وكان يقصّ على الناس، وروى عنه عبد الله بن أحمد بن حنبل أنَّه قال: تصعد الملائكة إلى الله تعالى بالأعمال، فينادي الملك: ألق تلك الصحيفة، فيقول الملك: يا ربّ، قد قالوا خيرًا، وحفظناه عليهم، فيقول الله تعالى: إنه لم يُرِدْ به وجهي. قال: وينادي الملك: اكتب لفلان كذا وكذا، فيقول: يا رب، إنه لم يعمله، فيقول الله : إنه نواه إنه نواه.
وروى أبو الحسين بن المُنادي عنه قال: وعظ موسى يومًا، فشقَّ رجل ثوبَه، فأوحي إلى موسى: لا يشق ثوبه، ولكن ليشرح عن قلبه.
ولم يذكر ابن سعد تاريخ وفاته، يعني أبا عمران، وقد رأى الصحابة وحدّث عنهم. فالظاهر أن وفاته تقدَّمت، والله أعلم (١).]
* * *
стр. 7737
السنة الثامنة وثلاث مئة
فيها غلت الأسعار ببغداد، فشَغَبت العامة، ووقع النَّهْب ببغداد، وركبت العساكر فظهرت عليهم العامة -وكان سببه ضمان حامد بن العباس السَّواد- وقصدوا باب حامد، فخرج إليهم غلمانه فحاربوهم، ودام القتال أيامًا، ثم انكشف الحال عن جماعة من القتلى بين الفريقين، ثم صار من العامة إلى الجسرين عشرة آلاف فأحرقوهما، وفتحوا السجون من الجانبين، ونَهبوا دور الناس، فأمر المقتدر هارون بنَ غريب الخال فركب في العساكر، وركب حامد في طَيَّار فرجموه، واختلّت الأمور، وتغيرت أحوال الدولة العباسية من هذه السنة، وكانت أمورها مُنْتَظمة من أول ولاية السفاح [سنة اثنتين وثلاثين ومئة، فدامت] إلى هذه السنة، وكانت مدة أمرهم ونفاذه في الدنيا مئة وخمسًا وسبعين سنة، وقيل: مئة وسبعة وسبعين.
ومن هذه السنة ظهرت الفتن، واستولى المُتَغَلّبون، وفرغت الخزائن والذخائر، [وكان مبدأ الهَرْج في هذه السنة،] واستولى عُبيد الله العَلَوي على القَيروان وإفريقية وعامة بلاد المغرب، وجهز الجيوش إلى بَرْقَة والإسكندرية، وكان عبد الرحمن بن محمد الأموي بالأندلس، وحج بالناس أحمد بن العباس أيضًا.
[فصل] وفيها توفي
جعفر بن محمد
ابن جعفر بن الحسن بن جعفر بن الحسن [بن الحسن] بن علي بن أبي طالب.
كان فاضلًا ورعًا عاقلًا، سمع الحديث الكثير، ولزم مسجده يُقرئ القرآن ويتعبد، وتوفي ببغداد في ذي القعدة.
[سمع الفَلَّاس وطبقته، وروى عنه أبو بكر الشافعي وغيره] وكان ثقة (١).
стр. 7738
عبد الله بن ثابت
ابن يعقوب، أبو عبد الله التَّوَّزي بزاي معجمة.
ولد سنة ثلاث وعشرين ومئتين، وسكن بغداد، وتوفي بالرُّمَيْلَة غربيها (١).
حدَّث عن أبيه وغيره، وروى عنه محمد بن سليمان الرَّبَعي وغيره.
وقال محمد بن الهيثم: أنشدنا عبد الله بن ثابت: [من المتقارب]
إذا لم تكن حافظًا واعيًا … فعِلْمُك في البيت لا ينفعُ
وتَحْضُر بالجَهل في مجلسٍ … وعلمك في الصُّحْف مُستودَعُ
ومن يكُ في دهره هكذا … يكن دهرَه القَهْقَرى يرجعُ
[وفيها توفي]
محمد بن هارون
ابن العباس، بن عيسى بن أبي جعفر المنصور.
ولي إقامة الحج في سنة ثمان وثمانين ومِئتين، وأقام خمسين سنة يصلي بجامع المنصور إمامًا، وكان من أهل السِّتر والصِّيانة والفضل، وتوفي وهو ابن خمس وسبعين سنة، وولي ابنه جعفر مكانه، فأقام تسعة أشهر بعد أبيه، ثم توفي في سنة تسع وثلاث مئة (٢).
* * *
стр. 7739
السنة التاسعة وثلاث مئة
فيها وصل جيش عُبيد الله صاحب المغرب إلى مصر، والتقاه مؤنس فردّه إلى بَرْقَة، وعاد إلى بغداد فخلع عليه المقتدر، ولقّبه بالمُظَفَّر، وقيل: إن هذا كان في السنة الماضية.
وجرى بين أبي جعفر الطَّبَري صاحب التاريخ وبين الحَنابلة كلام، فحضر أبو جعفر عند علي بن عيسى في داره لمناظرتهم فلم يحضروا.
وكان أمر حامد قد اضْمَحَلّ، وعزم المقتدر على عزله، فأهدى له بستانًا يقال له: النَّاعورة، بنى له فيه مجالس وزخرفها، وغَرِم عليها مئة ألف دينار، [وعَلَّق على المَجالس السُّتور، وفرشها بالفُرُش الفاخرة، فقبله المقتدر، ووقف أمره.
وفيها قتل الحَلَّاج لما نذكر].
وحجَّ بالناس إسحاق بن عبد الملك بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد (١).
[فصل] وفيها توفي
أحمد بن [محمد بن] سَهْل
ابن عطاء، أبو العباس، الصُّوفي، البغدادي، الأدَمي (٢).
كان من ظِراف المشايخ، له لسان في علم القرآن يختصّ به.
وكان أحد شيوخهم (٣) الموصوفين بالعبادة والاجتهاد وكثرة الدَّرس للقرآن.
وكان ينام من النهار والليل ساعتين، ويختم في كل يوم خَتْمة، وفي رمضان تسعين
стр. 7740
ختمة؛ ثلاث ختمات في كل يوم، وبقي يستنبط مُوْدَع القرآن بضع عشرة سنة في ختمة، فمات قبل أن يُتمَّها؛ ومعناه: أنَّه يريد فهم ما أودعه الله فيها من المعاني.
[ذكر نبذة من كلامه في القرآن وغيره:
حكى عنه في "مناقب الأبرار" أنَّه قال: في اسم الله هَيبته، وفي الرحمن عَوْنه ونُصْرته، وفي الرحيم صُحْبته ومَوَدَّته، ثم قال: سبحان مَن فرَّق بين هذه المعاني في لطافتها، وهذه الأسامي في غوامضها.
قال: وقال في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] على انفراد القلب بالله تعالى.
قال: وسئل عن قول الله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] فقال: اقترب إلى بساط الرُّبوبية، فقد أعتقناك من رِقِّ العبودية.
قال: وسئل عن قول الله تعالى: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩)﴾ [الواقعة: ٨٩] فقال: الرَّوح: النَّظَر إلى وجهه الكريم، والرَّيحان استماع كلامه، وجنة نعيم: أنَّه لا يُحْجَب عنه.
قال: وقال: في البيت مقام إبراهيم، وفي القلب آثار الله، وللبيت أركان، وللقلب أركان، فأركان البيت من الصَّحن، وأركان القلب من مَعادن أنوار المعرفة.]
وقال: التوبة توبتان: توبة الإنابة وتوبة الاستجابة، فتوبة الإنابة أن يتوب العبد خوفًا من عقوبته، والاستجابة أن يتوب العبد حَياءً من كرمه.
وقال: مَن تأدّب بآداب الأولياء صلح لبساط المؤانسة، ومَن تأدب بآداب الصالحين صلح لبساط الكرامة.
[وقال: لما خرج آدم من الجنَّة بكى عليه كلُّ شيء إلا الذهب والفضة. وقد ذكرنا تمامه في قصة آدم ﵇، وفي آخره: فقال الله: وعزَّتي لأجعلن بني آدم خَوَلًا لكما] (١).
وقال: أصحُّ العقول عقلٌ وافق التوفيق، وشرُّ الطاعات طاعة أورَثَتْ عُجبًا، وخير
стр. 7741
الذُّنوب ذنب أعقب توبة ونَدَمًا.
وقال: السكون إلى مألوفات الطَّبع يقطع صاحبها عن بلوغ درجات الحقائق.
وقال: المحبّة أغصان تُغْرَس في القلوب فتُثْمِرُ على قدر العقول، وأنشد: [من الطويل]
غَرَسْتُ لأهل الحبّ غُصْنًا من الهوى … ولم يك يدري ما الهوى أحدٌ قبلي
[فأوْرَقَ أغصانًا وأينَعَ نَشوةً … وأعْقَبَ لي قُوتًا من الثَّمَرِ الأزلي]
فكلُّ جميع العاشقين هواهم … إذا نَسبوه كان من ذلك الأصل
وقال: مكتوب في بعض الكتب القديمة: يقول الله تعالى: يا ابن آدم إن أعطيتك الدنيا اشتغلتَ بها عني، وإن منعتُك إياها اشتغلتَ بطلبها، فمتى تتفرّغ لي.
وقال: كيف يوعى الإيمان في سرِّ من هو عَبْدُ لُقمة (١).
وبلغه أن بعض الفقراء مرَّ بصبيان يلعبون وعندهم شيوخ، فقال لهم الفقير: ألا تستحيون من هؤلاء الشيوخ؟ فقال صبي: لا ما نستحي، هؤلاء شيوخ قلَّ وَرَعُهم فقلّت هَيبتهم، فقال ابن عطاء: صدق الصبي، الهَيبةُ مَقرونة بالوَرع.
وقال: لما قُبض النبي ﷺ قام أبو بكر ﵁، فساس الناس بقَضيب مع قُوَّة نَسيم النبوة، فلما قام عمر ﵁ لم يقدر على سياستهم بالقضيب فساسهم بالدّرة، فلما قام عثمان ﵁ جرَّد فيهم السَّوط فلم يَستقم له الأمر كما استقام لصاحبيه، فلما قام علي ﵁ لم يقدر سياستهم إلا بالسيف فبذله فيهم.
وسئل: لِمَ بُلي الخلق بالفراق؟ فقال: لئلا يكون لأحد سكون إلى غير الله تعالى، أو مع غيره.
وسئل عن معنى الطَّهارة فقال: معنى غسل الوجه الإعراض عن الدنيا، ومعنى غسل اليدين يمينًا وشمالًا إلقاء الخلق يَمنَةً ويَسْرةً، ومعنى مسح الرأس التَّبرُّؤ عن النَّفْس، ومعنى غسل القدَمين التَّخلي عن الموجودات ليقوم بها إلى المناجاة، فإذا كبَّر خرج عن الكائنات، فالطهارة للنفوس، والصلاة بالقلوب.
стр. 7742
وتكلم يومًا فقال: أين المحبة والرِّضى، فإن لم يكن فأين الصِّدق والصَّفا، فإن لم يكن فأين الانتباه (١) والحيا، فإن لم يكن فأين التوبة (٢) والوفا، فإن لم يكن فأين التَّضرُّع والبُكا، فمن عري عن ذلك فلْيَبْك على نفسه أيام الدنيا.
