والثانية: من رمى بيت المقدس بنشابة رجعت النشابةُ عليه.
والثالثة: وضع كلبًا من خشب على باب البلد، فمن كان عنده شيء من السِّحْر واجتاز بالكلب نبح عليه، فإذا نبح عليه نسي ما عنده من السحر.
والرابعة: وضع بابًا، فمن دخله وكان ظالمًا ضغطه ذلك الباب حتى يعترف بظلمه.
والخامسة: وضع عصًا في محراب بيت المقدس، فلا يقدر أن يمسَّها إلا مَنْ كان من ولد الأنبياء، فإن كان من غيرهم أخرَقَتْ يَدَهُ.
والسادسة: أنهم كانوا يَحبِسون أولاد الملوك في المحراب، فمن كان من أهل المملكة فإذا أصبح أصابوا يده مطليَّة بالذُهن (١)، وذكر حديث السلسلة التي كانت لسليمان وسنذكرها.
قال ابن سيرين: صنع سليمان قبة في المسجد وطلاها بالخُضْرة، وصقل حائطها، فكان إذا دخلها الرجل الصالح استبان خياله في الحائط أبيض، وإذا دخلها الفاسق استبان ظله أسود.
فصل في فِطْنَة سليمان
حدثنا غير واحد عن أبي البَركَات الحافظ المعروف بابن الأنماطي بإسناده عن محمد بن كَعب القُرَظى قال: جاء رجل إلى سليمان فقال: يا نبيَّ الله، إنَّ جيراني يسرقون إوَزِّي، فنادى: الصلاة جامعة، ثم خطبهم وقال في خطبته: وأحدكم يسرقُ إوزَّ أخيه ثم يدخلُ المسجدَ والريشُ على رأسه، فمسحَ رجل منهم يده على رأسه، فقال سليمان: خذوه، فإنَّه صاحبكم (٢).
وقال أبو نعيم الأصفهاني: حدثنا سليمان بن أحمد بإسناده عن مَكْحُول عن أبي هريرة قال: بينما سليمان بن داودَ ﵇ في موكبه إذ مرَّ بامرأة تصيح بابنها: يا لا دين، فوقف سليمان فقال: إن دين الله الظاهر، وأرسل إلى المرأة فسألها عن ذلك
стр. 772
فقالت: إنَّ زوجها سافر ومعه شريكٌ له ثم قدم، فزعم أن زوجها مات، وأَوصى إلى شريك له إنْ ولد له غلام يسمِّيه: لا دين، فسأل سليمان عن الشريك وطلبه، فحضر بين يديه وقال له: ما هذا؟ وهدده فاعترف بأنه قتل أبا الغلام، فقتله سليمان (١).
فصل في تعليمه منطق الطَّير
روى أبو صالح عن ابن عباس في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل: ١٦] كما نفهم لغة بني آدم. وقال مقاتل: كان سليمان جالسًا فمرَّ به طائر يرفرف ويصيح، فقال سليمان لجلسائه: هل تدرون ما يقول هذا الطائر؟ قالوا: الله أعلم وأنت يا نبيَّ الله، قال: إنه يقول: السلام عليك أيها الملِكُ المسلَّط على بني إسرائيل، أعطاك الله الكرامة وأظهرك على عدوِّك، إني لمنطلق إلى فراخي وأعودُ إلى خدمتك. قال سليمان: وإنَّه سَيرْجع إلينا. قال: ومضى الطائر ثُمَّ عاد فوقف على سليمان، ثم قال لسليمان: أيها الملك إن أَذنتَ في أن أكتسب لفراخي حتى يشبُّوا ثم آتيك فافعل بي ما شئتَ، فأخبرهم سليمان بما قال وأَذِنَ لهُ.
وقال فرقد السبخي: مرَّ سليمان على بلبل وهو على شجرة يحرك رأسه ويترنم ويميل ذنبه فقال: هل تدرون ما يقول؟ قالوا: لا، قال: إنه يقول: أكلت اليوم تمرة فعلى الدنيا العفاء. وقد ذكر الثعلبي "في تفسيره" العَجَائبَ من هذا الجنس، والله أعلم (٢).
فصل في ممرّه على وادي النمل وغيره
قال الله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ١٧].
قال مقاتل: ﴿يُوزَعُونَ﴾ أي: يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا.
قال مجاهد: كان قد جعل الله على كل صنف منهم وَزَعةً يحبسون أُولاهم على
стр. 773
أخراهم حتى يقف كلُّ صنف منهم عند حدِّه ولا يتقدم في السَّيْر كما يفعل الملوك.
وأصل الوَزْعِ: الكفُّ والمَنْعُ.
وقال وهب: مرَّ سليمان على وادي النَّمل، واختلفوا فيه، قال قوم: هو بالطَّائِف، وقال قوم آخرون: بالمغرب، وقيل: بالساحل، وقيل: بالمشرق.
فخرجت نَملة عرجاء اسمها منذرة، فجعلت تمشي وتتكَاوَس (١)، فلما رأتِ البساط وما عليه من الجيوش ذُهلت ونادت، فقالت: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨] الآية، فألقت الريحُ قولها في سمع سليمان ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ [النمل: ١٩] ووقف ببساطه. قال الضَّحَّاك: اسمها طاخية، وقال مقاتل: حرمى. ثم أحضرها بين يديه وقال لها: حذَّرتِ إخوانكِ ظلمنا والأنبياءُ لا يظلمون، قالت: معاذ الله. قال: فكيف قلت: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ [النمل: ١٨] فأجابت بجوابين:
أحدهما: قالت: أما سمعتَ قولي: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨].
والثاني: أنها قالت: ما أردت حطم النفوس، وإنما أردت حطم القلوب، خفت أن يتمنَّين ما أُعطيتَ فيَشتغِلْنَ عن ذكر الله ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ (٢).
قال جدي ﵀: إنَّما تبسم ضاحكًا من فصاحتها، لأنها جمعتْ في الآية الفصاحة كلَّها وذلك لأن قولها: ﴿يا﴾: نادت، ﴿أيها﴾: نبَّهت، ﴿النمل﴾: عيَّنتْ، ﴿ادخلوا﴾: أمرت، ﴿مساكنكم﴾: نضَّت، ﴿لا يَحطِمَنكم﴾: حذَّرت، ﴿سليمان﴾: خصَّت، ﴿وجنوده﴾: عَمَّت، ﴿وهم لا يشعرون﴾: عَذَرتْ (٣).
قال مقاتل: قال لها سليمان: عِظيني، فقالت: لمَ سُمِّي أبوك داود وأنت سليمان؟ قال: لا أدري. قالت: لأنه داوى جرحه بمراهم التوبة فوداه ربه، وأنت سليم، آن لك أن تلحق بأبيك (٤).
стр. 774
وقد ذكرنا أنها قالت له: إني لأجد رائحة الحسد من قولك: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥].
قال وهب: كانت النملة بقدر الذئب (١).
وفي حديث ابن عباس مرفوعًا وموقوفًا: نهى رسولُ الله ﷺ عن قَتْلِ الهدهُد والصُّرَد والنَّخلَة والنّملَة (٢).
قال وهب: احتاج سليمان إلى حِنطَةٍ فبعث إلى وادي النَّمل فاقترض منهم، فقالت النملة: إلى غداةِ غدٍ، فلما أصبحوا إذا الوادي بأسره حِنطة، فلما أخصبت الأرض بعث إليهم سليمان أضعاف ذلك، فأخذوا مثلما أقرضوا وردُّوا الباقي، فأرسل إليهم سليمان يَعتِبهُم على ذلك، فقالت النَّملة: إنَّا معاشر النَّمل لا نأكل الربا.
وحدثنا عبد الله بن أبي المَجْد الحربي وجدي رحمة الله عليهما قالا: حدثنا هبة الله ابن الحسين بإسناده عن أبي الصديق النَّاجي قال: خرج سليمان يَسْتَسقي، فمرَّ بنَمْلَة وقد استلقت ورفعت قَوائمَها إلى السماء وهي تقول: اللهم إنَّا خلقٌ من خَلْقِكَ ليس لنا غنًى عن سؤالك، فإمّا أن تَسقِيَنَا وإمَّا أنْ تُهلِكَنَا، فقال سليمان: ارجعوا فقد سُقيتم بدعوة غيركم، قال: فَسُقُوا (٣).
وقال عبد الله بن أحمد بإسناده عن وهب بن منبه قال: ركب سليمان يومًا على الريح فمرَّ بحرَّاثٍ فنظر إليه فقال: لقد أوتي ابن داودَ ملكًا عَظِيمًا، فحملت الرّيح كلامه فأَلْقَتْه في أذن سليمان، فنزل من البساط ووقف على الحرَّاث فقالْ قد سمعتُ ما قلتَ وإنَّما مشيتُ إليك لئلا تتمنَّى ما لا تقدر عليه، لتَسبيحةٌ واحدة يقبلها الله خيرٌ مما أُوتي آل داود، فقال الحرَّاث: أَذهبَ الله همَّكَ كما أذهبتَ همّي (٤).
وفي رواية: أنَّ الحرَّاث لمَّا قال ذلك ناداه مَلَكٌ مِنَ السماء: لَتَسبيحةٌ واحدةٌ خيرٌ
стр. 775
مما أوتي ابن داود، قال: ولمَ؟ قال: لأن التَّسبيحَة تبقى ومُلْك ابن داود يَفنى.
وفي رواية: أنَّ الحرَّاث لما رأى البساط قال: لو أن ابن داود عندي كلَمته بثلاث كلماتٍ، فأوحى الله إليه انزل إليه، فنزل سليمان وقال: ما الكلمات؟ قال:
أما الأولى، فإني قلتُ: والله ما سليمان في لذةٍ التذَّ بها أمسِ وأنا في تعبٍ تعبته أمس إلا سواءً، فلا هو واجد لَذَّة أمس ولا أنا وجدْتُ تعبَ أمس.
والثانية: قلتُ: سليمان يموت وأنا أموت.
والثالثة: قلتُ: سليمان سأل وأُعْطيَ وأنا لا أسأل (١)، فخرَّ سُلَيْمان يبكي ويقول: إلهي لولا أنك جَواد لا تبخل لسألتك أنْ تَنْزعَ عنِّي ما أعطيتَني.
قال كعب: مرَّ سليمان في طريقه إلى اليَمَن على يَثْرِب فقال: هذه مُهاجَرُ نبيٍّ يُبعثُ في آخر الزمان، فطوبى لمن رآه وآمن به. قال: ثم مرَّ على البيت فرأى حوله أصنامًا تُعبدُ من دون الله فجاوزهُ لم ينزل عنده، فبكى البيتُ، فأوحى الله إلى البيت: سأملؤك وجوهًا سجدًا، وأُنزل فيك قرآنًا، وأبعثُ منك نبيًا في آخر الزمان هو أحبُّ أنبيائي إليَّ، وأُسْكِنُ حَولك عُمَارًا من أمَّته يعبدونني ويمجِّدونني ويطهِّرونك من الأصنام، وأفترضُ زيارتك عليهم، يَزِفُّون إليك زَفيف النسور إلى أوكارها، ويحنُّون إليك حنينَ النوق إلى أولادها، وسيعود إليك سليمانُ ويَقضي واجبَ حقِّكَ. فلمَّا عاد نزل به وكسر الأصنام وطاف به وذبح الذبائح وقضى نُسُكَه (٢).
فصل في عرض الخيل على سليمان
وهل عقرها قبل وقوع المحنة أو بعدها؟ فيه قولان.
قال الله تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ [ص: ٣١] العشيّ: ما بعد الزَّوال، لأن النهار قسمان غداة وعشي، فالغداة من طُلُوع الفجر إلى وقت الزَّوال، والعشيُّ ما بعد الزَّوال إلى غروب الشمس.
стр. 776
والصافنات: الخيل التي تقوم على ثلاث قوائم وقد أقامت الأخرى على طرف الحافر من يد أو رجل. قاله مجاهد وابن زيد، واختاره الزَّجاج واحتجَّ يقول الشاعر:
أَلِفَ الصفُونَ فَمَا يَزَالُ كأنَّهُ … مِمَّا يَقُومُ عَلى الثَّلاثِ كَسِيْرا (١)
قال الفرَّاء: إنَّها القائمة، سواء أكانت على ثلاث قوائم أو على أربع، ومنه قول النبي ﷺ : "مَنْ أَحبَّ أنْ يَقُومَ لَهُ الرِّجَالُ صفونًا فليتبوَّأ مقعدَهُ مِنَ النَّار" (٢).
