← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 7701–7740 · переход к 7706.

стр. 7701

[قال:] وكان قد صنَّف كتابَ "الخصائص" في فضل علي ﵇ وأهل البيت ﵁، وأكثرُ رواياته فيه عن الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه، فقيل له: ألَا تصنِّفُ كتابًا في فضائل الصحابة، فقال: دخلتُ دمشق والمنحرفُ عن عليٍّ رضوان الله عليه فيها كثير، فأردت أن يهديهم اللهُ بهذا الكتاب. وكان يصومُ يومًا ويفطر يومًا، وبيان موصوفًا بكثرة الجماع، قال ابن عساكر: وبيان له أربع زوجات يقسم لهنَّ، وسراري. وقال أبو سعيد بن يونس: خرج من مصر سنة اثنتين وثلاث مئة، وتوفِّي بفلسطين سنة ثلاث وثلاث مئة (١). وقيل: بالرملة. وقال الدارقطني: امتحن بدمشق، وأدركَ الشهادة. وأسند عن خلقٍ كثير، منهم الإمام أحمدُ بن حنبل، وهشام بن عمار، وغيرهما، وأجمعوا عليه. [وفيها توفي] الحسن بن سفيان ابن عامر بن عبد العزيز بن النُّعمان بن عطاء، أبو العباس، الشَّيباني، النَّسَويّ، الحافظ، مُحدِّث خُراسان في عصره، وإليه كانت الرّحلة بخراسان. وهو من قريةٍ [يقال لها:] (٢) بالُوز، على ثلاثة فراسخ من نَسَا. رحل إلى البلاد، وسمعَ الكثير، ولقيَ الشيوخ، وأخذ الأدبَ عن أصحاب النَّضْر بن شُمَيل، وتفقه على أبي ثور [إبراهيم بن خالد]، وكان يُفتي على مذهبه، وصنَّفَ "المسند"، و"المعجم"، و"الجامع"، و"التاريخ"، وغير ذلك، ورَوى مصنفات ابن المبارك وغيرها، [وكان الحاكم أبو عبد الله يقول عن أبي بكر الرازي:] (٣) ليس للحسن بن سفيان في الدنيا نظير.

стр. 7702

[ذكر حكايته وحكاية جماعة من الطلبة للعلم مع أحمد بن طولون: وروى أبو الفضل بن ناصر السَّلامي بإسناده عن أبي الحسين الصفَّار قال:] (١) كنا عند الحسن بن سفيان، وقد اجتمعَ إليه طائفةٌ من أهل الفضل، ارتحلوا إليه من البلاد البعيدة لكتابة الحديث، فخرجَ يومًا إلى مجلس إملائه، فقال: اسمعوا ما أقولُ لكم قبل أن نشرع في الإملاء، وقد علمنَا أنَّكم طائفةٌ من أبناء (٢) النِّعم، هجرتُم أوطانَكم، وفارقتم ديارَكم وأصحابكم في طلب العلم، فلا يخطرنَّ ببالكم أنَّكم قضيتم بهذا التجشُّم للعلم حقًّا، ولا أدَّيتم له من المشقَّة فرضًا، وأنا أحدِّثكم ببعض ما تحمَّلتُه من المَشَقَّة: ارتحلنَا إلى شيخٍ من أهل مصر، فأقمنَا نسمعُ عليه الحديثَ، فنَفِدَت نفقاتُنا، وبعنَا جميع ثيابنا، وأفضَى بنا الحالُ إلى أنْ طوينَا ثلاثةَ أيامٍ بلياليهن، وأصبحنَا في اليوم الرابع وليس بنا حَرَاكٌ من الجوع، ولم يبقَ حيلةٌ إلَّا الخروج إلى [سؤال] الناس، فكتبنا رقاعًا فيها أسامينا، واقترعنَا على من يتولَّى السؤال، فخرجتِ القرعةُ على اسمي، فتحيَّرتُ ولم تسمح نفسي بذلك، فعدلتُ إلى زاويةٍ في المسجد الَّذي كنَّا فيه، وصلَّيتُ ركعتين، وسألتُ الله بأسمائه العظام وكلماته الرفيعة، فلم أستتمَّ دعائي حتَّى دخل المسجد خادمٌ في يده منديل، فقال: من منكم الحسن بن سفيان؟ فرفعتُ رأسي من السجدة وقلت: أنا، فقال: إنَّ الأمير [أحمد] بن طولون صاحبي يقرئكُم السلام، ويعتذرُ إليكم من الغفلة عن تفقُّد أحوالكم والتقصيرِ في حقوقكم، وهو زائرُكم غدًا بنفسه. ووضع بين يدي كلِّ واحدٍ منَّا صُرَّةً فيها مئة دينار، وكنَّا ثلاثة، فقلت له: فما سببُ هذا؟ ومن أين يعرفنا الأمير؟! فقال: حدَّثني أنَّه أتاهُ البارحة في المنام فارسٌ وبيده رمحٌ، فوضعه على خاصرته، وقال: قم فأدرك الحسنَ بن سفيان وأصحابَه، فإنَّهم منذ ثلاث ما أكلوا، وهم في المسجد الفلانيّ، قال ابن طولون: فقلت: من أنت؟ قال: رضوان خازنُ الجنان، قال: فلمَّا أصبح [ابن طولون] دعاني وأخبرني الخبر، وقال: منذُ وَضعَ الرمحَ على خاصرتي أصابني وجعٌ شديد، فعجِّل بإيصال المال إليهم ليزولَ الوجع عنِّي.

стр. 7703

قال الحسن: فتعجَّبنا من ذلك، وخرجنا [من] تلك الليلة من مصر؛ لئلَّا يزورنا ابنُ طولون، فيكون ذلك سببًا لارتفاع اسمنا وانبساط جاهنا، ويتَّصل بذلك [نوع] رياءٍ وسُمعةٍ، فلمَّا أصبحَ ابن طولون جاء إلى [ذلك] المسجد ليزورنا، فلم يرنا، فابتاعَ تلك المحلَّة [بأسرها]، وأوقفَها على المسجد وعلى من ينزلُ به من الغرباء وطلبة العلم؛ لئلَّا يصيبهم من الخَلل ما أصابنا، وذلك كلُّه لقوَّة الدين، وصفو الاعتقاد، وأصبحَ كلُّ واحدٍ منَّا أوحدَ عصره وفريدَ دهره في العلم والفضل (١). [وهي حكايةٌ طويلةٌ اختصرتها. قال الخطيب: وكانت وفاة الحسن في هذه السنة، وقيل: بنيسابور.] سمع الحسنُ الإمامَ أحمدَ رحمة الله عليه، وابنَ مَعين، وهشام بن عمَّار وغيرهم. وروى عن (٢) إسحاق بن راهَويه، والقَواريري، وغيرهما. واتفقوا على فضله وزهده وصدقه وثقته (٣). [وفيها توفي] رُوَيْم بن أحمد وقيل: ابن محمد بن يزيد (٤)، أبو محمد، وقيل: أبو الحسن، وقيل: أبو الحسين، البغدادي، الصُّوفي. قرأ القرآن [على جدِّه يزيد بن رويم وغيره]، وكان عارفًا بمعانيه، وتفقَّه على مذهب داود بن علي الظَّاهري.

стр. 7704

وكان مُجرَّدًا من الدنيا، ثمَّ ترك ذلك. وقال أبو عمرو الزَّجَّاجي: نهاني الجنيدُ أن أدخلَ على رُويم، فدخلتُ عليه يومًا، وكان قد دَخلَ في شيءٍ من أمور السلطان، فدخل الجنيدُ فرآني عنده، فلمَّا خرجنا قال لي: كيف رأيت؟ قلت: لا أدري، قال: إن الناس يتوهمون أن هذا نقصانٌ في حالهِ ووقته، وما كان رويم أعمرَ وقتًا منه في هذه الأيَّام، ولقد كنت أصحبه بالشُّونيزيَّة في حالة الإرادة، وكنت معه في خرقتين، وهو الساعة أشدُّ فقرًا منه في تلك الحالة وتلك الأيام (١). [وحكى القاضي التنوخي بإسناده إلى جعفر الخُلْدي قال:] (٢) من أراد أن يستكتم سرًّا، فليفعل كما فعل رويم (٣)، كتم حبَّ الدنيا أربعين سنة [فقيل له: وكيف يتصور ذلك؟ قال:] وَلِيَ إسماعيلُ بن إسحاق [القاضي] قضاءَ بغداد، وكانت بينهما مودَّةٌ أكيدة، فجذبه إليه [وجعله وكيله على بابه] (٤)، فترك لبس الصوف، ولبس الخزَّ والقَصَبَ والدَّبيقيّ، وأكلَ الطيبات، وبنى الدور، وإذا هو كان يكتمُ حبَّ الدنيا ما لم يجدها، فلمَّا وجدَها أظهرَ ما كان يكتم من حبها. [ويقال: إنَّه وليَ القضاء ببغداد. وهو وهم. والأصحُّ أنَّه كان وكيلًا كما ذكر الخطيب. وذكر ابن خَميس في "المناقب" قال] (٥): لَمَّا دخلتُ بغداد قَصدتُ رُويمًا وقد وَليَ القضاء، فدخلتُ عليه، فرحَّب بي وأدناني وقال: ما تقول الصوفيَّة فيّ؟ قلت: لا أدري، فقال: بلى، يقولون: رجعَ إلى الدنيا، فبينا هو يحدِّثني إذ دخلَ ابنٌ له صغير، فقعد في حجره، فقال رويم: لو كُنْتُ أرى [فيهم] من يكفيني مؤونة هذا الطفل ما دخلتُ فيما دخلتُ فيه، ولكن شُغْل قلبي بهذا وأمثاله هو الَّذي أوقعني فيما وقعتُ فيه.

