وحكى عنه الحاكم أنَّه قال: أنت تُبغِض (١) أهلَ المعاصي بذَنبِ واحد تظنُّه، ولا تُبغضُ نفسَك مع ما تَتَيَقَّنُهُ من ذنوبك.
أحمد بن محمد بن هارون
أبو بكر، الخَلَّال، صاحبُ الإمام أحمد ﵀ (٢).
جمع من علومه ما لم يجمعه أحدٌ، ودوَّنها، وسافر لأجلها، ولم يكن في أصحابه مَن اعتنى بها مثلُه، وكلُّ مَن تَمَذْهب للإمام أحمد رحمة الله عليه يأخذ من كتبه.
وتوفي يوم الجمعة لليلتَين خلَتَا من ربيع الأول، ودُفن قريبًا من الإمام أحمد إلى جانب المَرُّوذي، وصلَّى عليه أبو عمر حمزة بن القاسم القاضي.
سمع الحسنَ بن عَرَفة وغيرَه، وروى عنه عبد العزيز بنُ جعفر وغيرُه، وكان لا يفرِّق بين قوله: حدثنا وأخبرنا وأنبأنا، فقيل له في ذلك فقال: قَولي في كتبي كلها: حدثنا.
[فصل:
أحمد بن عبد الله
ابن محمد بن عبد العزيز بن المَرْزُبان، أبو الطيِّب، البَغَويّ، ويُعرف بابن أبي القاسم (٣).
تُوفي في حياة أبيه، وحدَّث عن أبيه، وعن الحسن بن محمد بن الصبَّاح الزَّعْفَراني وغيره.
وأخرج له الخطيبُ حديثًا رواه عن أبي إِشْكاب -واسمه محمد بن الحسين- بإسناده إلى ابن عباس: أنَّ رجلًا سأله عن عمل التَّصاوير وقال: إنِّي رجل أُصوِّرُها، فقال ابن عباس: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ اللهَ يُعذِّبُ المُصَوّرين" (٤)، فقال: إنَّ لي عيالا، فقال: صَوِّر، ولا تُصَوّر شيئًا فيه روح.
стр. 7772
وفيها توفي]
حامد بن العباس الوزير
كان يَنظر قديمًا بفارس، ثم انتقل إلى النَّظَر بواسط والبصرة والأهواز، وكان موسرًا، له أربعُ مئة مملوك يحملون السلاحَ، ولكلِّ مملوك مماليك، وكان يخدمُه ألف وسبع مئة حاجب، واستوزَرَه المقتدر سنةَ ست وثلاث مئة، وقد ذكرناه.
وكان ظاهر المروءة، جوادًا، سَمْحًا، كثيرَ العطاء، [فحكى الصولي أنه] شكا إليه شفيع المُقتدري فَناءَ شعيره، فكتب له بمئة كُر، وكذا لنصر الحاجب، ولابن الحَواري، ولأمِّ المقتدر (١)، ولمؤنس الخادم.
وحكى القاضي التنوخي عن بعضِ الكتَّاب (٢): حضرتُ مائدةَ حامد، وكنتُ أسمع أنَّه يُنفقُ عليها في كلِّ يوم مئتي دينار، فحضرت بين يدَي حامد مائدةٌ عليها ألوانُ الأطعمة، فاستَقْلَلْتُها بالنسبة إلى ما كان يُقال عنه، ثم خرجتُ من عنده وإذا في الدار نيفٌ وثلاثون مائدةً منصوبة، على كل مائدةٍ عشرون نفسًا، وفي مجالس أخرى عليها ثلاثون نفسًا، فرأيت ما هالني (٣).