وأما الجياد: فهي السِّراعُ في الجَري.
وفي سبب عرضها عليه أقوال:
أحدها: أنه أراد جهاد عدوٍّ له، قاله علي ﵇.
والثاني: أنها أُخرجت له من البحر، قاله الحَسَن ووهب.
وقال وهب: قيل لسليمان: إنَّ خيلًا بَلْقَاء لها أَجنحةٌ تطير بها وإنَّها تردُ ماءَ كذا في جزيرة كذا وكذا، فأمر الشياطين بإحضارها فأخذوا سلاسل ولجمًا وجاؤوا إلى العين التي تشرب منها، فسكبوا فيها الخمر، فجاءت فشربت، فوضعوا اللُّجُمَ في رؤوسها والسلاسل في أعناقها وجاؤوا بها إليه فاستعرضها (٣).
والثالث: أنه ورثها عن أبيه فعُرضت عليه، قاله ابن السَّائب.
والرابع: أنه غزا أهل دمشق فأصابها منهم، فجلس يعرضها، قاله مقاتل.
واختلفوا في عددها على أقوال:
стр. 777
أحدها: أنها كانت ألف فرسٍ، قاله ابنُ السائب الكلبي.
والثاني: أربعين، قاله كعب، وقال: ظلمها بعقرها، فسلبه الله ملكه أربعين يومًا.
والثالث: أربعة عشر، قال كعب: فعاقبه الله بزوال ملكه أربعة عشر يومًا.
والرابع: كانت عشرين، قاله مقاتل وإبراهيم التيمي.
وحكى جدي في "التبصرة" قولين: أحدهما عن وهب: أنها كانت ثلاثة عشر ألفًا.
والثاني: عشرين ألفًا. عن سعيد بن [جبير و] مسروق (١).
والقولان بعيدان. ويحتمل أن الكاتب أراد أن يقول ثلاثة عشر أو عشرين فزاد ألفًا.
قال ابن عباس: صلى سليمان الظُّهر وقعد على كرسيِّه وهي تُعرَض عليه حتى فاتته صلاة العصر فاغتمَّ لذلك قال: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص: ٣٣] فعرقبها وقربها إلى الله، قال مقاتل: وبقي منها مئة فرس، فجميع ما في أيدي الناس من الخيل من تلك المئة.
قال محمد بن السائب الكلبي: ورد عليه قوم من الأزد أصهاره فقالوا: يا نبيَّ الله إن أرضنا شاسعة فزوّننا زادًا يبلّغنا، فأعطاهم فرسًا من تلك الخيل وقال: إذا نزلتم منزلًا فاحملوا عليه غلامًا واحتطبوا، فإنكم لا تورون نارًا- أو ناركم- حتى يأتيكم بصيد، ففعلوا ذلك، فكان الغلام لا تقع عينه على شيء من الصيد فيفلت، فما زالوا كذلك حتى وصلوا إلى بلادهم فسمَّوه: زاد الراكب، فأصلُ فحولِ العرب من نتاجه (٢) قال: وكان فحل مالك بن عامر الذي يقال له: أعوج منها، ويقال: إنه كان لعمرو بن نهيك، وفيه يقول لبيد (٣):
مَعاقِلُنَا التي نأوي إليها … بَناتُ الأَغوَجيَّةِ والسُّيوفُ
ومنها: الغَضْبَان فرسٌ كان لهارون الرَّشيد، وسنذكره.
قال مقاتل: مازالت الخيل تُعرض عليه حتى فاتته صلاة العصر وكان مَهيبًا، فلم
стр. 778
يتجاسر أحدٌ أنْ يذكِّره، فلما غابت ذَكَر فقال: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ أي: الخيل ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢] يعني الصلاة.
واختلفوا في معنى قوله ﴿ردوها عَلىَّ﴾ على قولين:
أحدهما: أنه أشار إلى الخيل، في قولِ عامَّة المفسرين.
والثاني: إلى الشمس، كأنه قال: يا ملائكة الله رُدُّوا الشمسَ عليَّ، أي: أمسكوها، وكانت قد غابت.
فإن قيل: فقد وقفت الشمس ليُوشَع بن نُون، وكان سليمان أعظمَ منه مُلكًا، فالجواب من وجوه:
أحدها: يوشع إنما سأل وقوفَ الشمس ليجاهد في سبيل الله، وسليمان كان مشغولًا بالزينة والنظر إلى الخيل لا لأجل الجهاد، وخاف يُوشَع دخول السبت، أما سليمان فلا.
والثاني: أن فتح أَريحا كان معجزة، لأنه شرع فيه وأتمَّه يُوشَع، وموسى أفضل منه، فكان وقوف الشمس من معجزات موسى.
والثالث: أنها بعد الغروب لا يمكن عودها لاختلاف الأفلاك، أما وقوفها فممكنٌ لأنها تسير قليلًا قليلًا.
وفي المراد (١) بالمسح قولان:
أحدهما: أنه ضَرَبها بالسيف، رواه أُبيُّ بن كعب عن رسول الله ﷺ (٢).
والثاني: أنه كوى سوقها وأعناقها وحبسها في سبيل الله. حكاه الثعلبيُّ (٣).
والعلماء على الأول.
فإن قيل: فكيف جاز له ذلك، وعقوبة مَن لم يذنب على وجه التَّشفِّي من فعل
стр. 779
الجَبَابِرة لا من فعل الأنبياء؟
فالجواب: أنه نبيٌّ معصوم، فلم يكن يفعل إلا ما أجيز له فعله، وجائز أن يُباحَ له ما يمنع منه في شرعنا، على أنه إذا ذبحها كانت قربانًا، فما وقع منه تفريط، ألا ترى أنَّ الله سخَّر له الرِّيح مكانها، ولو كان ذلك الفعلُ حرامًا لما فعله، لأنَّ الأنبياء لا يفعلون الحرام (١).
وقد قال علي ﵇: كان عقر الخيل بعد الوقوع في المحنة، ولما بلغه قول كعب: إنَّه عقر أربعين فرسًا فَسَلَبَه اللهُ الملك أربعين يومًا فقال: كذبَ كعبٌ، إنَّما كان عقر الخيل بعد المحنة ولا عَرقَبها إلا لمَّا فاتته الصلاةُ، وأنبياء الله لا يَظلمون ولا يأمرون بالظلم.
قال ابن عباس: كان عقر الخيل قبل المحنة، وهو الظاهر، لأن المحنة كانت في آخر عمره، لما يذكر.
قال: وقد قال أبو حنيفة: يُكره أكل لحوم الخيل لما فيه من تقليل آلة الجهاد، قال ﷺ : "الخَيْل مَعقُودٌ في نَوَاصِيها الخَيْر والنَّيْلُ إلى يَومِ القيَامَةِ" (٢). وهذا دَليل على أنَّها مكرمة وفي الذبح إهانتها. وعند الباقين من الفقهاء: لا يكره لأنَّها من المباحات كالإبل والبقر والغنم، والفرق لأبي حنيفة ظاهر لما عرف من مسائل الخلاف.
فصل في قصة الهدهد وبلقيس (٣)
قال الله تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠]. وقال الجوهري: الهدهد طائر معروف، والهداهد مثله، وهداد حي من اليمن (٤).
стр. 780
قال علماء السِّير: إنما تفقد الهدهد من دون سائر الطيور لوجهين:
أحدهما: لأنه كان يدلُّه على الماء، قاله ابن عباس ﵁.
والثاني: لأن سليمان كان إذا سافر جلس على كرسيه، وتوضع الكراسي عن يمينه وشماله، وتقوم الجنُّ في خدمته، وتظله الطير، ولكلِّ جنس مقام، وكان موقف الهدهد على رأسه يُظلُّه من الشمس (١).
قال ابن عباس ﷺ : كان هذا بعد فراغه من بناء البيت المقدس، فإنه عزم على دخول الحجاز واليَمَن، فسار في جنوده على عادته والبساطُ يُقِلُّه، فأتى حرم مَكَّة فنزل به، وأقام أيامًا يطوف بالبيت ويسعى وَيعتمر، ويذبح كلَّ يوم خمسة آلاف ناقة وعشرة آلاف بقرة وعشرين ألف شاة.
وقال مجاهد: قال سليمان لأصحابه: هذا مكان شريف يخرج منه نبيٌّ كريم اسمه محمد، وفي "التوراة": أحمد، يُعْطى النَّصر على مَن ناوَأه، وتبلغُ هيبَتُه مسيرةَ شهر، القريب والبعيد عنده في الحقِّ سواء، لا تأخذه في الله لومةُ لائم، يدين بدين الحنيفية، يخرج بعد ألف عام، ثم كسر الأصنام وقضى نُسُكَه. وقيل: إنَّه قال: وإنَّ اسمه لفي زبر الأنبياء: منيب، ثم دخل إلى اليمن.
وكان كثير الغزو لا يَسمع بملك في أطراف الأرض إلا غزاه وأَذلَّه، فسار من مكة يؤمُّ سُهيلًا حتى أتى موضع صَنْعَاء، ولم تكن بُنيَتْ بعد، وإنما أتى مكانها وقت الزوال، وكان قد خرج من مكة وقتَ الفجر، وذلك بمقدار سير شهر للراكب المجدِّ، فرأى أرضًا خضراء فأعجبته، فنزل بها ليتغدّى ويصلي الظُّهر، فطلب الماءَ فلم يجد، فسأل الشياطين فقالوا: لا يَعلمُ مكانَ الماء إلا الهدهد، فطلبه فلم يجده.
قال ابن عباس: كان الهدهد يدُلُّه على الماء، وهو يراه من تحت الأرض كما يراه الإنسان في كأسه، ينقر الأرض فيعرف مكان الماء ويستخرجه الشياطين، ولما سمع نافع بن الأزرق هذا من ابن عباس قال: كيف يبصر الماءَ من تحت الأرض ولا يبصر الفخَّ حتى يجيء فيقع فيه فيأخذ بعنقه؟! فقال له ابن عباس: وَيحَك إذا جاء القَدَر حال
стр. 781
دونَ البصر (١).
وقال جدي ﵀: كان الهدهد ينظر إلى الماء في باطن الأرض كما ينظره في الزجاج، غير أن القدر إذا نصبَ فَخَّ شخصٍ بُدِّل عَذْبُ نظرِهِ بالأُجاج.
قال ابن عباس: لما نزل سليمان بأرض صَنْعَاء قال الهدهد: إنَّ سليمان قد اشتغل بنزوله عني، فارتفع نحو السماء فنظر الدنيا يمينًا وشمالًا، فرأى بستان بِلْقيس، فمال إلى الخضرة فنزل به، وإذا بهدهدٍ في البستان، وكان هدهدَ بلْقيس، واسمه: عفير، واسم هدهد سليمان: يعفور. فقال له عفير: من أين أقبلت؟ فقال: من الشام مع صاحبي سليمان بن داود. قال: ومَن سليمان؛ قال: ملِكُ الإنس والجن والطير والوحش والرِّيح، فَمَن أنتَ؟ فقال: أنا صاحبُ بلْقيس، مَلِكة عظيمة. فقال له يعفور: أقول لك نبي الله ابن نبي الله داود آتاه الله ملكًا عظيمًا، وأنت تقول امرأة، فقال: هي وإن كانت امرأة فإن تحت يدها اثني عشر ألف قائد- أو قَيْل- تحت يد كل قائد مئة ألف مقاتل. كذا ذكر الثعلبي (٢).
وحكى الثعلبي عن ابن عباس أنه قال: كان معها مئة ألف قَيْل مع كل قَيْل مئة ألف، وقد ذكره جدي في "التبصرة" وفيه بعدٌ (٣).
