، فدامت إلى ثلث اللَّيل، فلما كان ثلث الليل زُلْزِلوا، فأصبحوا وقد ذهب ثلث المدينة، فلم ينجُ من منازلها إلَّا قَدْرَ مئة دار، وأنَّهم أخرجوا من تحت الهدم ثلاثين ألفًا إلى تاريخ الكتاب (١)، ثمَّ زُلزلوا بعد ذلك خمس مرَّات، فكان عدَّة من أُخرج من تحت الهدم خمسون ومئة ألف.
وفيها شكا النَّاس إلى المعتضد ما يقاسونه من عَقبة حُلْوان من المشقَّة، فبعث عشرين ألف دينار فأصلحها.
وفيها زاد المعتضد في جامع المنصور، [و] دار المنصور التي كان يَسكنها، وفتح بينهما سبعة عشر طاقًا، وحوَّل المنبر والمحراب إلى مكانه اليوم، وذلك على يد القاضي يوسف بن يعقوب، فبلغت النَّفقة عشرين ألف دينار.
وفيها تمَّ بناء القصر الحسني الذي هو دار الخلافة اليوم، وتحوَّل إليه المعتضد.
وذكره الخطيب (٢) فقال: حدَّثني هلال بن المُحسِّن قال: كانت دار الخِلافة التي على شاطئ دجلة تحت نهر معلَّى قديمًا للحسن بن سهل، فلمَّا توفي صارت لبوران بنت الحسن، فاستنزلها المعتضد عنها، فاستنظرتْه أيَّامًا، ثمَّ رمَّتها وعَمَّرَتْها، وبيَّضَتْها، وفَرَشتها بأجلِّ الفَرْش، وعلَّقت أصنافَ السّتور على أبوابها، وملأت خزائنها (٣) بكلِّ ما يُخدَم به الخلفاءُ، ورتَّبت فيها الخَدَم والجواري، وأمرت المعتضد
стр. 7442
بالنُّقلة إليها، فانتقل، فرأى ما أعجبه وأدهشه، واستكثَرَه واستحسنه، ثمَّ أضاف المعتضد إلى الدَّار ما جاورها وكبَّرها، وعمل عليها سورًا جمعها [به] وحصَّنها، ثمَّ زاد المكتفي بالله بناء التَّاج على دِجلة، وعمل وراءه من المجالس والقِباب ما تناهى في سَعته وحُسْنه، ثمَّ زاد فيها المقتدر وغيره.
[قال الخطيب: كذا حدَّثني هِلال بن المُحَسِّن أنَّ بوران سلَّمت الدَّار إلى المعتضد، وذلك غير صحيح؛ لأنَّ] بُوران لم تَعِشْ إلى وقت (١) المعتضد، [ويشبه أن يكون سلَّمت الدَّار إلى المعتمد].
وفيها أمر المعتضد باتِّخاذ المَطامير في داره، وجعلها حُبوسًا لمن يَنْقُم عليه، وعمل المُطْبَق وغيره، وقيل: إنَّه خطَّ الثُّريا وأضافه إلى القصر.
وحجَّ بالنَّاس محمَّد بن عبد الله بن محمد بن داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ بن عبيد الله بن العبَّاس (٢).
البِرْتيُّ (٣)
ولي القضاء بواسط، ثمَّ ببغداد في الشَّرقية أيَّام المعتمد، فبعث إليه الموفَّق وإلى إسماعيل بن إسحاق، وقد عزم على الانحدار أن يقبضا (٤) ما في أيديهما من مال اليتامى والوقوف، فحمل إليه إسماعيل ما كان قِبَله، واستنظره البرتيّ ثلاثة أيام، وعمد إلى ما كان في يده، فدفعه إلى مَن أنس به رشدًا، وإلى الأُمناء الثِّقات، فلمَّا طولب بالمال قال: دفعتُه إلى أربابه، فعُزِل من القضاء بهذا السبب، فلزم بيتَه بالبِرْت، واشتغل بالتعبُّد.
وقال العلاء بن صاعد: رأيتُ رسول الله ﷺ في المنام ودخل عليه أبو العبَّاس
стр. 7443
البرتيُّ، فقام إليه رسول الله ﷺ ، وصافحه، وقبَّل ما بين عينيه، وقال: مرحبًا بالذي عمل بسُنَّتي وآثرني، فكان العلاء بن صاعد إذا دخل عليه البِرْتيُّ قام إليه، وقبَّل ما بين عينيه، وصافحه، وقال: هكذا رأيتُ رسول الله ﷺ يفعل.
حدَّث البرْتيُّ عن الفضل بن دُكين وغيره، وروى عنه المحامليُّ وغيره، واتَّفقوا على فضله وصدقه وورعه.
عثمان بن سعيد بن خالد
أبو سعيد، الدَّارِميّ السِّجْزيُّ، نزيل هَراة.
رحل إلى الأمصار، ولقي الشيوخ، وجالس الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه، وابنَ معين، والحفَّاظ، حتَّى قالوا: ما رأينا مثله، ولا رأى عثمان مثلَ نفسه.
وكان لا يحدِّث مَنْ يقول بخلق القرآن.
ودخل عليه أبو الحسن الطرائفيُّ بهراة، فقال له عثمان: متى قَدمتَ؟ فأراد أن يقول أمسِ، فقال: غدًا، فقال له عثمان: فأنت في الطَّريق بعدُ.
وكانت وفاته بهَراة، وقيل: في سنة اثنتين وثمانين ومئتين.
سمع حَيوة بن شُريح وغيرَه، وروى عنه أحمد بن محمد بن الأزهر وغيره، وكان حافظًا ثقة (١).
* * *
стр. 7444
السنة الحادية والثمانون بعد المئتين
فيها دخل طُغْج بن جُفّ صاحب خُمارويه من ناحية طَرَسوس لغزو الرُّوم، فبلغ طرابلون (١)، وفتح مَلُورية في جمادى الآخرة.
وفيها غارت المياه بالرّيِّ وطَبَرِسْتان، فكان يُباع الماء ثلاثة أرطال بدرهم (٢)، فغلت الأسعار، وقُحِط النَّاس، وأكل بعضهم بعضًا، وأكل إنسان ابنته.