وبكى باك في مجلسه وأكثر، فأنشد ابن عطاء: [مجزوء الرمل]
قال لي حين رُمتُه … كل ذا قد علمتُه
لو بكى طولَ دهره … بدَمٍ ما رَحِمتُه
وأنشد يومًا (٣): [من الطويل]
أُجِلُّك أن أشكو الهوى منك إنني … أُجِلُّك أن تُومي إليك الأصابعُ
وأُطرِق طَرْفي نحو غيرك عامدًا … على أنه بالرّغم نحوك راجع
وأنشد لنفسه: [من الطويل]
ومُسْتَحْسِن للهَجر والوصلُ أعذبُ … أُسائلُه وُدِّي فيأبى ويَهربُ
إذا جُدتُ مني بالصفا أظهر الجَفا … ولستُ بمُرْتابٍ ولا أنا مُذنبُ
تعلَّمتُ ألوانَ الرِّضى خوفَ هَجره … وعلَّمه حُبِّي له كيف يَغضبُ
ولي ألفُ باب قد عرفتُ طريقها (٤) … ولكن بلا قلب إلى أين أذهبُ
[وقال في "المناقب" أيضًا:] كان له أخ يحبّه فمرض، فكتب إليه ابن عطاء: [من البسيط]
يا ليت حُمّاه كانت بي مُضاعفةً … يومًا بشَهْر وأنَّ الله عافاهُ
فيُصبح السُّقْم من قَرْني إلى قدمي … ويَجعل الله منه البُرْءَ عُقباه
كم قلتُ للسُّقم كم ذا قد لَهجتَ به … فقال لي مثلَ ما تهواه أهواهُ
ذكر وفاته:
[واختلفوا فيها؛ حكى السُّلمي أنه] توفي في ذي القعدة ببغداد ودفن بها، وقيل: في
стр. 7743
سنة إحدى عشرة وثلاث مئة.
أسند الحديث عن جماعة، منهم الفضل بن موسى صاحب الإمام أحمد رحمة الله عليه، وصحب الجُنيد وأقرانه (١).
وفيها توفي
الحَلَّاج
واسمه الحسين بن منصور بن مَحْميّ، وكنيته أبو مُغيث، وقيل: أبو عبد الله.
وقد ذكر أخباره جماعة من أرباب السير كالقاضي أبو يوسف القَزويني الحَنَفيّ، وابن حَوْقَل، وثابت بن سنان، والخطيب وغيرهم، ونحن نأتي على معظم أقوالهم.
فأما أبو يوسف القزويني فقد جمع أخباره في مجلد، وقد وقفتُ عليه قال: كان جده مَحْمي مَجوسيًّا (٢) من أهل بيضاء فارس، ونشأ الحسين بواسط، وقيل: بتُسْتَر، وتَلْمَذ لسهل بن عبد الله التُّسْتَري، ثم قدم بغداد وخالط الصوفية، ولقي الجُنَيد، والنُّوري، وابن عطاء وغيرهم، وجالسهم، وكان في وقت يَلبس المُسوح، وفي وقت يلبس الثياب المُصَبَّغة، وفي وقت الأقبية.
[ذكر طرف من أخباره:]
واختلفوا لم سمّي الحلاج على أقوال:
أحدها أن أباه منصورًا كان حلاجًا بواسط.
والثاني أنه تكلم على الناس وعلى ما في قلوبهم فقالوا: هذا حَلاج يَحْلُج الكلام.
والثالث ذكره السُّلَمي قال (٣): مرَّ على حلاج وقال له: اذهب في شغل كذا وكذا، فقال: أنا مَشغول بصَنْعتي، فقال: اذهب وأنا أُعينك على شُغلك، فذهب الرجل وعاد، فإذا جميع ما في دكانه من القطن مَحْلوجًا، فسمي الحلاج.
стр. 7744
[وقال أبو يوسف: ثم] طاف الدنيا، ودخل الهند، وعبر النَّهر، وكان قد تلمذ له جماعة في البلاد؛ فبعضهم يُكاتبه بالمُغيث، وبعضهم بالمُقيت، ويسميه أقوام المُصْطَلم، وقوم المُحَيّر، وحج وجاور ثم أقام بمكة.
[وقال الخطيب: ذكر عن أبي يعقوب النَّهْرَجوري قال: دخل الحسين إلى مكة وذلك] أول في خوله إليها، فجلس في صَحْن المسجد سنةً لا يَبْرَح من موضعه إلا للطهارة والطواف، ولا يبالي بحرِّ الشمس ولا المطر، وكان يُحمل إليه في كل عشية قرص من أقراص مكة وكوز من ماء، فيعضُّ منه أربع عَضَّات ويردُّ الباقي، ويصعد على أبي قُبَيْس وقت الهاجرة، فيقعد على صخرة والعرق يسيل منه، فرآه أبو عبد الله المغربي فقال: سوف يبليه الله ببلاء لا يطيقه؛ قعد بحُمْقِه يتصبّر على الله تعالى (١).
وقيل: إنه (٢) لما أقام بمكة حسده أبو يعقوب النَّهْرَجوري، فتكلّم فيه فخرج إلى البصرة، ثم دخل إلى الهِنْد وتُرْكسْتان والصِّين (٣)، وصنف الكتب، ودعا إلى الله، وكوتب من البلاد ما ذكرنا.
ثم قدم بغداد فبنى بها دارًا، واشترى عقارًا، واختلف إليه الناس، وسمعوا كلامه فوثب عليه محمد بن داود الفقيه والجنيد.
واختلف الناس فيه، فقوم يقولون: إنه ساحر، وقوم يقولون [: له كرامات، وقوم يقولون:] مُنمّس، حتى أخذه السلطان فحبسه.
وقال أبو بكر الصُّولي: رأيتُ الحَلَّاج وجالستُه، فرأيته جاهلا يتعاقل، وعَييًّا يتبالغ، وفاجرًا يتزهّد، وكان ظاهره أنه ناسك صوفي، فإذا علم أن أهل بلده يرون الاعتزال صار معتزليًّا، أو يرون الإمامة صار إماميًّا، أو رآهم سنة صار سنيًّا، وكان يعرف الشَّعْبَذة والكيمياء والطب، وكان مع جهله خبيثًا، ينتقل في البلدان، ويدعي الربوبية.
وكان يقول لواحد من أصحابه: أنت آدم، ولآخر: أنت نوح، ولآخر: أنت إبراهيم، ولآخر: أنت موسى، ولآخر: أنت عيسى، ولآخر: أنت محمد، ويدّعي
стр. 7745
التناسخ، وأن أرواح الأنبياء انتقلت (١) إلى أجسامهم.
وحكى الخطيب بإسناده إلى علي بن أحمد الحاسب قال: حدثني أبي (٢) قال: وجَّهني المعتضد إلى الهند، وكان معنا في السفينة رجل يعرف بالحسين بن منصور، فقلت (٣) له: في أي شيء جئت إلى هاهنا؟ فقال: جئتُ لأتعلم السِّحر، وأدعو الخلق إلى الله تعالى.
وقال الخطيب: لما افتُتن الناس بالأهواز وكُوَرها بالحلاج، وما يُخرجه لهم من الأطعمة والأشربة في غير حينها (٤)، والدَّراهم التي سماها دراهمَ القُدرة، حُدّث أبو علي الجُبَّائي بذلك، فقال لهم: هذه الأشياء محفوظة في أماكن تمكن الحِيل فيها، ولكن أدخلوه إلى بيت من بيوتكم، وكلّفوه أن يُظهر لكم منها شيئًا، فإن فعل فصدّقوه، وبلغ الحلاج قوله، وأن قومًا عَملوا على ذلك؛ فخرج من الأهواز.
وحكى الخطيب، عن محمد بن يحيى الرَّازي قال: سمعت (٥) عمرو بن عثمان يلعن الحلاج ويقول: لو قدرتُ عليه لقتلتُه بيدي؛ قرأت يومًا آية من كتاب الله تعالى فقال: أقدر أن أؤلّف مثلها.
وحكى أيضًا عن أبي زُرعة الطبري قال: [سمعت أبا يعقوب الأقطع يقول:] زوّجت ابنتي من الحسين بن منصور الحلاج لما رأيت من حسن طريقته، فبان لي بعد مدة يسيرة أنه ساحر مُحتال خَبيث كافر (٦).
وقال الصولي: أول من أوقع بالحلاج أبو الحسين (٧) علي بن أحمد الرَّاسبي، فأدخله بغداد وغلامًا له على جَملين قد شهرهما، وذلك في ربيع الأول (٨) سنة إحدى
стр. 7746
وثلاث مئة، وكتب معهما كتابًا يذكر فيه أنه قامت البيّنة عنده بأن الحلاج يدّعي الربوبية، ويقول بالحُلول، فأحضره علي بن عيسى، وأحضر الفقهاء فناظروه، فأسقط في لفظه، ولم يجده يُحسن شيئًا من القرآن ولا من غيره، فحبسه في دار الخليفة.
[وقال الصولي:] قيل: إنه كان يدعو في أول أمره إلى الرضا من آل محمد ﷺ ، فسُعي به فضرب، وكان يُري الجاهل شيئًا من شَعْبَذَته، فإذا وثق به دعاه إلى أنه إله، فدعا فيمن دعا أبا سَهْل بن نُوبَخْت، ثم ترقّت به الحال إلى أن دافع عنه نصر الحاجب، لأنه قيل له: إنه سُنّي، وإنما تُريد الرافضة قتلَه، ووُجد في رقاعه وكتبه: إني مُغرق قوم نوح، ومُهلك عاد وثمود، وإن الإنسان إذا صام ثلاثة أيام ولياليها ولم يفطر، وأخذ في اليوم الرابع ورقات هِنْدَباء وأفطر عليها أكناه عن صوم رمضان، وإذا صلى ركعتين في ليلة أغناه ذلك عن الصلوات، وإذا بنى بيتًا وصام أيامًا ثم طاف حوله عُريانًا أغناه عن الحج، وذكر جملة من هذه الحماقات.
وذكر ابن حَوْقل في كتاب "الأقاليم" وقال: ظهر (١) من إقليم فارس الحسين بن منصور، من أهل البيضاء، كان حَلَّاجًا ينتحل النُّسُك والتصوف، فما زال يترقَّى طبقًا عن طبق حتى انتهى به الحال إلى أنه زعم: أن مَن هذب في الطاعة جسمَه، وشغل بالأعمال الصالحة قلبَه، وصبر على مُفارقة اللذّات، وملك نفسه بمنعها عن الشَّهَوات؛ ارتقى إلى مقام المُقَرَّبين، ومنازل الكرام الكاتبين، ثم لا يزال يترقّى في درج المصافاة حتى يصفو عن البشريّة طبعُه، فإذا صفا حل فيه روح الله الذي كان منه عيسى بن مريم، فيصير مُطاعًا يقول للشيء كن فيكون.
فكان الحلاج يتعاطى ذلك، ويدعو إلى نفسه، حتى استمال جماعةً من الوزراء، وحاشية السلطان والأُمراء، وملوك الجزيرة والعراق والجبال، وما كان يمكنه الرجوع إلى فارس خوفًا من أهلها، حتى أُخذ وحُبس بدار الخلافة ثم صُلب (٢).
ذكر مقتله:
قد ذكرنا أنه حُبس في سنة إحدى وثلاث مئة بدار الخلافة، فأقام إلى هذه السنة
стр. 7747
وهي سنة تسع وثلاث مئة، قال الشيخ أبو الفرج (١) في "المنتظم": قد كان هذا الرجل يتكلَّم بكلام الصوفية، فتَبْدُر له كلمات حِسان، ثم يخلطها بأشياء لا تجوز، وكذلك أشعاره، فمن المنسوب إليه: [من السريع]
سُبحان مَن أظهر ناسوتَه … سِرّ سَنا لاهوته الثاقبِ
ثم بدا في خلقه ظاهرًا … في صورة الآكل والشّاربِ
حتى لقد عاينه خلقُه … كلَحْظَةِ الحاجبِ بالحاجب
قال: ولما حُبس استغوى جماعةً فكانوا يستشفون بشُرب بَوله، ويقولون: إنه يُحيى الموتى.
