← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 7491–7530 · переход к 7496.

стр. 7491

ومرضتْ ابنتي فأقامت أمُّها عندها شهر رمضان، فقام إفطاري في ذلك الشهر بدرهمٍ ودانقين، ودخلتُ منه الحمام، واشتريتُ صابونًا، فقامت نفقةُ رمضان بدرهم (١). وقال [الخطيب بإسناده عن] أبي عثمان الرَّازي [قال:] جاء رجل (٢) من عند المعتضد إلى إبراهيم الحربيِّ بعشرة آلاف درهم، وقال: يقول لك الخليفة: فرِّقها في جيرانك، فقال للرسول: هذا مالٌ لم نشغلْ نفوسَنا بجمعه، فلا نشغلها بتَفْرقته، فألحَّ عليه، فقال: قل لأمير المؤمنين: إن تركتَنا وإلَّا تحوَّلنا من جوارك. وقال [الخطيب باسناده عن أبي القاسم الجبلي [قال:] اعتُلَّ (٣) إبراهيم علَّةً حتَّى أشرف على الموت، فدخلتُ عليه أعودُه، فقال لي: يا أبا القاسم، أنا في أمرٍ عظيم مع ابنتي وهي تسمع، ثمَّ قال: قومي فاخرجي إلى عمِّك، فألقت خِمارها على وجهها وخرجت، فقالت: يا عمُّ، نحن في أمرٍ عظيم، لا في الدنيا ولا في الآخرة، الشَّهرَ والدَّهرَ ما لنا طعام إلَّا الكِسَر اليابسة والملح، وربَّما عَدِمنا القوت، وبالأمس وجَّه إليه المعتضد مع بدر بألف دينار فلم يأخذها، وبعث إليه فلانٌ وفلانٌ فلم يأخذ شيئًا، وهو مريض، فقال لها إبراهيم: يا بُنيَّة، إنَّما خفتِ الفقر؟ قالت: نعم، قال: انظري إلى تلك الزَّاوية؛ فيها اثنا عشر ألف جزء لغة وغريب كتبتُها بخطِّي، فإذا متُّ فبيعي كلَّ جزءٍ بدرهم، ومَنْ عنده اثنا عشر ألف درهم فليس بفقير. [وفي رواية أبي القاسم الجبلي قال:] فلمَّا كان بعد أيَّام جاء رجل في الليل، فطرق الباب على إبراهيم، فقال: مَنْ؟ قال: رجل من إخوانك، فقال: ادخل، فقال: أطفئ السِّراج، فأكفأ عليها الغَضارة (٤)، ودخل الرجل فترك شيئًا وخرج، فكشف السراج وإذا بمنديل فيه حلوى وفاكهة، وفي ظرفه مشدود دنانير، فصاح: يا بُنيَّة يا بُنيَّة، تعالي فخُذي هذا.

стр. 7492

[وقال أبو القاسم أيضًا:، فلمَّا كان بعد أيَّام قدم الحاجُّ من خُراسان، وإذا بجمَّال يقول جَملين وهو يقول: أين دار إبراهيم الحربيّ؟ [فدُلَّ عليه] وصادف الحربيَّ جالسًا على الباب، فقال: أنت إبراهيم الحَربيّ؟ قال: نعم، قال: خذ هذين الجملين بما عليهما، قال: وما عليهما؟ قال: كاغَد وإبرَيسَم، فقال: من أين هذا؟ قال: من رجل خُراساني، بعث بهما إليك، واستحلفني أن لا أقول من هو. و [قال الخطيب بإسناده عن أبي القاسم الجبلي قال:] كان لإبراهيم ولد بلغ أحد عشر سنة علَّمه القرآن، والفقه، وأسمعه الحديث، فتوفِّي، فحزن عليه الجيران ولم يحزن عليه إبراهيم، فقيل له في ذلك فقال: كنتُ أشتهي موتَه، قيل له: مثلك يقول هذا؟! قال: نعم، رأيتُ [في المنام] كأنَّ القيامة قد قامت، والنَّاسُ في شدَّة من العَطَش، ورأيتُ صبيانًا بأيديهم قِلالٌ فيها ماء، وهم يَسقون النَّاس، فقلت لبعضهم: اسقني، فنظر في وجهي وقال: لستَ أبي، فقلت: ومَن أنتم؟ قالوا: نحن الصِّبيان الذين متنا في الدُّنيا وخلَّفْنا آباءنا، نستقبلُهم فنَسقيهم الماء، فلهذا تمنَّيت موته. [وقال الخطيب:] كان إبراهيم مع فضله وزهده وورعه حسنَ الأخلاق، متواضعًا، ضاحكَ السّنِّ، وكان له حَلْقة بجامع المنصور يقرأ فيها الحديثَ، وكان يحضرها مع النَّاس حَدَثان، فأقاما على ذلك مدَّة، ثمَّ انقطع أحدهما وبقي الآخر، فكان الذي انقطع يأتي فيقف ظاهرَ الحلقة، والآخر جالس فيها، فبقي على ذلك مدَّة، فلما كان في بعض الجُمَع رمى ذلك الواقف رُقعة، فأخذها إبراهيم فقرأها، وإذا فيها [هذه الأبيات]: [من الطويل] عفا الله عن عبدٍ أعانَ بدعوةٍ … خليلَين كانا دائمَين على الودِّ إلى أن وَشَى واشي الهوى بنَميمةٍ … إلى ذاك من هذا فحالا عن العَهْدِ (١) فرفع إبراهيم يديه وقال: اللهمَّ اجمع بينهما على طاعتك وفيما يقرِّبهما إليك، وأمَّن الحاضرون، فلمَّا جاءت الجمعة الأخرى إذا بالغلامين قد جاءا فجلسا مكانهما، فعجب الحاضرون.

стр. 7493

وقال إبراهيم لجماعةٍ عنده: مَنْ تعدُّون الغريبَ في زمانكم؟ فقال بعضهم: مَن نأى عن وطنه، وقال آخر: مَن فارق أحبابَه، وقال كلُّ واحد شيئًا، فقال إبراهيم: الغريب في زماننا رجلٌ صالحٌ يعيش بين قومٍ صالحين، إن أمر بالمعروف آزروه، وإن نهى عن المنكر أعانوه، وإن احتاج إلى سبب من الدُّنيا مانوه، ثمَّ ماتوا وتركوه. [وحكى الخطيب قال:] جاءه يومًا رجل ومعه أولادُه، فقال له إبراهيم: احذر، لا يرونَك حيث نهاك الله، فتسقط من أعينهم. وقال محمَّد بن عبد الملك (١) الكاتب: كنتُ عند أبي العبَّاس المبرّد، فأنشد يقول: [من البسيط] جسمي معي غير أنَّ الرّوح (٢) عندكمُ … فالجسمُ في غُربةٍ والرّوح في وَطنِ فلْيَعْجب النَّاسُ منِّي أنَّ لي بَدَنًا … لا روحَ فيه ولي روحٌ بلا بَدَنِ قال: ومضيتُ إلى ثعلب فأنشد: [من السريع] غابوا فصار الجسمُ من بعدهمْ … لا تَنظرُ العينُ له فيَّا يا خَجْلَتي منهم ومن قولهمْ … إذا رأوني بعدهمْ حيّا (٣) فأتيتُ إبراهيم فأخبرتُه، فقال: ألا أنشدتَهما: [من الخفيف] يا حَيائي ممَّن أحبُّ إذا ما … قيل بعد الفِراق إني حَييتُ ذكر وفاته: [حكى الخطيب عن] عيسى بن محمَّد الطُّوماري قال: دخلْنا على إبراهيم في مرضه نعودُه وقد حَملت الجاريةُ ماءَه إلى الطبيب، فعادت بالماء وقالت: مات الطبيب، فبكى إبراهيم وقال: [من الوافر] إذا مات المُعالِجُ من سَقامٍ … فيوشكُ للمُعالج أن يموتا

стр. 7494

ودخلنا عليه مرَّةً أخرى فقلنا: كيف تجدك؟ فقال: [من الخفيف] دبَّ فيَّ البَلاءُ سُفْلًا وعُلْوًا … وأراني أموتُ عُضْوًا فعُضوًا ذهبتْ جِدَّتي بطاعةِ نفسي … وتذكَّرتُ طاعةَ الله نِضْوا وكانت وفاتُه يوم الاثنين لسبعٍ بقين من ذي الحجَّة، وصلَّى عليه يوسف بن يعقوب القاضي، وكان يومًا مَشهودًا، ودُفن بداره بباب الأنبار غربيِّ مدينة المنصور، وقبرُه ظاهر يزار، وعليه قُبَّة يقال لها: قُبَّة الحَربيّ، وإلى جانبه قبران يقال إنَّهما ابنتاه. وذكر الخطيب له ابنةً واحدة اسمُها أمُّ عيسى (١)، وكانت فاضلة، إذا جاءت فتوى وإبراهيمُ غائب تُفتي عنه، وتوفِّيت في رجب سنة ثمان وعشرين وثلاث مئة وكانت صالحة [، وقيل: إنَّ أحد القبرين لها والآخر لولده.] أسند إبراهيم عن خلقٍ كثير لا يُحصَون كثرةً؛ منهم الإِمام أحمد ﵀، والفَضْل بن دُكَين، وعفَّان بن مسلم وغيرهم، وروى عنه جمّ غفير؛ منهم عبد الله بن الإِمام أحمد ﵀، وابن الأنباري، وابن صاعد وغيرهم. وقال محمَّد بن صالح الأنماطيّ: ما أخرجت بغدادُ مثل إبراهيم الحربيّ في الفقه، والحديث، والأدب، والعربية، والزهد، والورع (٢). قال المصنِّف ﵀: وقول إبراهيم الحربيّ: إذا مات المعالج من سقام … البيت؛ قد جرى لإسماعيل بن أبي هاشم الدمشقيُّ مثل هذا، [فذكر الحافظ ابن عساكر في "تاريخه" عن أبي الحسن علي بن أحمد بن محمَّد بن سَلامة الطَّحاوي قال:] كان لإسماعيل بن أبي هاشم طبيبٌ يقال له: النُّعمان، فمرض إسماعيل، ومرض الطبيب، فسأل عنه فقيل: مات، فقال إسماعيل: [من السريع] قد قلتُ لمَّا قال لي قائلٌ … قد صار نُعمانُ إلى رَمْسهِ وأين ما يُوصَف من حِذْقه … وعلمِه بالطِّب مع جَسِّهِ هيهات لا يَدفع عن غيرهِ … مَن كان لا يَدفَعُ عن نفسهِ

стр. 7495

[وهذا إسماعيل كان فاضلًا من الفضلاء، قال ابن الطحَّان أيضًا:] قال إسماعيل: قرأتُ بدمشق على قصرٍ لبني أميَّة: [من الخفيف] ليت شِعري ما حالُ أهلِكَ يا قَصُـ … ـر وأين الذين عَلَّوا بِناكا ما لأربابِكَ الجبابرةِ الأمـ … ـلاك شادوك ثمَّ حَلَّوا سِواكا الزُهدٍ يا قصرُ فيك تحامَوكَ … ألا تُبْتَتَى ولستَ هُناكا ليتَ شِعري وليتني كنتُ أدري … ما دَهاهم يا قصرُ ثمَّ دَهاكا ليت أنَّ الزَّمان خَلَّف منهم … واحدًا مُخْبِرًا فأعلم ذاكا وتحته مكتوب: [من الخفيف] أيها السَّائلُ المُفَكِّرُ فيهم … ما إلى ذا السُّؤالِ قل لي دَعاكا أَوَ ما تَعرف المَنونَ إذا حلَّتْ … دِيارًا فلن تُراعي هَلاكا إنَّ في نفسِك الضَّعيفَةِ شُغلًا … فاعتبرْ وامْشِ فالمنونُ وَراكا [وقال ابن الطحان: وحدَّثني] إسماعيل قال: قرأتُ على قصرٍ لعبد العزيز بن مروان بحُلْوان؛ مكانًا بمصر: [من الخفيف] أين ربُّ القَصْرِ الذي شَيَّد … القَصْرَ وأين العَبيدُ والأَجْنادُ أين تلك الجموعُ والأمرُ والنَّهي … وأعوانُهم وأين السَّوادُ أين عبدُ العزيز أم أين مروانُ … وأين الحُماةُ والأولادُ ما لنا لا نُحِسُّهم ونراهم … أترى ما الذي دَهاهم فبادوا وتحته مكتوبٌ جوابًا عنهم: [من الخفيف] أيُّها السَّائلُ المفكِّرُ عنهم … كيف بادَتْ جُموعُهم والجيادُ أين كسرى وتُبَّعٌ قبلَ مروانَ … ومِن قبل تُبَّعٍ شَدَّادُ أين نُمروذُ أين فرعونُ موسى … أين مِن قبلهم ثَمودُ وعادُ كلُّهم في التُّراب أضحى رَهينًا … حين لم تُغْنِ عنهم الأجنادُ إنَّ في الموتِ يا أخي لك شُغْلًا … عن سواه والمَوْقِف الميعادُ (١)