ولليلتين خلتا من رجب شخص المعتضدُ إلى الجبل ناحية الدِّينوَر، وقلَّد ابنَه أبا محمد عليًّا الرّيَّ، وقَزْوين، وزَنجان، وأَبْهَر، والدِّينَور، وقلَّد كَتَبَتَه أحمدَ بنَ أبي الأصبغ (٣)، ونفقاتِ عسكره والضّياعَ بالرَّيِّ الحسينَ بنَ عمرو الصّزاني (٤)، وقلَّد عمر بن عبد العزيز بن أبي دُلف أصبهان، ونَهاوند، والكَرْخ، وتعجّل الانصرافَ من غلاء الأسعار وقلَّة المِيرة، فوافى بغداد يوم الأربعاء لثلاثٍ خلون من رمضان.
ولستِّ ليالٍ بقين من ذي القعدة خرج المعتضد الخَرْجة الثانية إلى الموصل عامدًا لحَمْدان بن حَمدون بن الحارث بن منصور بن لُقمان، وهو جدُّ ناصر الدَّولة، وكان قد بلغ المعتضدَ أنَّه يميل إلى هارون الشَّاري الخارجي، وأنَّه دعا له.
وكانت الأعراب والأكراد قد اجتمعوا لمَّا بلغهم خروجُ المعتضد، وتحالفوا أنَّهم يُقتلون على دمٍ واحد، فالتقَوا على الزاب، وعبَّؤوا عسكرهم ثلاثة كَراديس (٥)، وجعلوا عيالهم وأولادهم وأثقالهم خلفهم، فحمل عليهم المعتضد، ففرَّق شملَهم، فكان مَن غرق أكثر ممَّن قُتل.
стр. 7445
ثمَّ سار المعتضد إلى المَوصل، وخرج إلى ماردين وبها حمدان بن حمدون، فلمَّا قرب منه المعتضد هرب من القلعة، وخلَّف فيها ابنَه، فنزل المعتضد، ودنا من باب القلعة، وصاح بنفسه: يا ابن حمدان، فأجابه، فقال: افتح الباب، فقال: نعم، ففتحه، وقعد المعتضد على الباب، ونقل ما فيها من المال والأثاث، ثمَّ أمر بهدمها فهُدمت، ووجَّه خلف حمدان، فطُلب أشدَّ الطلب، وأُخذت الأموال كانت له مُودعة، ثمَّ ظفر به بعد ذلك فحبسه.
ثمَّ مضى المعتضد إلى مدينة يقال لها: الحسنيَّة، وبها رجل كرديٌّ يقال له: شدَّاد، في عشرة آلاف مقاتل، وكان له في المدينة قلعة يتحصَّن بها، وما زال المعتضد يُحاصره ويقاتله حتَّى ظفر به، وهدم قلعته (١).
وفي رمضان هدم المعتضد دار النَّدوة بمكَّة، وجعلها مسجدًا إلى جانب المسجد الحرام، وغَرِم عليها أموالًا كثيرة.
وحجَّ بالنَّاس محمد بن عبد الله بن ترنجة (٢).
وفيها توفي
ابن أبي الدُّنيا
واسمُه عبد الله بن محمد بن عُبيد بن سفيان بن قيس، أبو بكر، القُرشي، البغداديُّ، مولى بني أميَّة.
ولد [في سنة] ثمانٍ ومئتين، وكان مؤدِّبًا لجماعة من أولاد الخلفاء منهم المعتضد وابنه عليّ المكتفي.
وكان إمامًا، عالمًا، فاضلًا، زاهدًا، عابدًا، ورعًا، ثقةً، ذا مروءة تامَّة، ونيَّة صادقة، وله التصانيف الحسان، وبورك له فيها، والنَّاس بعده عيالٌ عليه في الفنون الَّتي جمعها (٣).
стр. 7446
قال المصنِّف رحمة الله عليه: وبلغني أنَّها مئة ونيف وثلاثون مصنَّفًا.
وقال الشيخ أبو الفرج الجوزي ﵀ في "المنتظم" (١): وصنَّف في الزُّهد أكثر من مئة مصنَّف، [ولم يذكر منها شيئًا وقد ذكرتُ ما وقع إليَّ منها.
وبعد فهذا ما وصل إلينا من مصنَّفاته] فمنها كتاب: الأولياء، والإخلاص، والإخوان، والأضاحي، وأعلام النُّبوة، وحقيقة الإيمان، وقصر الأمل، وأخبار إبراهيم بن أدهم، وأخبار الأحنف بن قيس، وذمُّ البخل، والبرّ والصِّلة، والتفكُّر والاعتبار، والتَّقوى، والتوكُّل، وأعقاب السُّرور والأحزان، والتعفُّف، والتَّهجُّد، وقيام الَّليل، والتَّاريخ، والجهاد، والجوع، والجود والسَّخاء، وحسن الظَّنِّ، والحلم، وذمُّ البغي، وذمُّ الحسد، وحكماء المجانين، وقضاء الحوائج، وعلم السُّلطان، والخائفين، والخلفاء، والحاكم، والخمول والتَّواضع، والدُّعاء، ومواعظ الخلفاء، ومجابي الدَّعوة، والذِّكر، وذمُّ الدنيا، والرّهبان، وتعبير الرؤيا، والرِّقة والبكاء، والرَّمي والنّضال، والرّغائب، والرّضا، وفضل رجب وشعبان ورمضان، وإرساله ﷺ ، والشُّكر، وفضل الصَّدقة، واصطناع المعروف، والصبر، وصدقة الفطر، والطَّاعون، ومن عاش بعد الموت، والعزاء، والعلم، وأخبار النَّاس، والعمر، والفرج، والقناعة، وقِرى الأضياف، وفضل الصَّلاة، والصَّمت، والعقوبات، والعيال، وفضائل العيدين، وفضل عشر ذي الحجة، وعاشوراء، والعقل، ومقتل عمر ﵁، ومقتل الحسين ﵇، ومقتل حُجْر بن عديّ، ومقتل سعيد بن جبير، ومقتل عبد الله بن الزُّبير، ومقتل طلحة، ومقتل عثمان رضوان الله عليه، وأخبار قريش، والقبور، وصفة القيامة، والألوية، ومداراة النَّاس، ومحاسبة النَّفس، والمحتضرين، ومكائد الشيطان، والمنامات، وذمُّ الملاهي، وذمُّ المسكر، والمرض والكفَّارات، وحكم معاوية والعمرين، والمروءة، والموت، والنوازل، والمراثي والمعازي، ومواعظ الملوك، والمعاريض، والمجالسات، وصفة الجنَّة، وصفة النَّار، والنَّوادر، والنَّوازل (٢)، ونَورُ الشَّيب، والورع، وأخبار [أويس، وأخبار معاوية] (٣) والرهائن، والهمُّ والحزن، والهواتف، وفضل لا إله إلَّا الله،
стр. 7447
وكتاب اليقين، وغير ذلك والله أعلم.