وقال الصُّولي: لما وقف حامد بن العباس الوزير على شيء من كتبه دعا القُضاة والفقهاء والأشراف، وجرت بينهم مُناظرات، فقال لهم حامد: ما تقولون في قتله؟! فنطق بالشهادتين (٢)، فقالوا: لا يمكن قتله بعدها، فأحضروا الرقاع والدفاتر التي أُخذت من عنده، وفيها: أن مَن أراد الحج ولم يُمكنه انفرد في بيت طاهر، وصام وصلى، وفعل أفعال المناسك؛ أجزأه ذلك عن الحج [وذلك من جنس ما ذكرنا من حماقته]، فقال له حامد: أتعرف هذا وتدين به؟ قال: نعم، قال: فمن أي كتاب نقلتَه؟
فقال: من كتاب "الإخلاص" للحسن البَصْري (٣)، وكان القاضي أبو عمر حاضرًا، فقال له: كذبتَ يا حَلال الدَّم، قد سمعنا كتاب الإخلاص بمكة منه وليس فيه شيء من هذا، فقال حامد للقاضي: قد أفتيت بأنه حلال الدم، فضع خَطَّك بهذا، فدافع القاضي ساعة، فمد حامد يده إلى الدَّواة، وقدَّمها إلى القاضي، وألحَّ عليه إلحاحًا لم يمكنه مدافعتُه، فكتب بأنه حلال الدم، وكتب الفقهاء والعلماء خطوطهم بذلك؛ والحلاج يقول: يا قوم، لا يحلّ لكم إراقة دمي، دمي عليكم حرام، أتستحلُّونه بالتأويل؟! فلم يلتفتوا إليه، وردّه حامد إلى الحبس، وبعث بخطوطهم إلى المقتدر، واستأذنه في قتله، فتأخر عنه الجواب (٤)، فخاف أن يبدو للمقتدر فيه رأيٌ لما قد استمال من الخواصِّ، وما كان يُظهر من الزُّهد والنُّسك والرياضة والصيام والعبادة في
стр. 7748
الحبس، فكتب حامد إلى المقتدر: قد أفتى الفقهاء والقضاة بقتله، وشاع أمرُه ومَخْرَقَتُه وسحره، وادعاؤه الربوبية، وإن لم يفعل أمير المؤمنين ما أفتى به القاضي والفقهاء افتُتن الناس، وتجرّأ أقوام على الله والرسل.
وبالغ حامد في نُصرة ما دبّره خوفًا أن ينعكس عليه أمره، فأذن له المقتدر في قتله، فأحضر حامد بن العباس محمد بنَ عبد الصمد صاحب الشرطة، وأمره أن يضربه ألف سَوْط، فإن مات وإلا قطع يديه ورجليه، فأخرجه يوم الثلاثاء لثلاث بقين من ذي القعدة، وقيل: لست بقين منه، مقيَّدًا إلى باب الطَّاق وهو يَتَبَخْتر في قَيده ويقول: [من الهزج]
حبيبي غير مَنسوبٍ … إلى شيءٍ من الحَيْفِ
سقاني مثل ما يَشْر … بُ فِعْل الضَّيف بالضَّيفِ
فلما دارتِ الكأسُ … دعا بالنِّطْعِ والسَّيفِ
كذا مَن يشربُ الرَّاحَ … مع التنِّينِ في الصَّيفِ (١)
[وقال أبو يوسف القَزويني: قد ظنّ قوم أن هذه الأبيات للحلاج، وإنما هي لأبي نُواس، كان يُنادم الأمين محمد بن زُبَيدة، فنادمه ليلة -وكان محمد من أحسن الناس- فغلب عليه الشراب، فقال له: يا أبا نواس، ما تقول، أتشتهيني نفسك؟ فقال: أوَ تُعفيني؟ فقال: لا بدّ، فقال: من الذي يَراك ولا يَشتهيك؟! فغضب الأمين وأمر بقتله، وقال: قل فيما نحن فيه شيئًا، فعمل هذه الأبيات، فضحك الأمين وعفا عنه.] (٢)
وقال ثابت بن سنان [في "تاريخه"]: انتهى إلى حامد بن العباس في أيام وزارته أمرُ الحلاج، وأنه قدَّموه على جماعة من الخَدَم والحَشَم وأصحاب المقتدر، وعلى خدم نصر الحاجب، وحَمد بن محمد (٣) الكاتب، وأن حمد كان يشرب بوله ويقول: إنه مَرض فشربه فعُوفي (٤)، وكان مَحبوسًا بدار الخلافة، فسأل حامد المقتدر أن يسلمه
стр. 7749
إليه فأجابه إلى ذلك، وسُعي إلى حامد برجل يعرف بالسّمري أنه من أصحاب الحلاج وبجماعة، فقبض عليهم حامد وناظرهم، فاعترفوا أن الحلاج إله، وأنه يُحيي الموتى، وأوقفوا الحلاج وكاشفوه، فأنكر وقال: أعوذ بالله من ذلك، واستحضر حامد القاضي أبا عمر، والقاضي أبا جعفر بن البهلول، وجماعة من الشهود، واستفتاهم فيه فقالوا: لا يحلُّ لنا أن نُفتي فيه بشيء حتى يُقرّ، أو تقوم عليه البَيّنة [، فأقام على ذلك حتى وجدت له كتب من جنس ما ذكرنا].
وكانت ابنة السمري صاحا الحلاج قد أقامت عنده في دار السلطان مدة، وكانت عاقلة حَسنةَ العبارة، فدعاها حامد فسألها عن بعض أمره فقالت: قال لي يومًا: قد زوَّجتُك من سليمان ابني، وهو مقيم بنيسابور، وليس يخلو أن يقع بين المرأة وزوجها خلاف، فإن جرى منه ما تكرهينه فصومي يومَك، واصْعَدي آخر النهار إلى السَّطح، وقومي على الرَّماد، وأفطري عليه وعلى الملح الجَريش، واذكري لي ما أنكرتيه من زوجك؛ فإني أسمع وأرى.
قالت: وكنت نائمة ليلة وهو قريب مني وابنته عندي، فما حسستُ به إلا وقد غَشيني، فانتبهتُ فَزِعةً فقلت: ما لك؟ فقال: إنما جئتُ لأوقظك للصلاة.
قالت: وقالت لي ابنته يومًا: اسجدي له، فقلت: أو يسجد أحدٌ لغير الله -وهو يسمع كلامنا- فقال: نعم، إله في السماء وإله في الأرض.
وذكر [العجائب والغرائب، وذكر] حديث تسليمه إلى صاحب الشرطة [وهو محمد بن عبد الصمد] وأن حامدًا قال له: اضربه ألفَ سَوط، فإن مات فحُزَّ رأسَه، وأحرق جثَّته، وإن لم يَتلَفْ بالضرب فاقطع يده ثم رجله، ثم يده ثم رجله، وأحرق جسدَه، وانصِبْ رأسَه على الجسر، ففعل به محمد ذلك، وبعث برأسه إلى خُراسان فطيف به، وأقبلت أصحابه يَعدُّون أربعين يومًا ينتظرون رجوعَه.
واتفق أن دجلة زادت زيادة عظيمة، فزعموا أن ذلك من رماده (١)، وبعض أصحابه
стр. 7750
زعم أنه لم يُقتل، وأن عدوًا له أُلقي عليه شَبَهه؛ كما جرى لعيسى بن مريم ﵇.
وبعضهم ادّعى أنه رآه في غد ذلك اليوم في طريق النَّهْرَوان راكبًا على حمار وهو يقول: قولوا لهؤلاء البقر الذين ظنوا أنني أنا الذي قتلت: ما أنا ذاك.
وأحضر حامد الوراقين، واستحلفهم أن لا يبيعوا شيئًا من كتب الحلاج ولا يشترونها [، وهذا معنى ما ذكر ثابت].
وقال في "المناقب": لما رُفع على الجِذْع بعد أن ضُرب ألف سَوط ولم يتأوَّه؛ غير أنه لما ضُرب ست مئة قال لمحمد صاحب الشرطة: ادْنُ مني فلي معك حديث، فقال: قد حُذِّرت مثل هذا، ثم لما رفع على الجذع قال: [حسب الواجد إفراد الواحد، ثم قال:] ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى: ١٨] ولم يبق ببغداد إلا من شهد قتله (١).
وقيل له وهو على الجِذْع: ما حَدُّ التصوف؟ فقال: ما ترون.
وروي أنه التفت إلى الناس وقال: مَن حضر بطلت شهادته، ومن غاب عنا قُبلت عدالتُه.
وروي أن بعض الصوفية ناداه وهو مَصْلوب: مَن طَلَّق الدنيا كانت الآخرة زوجته، ومَن فارق الحق كان الجِذْع راحِلَته.
ويُروى أنهم لما قطعوا يده كتب الدمُ على وجه الأرض: الله الله، وليس بصحيح [ومعناه ظاهر؛ لأن الدم نَجِس، والنجس لا يكتب الطاهر.
قلت:] وقد اختلف مشايخ الصوفية فيه، [قال الخطيب:] فأكثرهم نفاه وأباه، وبعضهم قبله، وممن قبله: أبو العباس بن عَطاء، ومحمد بن خَفيف الشِّيرازي، وإبراهيم بن محمد النَّصْراباذي، وصحَّحوا حاله، ودوَّنوا كلامَه.
قال: ومَن نفاه من الصوفية نسبه إلى الشَّعْبَذة والزَّنْدَقة، وله إلى الآن أصحاب يُنسبون إليه، ويَغْلون فيه.
وقال ابن خميس في "المناقب": صحب الجُنَيد، والنُّوري، وعَمرو بن عثمان
стр. 7751
المكّي، والمشايخ في أمره مختلفون، ردّه أكثرهم كالجنيد وأقرانه، وأنكروا أن يكون له قَدَمٌ في التصوُّف، وقبِلَه بعضهم، ودوّنوا كلامَه، وجعلوه أحد المحقّقين (١).
[وذكر في "المناقب" جملة من كلامه، فقال الحسين بن منصور:] (٢) حجبهم بالاسم فعاشوا، ولو أبرز لهم علومَ القُدْرة لطاشوا، ولو كشف لهم عن الحقائق لماتوا.
وقال: إذا وصل العبد إلى مَقام المعرفة أوحى الله إلى خاطره، وحرس سره أن يَسْنَح فيه غيره، وعلامة العارف أن يكون فارغًا من الدنيا والآخرة.
وقال: مَن طلب الحقَّ بنور الإيمان كان كمَن طلب الشمس بنور الكواكب.
