كان صالحًا عابدًا مجتهدًا.
[وحكى الخطيب عن إسماعيل بن عليٍّ الخُطَبيّ قال:] قال [محمد بن عبد الرحمن]: تزوَّجتُ بأمِّ أولادي هؤلاء، فلمَّا كان بعد الإملاك بأيَّام قصدتهم للسلام، فاطَّلعت من شقِّ الباب، فرأيتُها، فأبغضتُها، وهي معي من ستِّين سنة.
وقال إسماعيل بن عليِّ: [وكان هذا الشيخ من أَدْرس مَن رأينا للقرآن]، سألتُه عن أكثر ما قرأ في يوم -وكان يوصف بكثرة الدَّرس وسُرعَتِه- فامتنع أن يخبرني، فلم أزل به حتَّى قال لي: إنَّه قرأ في يوم من أَيَّام الصَّيف الطوال أربع ختمات، وبلغ في الخامسة إلى "براءة"، وأذَّن المؤذن للعصر، وكان من أهل الصِّدق، وتوفي في ربيع الأوَّل.
سمع سعيدَ بن سليمان [الواسطيَّ] وغيره، وروى عنه الخُطَبيُّ وغيرُه، وكان ثقة (١).
[وفيها توفي]
أبو العَيناء
[الضَّرير، صاحب الحكايات والمُلَح، واسمه] محمد بن القاسم بن خلَّاد، مولى [أبي جعفر] المنصور.
وأصله من اليَمامة، ويعرف بأبي عبد الله اليَمامي، وإنَّما سمِّي بأبي العيناء؛ لأنَّه سئل ما تصغير عين؟ فقال: عُيَين.
[قال الخطيب:] ولد بالأهواز سنة إحدى وتسعين ومئة، ونشأ بالبصرة، وذهب بصرُه بعد أربعين سنة، وطلب الأدبَ، وكتب الحديث، وسمع من الأئمة، وكان حافظًا للنَّوادر، سريعَ الجواب، فصيحًا (٢).
قال: قال لي المتوكِّل: قد أردْتُك لمجالستي، فقلت: لا أُطيق ذلك، ولا أقول هذا جَهلًا بمالي في هذا من الشَّرَف، ولكنِّي رجل مَحْجُوب، تختلف إشاراته، ويخفى عليه الإيماء، ويجوز علي أن أتكلَّم بكلام غضبان ووجهُك راضٍ، وبكلام راضٍ ووجهُك
стр. 7457
غضبان، ومتى لم أميِّز بين هذين هلكتُ، قال: صدقتَ، ولكن تَلْزَمُنا. قلت: [لزوم] (١) الغَرَض الواجب، فوصلني بعشرة آلاف درهم.
[ذكر طرف من أخباره:
قال الخطيب (٢) بإسناده إلى أحمد بن القاضي، عن أبي العيناء أنَّه حدَّثه قال: أتيتُ عبد الله بن داود الخُرَيبي، قال: ما جاء بك؟ قلت: الحديث، قال: اذهب فاحفظ القرآن، قلت: قد حفظتُه، قال: اقرأ ﴿وَاتْلُ عَلَيهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾ [يونس: ٧١] فقرأتُ العَشْر حتَّى أنفدته، قال: اذهب الآن فتعلَّم الفرائض، قال: فقلت: قد تعلَّمتُ الصُّلب والجدَّ، قال: فأيّما أقرب إليك ابن أخيك أو ابن عمِّك؟ قال: فقلت: ابن أخي، قال: ولِمَ؟ قلت. لأن أخي من أبي، وعمِّي من جدِّي. قال: اذهب فتعلَّم العربية، فقلت: قد تعلّمتها قبل هذين، قال: فلم قال عمر بن الخطاب حين طُعن: يالله يالِلمسلمين، لِم فَتَح لام الله، وكَسَر لام المسلمين؟ قال: قلت: فتح الأوَّل على الدُّعاء، وكسر الثانية على الاستعانة والاستنصار. قال: اذهب، لو حدَّثتُ أحدًا لحدَّثتُك].
وقيل: إنَّ المتوكِّل قال: أشتهي أن أنادم أبا العيناء لولا أنَّه ضرير، فقال أبو العيناء: إنْ أعفاني أمير المؤمنين من رؤية الأهلة، وقراءة نَقْشِ الخواتيم، فإنِّي أصلحُ.
وكان يقول: لَحِقَتْنا دعوة الرَّجل الصَّالح عبد الله بن حسن بن حسن، دعا المنصور جدّي خَلّادًا وكان مولاه، فقال له: إنِّي أريدك لأمر قد أهمَّني واخترتُك له، وأنت عندي كما قال أبو ذؤيب الهذلي: [من المتقارب]
أَلِكْني إليها وخيرُ الرسو … لِ أعلَمُهمْ بنَواحي الخَبَرْ (٣)
فقال: أرجو أن أبلُغَ رِضى أمير المؤمنين، قال: صِرْ إلى المدينة، وأظهر لعبد الله بن حسن أنَّك من شيعته، وابذُلْ له الأموال، واكتب إليَّ بأنفاسه وأخبار ولدِه، فأرضاه، ثمَّ علم عبد الله أنَّه أُتي من قِبَله، فدعى عليه وعلى نسْله بالعمى، [قال:] فنحن نتَوارث ذلك إلى السَّاعة.
стр. 7458
وتأخَّر رزق أبي العيناء، فشكا إلى عبيد الله بن سليمان (١)، فقال: ألم نكن كتبنا لك إلى ابن المدبّر، فما فعل في أمرك؟ فقال: جرَّني على شَوْك المَطْل، وحَرمني ثمرةَ الوَعْد، فقال: أنت اخترتَه، فقال: وما عليَّ وقد اختار موسى قومَه سبعين رجلًا، و [ما] (٢) كان فيهم رجل رشيد، فأخذتهم الرجفة، واختار النبي ﷺ ابنَ أبي سَرْح كاتبًا، فلحق بالكفار، واختار عليُّ بن أبي طالب أبا موسى فحكم عليه.
وقال: [الخطيب: انتقل أبو العيناء من البصرة إلى بغداد فأقام بها.
قال: وسبب انتقاله ما رواه الصولي عن أبي العيناء قال: حدثني عن سبب خروجه من البصرة وسكناه بغداد قال:] اشتريتُ غلامًا يُنادَى عليه ثلاثون دينارًا ويساوي ثلاث مئة دينار، وكنتُ أبني دارًا، فدفعتُ إليه عشرين دينارًا يُنفقها على البناء، فجاءني بعد أيَّام، وقال نَفِدت النَّفَقَةُ، فقلت: ارفع حسابَك، فرفعه فإذا به عشرة دنانير، قلت: فأين الباقي؟ قال: اشتريتُ به ثوبًا مُصْمَتًا وقطعتُه، قلتُ: مَنْ أمرك بهذا؟ قال: يا مولاي لا تَعجل، فإنَّ أهلَ المروءات والأقدار لا يَعيبون على غِلمانهم إذا فعلوا فعلًا يعود بالزَّين على مواليهم، [قال:] فقلت في نفسي: أنا اشتريتُ الأصمعيَّ ولم أعلم (٣).
قال: وأردت تزوّج امرأة، فأطلعتُه على ما في نفسي، وقلتُ: اكتم ذلك عن بنت عمِّي، فقال: أنا نِعم العونُ لك على الخير، فتزوَّجتُها، ودفعتُ إليه دينارًا، وقلت: اشترِ لي كذا وكذا ويكون فيه سمكًا هازِبَى (٤).
فمضى واشترى جميعَ ما أمرته به، واشترى سمكًا مارماهى (٥)، فقلت له: ما هذا؟ فقال: رأيتُ بُقْراط يقول: السَّمك الهازبى يولّد السَّوداء، ووصف المرماهى، فقلت: يا ابن الفاعلة، ما علمتُ أني اشتريتُ جالينوس، وقمتُ إليه أضربُه، فضربتُه عشرَ مَقارع، فلمَّا فرغتُ أخذ المِقْرَعة وضربني سبعًا، وقال: الأدب ثلاث، والسبعةُ فَضْل، وهي قِصاص، فخفتُ عليك من القصاص غدًا، فاستوفيت منك اليوم، فغاظني جدًّا
стр. 7459
فرميته (١) فشَجَجْتُه، فمضى من وقته إلى ابنة عمِّي، فأَخبرها أنّي تزوَّجتُ، وقال: قال ﷺ : "من غشَّنا فليس منَّا" (٢) وقد تزوَّج مولاي واستكْتَمَني، والدِّين النَّصيحة، فلمَّا قلتُ له: لا بدَّ من تعريف مولاتي، ضربني بالمقارع وشجَّني.
[قال:] فمنعتْني بنتُ عمي من دخول الدَّار، وحالت بيني وبين ما فيها، ووقعنا في تَخبيط، فلم أَرَ الأمر يَصلُح حتَّى طلَّقتُ المرأة، ولم أقدر من بنت عمِّي أن أكلِّمه، وسمَّتْه النَّاصحَ، فقلت: ما لي إلا أن أُعتقه وأستريحَ منه، فعَتَقْتُه فقال: الآن وجب عليَّ حقُّك، ما أُفارقك.
وجاء أوان الحجِّ، فجهَّزتُه وزوَّدتُه، ومضى فغاب عنِّي عشرين يومًا وعاد، فقلت: ما الخبر؟ فقال: قُطِع عليَّ الطَّريق، والله تعالى قال: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وأنا غير مستطيع، ثمَّ أرادَ الغَزو (٣) فجهَّزته، فلما غاب عنِّي بعتُ كلَّ ما أملكه بالبصرة من عَقار وغيرِه، وخرجت منها خوفًا أن يرجع.
[وحكى] الصُّولي قال: دخلتُ على أبي العَيناء في آخر عمره وقد كُفَّ بصرهُ، فسمع صَريرَ قَلمي على الدَّفتر فقال: مَن هذا؟ قلت: عبدُك وابن عبدك محمد بن يحيى الصُّولي، قال: بل ولدي وابن أخي، ما تكتب؟ قلت: جُعلتُ فداكَ، أكتبُ شيئًا من النَّحو والتَّصريف، فقال: النَّحو من العلوم كالملح في الطَّعام (٤)، إذا أكثرتَ منه صارت القِدْرُ زُعاقًا، يا بنيّ إذا أردتَ أن تكون صدرًا في المجالس فعليك بمعاني القرآن والفقه، وإذا أردتَ أن تكون مُنادمًا للخلفاء وذوي المروءات فعليك بنُتَفِ الأشعار، ومِلحَ الأخبار، [وقال: الزُّعاق: الماءُ المالح].
وسأل القاضي ابن أبي دؤاد أبا العيناء (٥): ما أشدَّ ما أصابك في ذهاب بصرك؟ فقال: خَلَّتان؛ إحداهما: أنَّه يَبدؤني رجل بالسَّلام، وكنتُ أحبُّ أن أبدأه، والثانية:
стр. 7460
ربَّما حدَّثتُ رجلًا فيُعرض عنِّي، وأحبُّ أن أعرف ذلك لأقطع حديثي عنه، فقال أحمد بن أبي دؤاد: أمَّا مَن كافأك بابتداء السَّلام فقد كافأتَه بحُسن النِّيَّة، وأمَّا مَن أعرض عن حديثك فما أكسبَ نفسَه من سوء الأدب أكثر ممَّا وصلت إليه من حُسن استماعه (١).
وحضر أبو العيناء مجلسَ بعض الوزراء، فوصف جودَ البرامكة، فقال الوزير: هذا من كَذِب الورَّاقين، فقال أبو العيناء: فلِمَ لا يكذب الورَّاقون عليك؟!
ودخل [أبو العيناء] على المتوكِّل سنة ست وأربعين ومئتين وهو في قصره الجَعفريّ، فقال له: كيف ترى هذا القصر؟ فقال: يا أمير المؤمنين، النَّاس يبنون القصور في الدُّنيا، وأنت قد بنيت الدُّنيا في قصرك.
وقال له يومًا: ما تقول في عبيد الله بن خاقان؟ فقال: نِعْمَ العبد إنَّه أوّاب، وكان عبيد الله قائمًا على رأس المتوكِّل (٢).
ذكر وفاته:
[واختلفوا فيها، فحكى الخطيب أنَّه] قدم بغداد فأقام بها مدَّة طويلة، ثمَّ ركب في زَورق يريد البصرة، فيه ثمانون نفسًا، فغرق الزَّورق بمَن فيه، فلم يَسلم إلَّا أبو العيناء، فأُخرج حيًّا، فركب في زورق آخر، فلمَّا وصل إلى البصرة مات بها في هذه السَّنة.