[وروى ابن ناصر بإسناده إلى عمر بن سعد القراطيسيّ قال: كنّا على باب ابن أبي الدُّنيا ننتظر خروجَه، فجاءت السَّماء بمَطَرٍ عظيم، فخرجت جاريةٌ ومعها رقعة، فدفعَتْها إلينا، فقرأناها، فإذا فيها [مكتوب]: [من الرمل]
أنا مُشتاق إلى رؤيتكم … يا أخلَّائي وسَمعي والبَصَرْ
كيف أنساكم وقلبي عندكم … حال فيما بيننا هذا المطر
[قال:] فتفرَّقنا.
واختلفوا في وفاته على ثلاثة أقوال؛ أحدها ذكره أبو الحسين بن المنادي قال: مات في سنة إحدى وثمانين ومئتين ودفن ببغداد في الشّونيزيَّة وله سبعون سنة. والثاني سنة اثنتين وثمانين ومئتين. قاله ابن قانع. والثالث في سنة ثلاث وثمانين ومئتين، والأوَّل أصح، وقد نصَّ عليه ابن المنادي، وحكاه عنه الخطيب. وصلَّى عليه يوسف بن يعقوب القاضي رحمة الله عليه (١). سمع خلقًا كثيرًا، وروى عنه خلق كثير، واتَّفقوا على صدقه وثقته وأمانته (٢).
* * *
стр. 7448
السنة الثانية والثمانون بعد المئتين (١)
فيها في المحرَّم أمر المعتضد بتغيير نَيروز العَجم الَّذي هو افتتاحُ الخراج، وأخَّره إلى حادي عشرين حزيران (٢)، وسمَّاه النَّيروز المعتضدي، وقصد بذلك الرِّفق بالرَّعيَّة [والترفيه عليهم]، فأنشأ الكتب بذلك، [وقرئت بالآفاق]، ومنع النَّاس مما كانوا يعملونه في كلِّ سنة من إيقاد النِّيران، وصبِّ الماء على النَّاس في ذلك اليوم، فكان ذلك من أحسن أفعال المعتضد في الإسلام؛ حيث أزال سُنَّة المجوس وأطفأ نارهم.
وفيها لليلتين خلتا من المحرَّم قدم ابن الجصَّاص بقطر النَّدى بنت خُمارويه من مصر ومعها أحد عمومتها، فأنزلت في دار صاعد، وكان المعتضد غائبًا بالموصل.
وفيها (٣) كتب المعتضد من الموصل إلى إسحاق بن أيوب وحمدان بن حمدون في المصير إليه، فأمَّا إسحاق فسارع إلى ذلك، وأما حمدان فتحضَّن في بعض قِلاعه، وغيَّب أمواله وحُرَمَه، فوجَّه إليه المعتضد وصيف مُوشْكير ونصر القُشوريّ وغيرهما، فصادفوا الحسين (٤) بن حَمْدان في قلعة تُعرف بالزَّعْفَران، فطلب الأمان وسلَّم إليهم القلعة، فهدمها وصيف، وسار يطلب حمدان في زورق في دجلة ومعه مال، فعبر إلى الجانب الغربيِّ من دجلة وصار إلى ديار ربيعة؛ ليلحق بالأعراب الذين كانوا هناك لما حيل بينه وبين أكراده الذين في الجانب الشرقيّ، وعبر في إثره عدد يسيرٌ من الجند، فاقتفَوا أثره حتَّى عرفوا مكانه، وكان قد نزل في ديرٍ هناك، فلمَّا علم بهم ألقى نفسه في زورق كان هناك ومعه كاتبُه زكريا بن يحيى النَّصراني، وخلَّف المال في الدَّير، فأخذه أصحاب المعتضد وحملوه إلى المعتضد، وتبعه عسكر وَصيف في الماء وعلى الظَّهر، فلمَّا رآهم خرج من الزَّورق هاربًا إلى ضَيعةٍ له شرقي دجلة، فأخذ دابَّةً لوكيله، وسار ليلته إلى أن وافى مَضْرِب إسحاق بن أيوب في عسكر المعتضد مُستجيرًا به، فأجاره
стр. 7449
وأحضره إلى المعتضد، فأمر بالاحتراز عليه، وبثَّ الخيل في طلب أسبابه، فظفروا بكاتبه وعدَّةٍ من أهله وغلمانه، وتتابع رؤوس الأكراد في الدُّخول في الأمان في آخر المحرَّم، وعاد المعتضد إلى بغداد.
ذكر دخوله بقَطْر النَّدى بنت خُمارويه:
ولخمس (١) خلون من ربيع الأول نُقلت [قطر النَّدى] إلى التَّاج المعتضدي، وذلك لأنَّه لمَّا كان يوم الأحد نودي في جانبي بغداد: لا يعبر أحدٌ في دجلة يوم الأحد، وأُغلقت أبواب الدُّروب التي على الشَّطّ، ومُدَّ على الشَّوارع النَّافذة إلى دجلة شراع بحافَّتي دجلة، ومنع من ظهور النَّاس من دورهم التي على الشَّطِّ.