وكتب إلى أبي العباس بن عطاء: أطال الله حياتَك، وأعدَمَني وَفاتَك، على أحسن ما جرى به خاطر، أو تحرك به قلب، مع ما أن لك في قلبي من لواعج الاشتياق، ومن أسرار مَحبتك، ودَفائن (٣) ذخائر مَوَدَّتك، ما لا يُترجمه لسان، ولا يُحصيه كتاب، ولا يُفنيه عِتاب، وفي ذلك أقول: [من الطويل]
كتبتُ ولم أكتب إليك وإنما … كتبتُ إلى روحي بغير كتابِ
وذاك لأن الرُّوح لا فَرْقَ بينها … وبين مُحبِّيها بفَصْل خطابِ
فكلُّ كتابٍ صادر منك وارد … إليك بلا ردّ الجَواب جَوابي
ومن شعره: [من الطويل]
مواجيد حقٍّ أوجد الحقُّ وجدها (٤) … وإن عَجَزت عنها فُهومُ الأكابرِ
وما الوَجْدُ إلا خَطْرةٌ ثم نَظرةٌ … تُثير لَهيبًا بين تلك السَّتائر
وسئل عن حال موسى ﵇ عند سماع الكلام فقال: بدا بادٍ لموسى من الحق، فلم يبق له أثرٌ [، ثم فني] موسى عن موسى (٥)، وأنشد: [من الكامل]
وبدا له من بعد ما انْدَمَل الهوى … بَرْقٌ تألَّق موهنًا لَمَعانُه
стр. 7752
يَبدو كحاشية الرِّداء ودُونَه … صَعْبُ الذرى مُتَمَنِّع أركانُه
فأتى ليَنْظُرَ كيف لاح فلم يُطِقْ … نَظَرًا إليه وصَده سُبحانه
فالنارُ ما اشتملتْ عليه ضُلوعُه … والماء ما سَمَحتْ به أجفانُه
وقال أيضًا: [من الرمل]
مُزِجَتْ روحُك في روحي كما … تُمزَج الخَمْرةُ بالماء الزُّلال
فإذا مَسك شيءٌ مسَّني … فإذا أنت أنا في كلِّ حال
وقال أيضًا: [من مجزوء الرمل]
قد تحققتُك في … سِري فناجاك لساني
فاجتمعنا لمَعانٍ … وافترقْنا لمعاني
إن يكن غَيبَك … التَّعظيم عن عَين العِيان
فلقد صَيَّرك الوَجْدُ … من الأحشاء دانِ
وقال أيضًا: [مجزوء الكامل]
دُنيا تُغالِطُني كأنـ … ـني لستُ أعرفُ حالها
حَظَر الإلهُ حَرامَها … وأنا اجتَنَبْتُ حلالها
ورأيتُها مُحتاجةً … فوهَبْتُ جُملتَها لها
وقال الخطيب: حدثنا أبو العلاء قال: لما أُخرج الحلاج ليُقتل أنشد: [من الوافر]
طَلَبتُ المُسْتَقَرَّ بكلِّ أرضٍ … فلم أر لي بأرضٍ مُستَقَرّا
أطَعْتُ مَطامعي فاستَعْبَدَتْني … ولو أني قَنِعْتُ لعِشْتُ حُرّا
[قلت: وقد جمع جدي أخبارَه في كتاب، جمعها من كتاب أبي يوسف القزويني، والصُّولي، وثابت بن سنان، والخطيب وغيرهم، وسماه: "القاطع لمحال اللجاج بحال الحلاج" (١)، وذكره في مواضع من كتب وعظه فقال: انكسر مِغْزل رابعة، وبقي قطن الحلاج.
وسأله سائل عن الحلاج فقال: ما يسأل عن الحلاج إلا الحائك، وغير ذلك. وهذا
стр. 7753
ما انتهى إلينا من ترجمة الحلاج، والله أعلم] (١).
وفيها توفي
عبد الله بن محمد
أبو محمد، الخَرَّاز، الرَّازي.
[من كبار مشايخ أهل الري] جاور بمكة سنين كثيرة، وكان ورعًا قوَّالًا بالحق، مُتَحرِّيًا للصدق.
[ذكره في "المناقب" وقال:] خرج من أصحابه عشرون نَفْسًا من الرَّي يريدون الحج، فقالوا: يا أستاذنا، ألا تُودّعنا؟ فقال: بلى، فخرج معهم إلى بطن مَرْو، وقال: أستودعكم الله، فقالوا: يا أستاذنا، قد بقي بينك وبين مكة ثمانية عشر ميلًا وترجع من هاهنا؟ فقال: ما خرجتُ إلا مودِّعًا لكم وأنا راجع إلى الري أعقد الحج وألحقكم، وكان قد بقي للموسم خمسة أشهر، فعاد إلى الري، فأعقد الحج ولحق الموسم معهم.
من كلامه:
وقال: العبارات يَفهمها العلماء، والإشارات تعلمها الحكماء، واللطائف لا يقف عليها إلا السادات.
وقال: صيانة الأسرار عن الالتفات إلى الأغيار من علامات الإقبال على الله.
[صحب أبا حَفْص النَّيسابوري وغيره (٢).
وفيها توفي]
محمد بن خَلَف
ابن المَرْزُبان بن بَسَّام، أبو بكر المُحَوَّلي، والمُحَوَّل قرية غربي بغداد كان يسكن بها.
стр. 7754
له التصانيف الحِسان، وقيل: هو مصنف كتاب "تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب" [، وهو كتاب مشهور].
حدّث عن الزبير بن بكار، [وابن أبي الدنيا] وغيرهما، وروى عنه ابن الأنباري وغيره، وكان صدوقًا ثقة.
كتب إلى صديق له هَجَره: [من الخفيف]
أجَميلٌ بالمَرْءِ يُخْلِفُ وَعْدا … أو يُجازي المُحِبَّ بالقُرْب بُعدا
ما مَللْناك إذ مللتَ ولم ننـ … ـفكّ نزدادُ مُذْ عَرَفْناك وُدَّا
لك مُذْ دام صَرْفُ وَجْهِك أيا … مْ طِوالْ أعُدها لك عَدَّا
وتناهى إليَّ أمسِ حديثٌ … كاد يقضي علي حُزْنًا ووَجْدا
أدرك الحاسِدُ الشِّماتَ وقد كا … ن قديمًا لهَجْرنا يَتَصَدَّى (١)
محمد بن راشد (٢) بن مَعْدان
أبو بكر، الثَّقَفي مولاهم، الحافظ، مُحدّث بن محدث.
طاف الدنيا، ولقي الشيوخ، وصَنَّف الكتب، وتوفي بكَرْمان.
حدّث عن يونس بن حَبيب وغيره، وروى عنه ابن المُنادي وغيره، وكان صدوقًا صالحًا ثقة (٣).
* * *
стр. 7755
السنة العاشرة وثلاث مئة
فيها مرض عليٌّ بن عيسى، فعَزَم المقتدرُ على عِيادته، وبعث إليه ولده هارونَ [بن المقتدر]، ومؤنسًا [الخادم]، وجميعَ الخاصَّة، وأخبره مؤنسٌ [الخادم] أنَّ المقتدر عَزَم على عيادته، فانزعج، وسأل مؤنسًا أن يُعفى من ذلك، ثم أصبح وركب إلى دار الخليفة على ضَعْفٍ فيه؛ خوفًا لأن يعوده المقتدر.
وفيها قبض المقتدرُ على أمِّ موسى القَهْرَمانة وأهلها وأسبابها في رمضان، واختلفُوا في السبب، فذكر ثابت بن سنان أنَّ أمَّ موسى زوَّجَت (١) ابنةَ أخيها أبي بكر محمدَ بنَ إسحاق بن المتوكّل على الله، وكان محمد من وجوه بني هاشم [وأولاد الخلفاء، وكانت له نعمة، وكان] حسنَ المروءة، كثيرَ النّعمةِ والغلمان والمواكب، وكان يُرشَّح للخلافة، [فلما وقعت المصاهرةُ بين أمّ موسى وبينه مُكّنَ] أعداؤها من السَّعْي عليها، وكانت [قد] أسرفَت في نَثْر المال على صهرها، وبلغ المقتدر أنَّها تريد أنْ تسعى له في الخلافة، فكاشفَتها السيدةُ أمُّ المقتدر وقالت: قد دبرْتِ على الخليفة، وصاهَرْتِ ابنَ المتوكل حتى تُقْعِديه في الخلافة، وجَمعْتِ له الأموال؟!
وسلَّمَتها وأخاها وأختَها إلى ثَمَل القَهْرَمانة، وكانت ثَمَل موصوفة بالشرّ، قاسيةَ القلب، تُعاقب بأشدِّ العقوبات، فبسطَت على أمّ موسى وأهلها العذابَ، فاستخرجت منهم أموالًا عظيمةً وجواهرَ نفيسة، ومن الطيب والثياب والفُرُش والكسوة ما يَعظُم مِقدارُه، فيقال: إنَّه حصل من جهتهم ما مقدارُه ألفُ ألفِ دينار.
[وهذا قول ثابت بن سنان وأما غيره فقال:] إنَّ المقتدر اعتَلَّ، فبعثَت أمُّ موسى إلى بعض أهله ليقرِّرَ له الأمرَ، فكان ذلك سببَ القبض عليها، والأول أصحّ (٢).
وفي هذه السنة صرف المقتدرُ [أبا جعفر] أحمد بنَ إسحاق بن البُهْلُول عن القضاء
стр. 7756
بمدينة السلام، واستقضى [أبا الحسين] عمر بن الحسن الشَّيباني، المعروف بابن الأُشْناني، فجلس يوم السبت للحكم لسبعٍ بقين من ربيع الآخر، وصرف يوم الأحد، ولم يُرَ قاضيًا ولي يوم الخميس وصرف يوم الأحد غيره، أقام ثلاثة أيام بعد أن خلع عليه المقتدر (١).
[قال الخطيب:] وكان من جِلَّة الناس، ومن أصحاب الحديث، والحُفَّاظ المُجَوِّدين، وكان قد وَلي القضاء بالشام، والحِسْبَةَ ببغداد (٢). وسنذكره في سنة ثمان عشرة وثلاث مئة إن شاء الله تعالى.
وفي النصف من رمضان استقضى المقتدر عمرَ بنَ محمد بن يوسف بن يعقوب، وكان قبل ذلك يَخْلُفُ أباه على القضاء بالشرقية، ثم ولي قضاءَ مدينة أبي جعفر في حياة أبيه.
وفيها قلَّد المقتدرُ نازوك الشرطةَ بمدينة السلام مكانَ محمد بن عبد الله بن طاهر (٣).
وفيها بعث الحسين بن أحمد الماذرائي من مصر إلى المقتدر هدايا، وفيها بغلة معها فلُوّ يتبعُها ويَرضَعُ منها، وغلامٌ طويل اللسان يضربُ لسانُه طرفَ أنفه.
وفي يوم الفطر ركب الأميرُ أبو العباس بن المقتدر إلى المصلَّى، ومعه حامد بن العباس، وعلي بن عيسى، ومؤنس المُظَفَّر، وصلى بالناس إسحاق بن عبد الملك الهاشمي (٤)، و [كان] إسحاق [قد] حج بالناس [في هذه السنة] أيضًا.
وفيها توفي
بدر الحَمَاميّ الكبير
أبو النَّجم، المُعْتَضِديّ (٥).
стр. 7757
كان في بدايته مع أحمد بن طولون بمصر، فولّاه الأعمال الجليلة، ومات أحمد، فأقام عند ابنه خُمارَويه، ولمَّا حاصر القِرْمِطيُّ دمشق في خلافة المكتفي، كان بها طُغْج [بن جُفّ الفَرْغاني] من قِبَل ابن طولون، جهَّز ابنُ خمارويه بدرًا [الحَمامي] في العساكر إلى دمشق مَدَدًا لطُغْج [بن جُفّ]، فلقي بدرٌ القرمطيَّ على كُناكِر من حَوران فقتله، ثم انصرف بدرٌ راجعا إلى مصر، فرُدَّ من الطريق واليًا على دمشق من قبل هارون بن خُمارويه، فقدمها في سنة تسعين ومئتين، فلما قتل هارون بن خمارويه قدم العراق -وقد ذكرناه- وقدم أصبهانَ (١) سنةَ ثلاث وثمانين ومئتين لإخراج عمرَ بن عبد العزيز، وقدمها واليا عليها سنةَ خمسٍ وتسعين، فتولَّاها إلى سنة ثلاث مئة.
وكان عادلًا، حسنَ السيرة، مُحبًّا للعلم وأهله، ومنعَ الجندَ أنْ ينزلوا دورَ الناس بأصبهان، وكان يُقرِّب العلماء، ويرفَعُ منهم (٢).
ولما قدم من الشام إلى بغداد ولاه السلطان فارسَ، فأقام بها إلى أنْ مات.
[قال أبو نعيم:] وكان صالحًا مُستجابَ الدعوة، وطالت أيامُه فتمهَّدَت به البلاد، ويقال: إنَّه مات بشِيراز، وحُمِل إلى بغداد.