وقال قتادة: كانت تحت يدها اثنا عشر ألف قَيْل، تحت يَد كل قَيْل اثنا عشر ألفًا- والقَيْل بلغة حمير دون الملك- فهل أنك منطلق معي حتى تنظر إلى مُلكها؟ فقال: أخاف أن يتفقدني سليمان وقتَ الصلاة إذا احتاج إلى الماء، فقال عفير: إنَّ صاحبك يسرُّهُ أن يأتيه خبر هذه المرأة، أو الملكة. فانطلقَ به فأراه قصرها ومُلْكها، وما رجع إلى سليمان إلى وقت العصر.
قال مقاتل: وأمَّا سليمان فلما تفقَّده ولم يره قال: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل: ٢٠] ومعناه ما للهدهد لا أراه، فَطُلِبَ فلم يوجد، وقيل: إنما طلبه
стр. 782
لأنه أخلَّ بالخدمة وترك النوبة في مقامه، وقيل: لأجل الماء، وقد رجح بعضهم أنه إنما تفقده لكونه أخلَّ بالخدمة لا لأنه كان يديه على الماء، قالوا: لأنَّ سليمانَ في عظمته ومملكته أجلُّ من أن يحتاج إلى هدهد يديه على الماء. وليس هذا القول، بشيء لأنَّ عامة العلماء وابن عباس على أنه كان يدلُّه على الماء. والمعنى فيه: أنَّ الله جعله دليلًا على الماء إظهارًا للكمال والقدرة وتعجيزًا لسليمان مع عِظم مملكته، فأحوجه إلى طير حقير يدلُّه على الماء الذي به بقاءُ الأَرواح، ليعلم أنَّ الكمالَ لله، ولئلا يعجب بنفسه.
وقوله: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ قيل: معناه بل كان. ثم توعده فقال: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ واختلفوا فيه على أقوال:
أحدها: لأنتفنَّ ريشه، قاله ابن عباس والجمهور.
والثاني: لألقينَّه في الشمس ممعوطًا، قاله زيد بن أسلم.
والثالث: لأَجعلنه في قفص، قاله عكرمة.
والرابع: لأحبسنَّه مع غير أبناء جنسه، قاله قتادة.
والخامس: لأُفرقنَّ بينه وبين أحبابه، قاله الحسن.
والسادس: لأمنعنَّه من خدمتي (١).
ثم قال: ﴿لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ جعل الذبح آخر العذاب ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٢١] أي: بحجة واضحة. وقال ابن عباس: كل سلطان في القرآن، فالمراد به الحجة (٢).
قال مقاتل: ولما غضب سليمان على الهدهدِ دعا بعرفاء الطُّيور وهما النسر والعُقاب، وقيل: إنما دعا بالعُقاب، وهو ملك الطير، فقال: عليَّ الساعةَ بالهدهد، فارتفع العُقاب إلى عنان السماء فنظر يمينًا وشمالًا فرأى الأرض كالقصعة، ونظر نحو اليمين وإذا بالهدهد قد أقبل، فانقضَّ عليه العُقاب، فعلم أنه يريده بسوء، فقال له:
стр. 783
بالذي أَقْدَرَكَ عليَّ إلّا ما رحمتني، فقال: وَيحك إنَّ نبيَّ الله قد آلى أنْ يُعَذِّبك عذابًا شديدًا فقال: وما استثنى؟ قال: بلى، قال: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ وجاء فوقف بين يدي سليمان خاشعًا ذليلًا فتواعده بالعذاب، فقال له: اذكر وقوفك بين يدي الله أذلَّ من وقوفي بين يديك، فانتفض سليمان من خَشية الله تعالى ثم قال له: أين كنت؟ قال: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل: ٢٢]. قال ابن عباس. ومعنى ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيد﴾ [النمل: ٢٢]، أنه غاب عنه من الظهر إلى العصر، قال مقاتل: ومعنى ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ أي علمتُ بما لم تعلم مع عظيم سُلْطانك وحقارتي.
فإن قيل: فمن أين للهدهد هذا الإقدام على مثل سليمان؟ فالجواب من وجوه: أحدها: أنه لما قيل له إنَّ سليمان قد توعَّدك قال: أما قوله: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾ فتهديد مَلِك، والحلمُ أحسن. وأما قوله: ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ فقول من لم ينظر في العواقب ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ سؤال لازم يقتضي الجواب وهو على ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾. فقيل له: كيف تجاسر الهدهد على هذا؟ فقال: وهو الثاني: إنّ الهدهد كان مُحِقًّا والمحقُّ ما يخاف.
والثالث: إنه قول مستقبل والمستقبل لا يلتفت إليه.
والرابع: أنه شغله بحديث يحتاج إلى فكرة ورويَّة، وفي تلك المدة يسكن الغضب، ألا ترى إلى قوله: ﴿سَنَنظُرُ﴾.
والخامس: أنه شغله بذكر الزوجة ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ [النمل: ٢٣] فكأنه يقول: إنْ لم تكن بك رغبة في تزويجها فارغب في مالها بطريق الاستيلاء، ومهما حصل لك من القسمين فهو فدائي من القتل.
والسادس: اشتغلْ عن قتل عاجز بين يديك بذكر عجزك عن قادر يقتدر عليك.
والسابم: أنا مؤمن وقومُها وهي كفار، فاشتغل بقتلهم عن قتلي. ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [النمل: ٢٤] فاشتغلْ بقتل من يسجد لغير الله عن قتل من يسجد لله.
والثامن: أنَّ الأنبياء إنما بُعثوا بالعدل، ومن العدل أن تكون العقوبة على قدر
стр. 784
الذنب، فلم جعلتَ غايةَ الحدود وهو القتل في مقابلة ساعة؟
والتاسع: إن فاتكَ الماء فما فاتك المال والملك.
والعاشر: أن لابدَّ للخادم من ساعة يستريح فيها ويتشاغل بمصالح نفسه عن مخدومه.
والحادي عشر: أنا وإن غبتُ عنك ساعةً فإنما كنت في خدمتك ومصالحك، وقد أقام القرآن عذري ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بعَيدِ﴾.
والثاني عشر: لمَ قدمتَ العقوبةَ قبل إتيان الحجة ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾ هلَّا قلت: إن لم يأت بحجَّةٍ عذّبته.
والثالث عشر: إنما ينبغي أن يُهدَّدَ بالقتل المماثل في المرتبة.
والرابع عشر: ليس العجب من تهدُّدِكَ لي مع القدرة، وإنما العجب من مناظرتي وأنا عاجزٌ عن ردِّ القتل.
والخامس عشر: إنني قد عَرَّفتكَ حالةً ما فهمها غيري، فإذا قتلتني لم تجد من يدُلُّكَ على مثلها، فيفوتك ما هو أعظم من قتلي.
والسادس عشر: إنَّك ادَّعيتَ أن الله قد آتاك ملكًا لم يُؤْتِه أحدًا من قبلك، أفترضى أن تكون قدرتك على قتل طُوَيرٍ حقير أَقبلَ مِن عند مَن أُوتيتْ من كلِّ شيءٍ ولها عرشٌ عظيم؟
والسابع عشر: أنَّ مِن عادة الملوك إذا أرسلوا رسولًا في مهمِّ أحسنوا إليه، أفيحسنُ بك وقد أتيتك بخبر لو اجتمع عليه رسل الدنيا وطيورها لما قدروا على الإتيان بمثله، أنْ تكون جائزتي القتل.
والثامن عشر: إنَّك إذا قتلتني على ذنبٍ حقير، نَفَر عنك أربابُ الدولة، فدع قتلي حفظًا لدوام مُلكك.
والتاسع عشر: إنني من بعض رعاياك وأنت مسؤولٌ عنِّي فكيف تقتلني، فجزاء سيئة سيئة مثلها.
والعشرون: إنك إنما عزَّ عليك غيبتي لفوات الماء، وكم قد فاتني حظِّي منك وما
стр. 785
طالبتك به.
والحادي والعشرون مثله: إنك إنما عزَّ عليك غيبتي لفوات الماء وكم قد فاتني حظي منك وما طالبتك، وإنَّ العفوَ أحسنُ مِنَ العقوبة فاين تأثير ﴿فَيَتبِعُونَ أحسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨].
والثاني والعشرون: هلَّا تذكرتَ ذنبكَ الذي أوجب أَخذَ الخاتم منك، واشتغلت به عن يسير ذَنبي؟
والثالث والعشرون: أنَّك تدَّعي الفِطنة، وأنا قد أتيتك بحجةِ ذكيٍّ ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾.
وقوله: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ عامة القُرَّاء على عدم صرف "سَبَأ"، وهو اختيار أبي عبيد والحسن وأبي عمرو وابن كثير، جعلوه اسمًا للقبيلة، وصرفه آخرون جعلوه اسمًا لرجل معروف (١).
قال أحمد بن حنبل بإسناده عن ابن عباس قال: سئل رسول الله ﷺ عن سَبَأ أَرَجلٌ هو أو امرأة أم أرض أم جبل أم واد؟ فقال النبي ﷺ : "بَلْ رَجُل وَلَد عشرةً، سكن اليَمَنَ منهم ستة، والشامَ أربعة، فأما اليمانيون فَمَذْحِج وكنْدَة والأَزْدُ والأَشْعَرِيُّون وحِميَر وأَنْمَار، وأمَّا الشاميون فلَخْم وجُذَام وعَامِلَة وغسَّان" (٢).
وقال الزبير بن بَكار: هو سَبَأ بن يَشْجُب بن يَغرُب بن قَحْطان، قلت: وهذا يدل على صرفه.
﴿بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢] أي: لا شك فيه.
قوله: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ واختلفوا في اسمها واسم أبيها:
فقال ابن عباس: هي بلْقِيس بنت ذي شرح بن الحارث بن صيفي (٣) بن سَبَأ بن
стр. 786
يَشْجُب بن يَعْرُب بن قَحطان، ويلقب أبوها بالهدهاد.
وقال عكرمة: بِلْقِيس بنت شراحيل بن ذي جَدَن.
وقال قتادة: بلْقِيس لقب لها، واسمها: بلقمة بنت ذي شرح، وقيل: بنت الشيصبان، وقيل: اسمها ليلى.
وحكى أبو القاسم في "تاريخ دمشق" عن الحسن أنَّ سَبَأ مدينة باليمَن، وبِلْقِيس من حِميَر بنت شرحبيل، قال: وقال الحسن البصري أيضًا: أنَّ ملكة سبا اسمها ليلى.
وحكى أبو القاسم أيضًا في "تاريخه" أنَّ ذا القرنين مَلَكَ الأرض كلَّها إلا بلاد بِلْقِيس، وكان هو القرنين إذا أراد أنْ يحارب أهل مدينة لبس ثيابَ المساكين، ودخل المدينة فكشف عورتها قبل أنْ يقاتل أهلها. فأخبرت بلْقيس بذلك، فبعثت مَنْ صوَّر صورته في زيّ المساكين ثُمَّ جعلت تطعم المساكين في كلِّ يوم، فإذا أكلوا اعترضتهم واحدًا واحدًا إلى أنْ جاء ذو القَرنين فعرفته، فقالت: والله لا أفارقك إلا أن تكتب لي كتابَ أمانٍ على مُلكي، وإلا قتلتكَ. فكتبَ لها (١).
قلت: والعجب مِن أبي القاسم كيف يحكي مثل هذا، وذو القرنين كان في زمان الخليل ﵇، وأين زمان الخليل من زمان سليمان، بينهما ألوف سنين.
ثم ذكر أبو القاسم أنَّ بلقِيس لم يَطُل عمرها وأنها ملكت سبع سنين، وهذا تناقض ظاهر.
وحكى المسعودي من هذا الجنس فقال: إن أبا بلْقِيس خرج يومًا يتصيد فرأى حيتين بيضاء وسوداء، فأمر بقتلهما فانتفضتا، فخرج رجل وامرأة وإذا بالمرأة ابنة الرجل فرآها جميلة، فزوَّجه أبوها إياها، فولدت بلْقيس (٢).
قال أبو القاسم في "تاريخ دمشق": سئل الحسن البصري عن قول النبي ﷺ : "أحد أبوي بلقيس كان جنيًّا"، فأنكر ذلك وقال: إن المرأة من الجِنِّ لا تلد من الإنس (٣)، كأنه ضعَّف الحديث.