فلمَّا كان وقت العتَمة وافت سفينةٌ من التَّاج المعتضدي فيها خدم (٢) معهم الشُّموع، فوقفوا عند دار صاعد، وقد أعدَّت أربع حَرَّاقات، وأنزلت قطر النَّدى في حَرَّاقة، وحُملت إلى المعتضد، فأقامت بالدَّار حتَّى دخل بها ليلة الثلاثاء لخمسٍ خلون من ربيع الأوَّل.
ذكر ما نقل من جهازها:
[قال الصُّولي:] نقل أبوها في جَهازها ما لم يُر مثله، كان من جملته أربعة آلاف تِكَّة مجوهرة، وعشر صناديق جواهر وتحف، وقُوِّم ما كان معها فكان ألف ألف دينار وعشرين ألف ألف درهم، [وأعطى أباها مئة ألف ألف دينار، وقال: اشترِ لها به من تحف العراق ما تحتاج إليه، وكان المعتضد حمل صداقها إلى مصر ألف ألف درهم] وأنواعًا من الطِّيب، ولطائف الهند والعراق شيئًا كثيرًا، وبعث لخُمارويه خُفًّا فيه جوهر لم يُر في الدُّنيا مثله، ووشاحين، وتاجًا، وإكليلًا، وقَلَنْسوة، وقَباءً كلُّه مكلَّل بالدُّر والجوهر.
وكان ابن الجصَّاص قد حبس بعضَ الجواهر عنده، وقال لقطر النَّدى: الزمان لا يُؤمن، والوقت لا يدوم على حال، فيكون هذا لكِ عندي ذخيرة، وماتت قطر النَّدى، فأخذ ابنُ الجصَّاص الجواهر [التي كان احتبسها عنده لقطر النَّدى]، ثم أخذها منه
стр. 7450
المقتدر وأضعافها [وسنذكر ذلك في ترجمة ابن الجصَّاص في السنة الخامسة عشر وثلاث مئة، ونذكر أيضًا مصادرة المقتدر له].
وقال عليُّ بن العبَّاس بن جُرَيج الشَّاعر في دخول المعتضد بقطر النَّدى [بنت خماروريه ليلة بنائها]: [من الكامل]
يا سيِّدَ العَرَب الَّذي وَرَدَتْ له … باليُمْنِ والبركاتِ سيِّدةُ العَجَمْ
فاسْعَدْ بها كسُعودها بك إنَّها … ظَفِرَتْ بما فوقَ المطالب والهِمَمْ
شمسُ الضُّحى زُفَّتْ إلى بَدْرِ الدُّجَى … فتكشَفَتْ بهما عن الدُّنيا الظُّلَمْ
ظَفِرَتْ بمالئ ناظرَيها بَهْجَةً … وضَميرها نُبْلًا وكفَّيها كَرَمْ (١)
[قلت: وقوله: شمس الضحى زفَّت إلى بدر الدُّجى؛ فيه نظر، لأنَّ أرباب الهيئة يقولون: إنَّ الشمس ذكر والقمر أنثى] (٢).
وفيها خرج المعتضد إلى الجبل، فبلغ الكَرَج، وأخذ أموالًا لابن أبي دُلَف، وكتب إليه يطلب منه جوهرًا كان عنده، فبعث به إليه، وتنحَّى من بين يديه.
وفيها أطلق المعتضد لؤلؤًا غلامَ ابنِ طولون، وحمله على دوابّ وغيرها.
وفيها بعث المعتضد الوزيرَ عُبيد الله بن سليمان إلى الرّيّ إلى ابنه عليّ.
وفيها بعث محمد بن زيد العلويّ من طَبَرِستان إلى محمد بن الوَرْد العطَّار ببغداد نيفًا وثلاثين ألف دينار؛ ليفرِّقها على أهله العلويَّة ببغداد والكوفة، ومكَّة والمدينة (٣)، فسُعيَ به إلى بدر المعتضدي، فأحضره، وسأله عن ذلك فقال: نعم، إنَّه في كلِّ سنة يبعث إليَّ بمثل هذا، فافرِّقه فيمن يسرّ إليهم من أهله، فأخبر بدر المعتضد فقال: يا بدر، تذكر الرُّؤيا التي أخبرتك بها منذ زمان؟ قال: لا، قال: أما أخبرتُك أنَّ أبي الموفَّق دعاني وقال لي: اعلم أنَّ هذا الأمر سيصير إليك، فانظر كيف تكون مع آل علي بن أبي طالب ﵁؟ قال: ثمَّ رأيتُ كأنِّي خارج بغداد أريد ناحية النَّهْرَوان في جيشي وقد تشوَّف النَّاس إليَّ، إذ مررتُ برجلٍ واقفٍ على تلّ يصلِّي لا يلتفت إليَّ، فعجبتُ منه ومن قلَّة اكتراثه بي
стр. 7451
وبعسكري، فأقبلتُ إليه، ووقفتُ بين يديه، فلمَّا فرغ من صلاته قال: أقبِلْ. فأقبلتُ إليه، فقال: أتعرفني؟ قلت: لا، قال: أنا عليُّ بن أبي طالب، خذ هذه المِسْحاة -لمسحاة بين يديه- فاضرب بها الأرض، فأخذتُها، وضربتُ بها ضَرَبات، فقال: إنَّه سَيَلي من ولدك هذا الأمر بعدد ما ضَربتَ بها في الأرض، فأوصِهم بولدي خيرًا. قال بدر: بلى يا أمير المؤمنين، قد ذكرتُ، قال: فأطلِق الرجل والمال.
وأمره أن يكتبَ إلى صاحبه بطَبَرِستان أن يوجّه بما يوجِّهه إليه ظاهرًا، وأن يفرِّق محمد بن وَرْد ما يفرِّقه ظاهرًا، وتقدَّم بمعونة محمد على ما يريد (١).
وفيها عاد الوزير عُبيد الله من الرِّيّ إلى بغداد، فخلع عليه المعتضد.
ولثمانٍ بقين من شهر رمضان وُلد للمعتضد وَلدٌ من ناعم جاريةِ أمِّ القاسم بنت محمد بن عبد الله، فسمَّاه جعفرًا، وسمَّى هذه الجارية شغب.