ووقع يومًا من فرسه، فقال المُعوَّج الأنطاكي: [من البسيط]
لا ذَنْبَ للطِّرْفِ إنْ زَلَّت قوائمُه … وليس يَلحقُهُ من عائبٍ دَنَسُ
حَملتَ بأسًا وجودًا فوقَه وندًى … وليس يَقوى على ذا كلِّه الفَرَسُ
أسند الحديث عن هلال بن العلاء الرَّقِّي وغيره، وروى عنه ابنُه محمد بن بدر الأصبهاني (٣).
ولما مات ولَّى المقتدرُ ابنَه محمدا مكانَه.
[وقال ثابت بن سنان:] مات سنة إحدى عشرةَ وثلاثَ مئة في صفر، [وكان على فارس وكَرْمان،] ودُفن بشيراز، ثم نُبِش وحُمل في تابوت إلى دار السلام.
стр. 7758
محمد بن جرير
ابن يزيد بن كثير بن غالب، أبو جعفر، الطَّبَري، صاحبُ التاريخ وغيره (١).
وُلد في آخر سنة أربع وأوَّل سنة خمس وعشرين ومئتَين، وكان أسمرَ، مَديدَ القامة، أعينَ، مُلتَفَّ الجسمِ، فصيحَ اللسان، حسنَ الوجه.
ولد بآمُل (٢)، ثم نزل بغداد فاستوطنها، وأقام بها، وهو أحدُ أئمة العلم، يُحكَم بقوله، ويُرجَع إلى رأيه لفضله ومعرفته.
وكان قد جمَعَ من العلوم ما لم يُشاركه فيه أحد من أهل عصره.
وكان حافظًا لكتاب الله، بصيرًا بمعانيه، عالمًا بالسُّنَن وطُرقها، وناسخها ومنسوخها، عارفًا بالفقه وأقوالِ الصحابة والتَّابعين، عالمًا بالأحكام والحلال والحرام، وأيام الناس وأخبارهم، وله الكتاب المشهور في التاريخ، وله كتاب التفسير لم يُصنَّف مثلُه، وكتاب "تهذيبُ الآثار" لم يُتَمِّمْه، وكتاب "أصول الفقه وفروعه"، وغيرُ ذلك، وتفرَّد بمسائلَ حُفِظَت عنه.
وأقام أربعينَ سنةً يكتبُ كلَّ يوم أربعينَ ورقةً.
وقال يومًا لأصحابه: أتَنْشَطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم مقدارُه؟ قال: ثلاثون ألف ورقة، فقالوا: هذا شيءٌ تفنى الأعمارُ قبل تمامه، فاختصره في نحو ثلاثةِ آلافِ ورقة، ثم قال: أتَنْشَطون لتاريخ العالم من آدمَ إلى وقتنا؟ قالوا: وكم مقدارُه؟ فذكر نحوًا مما ذَكَر في التفسير، فأجابوا بمثل ذلك، فقال: إنا لله، ماتَت الهِمَمُ. ثم اختصره في نحو ما اختصر به التفسير.
وأثنى عليه ابنُ عساكر وقال: صفّف (٣) بضاعةً فسُرِقت، فاحتاج، وأفضى به الحال
стр. 7759
حتى باع كُمَّي قميصِه، فقال له بعض أصدقائه: أتَنْشَطُ لتأديب بعضِ ولد الوزير أبي الحسن عُبيد الله بنِ يحيى بن خاقان؟ قال: نعم.
فمضى الرجل، وأحكم أمْرَه، وعاد إليه، فأوصلَه إلى الوزير بعد أنْ أعارَه ما يَلبَسُه، فلما رآه عُبيد الله قرَّبه، ورفع مجلسَه، وأجرَى عليه في كل شهرٍ عشرةَ دنانير، فلما جلس الولدُ بين يديه كتَّبه في اللوح، فكتب من ساعته، فأخذ الخادمُ اللوحَ ودخل مُستبشرًا، فلم تَبْقَ جاريةٌ إلا وأهدَت له صينيَّةً فيها دنانير ودراهم، فرد الجميعَ وقال: قد شُورِطْتُ على شيءٍ، فما آخُذُ غيرَه.
وبلَغَ الوزيرَ، فأحضره وعاتَبه على ردِّه، فقال: هؤلاء عبيدٌ، والعبيدُ لا يَملكون، والشَّرطُ أملَكُ. فعَظُم في عينه.
وقال ابن عساكر: عزم المكتفي على أنْ يُوقِفَ وقفًا يجمع أقاويلَ العلماء (١)، فجمعهم وفيهم ابنُ جرير، فكتب كتاب الوقف، وسَلِمَ من الخلاف على ما أراد المكتفي، فأعجبه، فأرسَلَ إليه بجائزة فردَّها، فقال له صافي الحرمي: أنتَ عند ستر أمير المؤمنين، وهو يسمعُك، ومَن وصل إلى هاهنا لم يخرج إلا بجائزة أو حاجة مَقضيَّة، فقال له: أما الجائزةُ فلا أقبلها، وأما الحاجةُ فأسألُ أنْ يَتقدَّمَ إلى صاحب الشُّرطة بمنع السُّؤال يوم الجمعة من دخول المقصورة التي في الجامع حتى تنقضيَ الجمعةُ، فتقدَّم الخليفةُ بذلك، وعَظُم في نفوسهم.
وكان ابن جرير يميلُ إلى مذهب الظاهرية، واختارَ له مذهبًا، وكان يمسَحُ على قدمَيه ولا يغسلهما عملًا بظاهر الآية، فنُسِبَ إلى الرفْض.
وقال محمد بن إسحاق بن خُزَيمة: التمس العباسُ بنُ الحسنِ بنَ جرير أن يُؤلفَ له كتابًا في الفقه، فألَّفه وبعَثَ به إليه، فأرسل إليه العباسُ ألفَ دينار، فردَّها وقال: معاذَ الله أنْ آخُذَ على العلم أجرًا.
وقال الفَرْغانيّ: كان الطبري قد وقَفَ على علم الشافعيِّ، ثم أداه اجتهادُه ودينُه ونُصحه للمسلمين بأن اختارَ لنفسه قولًا لم يجد فيه نصًّا (٢).
стр. 7760
ومن شعره: [من الوافر]
إذا أعْسَرْتُ لم يعلمْ رفيقي … وأَستَغني فيَستغني صديقي
حَيائي حافظٌ لي ماءَ وَجهي … ورِفْقي في مُطالبتي رفيقي
ولو أنِّي سمَحْتُ ببَذْل وَجْهي … لكنتُ إلى الغِنى سهلَ الطريقِ
وقال أيضًا: [من الكامل]
خُلُقانِ لا أرضَى طريقَهما … بَطَرُ الغِنى ومَذلَّةُ الفقرِ
فإذا غَنِيتَ فلا تكن بَطِرًا … وإذا افْتَقرْتَ فَتِهْ على الدهرِ
ذكر وفاته:
لما كان يوم الاثنين وقتَ الظهر طلبَ ماءً ليُجدِّدَ الوضوءَ، فقيل له: أخِّر الظهرَ لتجمع بينها وبين العصر، فأبى، وصلَّى الظهرَ في وقتها، والعصرَ في وقتها، وقيل: كان ذلك يوم الأحد ليومين بقيا من شوال، فتوفِّي عَشيَّةَ الأحد، ودُفِنَ في داره برَحْبة يعقوب بباب خراسان، ولم يُؤذَن به أحدٌ، فلمَّا علم الناسُ اجتمع خَلْقٌ عظيم، وصلَّوا على قبره شهرًا ليلًا ونهارًا.
وقال أبو الفرج ﵀ في "المنتظم": كان أبو بكر بن أبي داود قد كتب في حقه ورقةً إلى نصر الحاجب شنَّع عليه بأشياءَ، منها: أنَّه يرى رأيَ جَهْمٍ، وأنَّه تَأوَّلَ قولَه: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] أي: نعمتاه، ومنها ما روى ابنُ جرير أنَّ روحَ النبي ﷺ لمَّا خرجَت سألَتْ في كفِّ علي بن أبي طالب فحَساها، قال: وإنَّما الحديثُ فمَسَح بها وجهَه (١).
وقد رثى الطبريَّ أبو بكر بن الحسن بن دريد فقال: [من البسيط]
لن تستطيعَ لأمر الله تعقيبا … فاستَنْجدِ الصَّبرَ أو فاستشعرِ الحُوْبا
وافزعْ إلى كَنَفِ التَّسليمِ وارْضَ بما … قضى المُهيمنُ مَكروهًا ومَحبوبا
إن العَزاء إذا عزَّته جائحةٌ … ذَلَّت عَريكتُه فانْقاد مَجنوبا
فإنْ قَرنْتَ إليه العَزْمَ أيَّده … حتى يعودَ إليه الحُزْنُ مَغلوبا
стр. 7761
أودى أبو جَعفرٍ والعلم فاصطحبا … أعظِمْ بذا صاحبًا أو ذاك مَصحوبا
ومنها:
أهوى الرَّدى للثَّرى إذ نال مُهجَتَه … نجمًا على مَن يُعادي الحقَّ مَصْبوبا (١)
إنَّ المنيَّةَ لم تُتْلِف به رجلًا … بل أتْلَفَتْ عَلمًا للدين مَنصوبا
كان الزمانُ به تَصفو مشاربُه. فالآن أصبح بالتَّكدير مَقْطوبا
ودَّت بِقاعُ بلادِ الله لو جُعلَت … قبرًا له فحَباها جسمُه طِيبا
دامت حياتُك للدنيا وساكِنها … نورًا فأصبح عنها النُّورُ مَحجوبا
لو تعلمُ الأرضُ مَن وارَت لقد خشَعَت … أقطارُها لك إجلالًا وتَرْحيبا
وقال الخطيب: عاش خمسًا وثمانينَ سنةً، وكان السَّوادُ في رأسه ولحيته أكثرَ من البياض، وما غيَّر شيبَه قطُّ (٢)، وسمع خلقًا كثيرًا، منهم: محمد بن عبد الملك بن أبي الشَّوارب، وأحمد بن مَنيع البَغَويّ، ويعقوب الدَّوْرَقيّ وغيرهم، وروى عنه أحمد بن كامل، وسليمان بن الأتم الطَّراري (٣)، وأبو محمد الفَرْغاني وغيرهم.
ورثاه أبو سعيد بن الأعرابي فقال: [من الخفيف]
حَدَثٌ مُفْظِعٌ وخَطْبٌ جَليلُ … دقَّ عن مثله اصطبارُ الصَّبورِ
قام ناعي العلومِ أجْمَع لمَّا … قام ناعي محمد بنِ جريرِ
فهَوَتْ أنجمٌ لها زَاهِرات … مُؤذِناتٌ رُسومُها بالدُّثور
يا أبا جعفرٍ مضَيْتَ حَميدًا … غيرَ وانٍ في الجدِّ والتَّشْمير
* * *
стр. 7762
السنة الحادية عشرة وثلاث مئة
فيها خُلِع على مُؤنس المُظَفَّر، وخرج في صفر من بغداد يريد الغزو، وخُلع على أبي الهَيجاء عبد الله بن حمدان، وقُلِّد فارس وكَرْمان، ثم عُدِل عنه إلى [إبراهيم بن] (١) عبد الله المِسْمَعي.
وفي يوم الخميس لسبعٍ بقين من صفر -وقيل: ربيع الآخر- صُرِفَ حامد بنُ العباس عن الوزارة، وعلي بن عيسى عن الدواوين، فكانَت مدَّتُهما أربعَ سنين وعشرة أشهر وأربعة عشر يومًا، واستَوزر المقتدرُ أبا الحسن عليَّ بنَ محمد بن الفرات يومَ الخميس لسبع بَقين من ربيع الآخر، وهذه الدفعة الثالثةُ من وزارته، وخلع عليه وعلى ابنه المُحَسن، وشُرِط على ابن الفرات أنْ لا يُنْكِب حامدًا، وأنْ يُناظرَه على فَضْلِ الضَّمان بمَحْضرٍ من القضاة والشهود والكتَّاب، فإذا وَجَب عليه شيءٌ أخذ بعضَه، وسامحَه بالبعض، وقال المقتدر: هذا خَدمني مدةَ سنين، ولم يَصل إليه مني سوى رزق سنة واحدة، فلم يَطِب ذلك لابن الفرات، ولا هان عليه سلامةُ حامد وقد أمكنَتْه الفرصةُ منه.