стр. 7705

وقال في "المناقب": صلَّى رويم صلاةَ الغداة بوضوء العشاء الآخرة عشرينَ سنة (١). [قلت: ولرويم الواقعاتُ الحسنة والكلامُ المليح، فمن ذلك ما حَكى عنه في "المناقب" أنَّه قال:] (٢) اجتزتُ ببغداد في وقت الهاجرة في بعض السِّكَك وأنا عطشان، فاستسقيتُ ماءً من دار، ففتحت الباب صبيَّةٌ وبيدها كوز، فلمَّا رأتني قالت: يا أمَّاه صوفيٌّ يشرب (٣) بالنهار. فما أفطرتُ بعد ذلك. [وحكى عنه في "المناقب" أيضًا أنَّه قال:] (٤) قف على البساط، وإيَّاك والانبساط، واصبر على ضرب السِّياط، [حتى] تجوز الصّراط، وأنشد: [من المنسرح] صَبْرًا جميلًا ما أقربَ الفَرَجا … مَن صَدقَ اللهَ في الأمورِ نجَا مَن خشيَ الله لم يَنَلْهُ أذًى … ومن رَجا اللهَ كان حيثُ رجَا وأنشد أيضًا يقول: [من الكامل] لو كُنْتِ عاتبةً لَسَكَّن عبرتِي … أملي رضاكِ وزُرْتُ غيرَ مُرَاقَبِ لكن صددتِ (٥) فلم يكن لي حيلةٌ … صدُّ المَلولِ خلافُ صدِّ العاتبِ (٦) [وحكى الخطيب عنه أنَّه قال:] منذ عشرين سنة لم يخطر بقلبي ذكرُ الطَّعام حتَّى يحضر. [وحكى الخطيب عنه أنَّه قال] (٧): الفقر له حُرمة، وحُرْمَتُه سترُه وإخفاؤُه والغيرةُ عليه، فمن كشفَه وأظهرَه فليسَ هو من أهله، ولا كرامة (٨). [وحكى ابن باكويه عنه أنَّه قال] (٩): إذا وهبَ اللهُ لك مقالًا وفعالًا، فأخذَ منك

стр. 7706

المقال، وأبقى [عليك] الفعال فلا تبالي، فإنَّها نعمةٌ، وإن أخذ [منك] الفعال وترك عليك المقال فإنَّها مصيبة (١)، وان أخذهما منك فاعلم أنَّها نقمة. توفي رويم ببغداد، ودُفِنَ بالشونيزيَّة. أسند الحديث عن يزيد بن سنان البصري وغيره (٢). زُهير بن صالح ابن الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه، توفِّي وهو حَدَث (٣) في شعبان (٤)، روى عن أبيه صالح، وروى عنه أبو بكر النَّجَّاد (٥). عليُّ بن محمد ابن نَصْر (٦) بن بسَّام، الشاعر، البغدادي (٧). قال في أبيه أبي جعفر محمد بن نصر: [من البسيط] بنى أبو جعفر دارًا فشيَّدَها … ومثلُهُ لخيارِ الدُّورِ بنَّاءُ فالجوعُ داخلها والذُّلُّ خارجها … وفي جوانبِها بؤسٌ وضرَّاءُ ما ينفعُ الدارَ من تشييد حائطِها … وليسَ داخلها خبزٌ ولا ماءُ (٨) وقال في الوزير ابن مَخْلَد: [من الوافر] سَجَدْنَا للقرودِ رجاءَ دُنيا … حَوَتْها دونَنا أيدي القرودِ

стр. 7707

فما رجعَ السجودُ لنا بشيءٍ … ربحناهُ سوى ذلِّ الخدودِ (١) وكان الغالبَ على شعره الهجو (٢). محمد بن عبد الوهاب أبو عليّ، الجُبَّائي، المُتَكَلِّم مولى عثمان بن عفان ﵁ (٣) إمام المُعتزلة. ولد سنة خمس وثلاثين ومئتين، وتوفِّي في شعبان (٤). [وفيها توفي] محمد بن خالد الآجُرِّيُّ البغداديُّ [و] كان عبدًا صالحًا [حكى الخطيب عنه أنَّه] قال: هيّأتُ اللَّبِن لأطبخه من الغد آجُرًّا، فسمعت لَبِنَةً تقول لأختها: يا أختي السلام عليك، غدًا ندخل النار، فانظري كيف تكونين. فهامَ الآجريُّ على وجهه (٥). قال المصنف ﵀ (٦): وقد وقع هذا الاسم -وهو الآجري- في [الحكايات و] الروايات كثيرًا من غير فصل [بين رجل ورجل]، والحاصلُ أنَّهم أربعة؛ أحدهم [صاحب هذه الترجمة] (٧)، والثاني: أبو إسحاق إبراهيم الآجُريُّ، [ولا يعرف اسم أبيه]، وهو الَّذي كان ليهوديٍّ عليه دينٌ، فجاءه يتقاضاه، وهو يوقدُ أتون الآجُرّ، فقال له: ويحك! أسلم لئلَّا تدخل النار (٨)، فقال اليهودي: أنا رأيتُ لا بدَّ لنا من دخولها،

стр. 7708

قال: ولم؟ قال: لأنَّكم تقرؤون في كتابكم: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] فإنْ أحببتَ أن أسلم فأرني شيئًا أعرفُ به شرفَ الإسلام، فقال: هات رداءك، فأخذه ولفَّه في رداء نفسه، وألقاهُ في النار ساعةً، ثمَّ قام [الآجُرِّيُّ] باكيًا واجدًا، ودخل الأتون وهو يتأجَّج نارًا، فأخرج الرداءين وقد احترق رداءُ اليهوديّ، ورداؤه لم يحترق، فقال: هكذا يكون الدخول، أسلم أنا وتحترق أنت، فأسلم اليهودي [وهذا الآجُرِّيُّ لم أقف على تاريخ وفاته] (١). والثالث: الآجُرِّيُّ الكبير، واسمُه محمد بن الحسين، وكنيتُه أبو بكر، مات [في] سنة ستين وثلاث مئة، وكان من كبار القوم (٢). والرابع: [أبو بكر] الآجريّ، مُحَدِّث مشهور (٣) [نذكره إن شاء الله تعالى، والحمد لله وحده] (٤). مَحْفوظ بن محمود النَّيسابوري أحد المشايخ الصالحين. صحب أبا حَفْص النيسابوري وغيره. وقال: من أبصر محاسنَ نفسه ابتُلِي بمساوئ الناس. وقال: التائبُ الَّذي يتوبُ من غَفَلاته وطاعاته. وقال: أكثرُ الناس خيرًا أسلمُهم صدرًا للمسلمين. وقيل: مات سنة أربع وثلاث مئة، ودُفن إلى جانب أبي حَفْص بنَيسَابور، وكان جليلًا (٥). * * *

стр. 7709

السنة الرابعة وثلاث مئة فيها عاد نصر الحاجب من الحج في المحرم، ومعه العلويُّ الَّذي كان يقطعُ الطريقَ على الحج مأسورًا، فحُبس في المُطْبِق. وفي ربيع الآخر غزا مؤنسٌ الخادم بلادَ الروم من ناحية مَلَطْية، وكتب إلى أمراء الأطراف يوافونَه إلى الدَّرْب، فوافاه عليُّ بن أحمد بن بسطام من طَرَسُوس، ففتحَ مؤنسٌ حصونًا كثيرة، وأثر آثارًا جميلة، وعاد إلى بغداد، فخَلَع عليه المقتدر. وفي جمادى الأولى توفِّي عبد الوهاب بن علي بن عيسى [الوزير، وأخو الوزير داود بن عيسى، ومات زيادةُ الله بن الأغلب والي إفريقية]. وفي شوال ماتَ محمد بن إسحاق بن كُنداجيق بالدِّينوَر، وكان متقلِّدًا لها، وصادر عليُّ بن عيسى ورثتَه على ستين ألف دينار مُعَجَّلة (١). وفيها فزع الناس ببغداد من حيوان يسمى الزَّبْزَب، ذكروا أنَّهم يرونه في الليل على أسطحتهم، وأنه يأكُل أطفالهم، وربما قطعَ يدَ الإنسان وهو نائم، وثديَ المرأة، فيأكله، وكانوا يتحارسون طول الليل ولا ينامون، ويضربون [الطُّسوت و] الصواني والهواوين؛ ليُفزعوه فيهرب، وارتجَّت بغداد من الجانبين، وأصلحَ الناسُ لأطفالهم مكابّ من سَعَفٍ يُكِبُّونَها (٢) عليهم بالليل، ودام ذلك عدَّة ليال، فأخذَ السلطانُ حيوانًا أبلق كأنَّه من كلاب الماء، وذكر أنَّه الزبزب، وأنَّه صِيدَ فصلب عند الجسر الأعلى بالجانب الشرقي، فلم يغن ذلك شيئًا إلى أن انبسطَ القمر، وتبيَّن للناس أنَّه لا حقيقة لما توهَّموه، فسكنوا، إلَّا أنَّ اللصوصَ وجدوا فرصةً بتشاغل الناس [في سطوحهم]، فكثُرت النُّقوب والعملات (٣).

стр. 7710

وفي ذي الحجَّة قبضَ المقتدرُ على أبي الحسن علي بن عيسى الوزير. [قال ثابت بن سنان: كان علي بن عيسى] قد ثقُل (١) عليه أمر الوزارة، وتضجَّر [في الأوقات] من سوء أدب الحاشية، وكثرة المطالبة، واستعفَى من الوزارة مرارًا، [فيخاطب المقتدر، فينكر] (٢) عليه ذلك؛ لعدله، ودينه، وحسن سياسته [للرعيَّة]، واستقامة الأمور في أيامه، إلى أن اتفقَ أنَّ أمَّ موسى القَهْرَمانة جاءت إليه في آخر ذي القعدة (٣) لتوافقه على ما يطلق (٤) في عيد الأضحى للحرم والحاشية، فوجدتهُ مُحْتَجِبًا، فلم يجسر عليه حاجبه [أن يستأذنه لها]، فصرفَها صرفًا جميلًا، فغضبت، وعلم الوزير فأرسلَ خلفَها من يردُّها، فأبت، وصارتْ إلى السيدةِ والمقتدر فأغرتهما به، وتخرَّصت عليه الكذب، فصرفَه يوم الاثنين لثمانٍ خلونَ من ذي الحجَّة عند ركوبه إلى دار الخلافة، ولم يتعرَّض لشيءٍ من أسبابه وأمواله وضياعِه، ولا لأحدٍ من أصحابه (٥)، واعتُقِلَ عند زيدان القهرمانة، فكانت وزارتُه ثلاث سنين وعشرة أشهر وثمانية عشر يومًا. وأُعيد أبو الحسن عليُّ بن الفرات إلى الوزارة، وخُلِع عليه يوم التروية سبعُ خلع، وحُمل إليه من دار الخلافة ثلاثُ مئة ألف درهم، وعشرونَ خادمًا، وثلاثون دابَّة لركوبه، وخمسونَ لغلمانه، وخمسون بغلًا لثقله، وعشرة تخوت من ثياب وغيرها، وركبَ مؤنس الخادم بين يديه والقواد والخاصة، فصار إلى داره بسوق العَطَش، ورُدَّت عليه ضياعُه وأسبابُه، وأقطع الدار التي بالمخرِّم، [فسكنها]. وسقي الناسُ في داره في ذلك اليوم والليلة أربعونَ ألف رطلٍ من الثلج، وكان بين اعتقاله و [بين] رجوعه إلى الوزارة خمسُ سنين وأربعةُ أيام.