стр. 7496

أحمد بنُ عيسى بن الشَّيخ صاحب آمِد وديار بكر، ولَّاه إيَّاها المعتز، فلما قُتل استولى عليها، ومات في هذه السنة، فوليها ولدُه محمَّد، فسار إليها المعتضد فأخذها بعد ذلك، لما يذكر (١). [فصل وفيها توفِّي] النَّاقد واسمه زكريا بن يحيى بن عبد الملك بن مروان بن عبد الله، أبو يحيى، البغداديّ (٢)، الزاهد، العابد. قال [الخطيب وإسناده عن] محمَّد بن جعفر [بن سالم:] لو قيل لأبي يحيى: إنَّك تموت غدًا؛ لما ازداد في عمله. وقال الخطيب بإسناده: حدثنا أبو زُرعة الطبريُّ، قال: حدثنا أبو يحيى قال: اشتريتُ (٣) من الله حوراء بأربعة آلاف ختمة، فلمَّا كان آخر ختمة سمعت خِطابَ الحوراء من الهواء وهي تقول: وفيتَ بعهدك، فها أنا لك، وأنا التي اشتريتَني، فيقال: إنَّه مات عقيبَ فراغه من الختمة الأخيرة بقريب. وكان الإِمام أحمدُ رحمة الله عليه يُثني عليه، ويقول: النَّاقد رجلٌ صالح. ونعْم الرجل. وكانت وفاته ليلة الجمعة لثمانٍ بقين من ربيع الآخر، ودُفن ببغداد. أسند عن خلقٍ كثير، منهم الإِمام أحمد بن حنبل ﵀ وغيرهُ، وروى عنه أبو بكر الخلَّال وغيرُه، واتفقوا عليه، وهو أحد العُبّاد المجتهدين، والأثبات المحدِّثين. وقال الدَّارقطني: الناقد الثِّقة الفاضل (٤).

стр. 7497

[وفيها توفي] المُبَرِّد [واسمه] محمَّد بن يزيد بن عبد الأكبر بن عُمير بن حسان بن سُليم بن سعد بن عبد الله بن زيد بن مالك بن الحسن بن عامر (١) بن عبد الله بن بلال بن عوف، وعَوف هو ثُمالة بن أسلم، قبيلة من الأزد بن الغَوْث، أبو العبّاس، النَّحويُّ، البصريُّ، الأزديُّ، الثُّماليُّ، إمام أهل النَّحو واللُّغة والعربية بالبصرة. ولد سنة ستٍّ ومئتين، وقيل: سنة عشر ومئتين، وسُئل: لِم سمّيت المبرِّد؟ فقال: طَلَبني عاملُ البصرة، فخِفت منه، فدخلت على أبي حاتم السّجِسْتاني، فجاء رسولُ العامل يَطلبني، فقال أبو حاتم: ليس هو عندي، وجعل يصفِّق ويقول: المبرِّد المبرِّد، وتسامع الناس بذلك فلَهَجوا به، والمُزَمَّلَة يُبرَّد فيها الماء (٢). قدم بغداد وأقام بها، ولقي الأئمةَ، وأخذ عنهم، وأخذوا عنه، وكان حسنَ المحاضرة، مَليحَ الأخبار، كثيرَ النَّوادر. وقال أبو عبد الله بن المفجَّع: كان المبرِّد لعِظم حِفْظِه اللغة، واتّساعه فيها يُتَّهم بالكذب، فتواضعنا على مسألةٍ لا أصل لها، فأرسلنا إليه فجاء، فقلنا له: أيَّدك الله، ما القِبَعْضُ؟ فقال على البديهة: القُطن، وأنشد [من الوافر]: كأنَّ سنامها حُشِيَ القِبَعْضا (٣) فعجبنا وقلنا: إن كان صَحيحًا فهو عَجب، وإن كان اختلقَ الجواب فهو أعجب. [وحكى الخطيب (٤) عن] المازني قال: قلت للمبرد: [يا أبا العباس]، بَلَغني أنَّك تَنصرف من مجلسنا فتصير إلى المارستان، فتجلس إلى المجانين، فقال: نعم، إنَّ لهم طرائفَ من الكلام، وعجائب من الأقسام، فقلتُ له: أخبرني بأعجب ما رأيت منهم، فقال: دخلتُ يومًا عليهم، فرأيتُ أحوالهم في العلاج مُختلفة على مقدار بليَّتهم،

стр. 7498

فبعضهم قيام، وبعضهم نيام، وبعضهم قعود، ومررت بشيخٍ منهم وقد دَهَن رأسَه، والدُّهنُ يَبرق من صَلْعته، وهو جالس مُستقبل القبلة كأنَّه يصلِّي، وتحته حصيرٌ نظيف، فلم أسلِّم عليه، فقال: وأين السلام؟ أترى مَن المجنون أنا أو أنت؟ قال: فاستحييتُ منه، وقلت: سلام عليك، فقال: لو كنت ابتدأتَ بالسَّلام لأوجبتَ علينا حُسْنَ الرَّدّ عليك، ولكنَّا نصرفُ سوءَ أدبك إلى أحسنِ جهاته من العُذْر؛ لأنَّه يقال: للدَّاخل على القوم دَهْشَة، اجلس أعزك الله، وأومأ إلى مَوضع من حصيرٍ يَنفُضه كأنَّه يوسِّع لي، فناداني صاحبي: إيَّاك، فأحجمتُ، ووقفتُ ناحية، وكان معي مِحْبرة، فقال الشيخ: أرى آلة أحد رجلين: إمَّا أن تكون تجالس أصحاب الحديث الأغثاء (١)، أم أصحاب النحو الأدباء؟! فقلت: الأدباء، قال: أتعرف أبا عثمان المازنيَّ؟ قلت: نعم، قال: أتعرف الذي يقول فيه: [من مجزوء الرمل] وفتًى من مازنٍ … ساد أهل البَصْرَه أمُّه معروفةٌ … وأبوهُ نَكِرَهْ فقلت: لا، فقال: أتعرف غُلامًا قد نبغ في هذا العصر له حفظ وذهنٌ، قد برز في النَّحو وجلس مجلسَه؟ قلت: نعم، أنا عينُ الخبير به، قال: فهل أنشدك شيئًا من عبثِ (٢) شعره؟ قلت: لا أحسبه يقول الشعر، قال: يا سبحان الله، أليس هو القائل: [من مجزوء الرمل] حبَّذا ماءُ العناقيد … بريقِ الغانياتِ بهما ينبتُ لحمي … ودمي أيَّ نباتِ قلت: قد سمعتُه ينشد هذا في مجلس أُنسه، فقال: وهل يُستحى أن ينشد مثل هذا حول الكعبة؟! ثمَّ قال: ما سمعتَ الناس يقولون في نسبه؟ قلت: يقولون هو من ثُمالة، قال: أفتعرف القائل: [من الوافر] سألْنا عن ثُمالةَ كلَّ حيٍّ … فقال القائلون ومَن ثُمالهْ فقلتُ محمدُ بن يزيد منهم … فقالوا زِدْتنا بهم جَهَاله فقال لي المبرِّدُ خَلِّ قومي … فقَومي مَعْشَرٌ فيهم نَذَالهْ

стр. 7499

فقلت: نعم أعرفها، لعبد الصمد بن المُعَذّل يهجوه، فقال لي: يا هذا، قد غلبتَ بخفَّة روحك على قلبي، وأعجبني استحسانُك لما أتيتَ به، فما الكُنية؟ قلت: أبو العبَّاس، قال: فالاسم؟ قلت: محمَّد، قال: ابن مَن؟ قلت: ابن يزيد، فقال: ما أحوجَني إلى الاعتذار إليك ممَّا قدَّمْتُ ذكره، ثمَّ وثب باسطًا يدَه ليُصافحني، فإذا القَيدُ في رجله قد شُدَّ إلى خَشَبةٍ في الأرض، فأَمِنْتُ عند ذلك غائلتَه، فقال لي: يا أبا العبَّاس، صُنْ نفسَك عن الدُّخول إلى هذه المواضع؟ فليس يتهيَّأ لك في كلّ وقتٍ أن تُصادف مثلي على هذه الحالة، ثمَّ انقلبت عيناه، وتغيَّر حالُه، وجعل يصفق ويقول: المبرد المبرّد، فبادَرْتُ مُسرعًا خوفًا أن تَبْدُرَ منه بادِرة، وقَبلْتُ قولَه، فلم أدخل بعدها دار المرضى. وقال المبرد: دخلتُ مرةً دارَ المرضى، فناداني شابّ مقيَّد: يا ابن يزيد، فقلت: لبيك، فقال: أتعرف بني فلان؟ وأشار إلى حيٍّ من أحياء العرب، فقلت: نعم، فقال: هم الذين حيَّروني وأحَلُّوني هذا المحلَّ، قلت: فما الذي فعلوا؟ قال: [من السريع] زَمُّوا المطايا واستقلُّوا ضُحًى … ولم يُبالوا قَلْبَ مَن تَيَّموا ما ضرَّهم واللهُ يَرْعَاهمُ … لو وَدَّعوا بالطَّرْفِ أو سَلَّموا سألتُهم تسليمةً منهم … عليَّ إذ بانوا فما سلَّموا واستَحْسَنوا ظُلمي فمِن أجلهم … يُحبُّ قلبي كلَّ مَن يَظْلمُ ما زلتُ أَذْري الدَّمعَ في إثْرهم … حتَّى جَرى من بعد دمعي دمُ ما أنصفوني يومَ بانوا ولم … يَرْعَوا أماناتي ولم يرحموا ودَّعتهم من حيث لم يعلموا … ورُحتُ والقلبُ بهم مُغْرَمُ (١) ثمَّ صاح صيحة خرجت نفسُه معها. وقال المبرد: خرجْتُ ومعي جماعة من أصحابي نحو الرقَّة، وإذا بدَيرٍ كبير، فقال بعض أصحابنا: مِلْ بنا إليه لننظرَ مَن فيه، ونحمدَ الله على ما رَزقنا من السَّلامة،