وكان حامدٌ لمَّا وَلِيَ الوزارةَ أحضر ابنَ الفرات وأسمعَه ما يكره من الشَّتْم القبيح، فقال له ابن الفرات: أنت في دار المملكة، وعلى بساط أمير المؤمنين، فانظر ماذا تقول، فليس هذا بَيْدر تقسمه، ولا أنا عامل تشتمُه وتلاطِمُه.
ثم التفَتَ إلى شَفيع اللؤلؤي وكان حاضرًا فقال: عرِّف أميرَ المؤمنين أنَّ الحامل لحامد على الدخول في الوزارة -وليس مِن أهلها- أني أوجبتُ عليه ألفَ ألف دينار (٢) من فَضْل ضمانه لأعمال واسط، فدخل في الوزارة ظنا منه أن يَنجوَ من المطالبة، وقد كان الأولى لما دخل في الوزارة أنْ يدعَ ضمانَ واسط؛ فَضْلًا عن أن يضمنَ السَّواد وغيرَه، فأما وزيرٌ وضامن فهذا أوَّلُ خيانته.
стр. 7763
فلمَّا سمع حامد ذلك أمر أن يُؤخَذَ بلحيته، فما قام إليه أحدٌ، فقام حامدٌ بنفسه فأخذ بلحيته وأهانَه. وبلغ المقتدر، فبعَث خادما، فأقام ابنَ الفرات من المجلس، وردَّه إلى مَحبسه، وبقي في قلبه.
فلمَّا عُزِل حامد وَوُلِّي ابنُ الفرات كان حامدٌ بواسط، فأودع أمواله وذخائرَه عند الناس، وأظهرَ أنَّ الخليفةَ قد استدعاه، ثم هرب من واسِط إلى حيث يأمَنُ على نفسه، وبلغ ابنَ الفرات فأخبر المقتدرَ، فأمر نازوكَ صاحبَ الشُّرطة بالمَسير إليه، فخرج من بغداد، فلقي جماعةَ من غلمان حامد وكُتَّابه بدَير العاقول، فقبض عليهم، وأخذ ما كان معهم من الأثقال. وأحس حامد فحاد عن الطريق واستَتَر، ودخل نازوك بغداد بما أخذ، فأخذ المقتدرُ المال والدوابَّ، وردَّ الضّالات إلى ابن الفرات.
وأما حامد فإنَّه لبس كساءً على زي الرُّهبان، وقَصَد بابَ الخليفة مستجيرًا به، وسأل أن يكون مُعتَقَلًا في دار السلطان إلى حين مناظرته على وجهِ جميل، وشفَعَت فيه أمُّ الخليفة، فقال مُفْلح الخادم -وكان بينه وبين حامد عداوةٌ-: لئن فعلتُم هذا لم يتمَّ لابن الفرات أمرٌ وتَبطل الأموال، فبعث المقتدر بحامد إلى ابن الفرات، فأحسَنَ إليه، وأكرمه، وخاطبَه بالوزارة، وأفرد له دارًا كبيرةً، ونقل إليها الفُرُش والأمتعةَ، وكان يحمل إليه من الطعام والشراب مثلَ ما كان يُحمَل إليه وهو وزير.
ثم إنَّ ابن الفرات خلا به ولاطَفَه، وقال له: قد علمتَ طَمعَ هذا الرَّجل -يعني المقتدر- وقد عزم على أنْ يُسلِّمك إلى ابني المحسِّن فيعذِّبك، وقد علمتَ جراءةَ المُحَسّن، فأطلعني على أموالك وما أودعتَه فإنَّ إنكارك لا يفيد، فقال: احلِف لي أنَّني متى أقررتُ بذلك لا تنالُني بمكروه، ولا تُسلمني إلى ابنك، فحلف له، فأطلعه على أمواله وذخائرِه ودفائنه وودائعه، فبلغ ذلك ألفَ ألف دينار ومئتي ألف دينار، فرفع ابن الفرات ذلك إلى الخليفة، فقال: هذه الأموال بالنسبة إلى نعمة حامد يسيرةٌ، سلِّمه إلى ابنك المحسن، فقال: يا أمير المؤمنين، لا يحل لي ذلك بدون اليمين، فكيف وقد حلفتُ له، وضمنتُ أنَّه لا ينالُه مكروه، وما أبقى حامد (١) بقية، فبعث المقتدرُ فسلَّمه
стр. 7764
إلى المحسن، فعذَّبه بأنواع العذاب وأهانَه أقبح هَوان، فلم يقرَّ بدرهم، فقال المحسن لخادمه القاسمي: اذهب به إلى واسط فعذِّبه هناك، فخرج به، فمات في الطريق، وسنذكره إن شاء الله تعالى.
ثم إنَّ ابن الفرات كاتب المقتدر في تسليم عليِّ بن عيسى إليه، فلم يمكنه، فكتب المحسن إلى المقتدر يقول: سلِّمه إلي وما أوذيه، بل أستخرجُ منه المال، فبعث به إليه، فقيَّده، وألبسه جُبَّةَ صوفٍ، وأهانه كما فعل بحامد، فقال: والله ما أملكُ سوى ثلاثة آلاف دينار، وما أنا من أهل الخيانة.
وحضر نازوك يومًا والمُحسِّن قد أحضره وعليه الجُبَّة الصوف، فشرع يَشتمُه ويتهدَّده ويُهينه، فقام نازوك، فقال له المحسن: إلى أين؟ فقال: قد قبلْنا يدَ هذا الشيخ سنينَ كثيرة، فما يَطيبُ لي أنْ أراه على هذا الحال، ودخل على المُقتدر فأخبَرَه، فأنكر ذلك إنكارًا شديدًا، وبعث ابنُ الفرات إلى ابنه المحسِّن فشتمه شتمًا قبيحًا ونال منه، وبعث إلى علي بن عيسى بمالٍ، وحمله مكرَّمًا إلى داره، ولم يؤخذ منه شيء، فسأَلَ الخروج إلى مكة، فأذن له المقتدر، فخرج إليها (١).
وفيها نكب ابنُ الفرات أبا علي بن مُقْلَة، وكان كاتبًا بين يدَي حامد، وضيَّق عليه، وقيَّده، وطالبه بمالٍ كثير، فكتب ابنُ مُقْلَة إلى أبي عبد الله زنجي (٢) كاتب ابن الفرات يقول: [من الطويل]
تُرى حُرِّمَت كُتْبُ الأخلاء بينهم … أبِنْ لي أمِ القرطاسُ أصبح غاليا
فما كان لو ساءلْتَنا كيف حالُكم … وقد دَهَمَتْنا نَكبَةٌ هيَ ماهيا
صديقُك مَن راعاك عند شديدةٍ … وكُلًّا تراه في الرَّخاء مُراعيا
فهَبْكَ عدوِّي لا صديقي وربَّما … رأيتَ الأعادي يَرحمون الأعاديا
فأُوقِفَ ابنُ الفرات عليها، فرقَّ له وخَفَّف مُصادرته.
стр. 7765
وفيها عمل ابن الفرات على إخراج مؤنس من بغداد، وكان مؤنس لمَّا وليَ ابنُ الفرات الوزارةَ غائبًا في الثَّغْر، فقدم بغداد في رمضان، والتقاه المُحَسِّن والقوَّادُ والخاصّ والعامُّ، واجتمع بالمُقتدر فرفع منه.
وكَثُرت الأراجيف بإنكار مؤنس ما جرى على حامد وابن عيسى والكُتَّاب، وأنَّ أكثر العساكر يريدون أنْ ينضمُّوا إلى عسكر مؤنس، فعز على ابن الفرات، واجتمع بالمقتدر، وأغراه بمؤنس وقال: قد عَزم على التحكُّم على الخلافة، وأن يصير الأمر إليه، وجميع العساكر معه.
فلمَّا دخل مؤنس على المقتدر قال له: ما شيءٌ أحبَّ إليَّ من أنْ تقيمَ ببغداد لآنَسَ بك، ولكن قد قلَّت الأموال بالعراق، وعسكرُكَ يحتاجون إلى الأرزاق، ومالُ الشام والمغرب ومصر كثيرٌ، وأرى أن تقيمَ بالرقَّة، والأموال تُحمَل إليك من كلّ جهة، ورسم له بالخروج من وقته بعسكره.
فعلم مؤنس أنَّه رأيُ ابن الفرات -وكان بينهما عداوةٌ شديدة- فسأل مؤنسٌ من المقتدر أنْ يُمْهِلَه إلى العيد بقيةَ شهر رمضان، فأجابه، وأقام إلى نصف شوال، فلمَّا أراد المسير دخل على ابن الفرات مودِّعًا له، فقام له قائمًا، فاستعفاه فلم يُعْفِه، وكذا عند خروجه، وسأله في أشياء فأجابه، منها: تسليمُ الحسين بن أحمد ومحمد بن علي الماذرائيين، وكانا في مصادرة ابن الفرات، فسلمهما إليه، وقضى حوائجَه، وودَّع الخليفةَ وخرج في ذي القعدة إلى الرقَّة، واستوحش مؤنس (١).
وفيها شرع ابن الفرات في نَكبة نصر الحاجب، لمَّا فرغ من أمر مؤنس تجرَّد له ولشَفيع المُقْتَدريّ، وكثَّر عليهما عند المقتدر وخاصَّةً نصر، ووَصَف أموالهما وضياعَهما وذخائرهما، فأجابه إلى تسليم نصر دون شفيع، فعلم نصر فلجأ إلى السيدة، فعَنِيَت به وقالت للمقتدر: قد أبعد ابنُ الفرات مؤنسًا عنك، وهو سيفك، ويريدُ أنْ ينكب حاجبَك ليتمكَّن منك، فيُجازيك على حسب ما عاملتَه به من إزالة نعمتِه وهَتْك حُرَمه، فليت شعري فبمَن تستعينُ على ابن الفرات والمُحَسِّن مع ما قد ظهر من
стр. 7766
شرِّهما واستحلالهما الدماءَ أن يخلعاك؟ فوعدها بالكفِّ عن نصر.
وكان نصر قد استتر، فبعثَت إليه السيدة: ارجع إلى خدمتك، فرجع، وأقام ابن الفرات يُغري به المقتدر ويقول: ضيَّع عليك في أمر ابن أبي السَّاج خمسة آلاف ألف دينار، ولو كانت باقية لأرضيت بها الجُند، فكان المقتدر مرةً يَستحي من والدته وخدمةِ نصر، ومرةً تَشْرَه نفسُه للمال.
واتَّفق أنَّه وُجد في دار الخليفة رجل أعجمي، دخل مع الصنَّاع وخرجوا، وأقام أيامًا، فأُخذ وضُرب، وقُرّر فلم يُقر شيئًا، ولم يزد: ندانم (١)، وصُلب وأُحرق.
وقيل: إنَّ ابن الفرات قال لنصر بحضرة المقتدر: ما أحسبُك ترضى لنفسك أن يجريَ في دارك ما جرى في دار أمير المؤمنين وأنت حاجبُه، وما تم هذا على أحد من الخلفاء قديمًا وحديثًا: أنَّ عدوّا يدخل دورَهم، ولو أراد بأمير المؤمنين سوءًا لقدر عليه، وكثَّر على نصر، فقال له نصر: ليت شعري، كيف أُدبِّر أنا على أمير المؤمنين؟ لأنَّه أخذ أموالي وَهَتك حريمي، وقبض ضياعي، وحبسني عشر سنين (٢)! وجَرَت بينهما فصول، ويقال: إنَّ ابن الفرات فعل هذا ليتمكَّن من نصر، واندفع المكروه عن نصر (٣).