стр. 7711

وسمع بعض العوام يقول: والك، خذ إليك، أخذوا منَّا مُصحفًا، وأعطونا طُنبورًا، وبلغ ذلك المقتدر، فكان ذلك سببًا للإحسان إلى عليِّ بن عيسى، حتَّى أُطلِق من الحبس (١). [قال ثابت بن سنان:] وكتب عن المقتدر إلى الأطراف كتبًا يخبرهم [فيها] بإعادةِ ابن الفرات إلى الوزارة بألفاظٍ أنشأها أبو الحسن محمد بن جعفر بن ثَوابة، منها: ولَمَّا لم يجد أميرُ المؤمنين بدًّا منه، ولم يكن للملك غنًى عنه، انتضاه من غِمده، فعاودَ ما عرف من حدِّه، [ودبَّر الأمور كأن لم يخلُ منها، وأمضاها كان لم يزل عنها، إذ كان] (٢) الحُوَّل القُلَّب (٣)، والمُحَنَّك المُجَرَّب، الدَّرِب الخبير بِدَرَّة المال كيف تُحلب، ووجوهه من أين تُطلب، وكان الكُتَّاب على اختلاف طبقاتهم، وتباينِ مقاديرهم، يحتكمون إليه إذا اختلفوا، ويقفون عنده إذا استبقوا، وكان هذا الأمر حقًّا من حقوقه، استعير منه، ثم رُدَّ إليه (٤). وكلامًا هذا معناه. وقبضَ ابنُ الفرات على إبراهيم وعبيد الله ابني عيسى لَمَّا قبض على أخيهما عليِّ بن عيسى، فصادر إبراهيم على ستين ألف دينار، وعبيد الله على خمسين ألف دينار (٥)، من غير أن ينالهما بمكروه، ثمَّ صرفهُما إلى منازلهما، وصادر بعضَ أصحاب علي بن عيسى مصادرةً جميلة. وفيها عصَى يوسفُ بن أبي السَّاج على المقتدر، واستولى على بلاد إرمينية وأَذْرَبيجان، فبعث إليه مؤنس الخادم، فظفر بيوسف فأخذهُ أسيرًا بعد حرب طويلة (٦). [قال ثابت بن سنان:] وخرج أمر المقتدر إلى [أبي الحسن] ابن الفرات في أوَّل

стр. 7712

وزارته أن يقلد سنان بن ثابت الطبيب أمرَ جميع المارستان بمدينة السلام، وكانت خمسةً من الجانبين، ومارستان مكة والمدينة وطَرَسُوس، وقيل: كان ببغداد أربعُ مارستانات سوى مارستان عليِّ بن عيسى الوزير (١). وحجَّ بالناس الفضل بن عبد الملك [أيضًا]. وفيها توفي زيادة الله بن عبد الله ابن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب، أبو نَصْر، وقيل: أبو منصور، صاحبُ القيروان. [ذكره الحُميدي في "تاريخ المغرب" قال:] (٢) ويقال له: زيادةُ الله الأصغر، وجدُّ جدِّه [يقال له:] زيادة الله الأكبر. [و] قال الصوليّ: وهو من ولد الأغلب بن عمرو المازنيّ، وكان عمرو من أهل البصرة، ولَّاه الرشيدُ المغربَ بعد موت إدريس بن عبد الله بن حسن، فأقامَ بها حتَّى توفي وخلف ابنُه الأغلب بن عمرو، ثمَّ وليها أولاده صاغرًا عن كابر، حتَّى صار الأمرُ إلى زيادة الله هذا، [وهو الأصغر]. وقال الحميدي: [و] لهم بإفريقية آثارٌ عظيمة، حتَّى قيل إنَّهم بنوا بأرضها ثلاثينَ حصنًا، وبنى إبراهيمُ جدُّ زيادة الله المَحَارِسَ على سواحل البحر، حتَّى كانت النيران توقدُ في ليلةٍ واحدةٍ من طنجة فتصلُ إلى الإسكندرية، [وذكر] (٣) الصولي: كان العباس بن الحسن وزير المكتفي قد كاتب زيادةَ الله الأصغر وراسله، ورغَّبَه في الطاعة، فأجاب، وبعث إلى المكتفي بهدايا وخدمٍ وخيلٍ وطِيبٍ وثيابٍ [ودراهم] ودنانير، [في] كل دينار عشرة دراهم (٤)، [وفي كل درهم عشرة دراهم] (٥)، وكتب على الدينار

стр. 7713

والدرهم من الجانبين؛ أمَّا الجانب الواحد: [من الكامل] يا سائرًا نحوَ الخليفةِ قل له … أنْ قد كفاكَ اللهُ أمرك كلَّه بزيادةِ الله بن عبدِ الله سيـ … ـفِ الله من دونِ الخليفةِ سَلَّهُ وعلى الجانب الآخر: [من الكامل] لا يَنبري لك بالشِّقاقِ مُنافقٌ … إلَّا أباحَ حَريمَه وأذلَّهُ من لا يرى لك طاعةً فالله قد … أعماه عن سُبلِ الهُدى وأضلَّهُ فاتَّفقَ موتُ رسوله ببغداد. ثمَّ ورد زيادةُ الله إلى مصر مُنهزمًا من عبيد الله العلوي الخارج بالمغرب، فكتبَ العباسُ بن الحسن إلى ابن بسطام بأن يكرمه ويقيم له الأنزال (١)، ويقيمَ عنده، فأقامَ [عنده] شهورًا، ثمَّ توفِّي في هذه السنة [وهذا قولُ الصولي]. وأمَّا في تواريخ المغاربة؛ فإنَّ زيادة الله إنَّما دخلَ الشام [في] سنة اثنتين وثلاث مئة، حين غُلِب [على] ملكه بإفريقية، وقَصدَ بغداد، فردّ [من] دمشق إلى مصر، فمات بالرملة في هذه السنة. وقال ثابت: نزلَ بالرقَّة وماتَ بها [والأصح: بالرملة]. وقال الصوليّ: كان لزيادةِ الله ولدٌ اسمه خَطَّاب [وكان من أحسن ما يكون من الشباب، ومن جماله أنهم كتبوا اسمه على السِّكَك] (٢)، بلغَ أباه عنه ما يكره، فقيَّده بقيدٍ ثقيلٍ من ذهب وحبسَه، وكان يحبُّه، وكان عبدُ الله بن الصائغ على البريد، [دخل يومًا على الغلام] (٣)، فرآه مقيَّدًا، فكتب إلى أبيه زيادةِ الله يقول: [من البسيط] يا أيُّها الملكُ المَيمون طائرُه … رفقًا فإنَّ يدَ المَعْشوقِ فوقَ يدكْ كم ذا التجلُّد والأحشاءُ واجفةٌ … أعيذُ قلبكَ أنْ يسطو على كبدِكْ فطربَ زيادةُ الله، وفكَّ القيدَ من رجلِ ولده، وأعطى القيدَ لعبد الله بن الصائغ، ورضيَ عن ولده.

стр. 7714

يَموت بن المُزَرِّع ابن يَموت، أبو بكر، العَبْديّ، من عبد قيس، أبو بكر. بصريٌّ رحلَ عن البصرة، وقدم بغداد سنةَ إحدى وثلاث مئة، وهو شيخ كبير، ثمَّ خرجَ إلى دمشق، وأقام بطَبَرَيّة، ومات بها سنة ثلاث وثلاث مئة، وقيل: هذه السنة (١). وكان صاحب مُلَحٍ وآداب، وهو ابن أخت أبي عثمان الجاحظ. وقيل: اسمه محمد، والغالبُ عليه يموت، وكان إذا عادَ مريضًا يُسْقِطُ يموت، ويقول: ابن المُزرِّع. حدَّث عن المازنيّ وغيره، وروى عنه الخرائطي وغيره. ومن رواياته عن ابن عباس قال: ما صرفَ الله سليمانَ عن الهُدهد إلا ببرِّ الهُدهد لأمِّه. وكان ثقةً. وفيه يقول الشاعر: [من مجزوء الرمل] أنت تَحيى والذي يكـ … ـرهُ أنْ تحيى يموتُ أنتَ صِنْو النفس بل أنـ … ـتَ لروحِ النفسِ قوتُ أنتَ للحكمة بيتٌ … لا خلت منكَ البيوتُ (٢) [وفيها توفي] يوسف بن الحسين بن علي أبو يعقوب، الرَّازي، شيخُ الرَّيّ والجبال في وقته. [و] كان أوحدَ زمانه في طريقته، عالمًا ديِّنًا، وطريقته إسقاط الجاه، وتركُ التصنُّع، واستعمال الإخلاص. أثنى عليه الأئمَّة، فقال السُّلمي: هو إمامُ وقتِه، لم يكن في المشايخ مثلُ طريقته في تذليلِ النفس وإسقاطِ الجاه.