وفيها قدم بغداد إبراهيمُ بن أحمد الماذَرائيُّ لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي الحجَّة من دمشق على السَّماوة في أحد عشر يومًا، وقيل: في سبعة أيام، فأخبر المعتضد أنَّ خُمارويه [بن أحمد بن طولون] ذُبح على فراشه.
وكان المعتضد قد بعث مع ابن الجصَّاص هديّةً إلى خُمارويه ورسالة، وخرج [ابن الجصَّاص] إلى سرَّ من رأى، فردَّه المعتضد إلى بغداد في ذي الحجَّة لسبع بقين منه.
وحجَّ بالنَّاس محمَّد بن عبد الله المعروف بابن ترنجه (٢).
وفيها توفِّي
إسماعيل بن إسحاق (٣)
ابن إسماعيل بن حمَّاد بن زيد بن دِرْهَم، أبو إسحاق الأزديُّ، القاضي، البصريُّ، مولى جرير (٤) بن حازم.
стр. 7452
ولد سنة تسع وتسعين ومئة، وقيل: سنة مئتين، ونشأ بالبصرة، وسمع الحديث الكثير، وكان فاضلًا، مُفتيًا، فقيهًا على مذهب مالك، وشرح مذهبه ولخَّصه، وصنَّف "المسند" وكُتبًا كثيرة في علوم القرآن، وأقام قاضيًا نيِّفًا وخمسين سنة.
رفع المعتضد إلى عبيد الله بن سليمان يقول: واستوصِ بالشيخين الخيِّرين الفاضلين إسماعيل بن إسحاق الأزديّ وموسى بن إسحاق الخَطْميِّ خيرًا؛ فإنَّهما ممن [إذا] أراد الله بأهل الأرض سوءًا دفع عنهم بدعائهم.
وقال المبرِّد: ماتت أمُّ إسماعيل، فعزَّاه الجِلَّة من النَّاس، فلم يقبل عزاءً، فأنشدته: [من المتقارب]
لَعَمري لئن غال رَيبُ الزَّما … نِ فينا لقد غال نَفْسًا حَبيبَهْ
ولكنَّ عِلمي بما في الثَّوا … بِ عند الرَّزِّيَةِ أَنْسى المُصِيبَةْ
فزال عنه ما كان به.
وكانت وفاته ليلة الأربعاء لثمانٍ بقين من ذي الحجَّة وقتَ صلاة العشاء الآخرة فجأة.
سمع خلقًا كثيرًا منهم عليُّ بن المدينيّ وغيره، وروى عنه عبد الله بن الإمام أحمد وغيرُه، وأجمعوا على صدقه.
[وفيها توفِّي]
خُمارَويه بن أحمد بن طولون
ويقال له: خُمار، وأمُّه أمُّ ولد يقال لها: ميَّاس (١).
ولد بسرَّ من رأى [في] سنة خمس وخمسين ومئتين، وولي بعد أبيه إمرة مصر ودمشق والثُّغور.
[وقد ذكرنا أنَّه التقى بأبي العبَّاس المعتضد في سنة إحدى وسبعين في شوَّال، وانكسر خمارويه، ويقال: إنَّه دخل مصر على حمار، وإنَّ سعدًا الأعسر خرج من الكمين على أبي العباس فهزمه، وأنَّه زوج المعتضد ابنته قطر الندى على يد ابن الجصَّاص، وبعث معها بالأموال والتُّحف والجواهر.
стр. 7453
ذكر مقتله:
حكى الحافظ ابن عساكر في "تاريخه" عن محمد بن صالح الدمشقي قال: كان خمارويه، كثير الفساد مع الخدم [متجرِّئًا على الله تعالى في ذلك،] دخل الحمَّام مع جماعة منهم، فطلب من بعضهم الفاحشة، فامتنع الخادم حياءً من الخدم [الذين كانوا معه]، فأمر خمارويه أن يُضرب، فلم يزل يصيح إلى أن مات في الحمَّام، فأبغضه الخدم [وكرهوه، وسألوا الفقهاء: ما حدّ اللواط؟ فقالوا: القتل].
وكان قد بنى قصرًا بسفح قاسيون أسفل من دير مُرَّان يَشرب فيه، فدخل تلك الليلة الحمَّام، فذبحه خَدَمه، وقيل: ذبحوه على فراشه وهربوا.
ويقال: إنَّ بعض الخدم تولَّع بجارية لخمارويه، فتهدَّده بالقتل، فاتَّفق مع الخدم على قتله، وكان ذَبْحُه منتصف ذي الحجَّة [من هذه السنة]، وقيل: لثلاثٍ خلون منه.
وكان طُغْج بن جُفّ في القصر في تلك اللَّيلة، وبلغه الخبر، فركب وتبع الخدم، وكانوا نيفًا وعشرين خادمًا، فأدركهم، فقتلهم وصلبهم.
وحُمل أبو الجَيش خمارويه في تابوت إلى مصر، وصلَّى عليه ابنه جَيش. [قال ابن عساكر:] ويقال: إنَّه دُفِن إلى جانب (١) أبي عبيد البُسْري، فرآه بعض أصحابه في المنام فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي بقربي من أبي عبيد ومجاورته (٢).
ثمَّ ولي [بعده] ابنُه جَيش، فقتلوه بعده بيسير، ثم ولَّوا أخاه هارون بن خُمارويه، وقرّر على نفسه أن يحمل إلى المعتضد [في] كلّ سنة ألف ألف دينار وخمس مئة ألف دينار.
فلمَّا ولي المكتفي عَزَله، وولّى محمد بن سليمان الواثقي، فاستصفى أموال آل طولون، وكان هارون آخر ولاتهم.
وكان عمرُ خُمارويه حين قُتل سبعًا وعشرين سنة، وقيل: اثنتين وثلاثين سنة.