стр. 787
وذكر قتادة: أنَّ أحد أبويها كان جِنِّيًا وأنَ مؤخر قدميها مثل حافر الدَّابة، وكانت تسكن بمَأرِب.
وقد روى أبو هريرة عن النبي ﷺ ما ذكره الحسن، ولا يصحُّ، وإنما هو موقوف على أبي هريرة.
وقال ابن الكلبي: كان أبوها من عظماء الملوك، وُلد له أربعون مَلِكًا، وكان يملك اليمن كلَّها ويقول: ليس من ملوك الأطراف من يكافيني، فتزوج امرأة من الجن يقال لها: ريحانة بنت السكن، فَوَلَدت له بلقمة، وهي بِلْقِيس، ولم يكن له ولد غيرها. ولما مات أبوها طمعت بِلْقِيس في المُلْك فأطاعها بعض قومها وعصى عليها البعض، وملَّكوا عليهم رجلًا وافترقوا فرقتين كلُّ فريقٍ استولى على طرف من الأرض، فمدَّ ذلك الرجل يده إلى أموال الرَّعية وحرمهم، وكان يفجر بالنِّساء فكرهوه، وأرسلت إليه بِلْقِيس ترغبُ فيه فتزوجها، فلما زُفَّتْ إليه سقته الخمرَ حتى سكر وذبحته، ونصبت رأسه على باب قصرها، فعَظُمتْ في أعين الناس وأطاعوها، وعلموا أنها تزوَّجته حيلة لتريحهم منه، فقالوا: أنتِ أحقُّ بالملك مِن غيرك، فقالت: إنما قتلته حميَّةً على نسائكم وغيرةً عليكم، فدعوا لها (١).
وقال جدي ﵀ في "تاريخه" وفي "التبصرة": إنَّ أباها مَلَك سنةً ثم احتُضِر، فاستخلفها وعهد إليها، ودعا أَشرافَ قومه وأخبرهم بذلك، لما عَرَف مِن رأيها وحُسن تدبيرها، فقال له بعضهم: أتدعُ أشرافَ قومك وأفاضِلَهم وتستخلفُ امرأة؟ فذكر لهم حُسن سيرتها وما جَرَّبَهُ من تدبيرها ومعرفتها بسياسة المُلْك، فقالوا: رضينا، وكانت تسكن أرض سَبَأ وهي مَأرِب (٢).
وقال الجوهري: مَأرِب موضع (٣). وبعضهم يقول: مَأرِب اسم قصر بِلْقِيس، وأنشد لأبي الطَّمَحَان (٤):
стр. 788
أَلَم تَرَ مَأرِبًا ما كَان أَحصَنَهُ (١) … وما حَوَالَيْه مِن سُورٍ وبُنْيَانِ
وقال المسعودي في "تاريخه": مَأرِب اسم المَلِك الذي كان يملكهم. وهو وهم منه، والأول أصح (٢).
قال وهب: كان يحرسها الرِّجال ويخدمها بنات الأشراف، وكان معها في قصرها ألف امرأة، وكانت تأخذ الجارية وهي صغيرة، فإذا بَلَغت حدَّثتها حديثَ الرجال، فإذا رأتها قد تغيَّر لونها ونكست رأسها علمتْ أنها تريد الرجال فسرَّحتها إلى أهلها، وإنْ رأتها مستمعةً لحديثها غير متغيرة اللون، عرفت أنها لا تريد الرجال فأسكنتها معها وجعلتها من خاصَّتها.
قال المصنف ﵀: وقول من قال: إن أباها أقام سنة في الملك، بعيدٌ، لأن له سيرةً مذكورة وغزواتٍ، وأقام مدة، ذكره الكلبي.
وقال مقاتل: كان لها ثلاث مئة وستون رجلًا من عقلاء الناس تشاورهم في أمرها.
قال مجاهد: أقامت في مُلكها سبع سنين، ولم يعلم بها سليمان.
قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: من كل ما يحتاج إليه الملوك من العَدَد والعُدَد وغير ذلك ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] أي: سرير ضخم من الذهب مُرَصَّعٌ بالدُّر والجَوْهر، وله أربع قوائم، الواحدة من الياقوت الأحمر، والثانية من الياقوت الأصفر، والثالثة من زمرد، والرابعة من زبرجد.
قال الكلبي: وكان له سبعة أبيات على كل بيت باب مقفل، وقال الحسن وابن عباس: كان طوله ثلاثين ذراعًا وارتفاعه كذلك وعرضه كذلك، وقال مقاتل: كان طوله ثمانين ذراعًا وهو مكلل بالجوهر.
قوله: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: يعبدونها، ثم قال: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [النمل: ٢٥].
وحكى الثعلبي عن يزيد ومحمد بن إسحاق أن من قوله: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٦] من قول الهدهد وكلامه.
стр. 789
قال مقاتل: لما سمع سليمان هذا الكلام استعظمه فقال: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧] يعني بما أخبرت، وإنما قال هذا لأنه استعظم أن يكون في الأرض لغيره سلطان، وخصوصًا امرأة لها مملكة تتسع لما ذكر عنها من الجيوش والعظمة.
ثم إنَّ الهدهد دلَّهم على الماء وكانوا قد عَطشوا فحفروا الرَّكايا وشربوا، ثم كتب سليمان كتابًا، واختلفوا في الذي كان فيه: فقال مقاتل: كان فيه: من عبد الله سليمان ابن داود إلى بِلْقِيس بنت الهدهاد والسلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فلا تعلوا عليَّ وأتوني مُسلمين، وبه قال مجاهد.
وقال الحسن: كتب إليها كتابًا كما أخبر الله عنه ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣٠ - ٣١] لم يزد على هذا.
قال ابن جريج: كان سليمان أبْلغ الناس في الكتابة وأقلهم إملاءً، قال: وكذا الأنبياء يكتبون جملًا ولا يطيلون.
فإن قيل: فلمَ قدَّم اسمه على اسم ربِّه؟ قلنا: لأن القوم كانوا يعبدون الشمس من دون الله، ولا يعرفون الله، فخاف أنْ يبدو منهم ما لا يليقُ عند قراءة اسم الله، فقدَّم اسمه لهذا المعنى.
قال مقاتل: ولما كتب الكتاب طبعه بالمسك وختمه بخاتمه، وقال للهدهد: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ [النمل: ٢٨] أي: يردُّون من الجواب، فأخذ الكتاب وقصد بلقيس وهي بمَأْرِب.
قال الجوهوي: مأرب موضع (١).
وقال مقاتل: هي أرضٌ طيبةُ الهواء، لذيذة الماء، بينها وبين صَنْعاء ثلاثة أيام.
فوافاها في قصرها وهي نائمة، وأغلقت الأبواب، وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها، وهذه كانت عادتها، فجاءها الهدهد وهي مستلقية على قفاها فألقى الكتاب في نحرها.
стр. 790
قال قتادة: حمله في منقاره وجاء إلى كُوَّةٍ مقابلة الشمس تقع فيها عند طلوعها فتسجد لها، فسدَّ الكوَّة بجناحه، فارتفعت الشمس ولم تعلم، فقامت تنظر، فرمى بالكتاب إليها.
وقال مقاتل: حمله في منقاره وجاءها وهي جالسة وحولها الجيوش والأقيال، فرفرف ساعةً وهم ينظرون إليه، فرفعت رأسها، فرمى به في حجرها، والأول أشهر (١).
ولما رمى به أخذته، وكانت كاتبةً قارئة عربيةً من قوم يَعْرُب، فلما رأت الخاتم ارتعدت وخضعت، لأن ملك سليمان كان في خاتمه، وعرفت أنَّ الذي أرسل الكتاب أعظم منها، وفهمت من قرائن الأحوال أنَّ مَنْ جنده الطيرُ لا يُحارَبُ. وقرأت الكتاب، وتأخر الهدهد غير بعيد، فجلست على سريرها، واستدعت الأشراف والأَقْيَال وأهل المشورة، وقالت: ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩].
واختلفوا في معنى كرمه على أقوال:
أحدها: أنه الحَسَن، كقوله: ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٥٨].
والثاني: شريف، قاله ابن عباس.
والثالث: لأن اسم الله كان في الخاتم الذي طبع به، قاله مقاتل.
والرابع: لأنه كان مختومًا، قاله مجاهد (٢).
وهو الأصحّ لأن كرم الكتاب ختمه، وقد رواه ابن زيد عن ابن عباس مرفوعًا (٣)، ولما كتب رسول الله ﷺ إلى الملوك قيل له: إنهم لا يقرؤون كتابًا غير مختوم، فاتخذ الختم (٤).
ثم قالت: ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: ٣٢] ﴿قَاطِعَةً﴾ أي: قاضية وفاصلة أمرًا. ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ أي: تحضرون ﴿قَالُوا﴾ مجيبين
стр. 791
لها ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ في الحرب ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ [النمل: ٣٣] فقالت حين عرضوا عليها الحرب: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ أي: أخربوها إذا فتحوها عنوة ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ أي: أهانوا أشرافها لتستقيم لهم الأمور فصدَّق الله قولها، فقال: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] فالأول حكاه عن بلقيس والثاني عن الله تعالى.
أنشدنا عبد الوهاب بن علي بن علي الصوفي لغيره (١):
إنَّ الملُوكَ بَلاءٌ حَيثُما حَلّوا … فلا يَكُنْ لكَ في أَكْنافهِم ظِلُّ
ماذا تُؤمِّلُ مِن قَومٍ إذا غَضِبُوا … جَاروا عَلَيك وإنْ أَرضَيْتَهم مَلُّوا
وإنْ مَدَحتَهُم خَالوك تَخدَعُهُمْ … واستَثقلُوكَ كَمَا يُستثقَلُ الكَلُّ
فاستَغنِ بالله عَن أبوابهم كَرَمًا … إنَّ الوُقوفَ على أَبوابهِم ذُلُّ
ثم قالت: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ [النمل: ٣٥] أُصَانع بها عن نفسي وملكي وأختبره، فإن كان نبيًا لم يقبلها ولم يرضها، ولم يُرْضِه إلا إنْ اتّبعنا دينه، وإن كان ملكًا أخذها وانصرف (٢).
واختلفوا في الهدية:
فذكر جدي ﵀ في "التبصرة" قال: بعثتْ له ثلاث لبناتٍ من ذهب في كلِّ لبنةٍ مئةُ رطل، وياقوتة حمراء طولها شبرٌ غير مثقوبة، وثلاثين وصيفة، وثلاثين وصيفًا وألبستهم لباسًا واحدًا، فلا يُعْرَفُ الذكر من الأنثى (٣).
قال ابن عباس والحسن ومجاهد: بعثت إليه بخمس مئة لبنة من ذهب، وخمس مئة لبنة من فضة، في كل لبنة مئة رطل، وخمس مئة وصيف، وخمسمائة وصيفة ألبست الغِلْمان ثيابَ الجواري وجعلت في أعناقهم أطواقَ الذهب، وفي أيديهم أساور الذهب، وفي آذانهم أقراطًا من ذهب، وحملتهم على خمس مئة رَمْكَة، وألبست
стр. 792
الجواري ثياب الغلمان وحملتهن على خمس مئة بِرْذَون، وألبستهن الدِّيباج، وجميع السروج مرصعة بالجواهر واليواقيت، وعمدت إلى حُقٍّ فتركت فيه درةً يتيمة حمراء غير مثقوبة طولها شبرٌ، وخرزة جَزْع (١) فيها ثقبٌ معوج لا يكاد يبين، وقالت للجواري: كلِّمْنَهُ بكلام فيه غلظ يشبه كلام الرجال، وقالت للغلمان: كلموه بكلام فيه تأنيث يشبه كلامَ النساء، ودعتْ رجلًا من أشراف قومها يقال له: المنذر بن عمرو، وضمَّت إليه رجالًا من ذوي العقول، وكتبت معه كتابًا فيه: من الملكة بلْقِيس إلى الملك سليمان، أما بعد، فإن كنتَ نبيًّا فميّز بينَ الوصفاء، وأخبرني بما في الحُقِّ قبل فتحه، واثقبِ الدرةَ ثقبًا مستويًا، وأدخل خيطًا في الجزعة، واختم على طرفي الخيط بخاتمك. وقد بعثت لك كذا وكذا.