стр. 7500

فدخلنا، وإذا بمجانين يتقلَّبون في أقذارهم، وبينهم شابٌّ نَظيف، عليه ثياب نقيَّة، وهو مَشدودٌ بسِلْسِلة إلى سارية، فلمَّا رآنا قال: مَرْحبًا بالوَفْد، حيَّاكم الله بالتَّحية، وقرَّب ما نأى من داركم، وجمع الله شَمْلَكم، بأبي أنتم من أين؟ فقلتُ: وأنت، فأمتع الله الخاصَّة والعامَّة بقُربك، وآنسَ جماعةَ ذوي المروءة بشَخْصك، وجعلَنا فداك، نحن من العراق، فقال: أحسن الله عن جَميل القول جزاءكم، وتولَّى عنِّي مكافأتكم، بأبي العراقُ وأهلهُ، فقلنا: ما تصنع بهذا المكان الذي غيرُه أَلْيَقُ بك؟ (١) فأنشد: [من السريع] اللهُ يَعلَم أنَّني كَمِدُ … لا أستطيعُ أبثُّ ما أَجِدُ روحان لي رُوحٌ تضمَّنها … بَلَدٌ وأخرى حازَها بَلَدُ وأرى المُقِيمةَ ليس يَنْفَعها … صَبْرٌ ولا يَقوى لها جَلَدُ وأظنُّ غائبتي كشاهدتي … بمكانِها تَجِدُ الذي أَجِدُ وبكى وبَكَينا، فقلنا له: زِدْنا، فقال: [من المنسرح] إنْ وَصَفوني فناحِلُ الجَسَدِ … أو فتَّشوني فكَمِدُ الكَبِدِ أضعفَ جسمي وزاد في سَقَمي … أنْ لستُ أشكو الهوى إلى أحَدِ كأن قلبي إذا ذكرتُهُم … فَريسَةٌ بين مِخْلَبَي أسَدِ ما أَقْتَلَ البَيْنَ للنُّفوس وما … أوْجَعَ قلبَ المحبِّ بالكَمَدِ فقلت له: والله إنَّك لظريف فزِدْنا، فأنشد: [من البسيط] شَوقٌ وبَيْنٌ وتوديعٌ ومُرتَحَلٌ … أيُّ العيون على ذا ليس تَنْهَمِلُ والله ما جَلَدي من بَعدِهم جَلَدٌ … ولا اختِزانُ دُموعي بعدَهم بَخَلُ بلى وحُرْمَةِ ما خلَّفنَ من رَمَقي … قلبي إليهن مُشتاقٌ ومُخْتَبَلُ وَدِدْتُ أنَّ البحارَ السَّبعَ لي مَدَدٌ … وأنَّ جسمي عيونٌ كلُّها هَمَلُ وأنَّ لي بَدلًا من كلِّ جارحة … في كلِّ جارحة يوم النَّوى مُقَلُ لا دَرَّ درُّ النَّوى لو صادَفَتْ جَبَلًا … لانهدَّ منها وَشيكًا ذلك الجَبلُ

стр. 7501

لما أناخوا قُبيلَ الصُّبح عِيسَهمُ … ورَحَّلوها وثارَتْ بالهوى الإبِلُ وأبرزَتْ من خلال السِّجْفِ (١) ناظرَهَا … ترنو إليَّ ودمعُ العَين مُنْهَمِلُ وودَّعت ببَنَان عَقْدُها عَنَمٌ (٢) … ناديتُ لا حَمَلَتْ رِجلاك يا جَمَلُ وَيلي من البَيْن ماذا حلَّ بي وبهم … من نازِلِ البَين حان البَينُ وارتَحلُوا يا سائقَ العِيسِ قِفْ كيما أودِّعَهم … يا زاجِرَ العِيسِ في تَرْحَالكَ الأَجَلُ إنِّي على العَهْد لم أَنْقُض مودَّتَهم … فلَيتَ شِعري وطال العَهْدُ ما فعلوا ثمَّ قال: يا سيِّدي، ما فعلوا؟ [فقال من البعض الذين كانوا معي، وفي رواية] فقلنا ونحن نُمازحه: ماتوا، فقال: هيه بالله ماتوا؟ قلنا: نعم، فقال: وأنا أموت، قلنا: إن شئتَ، وظَننَّاه مازِحا، فتمطَّى، واستند إلى السَّارية التي كان مَشدودًا إليها، وجَذَب نَفْسه، فانْدَلَع لسانُه ومات، فما بَرِحْنا حتَّى واريناه، ونَدِمْنا على ما فعلنا وبكينا، ولم نزل [باكين] متحسّرين [نادمين] على ما بدا منَّا. وحكى المبرِّد، عن [ابن] أبي كامل، [عن] إسحاق بن إبراهيم، عن رجاء بن عمرو النَّخَعي قال: كان بالكوفة (٣) فتًى جميلُ الوجه، شديدُ التَّعبُّد والاجتهاد، وكان أحدَ الزُّهَّاد، فنزل في جِوارِ قومٍ من النَّخَع، فنظر إلى جاريةٍ منهنَّ جميلةٍ، فهويها، وهام بها عقلُه، ونزل بها مثلُ الذي نزل به، فأرسلَ يَخطُبها من أبيها، فأخبره أبوها أنَّها مسمَّاةٌ على ابن عمٍّ لها، فلمَّا اشتدَّ عليهما ما يُقاسيان من ألَم الهوى أرسلت إليه الجارية: قد بلغَني شدَّةُ محبَّتكَ لي، وقد اشتدّ بلائي بكَ، فإن شئت زُرني، وإن شئتَ زرتُك، فقال للرسول: ولا واحدة من هاتين الحالتين، ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام: ١٥] فأبلغها الرسولُ ما قال، فقالت: أُراه زاهدًا يخاف الله، والله ما

стр. 7502

أحدٌ أحقَّ بهذا من أحد، وإنَّ العِباد فيه لَمشتركون، ثمَّ انخلعت من الدُّنيا ولبست المُسُوح، وجعلت تتعبَّد، وهي مع ذلك تذوب وتَنْحَلُ حبًّا للفتى، وأسَفًا عليه، حتَّى ماتت شوقًا إليه. فكان الفتى يأتي قَبْرها فيبكي عنده، فرآها في منامه في أحسن مَنْظَر، فقال لها: كيف أنتِ، وما الذي لَقيتِ بعدي؟ فقالت: نِعم المحبةُ يا حبيبي حُبُّكم … حبُّ يقودُ إلى خيرٍ وإحسانِ فقال لها: إلى ما صِرتِ؟ فقالت: [من البسيط] إلى نَعيمٍ وعَيشٍ لا زَوال لهُ … في جنَّة الخُلْدِ مُلْكٌ ليس بالفاني فقال لها: اذكُريني هناك فإنِّي لستُ أنساكِ، فقالت: وأنا والله لا أنساك، ولقد سألتُ الله قربكَ فأعني على ذلك بالاجتهاد، ثمَّ ولَّت مُدْبرة، فقال لها الفتى: فمتى ألقاكِ [أو أراكِ]؟ فقالت: ستأتينا عن قريب، فلم يعش الفتى بعد الرُّؤيا إلا سبع ليالٍ حتَّى مات، فدُفن إلى جانبها. وللمبرد المصنَّفاتُ الحِسان؛ منها "الكامل"، وكتاب "الروضة"، وغير ذلك. [ذكر وفاته: قال الخطيب:] توفِّي [المبرِّد] ببغداد [في هذه السنة] ودُفن بمقابر باب الكوفة [من الجانب] الغربي من مدينة أبي جعفر، وعمرُه تسعٌ وسبعون سنة. وروى عن المازنيِّ وغيره، وروى عنه إبراهيم بن محمَّد بن عَرَفَة نِفْطَويه، وخلقٌ كثير، وكان صدوقًا [ثقةً] ثَبتًا. [قال ابن عساكر:] ومن رواياته عن الإِمام مالك بن أنس [الفقيه] رحمة الله عليه أنَّه قال: إنَّ لهؤلاء الشُّطَّار مَلاحة، كان أحدهم يصلِّي خلف إنسان فأُرتج عليه، فجعل يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يردِّدها، فصاح به الشَّاطر: الشيطان ما له ذَنْب، أنت ما تحسن تقرأ (١).

стр. 7503

وكان بين المبرد وثعلب مفارقة، فقال حين مات المبرد: [من الكامل] مات المبرد وانقضت أيَّامُه … وليذهَبنَّ مع المبرّد ثعلبُ بيت من الآداب أصبح نِصفُه … خَرِبًا وباقي نصفِه فسيخربُ فابكوا لما سَلَب الزَّمان ووطِّنوا … للدَّهر أنفُسكم على ما يسلبُ غاب المبرّد حيث لا تَرجونه … أبدًا ومَن يرجونه سيُغَيَّبُ شملتْكمُ أيدي الردى بمصيبةٍ … وتوعَّدت بمصيبة تترقَّبُ فتزوَّدوا من ثَعلبٍ فبكأس ما … شَرِب المبرّدُ عن قليل يَشربُ وأرى لكم أن تكتبوا ألفاظَه … إن كانت الألفاظُ ممَّا يُكتَبُ فلْيَلْحَقنَّ بما مضى مُستخلفٌ … من بعده وليذهبنَّ ونَذهبُ (١) وقيل: إنَّ الشِّعر للحسن بن علي المعروف بابن العلَّاف، قلت: وهو الظَّاهر (٢). * * *

стр. 7504

السنة السادسة والثمانون بعد المئتين في ربيع الآخر منها نازل المعتضد آمِد (١)، وأناخ عليها بجنده، وبها محمَّد بن أحمد بن عيسى بن الشيخ، فأغلق أبوابَها، وعصى عليه، فنصب عليها المعتضد المجانيق، ونصب أيضًا محمَّد المجانيق على أسوارها، وأقام الحصار أربعين يومًا. [قال الصُّولي:] وكان مع المعتضد أعرابيٌّ يقال له: شُعْلَة بن شهاب من بني يَشْكُر، وكان فصيحًا [، وهو من خاصَّة المعتضد]، فقال له: اذهب إلى محمَّد بن عيسى برسالتي، وحذِّرْه العصيان، وخوِّفْه، ورغِّبْه في الطَّاعة، قال شعلة: فذهبتُ إلى محمَّد، فلاطفتُه ووعدتُه الإحسان، ورغَّبته في الطَّاعة فلم يُجِبْني، وكان له عمَّةٌ يقال لها: أمّ شريف، [قال:] فأرسلتْ إليَّ فصرتُ إليها، فقالت: يا أبا شهاب، كَيف خلَّفْتَ أمير المؤمنين؟ فقلت: خلَّفتُه آمرًا بالمعروف، فاعلًا للخير، فقالت: هو والله أهل لذلك ومُستحقُّه، وكيف لا وهو ظلُّ الله الممدودُ على بلاده، وخليفتُه المؤتَمَن على عباده، فكيف رأيتَ صاحبنا؟ قلت: غلامًا حَدَثًا مُعْجَبًا، قد استحوذ عليه السُّفهاء، واستبدَّ بآرائهم، يُزَخْرفون له الكذب، ويسوقونه بالباطل، وسيوردونه النَّدم، فقالت: هل لك أن تلقاه بكتابي هذا قبل أن ترجع إلى أمير المؤمنين؟ قلت: نعم. فكتبتْ إليه كتابًا لَطيفًا أجزلَتْ فيه الموعظة، وكتبت في آخره أبياتًا وهي: [من البسيط] اقبَلْ نصيحةَ أمٍّ قلبُها وَجِعٌ … خوفًا عليك وإشفاقًا وقُلْ سَدَدا واستعملِ الفِكْرَ في قولي فإنَّك إنْ … فكَّرتَ ألفَيتَ في قولي لكَ الرَّشَدا ولا تَثِقْ برجالٍ في قلوبهمُ … ضَغائن تَبعثُ الشنآنَ والحَسدَا مثل النِّعاج خُمولًا في بيوتهمُ … حتَّى إذا أمِنوا ألفيتَهم أُسُدا وداوِ داءك والأدواءُ مُمْكنةٌ … وإذ طبيبُكَ قد ألقى عليك يدا