стр. 7715

[و] قال القشيريّ: كان نسيجَ وحده (١) في إسقاط التصنُّع، وهو القائل: لأن ألقَى الله بجميع المعاصي أحبُّ إليَّ من أن ألقَاه بذرَّةٍ من تصنُّع (٢). [وأثنى عليه ابن باكويه، وابن جهضم، وأبو نعيم، وصاحب "المناقب"، وغيرهم]، وكان كثيرَ السياحة، قد كتب على عُكَّازه: [من السريع] سر في بلاد الله سيَّاحا … وابك على نفسِكَ نوَّاحَا وامشِ بنور الله في أرضِه … كفَى بنورِ الله مِصْباحَا وهو صاحب واقعةِ الفأرة مع ذي النون، وقد سألَه يعلِّمه الاسمَ الأعظم، وقد ذكرناها (٣). [وحكى في "المناقب" عن أبي حسين الدرَّاج قال:] (٤) خرجتُ من بغداد إلى الرَّيّ قاصدًا زيارة يوسف بن الحسين، [قال:] فدخلتُ الرَّيّ، فسألتُ عن منزله، فكلُّ من سألتُه عنه يقول: إيش تصنعُ بذلك الزنديق؟ [قال:] فضيَّقوا صدري، وعزمتُ على أن أنصرفَ ولا أراه، فبتُّ بمسجدٍ، ثم أفكرت وقلت: وصلتُ إلى هنا ولا أراه! فأتيتُه وهو قاعدٌ في محراب مسجده، وبين يديه مصحف وهو يقرأ فيه، فسلَّمتُ عليه، فردَّ وقال: من أين أنت؟ قلت: من بغداد، أتيتُ لزيارة الشيخ، فقال [لي:] لو قال لك أحدٌ في بعض البلدان: أقم عندي حتَّى أشتريَ لك دارًا وجاريةً، أكان يمنعُك ذلك من زيارتي؟ فقلت: ما امتحنني اللهُ بشيءٍ من ذلك، ثم قال: أتحسنُ أن تقول شيئًا؟ قلت: نعم، فقال: [قل]، فقلت: [من الطويل] رأيتُك تبني دائبًا في قطيعتي … ولو كنتَ ذا حَزْمٍ لهدَّمتَ ما تبنِي فأطبقَ المصحفَ وبكى حتَّى بلَّ ثوبَه ولحيته، فرحمتُه من كثرةِ بكائه، ثمَّ قال: تلومُ أهلَ الرَّيّ إذا قالوا عني: [إني] زنديق، وأنا من وقت صلاة الصبح أقرأ في المصحف، إلى [هذه] الساعة لم تقطر من عيني قطرة، وقد قامت عليَّ القيامة بهذا البيت (٥).

стр. 7716

[قلت: لا بأس على يوسف في هذا، فإنَّ الرِّقَّةَ تحصلُ تارةً بسماع القرآن، وتارةً بسماع الشعر، على قدر الأحوال والأوقات، والقلوب بيد الله تعالى يقلبها كيفما شاء، والقرآن جدٌّ كله فيحتاج إلى حال وقت. ذكر] (١) نبذة من كلامه (٢): [حكى عنه في "المناقب" أنَّه] قال: أكثرُ الناسِ حبًّا للدنيا أكثرُهم لها ذمّا عند أبنائِها؛ لأنَّ ذمَّهم لها حرفةٌ عندهم (٣). وقال: لو طرقتِ التوبةُ بابي ما أذنتُ لها، عَلى أنِّي (٤) أنجو بها من ربِّي، ولو أنَّ الصدقَ والإخلاصَ كانا عبدين لي لبعتُهما؛ لأنِّي إن كنت في علم الله سعيدًا لم أتضرَّر مع السعادة، وإنْ كُنْتُ عنده شقيًّا محرومًا لم تنفعني توبتي ولا صِدقي، فاعتمادي على الله أولَى من اعتمادي على صفاتي المدخولة، وأفعالي المعلولة (٥). [قال:] وسُئِل عن معنى قوله ﵇: "يا بلالُ، أرحنا بها" (٦)، فقال: معناه: أرحنا بالصلاة من أشغال الدنيا وحديثها؛ لأنَّه ﵊ كانت قرَّةُ عينه في الصلاة (٧). وقال: عينُ الأمل عوراء، [وفي رواية: عين الهوى]. وسئل عن السماع فقال: أودع الله الأسرار والعقول لطائف الإقرار يوم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وتلك اللطائف تنيل كلَّ نعمةٍ طيبةٍ وشيءٍ مُسْتَحسَنٍ، فإذا سمعته أو رأته اضطربت (٨).

стр. 7717

[قال:] وكان يقول: إلهي، [توبةٌ] أو مغفرة، فقد ضاقت بي أبواب المعذرة. [قال:] وكان ينشد [ويقول:] [من البسيط] وأذكركم في السِّرِّ والجَهْر دائمًا (١) … وقلبي لديكُم في الوثاقِ أسيرُ لتعرف نفسي قُدرةَ الربِّ إنَّه … يُدبِّرُ أمرَ الخلقِ وهو قديرُ وقيل [له:] ما بال المحبِّ يتذلَّلُ لمحبوبه، ويجد الذل عزًّا؟! فأنشد: ذُلُّ الفتى في الحبِّ مَكرُمةٌ … وخضوعه لحبيبه شَرفُ (٢) [وروي عن يوسف بن الحسين الرازي أنَّه] قال: كلَّما رأيتموني أفعلُه فافعلوه، إلا صحبة الأحداث، فإنَّها أفتنُ الفتن، ولقد عاهدتُ الله أكثر من مئة مرة ألا أصحبَ حدثًا فيفسخها عليَّ حسنُ الخدود (٣)، وقوامُ القدود، وغنجُ العيون، وما يسألني الله تعالى معهم عن معصيبةٍ قط، وأنشدَ لصريع الغواني: [من الخفيف] إنَّ وَرْدَ الخدودِ والحدقَ النُّجـ … ـلَ وما في الثُّغورِ من أقحوانِ واعوجاجَ الأصداغِ في ظاهر … الخدّ وما في الصدورِ من رُمَّانِ تركتني بين الغَواني صَريعًا … فلهذا أُدْعَى صَريعَ الغواني (٤) [وذكر في "المناقب" عنه أنَّه لَمَّا] مات (٥) رآه بعضُ أصحابه في المنام، فقال [له:] ما فعلَ الله بك؟ قال: غفر لي، قال: بماذا؟ قال: ما خلطت جدًّا بهزل. [ذكر وفاته: واتفقوا على أنَّه مات في هذه السنة] في بعض (٦) أسفاره وسياحاته. وقال [الخطيب بإسناده عن] أبي خَلَف الوَزَّان [قال:] رُئي يوسف [بن الحسين] في

стр. 7718

المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي ورحمني، قيل: بماذا؟ قال: بكلماتٍ قلتُها عند الموت، قلت: اللهمَّ إنِّي نصحتُ خلقَك -[أو الناس]- قولًا، وخُنْتُ نفسي فعلًا، فهب خيانةَ فعلي لنصح قولي (١). وفي رواية: اللهمَّ إنِّي نصحتُ خلقَك ظاهرًا، وغششتُ نفسي باطنًا، فهب لي غشِّي لنفسي لنُصحي لخلقك (٢). أسند [يوسف] الحديثَ عن جماعةٍ منهم الإمام أحمد ﵀ (٣)، قال: قلت لأحمد رحمة الله عليه: حدثني، فقال: ما تصنعُ بالحديث يا صوفيّ؟ فقلت: لا بدّ، فقال: حدثنا مروان بن معاوية الفَزَاريّ، عن هلال بن سويد أبي المُعَلَّى، عن أنس بن مالك قال: أُهديَ إلى النبيِّ ﷺ طائران، فقُدِّم إليه أحدُهما، فلمَّا أصبح قال: "هل عندكم من غداء؟! فقُدِّمَ إليه الآخر، فقال: "من أين هذا يا بلال؟ " فقال: خبأتُهُ لك، فقال: "أنفق يا بلال، ولا تخفْ من ذي العرش إقلالًا، إنَّ الله يأتي برزق كلِّ يوم" (٤). * * *

стр. 7719

السنة الخامسة وثلاث مئة [و] فيها قدمت رُسُلُ ملك الروم إلى بغداد على طريق الفرات بهدايا [عظيمة] وتُحَف. واختلفت الروايات فيها، فقال ثابت بن سنان: ورد رسولان [لملك الروم على طريق الفرات] بهدايا عظيمةٍ، وألطافٍ كثيرة، يلتمسان الهُدنة، فأقاما بهِيت (١) مُدَّةً حتَّى استُؤذِن لهما، فدخلا بغداد يوم الإثنين لليلتين خلتا من المحرم، فأُنزلا في الدار المعروفة بصاعد بن مَخْلَد، وحُمل إليهما ما يحتاجان إليه من سائر الآلات والأواني، وأقيمت لهما الأنزال والضيافاتُ، والتمسَا الوصولَ على المقتدر؛ ليبلغا الرسالة [التي معهما]، فأُعلِما أنَّ ذلك [متعذِّر] لا يمكن إلا بعد لقاء الوزير، [وتقرير الأمر معه]، وهو يخاطبُ الخليفة، فأُرسلا إلى الوزير، فجلسَ لهما واحتفل، وأقام غلمانَه ومماليكَه والعساكرَ في طريقهما، وفرشَ داره -وتعرف بدار البستان- وعَلَّق فيها من السُّتور ما يساوي ثلاثينَ ألف دينار، وجلس مجلسًا لم يجلسه وزير، والخدمُ بين يديه وخلفه، [و] القوَّاد والأولياء عن يمينه وشماله، ودخل عليه الرسولان، وأحدُهما شيخٌ قد نيَّفَ على السبعين، والآخر [شاب له] نحو من أربعين سنة، فشاهدا من الجَمْع (٢) والفَرْشِ والسُّتُور والزينة ما هالهما، وكان معهما أبو عمر بن عبد الباقي يترجمُ لهما، فذكرا ما وصلا بسببِه من الفداء والصلح، وسألاه أن يسألَ المقتدر [في] ذلك، فوعدهما [أن يخاطب الخليفة] (٣) وخرجا [من عنده على تلك الحال]. ثم خاطب المقتدر [فيهما]، فأجابه إلى إحضارهما [وما سألا]، وتقدَّم بأن تُشحن رحابُ الدار والدهاليز والممرَّات بالرجال والسلاح، وأن تفرشَ سائرُ القصور بأحسنِ الفرش، ثمَّ [أمر بإحضار الرسولين، فأحضرا] (٤)، والمقتدرُ [جالسٌ] على سرير، والأولياء على مراتبهم، وأبو الحسن بن الفرات قائم بالقرب منه، ومؤنس الخادم