وسبق الهدهد فأخبر سليمان بما جرى وبما بعثت، فأمر الشياطين بأن يضربوا لبنًا من ذهب، ولبنًا من فضة، في كل لبنةٍ ألفُ رَطل، وأمرهم أن يفرشوها من موضعه إلى تسعة فراسخ ميدانًا واحدًا، وقيل: ثمانية أميال، وأنْ يجعلوا حائطًا في الميدان من الجانبين ذهبًا مرصعًا باليواقيت، وأنْ يرفعوه عاليًا مشرفًا، ففعلوا، ثم أتى بدواب مِنَ البحر والبَر مختلفة الألوان لها أجنحة وأعراف ونواصي، فربطها من الجانبين، وألقى علوفها في معالف الذهب والفضة، ثم أقام الجنَّ عن يمين الميدان ويساره، ومن ورائهم الشياطين، ثم قعد على سريره ووضع حوله أربعة آلاف كرسي من ذهب وفضة، وأمر الإنس والجنَّ والوحش والطير أن يقوموا في مراتبهم، فقاموا على فراسخ عن يمينه وشماله. وكانت قالت للرسول: انظر إذا دخلتَ عليه، فإن نظر إليك نظر غضبان فهو مَلِك، فلا يهولنَّكَ نظره، فأنا أعزُّ منه، وإن رأيتَهُ متواضعًا لطيفًا فهو نبيٌّ مرسل.
قال وهب: ولما دنا القومُ من الميدان وشاهدوا مُلْك سليمان ﵇ ونظروا إلى لبن الذهب والحيطان والدوابِّ والجن والشياطين والطير والوحش تقاصرت هِمَمُهم، وكان قد أخلى في الميدان موضع اللبن للذي معهم، وهمُّوا أن يردُّوا ما معهم إليها فخافوا منها. ثم أمر سليمان بإدخالهم عليه فدخلوا، وكلَّما مرُّوا على كُرْدُوس من
стр. 793
الجن والشياطين خافوا، حتى وقفوا بين يدي سليمان، فنظر إليهم نظرًا حسنًا بوجهٍ طَلْق، ثم ناولوه الكتاب فقرأه وقال: أين الحُقُّ؟ فَأُتي به فحرَّكه، وجاء الوحي فأخبره بما فيه، وقال: فيه دُرَّة يتيمة غير مثقوبة، وجزعة مثقوبة معوجَّة الثقب. فقال الرَّسول: صدقت، وأمر الأرَضَة وقيل الذرَّة فدخلت في الجَزْعة وخرجت من الجانب الآخر، فقالت: اسأل الله أن يجعلَ رزقي الفاكهة. وثقب الدرة بالسامور، وختم على طَرَفَي الخيط بخاتمه، وأمر بإحضار الغِلْمَان والجواري، قال مقاتل: وأمر بإحضار آنية الماء وميَّز بينهم بالوضوء للصلاة فكان الغلام يبدأ من كفه إلى مرفقه، والجارية من مرفقها إلى كفها، وقال جدي في "التبصرة": وهذا قول سعيد بن جبير. قال: وقال قتادة: بدأ الغلمان بغسل ظاهر السواعد قبل بطونها، والجواري على العكس (١).
قلت: والعجب من حكاية مثل هذا، وقد اتفقوا على أن القوم كانوا يعبدون الشمس، وأخبرهم الله على لسان الهدهد بذلك، فمن أين كانوا يعرفون الوضوء؟ وإنما ميَّز بينهم بالوحي جبريل، جاءه فأخبره بهم كما أخبره بما في الحُقِّ.
ثم رد الهدية وقال للرسول: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [النمل: ٣٦] ومعناه أنتم أرباب مفاخرة ومكاثرة بالدنيا، وليس ذلك من حاجتي، لأن الله أكرمني بالنبوَّة والملك. ثم قال للمنذر بن عمرو: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ أي: لا طاقة ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا﴾ أي: من المملكة ﴿أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل: ٣٧] أي: محتقرون.
قال: فلما عادوا بالهدية إليها قالت: والله لقد علمتُ أنه ليس بمَلِك وأنه نَبيٌّ، وأخبرها المنذر بما شاهد، فكتبت إلى سليمان ﵇: إني قادمة عليك بملوكِ قومي لأنظر ما تدعو إليه، ثم أمرت بعرشها فَجُعِلَ في بيت، وأقفلتْ عليه، ثم في بيت آخر كذلك إلى سبعة بيوت، ووكلت به حرسًا يحفظونه، وشخصت إلى سليمان في اثني عشر ألف قَيْل، تحت يد كل قَيل ألوف عظيمة. وكان سليمان مهيبًا لا يُبْتَدأ بشيء حتى يكونَ هو الذي يَسألُ، فرأى يومًا رَهَجًا قريبًا منه، فسأل عنه فقالوا: بِلْقيس قد
стр. 794
قدمت، وهي نازلة قريبًا منك قدر فرسخ، فقال سليمان لمن حوله: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (١) [النمل: ٣٨].
فإن قيل: ما مراده بإحضار عرشها قبل مجيئه؟ فالجواب من وجوه:
أحدها: أنه أراد أخذه لما وصفه له الهدهد، لأنها متى قدمت عليه مُسْلمة حَرُمَ عليه أخذ مالها، قاله مجاهد.
قلت: وهذا ليس بشيء لوجهين، أحدهما: لأنه كان زاهدًا في الدنيا نبيًا ورسولًا، وما عرشها بالنسبة إلى مُلكه حتى يحتالَ على أَخْذِ مالها قبل إسلامها؟ والثاني: أن الغنائم كانت مُحَرَّمَةً عليهم، وإنما أبيحت لهذه الأمة.
والثاني: أنه أراد أن يختبر عملها، فينظر هل تعرفه أم لا، قاله ابن زيد.
والثالث: أراد أن يريها قدرة الله وسلطانه وأنه صاحب معجزات، فتنقاد إليه من غير عنف، قاله مقاتل. وهذان القولان جيدان.
﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ والعفريت المارد القويُّ، قال وهب: كان اسم العفريت كودي، وقيل: ذكوان. ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ أي: مجلسك هذا ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩] على ما فيه من الجواهر. فقال سليمان: أريد أسرعَ من هذا ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ وهو آصفُ بن برخيا، وكان صدِّيقًا يعرف الاسم الأعظم، وكان يقفُ على رأس سليمان بالسيف ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠] ومعناه إذا مددت عينيك إلى أقصى منظرك، فمدَّ سليمان عينيه، ودعا آصف، فكان من دعائه: يا حيُّ يا قيُّوم يا ذا الجلال والإكرام. فبعث الله ملائكة فَخَدَّت اللأرضَ بالسرير خدًّا حتى صار بين يدي سليمان قبل أن يرجع إليه طرفه (٢).
فإن قيل: فآصفُ من أتباع سليمان يعرف الاسم الأعظم وسليمان لا يعرفه؟
فالجواب من وجوه.
أحدها: أنَّ ابن عباس قال: الذي عنده علم من الكتاب هو جبريل ﵇.
стр. 795
والثاني: أنه مَلكٌ عظيم أيَّد الله به سليمان، قاله عكرمة.
فعلى هذين القولين سقط السؤال.
والثالث: إنما قصد سليمان أنَّ بعض أتباعه يتولى إحضارَ عرشها، لأن سليمان لا يباشره، وقد كان الاسم الأعظم في خاتمه.
والرابع: أراد أن ينوِّهَ باسم آصف ويرفع منزلته، لا أنه عاجز عن ذلك. وقد ذكرنا أن سليمان كان يعرف الاسم الأعظم قبل قوله: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾.
فلما حصل السرير بين يدي سليمان قال: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ [النمل: ٤١] أي: اجعلوا أعلاه أسفله وأسفله أعلاه، لننظر هل تهتدي إلى عرشها فتعرفه أم تكون من الجاهلين الذين لا يعرفون ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ شبَّهته به ولم تقرَّ ولم تنكر، وهذا دليل على قوة ذهنها وغزارة عقلها، لم تقطع بأنه هو إما لتغيره وإما لبُعد المسافة، وقد خلفته تحت سبعة أقفال.
قال الحسين بن الفضل البجلي: شبَّهُوا عليها فشبهت عليهم وأجابتهم على حسب سؤالهم، ولو قالوا لها: هذا عرشك، قالت: نعم. قال سليمان: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا﴾ أي: قبل مجيء هذه المرأة ﴿وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢)﴾ [النمل: ٤٢]، وإنما أراد سليمان ﵇ أن يختبر عقلها بتنكيره، وأن يريها قدرة الله تعالى وسلطانه، وأنه صاحب معجزات.
﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [النمل: ٤٣] وهي الشمس، منعتها عن عبادة الله. ثم أمر سليمان بعمل الصرح، وهو كل قصر عال، والجمع صروح، وأصله البناء العالي (١).
قال وهب: قيل لسليمان إنَّ رِجليها رجلا حمار، وعلى ساقها شعر كثير، فاختبر عقلها بعرشها وما أمكنه أن يختبر رجليها، فأمر ببناء الصرح، فبنته الشياطين من الزجاج كأنه الماء بياضًا، وألقوا فيه السمك ودوابَّ البحر، ووضع سليمان سريره في صدره، فلما وصلت إليه ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ واللُّجة: معظم الماء، فنظر سليمان إلى ساقها (٢)، فإذا هي أحسن الناس ساقًا وقدمًا،
стр. 796
إلا أنها كانت شَعْراء الساقين، فصرف وجهه عنها وقال: ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ أي مملَّس من زجاج وليس ببحر (١).
فإن قيل: فكيف جاز لسليمان النظر إلى الساقين والوجه، وإنما يباح النظر إلى الوجه لا غير، وكيف جاز أن يحتال بهذه الحيلة، والأنبياءُ معصومون من مثل هذا، وقد يمكنه أن يختبرها بأن يبعث إليها امرأة تنظرها؟
فالجواب: إنَّ النظر إلى ساقها قد كان مباحًا عندهم كالنظر إلى الوجه عندنا، ولا نظنُّ بسليمان أن يفعل ما لا يحلُّ له، وقد كان لسليمان سبع مئة امرأة، ومثل هذا لا يباح لنا.
ثم دعاها سليمان إلى الإسلام فأسلمت وقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤] وأسلم قومها. ثم عزم على تزويجها فأمر الشياطين، فاتخذوا الحمَّام والنُّورَة وطلوا بها ساقيها فصارا كالفضَّة. قال ابن عباس: وسليمان أَوَّل من صُنعَ له الحمَّام والنُّورَة (٢)، وقد رواه أبو موسى مرفوعًا إلى النبي ﷺ أنه قال: "أَوَّل مَن دَخَل الحَمَّام وصُنِعَت له النُّورة سُلَيمان" (٣) إلا أنه حديث ضعيف، ضعَّفه البخاري وغيره، وقال البيهقي: تفرَّد به إسماعيل الأودي، لا يتابع عليه.
فلما دخل بها سليمان أحبها حبًا شديدًا وأمر الشياطين فبنوا لها باليَمَن حصونًا لم يُبْنَ في الدنيا مثلها، وهي غُمْدَان وسَلْحِين وبَيْنُون، وأبقاها على مُلكها، وكان يزورها في كلِّ شهر مرة، يقيم عندها سبعًا، يبكر من الشَّام إلى اليَمَن ومن اليَمَن إلى الشَّام (٤).
وقال أبو القاسم في "تاريخ دمشق": وأمهرها بعلبك ويقال: إنه نقلها إلى تَدْمر (٥)، وسنذكره.
وقال محمد بن إسحاق عن وهب عن بعض أهل العلم: لم يتزوجها سليمان، وإنما زوَّجها رجلًا مِنْ قومها يقال له: ذو تُبَّع، ملك هَمَدَان، وأمر زوبعةَ أميرَ الجن أن يقيم
стр. 797
معها باليَمَن، ويبني ما شاءت من الحصون ففعل (١)، والأول أصح، وقد ذكره جدي في "التبصرة": فقال: لما عُمِل له الصرح من الزجاج ورأته وعلمت أنَّ مُلْك سليمان مِن أمر الله تعالى فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [النمل: ٤٤] بما سبق من الكفر، ثم تزوجها سليمان وردَّها إلى مُلكها، وكان يزورها في كلّ شهر مرة، ويقيم عندها ثلاثة أيام، وبقي مُلْكها إلى أن توفي سليمان ﵇ فزال بموته (٢).