ورثاه أحمد بن سعيد أبو بكر الطَّائي: [من البسيط]
стр. 7454
مضى الأميرُ أبو الجيش الكريمُ فقد … مضى النَّدى والشَّذى والجودُ والكرمُ
فكادت الأرضُ إعظامًا لمقتله … تَنْهَدُّ والشَّامخاتُ الشُّمُّ تَنْهَدِمُ
قال المصنِّف ﵀: وهذا أحمد بن سعيد الطَّائي ذكر له [لحافظ] ابن عساكر في "تاريخه" حكايتين؛ الأولى: قال أحمد بن سعيد الطَّائي: حدثنا أبو العبَّاس بن قهيدة، عن عمرو بن الحسن قال: رأيتُ إبليس في منامي راكبًا على كَرْكَدن يسوقه بأفعى، فقال: يا عمرو بن الحسن، ما حاجتك؟ فدفعت إليه رقعة، فوقّع فيها: [من السريع]
ألم ترَ القاضي وأعوانَهُ … ما يفعلُ اللهُ بأهلِ القُرى
بلى ولكن ليس من شُغله … إلَّا إذا استعلى أذلَّ الوَرَى
فليتَ أنِّي متُّ فيمن مضى … ولم أعشْ حتَّى أرى ما أرى
وكلُّ ذي خَفْضٍ وذي نِعمةٍ … لا بدَّ أن يَعلو عليه الثَّرى
ثم كتب: الحسد صيَّرني إلى ما ترى، وغشُّ بني آدم [ينفق عليهم]، ثمَّ ضرب كركدنه بالأفعى ومضى.
والحكاية الثانية عن [أبي] سليمان بن زَبْر قال: اجتمعتُ أنا وعشرةٌ من المشايخ في جامع دمشق فيهم أبو بكر أحمد بن سعيد الطَّائي، نقرأ فضائل عليِّ بن أبي طالب رضوان الله عليه، فوثب إلينا نحوٌ من مئة رجل، وضربونا، وسحبونا إلى الخضراء إلى الوالي، فقال لهم أبو بكر الطَّائي: ياسادة، اسمعوا، إنَّما قرأنا اليوم فضائل عليّ، وغدًا أقرأ لكم فضائل أمير المؤمنين معاوية، وقد حَضَرتْني أبيات، فإن رأيتم أن تسمعوها، فقالوا: هات، فقال على البَدِيه: [من السريع]
حبُّ عليٍّ كلُّه ضَرْبُ … يَرْجُفُ من خِيفته القَلْبُ
ومَذهبي حبُّ إمام الهدى … يزيدَ والدِّينُ هو النَّصْبُ
مَن غَيرَ هذا قال فهو امرؤ … ليس له عقلٌ ولا لُبّ
والنَّاسُ مَن يَنْقَدْ لأهوائهم … يسلمْ وإلَّا فالقَفا نَهْبُ
قال: فخلّوا عنَّا، فقال الطَّائي: والله لا سكنتُ بلدًا يجري علينا فيها ما قد جرى، وخرج من وقته فأقام بحمص (١).
стр. 7455
[وفيها توفي]
الحافظ أبو زُرْعَة
[واسمه] عبد الرحمن بن عمرو بن عبد الله بن صفوان بن عمرو، النَّصْريُّ، الدمشقي. [وقال ابن ماكولا: نَصْري بالنون (١).
ذكره الحافظ ابن عساكر وقال:] بيانت داره بدمشق عند باب الجابية شرقيِّ زقاق الأسديين عن يمين الدَّاخل.
رحل إلى البلاد، ولقي الشيوخ، وكتب عنهم وكتبوا عنه، وكان إمامًا، عادلًا، عالمًا، فاضلًا، زاهدًا، ورعًا، جوادًا، صالحًا، شيخ الشَّام في وقته، يرحل إليه العلماء من الآفاق، ويأخذون عنه، فلم يزل يُسمع الحديث والنَّاس مقبلون عليه إلى أن توفِّي بدمشق في جمادى الآخرة من هذه السَّنة، وقيل: في سنة ثمانين، أو إحدى وثمانين ومئتين.
سمع خلقًا كثيرًا: أبا نُعَيم الفَضْل وغيرَه، وروى عنه أبو داود السِّجستاني [وابنه عبد الله بن أبي داود] (٢).
محمد بن جعفر المتوكِّل
كان فاضلًا شاعرًا، وهو القائل لمَّا أراد أخوه المعتمد الخروج إلى الشَّام والدُّنيا مضطربة: [من المتقارب]
أقول له عند توديعه … وكلٌّ بعَبْرَته مُبْلِسُ
لئن بَعُدتْ عنك أجسامُنا … لقد سافرتْ معك الأَنْفُسُ
بلغ المعتضد أنَّه كاتب خُمارويه فأهلكه، وقيل: إنَّما أهلكه لمَّا ولي الخلافةَ في سنة تسعٍ وسبعين ومئتين (٣).
[وفيها توفي]
محمد بن عبد الرحمن
ابن محمد بن عُمارة بن القَعْقاع ابن شُبْرُمَة، أبو قَبِيصة، الضَّبِّي [أخو عبد الله بن شُبْرُمة].
стр. 7456
كان صالحًا عابدًا مجتهدًا.
[وحكى الخطيب عن إسماعيل بن عليٍّ الخُطَبيّ قال:] قال [محمد بن عبد الرحمن]: تزوَّجتُ بأمِّ أولادي هؤلاء، فلمَّا كان بعد الإملاك بأيَّام قصدتهم للسلام، فاطَّلعت من شقِّ الباب، فرأيتُها، فأبغضتُها، وهي معي من ستِّين سنة.
وقال إسماعيل بن عليِّ: [وكان هذا الشيخ من أَدْرس مَن رأينا للقرآن]، سألتُه عن أكثر ما قرأ في يوم -وكان يوصف بكثرة الدَّرس وسُرعَتِه- فامتنع أن يخبرني، فلم أزل به حتَّى قال لي: إنَّه قرأ في يوم من أَيَّام الصَّيف الطوال أربع ختمات، وبلغ في الخامسة إلى "براءة"، وأذَّن المؤذن للعصر، وكان من أهل الصِّدق، وتوفي في ربيع الأوَّل.
سمع سعيدَ بن سليمان [الواسطيَّ] وغيره، وروى عنه الخُطَبيُّ وغيرُه، وكان ثقة (١).