و [حكى الخطيب أيضًا عن القاضي أحمد بن كامل] قال: مات [أبو العيناء] ببغداد في جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين [ومئتين] وحُمل إلى البصرة في تابوت، وقد جاوز تسعين سنة (٣).
أسند الحديثَ عن أبي عاصم النَّبيل [وأبي زيد الأنصاريِّ] وغيرهما، وأخذ الأدب عن الأصمعي وغيره، ولمَّا قدم بغداد كتب عنه أهلُها، ولم يسند من الحديث إلَّا القليل، والغالبُ على رواياته الأخبارُ والحكايات.
* * *
стр. 7461
السنة الثالثة والثمانون بعد المئتين
فيها خرج المعتضد إلى ناحية الموصل لثلاث عشرة بقيت من المحرَّم بسبب هارون الشَّاري، وكان الحسين بن حمدان قد قال للمعتضد: إنْ أنا جئتُ بهارون الشَّاري إليك فلي ثلاثُ حوائج، فقال: اذكرها، فقال: أمَّا الأولى فإطلاق أبي من الحبس، والحاجتان أذكرهما بعد ما آتي به، فقال له المعتضد: لك ذلك، فامْضِ، فقال: أريد ثلاث مئة فارس أنتَخِبُهم مع وصيف موشكير ولا يُخالفني، فقال المعتضد: نعم.
وخرج الحسين يطلب الشاري حتَّى انتهى إلى مخاضة في دجلة، فقال لوَصيف: ليس للشَّاري طريقٌ يَهرب منه غير هذا الموضع، فقِفْ ها هنا لا تفارقْ هذا المكان، فإنْ مرَّ بك الشَّاري فامنعه من العبور، أو أجيئك، أو يَبلُغك أنِّي قد قُتلت، قال: نعم، فوقف.
ومضى حسين في طلب الشاري فلقيه، فالتقيا، فكان بينهما قتلى، وهرب الشَّاري، وأقام وصيف على المخاضة ثلاثة أيام، فقال له أصحابه: قد طال مقامُنا ها هنا، وقد أضرَّ بنا ذلك، ولسنا نأمن أن يأخذ حسينٌ الشَّاريَّ فيكون الفتحُ لهُ دونَنا، والصَّواب أن نمضي في آثارهم، فأطاعهم ومضى، وجاء الشَّاري المخاضة فعبر، وجاء حسين في إثْرهِ فلم يَرَ وَصيفًا وأصحابَه، ولم يَعرف للشَّاري خبرًا، وسأل عنه فقيل: عبر دِجلة. فعبر خلفه، وجاء الشَّاري إلى حيٍّ من أحياء العرب، فأخذ دابَّة من دوابهم، ومضى حسين إلى العرب فسألهم عنه فكتموه أمره، فقال: المعتضدُ في إثري، وأراد أن يوقع بهم، فأخبروه بمكانه، فاتَّبعه، فلحقه وهو في مئة فارس، فناشده الشَّاري وتوعَّده، فألقى حسين نَفْسَه عليه فاخذه أسيرًا، وجاء به إلى المعتضد بغير عَهدٍ ولا عَقْد، فأمر المعتضد بفكِّ قيود حمدان بن حمدون، والتَّوسعةِ عليه، والإحسان إليه.
وانصرف المعتضد بالشَّاري راجعًا إلى بغداد، فوافاها لثمانٍ بقين من ربيع الأوَّل، فنزل بباب الشَّمَّاسيَّة، وعبَّأ جيوشَه هناك، وخلع على الحسين بن حمدان وطوَّقه بطَوقٍ من ذهب، وخلع على جماعةٍ من رُؤساء أهله، وزُيِّن الفيل بثياب الدِّيباج، وجعل عليه
стр. 7462
مثل المحفَّة، وأجلس الشَّاري فيها، وألبس دُرَّاعةَ دِيباج، وجعل على رأسه بُرْنُسَ حريرٍ طويل.
وركب المعتضد في الجانب الشرقي ركوبًا ظاهرًا، وضُربت القِباب في الطريق كلِّه إلى قصره، والشَّاري بين يديه، والحسين بن حمدان بين يدي المعتضد وجماعةٌ من أصحابه، وحمل الحَرْبةَ بين يديه في هذا اليوم سعيد بن يكسين التركيّ وكان على شرطة الشَّرقيَّة، ولم يحملها أحدٌ من الموالي قبله؛ لأنَّها كانت لآل طاهر قبل ذلك، ومن كثرة الزّحام سقط كرسيُّ الجسر الأعلى ببغداد، فغرق كثير من الرِّجال والنساء والصِّبيان، وكان على المعتضد قباء أسودُ، وعمامةٌ سوداء، وجميع الملوك والأمراء يمشون بين يديه، وكان يومًا مشهودًا.
وورد كتاب ظغْج بن جُفّ من دمشق ومن موالي ابن طولون أنَّهم في الطَّاعة، واستأذنوا المعتضد في القدوم عليه أو في المقام بدمشق، فكتب يأمرهم بالمقام بدمشق، وولَّاها طُغْج.
وفيها قدم رسول عمرو بن الليث (١) من خُراسان بالهدايا وفيها مئتا حِمْل مال، ومئتا جُمَّازة، ومن اللطائف والطرائف (٢) شيءٌ كثير، وكان فيها صَنَمٌ على خِلقة امرأة؛ كان قوم من الهند في مدينة يقال لها: إبل شاه، كانوا يعبدونها.
واستقضى المعتضد يوسف بن يعقوب على الجانب الشرقيِّ، وكلواذى، والنَّهروانات، وكُور دجلة، وواسط (٣)، وخلع على القاضي أبي خازم وقُلِّد قضاء الشرقيَّة، وبادَرَايا، وسقي الفرات (٤)، وشاطئ دجلة إلى حدِّ عمل واسط، مضافًا إلى ما كان يتولَّاه من القضاء على الكوفة وأعمالها، وعبد الحميد بن عبد العزيز على الجانب الغربيّ، وذلك بعد أن أقامت بغداد ثلاثة أشهر وثمانية عشر يومًا بعد وفاة إسماعيل بغير قاضٍ.
стр. 7463
وكتب المعتضد إلى عليّ بن محمد بن أبي الشَّوارب وهو بسُرَّ من رأى بتولِّي القضاء بها، فصار إلى بغداد، فولي قضاء مدينة المنصور، وقُطْرَبُّل، مضافًا إلى ما كان يتولَّاه من القضاء بسامرَّاء، وتكريت، وطريق الموصل، وخلع عليهم، وقُرئت عهودهم، وأُمروا جميعًا بالجلوس في المساجد الجامعة.
وخلع المعتضد على حمدان بن حمدون وأطلق في الركوب.
ولعشر (١) بقين من جمادى الآخرة أمر المعتضد بالكتاب إلى جميع البلاد بردِّ [الفاضل من سهام] ذوي الأرحام، [يعني الميراث من سهام ذوي المواريث]، وإبطال (٢) ديوان المواريث، وصرف عمَّاله، فنفذت الكتب، وقرئت على المنابر.
وسببه: أنَّه سأل القاضي أبا خازم فقال: ما تقول فيه؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قال الله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] فقال المعتضد: قد رُوي عدم الرَّدِّ عن الخلفاء الأربعة، فقال أبو خازم: كذب النَّاقل عنهم، بل كلُّهم ردُّوا، جميعُ الصحابة سوى زيد بن ثابت، ولا يعتدُّ بخلافه مع الجمهور، وكان يُخفيه حتَّى مات عمر رضوان الله عليه خوفًا منه، وهو مذهب فُقهاء التابعين ومَن بعدهم، ولم يذهب إلى قول زيد غير الشَّافعيّ في أحد القولين، والقول الآخر مثلُ قول الصَّحابة، فقال المعتضد: اكتبوا إلى الآفاق بذلك، وكثرت الأدعية للمعتضد، وقالوا: أحيي سُنَّة الخلفاء.
وفيها (٣) خرج عمرو بن الليث من نَيسابور، فخالفه رافع بن هَرْثَمة إليها، فدخلها، وخطب بها لمحمد بن زيد الطَّالبي وأبيه، فقال: اللهمَّ وأصلح الدَّاعي إلى الحقِّ، القائم بالعدل والقسط، الإمام أبا عبد الله محمَّد بن زيد ابن رسول الله ﷺ ، وكان رافع مُباينًا لبني العبَّاس، خارجيًّا عليهم، وكان عمرو الصفَّار يقاتله، ولما بلغ عَمْرًا ما فعل رافع عاد إلى نيسابور، فنزل بعسكره ظاهِرَها، وأقام محاصرًا لها في ربيع الآخر.
стр. 7464
وفيها قدم بغداد جماعة من قوَّاد جيش بن خمارويه، منهم محمد بن إسحاق بن كنداجيق، وخاقان المفلحي، وبدر بن جُفّ وغيرهم، وسببُ قدومهم إلى المعتضد بالأمان أنَّهم أرادوا أن يفتكوا بجَيش، فسُعي بهم إليه، وكان راكبًا في موكبه، وعلموا أنَّه قد علم بهم، فخرجوا من يومهم، وسَلكوا البَرّيَّة، وتركوا أموالهم وأهاليهم، فتاهوا أيَّامًا، ومات منهم جماعة بالعطش، ثمَّ خرجوا على طريق الكوفة، وبلغ المعتضد فأرسل إليهم بالأطعمة والدَّوابِّ وغيرها، فلما وصلوا بغداد حبس لهم، فدخلوا عليه، فقرَّبهم وأدناهم، وخلع عليهم، وأنزلهم المنازل، وكانوا ستين رجلًا (١).
وفيها وثب الجندُ من المغاربة والبربر على جَيش بن خُمارويه، وقالوا: لا نرضى بك أميرًا، فتنحَّ عنَّا حتَّى نوَلِّيَ عمَّك، فكلَّمهم كاتبُه عليُّ بن أحمد الماذرائيّ، وسألهم أن ينصرفوا عنه يومَهم، فانصرفوا، وغدا جَيش على عمِّه الَّذي ذكروا أنَّهم يؤمِّرونه، فضرب عُنُقَه وعُنُقَ عمٍّ آخر له، ورمى برؤوسهما إليهم، فهجم الجند على جيش فقتلوه، وقتلوا أمَّه، وانتهبوا داره [بمصر] وأحرقوها، وأقعدوا هارون بن خمارويه مكان أخيه جيش.
وفيها وقع الفداء بين المسلمين والرُّوم على يدي أحمد بن طُغان والي طَرَسوس في شعبان، فكان عدَّة من فُودي من المسلمين الرِّجالِ والنساءِ مقدار ألفين وخمس مئة وأربعة أنفس.
وفيها استأمن عمر بن عبد العزيز بن أبي دُلف إلى بدر، فخرج الوزير عبيد الله (٢) إلى لقائهم، ونزلوا في مضرب بدر، وخلع عليهم، وحلفوا أنَّهم في طاعة أمير المؤمنين، وكان قبلهم قد دخل بكر بن عبد العزيز بن أبي دُلَف في الطَّاعة إلى بدر والوزير، فولَّياه عمل أخيه عمر على أن يخرج إليه فيحاربه، فلمَّا دخل عمر في الطَّاعة قال الوزير لبكر: إنَّ أخاك قد أطاع، وإنَّما ولَّيناك عمله لكونه كان عاصيًا، والآن فامضيا إلى باب أمير المؤمنين ليرى رأيه فيكما.
وولي عيسى النُّوشري أصبهان، وأظهر أنَّه من قِبَل عمر بن عبد العزيز، فهرب بكر
стр. 7465
في أصحابه، فكُتب بذلك إلى المعتضد، فكتب إلى بدر يأمره بالمقام مكانه حتَّى يعرف خبر بكر.