فصل في قصة قوم سبأ (٣)
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾ والمراد بسبأ القبيلة التي هي من أولاد سبأ. وقال علماء السِّير: كانت بِلْقيس مالكة أمرهم، وكانوا يقتتلون على الماء الذي يجري من الجبال إلى واديهم، فكانت تنهاهم فلا ينتهون، فاعتزلتهم بعيدةً عنهم في قصرٍ لها، فلما كثر الشرُّ بينهم أتوا إليها وقالوا: ترجعين إلى مُلككِ فأَبَتْ، فقالوا: ارجعي وإلا قتلناك، فقالت: إنكم لا تطيعوني فقالوا: بلى، نطيعك. فرجعت إليهم، وكان السيلُ يأتي إلى واديهم من مسيرة خمسة أيام، فبنت ما بين الجبلين مُسَنَّاةً، وحبست الماء خلف السدِّ، وبنت من دونه بركةً عظيمة جعلت فيها اثني عشر مخرجًا على عدد أنهارهم، فإذا جاء المطر اجتمع إليها ماءُ بلاد الشِّحْرِ وأودية اليَمن وسيولها فتقسِّمُهُ بينهم بالسويَّة، حتى أسلمت مع سليمان وكان من أمرها معه ما كان.
قال كعب الأحبار: كان السَّد فرسخًا في فرسخ، بناه لُقمان بن عاد الأكبر صاحب النسور.
ويحتمل أنَّ لُقمان بناه ودثر فجددته بِلْقيس.
وقال مقاتل: كان في البركة ثلاثون ثقبًا.
وقال مجاهد: إنما بنوا السد لئلَّا يذهب بأموالهم فيغرقها.
стр. 798
وكانوا يفتحون من أبواب السدِّ ما يريدون، فيأخذون من الماء ما يحتاجون إليه طولَ السنة، فأخصبت أرضهم، وكثرت أموالهم وفواكههم، حتى أن كانت المرأة لتمرُّ بين الجنَّتين والمكتلُ على رأسها فيمتلئ من الثمر، وما مسَّت شيئًا بيدها، ولم يكن في بلادهم حيّة ولا عقرب ولا بعوضة ولا ذباب ولا بُرغوث.
قال ابن عباس في تفسير الآية: إنها القدرة والعلامة. ثم فسَّرها فقال: جنَّتان عن يمين واديهم وشماله ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ أي: وقلنا لهم كلوا ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ على ما أنعم عليكم، تمَّ الكلام. ثم ابتدأ فقال: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ أي: هذه بلدة طيبة الهواء ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: ١٥] للخطايا.
وقال ابن عباس: كان الرجل الغريب يأتي وفي ثيابه القَمْل، فإذا نظر إلى أرضهم مات القَمْل. وكان الراكب يسير من أول البساتين إلى آخرها فلا تقع عليه شمس. قال: فطَغَوْا وبَغَوْا وكفروا بأنعم الله، وذلك قوله: ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ أي: عن الحق، وكان الله قد بعث إليهم ثلاثة عشر نبيًا فكذبوهم، وقالوا: ما نعرف لربكم علينا نعمة.
وقال مقاتل: معنى الآية: فأرسلنا إليهم الرسل يدعونهم إلى الله فأعرضوا عنهم ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ: ١٦] واختلفوا فيه على أقوال:
أحدها: أن العَرِم: السدُّ بلغة حِمْيَر، فهو اسم للمسنَّاة، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
والثاني: أنه اسم للسَّيل الذي لا يطاق، وأصله من العَرَامة، وهي التمرُّد والعصيان، قاله مجاهد وابن الأعرابي.
والثالث: أنه اسم للوادي، قاله مقاتل وقتادة والضحاك، ورواه عطية عن ابن عباس.
والرابع: أنه اسم الجرذ الذي نَقَبَ السدَّ. حكاه الزجاج.
والقول الأول أشهر، واختاره الفرَّاء وابن قتيبة وعامة المفسرين، وذكره الجوهري فقال: العَرِمُ: المسنَّاةُ (١).
стр. 799
وفي قصَّة إرسال هذا السيل عليهم قولان:
أحدهما: أن الله بعث عليهم جُرذًا يسمى: الخُلْد، وهو فأرة عمياء، فثقبه من أسفله، فأغرق جنانهم وأخرب أرضهم. رواه عطية العوفي عن ابن عباس.
قال وهب: كانوا يجدون في كهانتهم أنَّ فأرة تخربُ سَدَّهم فلم يتركوا فُرْجةً بين حجرين إلا ربطوا عندها هرة، فلما آن أوان غرقهم جاءت فأرة حمراء إلى هرة فشاورتها حتى استأخرت عنها الهرة، فدخلت في الفرجة التي كانت عندها، فثقبت السِّكْرَ وهم لا يعلمون.
وقال السُّدي: كان للدابة التي ثقبت السدَّ مخاليب من حديد.
قال محمد بن إسحاق: كان لقوم سَبَأ كاهن يقال له: عِمْران بن عامر، وقيل: عمرو ابن عامر، فرأى في كهانته أنهم سَيُمَزَّقون كُلَّ مُمَزَّق، فأخبرهم بذلك، قال: مَن كان ذا همٍّ بعيد، وجَمَلٍ شديد، ومَزَاد جديد، فَليلحق بقصر عُمَانَ المشيد، فلحق وادعة بن عمرو، ثم قال: مَن كان منكم يريد الراسيات في الوحل المُطْعِمات في المَحل فَلْيَلْحَق بيَثرِب ذات النَّخل، فلحقت الأَوْس والخَزْرَج، ثم قال: مَن كان مِنكم يريد خمرًا وخميرًا، وذهبًا وحريرًا، ومُلكًا وتأميرًا فليلحق بمَعَان وبُصْرَى، فلحقت غسَّان وبنو جفنة بالشَّام فملكوه، ثم قال: مَن كان منكم يريد الأموال، ويعتزُّ بالرجال، وتُشَدَّ إليه الرحال فعليه بكوثى، فلحقت الأَزْد بموضع الكُوفَة.
وقال الزُّبير بن بَكَّار: إنَّما لحقت بالشَّام غسان، والأَزْدُ بعُمَان، وخُزَاعة بتِهامة.
وقال ابن الكلبي: إنَّ الملك هو عمرو بن عامر، وكان مَلكَ سَبَأ في ذلك الزَّمان. وكان عمران بن عامر أخاه فأخبره بما ذكرنا. قال: وكان للمَلِك كاهنة يقال لها: طريفة، من أهل حِمْير، فقال لها الملك: ما تقولين فيما قال عمران؟ قالت: صدق، ولقد رأيت غيمًا أبرق، أرعد طويلًا ثم أصعق، فما وقع على شيء إلا احترق، وما بعد هذا إلا الغَرَق. ثم قالت لعمرو: اذهب إلى السدِّ فإنْ رأيت جُرذًا يُكثر بيديه فيه الحَفر، ويقلب برجليه من العَرِم الصخر، فاعلم أن النَّفَر سَفْر، وأنَّه قد وقع الأمر. فأتى إلى السدِّ فإذا بجُرذ يقلب بيديه صخرةً ما يقلبها خمسون رجلًا فعاد إلى طريفةَ وقال: متى ترين هلاكَ السدِّ؟ فقالت: إنما يهلك غِيلة بعد سبعين ليلة فانظر الغيلة. فأمر عمرو
стр. 800
أصغر أولاده أن يأتيَ إليه وهو في مجلسه والملأ حوله والأَقْيال فيفتئت عليه، وأمره أولاده أن لا يهيجوه وجلس مجلس الملك، واجتمع الناس إليه، وجاء ولده فكلمه بأقبح الكلام، فقال: يا قوم أكون مَلِكَكُم وسيدَكم وُيسمعني هذا السفيهُ ما أسمعني، وأنتم سكوتٌ لا تنتصرون لي؟! ثم حلف أن لا يساكنهم، وباع أمواله وانتزح عنهم، فبعد سبعين ليلة خرب السدُّ.
قلت: هذه رواية ابن الكلبي، وقد ذكر عبد الملك بن هشام في "السيرة" طرفًا منها، وقد تقدّم إسناده إلى عبد الملك في خطبة الكتاب، فقال: لما رأى عمرو بن عامر الجرذَ ينقب السدَّ علم أنه لا بقاء للسدِّ على ذلك، فأمر أصغر أولاده أن يقوم بين الملأ فيلطمه ويفتئت عليه، ففعل، فباع أمواله، فقال الأشراف: اغتنموا غضبة عمرو فاشتروا أمواله. وانتقل عمرو عنهم وفعل كذلك بنو أسد وقالوا: لا نقيم في بلاد خرج منها عمرو بن عامر، فنزلوا بلاد عَكٍّ، وتفرقوا في البلدان، فنزل آل جَفنة بن عمرو الشام، ونزلت الأوس والخزرج يَثرِب، ونزلت خُزَاعة مَرًّا، والأَزْد السراة، وهما أزدان: أَزْد السراة وأَزْد عُمَان (١).
وقال السُّدي: إنما سميت خُزَاعة لانخزاعها وانقطاعها في ذلك الموضع.
قال الجوهري: وخُزَاعة حي من الأَزْدِ سموا بذلك لأن الأزد لما خرجت من مَكَّة لتتفرق في البلاد تخلَّفت عنهم خُزَاعة (٢).
وفي رواية ابن إسحاق أنَّ عمران بن عامر قال في كهانته: ومن كان منكم ذا حاجةٍ وفقر، فليلحق ببطن مَرّ، فلحقتْ به خُزَاعة وقال: من أراد منكم الخمر والخمير، والذهب والحرير، والأمر والتأمير، فليلحق ببُصرى وحَفِير، يعني أرض الشام، وحَفِير قرية من قرى دمشق في جبل صيْدَنَايا قريبة منها. وقال: من أراد منكم الثياب الرِّقاق، والخيل العِتاق، والكنوز والأوراق فليلحق بالعِراق، فلحق بها الأَزد مع مالك بن فهم الأَزْدِي.
стр. 801
قال وهب: وسار عمرو بن عامر إلى وادي السَّرَاة بأهله وماله وولده فأقام به وبمَكَّة، والسَّراة جبل الأَزْد.
والقول الثاني في سبب هلاك السدِّ حكاه جدي في "التبصرة" (١) عن مجاهد أنه قال: أرسل الله عليهم ماء أحمر فنسف السدَّ وهدمه وحفر الوادي. وعامة العلماء على القول الأول.
وحكى الضحاك عن ابن عباس: أنَّ عمرو بن عامر سيدهم رأى في منامه كأنه انبثق الردم وسال الوادي، فأصبح حزينًا، فانطلق نحو الردم فرأى جُرذًا يحفره بمخاليب من حديد وأنياب من حديد، فجمع أهله وبنيه وقال: هل رأيتم ما رأيت؟ قالوا: نعم، قال: هذا أمرٌ سَمَاويّ قد اضمحلت فيه الحِيَل. ثم قال: هاؤم هرة، فأُتي بها فأرسلها نحو الجُرذ، فلما رأته الهرة ولَّت هاربة، فقال: تحقَّقَ الآن ما قلتُ لكم، احتالوا لأنفسكم. فدعا أصغر بنيه، وذكر بمعنى ما تقدم.
قال ابن عباس: لما نقب الجُرذ السدَّ فاض الماء عليهم فأخرب جناتهم، ودفن بيوتهم في الرمل، ومزَّقهم كل ممزق، كما قال الله تعالى، حتى صاروا مثلًا عند العرب، فضربوا بهم الأمثال.
وقال الجوهري: وقولهم "ذهبوا أيدي سَبَأ"، وأيادي سَبَأ، أي: متفرقين، قال: وهما اسمان جُعلا اسمًا واحدًا، مثل مَعدي كَرِب (٢).