стр. 7720

دونه، والخدمُ عن يمينه وشماره، فلمَّا دخلا قبَّلَا الأرض (١)، وأدَّيا [الأمانة و] الرسالة إلى الوزير، والوزيرُ يعيدها على المقتدر، ثمَّ خرجا وخُلِعَ عليهما، وأمر مؤنسًا أن يتجهَّز للمسير معهما ليحضر الفداء [هذا حاصل ما ذكره ثابت بن سنان] (٢). و [قد] ذكر الصولي وغيرُه احتفال المقتدر [بالرسل] فقالوا (٣): أقام المقتدرُ العساكرَ، وصفَّهم بالسلاح، وكانوا مئةَ وستينَ ألفًا، وأقامَهم من باب الشماسيَّة إلى دار الخليفة، وبعدَهم الغلمان الحُجَريَّة، والخدمُ الخاصَّة بالثياب الحرير والمناطق المحلَّاة، وكانوا سبعةَ آلاف خادم، منها أربعةُ آلاف بيض، وثلاثة آلاف سود، [وكان الحجَّابُ] سبع مئة حاجب، وفي دجلة الطيَّارات والسفَاريَّات والزبازب (٤) مزيَّناتٍ [بأفضل زينة]. وأُدخِل الرسولان من باب الشماسيَّة، فمرا بدار نصرٍ الحاجب، فشاهدا من الزينة والغلمان والسلاح ما هَالهما، فظنَّا أنَّها دارُ الخلافة، فقيل لهما: هذه دارُ الحاجب، ثمَّ دَخلا دارَ الخلافة فشاهدَا أمرًا عظيمًا، وكانت السُّتُورُ ثمانيةً وثلاثين ألفَ ستر من الديباج المذهب، ومن البُسُط الفاخرة اثنانِ وعشرون ألفَ بساط، وكان في الدار قطعانٌ (٥) من الوحش تأنسُ بالناس وتأكلُ من أيديهم، وكان فيها مئةُ سَبُع، كل سَبُعٍ بيد سبَّاع. ثمَّ أُدخلا دار الشجرة، وكان في وسطها بركةٌ، والشجرةُ فيها، وكان لها ثمانية عشر غصنًا، لكل غصنٍ منها شاخات (٦) كثيرةٌ، عليها الطيور والعصافير من كلِّ نوعٍ، مذهبةٌ

стр. 7721

ومفضَّضةٌ، وأكثرُ قضبان الشجرة عليها ذهبٌ وفضَّةٌ؛ وهي تتمايل (١)، ولها ورقٌ مختلفُ الألوان، وكلُّ طائرٍ من هذه الطيور يَصفر، ثم أُدخلا إلى الفِرْدوس، وفيه من الفَرْشِ والآلات ما لا يُحْصَى، وفي دهاليزه عشرةُ آلاف جوشنٍ مُذْهبَة معلَّقة. ووصل (٢) الرسولان إلى المقتدر وهو جالسٌ على سرير من الأبنوس، مطعَّمٌ بالذهب والفضَّة، وعن يمين السرير تسعةُ عقودٍ من أفخر الجوهر معلَّقة، وعن يساره مثلها، [وهي من أفخر الجواهر التي تضيء]، وضوءها يغلبُ على ضوء النهار. ووقفَ الرسولان من الخليفة على نحو مئةِ ذراع، وابن الفرات قائمٌ بين يديه، والترجمان يترجم عنهما، ثم أُخرجا وطِيف بهما في الدار، وعلى الشط، والفيول (٣) مزيَّنةٌ قائمةٌ، والزرافة والسباع والفهود وغيرها. ثمَّ خلع عليهما، وحُمل إلى كلِّ واحدٍ منهما خمسون ألف درهم (٤)، وثيابٌ وغيرها. [وفي غير رواية الصولي وثابت بن سنان أنَّه] (٥) كان من باب الشماسية إلى قريبٍ من سوق الثلاثاء دربٌ يقال له: درب المنائر، فيه ألفُ منارةٍ، ومُرَّ بالرسولين فيه (٦) وقت الظهر، وأُمِر المؤذنون فأذنوا جملةً، فكادت الدنيا أن تتزلزل، وخاف الرسولان، ولما عادا إلى قيصر أخبراه بما شاهدا (٧)، وكان في عزمه غزو العراق، فرجعَ عن ذلك، وأطلقَ المقتدرُ لمؤنس مئةَ أبي وسبعين ألف دينار للطريق، فسار مع الرسولين، وتمَّ الفداء على يديه، فيقال: إنَّه استنقذَ من المسلمين خمسة آلاف وخمس مئة. وفيها وردت هدايا أحمد بن هلال صاحب عُمان، [و] فيها طائر أسود يتكلَّم

стр. 7722

بالفارسية والهنديَّة أفصحَ من الببغاء، وظباء سود (١). وكان على البصرة الحسنُ بن الخليل بن ريمال الفَرْغاني، فثارت فتنةٌ عظيمة، وثار العوامّ، وأحرقُوا جامعَ البصرة (٢)، فركبَ الفرغانيُّ وقتلَ منهم مقتلةً عظيمة، ثم ضعفَ عن قتال العوام، فخرجَ إلى واسط ومعه وجوهُ أهل البصرة، ثمَّ صرفَه المقتدرُ، وولَّى مكانَه أبا دُلَف هاشم بن محمد الخُزاعي، فأقامَ على ولايتها سنةً، ثمَّ صُرِفَ وأقام بالبصرة بعدَ عزله لم يحدِّث، فكان مستمليه يقول: حدَّثكم أبو دلف هاشمُ بن محمد الخزاعي، أمير البصرة كان (٣). [وفي جمادى الآخرة توفي غريب خال المقتدر] (٤). وفيها خُلِعَ على أبي الهَيجاء عبد الله بن حَمْدان وإخوته خِلَع الرِّضا. وحجَّ بالناس الفضل بن عبد الملك [أيضًا]. وفيها توفي سليمان بن محمد بن أحمد أبو موسى النَّحْوي، ويعرف بالحامِض. صحب ثعلبًا أربعينَ سنة، وأخذ عنه نحو الكوفيين، وجلس مكانه بعد موته، وله التصانيف الكثيرة منها "خلق الإنسان"، وكتاب "الوحوش" و"النبات" و"غريب الحديث" وغيره، وكان ديِّنًا صالحًا. توفي في ذي الحجَّة، ودفن بباب التِّبن، ﵀ (٥).

стр. 7723

عبد الله بن أحمد ابن أبي الحَواري، أبو محمد، الزَّاهد ابن الزاهد. كان على طريقة أبيه حتَّى صار من أعيانِ المشايخ بالشام، وكان له رياضات وسياحات. أسند عن أبيه وغيره، وروى عنه محمد (١) بن سليمان الرَّبَعي وغيره، وأجمعوا على دينه وصدقه وثقتِه وزهدِه وورعِه. عبد الصَّمد بن عبد الله أبو محمد، القُرَشيّ، قاضي دمشق. حدَّث عن هشام بن عمار وغيره، وكان ثقةً (٢). غَريب خال المُقتدر، أخو السيِّدة. كان مُقدَّمًا في الدولة محترمًا، وكان فيمن قاتل ابن المعتز، وقرَّر أمر المقتدر. ومرض بعلَّة الذَّرَب والشَّخخ، ومات ليلة الخميس لتسع بقين من ذي الحجة، وقيل: في جمادى الأولى (٣). وصلَّى عليه الوزير ابنُ الفرات (٤) وأربابُ الدولة، وله عقبٌ ببغداد بالحريم. * * *

стр. 7724

السنة السادسة وثلاث مئة [قال ثابت بن سنان:] وفي أول يوم من المحرَّم فتح والدي سنانُ بن ثابت مارَستان السيدة أمّ المُقتدر الَّذي بنته بسوق يحيى على دجلة، ورتب (١) في الأطباء، وكان مَبلغُ النَّفقةِ عليه في كل شهر ست مئة دينار، وأشار سنان بن ثابت على المقتدر ببناء مارستان، فبناه بباب الشام وولاه سنانًا، فكانت النفقة عليه في كل شهر مئتي دينار. وفي ربيع الأول مات محمد بن خلف وكيع القاضي (٢)، وولّى المقتدر أبا جعفر أحمد بن إسحاق بن البُهلول ما كان يتولاه وكيع من القضاء بالأهواز؛ مضافًا إلى ما كان يتولاه إليه من القضاء بمدينة أبي جعفر. وفي جمادى الأولى أمر المقتدر بقتل الحسين بن حَمْدان في حبسه، فقُتل وقت المغرب لثلاث عشرة بقين منه، وحُمِل (٣) ابنه إلى حبس الجرائم. وفي يوم الخميس لليلة بقيت منه (٤) قبض على الوزير أبي الحسن بن الفُرات فكانت مدة وزارته الثانية سنة واحدة وخمسة أشهر وتسعة عشر يومًا. [وقال ثابت بن سنان:] وكان السبب في صرفه [في هذه المرة] أنَّه أخَّر إطلاق أرزاق الفرسان الذين مع القُوّاد، واحتجَّ بضيق الأموال، والتمس من المقتدر إطلاق مئتي ألف دينار من بيت مال الخاصة، فغضب عليه (٥) المقتدر وقال: فأين ما ضمنتَ من القيام بالنَّفقات في الجند وغيرهم؟ فاحتج بكثرة الخَرْج، فلم يقبل عُذره وتنكَّر له. وكان المقتدر يميل إلى حامد بن العباس ضامن واسط وتلك النواحي، وكذا أم المقتدر ونصر الحاجب؛ لأنه كان يُهاديهم ويحمل إليهم، فأشاروا على المقتدر بتقليده