стр. 7505

واعْطِ الخليفةَ ما يُرضيه منك ولا … تَمنعْه مالًا ولا أهلًا ولا وَلَدًا واردُدْ أخا يَشْكُرٍ ردًّا يكون له .. رِدْءًا من السُّوء لا تُشْمِت به أحدا قال اليَشْكُريُّ: فأخذتُ الكتاب، ورجعتُ به إلى محمَّد، فقرأه، ورمى به إليَّ وقال: يا أخا يشْكُر، ليس بآراء النِّساء وعقولهنَ تَتِمُّ الدُّول ويُساس الملك، ارجع إلى صاحبك. قال: فرجعتُ إلى المعتضد، فأخبرته بالخبر، وناولتُه كتابَها فقرأه، فأعجبه عقلُها وشِعرُها، ثمَّ تبسَّم وقال: والله إنّي لأرجو أن أشفِّع أمَّ الشَّريف في كثير من القوم. ثمَّ تطاول الأمر على محمَّد، فضَعُف وعَجز، وخانه أصحابُه، فأرسل إلى المعتضد يطلب الأمان لنفسه ولأهل البلد فأعطاه، فخرج إليه محمَّد ومعه أصحابُه وأولياؤه، فوصلوا إلى الخليفة، فخَلَع عليه وعليهم، وانصرفوا إلى مَضْرِبٍ قد أُعِدَّ لهم، وتحوَّل المعتضد من عسكره إلى منازل محمَّد ودوره، ولما استقرَّ به المنزل قال لليَشْكُريّ: هل عندك من أمِّ الشَّريف خَبر؟ قال: لا، قال: فامضِ مع هذا الخادم فإنَّك ستجدها في جُملة نسائها. قال: فانصرفتُ وإذا بها كما قال، فلما رأتني سَفَرتْ عن وجهها وقالت: [من مجزوء الكامل] رَيبُ الزَّمان وصَرْفُه … وعِنادُه كشف القِناعا وأذلَّ بعد العزِّ منَّا الصَّعْبَ … والبَطَلَ الشُّجاعا ولكم نَصَحْتُ فما أُطِعتُ … وكم حَرَصْتُ بأن أُطاعا فأبى بنا المِقْدار إلَّا … أن نُقَسَّم أو نُباعا يا ليتَ شِعريِ هل نَرى … أبدًا لفُرقَتنا اجتماعا ثمَّ بكت حتَّى على صوتُها، وضربت بيدها على الأخرى، وقالت: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، كأنِّي والله كنتُ أرى ما أرى، فقلتُ لها: إنَّ أمير المؤمنين وجَّه بي إليك وبهذا الخادم، وما ذاك إلَّا لجميل رأيه فيك، فقالت: فهل لك أن توصل لي إلى أمير المؤمنين رُقْعَة؟ قلت: نعم، فدفعتْ إلي رقعة فيها: [من الكامل] قلْ للخليفةِ والإمامِ المرتَضى … وابنِ الخلائفِ من قريش الأبطحِ

стр. 7506

عَلَمِ الهدى ومنارِه وسراجِه … مفتاحِ كلِّ عظيمةٍ لم تُفْتَحِ بكَ أصلح الله البلادَ وأهلَها … بعد الفَساد وطال ما لم تصلحِ [أعطاك ربُّك ما تحبُّ فأعطِهِ … ما قدْ يُحبُّ وجُدْ بعفوٍ واصْفَحِ] يا بَهْجَةَ الدُّنيا وبَدْرَ مُلوكها … هَبْ ظالميَّ ومُفسِديَّ لمُصْلحِ قال: فلمَّا قرأها المعتضد ضحك وقال: لقد نصحتْ لو قَبِل منها، وأمر أن يُحمل إليها خمسون ألف درهم، وخمسون تَخْتًا من الثياب، وأن يُحمل إلى محمَّد ابن أخيها مثل ذلك (١). وقال ابن المعتزِّ يهنِّئ المعتضد بفتح آمد: [من الكامل] اسْلَمْ أميرَ المؤمنين ودُمْ … في غِبْطَةٍ ولْيَهْنِكَ النَّصْرُ فلَرُبَّ حادثةٍ نَهضْتَ لها … متقدِّمًا فتأخَّر الدَّهرُ ليثٌ فرائسُه اللُّيوث فما … يَبْيَضُّ من دمها له ظُفْرُ (٢) وأقام المعتضد بآمد بقيَّة جمادى الأولى، وثلاثةً وعشرين يومًا من جمادى الآخرة، ثمَّ ارتحل منها نحو الرَّقَّة (٣)، وأمَر بِهَدْم سور آمِد، فهُدم بعضه، وتعذَّر هدمُ الباقي لما يحتاج إليه من الغرامات، فتركه، وخلَّف بآمِد ابنه عليًّا في جيش كثيف، وضمَّ إليه ديار بكر وربيعة والعواصم والرَّقَّة. ولما كان المعتضد بالرَّقَّة بعث إلى راغب مولى الموفَّق -وكان على طَرَسوس- يطلبه، فجاء إليه، فأقام في عسكره يومًا ثمَّ قبض عليه، واستأصله وحبسه، فمات بعد أيام، وعاد المعتضد إلى بغداد فدخلها لليلتين خلتا من شوال. وفيها ورد رسول هارون بن خُمارويه يذكر أنّه قد نزل عن أعمال قِنَّسرين والعواصم، وأنَّه يحمل إلى الخليفة في كل سنة أربع مئة ألف دينار وخمسين ألف دينار، ويسأل تجديد الولاية له على الشَّام ومصر، فأجابه إلى ذلك (٤).

стр. 7507

[فصل:] وفيها وافت هديَّة عمرو بن اللَّيث الصَّفَار من نَيسابور إلى بغداد في جمادى الآخرة، وهي أربعة آلاف ألف درهم، وعشرة من الدَّوابّ بسروجها ولُجُمها محلَّاة بالذَّهب، وخمسون دابة بجلالٍ مشهَّرة، وكسوة، وطِيب، وبُزاة وغير ذلك، وكان المعتضد غائبًا عن بغداد. وفيها ظفر إسماعيل بن أحمد بعمرو بن اللَّيث الصَّفَّار، وكانوا قد التَقَوا على بَلْخ فاقتتلوا، وكان أهلُ بَلْخ قد ملُّوا عَمْرًا وأصحابَه، وضجروا من نزول أصحابه (١) في دورهم، والتَّضييق عليهم، وأخذِهِ لأموالهم، وتعرُّضِ أصحابه لحريمهم، فلمَّا التَقَوا حمل عليهم إسماعيل، فانهزم عمرو إلى بَلْخٍ فوجد أبوابها مُغلقة، فصاح: أنا عمرو، ففتحوا له، ولم يكن معه إلا اليسير، فوثب عليه أهلُ بَلْخ فأوثقوه، وحملوه إلى إسماعيل، فلمَّا دخل عليه قام [له] إسماعيل، واعتنقه، وقبَّل ما بين عينيه، وغَسَلَ وَجْهَه من الغبار، وخلع عليه، وقال: عزَّ علي ما أصابك، وحلف له أنَّه لا يُؤذيه ولا يُسْلمه. وقيل: إنَّ إسماعيل كان من وراء النَّهر، فسأل عمرو بن الليث [الصَّفَّار، المعتضدَ أن يولِّيه أعمال إسماعيل، فولَّاه، وبعث إليه بالتَّقليد واللِّواء، فعزم على محاربة إسماعيل [بن أحمد]، فكتب إسماعيل إلى عمرو: إنَّك قد ولِّيت خراسان والدُّنيا، وإنَّما في يدي ما وراء النَّهر، وأنا في ثَغْر، فاقنع بما في يدك، ودَعْني مُقيمًا بهذا الثَّغر، فأبى عمرو، وقيل له: بين يديك جَيْحون كيف تعبره؟ فقال: لو شئتُ أن أسكره بِبِدَرِ الأموال لفعلتُ حتَّى أعبره، وبلغ إسماعيل فقال: أنا أَعبُر إليه. فجمع الدَّهاقين وغيرهم وجاوز النَّهر إلى الجانب الغربي، وجاء عمرو فنزل بَلْخ، وأخذ عليه إسماعيل الطُّرق [فصار] كالمحاصَر، وندم عمرو على ما فعل، وطلب المُحَاجَزة فلم يُجِبْه إسماعيل، واقتتلوا يسيرًا فانهزم عمرو، وتبعه أصحاب إسماعيل، فوَحِلتْ دابَّتُه (٢)، فهرب أصحابه، فأُخذ أسيرًا، وحُمل إلى إسماعيل. وبلغ المعتضد فخلع على إسماعيل خِلَع السَّلْطنة، وقال: يُقَلد أبو إبراهيم كلّ ما

стр. 7508

كان في يد عمرو. ثمَّ جاء كتاب المعتضد إلى إسماعيل يَعزم عليه، فما رأى بدًّا من تسليمه، فبعث به إلى المعتضد، فدخل بغداد على جَملٍ ليشهروه، فقال الحسين بن محمَّد بن الجَهْم (١): [من الطويل] ألم تَرَ هذا الدَّهرَ كيف صُروفُهُ … يكون يَسيرًا مرَّةً وعَسيرا وحَسْبُك بالصَّفَار نُبْلًا وعِزَّة … يروحُ ويَغدو في الجيوش أميرا حَباهُم بأجْمالٍ ولم يَدْرِ أنَّه … على جَمَلٍ منها يُقادُ أسيرًا أشار إلى أنَّه كان يحمل الأموال والهدايا إلى بغداد على الجمال، ثمَّ حبسه المعتضد في مَطْمورة، وكان يقول: لو أردت أن أعملَ على جَيحون جسرًا من ذهب لعملتُ، وكان مَطبخي يُحمل على ستِّ مئة جمل، وأركب في مئة ألف، أصارني الدَّهر إلى المطامير والقيود والذُّلِّ، وأقام في المطمورة إلى سنة تسع وثمانين ومئتين، ومات في أيام المكتفي، وقيل: إنَّه غُمَّ عند موت المعتضد، وقيل: في حياته (٢). وقال الطَّبريُّ: إنَّما دخل عمرو بن الليث بغداد في سنة ثمان وثمانين ومئتين في جمادى الأولى ومعه أشناس غلام إسماعيل بن أحمد، قال: وذكر لي أنَّ إسماعيل خيَّره بين المقام عنده أسيرًا وبين توجيهه إلى باب أمير المؤمنين، فاختار توجيهه إلى المعتضد (٣). فأدخل بغداد يوم الخميس مستهلَّ جمادى الأولى، وركب أبو النَّجم بدر، والقاسم بن عبيد الله الوزير، والقوَّاد والنَّاس جميعًا، وعمرو بن الليث على جَملٍ له سنامان في غاية الارتفاع، وقد أُلبس الجمل الدِّيباج، وحُلّي بذوائب فِضة، وعلى عمرو دُرَّاعة ديباج، وبُرْنُس طويل، وطيف به في شوارع بغداد، وأُدخل على المعتضد فأوقف بين يديه ساعة، فقال له: يا عمرو، هذا ببَغْيك، ثمَّ أُخرج إلى حُجرة كانت قد أُعدَّت له،

стр. 7509

وبعث إلى إسماعيل ببَدَنةٍ من لؤلؤ، وتاجٍ مرصَّعٍ، وسيفٍ من ذهب، وعشرة آلاف ألف درهم (١). وفيها ظهر رجل من القرامطة يعرف بأبي سعيد الجنَّابي [بالبحرين] واجتمع إليه جماعة من الأعراب والقَرامطة، وكان خروجه في أوَّل هذه السَّنة، ثمَّ قوي أمره في جمادى الآخرة، وكثر أصحابُه، فقتل مَن حوله من أهل القرى، وسار إلى مكان بينه وبين البصرة مراحل يقال له: القَطيف، فقتل مَن كان به، وأظهر أنَّه يريد البصرة، فأرسل المعتضد إلى البصرة، فبنى عليها سُورًا، فقدِّرت نفقته بأربعة عشر ألف دينار. وغلب أبو سعيد على هَجَر وأعمالها، وكان رجلًا كيَّالا بالبصرة، يبيع الطَّعام للنَّاس بناحية الزَّارة، وجَنَّابة قريةٌ من قُرى الأهواز، وقيل: من أعمال البصرة، وقيل: من البحرين. وكان يتردَّد إلى البصرة وإلى القَطيف والبحرين رجلٌ يقال له: يحيى بن علي (٢)، ويزعم أنَّه رسول المهديِّ، ويبثُّ فيهم الدَّعوةَ سرًّا، ويأخذ أموالهم، ويجيء إلى البصرة فينزل على أبي سعيد الجنَّابي، ويقول أبو سعيد لامرأته: إنْ أرادكِ رسولُ المهديّ على نفسك فلا تمنعيه. وعلم به عامل البصرة وهو أحمد بن محمَّد الواثقي، فأخذ يحيى بن علي رسولَ المهدي فضربه بالسِّياط، وحلق رأسَه ولحيته، وعلم أبو سعيد فهرب من البصرة، واجتمع إليه مَن كان على مثل رأيه، فخرج وعَمل ما عَمِل. وقال الصُّولي: كان أَبو سعيد فقيرًا يرفو (٣) أعدال الدَّقيق بدار البصرة، وكان يُسْخَر منه ويُستَخفُّ به، فخرج إلى البحرين، فانضاف إليه جماعة من الزَّنج وقُطَّاع الطريق، وأفسد، وعاث، ونشر الدَّعوة، وتفاقَمَ أمرُه، حتَّى بعث إليه الخليفة جيوشًا وهو يهزمها، وهو جدُّ أبي عليٍّ الذي استولى على الشَّام، ومات بالرَّملة سنة خمسٍ وستين وثلاث مئة.