قال الله تعالى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ وهو الأراك ﴿وَأَثْلٍ﴾ وهو الطرفاء، والأُكُلُ: الثَّمَرُ، وقيل: الخَمْط شجر العضاه. قال مقاتل: معناه: وبدلناهم بجنتيهم اللتين كانتا تطعمان الفواكه جنتين بهذه الصفة ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ: ١٦] والسِّدْر: شجر النَّبق، ومعنى "قليل" أنَّ الخَمْط والأثل كان في جنتيهم أكثر من السِّدْر لأن السِّدْر تؤكل ثمرته ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ أي: ذلك التبديل جزيناهم بكفرهم ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧] قال طاوس: الكافر يجازى ولا يُغْفَر له، والمؤمن لا يناقَشُ الحساب.
стр. 802
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى﴾ وهي قرى الشام ﴿ظَاهِرَةً﴾ أي: متواصلة تظهر الثانية من الأولى لقربها منها.
قال الحسن: هي قرى بين الشام واليَمن، قال مجاهد: هي السَّرَوَات.
قال وهب: قرى صَنْعاء، والأول أصحُّ، لأن القرى التي بارك الله فيها في الأرض المقدسة.
﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٨] فيه قولان:
أحدهما: أنهم كانوا يَغْدُون فيقيلون في قرية، ويروحون فيبيتون في قرية، قاله الحسن وقتادة.
والثاني: أنه جعل ما بين القرية والقرية مقدارًا واحدًا من منزل إلى منزل، فلا ينزلون إلا في قرية عامرة يسيرون فيها ليالي وأيامًا، أي: وقلنا لهم سيروا في أي وقت شئتم ليلًا أو نهارًا آمنين من مخاوف السفر والعدوّ والجوع والعطش، لا تحتاجون إلى حمل زاد ولا ماء، فبطروا وعتوا وملُّوا النِّعم كما ملَّ بنو إسرائيل المنَّ والسلوى.
﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ فيه قولان:
أحدهما: لو كانت جنانًا أبعد مما هي كانت أجدر أن نشتهيها، قاله مجاهد.
والثاني: أن معناه: اجعل بيننا وبين الشام فَلَوات ومَفاوز وبراري نركب فيها الرواحل ونحمل فيها الزاد والماء، فاستجاب الله لهم سريعًا، قاله ابن عباس.
﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بالكفر والمعاصي والبطر ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ أي: مواعظ وعبرًا يتمثل بهم ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ١٩].
وذكر الهيثم بن عدي: أن بعض القحطانيين افتخر على ولد نزار عند أبي العباس السفَّاح، وخالد بن صفوان بن الأهتم حاضر، ولم يجبه، فقال له السفَّاح: أيذكر هذا مناقب قومه وأنت ساكت؟ لقد غمرتكم قحطان بشرفها، فقال خالد: يا أمير المؤمنين ما سكوتي إلا احتقارًا به وبقومه، قال: ولِمَ؟ قال: ماذا أقولُ لقوم هم بين دَابغ جِلد، وسَائِس قرد، ونَاسِج بُرْد، وراكب عَرْد (١)، غرَّقتهم فَأرة، ومَلَكَتْهُم امرأة، ودلَّ عليهم هدهد.
стр. 803
فصل في محنة سليمان ﵇ وذهاب خاتمه وعوده إليه
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ الآية، أي: ابتليناه بسلب ملكه ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ﴾ أي: سريره ﴿جَسَدًا﴾.
واختلفوا فيه، قال ابن عباس: الجسد هو شيطان يقال له: صَخر، ولم يكن ممن سُخِّر لسليمان.
وقال وهب: هو صَخر بن عمير بن عمرو بن شرحبيل، ويقال: هو الذي دلَّ سليمان على حجر السامور وكان في جزيرة منيعة، فما كان له عليه سلطان.
وقال السدي: هو شيطان اسمه مهدي، وقيل: حفق أو حفيق.
وذكر الثعلبي: أنَّ الجسد إنما كان آصف بن برخيا (١).
وذكر أبو حنيفة ابن النُّوبي: أنَّ الجسد نفس سليمان، ألقاه مريضًا لا حراك به ولا رُوح فيه. والظاهر أنه صخر الجني.
﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص: ٣٤] أي: رجع عن ذنبه، وقيل: في مُلكه.
واختلفوا في سبب ابتلائه على أقوال:
أحدها: بسبب امرأة، قرأتُ على شيخنا الموفق المقدسي ﵀ بإسناده إلى ابن عباس قال: كان سليمان رجُلًا غزاءً يغزو في البحر والبرِّ، فسمع بمَلِك في جزيرة من جزائر البحر، فركب الرِّيح ومعه جنوده من الجن والإنس حتى نزل تلك الجزيرة، فقتل مَلِكها وسبى مَن فيها، وأصاب جَارية لم يُرَ مثلها حُسنًا وجمالًا، وكانت ابنة ذاك الملك، واسمها: جرادة، فاصطفاها لنفسه، وكان يجدُ بها ما لا يجد بأحدٍ من نسائه، وكان يؤثرها عليهنَّ، فدخل عليها يومًا فقالت: إني أذكر أبي ومُلكه وما أصابه فيحزنني ذلك، فإن رأيتَ أن تأمر بعض الشياطين أن يصوِّروا لي صورةَ أبي في داري، فأراه بكرةً وعشيًا، رجوت أن يذهب عني حُزني ويُسَلِّي عني بعض ما أجد في نفسي. فأمر سليمان صخرًا المارد فمثَّل لها أباها في هيئته لا تنكر منه شيئًا إلا أنه لا روحَ فيه،
стр. 804
فعمدت إليه فزيَّنَتْهُ وألبسته مثل لباسه، وإذا خرج سليمان من داره غَدَتْ عليه كلَّ يوم مع جواريها فسجدت له وتسجد جواريها، وسليمان لا علم له بشيء من ذلك، حتى أتى لذلك أربعون يومًا، وبلغ آصف بن برخيا، وكان صدِّيقًا، فقال لسليمان: يا نبيَّ الله، قد أحببت أن أقومَ مقامًا أذكر فيه من مضى من أنبياء الله وأثني عليهم بما أعلم فيهم، فجمع سليمان الناس، وقام آصف فأثنى على كل نبيّ بما فيه، حتى انتهى إلى سليمان، وذكر ما أعطاه الله في حداثةِ سنه وصغره، ثم سكت، فامتلأ سليمان غيظًا واستدعاه وقال له: ذكرتَ أنبياء الله وأثنيت عليهم بما كان في زمانهم، فلما ذكرتني جعلت تثني عليَّ بخير في صغري، وسكتَّ عما كان في كبري، فما الذي أحدثتُ في كبري؟ فقال: أحدثتَ أنَّ غيرَ الله يُعْبَدُ في دارك منذ أربعين يومًا في هوى امرأة، قال: في داري؟ قال: نعم، قال: إنّا لله وإنا إليه راجعون؛ عرفتُ أنَّك ما قلتَ هذا إلا لشيء بلغك، ثم رجع إلى داره فكسر الصنم وعاقب المرأة وولائدها، ثم دعا بثياب الطهر وهي ثياب لا يغزلها وينسجها إلا الأبكار، ولا يمسها امرأة رأت الدم فلبسها، ثم خرج إلى فلاةٍ من الأرض ففرش فيها الرماد، وجلس عليه يتمعَّك فيه متضرعًا باكيًا تائبًا، وكان يبكي ويقول: يا رب ما هذا بلاؤُك عند آل داود أن يعبدوا غيرك وأن يقروا في دارهم وأهلهم عبادة غيرك. فلم يزل كذلك حتى أمسى، ثم رجع، وكانت له جارية سمّاها الأمينة، وكان إذا أتى الخلاء أو أراد إتيان امرأة وضع خاتمه عندها، وكان لا يمسُّه إلا وهو طاهر، وكان الله قد جعل مُلْكَهُ في خاتمه (١).
عن الشيخ الموفق، قال وهب: فجاء يومًا يريد الوضوءَ فدفع الخاتمَ إليها، وجاء صخر المارد فدخل المتوضَّأ، وسبق سليمان، فدخل سليمان لحاجته وخرج صخر على صورة سليمان ينفضُ لحيته من الوضوء، لا تنكر المرأةُ من سليمان شيئًا، فقال: خاتمي يا أمينة، فناولته إياه لا تحسبُ إلَّا أنَّه سليمان، فجعله في يده وجلس فجلس على كرسيِّ سليمان، وعكفتْ عليه الطيرُ والإنس والجنُّ، وخرج سليمان ﵇ فقال: خاتمي يا أمينة، فقالت: ومن أنت؟ فقال: أنا سليمان، وقد تغيَّر حاله وذهب عنه بهاؤه، فقالت: كذبتَ إنَّ سليمان أخذ خاتمه، وهو جالسٌ على سريره في مُلكه.
стр. 805
فعرف سليمان ﵇ أنَّ خطيئته قد أدركته (١).
عن الموفق، قال الحسن: فخرج هاربًا مخافةً على نفسه، ومضى على وجهه بغير حذاء ولا قَلَنْسُوة في قميصٍ وإزار، فمرَّ ببابٍ شارع على الطريق قد جهده الجوع والحرُّ والعطش فقرعه، فخرجت امرأة فقالت: ما حاجتكَ؟ فقال: ضيافةُ ساعةٍ، قد تَرَيْنَ ما قد أصابني من الحرِّ والرمضاء، فقالت المرأة: زوجي غائبٌ وليس يَسعني أن أُدْخِلَ رجلًا غريبًا عليَّ، ادخل البستانَ فإن فيه ماء وثمرًا، فأَصِبْ من ثماره وتبرَّدْ فيه، فإذا جاء زوجي استأذنتُهُ في ضيافتك، فإنْ أَذِن لي فذاك، وإنْ أبى أصبتَ رزق الله ومضيت. فدخل البستان فاغتسل ووضع رأسه ونام، فآذاه الذباب، فجاءت حيَّةٌ سوداء فأخذت ريحانةً من البستان بفيها وجعلت تروِّحُ عليه. وجاء زوجُ المرأة فقصَّتْ عليه القصة، فدخل البستان فرأى الحيةَ تروِّحُ عليه، فدعا امرأته وقال لها: تعالي فانظري إلى العجب، فنظرتْ ثم مشيا إليه فأيقظاه، ثم قالا له: يا فتى هذا منزلنا لا يسعنا شيءٌ يعجزك، وهذه ابنتي قد زوجتكها، وكانت من أجمل نساء زمانها، فتزوجها وأقام عندهم ثلاثًا، ثم قال: لا يسعني إلا طلبُ المعيشة لي ولأهلي، فانطلق إلى الصيادين فقال لهم: هل لكم في رجل يكون معكم يعينكم وترضخون له بشيء من صيدكم، وكُلٌّ يأتيه الله برزقه، فقالوا: قد انقطع عنا الصيد، وليس عندنا فضل نعطيك، فمضى إلى غيرهم، فقال لهم مثل هذه المقالة، فقالوا: نعم وكرامة، نواسيك بما عندنا، فأقام عندهم يختلف كلَّ ليلةٍ إلى أهله بما أصاب من الصيد حتى أنكر الناس قضاءَ الخبيث وفعاله. فلما رأى الخبيثُ أنَّ الناس قد فطنوا له انطلق بالخاتم فألقاه في البحر، قال الحسن: أمسك الخاتم أربعين يومًا (٢).
وروي: أنه قعد على كرسيِّ سليمان، فاجتمع له الإنس والجن والشياطين وكلُّ شيءٍ كان يملكه سليمان، إلا أنه لم يُسَلَّطْ على نسائه، قال: وخرج سليمانُ يسأل الناسَ ويتضيفهم، ويقوم على باب الرجل والمرأة ويقول: أطعموني فإني سليمان بن داود، فيطردونه ويقولون له: ما يكفيك ما أنت فيه حتى تكذب على سليمان، وهذا
стр. 806
سليمان على ملكه. حتى أصابه الجهد، واشتدَّ عليه البلاءُ، فلما تمَّ عليه أربعون يومًا، قال آصف بن برخيا: يا معشر بني إسرائيل هل رأيتم من خلافِ حكم ابن داود ما رأيتُ؟ قالوا: نعم، فعمد الشيطان عند ذلك فألقى الخاتم في البحر، فاستقبله جِرِّيٌّ فابتلع الخاتم، فصار في جوفه مثل الحريق من نور الخاتم، فاستقبل جريةَ الماء فوقع في شباك الصيادين الذين كان سليمان معهم. فلما أمسوا اقتسموا السمك وأسقطوا الجريَّ وجعلوه لسليمان، فذهب به إلى أهله وأمرهم أن يصنعوه ونام، فلما شقُّوا بطنه أضاء البيتُ من نور الخاتم، فدعت المرأة سليمان وأرته الخاتم فتختم به وخرَّ ساجدًا لله، وحمد الله وأثنَى عليه فقال: ربِّ أتمَّ نعمتك عليَّ واغفر لي ما سلف، وهبْ لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي، فذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ (١).