стр. 7725

الوزارة، فكتب إليه فقدم، وعزل ابن الفُرات، ودخل حامد في زِيٍّ عظيم إلى بغداد، وخلفه أربع مئة غلام يحملون السلاح، وخدم وحشم، فخلع عليه وجلس في الديوان أيامًا، فظهر منه قلَّةُ معرفة، وسوءُ تدبير مع حدة وغضب، وبلغ المقتدر فأراد عزلَه، فقيل لحامد: اطلب عليَّ بن عيسى من المقتدر يكون معك، وكان حامد صديقًا لعلي أيام وزارته، فطلبه فأطلقه المقتدر، وباشر الأمور بنفسه، فاستقامت الأحوال، وقوي أمر علي بن عيسى حتَّى بلغ أعلى من مرتبة الوزارة (١)، ولم يبق لحامد غير الاسم، ويحضر عند المقتدر فلا يشاوره في شيء، والحلُّ والعقد لعلي بن عيسى. وكان أبو علي بن مُقلة يكتب بين يدي حامد بن العباس ويوقّع، ولم يبق لحامد إلا لُبسُ السَّواد وحضوره دار الخلافة (٢)، فقال شاعر فيهما: [من مخلع البسيط] هذا وزيرٌ بلا سوادٍ … وذا سَوادٌ بلا وزير وقال ثابت بن سنان (٣): كان علي بن محمد بن الحَواري قد أشار على المقتدر بتولية حامد، فلما قدم بغداد ليلة الثلاثاء لليلتين خلتا من جمادى الآخرة أقام تلك الليلة في دار السلطان عند نصر الحاجب في دار الحِجْبة، وجلس يتحدَّث، فبان للقُوَّاد وخواص المقتدر ما فيه من الحدَّة وقلَّة الخبرة بأمور الوزارة، وبلغ المقتدر فعتب على ابن الحَواري حيث أشار به، فوصفه باستخراج الأموال، والهيبة عند العمال والسَّراة (٤)، وكثرة الغلمان ونحو ذلك، وأشار في عرض كلامه بإطلاق علي بن عيسى وتقليده الدواوين نيابة عن حامد، فامتنع المقتدر من ذلك إلا أن يسأله حامد، فاحتال ابن الحواري على حامد بذلك، وعرَّفه سوء أدب الخاصة، وحوائج الحاشية، وأوهمه أنَّه [إن] لم يسأل ذلك فعل مُراغمة له. فلما دخل حامد على المقتدر سأله إطلاق علي، وأن يكون خليفته على الدَّواوين، وأثنى عليه، فقال له: ما يجيب علي إلى ذلك، ولا يرضى أن يكون تابعًا بعد أن كان

стр. 7726

مَتبوعًا، فقال حامد بحضرة الناس: ولمَ لا يجيب، وإنما مثل الكاتب كمثل الخيَّاط؛ يَخيط ثوبًا قيمته ألف دينار يومًا، ويومًا يَخيط ثوبًا بعشرة دراهم؟! فضحك المقتدر والناس منه. ومما عيب عليه: أن أم موسى القَهْرَمانة خرجت إليه يومًا برُقْعَة من المقتدر، فقرأها ووضعها بين يديه، وكان قد شرع يتحدَّث في بَثْق انفجر بأرض واسط، والقهرمانة واقفة تستعجله بالجواب، فما أجاب عن الرُّقعة حتَّى فرغ من حديث البَثْق. وخلع المقتدر على ابن عيسى خِلْعَةً دون خلعة الوزارة، وبعث به إلى حامد مع نَصْر الحاجب وشَفيع المقتدري، فأكرمه حامد ورفعه عليهما؛ حتَّى أجلسه على بساط الدّست، وانصرف إلى منزله، وكان يتردَّد إلى دار حامد. وفيها عَزل علي بن عيسى أبا القاسم علي بن أحمد بن بسطام من جند قِنَّسرين والعواصم، وقلَّد الشام ومصر أبا علي الحسين بن أحمد الماذَرائي، وقرَّر عليه في كل سنة عن خراج الشام ومصر ثلاثة آلاف ألف دينار خارجًا عن نفقات الجيوش وغيرهم تُحمل إلى المقتدر (١). وفيها أمرت أمُّ المقتدر ثَمَل القَهْرَمانة أن تجلس (٢) بالتُرْبة التي بنتها بالرُّصافة للمظالم، وتنظر في رِقاع الناس في كل جمعة، فكانت تجلس في كل جمعة، وتُحضر القضاةَ والفقهاء والشهود والأعيان، وتَبرز التواقيع وعليها خطها، وكان القاضي في هذه السنة أبو الحسين الأُشناني، فكانت القهرمانة تنظر في القصص وتدفعها إلى القاضي، فيقف عليها ويستدعي الأجوبة. [قال القاضي علي بن أحمد: وهذا شيء لم يَجْرِ في دولة أبدًا. واختلفوا فيمن حجَّ بالناس في هذه السنة؛ فذكر جدي في "المنتظم" وقال: حج بالناس الفضل بن عبد الملك أيضًا.

стр. 7727

وقال ثابت بن سنان: حج بالناس أحمد بن العباس أخو أم موسى القهرمانة (١). فصل وفيها توفي أحمد بن حسن بن عبد الجبَّار أبو عبد الله، الصُّوفي، سمع يحيى بن مَعين وغيره، وروى عنه محمد بن المُظَفَّر وغيره. وكان ثقة إلا أنَّه روى حديثين لا يَصحّا عن رسول الله ﷺ ، قال: "مَن لَقم أخاه لُقمة حَلْوى صرف الله عنه سبعين بَلْوى". أما الحديث الأول ففي إسناده ابن الفَرُّخان؛ ذاهب الحديث، إلا أن الحمل فيهما على مَن ذكرنا لا على صاحب هذه الترجمة لأنه كان ثقة] (٢). وفيها توفي أحمد بن عمر بن سُرَيج أبو العباس، القاضي، صاحب مسألة الدَّور في الطلاق. قال الدارقطني: كان فاضلًا لولا ما أحدث في الإسلام من المسألة. وقال الخطيب: انتهت إليه رياسة أصحاب الشافعي، وشرح المذهب ولخّصه، وصنّف المسائل في الفروع. [وحكى الخطيب عنه بإسناده] قال: رأيت في المنام كانا مُطرنا كبريتًا أحمر، فملأتُ أكمامي وجيبي وحِجْري، فعُبِّر لي أني أُرزق علمًا عَزيزًا كعِزّة الكبريت الأحمر (٣).

стр. 7728

[ذكر وفاته: حكى الخطيب بإسناده إلى] عثمان بن السِّندي قال: قال لي أبو العباس بن سُرَيج في علّته التي مات فيها: أُريت البارحة في المنام كأن قائلًا يقول: هذا ربك تعالى يُخاطبك، قال: فسمعت: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]، قلت: بالإيمان والتَّصديق، ووقع في قلبي أنَّه يُراد مني زيادة في الجواب، فقلت: بالإيمان والتصديق غير أنا قد أصبنا من هذه الذُّنوب، فقال: أما إني سأغفر لكم. [وقال بعض الفضلاء: إنما قصد الخطيب بهذا المنام مَدْحَه، وإنما هو تهديد لما أحدث في الإسلام من المسألة، فكأنه يقول: ليس مما جاء به المرسلون ما أتيتَ به، ألا ترى أنَّه أخر عنه الغفران وأحاله على المستقبل؟! ولو كان ما أحدث مرضيًا لقال له: قد غفرت لك، وكذا لو كان ما أتى مما جاء به المرسلون لكان كرّر عليه القول. قال الخطيب:] وكانت وفاته ببغداد في جمادى الأولى وله سبع وخمسون سنة، ودُفن بسُوَيقة أبي غالب. [قال الخطيب:] وحدَّث ابن سُرَيج يسيرًا عن [الحسن بن محمد الزَّعْفَراني، وعباس الدوري، و] أبي داود السِّجِسْتاني وغيرهم، وروى عنه سليمان بن أحمد وغيره (١). [وفيها توفي أحمد بن يحيى أبو عبد الله، الجَلَّاء، الصُّوفي، وقيل: محمد بن يحيى، [وأحمد أصح]. وهو بغدادي ولكنه انتقل إلى الشام، وأقام بدمشق والرَّمْلة، وهو أحد مشايخ الشام زهدًا وورعًا، وهو أستاذ محمد بن داود الدُّقّي. ذكر طرف من أخباره: [قد ذكرنا في ترجمة أبيه يحيى في رواية أبي نعيم عن أحمد أنَّه] قال: قلت لأبي وأمي: أحبُّ أن تَهَباني لله تعالى، فقالا: قد وَهَبناك، قال: فغبتُ عنهما مدة طويلة،

стр. 7729

ثم رجعتُ من غَيبتي وكانت ليلة باردة مَطيرة، فطَرقتُ عليهما الباب فقالا: مَنْ؟ قلتُ: وَلَدُكما أحمد، فقالا: كان لنا ولد اسمه أحمد فوهبناه لله؛ ونحن من العرب لا نرجع فيما وهبناه، ولم يفتحا الباب. وقال الدُّقّي: رأيتُ ابن الجلاء يمشي في الهواء. [وقد ذكرنا أنما سمي أبوه الجلاء لأنه كان يجلو القلوب بكلامه. وحكى عنه في "المناقب" أنَّه] قال: كنت أمشي يومًا مع أستاذي، فرأيتُ غلامًا حَدَثًا جميلًا فقلت: يا أستاذ أترى يُعذّب الله هذه الصورة بالنار! فقال: أَوَ نَظرتَ؟! سوف ترى غِبَّها، قال: فنسيتُ القرآن بعد عشرين سنة. [وحكى عنه أيضًا في "المناقب" أنَّه] قال: أعرف مَن أقام بمكة ثلاثين سنة لم يشرب من زمزم إلا برِشائه وركوته، ولم يتناول من طعامٍ جُلب من مصر. [قال:] وسأله محمد بن ياسين عن الفقر فلم يُجبه، وقام فخرج، ثم عاد فأجابه فقال: لِمَ أخَّرتَ الجواب؟ فقال: كان عندي أربعة دَوانيق، فاستَحْيَيتُ من الله تعالى أن أتكلَّم في الفقر وهي عندي، فأخرجتُها ثم أجبتُك. [وحكى عنه أيضًا أنَّه] قال: اشتهت أمي على أبي سَمَكًا، فمضى إلى السُّوق وأنا معه، فاشترى سمكةً، ووقف ينظر مَن يحملها معه، فرأى غلامًا واقفًا فقال: أتحملها؟ قال: نعم، فحملها، وإذا بمؤذّن يقيم الصلاة في مسجد، فترك الغلام طَبَقه على الدُّكَّان ودخل يصلي، فقال أبي: هذا قد هان عليه طبقه وله قيمة، أفلا تهون علينا سمكتنا!؟ فدخلنا وصلينا جميعًا، ثم خرجنا والسمكةُ بحالها، فلما وصلنا إلى دارنا حكى أبي لأمي حديثَ الغلام فقالت: سَلْه أن يقيم عندنا حتَّى نُصلحها فيأكل معنا منها، فسأله أبي فقال: أنا صائم، قال: تقيم عندنا إلى الليل، فأقام وأفطر معنا، وأفردْنا له بيتًا لخلوته ونمنا. وكان لنا بنت زَمِنَة لها مدّة مُقْعَدة، وهي مُنفردة في بيت، فلما كان وقت السَّحَر وإذا بها قد جاءت تمشي على رجليها، فدُهشنا لها، وقلنا لها: ما هذا؟ فقالت: سمعتكم تذكرون ضيفنا الليلة بخير، فتوسَّلتُ به إلى الله تعالى، فقمتُ أمشي، قال: فأتينا بابَ