[وفيها توفي]
أبو العَيناء
[الضَّرير، صاحب الحكايات والمُلَح، واسمه] محمد بن القاسم بن خلَّاد، مولى [أبي جعفر] المنصور.
وأصله من اليَمامة، ويعرف بأبي عبد الله اليَمامي، وإنَّما سمِّي بأبي العيناء؛ لأنَّه سئل ما تصغير عين؟ فقال: عُيَين.
[قال الخطيب:] ولد بالأهواز سنة إحدى وتسعين ومئة، ونشأ بالبصرة، وذهب بصرُه بعد أربعين سنة، وطلب الأدبَ، وكتب الحديث، وسمع من الأئمة، وكان حافظًا للنَّوادر، سريعَ الجواب، فصيحًا (٢).
قال: قال لي المتوكِّل: قد أردْتُك لمجالستي، فقلت: لا أُطيق ذلك، ولا أقول هذا جَهلًا بمالي في هذا من الشَّرَف، ولكنِّي رجل مَحْجُوب، تختلف إشاراته، ويخفى عليه الإيماء، ويجوز علي أن أتكلَّم بكلام غضبان ووجهُك راضٍ، وبكلام راضٍ ووجهُك
стр. 7457
غضبان، ومتى لم أميِّز بين هذين هلكتُ، قال: صدقتَ، ولكن تَلْزَمُنا. قلت: [لزوم] (١) الغَرَض الواجب، فوصلني بعشرة آلاف درهم.
[ذكر طرف من أخباره:
قال الخطيب (٢) بإسناده إلى أحمد بن القاضي، عن أبي العيناء أنَّه حدَّثه قال: أتيتُ عبد الله بن داود الخُرَيبي، قال: ما جاء بك؟ قلت: الحديث، قال: اذهب فاحفظ القرآن، قلت: قد حفظتُه، قال: اقرأ ﴿وَاتْلُ عَلَيهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾ [يونس: ٧١] فقرأتُ العَشْر حتَّى أنفدته، قال: اذهب الآن فتعلَّم الفرائض، قال: فقلت: قد تعلَّمتُ الصُّلب والجدَّ، قال: فأيّما أقرب إليك ابن أخيك أو ابن عمِّك؟ قال: فقلت: ابن أخي، قال: ولِمَ؟ قلت. لأن أخي من أبي، وعمِّي من جدِّي. قال: اذهب فتعلَّم العربية، فقلت: قد تعلّمتها قبل هذين، قال: فلم قال عمر بن الخطاب حين طُعن: يالله يالِلمسلمين، لِم فَتَح لام الله، وكَسَر لام المسلمين؟ قال: قلت: فتح الأوَّل على الدُّعاء، وكسر الثانية على الاستعانة والاستنصار. قال: اذهب، لو حدَّثتُ أحدًا لحدَّثتُك].
وقيل: إنَّ المتوكِّل قال: أشتهي أن أنادم أبا العيناء لولا أنَّه ضرير، فقال أبو العيناء: إنْ أعفاني أمير المؤمنين من رؤية الأهلة، وقراءة نَقْشِ الخواتيم، فإنِّي أصلحُ.
وكان يقول: لَحِقَتْنا دعوة الرَّجل الصَّالح عبد الله بن حسن بن حسن، دعا المنصور جدّي خَلّادًا وكان مولاه، فقال له: إنِّي أريدك لأمر قد أهمَّني واخترتُك له، وأنت عندي كما قال أبو ذؤيب الهذلي: [من المتقارب]
أَلِكْني إليها وخيرُ الرسو … لِ أعلَمُهمْ بنَواحي الخَبَرْ (٣)
فقال: أرجو أن أبلُغَ رِضى أمير المؤمنين، قال: صِرْ إلى المدينة، وأظهر لعبد الله بن حسن أنَّك من شيعته، وابذُلْ له الأموال، واكتب إليَّ بأنفاسه وأخبار ولدِه، فأرضاه، ثمَّ علم عبد الله أنَّه أُتي من قِبَله، فدعى عليه وعلى نسْله بالعمى، [قال:] فنحن نتَوارث ذلك إلى السَّاعة.
стр. 7458
وتأخَّر رزق أبي العيناء، فشكا إلى عبيد الله بن سليمان (١)، فقال: ألم نكن كتبنا لك إلى ابن المدبّر، فما فعل في أمرك؟ فقال: جرَّني على شَوْك المَطْل، وحَرمني ثمرةَ الوَعْد، فقال: أنت اخترتَه، فقال: وما عليَّ وقد اختار موسى قومَه سبعين رجلًا، و [ما] (٢) كان فيهم رجل رشيد، فأخذتهم الرجفة، واختار النبي ﷺ ابنَ أبي سَرْح كاتبًا، فلحق بالكفار، واختار عليُّ بن أبي طالب أبا موسى فحكم عليه.
وقال: [الخطيب: انتقل أبو العيناء من البصرة إلى بغداد فأقام بها.
قال: وسبب انتقاله ما رواه الصولي عن أبي العيناء قال: حدثني عن سبب خروجه من البصرة وسكناه بغداد قال:] اشتريتُ غلامًا يُنادَى عليه ثلاثون دينارًا ويساوي ثلاث مئة دينار، وكنتُ أبني دارًا، فدفعتُ إليه عشرين دينارًا يُنفقها على البناء، فجاءني بعد أيَّام، وقال نَفِدت النَّفَقَةُ، فقلت: ارفع حسابَك، فرفعه فإذا به عشرة دنانير، قلت: فأين الباقي؟ قال: اشتريتُ به ثوبًا مُصْمَتًا وقطعتُه، قلتُ: مَنْ أمرك بهذا؟ قال: يا مولاي لا تَعجل، فإنَّ أهلَ المروءات والأقدار لا يَعيبون على غِلمانهم إذا فعلوا فعلًا يعود بالزَّين على مواليهم، [قال:] فقلت في نفسي: أنا اشتريتُ الأصمعيَّ ولم أعلم (٣).