وفي شعبان أمر المقتدر برفع المَواريث، وردِّها إلى ما كانت عليه في زمان المُعْتَضد، وتوريث ذوي الأرحام، وأُظهِرَت نسخة كتبها القاضي أبو خازم في أيام المعتضد يقول: قد اختلف الناس في توريث الأقارب، فرُوي عن زيد بن ثابت أنَّه جعل التركةَ إذا لم يكن للميت مَن يَرثُه من عَصَبة أو سهم لجماعة المسلمين ولبيت مالهم، وخالفَه عمرُ بن الخطاب، وعليّ، وابنُ مسعود، وابنُ عباس، وغيرُهم من الصحابة، ورَدَّ ما يَفضل من السُّهمان على أصحاب السّهام من القرابة وذوي الأرحام،
стр. 7767
والسنةُ تُعاضدهم في ذلك والكتاب؛ قال الله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦]، ولو كان هذا القول في المسألة لا يدلُّ عليه شاهدٌ من الكتاب والسنة لكان الواجبُ تقليدَ الأفضل والأكبر من السابقين الأولين، وتركَ قول مَن سواهم ممَّن لا يَلحَق بدرجتهم بسابقته وسِنِّه، وقد روى المقدامُ بن مَعدي كَرِب أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "الخالُ وارثُ مَن لا وارثَ له، ويَخْلُفُه في عياله"، وروت عائشة وأبو هريرة عن النبيِّ ﷺ مثل ذلك (١)، وهو قولُ عامة التابعين … وذكر كلامًا طويلًا (٢).
وفيها دخل أبو طاهر سليمان بن الحسن الجَنَّابي القِرمطي إلى البصرة في ربيع الآخر لخمس بقين منه وقتَ السَّحَر في ألف وسبع مئة فارس، ونَصب السَّلالم، وصعدَ على الأسوار، ثم نزل البلدَ، وقتَلَ البوَّابين الذين كانوا على الأبواب، وفتح الأبواب، وطرح بين كلِّ مِصراعَين منها حصى ورملًا كان معه على الجمال؛ لئلَّا يمكن غَلْق الأبواب، ووَضَع السيفَ في أهل البصرة، وأحرَقَ المِرْبَد والجامعَ ومسجدَ طلحة، وهرب الناس، وألقَوا نفوسَهم في الماء فغرِق معظمُهم، [وأقام القِرمطي بالبصرة سبعة عشر يومًا ينقل على جماله كلَّ ما قدر عليه من الأمتعة والنساء والصبيان] وخرج عنها [بما أخذه] (٣) يوم الخميس لاثنتَي عشرة ليلة من جمادى الأولى، وانصرف إلى بلده، واشتغل ابنُ الفرات بذلك عن نصر وغيرِه [، وحج بالناس إسحاق بن عبد الملك] (٤).
وفيها توفي
إبراهيم بن السَّري بن سَهْل
أبو إسحاق، الزَّجَّاج، الإمام الفاضل، مصنّف كتاب "معاني القرآن" وغيره.
стр. 7768
قال: كنتُ أخْرِطُ (١) الزُّجَاج، فاشتهيتُ النحو، فلزمتُ المبرِّد لتعلُّمه، وكان لا يُعلِّم مجَّانًا، ولا يعلِّم بأجرة إلا على قدرها، فقال لي: أي شيءٍ صناعتُك؟ قلتُ: أخرُطُ الزُّجاج، وكسبي كل يومٍ درهمٌ، وأشترطُ أنْ أعطيَك إيَّاه إلى أن يُفرِّقَ الموتُ بيننا إن استغنَيتُ عن التعليم أو احتجْتُ إليه.
ولزمتُه، وكنتُ أخدمُه في أموره، ومع ذلك فأعطيه الدرهم، فينصحُني في العلم حتى استقلَلتُ، فجاءه كتابُ بعض بني مارية (٢) من الصَّرَاة يلتمسون معلمًا نحويًّا لأولادهم، فقلت له: أَسْمِني لهم، فسمَّاني، فخرجتُ فكنتُ أعلِّمهم، وأُنفذ إليه كل شهر ثلاثينَ درهمًا، وأتفقده بعد ذلك بما أقدرُ عليه، ومضت مدة، فطلب منه عبيد الله بن سليمان (٣) الوزير مؤدِّبًا لابنه القاسم، فقال: لا أعرف لك إلا رجلًا زجَّاجًا بالصراة مع بني مارية.
فكتب إليهم عبيد الله فاستَنْزَلهم عني، فأحضرني، وسلَّم إليَ القاسم ابنَه، فكنتُ أعطي المبرد كلَّ شهر ثلاثينَ درهمًا إلى أن مات، وأتفقدُه مع ذلك بحسب طاقتي.
وقال الزجَّاج: كنتُ أؤدِّبُ القاسم بنَ عبيد الله فأقول له: إنْ بَلغك الله منازلَ أبيك، ووَليتَ الوزارةَ، ما تصنع بي؟ فيقول: مهما أحببتَ، فأقول: تُعطيني عشرين ألف دينار، وكانت غايةَ أُمنيّتي.
فما مضت إلا سِنون حتى وَلي القاسمُ الوزارة، وأنا على مُلازمتي له وقد صرتُ نَديمَه، فدعتْني نفسي إلى إذكاره بالوَعْد ثم هِبْتُه، فلما كان اليوم الثالث من وزارته قال لي: يا أبا إسحاق، لم أرك أَذكرتَني بالنَّذر! قلتُ: عوَّلتُ على رعاية الوزير أيَّده الله، وأنَّه لا يحتاج إلى إذكارٍ في أمرِ خادمهِ واجبِ الحقِّ، فقال: إنه المعتضد، ولولاه ما
стр. 7769
تعاظَمني ذلك أن أدفعَه من مالي، ولكن أخافُ أنْ يصيرَ لك معه حديث؛ فاسمح لي بأخذها متفرقةً، قلتُ: أفعل، فقال: اجلس للناس وخُذ رِقاعَهم في الحوائج الكبار، واستَجْعِلْ عليها، ولا تَمنع من مسألتي شيئًا صحيحًا كان أو مُحالًا، إلى أنْ يَحصُل لك غرضُك من مال النَّذْر.
فكنتُ أعرِضُ عليه كلَّ يومٍ رِقاعًا، فيُوقع فيها، وربما قال: كم ضُمِنَ لك على هذا؟ فأقول كذا وكذا، فيقول: غُبنْتَ، هذا يُساوي كذا وكذا فاستزِدْ، فلا أزالُ أماكِسُهم ويَزيدونني حتى أبلغَ الرسمَ الذي رسمه، فحصل عندي أكثرُ من عشرين ألف دينار في مُدَيدة، فقال بعد شهور: يا أبا إسحاق، حصل مالُ النَّذْر؟ فقلتُ: لا، فسكَتَ.
ثم كان يَعرِض لي في كلِّ شهرٍ أو نحوه فأقول: لا، خوفًا من انقطاع الكَسْب، وقد حصل لي أضعافُ ذلك، فسألني يومًا، فاستَحْيَيتُ من الكذب المتَّصل فقلت: قد حصل ذلك ببركة الوزير، فقال: فَرَّجْتَ والله عنِّي، فقد كنتُ مشغولَ القلب إلى أن تحصَّل لك غَرضُك.
ثم وقَّع لي من ماله بثلاثة آلاف دينار صِلةً، فأخذتُها، وامتنعتُ أن أعرضَ عليه شيئًا، ولم أَدْرِ كيف أصنعُ، ولا كيف أقعُ منه، فلمَّا كان من غدٍ حيَّيتُه وجلستُ، فقال: هات ما معك، فقلت: ما أخذتُ من أحدٍ رقعة لأنَّ الغَرَض قد حصل، فقال: سبحان الله، أتُراني كنتُ أقطعُ عنك شيئًا قد صار لك به عادة، وعلم الناسُ به، وصار لك عندهم جاهٌ ومنزلةٌ، وغُدوٌّ ورَواح إلى بابك، أفأقطعُ ذلك عنك فيظنّوا أنَّ جاهَك قد ضعُف عندي، أو تغيَّرت رتبتُك؟! اعرض عليَّ رَسْمَك وخُذْ بغير حساب، فقبَّلتُ يدَه وباكرتُه بالرِّقاع، فكنتُ أعرض عليه كلَّ يوم إلى أن مات.
قال المصنف رحمة الله عليه: وهذه الحالة هي التي أسقطَت حُرمةَ الزجَّاج من عين القاسم، حتى كان يُباسِطُه بالعَظائم.
وحكى الخطيب عن الزجَّاج أنَّه كان جالسًا عند القاسم، فجاء خادمٌ فسارَّه بشيء، فقام القاسم فدخل، ثم خرج وهو واجِمٌ، فقال له: ما الذي بالوزير؟ فقال: كانت تتردَّدُ إلينا جاريةٌ لبعض المُغَنِّيات فعشقتُها، وسألتُ مولاتَها بيعَها فأبت، ثم أُشير عليها تُهديها إلي رجاء أن أُضاعفَ لها ثمنَها، فأرسلَتْها الساعة، فجاء الخادم وسارَّني
стр. 7770
بحديثها، فقمتُ فَرِحًا لأفتضَّها فوجدتُها حائضًا، فضاق صدري لهذا، فأخذ الزجَّاج الدَّواة وكتب: [من المديد]
فارسٌ ماضٍ بحَرْبته … حاذِقٌ بالطَّعْنِ في الظُّلَمِ
رامَ أن يُدمي فَريسَتَه … فاتَّقَتْهُ من دَمٍ بدمِ
واجتاز الزجَّاج يومًا ببغداد، وكان النَّيروز، فرش عليه بعضُ الصبيان الماء فنفضَه من ثيابه وقال: [من الطويل]
إذا قلَّ ماءُ الوَجهِ قل حياؤُه … ولا خيرَ في وجهٍ إذا قلَّ ماؤه
وجرى بينه وبين رجلٍ من أهل العلم شرّ، فشتَمَه الزجَّاج، فكتب إليه الرجلُ: [من الوافر]
أبي الزجَّاجُ إلَّا شَتْمَ عِرضي … ليَنْفَعَه فآثَمَهُ وضَرَّهْ
وأُقسِمُ صادقًا ما كان حُرُّ … ليُطلِقَ لفظةً في شَتْم حُرهْ
فلو أنِّي كرَرْتُ لفرَّ مني … ولكنْ للمَنونِ علي كَرهْ
فأصبحَ قد وقاه الله شَرِّي … ليومٍ لا وَقاهُ الله شرَّهْ
وبلغَ الزجَّاجَ، فمشى إليه راجلًا واسترضاه، وسأله الصَّفْحَ فصفح عنه.
وتوفي الزجَّاج يوم الجمعة في جُمادى الآخرة ببغداد، وأخذ النحوَ عن المبرد وغيره، ولم تظهَر له روايةُ حديث.
أحمد بن حَمدان
ابن علي بن سِنان، أبو جعفر، الحِيريُّ، الزَّاهد، النَّيسابوري (١).
كان من الأبدال، مُجابَ الدَّعوة، وصنَّف كتاب "الصحيح" على شرط مسلم، فعَازَه أحاديثَ ليتِمَّه، فسافر إلى البلاد بهذا السبب، وعاد إلى نيسابور فتوفي بها.
روى عنه ابناه محمد وأبو عمرو، وأبو عليّ الحافظ وغيرُهم، وحديثه بنيسابور، ولقي أبا حَفْص وغيرَه.