стр. 7730

البيت الَّذي كان فيه الغلام فلم نجده؛ والأبواب مُغْلَقة على حالها، فقال أبي: نعم فيهم صغار وكبار. [وحكى عنه أيضًا أنَّه] قال: قدمت المدينة وبي فاقة، فتقدَّمتُ إلى القبر وقلت: السلام عليك يا رسول الله أنا ضيفك، ونمت فرأيته في المنام، فناولني رغيفًا فأكلتُ نصفَه، وانتبهتُ وفي يدي النصف الآخر. [قال الدّقي: مرض ابن الجلاء، فدخل عليه قوم فأطالوا وقالوا: ادع لنا، فرفع يديه وقال: اللهم عَلِّمنا عيادة المَرْضى. ذكر نبذة من كلامه: حكى عنه في "المناقب" أنَّه] قال: مَن استوى عنده المَدْح والذَّمُّ فهو زاهد، ومن حافظ على الفرائض فهو عابد، ومن رأى الأفعال كلها من الله فهو مُوحّد. وسئل عمَّن دخل البادية بغير زاد ولا راحلة فقال: هذا من الرجال، قيل له: فإن مات؟ فقال: الدية على القاتل (١). وقال: اهتمامك بالرِّزق يُبعدك عن الحقِّ، ويُفقرك إلى الخَلْق. وقال: الخائف مَن تأمنه المخاوف (٢). وقال: مَن عَلت هِمَّته عن الأكوان وصل إلى مُكوِّنها، ومَن وقف بهِمَّته على شيء سوى الحق فاته الحق؛ لأنه أعزُّ من أن يَرضى معه بشريك. وكانت وفاته يوم السبت لاثنتي عشرة ليلةً خلت من رجب في هذه السنة بالرَّملة، وقيل: بدمشق. صحب ذا النون المصري، وأبا تُراب النَّخْشَبي، وأبا عبيد البُسْري وغيرهم (٣).

стр. 7731

الحسين (١) بن حَمْدان ابن حَمْدون التَّغْلبيّ، عم سيف الدولة. كان من وجوه الأمراء، وهو الَّذي بعثه المكتفي لقتال بني طولون، وولاه المكتفي (٢) ديار بكر وربيعة، وغزا الصّائفة سئة إحدى وثلاث مئة، وفتح حصونًا كثيرة، ثم خالف المقتدر فبعث إليه رائقًا ومؤنسًا فأسراه، ودخلا به بغداد على جمل، وقد ذكرناه، ثم قتله في الحَبْس، وأطلق أهله، وقيل: مات في الحبس، والله أعلم. عبد الله بن أحمد ابن موسى بن زياد، أبو محمد، الجَواليقيّ، القاضي، ويعرف بعَبْدان. من أهل الأهواز ولد سنة ست عشرة ومئتين، وكان أحد الحفّاظ الأثبات، جمع الأبواب والشيوخ، وحدَّث عن الأئمة، وكان يحفظ مئةَ ألف حديث، وتوفي في ذي الحجة بعَسْكَر مُكْرَم. حدّث عن هُدْبَة بن خالد وغيره، وروى عنه المَحامِليّ وغيره، وكان ثقةً (٣). عبد الله بن الحسين ابن حَسنون، أبو أحمد، المقرئ. توقّفوا فيه، قال عبد الغني بن سعيد: سلوه متى سمع من الوكيعي، فسألوه فقال: سمعتُ منه بالموسم بمكة سنة ثلاث مئة، فقال عبد الغني: مات الوكيعي في [أول] سنة ثلاث مئة، فكيف يسمع منه في آخرها؟! ومات بمصر هذه السنة، وقيل: سنة سبع وثلاث مئة. وأنشد لعبد الله بن المعتز: [من الخفيف] جَسَّ نَبْضي فقال عِشقًا طبيبي … وَيحَه من أخي علاجٍ مُصيبِ

стр. 7732

فزجَرْتُ الطَّبيبَ لَمْحًا بعيني … ثم ناجيتُه بحقّ الصَّليب لا تقل لَوعة الهوى قتلتْه … فينالون بالدُّعاء حبيبي (١) محمد بن خَلَف ابن حيّان بن صَدَقة، أبو بكر، القاضي، الضَّبِّي، ويعرف بوَكيع. كان عالمًا، فاضلًا، نبيلًا، فصيحًا، عارفًا بالسير وأيام الناس وأخبارهم، وله تصانيف كثيرة في أخبار القضاة، وعدد آيات القرآن، والرَّمي، والنِّصال، والمَكاييل والمَوازين، وكتاب الطريق، وكتاب الشريف. وكان يتقلَّد القضاء بالأهواز وكُوَرها، وكان العلماء يعترفون له بالفضل؛ قيل لابن مجاهد: ألا تُصنّف كتابًا في العدد؟ فقال: قد كفانا ذلك وكيع. توفي في ربيع الأول. حدّث عن الزبير بن بكَّار وغيره، وروى عنه أحمد بن كامل وغيره، وكان يسكن بدَرْب أمّ حكيم ببغداد. وأنشد لنفسه: [من الطويل] إذا ما غَدتْ طَلّابة العلم تبتغي … من العلم يومًا ما يُخلَّد في الكُتْب غدوتُ بتَشميرٍ وجِدِّ عليهم … ومَحبرتي أذني ودَفْتَرُها قلبي (٢) [وفيها توفي] أبو نَصْر المُحبّ من كبار مشايخ الصوفية، كان جوادًا سَمْحًا زاهدًا عابدًا صاحب مروءة. [حكى الخطيب عن أبي] العباس بن مَسْروق قال: اجتزتُ أنا وأبو نصر بالكَرْخ، وعليه إزارٌ له قيمة، فإذا بسائل يقول: شفيعي إليكم محمد ﷺ ، فشق أبو نصر إزارَه، وأعطى نصفه للسائل، ومشى خطوات ثم قال: هذا نَذالة، ورجع فأعطاه النصف الباقي (٣).

стр. 7733

السنة السابعة وثلاث مئة فيها في المحرم خلع المقتدر على أبي منصور بن أبي دُلَف، وولاه أعمال آمِد وسُمَيساط. وفي صفر توفّي الفضل بن عبد الملك الهاشمي صاحب الصلاة بمدينة السلام ومكة (١)، فولي ابنه عمر مكانه. وفي جمادى الأولى خلع المقتدر على نازوك، وولَّاه دمشق، فسار إليها، وأجْدَبَت العراق، فخرج أبو العباس أخو أم موسى القهرمانة والناس معه فاستسقوا. وفيها انقضَّ كوكبٌ عظيم غالب الضوء، وتقطّع ثلاث قطع، وسُمع بعد انقضاضه هدَّةٌ عظيمة هائلة من غير أن يكون ثَمَّ غيم. وفيها دخلت القرامطة البصرة، فنهبوها وقتلوا وسَبَوا. وفيها ضَمِن حامد بن العباس الوزير السّواد والأهواز وأصبهان بخمس مئة ألف دينار، مئتي ألف عن السواد، ومئتي ألف عن الأهواز، ومئة ألف عن أصبهان. وسببه (٢) انفرادُ علي بن عيسى بتدبير أمور المملكة، وإبطال أمر حامد وانقطاعه عنه. وشاور حامد أصحابه، فقال له بعضهم: لا تفعل تسقط هَيبتك من عيون الناس، وأشار عليه بعضهم بذلك وقالوا: تتعطّل أمور علي بن عيسى، فخاطب حامد علي بنَ عيسى بحضرة المقتدر وقال له: تفرَّدتَ بتدبير الأمور دوني، ولا ترضى أن تُشاورني، ولا بدَّ من صدق أمير المؤمنين، قد أضَعْتَ بالسواد والأهواز وأصبهان في سنة ست وثلاث مئة أربع مئة ألف دينار، وأنا أضمن هذه الأعمال أربع سنين بكذا وكذا، فقال له علي بن عيسى: إن مَذهبك في خَبْط الرَّعية، وإحداث السُّنن الجائرة، والظلم والضرب معروف، وقد كنتَ تقلَّدت في أيام المعتضد ديار بكر وربيعة والمشرق، فأخربت الجميع بظُلمك وعَسْفك، وطال الحديث بينهما، فقال المقتدر لعلي بن

стр. 7734

عيسى: هذا توفير من حامد لا يجوز تركه، فإن ضمنتَ هذه النواحى ضمَّنتُك، فقال: أنا كاتب، ولست بضامن ولا عامل، وحامد أولى بالضمان لأنه يليق به، وأنا فقد عَمَرتُ البلاد، ورَفَقْتُ بالرعية، وقد تناهت عمارة البلاد على يدي، وسوف ترى، فضمَّنها حامدًا بما بذل. وخرج حامد إلى الأهواز، وصادر العمال، وبسط يده في عذاب الرعية، وضاقت النَّفقات على المقتدر، وشَغَب الجند، وغلت الأسعار، فأشرفت بغداد على الهَلاك والخَراب، والدولة على الزَّوال، ووردت الكتب من الأهواز وغيرها يسبون حامدًا، ويدعون لعلي بن عيسى. وحج بالناس أحمد بن العباس بن محمد بن عيسى بن سليمان بن محمد بن إبراهيم الإمام، ويعرف بأخي أم موسى القهرمانة. [فصل] وفيها توفي علي بن سهل ابن الأزْهَر، أبو الحسن، الأصفهاني. كان سيدًا فاضلًا، من أبناء الدنيا المُتْرَفين، فتزهّد وخرج عما كان فيه، وكان من أحسن الناس إشارة، وكان يكاتب الجنيد فيقول الجنيد: ما أشبه كلامه بكلام الملائكة. [وقال السُّلمي:] كان يقيم أيامًا لا يأكل ويقول: الشوق قد استولى عليَّ فألهاني عن الأكل. وقال: المُبادرة إلى الطاعات من علامات التوفيق، والتقاعد عن المخالفات من علامة حُسن الرِّعاية، ومُراعاةُ الأسرار من علامات التَّيقُّظ، وإظهار الدَّعاوى من رُعونات البشرية، ومَن لم تَصحّ مبادئ إرادته لا يسلم في منتهى عواقبه. [وقال أبو نعيم الأصفهاني: سمعت أبي وغيره من أصحاب ابن سهل يقولون:] كان علي يقول لأصحابه دائمًا: أتظنّون موتي يكون بإعلال وأسقام؟! لا إنما هو دعاء وإجابة، أُدعى فاجيب، فكان يومًا قاعدًا في جماعة فقال: لبيك، ووقع ميتًا (١).