стр. 7510

وقال ابن حَوْقل: الحسن المكنَّى بأبي سعيد بن بَهْرام الجنَّابي من أهل جَنَّابة، كان دقَّاقًا، فتعلَّق بدعوة القرامطة من قِبَل عبدان الكاتب صهر حَمدان قرمط، وجعل الدَّعوة إليه بجنَّابة وفارس ونواحي البصرة، وكان حمدان قرمط ينتمي إلى خلفاء مصر وهم يومئذٍ بالمغرب، فأقام أبو سعيد مدَّة، ثمَّ ذُبح في حمَّام كان قد بناه في قصره، ثمَّ خلفه ابنه أبو طاهر سليمان بن الحسن، وهو الذي قتل الحاجَّ، ونزع الحجر الأسود من الكعبة، وفعل ما فعل، حتَّى أهلكه الله تعالى، وسنفصِّل هذه الجُمل بعون الله تعالى. وفيها جرت واقعةٌ عجيبةٌ بالرِّيِّ ذكرها الخطيب، وقال بإسناده إلى أبي عبد الله محمَّد بن أحمد القاضي (١): حضرتُ مجلسَ القاضي موسى بن إسحاق قاضي الرَّي، فادَّعى وكيلُ امرأةٍ على زوجها صداقها خمس مئة دينار فأنكر، فقال القاضي: البَيِّنة؟ فقال الوكيل: حاضرة، فأحضر شهودًا، فقالوا: لا بدَّ أن يُنظَر إلى المرأة لتتحقَّق الشهادة، فقال الزوج: ولا بد؟ قالوا: ولا بدَّ، فقال الزوج: أيُّها القاضي، اشهد علي أنَّ الخمس مئة دينار في قِبَلي وعندي ولا ينظر هؤلاء إلى امرأتي، فقالت المرأة: فإنَّني أُشهد القاضي أنِّي قد وهبتُ له المهرَ وأبرأتُه منه في الدُّنيا والآخرة، فقال القاضي: يُكتب هذا في مكارم الأخلاق. [فصل] وحجَّ بالناس محمَّد بن عبد الله بن ترنجة. وفيها توفي أحمد بن سَلَمة ابن عبد الله، أبو الفَضْل البزَّاز، النَّيسابوري، أحدُ الحفَّاظ. رافق مسلم بن الحجَّاج في رحلته إلى قُتيبة بن سعيد، وسمع من شيوخ مسلم، وجمع المسند الصحيح مثل "صحيح مسلم"، وقدم بغداد فحدَّث بها، وكتب عنه أبو زُرْعَة وغيره، وكانت وفاته في جمادى الآخرة وكان صالحًا صدوقًا (٢).

стр. 7511

[وفيها توفي] إسحاق بن محمَّد [ابن أحمد] بن أبان، أبو يعقوب النَّخَعِيّ، ويعرف بالأحمر. كان به بَرَصٌ فكان يغيِّر لونَه بالأحمر (١). [وذكره الخطيب فقال:] كان رَديءَ الاعتقاد، خبيثَ المذهب، يقول: إنَّ عليًّا ﵇ هو الله تعالى، وله مقالات، وبالمدائن من أرض العراق أقوامٌ على مذهبه يقال لهم: الإسحاقية، يقولون: إنَّ عليًّا بعث محمدًا ﷺ . روى عن [أبي عثمان] المازني، وكان صاحب حكايات وأشعار [وأخبار] (٢). [وفيها توفي] إسماعيل بن إسحاق ابن إبراهيم (٣) بن مهران، أبو بكر، السَّرَّاج، النَّيسابوريّ، مولى ثَقيف. سمع [إسحاق بن راهويه، و] الإِمام أحمد [بن حنبل] رحمة الله عليه، وكان صاحبه، وغيرهما، وأقام ببغداد خمسين سنة ومات بها، فسافر عنها أخوه محمَّد [بن إسحاق] إلى نيسابور، فكان يتأسَّف على بغداد، فقيل له: لم خرجتَ منها؟ فقال: أقام بها أخي إسماعيل خمسين سنة يحدِّث ويسمع، فلمَّا مات وأخرجت جنازته قال واحد على باب الدَّرب: مَن هذا؟ فقال له آخر: غريبٌ كان ها هنا، فقلت: إنَّا لله من المقام بين هؤلاء القوم، [يقيم أخي بينهم خمسين سنة يحدِّث، ويشتهر بالعلم والزُّهد والعبادة ويقال في حقِّه كذا! والله لا أقمتُ بها] فخرجتُ إلى الوطن. [وفيها توفي]

стр. 7512

الحسين بن بَشَّار أبو علي، البغداديّ، الخيَّاط. كان عارِفًا بتعبير الرُّؤيا، حاذِقًا بها، [قال الخطيب:] مرض القاضي أبو عمر محمَّد بن يوسف مرضًا شديدًا أقام فيه شهورًا، فرأى في منامه قائلًا يقول له: كُلْ لا، واشرب لا، وقد عوفيتَ، فسأل المعبِّرين فلم يفهموا معناه، فأرسل إلى الحسين فسأله فقال: أخِّرني الليلة، فلما كان من الغد أرسل إليه فقال: كُلِ الزيتون واشربِ الزَّيت، فقال: [ومِن] أين لك هذا؟ فقال: قرأت البارحة القرآن كلَّه، فلم أجد معناه إلَّا في قوله تعالى: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥] ففعل القاضي فعوفي. وكانت وفاته في صفر، أسند عن أبي بلال الأشعريِّ وغيرهِ، وروى عنه عبد الصَّمد [ابن علي] الطّستي وغيرُه، وكان ثقة (١). محمَّد بن وضَّاح ابن بَزيع، أبو عبد الله، الأندلسيُّ، القرطبيُّ، مولى عبد الرحمن الدَّاخل. كان زاهدًا، عفيفًا، فاضلًا، مجابَ الدَّعوة، اعتُقل لسانه فسأل الله تعالى فأطلقه. رحل إلى المشرق مرَّتين، وقرأ القرآن على أصحاب وَرْش، وسمع الإِمام أحمد رحمة الله عليه وغيرَه، وحديثه في الأندلس ووفاته بها، وبه صارت دارَ حديث ﵀ (٢). [وفيها توفِّي] محمد بن يوسف أبو عبد الله، الأصبهاني، البنَّاء. كان رجلًا صالحًا، يبني للنَّاس بالأجرة (٣)، فيأخذ من أُجرته دانِقًا في كلِّ يوم يُفطر

стр. 7513

عليه، ويتصدَّق بالباقي، ويختم القرآن كلَّ يوم وليلة خَتمة، ولقي ستَّ مئة (١) شيخ، وكتب الحديث الكثير. وكانت له كرامات، قال: كنتُ بمكة، فسألت الله أن يُدخل قلبي المعرفة، وإمَّا أن يقبضني [إليه] فلا حاجةَ لي في الحياة بغير معرفة، فرأيت في المنام قائلًا يقول: صم شهرًا، ولا تكلم أحدًا من النَّاس في الشهر، ثمَّ ادخل بعد ذلك قبَّةَ زَمزم، وسلْ ما تريد، قال: ففعلتُ، فناداني صوتٌ من زمزم: يابن يوسف، أيُّهما أحبُّ إليك؟ العلم مع الغنى، أو المعرفة مع الفقر؟ فقلت: المعرفة مع الفقر، فسمعت ذلك الصَّوت يقول: قد أُعطيت، قد أُعطيت. أسند عن إسحاق بن راهويه وغيره، وروى عنه ابن مَخْلَد وغيره. [وفيها توفي الكُدَيمي واسمه] محمَّد بن يونس بن موسى بن سليمان بن عُبيد بن ربيعة بن كُدَيم، أبو العبَّاس، القُرشيّ، البصريُّ. [وهو ابن امرأة رَوْح بن عُبادة. ولد سنة ثلاث أو خمس وثمانين ومئة في ليلة مات هُشيم بن بشير، وسافر في طلب الحديث إلى الحجاز، واليمن، والشام، ومصر، وخراسان، وسمع الكثير]، حجَّ أربعين حجَّة، ثمَّ أقام ببغداد، وكان حافظًا مُتقنًا (٢). قال: حضرتُ جنازة عبد الرحمن بن مَهديّ في سنة ثمان وتسعين ومئة، وكتبتُ عن ألفٍ ومئة شيخ وستة وثمانين شيخًا. وكانت وفاته ببغداد في نصف جمادى الآخرة. سمع عفَّان بن مسلم وغيرَه، وروى عنه ابنُ الأنباري وغيرُه. وقد تكلَّموا فيه؛ فقال عبد الله بن الإِمام أحمد: الكُديميُّ حَسَنُ الحديث والمعرفة،

стр. 7514

ما وُجد عليه في شيءٍ إلا صُحبته لسليمان الشَّاذكرني، فإنَّ سليمان كان يضع الحديث. وكان الكديميُّ يقول: مَن رماني بالزَّندقة فهو في حِلٍّ، ومَن رماني بالكذب على رسول الله ﷺ جاثَيتُه بين يدي الله تعالى. وكان ينشد ويقول (١): [من البسيط] لا تَخْضَعَنَّ لمَخلوقٍ على طَمَعٍ … فإنَّ ذاك مُضِرٌّ منك بالدِّينِ واستَرْزقِ الله ممَّا في خزائنهِ … فإنَّما هو بين الكاف والنونِ [وفيها توفي] يعقوب بن إسحاق بن تَحيَّة أبو يوسف، الواسطيّ. قدم بغداد، وحدَّث بسوق الثلاثاء عن يزيد بن هارون بأربعة أحاديث، ووعد النَّاس أن يحدثهم من الغد، فأصبح ميتًا، وله مئة واثنتي عشرة سنة، وروى عن ابن صاعد وغيره (٢). * * *

стр. 7515

السنة السابعة والثمانون بعد المئتين فيها قبض المعتَضِد على محمَّد بن أحمد بن عيسى ابن الشَّيخ صاحب آمد، وعلى جماعةٍ من أهل بيته، وقيَّدهم وحبسهم في دار ابن طاهر، وسببه أنَّ بعض أقارب محمَّد وشى به [إلى المعتضد وقال: هو] على عزم الهرب (١) وجماعةٍ من أصحابه. وفيها في المحرَّم واقعت طَيِّئ قافلةَ الحاجِّ عند عودهم من مكَّة؛ بمكان يقال له: المعدن، وكان الأعراب في ثلاثة آلاف بين فارس وراجل، وكان أبو الأغرّ على الحاجِّ، فأقاموا يقاتلونهم يومًا وليلة، ومع طيئِّ ومن انضاف إليهم من الأعراب أموالُهم وظُعُنهم وأهاليهم، واشتدَّ القتال بينهم، ثمَّ إنَّ الله تعالى نصر أبا الأغرِّ والحاجَّ، فهزموهم يوم الجمعة لليلتين بقيتا من المحرَّم، وقُتل صالح بنُ مُدْرِك الذي نهب الحاجَّ في ماضي السنين، وقتل معه أعيان طيِّئ، ووافى أبو الأغَرِّ بغداد وبين يديه رأسُ صالح [بن مُدْرِك] ورؤوس [جماعةٍ من] أصحابه، فوصل إلى المعتضد، فخلع عليه وطوَّقه وسوَّره، ونصب الرؤوس عند الجسر، وحَبس الأسرى في المطامير. وفي صفر أمر المعتضد أن يُبنى له قصر [ببَراز الرّوز للتنزُّه،] فشرعوا فيه. وفيها غَلُظ أمرُ القرامطة، فأغاروا على البصرة ونواحيها، فبعث إليهم المعتضد عبَّاس بنَ عَمرو الغَنَويّ في ألفَي رجل، وقيل: في عشرة آلاف، فالتقوا، فقُتل أصحاب العبَّاس إلا القليل، وأُسر العباس، ثمَّ أطلقه أبو سعيد بعد ذلك. فقال العبَّاس: لمَّا أسرني القرمطيُّ قيَّدني وضيَّق عليَّ، فيئستُ من الحياة، فلمَّا كان بعد ذلك أرسل إليَّ مَن أخذ قيدي وثيابي، واستدعاني، فدخلتُ عليه، فسلمتُ عليه فردَّ، وأَدْناني، وأمرني بالجلوس، وقال: أنتَ رجلٌ عربيّ، وقد مننتُ عليك بنفسك، وأريد أن أستودعَك أمانة تؤدِّيها إلى صاحبك، فقلت: أفعل ما تأمُرني به، قال: تقول له: يا هذا، لِمَ تَخْرِقُ هيبتَكَ، وتبعث إليَّ الجيوشَ، وأنا أقتل رجالك، ويَطمع فيك