وسار الوزير إلى الرَّيِّ فلحق بعليِّ بن المعتضد، وظهر خبر بكر أنَّه بالأهواز، فوجَّه المعتضد خلفه وصيف موشكير، فانتهى إلى حدود فارس، وبات كلُّ واحد منهم قريبًا من صاحبه ولم يتوافقا، فارتحل بكر في الليل ولم يتبعه وصيف، ومضى إلى أصبهان، ورجع وصيف إلى بغداد، وكتب المعتضد إلى بدر بحربه، فتقدَّم بدر إلى عيسى النُّوشري بذلك، فقال بكر من أبيات طويلة: [من الكامل]
يا بدرُ إنَّك لو شهدتَ مواقفي … والموتُ يَلْحَظ والصِّفاحُ دَوامي
لذَمَمْتَ رأيَك في إضاعةِ حُرْمَتي … ولضاق ذَرْعُك (١) في اطِّراح ذِمامي
حرَّكْتَني بعد السُّكونِ وإنَّما … حرَّكْتَ من حِصني جبال تَهامِ
وقال يذكر هرب النُّوشريّ من بين يديه، ويعيِّر وصيفًا بالإحجام عنه، ويتهدَّد بدرًا: [من الخفيف]
قالتِ البِيضُ قد تغيَّر بَكرٌ … وبدا بعد وَصْلِه منه هَجْرُ
ليس كالسَّيفِ مُؤنِسٌ حين يَعْرُو … حادثٌ مُعْضِلٌ ويَفْدَحُ أَمْرُ
أوقَدوا الحربَ بيننا واصطَلَوْها … ثمَّ خانوا فأين منها المَفَرُّ
وبَغَوْا شرَّنا فهذا أوانٌ … قد بدا شَرُّه ويتلوه شَرُّ (٢)
قد رأى النُّوشَريُّ لمَّا التقينا … مَن إذا أُشرع الرِّماحُ يَفِرُّ
جاء في قَسْطَلٍ لُهامٍ (٣) فصُلْنا … صَولةً دونها الكُماةُ تَهِرُّ
ولِوا الموشَجِير أفضى إلينا … رُوِّيَتْ عند ذاك بِيضٌ وسُمْرُ (٤)
стр. 7466
غرَّ بدرًا حِلْمي وفَضلُ أَناتي … واحتمالي وذاك ممَّا يَغُرُّ
لستُ بَكرًا إن لم أدَعْهم حديثًا … ما سَرى كوكبٌ وما كَرَّ دَهْرُ
وفي شوال مات عليُّ بن محمد بن أبي الشَّوارب، فحُمل إلى سرَّ من رأى في تابوت، فدُفن بها، وكانت ولايتُه على قضاء مدينة المنصور ستة أشهر.
وفيها قدم بغداد عمرُ بن عبد العزيز بن أبي دُلَف، فأمر المعتضد بتلقِّيه، فتلقَّاه الخواصُّ والقوَّاد، ووصل إلى المعتضد، فخلع عليه وأحسن إليه.
وفيها هزم (١) عمرو بن الليث رافعَ بنَ هَرْثَمة، وجدَّ في طلبه.
وبعث عمرو [بن الليث] إلى مكة بمال جليل لينفق على ضيافة (٢) الماء من عرفات إلى مكة.
وفيها ورد كتاب عمرو بن اللَّيث إلى المعتضد يخبره بقتل رافع بن هرثمة بخُوارزم، وأنَّه بعث محمد بن عمرو البلخيَّ في جيش، فواقعه بطُوس فانهزم، وتبعه فلحقه بخُوارزم، وبعث بخاتمه مع الكتاب (٣).
وحجَّ بالنَّاس محمد بن عبد الله بن تُرنجة.
وفيها توفِّي (٤)
إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم
أبو إسحاق، الثَّقفيُّ، السَّرَّاج، النَّيسابوريُّ.
كان الإمامُ أحمد بن حنبل رحمة الله عليه يَزوره في منزله، ويُفطرُ عنده، ويَنْبَسط إليه في منزله؛ لزُهده وورعه وصلاحه، وأقام ببغداد حتَّى توفِّي بها.
سمع الإمام أحمد ﵀ وغيرَه، وروى عنه أخوه محمد بن إسحاق (٥).
стр. 7467
جَيش بن خُمارويه
ابن أحمد بن طولون.
ولي إمرة دمشق بعد موت أبيه مدَّةً يسيرة، ثمَّ خرج إلى مصر في هذه السَّنة، واستخلف على دمشق طُغْج بن جُفّ، فلمَّا دخل مصر لم يرضَ أهلُها، وقالوا: نريد عمَّك أبا العشائر بن أحمد، فوثب هارون بن خُمارويه على أخيه جَيش فقتله في جمادى الأولى (١)، وكانت ولايته خمسة أشهر، واستولى هارون على مصر.
قال ربيعة بن أحمد بن طولون: لمَّا قُتل أخي خمارويه ودخل ابنه جيش مصر قبض عليَّ وعلى عمَّيه مضر وشيبان (٢) ابني أحمد، وحبسنا في حجرة معه بالميدان، وكان كلّ يوم يأتينا بمائدة عليها طعام، فكنَّا نجتمع عليها، فجاءنا يومًا خادم، فأخذ أخانا مُضَر، فأدخله بيتًا، فأقام خمسة أيام لا يَطعَم ولا يَشْرَب، مقفول عليه بقفل، فدخل علينا ثلاثةٌ من أصحاب جيش وقالوا: أين أخوكم؟ قلنا: لا ندري، فدخلوا عليه البيت، فضربه واحدٌ منهم بسَهم في مقتله فقتلوه، وغلَّقوا علينا الباب، وبقينا يوم الجمعة والسبت لم يقدّموا إلينا طعامًا، فظننا أنَّهم نسونا، فلمَّا كان يوم الأحد سمعنا [صارخة في الدار] (٣)، وفتح علينا الباب، وأُدخل إلينا جَيش بن خُمارويه، فقلنا: ما حالك؛ فقال: غلبني أخي هارون، وتولَّى الإمارة، فقلنا: الحمد لله الَّذي قبض يدكَ وأضرع خدَّك، فقال: ما كان عَزْمي إلا أن أُلحقكما بأخيكما.
ودخل خادم ومعه مائدة من الطَّعام وقال: إنَّ الأمير هارون قد بعث إليكما بهذه المائدة، وكان في عزم جيش أن يُلحقكما بأخيكما، فقوما إليه فاقتلاه، وخذا بثأركما منه، وانصَرِفا على أمان، قال: فلم نقتله، وانصرفنا إلى منازلنا، وبعث هارون خدمًا فقتلوه، وكُفينا أمر عدوِّنا.
[فصل وفيها توفِّي]
سهل بن عبد الله بن يونس
أبو محمد، التُّسْتَري (٤).
стр. 7468
أحد المشايخ، ومن أكابر علماء القوم، والمتكلِّم في علوم الإخلاص والرياضات، وكان كبيرَ الشَّأن في باب الورع والمعاملات، مشهورًا بالكرامات.
[ذكر طرف من أخباره:
حكى ابن خميس في "المناقب": أنَّه] (١) كان يقوم الليل وله ثلاث سنين. قال: كُنْتُ أنظر إلى [صلاة خالي محمد] بن سَوّار وكان يقوم الليل، فكنت أقوم معه.
[وروي أنَّه] صام الدَّهر وهو في القِماط، قال: أرضعتني أمِّي ليلًا، ثمَّ طلع الصَّباح، فألقى الله عليَّ النُعاس طول النهار، فلمَّا جاء اللَّيل أرضعتْني، فبقيتُ على هذا مدَّة الرضاع، ثمَّ ألهمني الله وأنا ابن ثلاث سنين [سَرْدَ الصوم، قال: وحفظت القرآن وأنا ابن ستِّ سنين] وكنتُ أَسْرُد الصَّوم وأفطر على خبز الشَّعير حتَّى بلغتُ اثنتي عشرة سنة.
قال: وقال لي خالي محمد بن سَوّار وأنا طفل: [يا سهل،] ألا تذكر الله الَّذي خلقك؟ قلت: كيف أذكره؟ قال: تقول بقلبك من غير أن تحرِّك شفتيك ولسانَك: الله ناظري، الله شاهدي، الله معي، ثمَّ قال: دُم على هذا فإنَّه ينفعك في قبرك، [قال:] فدُمت عليه، فوجدتُ حلاوتَه في سرِّي.
وقال: وقعتُ في مسألة وأنا ابن اثنتي عشرة سنة، فخرجتُ إلى عبَّادان، فسألتُ عنها أبا حبيب حمزةَ بنَ عبد الله العبَّاداني، فأجابني عنها، ثم رجعتُ إلى تستر، فكان قوتي في كل شهر درهم أشتري به شعيرًا وأطحنه، وأُفطر في كل ليلةٍ وقتَ السَّحرَ على أوقيَّة [بغير] ملح ولا إدام، وكنتُ أُواصل اليومين والثلاثة والعشرة والعشرين وأكثر.
[حدثنا جدِّي ﵀ بإسناده عن] أبي العبَّاس الخوَّاص قال: كنت أحبُّ أن أعلم من أينَ يقتات سهل بن عبد الله؟ [فلم يخبرني أحد]، فجئتُ ليلة إلى المسجد وسهل قائمٌ يصلِّي، [فجاءت شاةٌ فدخلت المسجد،] فأوجز في صلاته، وأخذ قَعْبًا من طاق
стр. 7469
المسجد]، فجاءتْ فوقفت بين يديه، فحلَبها لبنًا، فملأ القَعْب وشرب، ثمَّ مسح يده عليها وكلَّمها بالفارسية، فخرجت إلى البريَّة، وعاد إلى صلاته، [قال ابن جَهْضَم: وكان يفطر في شهر رمضان على الماء القراح].
[وحكى في "المناقب" عن] بعض أصحابه قال: دخلت على سهل (١) يوم الجمعة وقت الصَّلاة، فرأيتُ في البيت حيَّةً، فجعلت أُقدِّم رِجلًا وأؤخِّر أخرى، فقال لي: ادخل، لا يَبلغ العبدُ حقيقةَ الإيمان وعلى وجه الأرض شيءٌ يخافه، ثمَّ قال: هل لك في صلاة الجمعة؟ فقلت: بيننا وبين المسجد مسيرةُ يوم وليلة، فقام وأخذ بيدي، فما كان بأسرع أن رأيت المسجد، فصلَّينا الجمعة وخرجنا، فوقف ينظر إلى النَّاس وهم خارجون، فقال: أهل لا إله إلا الله كثير، والمخلصون منهم قليل.
ووقع بين يديه حمام في المسجد، فقال: إنَّ شاه بن شُجاع الكرمانيّ قد مات في هذه السَّاعة، فأرَّخوا الوقت، فكان كما قال.
وظهر بيعقوب بن الليث الصَّفَّار مرضٌ أعيى الأطباء، فقيل له: لو دعا لك سَهل لعوفيت، فاستحضره وقال: ادعُ الله لي، فقال: ما يَنفَعك دعائي وفي الحبس مظلومون يدعون عليك؟ فأخرج جميعَ مَن كان في حبسه، فقال سهل: [اللهم كما أريتَه] ذُل المعصية، فأرِهِ عزَّ الطَّاعة، فعُوفي من ساعته، وأخرج مالًا عظيمًا وقال لسهل: فرِّقه في الفقراء، فلم يقبل منه، فخرج من عنده، فقيل له: لو قبلتَه ودفعتَه إلى الفقراء، فنظر في الصَّحراء، وأشار إلى الحصى، فصار كلُّه جواهر، فقال لأصحابه: مَن يُعطى مثل هذا لا يحتاج إلى مال يعقوب بن اللَّيث.
[وحكى عنه في "المناقب" أيضًا أنَّه] قال: أوَّل ما رأيتُ من العجائب والكرامات أنِّي خرجتُ يومًا إلى موضعٍ خالٍ، وطاب لي المقام فيه، وحضر وقتُ الصَّلاة، ولم يكن عندي ماء، فاغتَمَمْتُ لفَقْد الماء، فبينا أنا كذلك إذا بدُبٍّ يمشي على رجليه ومعه جرَّةٌ خضراء، فدنا منِّي وسلَّم عليَّ، ووضع الجرَّة بين يديّ، فجاءني اعتراضُ العلم، وقلت: هذا الماء لا أدري من أين هو؟ فنطق الدُّبُّ وقال: يا سهل، نحن قومٌ قد
стр. 7470
انقطعنا إلى الله تعالى على عَزْم التوكل والمحبَّة، فبينما نحن نتكلَّم مع أصحابنا في مسألةٍ إذ نُودينا: ألا إنَّ سهلًا يريد أن يُجدِّد الوضوء، ووضعت الجرَّة بين أيدينا.