стр. 7735

[محمد بن سليمان ابن بابويه بن فِهرويه، أبو بكر العَلَّاف. سمع يعقوب الدَّوْرَقي وغيره، وروى عنه أبو بكر القَطيعي وغيره. وهو الَّذي روى عن علي بن أبي طالب أنَّه قال: النساء أربع: القَرْثَع، والوَعْوَع، والغِلُّ الَّذي لا يُنْزَع، والجامعة التي تَجمع. فأما القرثع فالسَّمْجة، وقيل: البَلْهاء، وحكى الجوهري في "الصحاح" (١) عن بعض الأعراب أنَّه قيل له: ما القرثع؟ قال: التي تكحَل إحدى عينيها وتترك الأخرى، وتلبس قميصًا مقلوبًا. وأما الوعوع فالسَّخَّابة، وهو نعت قبيح. وأما الغل الَّذي لا ينزع فالمرأة السُّوء، للرجل منها أولاد ولا يقدر على الخلاص منها. وأما الجامعة فهي التي تجمع الشَّمْل، وتلمّ الشَّعث (٢). وفيها توفي موسى بن سهل ابن عبد الحميد، أبو عمران، الجَوْني، البَصري. رحل إلى البلاد، وسمع فأكثر، ثم استوطن بغداد، ومات بها في رجب (٣). وفي الرواة رجل آخر يكنى أبا عمران الجوني، واسمه عبد الملك بن حبيب، أقدم من هذا. ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من أهل البصرة (٤).

стр. 7736

وكان يقصّ على الناس، وروى عنه عبد الله بن أحمد بن حنبل أنَّه قال: تصعد الملائكة إلى الله تعالى بالأعمال، فينادي الملك: ألق تلك الصحيفة، فيقول الملك: يا ربّ، قد قالوا خيرًا، وحفظناه عليهم، فيقول الله تعالى: إنه لم يُرِدْ به وجهي. قال: وينادي الملك: اكتب لفلان كذا وكذا، فيقول: يا رب، إنه لم يعمله، فيقول الله : إنه نواه إنه نواه. وروى أبو الحسين بن المُنادي عنه قال: وعظ موسى يومًا، فشقَّ رجل ثوبَه، فأوحي إلى موسى: لا يشق ثوبه، ولكن ليشرح عن قلبه. ولم يذكر ابن سعد تاريخ وفاته، يعني أبا عمران، وقد رأى الصحابة وحدّث عنهم. فالظاهر أن وفاته تقدَّمت، والله أعلم (١).] * * *

стр. 7737

السنة الثامنة وثلاث مئة فيها غلت الأسعار ببغداد، فشَغَبت العامة، ووقع النَّهْب ببغداد، وركبت العساكر فظهرت عليهم العامة -وكان سببه ضمان حامد بن العباس السَّواد- وقصدوا باب حامد، فخرج إليهم غلمانه فحاربوهم، ودام القتال أيامًا، ثم انكشف الحال عن جماعة من القتلى بين الفريقين، ثم صار من العامة إلى الجسرين عشرة آلاف فأحرقوهما، وفتحوا السجون من الجانبين، ونَهبوا دور الناس، فأمر المقتدر هارون بنَ غريب الخال فركب في العساكر، وركب حامد في طَيَّار فرجموه، واختلّت الأمور، وتغيرت أحوال الدولة العباسية من هذه السنة، وكانت أمورها مُنْتَظمة من أول ولاية السفاح [سنة اثنتين وثلاثين ومئة، فدامت] إلى هذه السنة، وكانت مدة أمرهم ونفاذه في الدنيا مئة وخمسًا وسبعين سنة، وقيل: مئة وسبعة وسبعين. ومن هذه السنة ظهرت الفتن، واستولى المُتَغَلّبون، وفرغت الخزائن والذخائر، [وكان مبدأ الهَرْج في هذه السنة،] واستولى عُبيد الله العَلَوي على القَيروان وإفريقية وعامة بلاد المغرب، وجهز الجيوش إلى بَرْقَة والإسكندرية، وكان عبد الرحمن بن محمد الأموي بالأندلس، وحج بالناس أحمد بن العباس أيضًا. [فصل] وفيها توفي جعفر بن محمد ابن جعفر بن الحسن بن جعفر بن الحسن [بن الحسن] بن علي بن أبي طالب. كان فاضلًا ورعًا عاقلًا، سمع الحديث الكثير، ولزم مسجده يُقرئ القرآن ويتعبد، وتوفي ببغداد في ذي القعدة. [سمع الفَلَّاس وطبقته، وروى عنه أبو بكر الشافعي وغيره] وكان ثقة (١).

стр. 7738

عبد الله بن ثابت ابن يعقوب، أبو عبد الله التَّوَّزي بزاي معجمة. ولد سنة ثلاث وعشرين ومئتين، وسكن بغداد، وتوفي بالرُّمَيْلَة غربيها (١). حدَّث عن أبيه وغيره، وروى عنه محمد بن سليمان الرَّبَعي وغيره. وقال محمد بن الهيثم: أنشدنا عبد الله بن ثابت: [من المتقارب] إذا لم تكن حافظًا واعيًا … فعِلْمُك في البيت لا ينفعُ وتَحْضُر بالجَهل في مجلسٍ … وعلمك في الصُّحْف مُستودَعُ ومن يكُ في دهره هكذا … يكن دهرَه القَهْقَرى يرجعُ [وفيها توفي] محمد بن هارون ابن العباس، بن عيسى بن أبي جعفر المنصور. ولي إقامة الحج في سنة ثمان وثمانين ومِئتين، وأقام خمسين سنة يصلي بجامع المنصور إمامًا، وكان من أهل السِّتر والصِّيانة والفضل، وتوفي وهو ابن خمس وسبعين سنة، وولي ابنه جعفر مكانه، فأقام تسعة أشهر بعد أبيه، ثم توفي في سنة تسع وثلاث مئة (٢). * * *

стр. 7739

السنة التاسعة وثلاث مئة فيها وصل جيش عُبيد الله صاحب المغرب إلى مصر، والتقاه مؤنس فردّه إلى بَرْقَة، وعاد إلى بغداد فخلع عليه المقتدر، ولقّبه بالمُظَفَّر، وقيل: إن هذا كان في السنة الماضية. وجرى بين أبي جعفر الطَّبَري صاحب التاريخ وبين الحَنابلة كلام، فحضر أبو جعفر عند علي بن عيسى في داره لمناظرتهم فلم يحضروا. وكان أمر حامد قد اضْمَحَلّ، وعزم المقتدر على عزله، فأهدى له بستانًا يقال له: النَّاعورة، بنى له فيه مجالس وزخرفها، وغَرِم عليها مئة ألف دينار، [وعَلَّق على المَجالس السُّتور، وفرشها بالفُرُش الفاخرة، فقبله المقتدر، ووقف أمره. وفيها قتل الحَلَّاج لما نذكر]. وحجَّ بالناس إسحاق بن عبد الملك بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد (١). [فصل] وفيها توفي أحمد بن [محمد بن] سَهْل ابن عطاء، أبو العباس، الصُّوفي، البغدادي، الأدَمي (٢). كان من ظِراف المشايخ، له لسان في علم القرآن يختصّ به. وكان أحد شيوخهم (٣) الموصوفين بالعبادة والاجتهاد وكثرة الدَّرس للقرآن. وكان ينام من النهار والليل ساعتين، ويختم في كل يوم خَتْمة، وفي رمضان تسعين

стр. 7740

ختمة؛ ثلاث ختمات في كل يوم، وبقي يستنبط مُوْدَع القرآن بضع عشرة سنة في ختمة، فمات قبل أن يُتمَّها؛ ومعناه: أنَّه يريد فهم ما أودعه الله فيها من المعاني. [ذكر نبذة من كلامه في القرآن وغيره: حكى عنه في "مناقب الأبرار" أنَّه قال: في اسم الله هَيبته، وفي الرحمن عَوْنه ونُصْرته، وفي الرحيم صُحْبته ومَوَدَّته، ثم قال: سبحان مَن فرَّق بين هذه المعاني في لطافتها، وهذه الأسامي في غوامضها. قال: وقال في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] على انفراد القلب بالله تعالى. قال: وسئل عن قول الله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] فقال: اقترب إلى بساط الرُّبوبية، فقد أعتقناك من رِقِّ العبودية. قال: وسئل عن قول الله تعالى: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩)﴾ [الواقعة: ٨٩] فقال: الرَّوح: النَّظَر إلى وجهه الكريم، والرَّيحان استماع كلامه، وجنة نعيم: أنَّه لا يُحْجَب عنه. قال: وقال: في البيت مقام إبراهيم، وفي القلب آثار الله، وللبيت أركان، وللقلب أركان، فأركان البيت من الصَّحن، وأركان القلب من مَعادن أنوار المعرفة.] وقال: التوبة توبتان: توبة الإنابة وتوبة الاستجابة، فتوبة الإنابة أن يتوب العبد خوفًا من عقوبته، والاستجابة أن يتوب العبد حَياءً من كرمه. وقال: مَن تأدّب بآداب الأولياء صلح لبساط المؤانسة، ومَن تأدب بآداب الصالحين صلح لبساط الكرامة. [وقال: لما خرج آدم من الجنَّة بكى عليه كلُّ شيء إلا الذهب والفضة. وقد ذكرنا تمامه في قصة آدم ﵇، وفي آخره: فقال الله: وعزَّتي لأجعلن بني آدم خَوَلًا لكما] (١). وقال: أصحُّ العقول عقلٌ وافق التوفيق، وشرُّ الطاعات طاعة أورَثَتْ عُجبًا، وخير
следующие страницы →