стр. 7516

أعداؤك، وأنا رجلٌ مقيمٌ في فلاةٍ لا زَرْعَ فيها ولا ضَرْع، قد رضيتُ لنفسي بخُشونة العيش، والتَّقلُّب على أطراف الرِّماح، وما غَصَبْتُ لك بلدًا، ولا أزلتُ لك سلطانًا، ومع هذا فوالله لو أرسلتَ إليَّ جميع عساكرك ما ظفرتَ منِّي بطائلٍ؛ لأنَّك تبعثُ إليَّ رجالًا قد تعوَّدوا شُرْبَ الماءَ بالثَّلج، وشمَّ الرياحين، والمآكلَ اللذيذة، والأماكنَ الباردة، فيجيؤون من المسافة البعيدة وقد ضَنكهم العيشُ والتعب، فما يَمْكثُون إلا ساعةً من نهار ثمَّ يُهزمون، وإن ظهروا على دخلتُ الصَّحارى أنا ورجالي، وقد تعوَّدْنا القَشَف وخشونةَ العيش، فلا يقدرون عليَّ، ثمَّ إنَّني آتيهم على غِرَّة فأقتلهم وأغنم أموالهم، ويعودُ فَلُّهم إليك، فما تَحظى إلا بكَسْر الحُرْمَة، وإنفاق الأموال، وإطماع العدوِّ فيك، وأنا فما أُنفقُ مالًا، ولا أتكلَّفُ مَشَقَّةً … وذكر كلامًا طويلًا في هذا المعنى، وبعث معي رجالًا أوصلوني إلى مأمَني، وأعطاني نَفَقةً، فلمَّا دخلتُ على المعتضد أَعَدْتُ عليه ما قال، فتمعَّطَ في جلده غَيظًا حتَّى قلت: إنَّه يسير إليه بنفسه، ثمَّ أفكر فكأنَّه عَرف صدقَ قوله، فما ذكره بعد ذلك. ثمَّ ولَّى المعتضد العبَّاسَ الغَنَويَّ اليمامة والبحرين ومُحاربَةَ القرمطي، فخرج إليها في رجب، وجاءه القرمطيُّ فاقتتلوا، فانهزم العبَّاس، ولحقه القِرمطي فأسره، وأسر معه سبعَ مئة رجل، وغنم ما كان في العسكر، وقتل السَّبع مئة، ثمَّ أحرقهم، وسار إلى هَجَر فأمَّنهم ودخلها، وهرب أهل البصرة، وكان بها أحمد بن محمَّد الواثقيّ فسكَّنهم. ثمَّ أطلق القرمطيُّ العبَّاسَ، فوافى بغداد في رمضان، ويقال: إنَّ هذه الوقعة هي التي أسر القرمطي فيها العبَّاس في الأوَّل، ولما أسره دَعا به وقال: أتحبُّ أن أُطلِقَك؟ قال: نعم، قال: امْضِ وعرِّف الذي وجَّه بك ما رأيت من قِبَل أصحابه وتحريقهم، وأرسل معه رجالًا من القرامطة يحملون الزَّاد والمال إلى الأُبُلَّة، فأوصلوه، فجاء إلى البصرة، وقدم على المعتضد فحكى له ما شاهد، وقال له: يا أمير المؤمنين، أقمتُ عنده ثمانيةَ عشر يومًا ما أكلت إلا الطُّرموس (١) والتَّمر، قال: والمعتضد مُطرِقٌ قابِضٌ على لحيته، لا يرفع طَرْفَه، فإذا رفعه نظر إليَّ شَزْرًا، فلم أزل خائفًا حتَّى خرجتُ من

стр. 7517

بين يديه، ثمَّ خلع عليه (١). وفي شوَّال خرج المعتضد من بغداد فنزل باب الشمَّاسيَّة [في طلب] وَصيف خادم ابن أبي السَّاج وكتم ذلك، فظهر أنه يريد [ديار] مُضَر (٢)، وسار عن بغداد في ذي القعدة، وأتته عيونه أنَّ وصيفًا يريد عين زُرْبة، فقدَّم بين يديه ابنه عليًّا، ثمَّ أتبعه مؤنسًا الخازن، ثمَّ بالقوَّاد، فأدركوا وَصيفًا في عسكره قبل أن يصل إلى عين زُرْبة، فأخذوه أسيرًا، وجاؤوا به، فكان بين مَسير المعتضد من بغداد إلى أن قبض على وصيف بعين زُرْبة والعواصم ستَّة وثلاثون يومًا؛ لأنَّه خرج من بغداد لإحدى عشرة بقيت من ذي القعدة، ثمَّ أقام بعين زُرْبة يومين، وبالمَصِّيصة أيَّامًا، ونزل طَرَسوس فأقام بها أيامًا، ثمَّ رحل إلى أنطاكية فأقام بها أيامًا، ثمَّ جاء إلى حلب، ثمَّ إلى بالِس، ثمَّ إلى الرقَّة، فأقام بها إلى سَلْخ ذي الحجَّة (٣). وفيها مات محمَّد بن زيد العَلَويّ صاحب طَبَرِسْتان. وفيها أوقع بدر غلامُ الطَّائيّ بالقرامطة على غرَّة منهم بنواحي رودميسان (٤)، فقتل منهم مَقتلةً عظيمة، ثمَّ تركهم خوفًا على السَّواد أن يخَرب إذ كانوا فلَّاحيه وعمَّاله. وحجَّ بالنَّاس محمَّد بن عبد الله بن ترنجة (٥). وفيها توفي أحمد بن عمرو ابن الضَّحَّاك بن مَخْلد بن مسلم، أبو بكر، القاضي، الشَّيباني، الفقيه. محدِّثُ بنُ محدِّث بنِ محدِّث، ولي القضاء بأصفهان، وصنَّف في علوم الحديث، وكان مُكثِرًا، وروى عن جدَّيه لأبيه ولأمِّه، أمَّا جدُّه لأبيه فهو أبو عاصم النَّبيل، وأمَّا جدُّه

стр. 7518

لأمِّه فأبو سلمة التَّبُوذَكيّ، وكان أحمد بن عمرو ظاهريَّ المذهب، مات بأصبهان (١). الحسين بن السَّمَيدع ابن إبراهيم أبو بكر، البَجَلي، الأنطاكيّ. قدم بغداد وحدَّث بها، وتوفِّي في ذي القَعدة، وكان ثقة، وأنشد لنفسه أو لغيره: [من البسيط] حتَّى متى أنا مَمْطولٌ بما تَعِدُ … ما للمواعيد فيما بيننا أمَدُ أزكى المواعيدِ ما كانت مهيَّأةً … لا المَطْلُ فيها ولا التَّسويفُ والنَّكَدُ فأبْقِ عنديَ للمعروف تفعلُه … شُكرًا تضمَّنه الأعقابُ والأبَدُ (٢) محمد بن زيد العَلَويّ، صاحب طَبَرِسْتان. لما بلغه أسْرُ عمرو بن اللَّيث خرج من طبرِستان في جيش كثيف نحو خراسان طامعًا فيها، ظنًّا منه أنَّ إسماعيل بن أحمد لا يتجاوز عمله بما وراء النَّهر، فلمَّا صار إلى سِجِسْتان كتب إليه إسماعيل يقول: قد ولاني أمير المؤمنين خُراسان، فارجع إلى طَبَرِستان ولا تتعرَّض لما ليس لك، فأبى محمَّد، فدعا إسماعيل محمَّد بنَ هارون وكان خليفة لرافع بن هَرثمة في أيَّام ولاية رافع خراسان، فقال له: سِرْ إلى محمَّد بن زيد، وضمَّ إليه جَمعًا كثيرًا من جنده ورجاله. فسار إليه والتقيا على باب جُرجان، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وكانت الدَّبَرَةُ فيه أولًا على محمَّد بن هارون، ثمَّ رجع عليهم فهزمهم، وقتل من أصحاب العلويِّ خلقًا كثيرًا، وباشر العلويُّ القتال بنفسه، ووقع في رأسه ووجهه ضَرَباتٌ كثيرة، وأَسَر ابنَه هارونُ، وحوى ما كان في عسكره، ثمَّ مات محمَّد بن زيد بعد هذه الواقعة بأيَّام، فدُفن على باب جُرجان، وحُمل ابنُه زيد بن محمَّد إلى إسماعيل بن أحمد، وسار محمَّد بن هارون إلى طَبَرِسْتان (٣).

стр. 7519

يعقوب بن يوسف بن يعقوب أبو يوسف، النَّيسابوريُّ. كان جَليلًا، مُحتَشِمًا، كبيرَ المحلِّ، كاتب الإِمام أحمد ﵀، واجتمع به غير مرَّة، وأثنى عليه الإِمام أحمد، أسند عن هشام بن عمَّار وطبقتِه، وكتب عنه مسلم بن الحجَّاج، وكان ثقة (١). [فصل وفيها توفي] يعقوب بن يوسف بن أيُّوب أبو بكر، المطوّعي، الزَّاهد العابد، [حكى عنه الخطيب أنَّه] قال: كان وردي في شبيبتي في كلّ يوم وليلة أربعين ألف مرَّة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾. وكانت وفاته ببغداد في رجب، ودُفن بباب البَردان. سمع الإِمام أحمد [بن حنبل] رحمة الله عليه، [وابن معين، وابن المديني]، وروى عنه النجَّاد [وجعفر الخُلْدي]، وكان ثقةً صدوقًا (٢). * * *

стр. 7520

السنة الثامنة والثمانون ومئتين فيها وقع وَباء بأذْرَبيجان فمات خَلْقٌ كثير، وفُقدت الأكفان، فكفّن النَّاس في الأكْسِيَة واللّبود، ثمَّ فُقدت [الأكسية] ومَن يدفن الموتى، فكانوا يُطرَحون في الطُّرق عَرايا. ثمَّ وقع الطَّاعون في أصحاب محمَّد بن أبي السَّاج بَبَرْذَعة في ربيع الأوَّل، فمات لمحمد ما بين ولدٍ وغُلامٍ ممن أخِذت مناطقُهم وسيوفُهم، وأدخلت خزانة ابن أبي السَّاج؛ سبعُ مئة إنسان، ثمَّ توفِّي محمَّد بن أبي السَّاج ببَرْذَعة، وقيل: بأذربيجان، وكان يلقب بالأفشين، فاجتمع غلمانه فأمَّروا عليهم ابنه ديوداد، فاعتزلهم أخوه يوسف بن أبي السَّاج وهو مخالفٌ لهم (١). وفيها قدم المعتضد بغداد [فنزل] بباب الشَّمَّاسية مُنْصَرِفًا من سفره، ومعه وصيف خادم ابن أبي السَّاج، وكان عاصيًا عليه بالثُّغور، ثمَّ دخل المعتضد قصرَه بالثُّريّا ليلًا، وركب من الغد ابنُه جعفر وأبو النجم بدر المُعْتَضدي، وبين أيديهم القوَّاد، ووَصيف الخادم قد أُركب جَملًا له سنامان بغير وطاء، وعليه دُرَّاعة ديباج، ومعه رجل يعرف بالبُغَيل من أهل طَرَسوس ممَّن كان يقاتل في البحر على جمل، ورجلان آخران وعليهم الذرائع والبَرانس، وكان في المَرْكب ممن أبلى في الوقعة خاقان المُفْلحي مُطوَّقًا مُسوَّرًا، ووَصيف موشكير، ومؤنس الخادم، ومؤنس الخازن مطوَّقين بغير أسورة (٢). وقال الخطيب: هجم المعتضد على وصيف بطَرَسوس فأخذه أسيرًا، وعاد إلى أنطاكية وعليه قَباء أصفر، فقال رجل: يا قوم، الخليفةُ عليه قباء أصفر، فأين السَّواد؟ فقال بعض الناس: هذا القباء كان عليه وهو ببغداد؟ فجاءه الخبر بعصيان وصيف، فحلف لا يغيِّرُه حتَّى يَفْرُغ من أمر وصيف (٣).