قال سهل: وإلى جانبها مَلَكان يَصُبَّان فيها الماء من الهواء وأنا أسمع، فغُشي عليَّ، ثمَّ أفقتُ، وإذا الجرَّة موضوعة، ولا علمَ لي بالدبِّ أين ذهب، وأنا متحسِّرٌ حيث لم أكلِّمْه، فتوضَّأْتُ من الجرَّة، وأردتُ أن أشرب منها فنوديت: ياسهل، ما آن لك أن تشربَ من هذا الماء بعدُ، قال: وبقيت الجرَّةُ تضطرب وأنا أنظر إليها، فلا أدري أين ذهبت.
و [ذكر في "المناقب" أيضًا أنَّه] كان لسهل بتُسْتَر بيت تضيف فيه السّباع، قال أبو نصر السَّرَّاج: دخلنا تُستَر فرأينا في قصر سهل بيتًا يسمُّونه بيت السِّباع، فسألنا عنه فقالوا: كانت السِّباعُ تزور سَهلًا، فيُدخِلَهم هذا البيت، ويطعمهم اللَّحم، قال أبو نصر: ورأيتُ أهل تُستر مُجتمعين على هذا، وهم الجمُّ الغَفير، والعَددُ الكثير، لا يُتصوَّر تواطؤهم على الكذب.
[قال السرَّاج: وحكى لنا] أبو سعيد صاحب سهل قال: دخل سَبُع إلى دار سهل ففزعنا كلُّنا، فقام سهل فأدخله البيت، وأمرني أن أشتريَ له لحمًا ثلاثة أيام، فلمَّا كان في اليوم الرابع جاءه سهل فوقف على الباب وقال: يا مُبارك، الضيافة ثلاثة أيام (١)، فخرج السَّبُع إلى البريّة يُهَرْول.
وقال رجل من أصحابه له: ربَّما أتوضأ للصلاة، فيَسيلُ الماء بين يديَّ قضبان الذَّهب والفضَّة، فقال له سهل: أما علمتَ أن الصِّبيان إذا بكَوا يُعطَون خَشخاشة يشتغلون بها.
وقال له بعض أصحابه: أريد (٢) الخروج إلى البيت المقدس، وأحبُّ أن يكون لي هناك مَن آنَسُ به، فدلَّني على رجلٍ يكون كذلك، فقال له سهل: اذهب إلى هناك فإنَّك تلقى فلانًا، ووصف له صفتَه ومكانه من المسجد، قال الرجل: فأتيتُه فعرفتُه
стр. 7471
بالوَصْف، وسلَّمتُ عليه، وقلت: ادعُ لي، فقال: أتعرفُني؟ قلتُ: دلَّني عليك سهل، فقال: أتحبُّ أن ترى سهلًا؟ فقلتُ: إنِّي خلَّفتُه بتُستَر في بلده، فقال: قم إلى ذاك العَمود، فقمتُ إليه، وإذا بسهل قائمٌ يصلِّي عنده، فوقعت عليَّ رِعدة ولم أكلِّمه، وغلبني النَّوم، فأنبهوني للصَّلاة.
وقال سهل: كنت (١) يومًا بناحية ديار عاد، فرأيتُ مدينةً من حجرٍ منقور، في وسطها قصرٌ من حجارة، مَنقورةٌ سُقوفُه وأبوابه، تأوي إليه الجنُّ، فدخلتُه، وإذا شيخٌ عظيمُ الخِلْقة يصلِّي نحو الكعبة، وعليه جُبَّة صوف فيها طراوة، [قال:] فلم أتعجَّب من عِظَم خِلقَتِه كما تعجَّبت من طراوة جُبَّته، فسلَّمت عليه، فردَّ وقال: يا سهل، إنَّ الأبدان لا تُخلِق الثِّياب، وإنَّما يُخلِقها روائحُ الذُّنوب، ومطاعمُ السُّحْت، وإنَّ لهذه الجُبَّةِ علي سبع مئة سنة (٢)، وفيها لقيتُ المسيح ﵇ ومحمدًا ﷺ ، وآمنتُ بهما، فقلتُ له: ومَن أنت؟ فقال: أنا الَّذي نزل فيَّ قوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ١] الآية.
وقال (٣) عبد العزيز الأهوازي: قال لي سهل بن عبد الله: مُخالطة الوليِّ للنَّاس ذلٌّ، وتفرُّدُه عزٌّ.
وقال: ما رأيتُ وليًّا لله إلا مُنفردًا إلَّا عبد الله بن صالح؛ فإنَّه كان رجلًا صالحًا له سابقةٌ جَليلة، وكان يفرُّ من الناس من بلد إلى بلد حتَّى أتى مكَّة، فطال مُقامه بها، فقلتُ له في ذلك فقال: ولمَ لا أُقيم ببلدٍ أر بلدًا تنزل فيه من الرَّحمة والبَركة أكثر من هذا البلد؟ والملائكة تغدو فيه وتروح، وإنِّي أرى فيه أعاجيبَ كثيرة، أرى الملائكة يطوفون به على صور شتَّى لا يقطعون ذلك، ولو قلتُ ذلك كلّما رأيتُ لصَغُرت عنه عقولُ البشر أو عقولُ قوم ليسوا بمؤمنين، فقلت: أسألك، ألا أخبرتَني بشيءٍ من ذلك، فقال:
ما من وَليٍّ لله صحَّت ولايتُه إلَّا وهو يَحضر في هذا البلد في كلِّ ليلةِ جمعة، ولا
стр. 7472
يتأخَّر عنه، فمقامي ها هنا لأجل مَن أراه منهم، ولقد رأيتُ رجلًا يقال له: مالك بن القاسم جبليّ، قد جاء ويده غَمِرَة (١)، فقلتُ له: إنَّك قريبُ عَهْدٍ بالأكل؟ فقال لي: أستغفر الله؛ فإنِّي منذ أسبوع لم آكل، ولكن أطعمتُ والدتي، وأسرعتُ لألحقَ صلاةَ الفجر ها هنا، وبينه وبين الموضع الَّذي جاء منه سبع مئة فرسخ، فهل أنت مؤمن بهذا؟ قال سهل: فقلت: نعم، فقال: الحمد لله الَّذي أراني مؤمنًا موقنًا.
ذكر المختار من كلامه:
[حدَّثنا غير واحد عن عمر بن المظفَّر بإسناده، عن محمد بن الحسن بن مصباح] قال: [سمعتُ] سهل [بن عبد الله يقول:] أمسِ قد مات، واليوم في النَّزْع، وغدًا لم يولد.
[وحكى عنه في "المناقب" أنَّه] قيل له: ما تقول في هذا الَّذي يقولون: يكون الرجل بالغَداة بالبصرة، وبالعَشيّ بمكة؟ فقال: أليس يكون لبعض الملوك عَبْدٌ يَدفع إليه مفاتيح خزائنه يتصرَّف فيها كيف شاء؟! قالوا: بلى، قال: فكذا العبد إذا أطاع مولاه فيما أمره به ونهاه، واجتهَد فيما يقرِّبه إليه، سخَّر له كلَّ شيء.
[وروى أبو نعيم الأصفهاني (٢) بإسناده إلى ابن الصباح قال:] قال [سهل:] استجلبْ حَلاوةَ الزُّهدِ بقِصَر الأمل، واقطع أسبابَ الطَّمَع بصحَّةِ اليأس، وتعرَّض لرقَّة القلب بمُجالسةِ أهل الذِّكر، واستفتِحْ بابَ الحُزن بطول الفكر، وتزيَّن لله بالصِّدق، وإيَّاك والغَفْلة؛ فإنَّ فيها سوادَ القلب.
[وحكى في "المناقب" بمعناه، وزاد عليه:] وتحبَّب إلى الله بتَعجيل الانتقال، وإيَّاك والتَّواني فيما لا عُذرَ فيه؛ فإنَّه مَلجأ النَّادمين، واسترجِعْ سالفَ الذُّنوب بشدَّة النَّدَم، وتعرَّضْ لعفو الله بحُسن المراجعة، واستدِمْ بعظيم الشُّكر خوفَ زوال النِّعمة.
[وحكى أبو نعيم (٣) عنه أنَّه، قال: أوَّل الحِجاب الدَّعوى، فإذا أخذوا فيها حُرموا.
[وحكى الخطيب عن سهل بمعناه قال:] ليس بين العبد وبين الله حِجابٌ أغلظ من الدَّعوى، ولا طريقٌ أقرب من الافتقار.
стр. 7473
[وحكى عنه ابن باكويه أنَّه قال:] ليس على النَّفس شيءٌ أشدَّ من الإخلاص؛ لأنَّه ليس لها فيه نصيب.
[وحكى عنه في "المناقب" أنَّه] قال: كلُّ الأحوال لها وجهٌ وقفا، إلَّا التوكُّل فإنَّه وجهٌ بلا قفا.
[وحكى عنه أيضًا أنَّه] قال: ما من قلبٍ إلا والله تعالى مطَّلعٌ عليه، فإن رأى فيه مَيلًا إلى غيره سلَّط عليه إبليس.
وقال: لا يستحقُّ الإنسان الرّياسة حتَّى يَصرف جهله عن النَّاس، ويَحمل جَهلَهم، ويَتركَ لهم ما في أيديهم، ويَبذُلَ لهم ما في يده.
وقال: من أخلاق الصِّدِّيقين أنَّهم لا يَحلفون بالله صادقين ولا كاذبين، ولا يَغتابون ولا يُغتاب عندهم، وإذا وَعدوا لم يُخلِفوا، ولا يُشْبِعون بطونَهم، ولا يَمزحون، ولا يتكلَّمون إلَّا الاستثناء في كلامهم.
وقال: الآيات لله، والمعجزات للأنبياء، والكرامات للأولياء، والمعونات للمريدين، والتمكين لأهل الخصوص.
وقال: تربة المعاصي الأمل، وبذرها الحرص، وماؤها الجهل، وزارعها الإصرار، وتربة الطاعة المعرفة، وبَذْرها اليقين، وماؤها العلم، وزارعها الإقلاع.
وقال: مَن لم يَصحبه الورعُ أكل رأسَ الفيل ولم يشبع.
وقال له رجل: أُريد أن أصْحَبَك، فقال: إذا مات أحدُنا فمَن يصحب الباقي؟
فقال: الله تعالى، قال: فلنَصْحَبه الآن.
وسئل عن ذات الله تعالى، فقال: ذاتُه سبحانه موصوفة بالعلم، غيرُ مُدْرَكَةٍ بالأبصار في دار الدنيا، وهي موجودة بحقائق الإيمان من غير حدٍّ ولا إحاطة، قد حجب الخَلْقَ عن معرفةِ كُنْهِ ذاته، ودلَّهم عليه بآياته، فالقلوب تَعرفُه، والعقول لا تُدركه.
وقال: مَن كان له في الدُّنيا سببٌ يتعلَّق به غير الله، أو يُؤوي إليه غيرَه، فقلبه مَحجوبٌ عنه، ومَن لم يغلب عليه الوَحدة فهو بعيدٌ من باب الله تعالى.
стр. 7474
وقيل له: ما القوت؟ فقال: ذكرُ الحيِّ الَّذي لا يموت. وقال: إنَّ الله تعالى منع أقوامًا لَذيذَ مُناجاته، فلم يرض عقولَهم لمعرفته، ولا أبدانَهم لخدمته، فجعلهم عَبيدَ الدنيا.
[وقال في "المناقب" أيضًا:] كان قد أصاب سَهلًا زَمانَةٌ في آخر عمره، فكان إذا حضر وقتُ الصلاة انتَشَرت يداه ورجلاه، فإذا فرغ من الصَّلاة عادت الزَّمانة، ولم يزل كذلك إلى أن مات.
[واختلفوا في وفاته؛ فذكر أبو عبد الرحمن السُّلَمي في "الطبقات" (١) أنَّه] مات في هذه السَّنة، وقيل: في سنة ثلاث وسبعين ومئتين.
[قال في "المناقب":] ولمَّا خرجوا بجنازته أكبَّ النَّاس عليها وهناك شيخٌ يهوديٌّ، فصاح صَيحة عظيمة وقال: هل ترون ما أرى؟ قالوا: وما ترى؟ قال: أرى أقوامًا نزلوا من السَّماء يتمسَّحون بالجنازة، ثمَّ أسلم في الحال وحَسُن إسلامُه.
أسند سهل عن خاله محمد بن سَوَّار، واجتمع بذي النُّون المصري بمكَّة، ولقي جماعة من المشايخ، وكانت وفاته بتُسْتَر ﵁ (٢).