قال: وأردت تزوّج امرأة، فأطلعتُه على ما في نفسي، وقلتُ: اكتم ذلك عن بنت عمِّي، فقال: أنا نِعم العونُ لك على الخير، فتزوَّجتُها، ودفعتُ إليه دينارًا، وقلت: اشترِ لي كذا وكذا ويكون فيه سمكًا هازِبَى (٤).
فمضى واشترى جميعَ ما أمرته به، واشترى سمكًا مارماهى (٥)، فقلت له: ما هذا؟ فقال: رأيتُ بُقْراط يقول: السَّمك الهازبى يولّد السَّوداء، ووصف المرماهى، فقلت: يا ابن الفاعلة، ما علمتُ أني اشتريتُ جالينوس، وقمتُ إليه أضربُه، فضربتُه عشرَ مَقارع، فلمَّا فرغتُ أخذ المِقْرَعة وضربني سبعًا، وقال: الأدب ثلاث، والسبعةُ فَضْل، وهي قِصاص، فخفتُ عليك من القصاص غدًا، فاستوفيت منك اليوم، فغاظني جدًّا
стр. 7459
فرميته (١) فشَجَجْتُه، فمضى من وقته إلى ابنة عمِّي، فأَخبرها أنّي تزوَّجتُ، وقال: قال ﷺ : "من غشَّنا فليس منَّا" (٢) وقد تزوَّج مولاي واستكْتَمَني، والدِّين النَّصيحة، فلمَّا قلتُ له: لا بدَّ من تعريف مولاتي، ضربني بالمقارع وشجَّني.
[قال:] فمنعتْني بنتُ عمي من دخول الدَّار، وحالت بيني وبين ما فيها، ووقعنا في تَخبيط، فلم أَرَ الأمر يَصلُح حتَّى طلَّقتُ المرأة، ولم أقدر من بنت عمِّي أن أكلِّمه، وسمَّتْه النَّاصحَ، فقلت: ما لي إلا أن أُعتقه وأستريحَ منه، فعَتَقْتُه فقال: الآن وجب عليَّ حقُّك، ما أُفارقك.
وجاء أوان الحجِّ، فجهَّزتُه وزوَّدتُه، ومضى فغاب عنِّي عشرين يومًا وعاد، فقلت: ما الخبر؟ فقال: قُطِع عليَّ الطَّريق، والله تعالى قال: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وأنا غير مستطيع، ثمَّ أرادَ الغَزو (٣) فجهَّزته، فلما غاب عنِّي بعتُ كلَّ ما أملكه بالبصرة من عَقار وغيرِه، وخرجت منها خوفًا أن يرجع.
[وحكى] الصُّولي قال: دخلتُ على أبي العَيناء في آخر عمره وقد كُفَّ بصرهُ، فسمع صَريرَ قَلمي على الدَّفتر فقال: مَن هذا؟ قلت: عبدُك وابن عبدك محمد بن يحيى الصُّولي، قال: بل ولدي وابن أخي، ما تكتب؟ قلت: جُعلتُ فداكَ، أكتبُ شيئًا من النَّحو والتَّصريف، فقال: النَّحو من العلوم كالملح في الطَّعام (٤)، إذا أكثرتَ منه صارت القِدْرُ زُعاقًا، يا بنيّ إذا أردتَ أن تكون صدرًا في المجالس فعليك بمعاني القرآن والفقه، وإذا أردتَ أن تكون مُنادمًا للخلفاء وذوي المروءات فعليك بنُتَفِ الأشعار، ومِلحَ الأخبار، [وقال: الزُّعاق: الماءُ المالح].
وسأل القاضي ابن أبي دؤاد أبا العيناء (٥): ما أشدَّ ما أصابك في ذهاب بصرك؟ فقال: خَلَّتان؛ إحداهما: أنَّه يَبدؤني رجل بالسَّلام، وكنتُ أحبُّ أن أبدأه، والثانية:
стр. 7460
ربَّما حدَّثتُ رجلًا فيُعرض عنِّي، وأحبُّ أن أعرف ذلك لأقطع حديثي عنه، فقال أحمد بن أبي دؤاد: أمَّا مَن كافأك بابتداء السَّلام فقد كافأتَه بحُسن النِّيَّة، وأمَّا مَن أعرض عن حديثك فما أكسبَ نفسَه من سوء الأدب أكثر ممَّا وصلت إليه من حُسن استماعه (١).
وحضر أبو العيناء مجلسَ بعض الوزراء، فوصف جودَ البرامكة، فقال الوزير: هذا من كَذِب الورَّاقين، فقال أبو العيناء: فلِمَ لا يكذب الورَّاقون عليك؟!
ودخل [أبو العيناء] على المتوكِّل سنة ست وأربعين ومئتين وهو في قصره الجَعفريّ، فقال له: كيف ترى هذا القصر؟ فقال: يا أمير المؤمنين، النَّاس يبنون القصور في الدُّنيا، وأنت قد بنيت الدُّنيا في قصرك.
وقال له يومًا: ما تقول في عبيد الله بن خاقان؟ فقال: نِعْمَ العبد إنَّه أوّاب، وكان عبيد الله قائمًا على رأس المتوكِّل (٢).
ذكر وفاته:
[واختلفوا فيها، فحكى الخطيب أنَّه] قدم بغداد فأقام بها مدَّة طويلة، ثمَّ ركب في زَورق يريد البصرة، فيه ثمانون نفسًا، فغرق الزَّورق بمَن فيه، فلم يَسلم إلَّا أبو العيناء، فأُخرج حيًّا، فركب في زورق آخر، فلمَّا وصل إلى البصرة مات بها في هذه السَّنة.
و [حكى الخطيب أيضًا عن القاضي أحمد بن كامل] قال: مات [أبو العيناء] ببغداد في جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين [ومئتين] وحُمل إلى البصرة في تابوت، وقد جاوز تسعين سنة (٣).
أسند الحديثَ عن أبي عاصم النَّبيل [وأبي زيد الأنصاريِّ] وغيرهما، وأخذ الأدب عن الأصمعي وغيره، ولمَّا قدم بغداد كتب عنه أهلُها، ولم يسند من الحديث إلَّا القليل، والغالبُ على رواياته الأخبارُ والحكايات.
* * *