стр. 7771
وحكى عنه الحاكم أنَّه قال: أنت تُبغِض (١) أهلَ المعاصي بذَنبِ واحد تظنُّه، ولا تُبغضُ نفسَك مع ما تَتَيَقَّنُهُ من ذنوبك.
أحمد بن محمد بن هارون
أبو بكر، الخَلَّال، صاحبُ الإمام أحمد ﵀ (٢).
جمع من علومه ما لم يجمعه أحدٌ، ودوَّنها، وسافر لأجلها، ولم يكن في أصحابه مَن اعتنى بها مثلُه، وكلُّ مَن تَمَذْهب للإمام أحمد رحمة الله عليه يأخذ من كتبه.
وتوفي يوم الجمعة لليلتَين خلَتَا من ربيع الأول، ودُفن قريبًا من الإمام أحمد إلى جانب المَرُّوذي، وصلَّى عليه أبو عمر حمزة بن القاسم القاضي.
سمع الحسنَ بن عَرَفة وغيرَه، وروى عنه عبد العزيز بنُ جعفر وغيرُه، وكان لا يفرِّق بين قوله: حدثنا وأخبرنا وأنبأنا، فقيل له في ذلك فقال: قَولي في كتبي كلها: حدثنا.
[فصل:
أحمد بن عبد الله
ابن محمد بن عبد العزيز بن المَرْزُبان، أبو الطيِّب، البَغَويّ، ويُعرف بابن أبي القاسم (٣).
تُوفي في حياة أبيه، وحدَّث عن أبيه، وعن الحسن بن محمد بن الصبَّاح الزَّعْفَراني وغيره.
وأخرج له الخطيبُ حديثًا رواه عن أبي إِشْكاب -واسمه محمد بن الحسين- بإسناده إلى ابن عباس: أنَّ رجلًا سأله عن عمل التَّصاوير وقال: إنِّي رجل أُصوِّرُها، فقال ابن عباس: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ اللهَ يُعذِّبُ المُصَوّرين" (٤)، فقال: إنَّ لي عيالا، فقال: صَوِّر، ولا تُصَوّر شيئًا فيه روح.
стр. 7772
وفيها توفي]
حامد بن العباس الوزير
كان يَنظر قديمًا بفارس، ثم انتقل إلى النَّظَر بواسط والبصرة والأهواز، وكان موسرًا، له أربعُ مئة مملوك يحملون السلاحَ، ولكلِّ مملوك مماليك، وكان يخدمُه ألف وسبع مئة حاجب، واستوزَرَه المقتدر سنةَ ست وثلاث مئة، وقد ذكرناه.
وكان ظاهر المروءة، جوادًا، سَمْحًا، كثيرَ العطاء، [فحكى الصولي أنه] شكا إليه شفيع المُقتدري فَناءَ شعيره، فكتب له بمئة كُر، وكذا لنصر الحاجب، ولابن الحَواري، ولأمِّ المقتدر (١)، ولمؤنس الخادم.
وحكى القاضي التنوخي عن بعضِ الكتَّاب (٢): حضرتُ مائدةَ حامد، وكنتُ أسمع أنَّه يُنفقُ عليها في كلِّ يوم مئتي دينار، فحضرت بين يدَي حامد مائدةٌ عليها ألوانُ الأطعمة، فاستَقْلَلْتُها بالنسبة إلى ما كان يُقال عنه، ثم خرجتُ من عنده وإذا في الدار نيفٌ وثلاثون مائدةً منصوبة، على كل مائدةٍ عشرون نفسًا، وفي مجالس أخرى عليها ثلاثون نفسًا، فرأيت ما هالني (٣).
وذكر القاضي التَّنوخي: أنَّ حامدًا رأى في دِهليزه يومًا قِشرَ باقِلاء، فأحضر وكيله وقال: ويلك يُؤكَلُ في داري الباقلاء؟ فسأل وإذا به من فِعْل بعضِ البوَّابين، فقال لهم: ما هذا؟ قالوا: نبعثُ بجِراياتِنا من اللَّحم إلى عيالنا، ولا يطيبُ لنا أنْ نأكلَها دونَهم، فنحن نأكلُ الباقلاء. فقال: أجروا لعيالهم اللحم، وأطعموا البوَّابين من الموائد.
[وقال التنوخي:] رفعَت له امرأةٌ رُقْعةً تذكر فيها فَقْرَها، فوقَّع عليها بمئتَي دينار، فأنكرها الجِهْبِذ، وعرَّفه فقال: والله ما كان في نفسي إلا أنْ أطلقَ لها مئتَي درهم، ولكنَّ الله أجرى لها، فأعطِها فإنِّي لا أرجع عن ذلك، فلمَّا كان بعد أيامٍ وقف له رجلٌ بقصَّة وقال: أيها الوزير، إنَّك أطلقْتَ لزوجتي مئتي دينار، وقد استطالت عليَّ وطلبَت
стр. 7773
الطلاق، فضحك حامدٌ، وأطلَقَ له مئتي دينار، وقال: قد صار لك الآن مثلَ ما لها، فهي لا تُطالبُك بالطلاق (١).
[وقال المُحَسِّن:] كان إذا سافر ومعه حُرَمُه نزلوا في حَزَاقة، والملاحون الذين فيها خِصيان ليس فيهم فحل.
[وحكى المحسن أيضًا أن حامدًا] خرج يومًا إلى بستانه، فرأى في طريقه دارًا مُحترقة، وشيخًا قائمًا يبكي، وحولَه صبيانٌ ونساءٌ يُوَلْولون، فسأل عنهم فقيل له: هذا رجلٌ تاجرٌ احترَقَت دارُه وافتقر، فوَجَم ساعةً، ودعا وكيلَه وقال: [أريد أنْ أندُبَك لأمر، إنْ فعلتَه كما في نفسي أحسنتُ إليك وفعلتُ معك كذا، وإنْ تجاوزتَ فيه رَسْمي فعلتُ بك وصنعتُ، فقال: مُرْ بأمرك، فقال:] قد اجْتَزْتُ بهذه الدار، وقد ضاق صدري على الشيخ، وآلمني قلبي، وتنغَّصَت علي نُزهتي بسببه، وما تسمحُ نفسي بالتوجُّه إلى بستاني إلا بعد أنْ تضمَن لي أنِّي إذا عدتُ [العشيةَ] من البستان أن أجدَ الشيخ في داره، وهي كما كانت مبنيةً نظيفةً، وفيها صنوف المتاع والفُرُش مثل ما كانت وأكثر، وتحضر إليها كسوةُ الشتاء والصيف للشيخ ولعياله، فقال: تقدم إلى الخازن (٢) بأنْ يُطلِق ما أُريده، وإلى صاحب المَعونة أنْ يقفَ معي، ويُحضرَ ما أطلبه من الصُّنَّاع والآلات.
فأمر بذلك -وكان الزَّمان صيفًا- فأحضر الصُّنَاع والفَعَلة، وشرعوا، وأقاموا الدار كما كانت، وسُقِفَت وبيّضَت، وبقيت الطوابيقُ، فكتب الوكيلُ إلى حامد يسألُه أنْ يلبَثَ في البستان إلى العِشاء الآخرة، فأقام، وكتَبَ الوكيلُ جميع ما ذهب للشيخ حتى المِقْدَحَة والمِكْنَسَة، وأُحضِرَت الصَّناديق، وامتلأت الخزائنُ بالأمتعة، وكمُلَت الدارُ، واجتاز حامد بها وقد اجتمع الناس كأنَّه يومُ عيد، والناس يَضجّون بالدعاء له، وحمل حامد إلى الشيخ خمسةَ آلاف درهم يزيدُها في بضاعته، ثم سار حامدٌ إلى داره.
стр. 7774
قد ذكرنا أنَّ المقتدر لمَّا نكبَ حامدُ أمر ابنَ الفرات أنْ [لا يُعارضَه ولا] يناظره [إلا] بمحضرٍ من القُضاة والكتَّاب، [وحضور] مُفْلح الخادم وكان بينهما عداوةٌ، فأغلظ له مفلح، فقال حامد: والله لأبتاعنَّ مئة أسودَ مثلِك وأجعلهم قوَّادًا، وأسمِّي كلَّ واحد مفلحًا، فنقل مفلح إلى الخليفة عن حامد ما لم يَقُلْه، فسلَّمه إلى المُحَسِّن بن الفرات، فعذَّبه، ثم بعَث به إلى واسط مع خادمه القاسمي (١) ليعذِّبَه هناك، وكان في رمضان، وأخذ حامدٌ بيضًا يتحسَّاه نِيم رُسْته (٢) في الطريق، فتحيَّل الخادمُ حتى سمَّه في بعضه، فلَحِقَه ذَرَبٌ عظيمٌ، ودخل واسطًا وهو مُثْقَل، فسلَّمه إلى محمد بن علي البَزَوْفَري، وكان ينظُر في واسط من قبل حامد.
وأسرع الخادمُ إلى بغداد، فأراد البَزَوْفَري أن يحتاط لنفسه، فأحضر قاضيَ واسط وشهودها ليَشهدوا عليه أنَّه مات حَتْف أنفه، وأنَّه لا صُنْعَ للبزوفري فيه، وكتبوا كتابًا وقالوا: نشهدُ عليك، فقال حامد: اشهدوا أنَّ ابنَ الفرات الكافرَ الفاجرَ الرافضي الزنديق عاهدني إن أقرَرتُ بأموالي لا ينالُني بمكروه، فأقررتُ له بها، فسلمني إلى ابنه الفاجر، فعذَّبني بأنواع العذاب، وأخرجني إلى هذا البلد مع خادم القاسم بن عبيد الله، وكان أهذا الخادم، يتولَّى قتلَ النفوس للقاسم، فغافلني وسقاني سُمًّا في بيض فقتلني، ولا ذَنْب للبزوفري في دمي إلى وقتنا هذا، ولكنَّه كفر إحساني إليه، فاشهدوا عليّ بما قلتُ.
وكتَبَ صاحبُ البريد إلى المقتدر بذلك، ومات حامدٌ لثلاث عشرة ليلة خَلَت من رمضان، فكان بين وفاته ومقتل الحَلّاج تسعة أشهر وعشرة (٣) أيام.
وقيل: إنَّ الذي سمَّه في البيض المُحَسِّن، وخرج من بغداد مَسْمومًا (٤).
стр. 7775
محمد بن إسحاق
ابن خُزَيمة بن المُغيرَة، أبو بكر، الحافظ، السُّلَميُّ، النيسابوريُّ، مولى مُجَشِّر بن مُزاحم.
طاف الدنيا في طلب الحديث، وصار مُبرِّزًا فيه، وتوفي بنيسابور ليلةَ السبت ثامن ذي القعدة، ودفن بداره، ثم صارت مَقْبُرَة.
سمع إسحاق بن راهويه، وأحمد بن مَنيع، وبشر بن معاذ وغيرهم.
وروى عنه جماعة من مشايخه، منهم: البخاريُّ، ومسلم، وغيرهما، وأجمعوا على صدقه وأمانته وفضله (١).
أبو محمد الزَّاهد
الجُريري، بضمِّ الجيم (٢). واسمه: أحمد بن محمد بن الحسين، وقيل: الحسن بن محمد، وقيل: عبد الله بن يحيى، والغالبُ أنَّ اسمه كنيتُه.
وهو أحدُ المشايخ الصوفية (٣)، ولمَّا مات الجنيدُ أقعدوه مكانه لحُسْن طريقته، وفضله، وقدمه.
[وفي رواية:] قيل للجنيد: مَن نُقعِدُ بعدك؟ فقال: الجريري [، وصحب سهل بن عبد الله أيضًا.
ذكر طرف من أخباره:
روى عنه أبو عبد الرحمن أنه قال:] ما مَدَدتُ (٤) رجلي منذ عشرين سنة عند جلوسي