صالح بن محمد
ابن عبد الله بن عبد الرحمن، أبو الفضل، الشِّيرازي (٣) البغداديّ.
كان رجلًا صالحًا، ختم القرآن أربعة آلاف مرَّة، وتوفِّي في شوال.
حدَّث عن عفَّان بن مسلم وغيره، وروى عنه أبو بكر الشَّافعي وغيرُه، وكان ثقة.
عبد الرحمن بن يوسف
ابن سعيد بن خِراش، أبو محمد، الحافظ، البغداديُّ.
أقام بنيسابور مدَّة مُستَفيدًا من محمد بن يحيى الذُّهلي وغيره، وسمع منه جماعة، ورواته حُفَّاظ الأئمة من أهل الدُّنيا؛ لأنَّه كان أوحدَ زمانه، وفريدَ عصره، ومات ببغداد لخمسٍ خَلَون من رمضان.
أسند عن خلق كثيرٍ؛ وروى عنه أحمد بن عُقْدَة وغيره.
стр. 7475
ومن شعره: [من السريع]
وقائلٍ كيف تهاجَرْتُما … فقلتُ قولًا فيه إنصافُ
لم يكُ من شكلي فتاركتُهُ … والنَّاسُ أشكالٌ وأُلَّافُ
واتَّفقوا على صدقه، وثقته، وأمانته، وفضله (١).
وقال أبو أحمد بن عديّ: كان يتشيَّع، سئل عن قوله ﷺ : "نحن معاشر الأنبياء لا نُورَث، ما تركناه صدقة". فقال: هذا حديث باطل (٢).
عليُّ بن العبَّاس بن جُرَيج
أبو الحسن، ابن الرُّومي، الشَّاعر، مولى عُبيد الله بن عيسى بن جعفر.
شاعر مَشهور فصيح، وهو أحد الشُّعراء المُكْثِرين المُجَوِّدين في الغَزَل، والمديح، والهجاء، والأوصاف.
ومن شعره: [من الطويل]
إذا ما كساكَ الدَّهرُ سِرْبال صِحَّةٍ … ولم تَخْلُ من قوتٍ يَلَذُّ ويَعْذُبُ
فلا تَغْبِطَنَّ المُتْرَفين فإنَّه … على قَدْرِ ما يَكسوهمُ الدَّهرُ يَسْلُبُ (٣)
وقال: [من الوافر]
عدوُّكَ من صديقك مُستفادٌ … فلا تَسْتَكْثِرنَّ من الصِّحابِ
فإنَّ الدَّاءَ أكثر ما تراه … يكون من الطَّعامِ أو الشَّراب
إذا انْقَلبَ الصَّديقُ غدًا عدوًّا … مُبينًا والأمورُ إلى انقلابِ
فدَعْ عنك الكثيرَ فكم كثيرٍ … يُعافُ وكم قليلٍ مُستَطاب
وما اللُّجَجُ المِلاحُ بمُرْوياتٍ … وتَلْقى الرِّيَّ في النُّطَفِ العِذابِ (٤)
стр. 7476
وقال: [من الطويل]
لِمَا تُوعد الدُّنيا به من صُروفِها … يكون بُكاءُ الطِّفلِ ساعةَ يُولَدُ
وإلَّا فما يُبكيه منها وإنَّها … لَأَفْسَحُ ممَّا كان فيه وأرغَدُ (١)
أخذ هذا المعنى بعض المتأخِّرين فقال: [من الطويل]
لِمَا توعد الدُّنيا به من شُرورها … يكون بكاءُ الطِّفل ساعةَ يُوْضَعُ
وإلَّا فما يُبكيه منها وإنَّها … لأفسحُ ممَّا كان فيه وأوسعُ
وقال في ابنٍ لعيسى بن منصور وكان شحيحًا: [من المتقارب]:
يُقَتِّرُ عيسى على نَفسِهِ … وليس بباقٍ ولا خالد
فلو يستطيعُ لتَقْتِيرِه … تنفَّسَ من مِنْخَرٍ واحدِ (٢)
وقال وقد نزل في سفينة، فرأى أبا رِياح على دار ابن طاهر والشُّرفات: [من الوافر]
ترى شُرُفاتها مثلَ العَذَارى … خَرَجْنَ لنُزهَةٍ فقَعَدْنَ صَفَّا
عليهنَّ الرَّقيبُ أبو رياحٍ … فليس لخوفه يُبْدينَ حَرْفا (٣)
وقال: [من الطويل]
إذا ما مدحتَ الباخِلين فإنَّما … تُذَكِّرُهم ما في سِواهم من الفَضْلِ
وتُهدي لهم غمًّا طويلًا وحَسْرةً … فإنْ مَنعوا منك النَّوال فبالعَدْلِ (٤)
وقال: [من الطويل]
تَخَذْتُكُمُ حِصنًا حَصينًا لتَدْفَعوا … نِبال العِدا عنِّي فكنتم نِصالها
وقد كنتُ أرجو منكمُ خيرَ ناصرٍ … على حين غَدْراتِ اليمين شِمالها
فإن أنتُمُ لم تَحفظوا لي مَوَدَّتي … ذِمامًا فكونوا لا عليها ولا لَها
قِفوا مَوْقِفَ المَعْذورِ عنِّي بمَعْزِلٍ … وخلُّوا نِبالي والعِدا ونِبالها (٥)
стр. 7477
وقدم بعضُ إخوانه من سفرٍ، فتأخَّر عن السَّلام عليه، فكتب إليه يقول: [من الكامل]
يا مَن أُؤمِّلُ دونَ كلِّ كَريمِ … وتُحبُّ نفسي دون كلِّ حَميمِ
أخَّرتُ تَسليمي عليك كَراهةً … لزِحامِ مَن يَلقاك للتَّسليمِ
وذكرتُ قِسْمتَكَ التَّحفِّي بينهم … عند اللقاءِ كفعلِ كلِّ كريمِ (١)
فنَفَسْتُ ذاك عليهمُ وأرَدْتُه … من دونهم وَحْدي بغير قَسيمِ
فصبرتُ عنك إلى انْحِسارِ غِمارِهم … والقلبُ نَحوك دائمُ التَّحْويمِ
صَبْرَ امرئٍ يُعطي المودَّةَ حقَّها … لا صَبْرَ مَذْمومِ الحِفاظِ (٢) لَئيمِ
والسَّعْيُ نحوك بعد ذاك فَريضةٌ … وقَضاءُ حَقِّك واجبُ التَّقديمِ
وقال أبو عثمان النَّاجم: دخلتُ على ابن الروميّ وهو يموت، فقال لي: [من الوافر]
أبا عُثمانَ أنت حَميدُ (٣) قومِكْ … وجُودُكَ للعَشيرةِ دون لومِكْ
تزوَّدْ من أخيك فما أُرَاه … يَراك ولا تَراهُ بعد يَوْمِكْ
فلمَّا خرجتُ من عنده مات.
وكان موته في هذه السَّنة، وقيل: سنة أربع وثمانين ببغداد، ويقال: إنَّ الوزير القاسم بن عبيد الله سَمَّه في خُشْكنانه؛ لأنَّه هجاه.
وله: [من الطويل]
وحَبَّبَ أوطانَ الرِّجال إليهمُ … مآربُ قضَّاها الشَّبابُ (٤) هُنالكا
إذا ذَكَروا أوطانَهم ذكَّرَتْهمُ … عُهودَ الصِّبا فيها فحَنُّوا لذلِكا
стр. 7478
عليُّ بن محمد بن أبي الشَّوارب
الأمويّ البَصريّ، أبو الحسن، قاضي سرَّ من رأى.
سمع أبا الوليد الطَّيالسيَّ وغيره، وروى عنه ابن صاعد (١) وغيرُه، وكان عفيفًا ديِّنًا ثقة.
وكانت وفاته ببغداد في شوَّال، وحمل إلى سرَّ من رأى.
الوليد بن عُبيد
ابن يحيى بن عُبيد، أبو عُبادة، البُحْتُريّ (٢)، من بُحتر طَيِّئ، من أهل مَنْبج.
شاعر مشهور، ولد سنة مئتين، وقيل: سنة ستٍّ ومئتين، تأدَّب، وخرج إلى العراق فمدح المتوكِّل، والخلفاء، والأمراء، والأكابر، والرؤساء، وأقام ببغداد دهرًا طويلًا، ثم عاد إلى بلده فمات به سنة ثلاثٍ وثمانين. وقيل: سنة خمس وثمانين ومئتين، وقد بلغ ثمانين سنةً.
وكان يُفَضَّل على أبي تمَّام، وإذا قيل له في ذلك يقول: كلا والله، ذاك الرئيسُ الأستاذ، وهل أكلْنا الخبزَ إلَّا به؟
وكان أبو تمَّام يقول له: أنت أمير الشُّعراء بعدي، فقال البحتري: هذا الكلام أحبُّ إليَّ من جميع ما حَويتُه.
وشهرة البُحتريِّ تُغني عن الإطناب في وصفه.
ومن شعره يمدح كاتبًا: [من الكامل]
وإذا دَجَتْ أقلامُه ثمَّ انتحت … بَرَقتْ مَصابيحُ الدُّجى في كُتْبِهِ
فاللفظُ يُرْقَبُ (٣) فَهْمُه في بُعده … منَّا ويَبْعُد نَيلُه في قُربهِ
حِكَمٌ سَحائبُها خِلال بَنانه … هَظَالةٌ وقَليبُها في قَلْبهِ
стр. 7479
كالرَّوض مؤتَلِقًا بحُمْرَةِ نوره … وبياضِ زَهْرتِه وخُضرةِ عُشْبهِ
وكأنَّها والسَّمعُ مَعقودٌ بها … شخْصُ الحبيب بَدَا لعَينِ مُحبِّهِ
وقال يصف كُتّابًا: [من البسيطِ]
قومٌ إذا أخذوا الأقلامَ عن غَضَبٍ … ثمَّ استمدُّوا بها ماءَ المنيَّاتِ
نالوا بها من أعاديهمْ وإنْ كَثُروا … ما لا يُنالُ بحدِّ المَشْرَفيَّاتِ (١)
وله: [من الكامل]
وإذا تكامل للفتى من عُمْرِه … خمسون وهو إلى التُّقى لا يَجْنَحُ
عَكَفتْ عليه المُخْزِياتُ فما له … مُتأخَّرٌ عنها ولا مُتَزَحْزحُ
وإذا رأى الشَّيطانُ غُرَّةَ وَجْهه … حَيَّى وقال: فَديتُ مَن لا يَصْلُحُ (٢)
وقال يتشوَّق: [من الطويل]
سلامٌ عليكم لا وَفاءٌ ولا عَهْدُ … وَشيكًا ولم يُنجَزْ لنا منكمُ وَعْدُ
حَبيبٌ من الأحبابِ شَطَّت به النَّوى … وأيُّ حَبيب لم يَحُلْ دونه البُعْدُ (٣)
وقال أيضًا: [من الخفيف]
إنْ جَرى بيننا وبينكِ عَتْبٌ … وتَناءت منَّا ومنكِ الدِّيارُ
فالغَليلُ الَّذي عَهِدْتِ مُقيمٌ … والدُّموعُ التي شَهِدْتِ غِزارُ (٤)
وقال أيضًا: [من الخفيف]
هل لما فاتَ من تَلاقٍ تلافي … أم لشَاكٍ من الصَّبابةِ شافِ
ليس من ثَروةٍ بلغتُ مَداها … غير أنِّي امرؤٌ كفاني كَفافي (٥)
وقال أيضًا: [من الطويل]
أتاك الرَّبيعُ الطَّلْقُ يَختالُ ضاحِكًا … من الحُسْنِ حتَّى كاد أن يتكلَّما
стр. 7480
وقد نبَّه النّوروزُ في مَجلسِ الدُّجى … أوائلَ وَرْب كنَّ بالأمس نُوَّما (١)
وقال أيضًا: [من المتقارب]
إذا المرءُ لم يرضَ ما أَمْكَنَهْ … ولم يأتِ من دهره أَزْينَهْ
وأُعجِبَ بالعُجبِ فاقتادَهُ … وتاهَ به التِّيهُ فاستَحْسَنَهْ
فدَعْه فقد ساء تدبيرُه … سَيضحكُ يومًا ويبكي سَنَهْ (٢)
[وفيها توفي
العبَّاس بن محمد بن عُبيد الله
أبو الفضل البَزَّاز، ويُعرف بدُبَيس، البغدادي.