стр. 7521

وعاد المعتضد وقد شاب، فدخلت عليه بدعة جارية [عريب] فقالت له: يا سيدي، شِبْتَ في هذه السفرة! فقال لها: من دون ما كنتُ فيه [يُشَيّب]، قالت: فأنت والله فيه أحسن من القمر، ثمَّ قالت: [من الخفيف] إن تكن شِبْتَ يا مَليكَ البرايا … بأمورٍ عانَيتَها وخُطوبِ فلقد زادكَ المَشيبُ جَمالًا … ووَقارًا والشَّيبُ فَخْرُ الأديبِ (١) وفيها تزوَّج جعفر بن المعتضد خديجة بنت أبي النَّجم بدر، وحمل المعتضد إلى بدر صَداقها في مئة كيس على يد مئة غلام، وقيل: إنَّما تزوَّجها المعتضد. وفيها توفي عبيد الله بن سليمان الوزير. وتوفِّي وَصيف الخادم، فأُخرجت جثَّته وصُلبت عند الجسر. وحجَّ بالنَّاس محمَّد بن هارون بن العبَّاس بن إبراهيم بن عيسى بن [أبي] جعفر المنصور (٢). وفيها توفي بِشْر بن موسى ابن صالح، أبو علي، الأسديُّ. ولد سنة تسعين ومئة، وهو من بيت الفضل والرِّياسة، والثِّقة والأمانة، وكان الإِمام

стр. 7522

أحمد [بن حنبل] ﵀ يعظِّمه ويحترمه، وكانت وفاته في ربيع الأوَّل ببغداد، ودُفن بمَقْبرة باب حَرْب، وقيل: بباب التِّبن. حدَّث عن الإِمام أحمد رحمة الله عليه وغيره، وروى عنه [ابن] صاعد وغيره، [قال الخطيب:] وكتب إلى الحميديِّ والحميديُّ بمكة (١). ومن شعره: [من الطويل] ضَعُفْتُ ومَن جاز الثَّمانين يضعُفُ … ويُنكَرُ منه كلُّ ما كان يُعرَفُ وَيمشي رُويدًا كالأسير مُقَيَّدًا … تَدانى خُطاه في الحديد ويرسُفُ (٢) ثابت بن قُرَّة أبو الحسن، المُهَنْدِس. صاحب الكُتُب الحسان في الفلسفة والهندسة والطّبِّ وغيرها، ولد سنة إحدى وعشرين ومئتين، وكان فاضلًا، مُتقنًا في جميع العلوم، وهو جدُّ ثابت بن سِنان بن ثابت بن قُرَّة صاحب "التاريخ". ورثاه ابن المُنَجِّم النَّديم فقال: [من الطويل] ألا كلُّ شي ما خلا اللهَ مائتُ … ومَنْ يغتربْ يومًا ومَن مات فائتُ أرى مَن مضى عنَّا وخيَّم عندنا … كسَفْرٍ ثَوَوْا أرضًا فسارٍ وبائتُ نَعَيْنا العلومَ الفَلسفيَّاتِ كلَّها … عداها التماعُ النُّورِ مُذْ مات ثابتُ وأصبح أهلوها حَيارى لفَقْدِه … وزال به رُكْنٌ من العلم ثابتُ وكانوا إذا ضَلُّوا هَداهم لنَهْجِها … خَبيرٌ بفَصْلِ الحُكم للحقِّ ناكتُ ولمَّا أتاه الموتُ لم يُغْنِ طِبُّه … ولا ناطِقٌ ممَّا حواه وصامِتُ فلو أنه يُسْطاع للموتِ مَدْفَعٌ … لدافعَه عنه حُماةٌ مَصالِتُ ثِقات من الإخوان يُصْفون وُدَّه … وليس لما يَقضي به الله لافِتُ أبا حَسَنٍ لا تَبْعَدنَّ فكلُّنا … لهُلْكِكَ مَفْجوعٌ له الحُزْنُ كابِتُ

стр. 7523

أآمُلُ أن تُجلا عن الحقِّ شُبهةٌ … وشَخْصُك مَقْبورٌ وصوتُك خافِتُ عَجِبتُ لأرضٍ غيَّبَتْك ولم تكن … ليُثْبِتَ فيها مثلَك الدَّهرَ ثابتُ تهذَّبْتَ حتَّى لم يكن لك مُبْغِضٌ … ولا لك لمَّا اغتالك الموتُ شامتُ وبَرَّزْتَ حتَّى لم يكن لك دافعٌ … عن الفَضْلِ إلا كاذبُ القولِ باهِتُ مضى عَلَمُ العِلم الذي كان مَقْنَعًا … فلم يَبْقَ إلا مُخطِئٌ مُتهافِتُ (١) من أبيات. [وفيها توفي] العبَّاس بن حَمْزة [ابن] عبد الله بن أشْرَس، أبو الفضل، النَّيسابوريّ، الواعظ. صاحب لسانٍ وبَيان، رحل في طلب الحديث إلى الأمصار، [قال الحافظ ابن عساكر:] ورأى ذا النُّون المصري، وسمع كلامه، وأسند عنه. [قال:] فمن ذلك أنَّه قال: سمعتُ ذا النُّون يقول في مُناجاته: إلهي، عَرف المُطيعون عَظَمتك فخضعوا، وسمع المذنبون بجودك فطمعوا. [قال:] وكان يصوم النَّهار ويقوم الليل، [وكان] مُجابَ الدَّعوة، يقول: لَحِقَتْني بركاتُ ذي النون. وكان يَعِظ السُّلطان، ومرض فعاده أحمد بن أبي ربيعة، فقال له: كيف تَجِدك يا أبا الفَضْل؟ فقال: حَبَسني ربي على بابه، وأغناني عن أبوابكم، وكانت وفاته في ربيع الأوَّل. سمع الإمام أحمد رحمة الله عليه وغيرَه، وروى عنه البغويُ وغيرُه (٢). [وفيها توفي] عُبيد الله بن سليمان ابن وَهْب [الوزير].

стр. 7524

وَزَر للمعتضد (١) عشر سنين وشهرين وعشرة أيام، وكان ناهضًا، كافيًا، يلتقي الأعداء بنفسه، ومضى إلى الرَّيّ مع علي بن المعتضد [وقد ذكرناه]، وكانت وفاتُه يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلةً خلت من شهر ربيع الآخر، وصلَّى عليه ابنه القاسم، ودُفن بداره، وكتب المعتضدُ رُقعةً إلى القاسم يعزِّيه بأبيه، ويترحَّم عليه، ويأمره بالقيام بأمر الوزارة، وذلك بإشارة بدر أبي النجم. وقد حكى القاضي التَّنُوخي عن أبيه قال: لمَّا مات عبيد الله أراد المعتضد أن يولِّي الوزارة أحد رجلين: إمَّا أحمد بن الفرات، وإمَّا جَرادة، فاستشار بَدْرا فقال: يا أمير المؤمنين، ابنُ الفرات لا هَيبةَ له، وجَرادةَ غِرٌّ، والقاسم قد خَبَر الأمور، وعرف مَوارِدَها ومَصادرَها، فقال المعتضد: قد أجبناك إلى سؤالك في القاسم، فاذهب إليه فعَزِّهِ بأبيه، وهنِّه بالوزارة. فلمَّا خرج بدر قال المعتضد لخَفيف الحاجب السَّمرقنديّ وكان حاضرًا: أسمعتَ ما جرى؟ قال خفيف: نعم، فقال: والله لا قتل بَدْرًا غير القاسم، فكان كما قال، كأنَّه كان ينظر من سِتْر رقيق. ثمَّ ركب القاسم إلى دار المعتضد يوم الأربعاء منتصفَ ربيع الآخر، بعد وفاة أبيه بيوم، والمعتضدُ في الثريَّا، فخلع عليه خِلْعةَ الوزارة، وعاد إلى منزله، وبدرٌ والقواد بين يديه (٢). * * *

стр. 7525

السنة التاسعة والثمانون بعد المئتين فيها فاض ماء البحر على السَّاحل فأخرب الحصون والبلادَ التي عليه، ولم يُعرف قبل ذلك. وانتشرت القرامطةُ بسَواد الكوفة، وكان رئيسُهم رجل يقال له: ابنُ أبي الفوارس، فظَفرَ به عسكرُ المعتضد، فحُمِل وجماعةٌ معه إلى بغداد، فعُذبوا بأنواع العذاب، ثمَّ صُلبوا وأُحرقوا، وأمَّا ابن أبي الفوارس فقُلِعتْ أضراسُه، ثمَّ شُدَّ في إحدى يديه (١) بَكْرَة، وفي الأخرى صَخْرة، ورُفعت البكرة، فلم يزل على حاله إلى وقت الظهر، ثمَّ قُطعت يداه ورجلاه، وضُربت عُنقُه. وفيها في ربيع الأول (٢) أمر المعتضد ببناء قصر بناحية باب الشَّمَّاسيَّة، وأمر بإخراج مَن كانت له دار هناك أو حانوت، وقيل لهم: خذوا أنقاضَ دُوركم، وأخذ منهم العِراص، وابتدأ على دجلة ببناء دِكَّة ليُقيم بها المعتضد إلى أن يَفرغ من بناء القصر، ثمَّ اعتلَّ [المعتضد] في ربيع الآخر علَّة صَعْبة، واشتدَّ وجعه، وأُرجف عليه، ثمَّ عوفي، فقال عبد الله بن المعتز: طار قلبي بجَناحِ الوَجيبِ … جَزَعًا من حادثاتِ الخطُوبِ وحِذارًا أن يُشاكَ بسوءٍ … أَسَدُ المُلْكِ وسيفُ الحروبِ جمال شيطانُ الأراجيفِ فينا … بحَديثٍ مُفَتِّتِ للقلوبِ وكأنَّ النَّاسَ أغنامُ راعٍ … غاب عنها أو أحسَّت بذيبِ ثمَّ بدّت (٣) نعمة الله بشرى … كشفتْ عنَّا غطاءَ الكروبِ وقعتْ منا مواقعَ ماءٍ … في حَريقٍ مُشَعَّل ذي لَهيبِ ربِّ أَصْحِبْه سَلامةَ جِسمٍ … واحْبُهُ منك بعُمْرٍ رَحيبِ وفي ربيع الآخر توفِّي المعتضد، وولي الخلافةَ ابنُه المكتفي بالله.