قال: وروي عن عكرمة أنَّ سليمان لما أصاب الملك أمر فحمل أهل ذلك البيت فوضعهم وسط المملكة، ولم يكن سليمان نال تلك المرأة حتى ردَّ الله عليه ملكه (٢). هذه صورة ما ذكره الموفق في "التوابين".
وقوله: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ يدل على أنه أعطيَ الملك الذي ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ بعد وقوعه في المحنة كما قال علي ﵇.
وروي عن وهب بن منبه أنه ذكر هذه القصة، وقال فيها: اسم المرأة التي أخذها سليمان من الجزيرة جرادة فأسلمت، وفي قلبها من قتل أبيها ما فيه، وأنه بعدما كسر الصنم وعاقب المرأة وولائدها، دعا بثياب الطهرة، وهي ثياث لا يغزلها إلا الأبكار ولا تمسُّها امرأة رأت الدم، فلبسها وخرج إلى الفلاة فجلس على الرماد، كذا ذكره (٣).
قال ابن عباس: أمينته التي كان يدع الخاتم عندها أم ولده. فأتاها الشيطان صاحب السحر، واسمه صخر، فأخذ الخاتم منها، وفيه، فقال آصف: يا بني إسرائيل أَمْهِلوني حتى أسأل نساءَ سليمان هل يأتيهنَّ، فدخل عليهن فسألهن فقلن: ما يدعُ امرأة منا في
стр. 807
دمها ولا يغتسل من جنابة، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، إن هذا لهو البلاءُ المبين. والأصحُّ أنه لم يطأ نساءَ سليمان، قال مجاهد والحسن البصري: لم يثبت ذلك لأن الشيطان خلق من نار، فلو جامع امرأة لأحرقها. فلما مضت أربعون ليلة - وقيل: خمسون - اجتمع علماء بني إسرائيل، ونشروا التوراة، وبكوا وتضرعوا إلى الله تعالى، فلما رأى الشيطان ذلك طار من مجلس سليمان، ثم قذف بالخاتم في البحر فابتلعته سمكة.
فإن قيل: فكيف أقدم الشيطان على حمل الخاتم وفيه أسماء الله تعالى؟ فالجواب: إن الله أقدره عليه عقوبةً لسليمان، فغيَّر أوصافه وألقى عليه شبَه سليمان إلى المدة المذكورة.
والسبب الثاني: في امتحان الله سليمان ما رواه الوالِبي عن ابن عباس قال: كان بين قوم وبين أهل امرأةٍ لسليمان حكومة، فقضى سليمان ﵇ للقوم على أهل المرأة، إلا أنه ودَّ بقلبه لو كان الحقُّ لأهلها، فعوقب إذ لم يكن هواه فيهم واحدًا.
والثالث: أن هذه الزوجة كانت آثر النساء عنده فقالت له: إن بين أخي وبين قوم خصومة، وإني أحب أن تقضي له فقال: نعم، ولم يفعل، فابتلي لأجل ما قال: نعم، قاله السُّدي. والأصحّ القول الأول، وعامة العلماء عليه.
وقال جدي في "التبصرة": وفي كيفية ذهاب الخاتم قولان، أحدهما: أنه كان جالسًا على شاطئ البحر فوقع منه، قاله عليّ ﵇. والثاني: أنَّ شيطانًا أخذه (١).
ثم في كيفية أخذه هو أقوال: أحدها: أنه وضعه تحت فراشه ودخل الحمام، فأخذه الشيطان فألقاه في البحر، قاله ابن المسيّب. والثاني: أنه أخذه منه. والثالث: أنه أخذه من الأمينة، وهو الأصحّ، ذكره سعيد بن جبير ووهب وغيرهما.
واختلفوا في رجوع الخاتم إليه على أقوال:
أحدها: ما ذكرنا عن ابن عباس وروينا.
والثاني: أنَّ الحوت بلع الخاتم فأخذه بعض الصيَّادين ودفعه إلى سليمان وآخر
стр. 808
معه، وكان سليمان قد عمل معه ذلك اليوم، فأخذ سليمان الحوتين فباع أحدهما بأرغفةٍ، ونقر بطن الآخر ليشويه فظهر الخاتم، فلبسه، فردَّ الله عليه ملكه.
والثالث: ذكره الضحاك عن ابن عباس، روى: أن بعض نساء سليمان كان يضع الخاتم عندها، فجاء الشيطان في صورته فأخذه منها، وهرب سليمان إلى الصيَّادين يستطعم، فضربه بعضهم بمسحاةٍ فشجَّه، فجعل يغسل الدم على البحر، فلام الصيادون من ضَرَبه وقالوا: بئس ما فعلت، عَمَدْتَ إلى رجل فقير مجهود ففعلت هذا، ثم ألقوا عليه حوتًا وكان جائعًا فشقَّ بطنه، فإذا بالخاتم، فلبسه فردَّ الله عليه مُلْكه، وقام الذي ضربه يعتذر إليه، فعذره وقال: هذا أمرٌ لا بدَّ منه (١).
وذكر الثعلبي: أن سليمان لما افتتن سقط الخاتم من يده، فأعاده مرارًا وهو يسقط، فقال له آصف: إنك مفتون، وإن الخاتم لا يثبت في يدك حتى ينقضي زمان البلاء، ففِرَّ إلى الله تعالى تائبًا، وأنا أقومُ مقامَكَ، وأسيرُ بسيرتك؛ فهرب سليمان، ولبس آصف الخاتم، وأقام يسير بسيرة سليمان إلى أن يعود (٢).
قلت: وليس هذا القول بشيء، وعامة العلماء على الأول.
وقال ابن المسيِّب: احتجب سليمان عن الناس ثلاثة أيام، فأوحى الله تعالى إليه يا ابن داود، احتجبت عن عبادي ثلاثة أيام لم تنظرْ في أمورهم، ولم تنصفِ المظلومين من الظالمين، وعزَّتي لأسْلُبَنَّك مُلكك، قال: فكان سليمان بعدها لا يحتجب عن الناس ليلًا ولا نهارًا.
وذكر مقاتل أن سليمان تزوّج امرأةً من غير بني إسرائيل، فعاقبه الله تعالى، وكل هذه الأقوال فيها نظر، والأصحُّ القولُ الأول.
وقال جدي في "التبصرة": لما لبس الخاتم ردَّ الله عليه ملكه وبهاءه، وأظلَّتْهُ الطير، فأقبل لا يستقبله إنسيٌّ ولا جنيّ ولا طائر ولا حجر ولا شجر إلا وسجد له، حتى انتهى إلى منزله، ثم أرسل إلى الشيطان فجيء به، فجعله في صندوق من حديد وقفل وختم
стр. 809
عليه بخاتمه، ثم أمر به فألقي في البحر فهو فيه إلى يوم القيامة.
فتأملوا إخواني هذا السلطان العظيم كيف تَزلْزَل بالزَّلل، واختلَّت أموره إذ دخل عليه الخلل، فخطؤه أوجب خروجه من المملكة، وكاد أنْ يوقعه كما أوقعت لقمةٌ آدم في مهلكة، وعليكم بالتقوى فهي سبب السلامة، ومن أخطأ أخطأته الكرامة (١).
قلت: وما ذنب الشيطان؟ أليس الله تعالى سلَّطه عليه عقوبةً لما فعل؟
فإن قيل: فلمَ جُعِل مُلكه في خاتمه؟ فالجواب من وجهين، أحدهما: ليريه هوان ما أعطاه من الدنيا في جنب ما لم يعطه؛ لقد رفض الخاتم في جنب سائر الأشياء.
والثاني: أن الخاتم كان حجرًا من أحجار الجنة، حكَمَ هذا الحكم الباهر، فكيف بما فيها من اللآلئ والجواهر؟
قلت: وقد ورد في الخاتم حديث ذكره جدي في "الموضوعات" عن جابر، قال رسول الله ﷺ : "كان نقش خاتم سليمان: لا إله إلا الله محمد رسول الله"، قال جَدِّي: هذا حديث لا يصحُّ عن رسول الله ﷺ (٢).
فصل في قول سليمان: لأطوفن الليلة على مئة امرأة
قال البخاري: حدثنا أبو اليَمان بإسناده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "قال سُلَيمان، لأَطُوفَنَّ اللَّيلةَ على مئة امرأةٍ أو تسعين، كُلُّهنَّ يَأتينَ بفارسٍ يُقاتِلُ في سَبِيل الله، فقالَ لهُ صاحِبُه أو حاجبُهُ: قل إن شَاء الله، فلمْ يَقُلها، فَطاف عَلَيهنَّ كلهن جميعًا فلمْ تَحمِل مِنهنَّ إلا امرأةٌ، جَاءت بشقِّ وَلَدٍ. والذي نَفْسي بيَدِه لَو قالها لَجَاهَدوا في سَبيل الله فُرسَانًا أجمَعين" (٣)، أخرجاه في "الصحيحين".
وفي "الصحيح": فقال له صاحبه- قال ابن عيينة: يعني الملَك- قل: إن شاء الله، فنسي (٤).
стр. 810
قلتُ: وهذه الرواية أليقُ بسليمان أنْ يكونَ على وجه العِنَاد للهِ تعالى، لأن الله يقول: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ والنسيانُ لا ينفك عنه أحد. وقد روي أن هذا القولَ أحدُ أسباب فتنة سليمان.
فصل في قصة جرت لصديق سليمان مع مَلك الموت
روى وهب بن منبه عن الضحاك عن ابن عباس قال: كان لدَاود صديقٌ من بني إسرائيل يُدني مجلسه ويشاوره في أموره، فلمَّا مات دَاود وقام سُلَيْمان أنزله منزلته عند أبيه، وكان مَلَك الموت يدخل على سليمان ويستقضي حوائجه، فدخل عليه يومًا وعنده صديق أبيه، فلما خرج مَلكُ الموت قال له الرجل: أسألك بالله أن تأمر الرِّيح أنْ تحملني إلى أقصى جَزيرَةٍ بالهِند فتطرحني هناك، قال سليمان: ولمَ؟ قال: لأنَّ الرجل الذي دخل عليك لَحَظَني لحظةً لم أتمالكْ عندها، فأمر سليمان الرِّيح فحملته إلى الهِند، وحزن سليمان لفقده، فدخل عليه مَلَك الموت فقال: مالي أراك حزينًا؟ فقال: لأجل فَقدي لصديق أبي. فقال مَلَك الموت: الساعةَ قبضتُ روحه بأقصى جَزيرةٍ (١) بالهِند، أمرني الله بذلك، فبكى سليمان ﵇ وقال: يا لله العجب.
حديث الطائر مع سليمان
روى محمد بن إسحاق عن كعب قال: مرَّ سليمان على طائر يرفرف على فراخه ويزقُّهم (٢) ويعلمهم الطيران، فقال: ليت سليمانَ حبس جيشه حتى أُدخلَ فراخي إلى العش، فوقف له سليمان حين سمعه، فلما أدخل فراخه العش وخرج من العش أخذ الماءَ بمنقاره وجعل يرش الطريق بين يدي سليمان شكرًا لما صنع.
وذكر أبو المعالي بسند له في كتاب "لوامع أنوار القلوب" قال: راود خطّافٌ خطافةً فامتنعت عليه، فقال: لو شئتِ أن أقلب القبَّة على سليمان لفعلتُ، وبلغ سليمانَ فأحضره وقال: قلت كذا وكذا؟ قال: نعم، قال: ما حملك عليه؟ قال: يا نبيَّ الله، العشاقُ لا يؤاخَذون بما يبدو منهم، قال: صدقت.