أحد الشّهود المعدلين من الجانب الشرقي.
قال ابن المنادي: وجد غمًّا على قلبه لحوادثَ لَحِقَتْه، فركب يومًا حمارًا، فأخذ به خارج السُّور فسقط، فيَبِسَت رجلُه في الرِّكاب، فإلى أن يُلحَق مشى به الحمار مَجرورًا فمات، وحُمل مَيتًا إلى منزله في رجب.
سمع عفَّان بن مُسلم وطبقته، وروى عنه أبو عمرو ابن السمَّاك وغيرُه، وبيان ثقةً.] (٣)
* * *
стр. 7481
السنة الرابعة والثمانون بعد المئتين
فيها في يوم الخميس لأربعٍ خَلَونَ من المحرَّم قدم رسول عمرو بن اللَّيث على المعتضد برأس رافع بن هَرْثَمة، فخلع على الرَّسول، ونصب الرأسَ في جانبَي بغداد، ثمَّ رُدَ إلى دار الخلافة.
وفي (١) صفر أوقع عيسى النُّوشَري ببَكْر بن عبد العزيز بن أبي دُلَف في حدود أصبهان، فهزمه النُّوشري، وقتل رجاله، واستباح عسكَرَه، وهرب في نفر يسير.
وفي ربيع الأوَّل قلَّد المعتضد أبا عمر محمد بن يوسف (٢) القضاء على مدينة المنصور مكان ابن أبي الشَّوارب، وخلع عليه.
وفيها أُخذ خادمٌ نصرانيٍّ لطبيب نصرانيٍّ اسمه غالب -طبيب السُّلطان- وشهدوا على الخادم أنَّه شتم النبيَّ ﵊، فحُبس، ثمَّ اجتمع العامَّة وجاؤوا إلى دار القاسم بن عبيد الله الوزير، وطالبوه بإقامة الحدِّ عليه، وأسمعوه ما يكره، فهرب منهم، ومَضَوا إلى قصر الخلافة، وبلغ المعتضد فأدخل إليه منهم جماعةً، وسألهم عن الخَبر، وأرسل معهم رسولًا إلى القاضي، وأمره أن يَنْظُر في القَضيَّة، فجاؤوا إلى القاضي، وكانت البيِّنةُ قد قامت عنده، فوعدهم بإقامة الحدِّ، فشَغَبوا وهجموا عليه، فهرب أعوانُه، وقام فدخل بيته، وأغلق بابه، وأرسل إليه الوزير بدفع القضيَّة، فدفعها، فقال ابن بسَّام: [من السريع]
عنايةُ القاسمِ بالخادم … دلَّت على دِينِ أبي القاسمِ
لو يَكُنِ المَشْتومُ عيسى لما … رضي بغير القَتْلِ للشَّاتمِ
أراد بأبي القاسم القاضي.
وفي ربيع الآخر ظهرت بمصر ظُلْمَة وحُمْرَة في السَّماء شديدة، حتَّى كان الرَّجل
стр. 7482
ينظر إلى وجه الآخر فيراه أحمر، وكذا الحيطان، فخرج النَّاس من منازلهم يَدعون ويَتضرَّعون إلى الله تعالى، ودامت من وقت العصر إلى الليل.
وفيها بعث عمرو بن اللَّيث الصَّفَار بألف ألف درهم لتُنفَق على طريق مكة مما يلي الكوفة والبصرة، وكانت الأمطار قد انقطعت من مكَّة ونواحيها، ففتح النَّاس باب الكعبة مِرارًا، واستَسْقوا ودعوا.
قال الطَّبري: وفي هذه السَّنة عزم المعتَضِد على لَعْنَةِ معاويةَ بنِ أبي سفيان على المنابر، فخوَّفه عبيد الله (١) الوزير اضطرابَ العامَّة والفتنةَ، فلم يلتفت إليه، وتقدَّم إلى العامَّة بلُزوم أعمالهم، وترك الاجتماع والمعصية (٢)، ومنع القُصَّاصَ من القعود على الطَّريق، ومنع من اجتماع الحِلَق والجدال في الجوامع، وكتب المعتضد كتابًا في ذلك، وأجمع النَّاس يوم الجمعة على أنَّ الخطيب يقرأه فما قوي.
والكتاب من إنشاء عبيد الله الوزير، وكان نسخته بعد حمد الله تعالى والصَّلاة على نبيِّه محمد ﷺ ، إلى أن قال: وقد انتهى إلى أمير المؤمنين ما عليه جماعةٌ من العامَّة من شُبْهةٍ قد دخلتْهم في أديانهم، وفَسادٍ لَحِقَهم في عقائدهم، وعصبيَّةٍ قد غَلبتْ عليها أهواؤهم، وقطعت بها ألسنتهم على غير معرفةٍ ولا رويَّة، قلَّدوا فيها أئمَّة الضَّلالة بغير بيِّنة ولا بصيرة، وخالفوا السُّنَن المتَّبَعة، ومالوا إلى الأهواء المبتدعة، وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠] خروجًا عن الجماعة، ومُسارعةً إلى الفتنة، وإيثارًا للفُرقة، وتَشتيتًا للكلمة، وإظهارًا لموالاة مَن قطع الله عنه الموالاة، وبَتَر منه العِصمة، وأخرجه من المِلَّة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٦٠] وإنَّما أراد بني أميَّة الملعونين على لسانِ رسول الله ﷺ ، وفي كتاب الله.
وإنَّ أبا سفيان وبَنِيه وأهلَه لم يزالوا في المواطن كلِّها على رسول الله ﷺ ، وكانوا أشدَّ عداوةً له من جميع الكفَّار، ولم ترفع الكفَّار رايةً يوم بدرٍ وأُحُدٍ والخندق إلَّا وأبو سفيان وأشياعُه أصحابُها، ومُقَدَّموها، ورؤساؤها، وقادتُها.
стр. 7483
ولمَّا رأى رسول الله ﷺ يوم الخندق أبا سفيان راكبًا ومعاويةُ يقودُه وابنُه يزيد بن أبي سفيان قال: وذكر الحديث (١).
وإنَّ أبا سفيان كان يقول: تلقَّفوها [تَلَقُّفَ] الكُرة، فما ثَمَّ جنَّةٌ ولا نارٌ، وكان يقول: ها هنا ذَبَبْنا محمدًا وأصحابَه (٢).
وأنزل الله تعالى على رسوله ﷺ : ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَينَاكَ إلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] فإنَّه رأى بني أميَّة يَنْزُون على منبره نَزْوَ القِرَدَة، فساءه ذلك.
وكان الحكم بن أبي العاص يتجسَّس على رسول الله ﷺ ، ويَنقل أخبارَه إلى الكفَّار، ورآه يومًا وهو يُحاكي رسولَ الله ﷺ في مشيته فقال: كن كذلك، فكان.
ودعا رسول الله ﷺ يومًا معاوية، فقيل له: إنَّه يأكل، فقال: "لا أَشْبَعَ [الله] بطنَه" (٣)، فما شبع بعدها.
ثمَّ إنَّ معاوية وَثَب على أفضل المسلمين مكانًا، وأقْدَمِهم سابقة، وأحسنِهم أثرًا، أميرِ المؤمنين عليِّ بن أبي طالب، فنازعه حقَّه بباطله، وقاتله بغُواته، وقد قال ﷺ لعمار: "تَقتُلُك الفئةُ الباغية".
وانبرى على هذه الأمَّة، فابْتَزَّهم أمرَهم من غير رِضًى ولا مَشورة، فسفك الدِّماء المحرَّمة، ونهب الأموال، وسبى الحَريم، ومنع من الحقوق أهلَها، وقتل خيارَ الصَّحابة: حُجْر بن عديِّ، وعَمرو بن الحَمِق (٤) وأمثالهما، وادَّعى زياد بنَ أبيه بن سميَّةَ الفاجرة جَراءةً على الله، ومخالفةً لرسوله؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] وقال ﷺ : "الولد للفراش وللعَاهِرِ الحَجَر" (٥).
стр. 7484
ثمَّ دعا النَّاسَ إلى بيعةِ ابنه يزيد، وقد علم بفُجوره وفِسْقه، وقد علم النَّاس ما فعل بأولاد رسول الله ﷺ ، والحسين، ونوبة الحَرَّة، وتحريقه البيتَ الحرام؛ جراءةً على الله وكُفرًا به … وهو كتاب طويل، وفيه العجائب والغرائب.
ولمَّا كتبه عبيد الله الوزير قال للقاضي يوسف بن يعقوب: كَلِّم المعتَضِد في هذا، فقال له: يا أمير المؤمنين، أخاف الفتنةَ عند قراءته، فقال المعتضد: إن تحرَّكت العامَّة وضعتُ سيفي فيها، فقال: يا أمير المؤمنين، فما تصنع بالطالبيِّين الذين هم في كلِّ ناحية قد خرجوا عليك؟ وإذا سمع النَّاس بما في هذا الكتاب من مآثر رسول الله ﷺ ، وفضائل أهل البيت؛ كانوا إليهم أمْيَل، وكانوا هم أبسطَ ألسنة، وأثبتَ حُجَّةً منهم اليوم، فأمسك المعتضد عنه، ولم يقل له شيئًا.
وفي شعبان ظهر شخص في دار المعتضد في يده سيفٌ مَسلول، فقصده بعضُ الخدم، فضربه بالسَّيف فجرحه، ودخل في البستان فاختفى، وطُلب فلم يوجد له أَثَر، وعَظُم ذلك على المعتضد، واحترز في سور دار الخلافة، وقيل: هو من الجنِّ، واختلف النَّاس فيه، وساءت الظُّنون، واستوحش المعتضد من الدار وَحْشةً شديدة، وأقام الشخصُ يظهر مرارًا على تلك الصُّورة ويتراءى، ولم يظهر خبره حتَّى مات المعتضد والمكتفي (١) وولي المقتدر (٢).
[وقال أبو يوسف القزويني:] كان هذا الشخص خادمًا أبيض للمعتضد، وكان يميل إلى بعض الجواري، [اللاتي للمعتضد]، وكانت الجاريةُ في دار الحُرم، وكان مَن بلغ من الخُدَّام لا يدخلون دار الحرم، بل يسكنون خارجًا عنها، وكان خارج دار الحُرم بستان كبير كثير الأشجار، فاتَّخذ هذا الخادم لحيةً من مُشاق الكَتَّان، وكان يلبسها على وجهه، واتَّخذ برانس كثيرة مختلفة، ولحًى كثيرة، فتارة يظهر في صورة راهب، وتارة في صورة جندي، وبيده سيف مسلول، فكان إذا ظهر خرجت الجاريةُ مع الجواري كأنَّها تُشاهده، فيخلو بها بين الشَّجَر، ويتحدَّث معها بما يُريد خِلسَةً، فإذا طُلب دخل
стр. 7485
بين الشَّجر ونزع اللِّحية، وخبأها مع البُرنس، والسيفُ مَسلول بيده كأنَّه بعض الخدم الطَّالبين للشخص، ودام الحالُ أيامَ المعتضد والمكتفي، حتَّى ولي المقتدر، فخرج الخادم إلى طَرَسوس (١)، فتحدَّثت الجاريةُ بحديثه.
وفيها قُتل شفيع الخادم [خادم] عمر بن عبد العزيز ابن أبي دُلف، قتله أبو ليلى الحارث بن عبد العزيز بن أبي دُلَف، وسببه أنَّ أخاه عمر وثب عليه، فقيَّده، وحمله إلى قلعةٍ لآل أبي دُلف فيها أموالهم وجواهرهم وذخائرهم، ووكَّل به شفيعًا الخادم، ومعه جماعة من غِلمان عمر وخاصَّته، فلمَّا (٢) استأمن عمر إلى المعتضد وهرب بكر عاصيًا (٣) [على المعتضد] بقيت القلعةُ بما فيها في يد شفيع، فسأله أبو ليلى إطلاقه، فأبى وقال: حتَّى يأمرني أخوك عمر، فقال أبو ليلى لغلامٍ صغير كان يَخدُمه: احتلْ لي في مِبْرَدٍ وأدخلْه إليَّ في الطعام، ففعل الغلام.