стр. 7526

الباب السابع عشر في خلافته (١) هو أبو محمَّد عليُّ بن أحمد المعتضد بن أبي أحمد الموفَّق ابن جعفر المتوكّل، وليس في الخلفاء المتقدّمين مَنْ كنيته أبو محمَّد إلَّا الحسن بن علي رضوان الله عليهما، وموسى الهادي، والمكتفي، وفي المتأخرين أبو محمَّد المستضيء، وليس فيهم من اسمه عليٌّ إلَّا علي بن أبي طالب رضوان الله عليه والمكتفي. ولد في ربيع الآخر، وقيل: في رجب سنة أربع وستين ومئتين، وأمُّه أمُّ ولد تركية يقال لها خنجو (٢)، وقيل: ظَلوم، ولم تدرك خلافته، وكان أحسن الخلفاء صورة. ذكر بيعته: لمَّا اشتدَّ مرض المعتضد اجتمع القوَّاد والموالي والخدم في دار العامَّة وفيهم مؤنس الخادم، ومؤنس الخازن، ووصيف موشكير، والفضل بن راشد، ورشيق القاري، وغيرهم، وكان بدر بفارس، فقالوا للقاسم بن عبيد الله: خذِ البيعة، فقال: أمير المؤمنين حيٌّ، ولا آمَنُ إفاقتَه وقد أطلقتُ المال، فيُنكر عليَّ، فقالوا: إنْ منَّ الله تعالى على أمير المؤمنين بالعافية فنحن المحتجُّون والمناظرون دونَك، وإن صار الأمر إلى الأمير أبي محمَّد أعزَّ بالله فمن المُحال أن يلومنا ونحن نطلب الأمر له، فقال القاسم: رأيكم. وكان في عزمه أن يصرف الأمر إلى غير المكتفي، فلمَّا رآهم على هذا الرأي قال: افعلوا ما ترونه، فإنَّ الأموال والخلافةَ لأبي محمَّد بعد أمير المؤمنين، وقد أوصاني أمير المؤمنين بهذا. فأخذت البيعة بعد صلاة العصر من يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلةً بقيت من ربيع الآخر لأبي محمَّد علي، ولُقِّب المكتفي بالله، وأطلق مال البيعة للموالي وغيرهم، فأحضر القاسم أحمد بنَ محمَّد بن بسطام، وأولاد الخلفاء: عبد الله بن المعتزّ، وقُصيّ

стр. 7527

ابن المؤيَّد، وعبد العزيز بن المعتمد، وعبد الله بن الموفَّق، فأُخذت عليهم البيعة، ووكّل بهم في دار مؤنس (١). قال عبد الله بن المعتز: فسهرت ليلةً، وفكَّرت في نفسي وقلت: غدًا يَقدُم المكتفي فيقتلنا، ولنا اتِّصال برسول الله ﷺ ، فمرَّت بي وقتَ السَّحَر حَمامةٌ، فقلت: [من البسيط] يا نفسُ صَبْرًا لعل الخيرَ عُقباكِ … خانتْكِ من بعد طُولِ الأمْنِ دُنياكِ مرَّت بنا سَحَرًا طيرٌ فقلت [لها] … طُوباكِ يا ليتني إيَّاك طوباكِ لكنْ هو الدَّهرُ فالْقَيه على حَذَرٍ … فربَّ مِثلك تَنْزو بين أشْراكِ فأحببتُ أن أكون مثلها مُخَلَّيًا (٢). وسأل المكتفي عنَّا، فأُخبر بحالنا، فأطلَقَنا في السَّحَر، وأعطى كلَّ واحد منا ألفَ دينار، وقيل: إنَّ القاسم الوزير أطلقهم، وردَّهم إلى منازلهم مُكرَّمين لما دخل المكتفي، وأنفذ القاسم الأمور. وتوفِّي المعتضد ليلة الاثنين لثمان بقين من ربيع الآخر على خمس ساعات من الليل، وكان المكتفي بالرقَّة، فكتب إليه القاسم كتابًا في الحال يخبره أنَّه أخذ له البيعة قبل وفاة المعتضد، ثمَّ جدَّدها بعد ذلك، وقال في كتابه: وقد أفضت الخلافة إلى أمير المؤمنين، وفي بيوت الأموال عشرة آلاف ألف دينار، ومن الدَّراهم أضعافها، ومن الجواهر ما قيمته كذلك، ومن الأثاث والأمتعة والكسوة والفُرش أضعاف ذلك، ومن الخيل والدوابّ والجمال والبغال عشرون ألفًا، وذكر أشياء كثيرة. فكتب المكتفي: أمتعني الله بك أبا محمَّد -شرَّفه بالكنية- مَن كان موقعُه من دولتنا موقعَك، ومحلُّه فيها محلَّك من حمايتها وتأييدها والاجتهاد فيها يزيد من عزِّها وتمكينها، استحقَّ الحباء والكرامة، والسُّموَّ إلى أعلى المراتب، وقد أمرنا بتكنيتك بحضرتنا وفي مجالسنا؛ إظهارًا لموقعك منَّا، وحالك عندنا، ومستقرِّك من رأينا، على

стр. 7528

أنَّ ما فعلنا معك ونفعلُه إنَّما هو دون ما تستحقّه، ودون مالكَ من أنفسنا، فأظهِرْ كتابَنا هذا لمن بحضرتك من الخاص والعامّ؛ تعريفًا لهم بهذا الإنعام، والسلام. وقال الصُّولي: لما مات المعتضد تحرَّك الجند ببغداد قبل قدوم المكتفي من الرَّقَّة، فوضع القاسم الوزير فيهم العطاء فسكنوا، وأخذوا البيعة للمكتفي وسنُّه يومئذ خمس وعشرون سنة. وخرج المكتفي من الرَّقَّة يوم الجمعة بعد الصَّلاة، وجدَّ في السَّير، فتلقَّاه القاسم بالأنبار ومعه الناس، ووافى بغداد يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الأولى، ومرَّ بدجلة في سُماريّة، وهو جالس على سريرٍ، والوزيرُ بين يديه، والطَّيارات حوله، وكان يومًا عظيمًا حين وافى القصر الحَسني، وازدحم طيارُ مؤنس وطيَّارُ أبي عمر القاضي، فغرق أبو عمر بين الجسرين، ثمّ أُخرج سالمًا، وقيل للوزير: إنَّ أبا عمر قد غرق فاغتمَّ، فلما قيل له: قد نجا سالمًا سجد وقال: الحمد لله الذي لم يَفْجَعنا به (١). وقال الخطيب: ركب المكتفي من الرَّقَّة في الفرات، وأمر الجيش فوافَوه على البَرِّ، فدخل بغداد، فنزل قصر الخلافة، وجلس للبيعة والتَّعزية (٢)، فأنشده شاعر: [من الطويل] أجلُّ الرَّزايا أن يموت إمام … وأسنى العَطايا أن يقوم إمامُ فأُسقي الذي مات الغَمام وجاده … ودامت تحيَّاتٌ له وسلامُ وأبقى الذي قام الإلهُ وزاده … مواهبَ لا يَفنى لهنَّ دوامُ ودامت له الآمالُ واتَّصلت بها … فوائدُ موصولٌ بهنَّ تَمامُ هو المكتفي بالله يَكفيه كلَّ ما … عَناه برُكْنٍ منه ليس يُرامُ ثمَّ خلع المكتفي على القاسم الوزير سبعَ خِلع، وقلَّده سيفًا. وكان أوَّل ما فعل المكتفي في خلافته أنَّه أحضر إخوتَه، وضمَّهم إليه، وقبلهم، وعزاهم، ومنَّاهم، وهدم المطامير التي عَمرها أبوه، وجعل مواضعها مساجد، وكانت

стр. 7529

صلاة الجمعة لا تقام ببغداد إلَّا في جامع المنصور والرصافة، وكان أهل دار الخلافة يصلُّون في غير جامع، فبنى موضعَ المطامير المسجدَ الجامع في الرَّحْبَة عند باب العامَّة، واستقرَّت الصَّلاة في الجوامع الثلاثة إلى خلافة المتَّقي، وأمر بردِّ الدُّور والبساتين والحوانيت التي أخذها أبوه بباب الشمَّاسيَّة على أهلها، ولم يأخذ منهم أثمانَها، وفرَّق أموالًا جَليلة، وردَّ المَظالم، وسار في النَّاس سيرةً جميلة، فمالت قلوب النَّاس إليه، وكثرت له الأدعية. ومات عمرُو بن اللَّيث في غد اليوم الذي دخل فيه المكتفي إلى بغداد، ودُفن بالقرب من القصر الحسني. وقد كان المعتضد عند موته لمَّا امتنع من الكلام أمر صافيًا الحُرَميَّ بقتل عمرو، وأومأ إليه، وأشار بيده ووضعها على رقبته وعينه أن اذبح الأعور، وكان عمرو أعور، فلم يفعل صافي لعِلْمه بحال المعتضد وقُرب وفاته، فلمَّا وصل المكتفي ودخل بغداد سأل القاسمَ الوزير عن عمرو: أحيّ هو؟ قال: نعم، فسُرَّ بحياته وقال: أُريد أن أُحسِن إليه، وكان عمرو يُهدي إلى المكتفي وَيبَرُّه أيَّام مقامه بالرّي برًّا كثيرًا، فذُكر أنَّ القاسم كره ذلك، فدسَّ إلى عمرو مَن قتله. وفي رجب ورد الخبر إلى بغداد أنَّ جماعة من أهل الرَّيِّ كتبوا إلى محمَّد بن هارون الذي كان إسماعيل صاحب خُراسان بعثه لقتال محمَّد بن زيد العلويِّ وولاه طَبَرِستان، فخلع محمَّد بن هارون المكتفي، ولبس البَياض، وسأله أهل الرَّيِّ المصيرَ إليهم، وكان واليهم أوكرتُمش قد أساء السِّيرة فيهم، فصار محمَّد بن هارون إلى الرَّيِّ، فخرج عليه أوكرتمش فحاربه، فهزمه محمَّد وقتله، وقتل ابنَين له وقوَّادَه، ودخل الريَّ فاستولى عليها. وفي رجب زُلزلت بغداد زَلزلةً عظيمة، ودامت أيَّامًا. وفيها قُتل بدر المعتضدي، وسنذكره إن شاء الله تعالى (١). وفيها خُلع على أحمد بن محمَّد بن بسْطام، ووُلِّي آمِد وديار ربيعة.

стр. 7530

وفيها هبَّت ريح بالبصرة، فقلعت عامَّةَ نخلها، ولم يُسمع بمثل ذلك. وفيها ظهر بالشام يحيى بن زَكرويه، وجمع جموعًا كثيرة من الأعراب وغيرهم، فأتى دمشق. وبها طُغْج بن جُفّ من قبل هارون بن خُمارويه، فخرج إليه طغج، فكان بينهما وقعات كثيرة في آخر هذه السنة، وقيل: في أول سنة تسعين. والسبب في خروجه أنَّ زكرويه بن مهرويه داعية قرمط لمَّا رأى متابعة الجيوش من المعتضد إلى مَن بسواد الكوفة، وأنَّه أثخن فيهم القتل، ورأى أنَّهم لا طاقةَ لهم به، سعى في جماعة من الأعراب الذين يقربون من الكوفة من أسد وطيئ وتميم وغيرهم، ودعاهم إلى رأيه، وزعم أنَّ مَن بالسَّواد يوافقونهم على أمرهم إن استجابوا له، فلم يستجيبوا له. وكان جماعة من كلب وغيرهم يَخفِرون الطريق على السَّماوة فيما بين دمشق والكوفة على طريق تدمر وغيرها، ويحملون الرُّسل وأمتعة التجَّار على إبلهم، فأرسل زكرويه أولادَه إليهم، فبايعوهم وخالطوهم، وانتموا إلى عليِّ بن أبي طالب رضوان الله عليه، وإلى [محمد بن] إسماعيل بن جعفر (١)، وذكروا أنَّهم خائفون من السُّلطان، وأنَّهم يلجؤون إليهم، فقبلوهم، ثمَّ دبوا فيهم بالدُّعاء إلى رأي القَرامطة، فلم يَقبل ذلك إلا قبيلةٌ من بني عَدي بن جَناب خاصة فقبلوهم، وبايعوهم في آخر هذه السنة بناحية السَّماوَة. وكان المشار إليه في القرامطة يحيى بن زكرويه، ويكنى أبا القاسم، ولقبه الشيخ، وزعم أنَّه أبو عبد الله بن محمَّد بن إسماعيل بن جعفر بن محمَّد، وقيل: بل زعم أنَّه محمَّد بن عبد الله بن [محمد بن] إسماعيل بن جعفر بن محمَّد بن عليّ بن الحسين، وقيل: لم يكن لمحمد بن إسماعيل ابنٌ يسمَّى عبد الله، وزعم لهم أنَّ أباه المعروف بأبي محمود داعيةٌ له، وأنَّ له بالسواد والمشرق والمغرب مئة ألف تابع، وأنَّ ناقته التي يركبها مَأمورة، وأنَّهم متى اتَّبعوها في مسيرها ظَفروا، وأظهر عَضُدًا له ناقصًا، وذكر أنَّه آية.
следующие страницы →