وكان شَفيع يأتي كلَّ ليلة فيشاهد أبا ليلى نائمًا على فراشه، ثمَّ يخرج فيُقْفِل عليه الباب، وينام قريبًا من الباب، فما زال أبو ليلى يُعالج القَيد بالمِبْرَد حتَّى قطع المسمار الَّذي كان فيه، فكان يخرجه من رجله إذا شاء، فقال لجارية عنده: ضعي على الفراش ثيابًا كثيرة، وإذا جاء شفيع فسأل عنِّي فقولي: هو نائم، واجلسي عند الفراش كأنَّك تكبسيني، ففعلت الجارية ذلك، وخرج أبو ليلى من البيت، فاختفى في الدِّهْليز خارج الباب، وجاء الخادم فسأل عنه، فأخبرته بأنَّه نائم، ورأى الفراش وما عليه فظنَّ أنَّه نائم، فخرج وأقفل الباب ونام، فجاء أبو ليلى ومعه سكِّين كان غُلامه دسَّها إليه في طعام -وقيل: إنَّه استلَّ سيفَ الخادم من عند رأسه- وذبحه.
ووثب الغلمان الذين كانوا مع الخادم، فقال لهم [أبو ليلى]: أنا قتلته -والسَّيف مَشهورٌ في يده- فخافوه وخرجوا من الدَّار، وفتح باب القلعة، فاجتمع النَّاس إليه، ومَلَك القلعة، وخرج على المعتضد، وجمع (٤) إليه جماعة، والتقى بعيسى النّوشريّ
стр. 7486
في ذي الحجَّة على فرسخين من أصبهان، فبينا أبو ليلى يقاتل إذ جاءه سهمٌ فوقع في حَلْقِه فنَحره، فسقط عن فرسه، فانهزم أصحابُه، وأُخِذ رأسُه فحُمل إلى أصبهان، وذلك لليلتين بقيتا من ذي الحجَّة. وقُتل شفيع لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة، فكان بينهما أربعون يومًا.
وفيها وعد المنجِّمون النَّاسَ بغَرَق الأقاليم السَّبعة، ويكون ذلك بكثرة الأمطار، وزيادة المياه في العيون والآبار، فانقطع الغيثُ، وغارت العيون، وقلَّت المياه، حتَّى احتاج النَّاس إلى أن يَستسقوا ببغداد، وقحطت الدُّنيا، وأكذب الله المنجِّمين.
وحجَّ بالنَّاس محمد بن عبد الله بن ترنجة (١).
وفيها توفي
أحمد بن أصْرم
ابن خُزَيمة بن عبَّاد بن عبد الله بن حسَّان بن عبد الله بن المُغَفَّل صاحبِ رسول الله ﷺ ، أبو العبَّاس، المُزَنيُّ، البصري.
كانت وفاته بدمشق.
حدَّث عن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ وغيره، وروى عنه ابنُ أبي حاتم وغيرهُ، وكان ثقة.
ومن رواياته عن سفيان الثوري أنَّه قال: إنَّما سمِّيت الدُّنيا لدنوِّها من الآخرة، وسمِّي المال مالًا لأنَّه يُميل (٢).
أحمد بن المُبارك
أبو عمرو المُسْتَملي، الزَّاهد، العابد، النَّيسابوريُّ.
كان يسمَّى راهبَ عصره، يصوم النَّهار، ويقوم الليل، واستملى على المشايخ ستًّا وخمسين سنة، وسمع الكثير، وكانت وفاتُه بنَيسابور في جُمادى الآخرة.
стр. 7487
سمع الإمام أحمدَ بن حنبل رحمة الله عليه وغيرَه، وروى عنه الأئمة.
وقال أبو الحسن عليُّ بن محمد القاضي: حضرتُ مجلسَ أبي عثمان سعيدِ بن إسماعيل، فدخل أبو عمرو المستملي وعليه ثياب رثَّة، فبكى أبو عثمان، فلمَّا كان يوم مجلس الذِّكر تكلَّم وقال في آخر مجلسه: دخل عليَّ شيخٌ من مشايخ أهل العلم، فاشتغل قلبي برَثاثَة حاله، ولولا أنِّي أُجِلُّه عن تسميته في هذا الموضع لسمَّيتُه، فجعل النَّاس يَرمون بالخواتيم والدَّراهم والكسوة، فقام أبو عمرو وقال: أيُّها النَّاس، أنا الَّذي ذكرني أبو عثمان برَثاثة الحال، ولولا أنِّي كرهت أن يُتَّهم به غيري فآثمَ فيه لسترتُ ما ستره الله عليَّ، فتعجَّب أبو عثمان من إخلاصه، وأخذ جميعَ ما جمع له، فما بلغ باب الجامع إلَّا وقد فرَّق الجميع على الفقراء، ولم يأخذ منه شيئًا (١).
* * *
стр. 7488
السنة الخامسة والثمانون بعد المئتين
فيها في يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من المُحرَّم قطع صالحُ بن مُدرِك الطَّائيُّ في جماعةٍ من طَيِّئ على الحاجِّ الطَّريقَ بالأجفُر، فأخذوا من الأموال والمماليك والنِّساء الحرائر ما تبلغ قيمتُه ألفا ألف دينار.
وفي المحرَّم ولَّى المعتضد عَمْرَو بنَ الليث ما وراء جَيحون، وعزل إسماعيل بنَ أحمد عنها.
وفي صفر قدم برأس أبي ليلى بن عبد العزيز بن أبي دُلَف، فاستوهبه من المعتضد أخوه عمر، فوهبه له، فدفنه.
وفي ربيع الأول هبَّت بنواحي الكوفة ريحٌ صفراءُ عامَّةَ نهار الأحد لعشرٍ بَقين من ربيع الأوَّل إلى المغرب، ثمّ استحالت سوداء ومطرت السَّماء عقيب ذلك مطرًا شديدًا، برُعودٍ هائلة، وبُروق متَّصلة، ثمَّ سكنت، ومُطرت قرية تُعرف بأحمداباذ بحجارة بيض وسُود.
وفي يوم الجمعة لخمسٍ بقين منه هبَّت بالبصرة ريخ صفراء، ثمّ صارت خضراء، ثمَّ سوداء، ثمَّ امتدَّت في الأمصار (١)، ووقع عَقيبها بَرَدٌ وزنُ البَرَدة مئةٌ وخمسون درهمًا، وقَلَعت الرِّيحُ من تلك النَّواحي ستَّ مئة نخلة [من نهر معقل مئة، ومن نهر الحسين خمس مئة].
وفي جمادى الأولى توفِّي بكر بن عبد العزيز بن أبي دُلَف بطَبَرِسْتان، فأعطى المعتضدُ مَن جاء بالخبر ألفَ دينار.
وفيها ولَّى المعتضدُ ابنَ أبي السَّاج أَرْمينية وأذْرَبيجان، وكان قد غلب عليها، وبعث إليه بخِلع.
وفيها غزا راغبٌ الخادم مولى الموفَّق الرُّومَ في البحر، فأظفره الله بمراكبَ كثيرة،
стр. 7489
ضرب منها ثلاثة آلاف رَقَبة، وأحرق المراكب، وفتح حصونًا كثيرة.
وفي ذي الحجَّة قدم عليُّ بن المعتضد بغدادَ، وكان قد جهَّزه لقتال محمد بن زيد العلويّ ودفعه عن الجبال، فانهزم العلويُّ إلى طَبرِستان، فلمَّا قدم قبَّل أبوه ما بين عينيه بعد أن خرج عُبيد الله وجميع أرباب الدَّولة لاستقباله، وقال له: بعثناك ولدًا فرجعت أخًا، فقال: يا أمير المؤمنين، أبقاني الله لِخدْمتك، ولا أبقاني بعدك، وأكرمه، وخلع عليه بحضرته.
[وقال الصُّولي: كان المعتضد قد جهَّز ابنَه عليًّا لقتال محمد بن زيد العلويّ، ودفعه عن الجبال، فانهزم العلويُّ إلى طبرِستان، وعاد المكتفي إلى بغداد، فقبَّل أبوه ما بين عينيه، وقال ما ذكرناه،] وأعطاه ألف ألف دينار.
وفي ذي الحجَّة خرج المعتضد من بغداد يريد آمِد، وخرج معه ابنه أبو محمد، واستخلف ببغداد صالحًا الحاجب، وقلَّده النَّظرَ في المظالم وغيرها.
وكان قد مات أحمد بن عيسى بن شيخ، وقام ابنه محمد بما كان في يد أبيه بآمِد وما يليها على وجه التَّغَلُّب، فقصده المعتضد، وبعث هارون بن خُمارَويه إلى المعتضد بتقرير أمره على مصر، وسأله المقاطعة عليها بمال، فلم يُجبه.
وصلَّى بالنَّاس يوم النَّحر ببغداد عليُّ بن المعتضد، وركب في أحسن زيٍّ كما تركب ولاةُ العهود، وصلَّى بالنَّاس، وخطب، ووقف على المِرْقاة (١) الثانية من أعلاه احترامًا لأبيه، ثمَّ نزل ومضى إلى داره، فوضع سِماطًا عظيمًا للنَّاس.
وحجَّ بالنَّاس محمد بن ترنجة.
[فصل]: وفيها توفِّي
إبراهيم بن إسحاق
ابن إبراهيم بن بشير بن عبد الله، [أبو إسحاق المَرْوَزي، الحَرْبي، العالم الفاضل] الزَّاهد العابد الوَرع.
стр. 7490
[وأمُّه من بني تغلب، وذكره الأئمة، وأثنَوا عليه، ومولده سنة ثمان وتسعين ومئة.
وقال الدارقطنيُّ: إبراهيم الحربيُّ إمام فاضل] مصنِّف عالم بكلِّ شيء، بارع في كلِّ علم، صادق صدوق، كان يُقاس بالإمام أحمد بن حنبل ﵀ في فَضله وزهده ووَرَعه وأصلِه، [وله التَّصانيف الحسان.
وقال الخطيب (١):] كان إمامًا في جميع العلوم، رأسًا في الزهد، عارفًا بالفقه، بصيرًا بالأحكام، حافظًا للحديث، جامعًا للغة، [صنَّف كتبًا كثيرة].
قال: [وقال أبو العبَّاس أحمد بن يحيى] ثعلب: ما فَقدتُ إبراهيم الحربيَّ من مجلس نحوٍ أو لغة خمسين سنة.
[قال الخطيب:] وسُئل لِمَ سمِّيتَ الحَربيّ وأنت مروزيّ؟ فقال: صحبتُ قومًا من الكَرْخ في طلب الحديث، فسمَّوني الحربيَّ؛ لأنَّ عندهم أنَّ ما جاوز القنطرة العتيقة من الحربيَّة.
[ذكر طرف من أخباره:]
وقال أحمد بن عبد الله بن خالد: سمعتُ إبراهيم (٢) الحربي يقول: أجمع عُقلاءُ كلِّ أمَّةٍ على أنَّه من لم يجرِ مع القَدَر لم يتهنَّأ بعيشه، كان يكون قميصي أنظفَ قميص، وإزاري أوسخ إزار، ما حدَّثتُ نفسي أنَّهما يستويان قطُّ، وكان فَرْدُ عَقِب مَداسي مَقطوعًا، والآخر صحيحًا، وكنت أمشي فيهما، وأدور جانبَي بغداد، ولا أحدِّث نفسي أنني أُصلحهما.
ودامت لي شَقيقةٌ خمسًا وأربعين سنة، ما علم بها أحدٌ من أهلي، ولا زوجتي، ولا بناتي، الرجلُ هو الَّذي يُدخِلُ غَمَّه على نفسه، ولا يَغُمُّ عياله.
قال: وأفنيتُ ثلاثين سنة من عُمُري برغيفين، إن جاءتني بهما أمِّي أو أختي أكلتُ، وإلَّا بتُّ جائعًا عطشان إلى الليلة الآتية، وأفنيتُ ثلاثين سنة من عمري برغيف في اليوم والليلة.
стр. 7491
ومرضتْ ابنتي فأقامت أمُّها عندها شهر رمضان، فقام إفطاري في ذلك الشهر بدرهمٍ ودانقين، ودخلتُ منه الحمام، واشتريتُ صابونًا، فقامت نفقةُ رمضان بدرهم (١).
وقال [الخطيب بإسناده عن] أبي عثمان الرَّازي [قال:] جاء رجل (٢) من عند المعتضد إلى إبراهيم الحربيِّ بعشرة آلاف درهم، وقال: يقول لك الخليفة: فرِّقها في جيرانك، فقال للرسول: هذا مالٌ لم نشغلْ نفوسَنا بجمعه، فلا نشغلها بتَفْرقته، فألحَّ عليه، فقال: قل لأمير المؤمنين: إن تركتَنا وإلَّا تحوَّلنا من جوارك.
وقال [الخطيب باسناده عن أبي القاسم الجبلي [قال:] اعتُلَّ (٣) إبراهيم علَّةً حتَّى أشرف على الموت، فدخلتُ عليه أعودُه، فقال لي: يا أبا القاسم، أنا في أمرٍ عظيم مع ابنتي وهي تسمع، ثمَّ قال: قومي فاخرجي إلى عمِّك، فألقت خِمارها على وجهها وخرجت، فقالت: يا عمُّ، نحن في أمرٍ عظيم، لا في الدنيا ولا في الآخرة، الشَّهرَ والدَّهرَ ما لنا طعام إلَّا الكِسَر اليابسة والملح، وربَّما عَدِمنا القوت، وبالأمس وجَّه إليه المعتضد مع بدر بألف دينار فلم يأخذها، وبعث إليه فلانٌ وفلانٌ فلم يأخذ شيئًا، وهو مريض، فقال لها إبراهيم: يا بُنيَّة، إنَّما خفتِ الفقر؟ قالت: نعم، قال: انظري إلى تلك الزَّاوية؛ فيها اثنا عشر ألف جزء لغة وغريب كتبتُها بخطِّي، فإذا متُّ فبيعي كلَّ جزءٍ بدرهم، ومَنْ عنده اثنا عشر ألف درهم فليس بفقير.
[وفي رواية أبي القاسم الجبلي قال:] فلمَّا كان بعد أيَّام جاء رجل في الليل، فطرق الباب على إبراهيم، فقال: مَنْ؟ قال: رجل من إخوانك، فقال: ادخل، فقال: أطفئ السِّراج، فأكفأ عليها الغَضارة (٤)، ودخل الرجل فترك شيئًا وخرج، فكشف السراج وإذا بمنديل فيه حلوى وفاكهة، وفي ظرفه مشدود دنانير، فصاح: يا بُنيَّة يا بُنيَّة، تعالي فخُذي هذا.
стр. 7492
[وقال أبو القاسم أيضًا:، فلمَّا كان بعد أيَّام قدم الحاجُّ من خُراسان، وإذا بجمَّال يقول جَملين وهو يقول: أين دار إبراهيم الحربيّ؟ [فدُلَّ عليه] وصادف الحربيَّ جالسًا على الباب، فقال: أنت إبراهيم الحَربيّ؟ قال: نعم، قال: خذ هذين الجملين بما عليهما، قال: وما عليهما؟ قال: كاغَد وإبرَيسَم، فقال: من أين هذا؟ قال: من رجل خُراساني، بعث بهما إليك، واستحلفني أن لا أقول من هو.
و [قال الخطيب بإسناده عن أبي القاسم الجبلي قال:] كان لإبراهيم ولد بلغ أحد عشر سنة علَّمه القرآن، والفقه، وأسمعه الحديث، فتوفِّي، فحزن عليه الجيران ولم يحزن عليه إبراهيم، فقيل له في ذلك فقال: كنتُ أشتهي موتَه، قيل له: مثلك يقول هذا؟! قال: نعم، رأيتُ [في المنام] كأنَّ القيامة قد قامت، والنَّاسُ في شدَّة من العَطَش، ورأيتُ صبيانًا بأيديهم قِلالٌ فيها ماء، وهم يَسقون النَّاس، فقلت لبعضهم: اسقني، فنظر في وجهي وقال: لستَ أبي، فقلت: ومَن أنتم؟ قالوا: نحن الصِّبيان الذين متنا في الدُّنيا وخلَّفْنا آباءنا، نستقبلُهم فنَسقيهم الماء، فلهذا تمنَّيت موته.
[وقال الخطيب:] كان إبراهيم مع فضله وزهده وورعه حسنَ الأخلاق، متواضعًا، ضاحكَ السّنِّ، وكان له حَلْقة بجامع المنصور يقرأ فيها الحديثَ، وكان يحضرها مع النَّاس حَدَثان، فأقاما على ذلك مدَّة، ثمَّ انقطع أحدهما وبقي الآخر، فكان الذي انقطع يأتي فيقف ظاهرَ الحلقة، والآخر جالس فيها، فبقي على ذلك مدَّة، فلما كان في بعض الجُمَع رمى ذلك الواقف رُقعة، فأخذها إبراهيم فقرأها، وإذا فيها [هذه الأبيات]: [من الطويل]
عفا الله عن عبدٍ أعانَ بدعوةٍ … خليلَين كانا دائمَين على الودِّ
إلى أن وَشَى واشي الهوى بنَميمةٍ … إلى ذاك من هذا فحالا عن العَهْدِ (١)
فرفع إبراهيم يديه وقال: اللهمَّ اجمع بينهما على طاعتك وفيما يقرِّبهما إليك، وأمَّن الحاضرون، فلمَّا جاءت الجمعة الأخرى إذا بالغلامين قد جاءا فجلسا مكانهما، فعجب الحاضرون.
стр. 7493
وقال إبراهيم لجماعةٍ عنده: مَنْ تعدُّون الغريبَ في زمانكم؟ فقال بعضهم: مَن نأى عن وطنه، وقال آخر: مَن فارق أحبابَه، وقال كلُّ واحد شيئًا، فقال إبراهيم: الغريب في زماننا رجلٌ صالحٌ يعيش بين قومٍ صالحين، إن أمر بالمعروف آزروه، وإن نهى عن المنكر أعانوه، وإن احتاج إلى سبب من الدُّنيا مانوه، ثمَّ ماتوا وتركوه. [وحكى الخطيب قال:] جاءه يومًا رجل ومعه أولادُه، فقال له إبراهيم: احذر، لا يرونَك حيث نهاك الله، فتسقط من أعينهم.
وقال محمَّد بن عبد الملك (١) الكاتب: كنتُ عند أبي العبَّاس المبرّد، فأنشد يقول: [من البسيط]
جسمي معي غير أنَّ الرّوح (٢) عندكمُ … فالجسمُ في غُربةٍ والرّوح في وَطنِ
فلْيَعْجب النَّاسُ منِّي أنَّ لي بَدَنًا … لا روحَ فيه ولي روحٌ بلا بَدَنِ
قال: ومضيتُ إلى ثعلب فأنشد: [من السريع]
غابوا فصار الجسمُ من بعدهمْ … لا تَنظرُ العينُ له فيَّا
يا خَجْلَتي منهم ومن قولهمْ … إذا رأوني بعدهمْ حيّا (٣)
فأتيتُ إبراهيم فأخبرتُه، فقال: ألا أنشدتَهما: [من الخفيف]
يا حَيائي ممَّن أحبُّ إذا ما … قيل بعد الفِراق إني حَييتُ
ذكر وفاته:
[حكى الخطيب عن] عيسى بن محمَّد الطُّوماري قال: دخلْنا على إبراهيم في مرضه نعودُه وقد حَملت الجاريةُ ماءَه إلى الطبيب، فعادت بالماء وقالت: مات الطبيب، فبكى إبراهيم وقال: [من الوافر]
إذا مات المُعالِجُ من سَقامٍ … فيوشكُ للمُعالج أن يموتا
стр. 7494
ودخلنا عليه مرَّةً أخرى فقلنا: كيف تجدك؟ فقال: [من الخفيف]
دبَّ فيَّ البَلاءُ سُفْلًا وعُلْوًا … وأراني أموتُ عُضْوًا فعُضوًا
ذهبتْ جِدَّتي بطاعةِ نفسي … وتذكَّرتُ طاعةَ الله نِضْوا
وكانت وفاتُه يوم الاثنين لسبعٍ بقين من ذي الحجَّة، وصلَّى عليه يوسف بن يعقوب القاضي، وكان يومًا مَشهودًا، ودُفن بداره بباب الأنبار غربيِّ مدينة المنصور، وقبرُه ظاهر يزار، وعليه قُبَّة يقال لها: قُبَّة الحَربيّ، وإلى جانبه قبران يقال إنَّهما ابنتاه.
وذكر الخطيب له ابنةً واحدة اسمُها أمُّ عيسى (١)، وكانت فاضلة، إذا جاءت فتوى وإبراهيمُ غائب تُفتي عنه، وتوفِّيت في رجب سنة ثمان وعشرين وثلاث مئة وكانت صالحة [، وقيل: إنَّ أحد القبرين لها والآخر لولده.]
أسند إبراهيم عن خلقٍ كثير لا يُحصَون كثرةً؛ منهم الإِمام أحمد ﵀، والفَضْل بن دُكَين، وعفَّان بن مسلم وغيرهم، وروى عنه جمّ غفير؛ منهم عبد الله بن الإِمام أحمد ﵀، وابن الأنباري، وابن صاعد وغيرهم.
وقال محمَّد بن صالح الأنماطيّ: ما أخرجت بغدادُ مثل إبراهيم الحربيّ في الفقه، والحديث، والأدب، والعربية، والزهد، والورع (٢).
قال المصنِّف ﵀: وقول إبراهيم الحربيّ: إذا مات المعالج من سقام … البيت؛ قد جرى لإسماعيل بن أبي هاشم الدمشقيُّ مثل هذا، [فذكر الحافظ ابن عساكر في "تاريخه" عن أبي الحسن علي بن أحمد بن محمَّد بن سَلامة الطَّحاوي قال:] كان لإسماعيل بن أبي هاشم طبيبٌ يقال له: النُّعمان، فمرض إسماعيل، ومرض الطبيب، فسأل عنه فقيل: مات، فقال إسماعيل: [من السريع]
قد قلتُ لمَّا قال لي قائلٌ … قد صار نُعمانُ إلى رَمْسهِ
وأين ما يُوصَف من حِذْقه … وعلمِه بالطِّب مع جَسِّهِ
هيهات لا يَدفع عن غيرهِ … مَن كان لا يَدفَعُ عن نفسهِ
стр. 7495
[وهذا إسماعيل كان فاضلًا من الفضلاء، قال ابن الطحَّان أيضًا:]
قال إسماعيل: قرأتُ بدمشق على قصرٍ لبني أميَّة: [من الخفيف]
ليت شِعري ما حالُ أهلِكَ يا قَصُـ … ـر وأين الذين عَلَّوا بِناكا
ما لأربابِكَ الجبابرةِ الأمـ … ـلاك شادوك ثمَّ حَلَّوا سِواكا
الزُهدٍ يا قصرُ فيك تحامَوكَ … ألا تُبْتَتَى ولستَ هُناكا
ليتَ شِعري وليتني كنتُ أدري … ما دَهاهم يا قصرُ ثمَّ دَهاكا
ليت أنَّ الزَّمان خَلَّف منهم … واحدًا مُخْبِرًا فأعلم ذاكا
وتحته مكتوب: [من الخفيف]
أيها السَّائلُ المُفَكِّرُ فيهم … ما إلى ذا السُّؤالِ قل لي دَعاكا
أَوَ ما تَعرف المَنونَ إذا حلَّتْ … دِيارًا فلن تُراعي هَلاكا
إنَّ في نفسِك الضَّعيفَةِ شُغلًا … فاعتبرْ وامْشِ فالمنونُ وَراكا
[وقال ابن الطحان: وحدَّثني] إسماعيل قال: قرأتُ على قصرٍ لعبد العزيز بن مروان بحُلْوان؛ مكانًا بمصر: [من الخفيف]
أين ربُّ القَصْرِ الذي شَيَّد … القَصْرَ وأين العَبيدُ والأَجْنادُ
أين تلك الجموعُ والأمرُ والنَّهي … وأعوانُهم وأين السَّوادُ
أين عبدُ العزيز أم أين مروانُ … وأين الحُماةُ والأولادُ
ما لنا لا نُحِسُّهم ونراهم … أترى ما الذي دَهاهم فبادوا
وتحته مكتوبٌ جوابًا عنهم: [من الخفيف]
أيُّها السَّائلُ المفكِّرُ عنهم … كيف بادَتْ جُموعُهم والجيادُ
أين كسرى وتُبَّعٌ قبلَ مروانَ … ومِن قبل تُبَّعٍ شَدَّادُ
أين نُمروذُ أين فرعونُ موسى … أين مِن قبلهم ثَمودُ وعادُ
كلُّهم في التُّراب أضحى رَهينًا … حين لم تُغْنِ عنهم الأجنادُ
إنَّ في الموتِ يا أخي لك شُغْلًا … عن سواه والمَوْقِف الميعادُ (١)