وذكر القاضي التَّنوخي: أنَّ حامدًا رأى في دِهليزه يومًا قِشرَ باقِلاء، فأحضر وكيله وقال: ويلك يُؤكَلُ في داري الباقلاء؟ فسأل وإذا به من فِعْل بعضِ البوَّابين، فقال لهم: ما هذا؟ قالوا: نبعثُ بجِراياتِنا من اللَّحم إلى عيالنا، ولا يطيبُ لنا أنْ نأكلَها دونَهم، فنحن نأكلُ الباقلاء. فقال: أجروا لعيالهم اللحم، وأطعموا البوَّابين من الموائد.
[وقال التنوخي:] رفعَت له امرأةٌ رُقْعةً تذكر فيها فَقْرَها، فوقَّع عليها بمئتَي دينار، فأنكرها الجِهْبِذ، وعرَّفه فقال: والله ما كان في نفسي إلا أنْ أطلقَ لها مئتَي درهم، ولكنَّ الله أجرى لها، فأعطِها فإنِّي لا أرجع عن ذلك، فلمَّا كان بعد أيامٍ وقف له رجلٌ بقصَّة وقال: أيها الوزير، إنَّك أطلقْتَ لزوجتي مئتي دينار، وقد استطالت عليَّ وطلبَت
стр. 7773
الطلاق، فضحك حامدٌ، وأطلَقَ له مئتي دينار، وقال: قد صار لك الآن مثلَ ما لها، فهي لا تُطالبُك بالطلاق (١).
[وقال المُحَسِّن:] كان إذا سافر ومعه حُرَمُه نزلوا في حَزَاقة، والملاحون الذين فيها خِصيان ليس فيهم فحل.
[وحكى المحسن أيضًا أن حامدًا] خرج يومًا إلى بستانه، فرأى في طريقه دارًا مُحترقة، وشيخًا قائمًا يبكي، وحولَه صبيانٌ ونساءٌ يُوَلْولون، فسأل عنهم فقيل له: هذا رجلٌ تاجرٌ احترَقَت دارُه وافتقر، فوَجَم ساعةً، ودعا وكيلَه وقال: [أريد أنْ أندُبَك لأمر، إنْ فعلتَه كما في نفسي أحسنتُ إليك وفعلتُ معك كذا، وإنْ تجاوزتَ فيه رَسْمي فعلتُ بك وصنعتُ، فقال: مُرْ بأمرك، فقال:] قد اجْتَزْتُ بهذه الدار، وقد ضاق صدري على الشيخ، وآلمني قلبي، وتنغَّصَت علي نُزهتي بسببه، وما تسمحُ نفسي بالتوجُّه إلى بستاني إلا بعد أنْ تضمَن لي أنِّي إذا عدتُ [العشيةَ] من البستان أن أجدَ الشيخ في داره، وهي كما كانت مبنيةً نظيفةً، وفيها صنوف المتاع والفُرُش مثل ما كانت وأكثر، وتحضر إليها كسوةُ الشتاء والصيف للشيخ ولعياله، فقال: تقدم إلى الخازن (٢) بأنْ يُطلِق ما أُريده، وإلى صاحب المَعونة أنْ يقفَ معي، ويُحضرَ ما أطلبه من الصُّنَّاع والآلات.
فأمر بذلك -وكان الزَّمان صيفًا- فأحضر الصُّنَاع والفَعَلة، وشرعوا، وأقاموا الدار كما كانت، وسُقِفَت وبيّضَت، وبقيت الطوابيقُ، فكتب الوكيلُ إلى حامد يسألُه أنْ يلبَثَ في البستان إلى العِشاء الآخرة، فأقام، وكتَبَ الوكيلُ جميع ما ذهب للشيخ حتى المِقْدَحَة والمِكْنَسَة، وأُحضِرَت الصَّناديق، وامتلأت الخزائنُ بالأمتعة، وكمُلَت الدارُ، واجتاز حامد بها وقد اجتمع الناس كأنَّه يومُ عيد، والناس يَضجّون بالدعاء له، وحمل حامد إلى الشيخ خمسةَ آلاف درهم يزيدُها في بضاعته، ثم سار حامدٌ إلى داره.
стр. 7774
قد ذكرنا أنَّ المقتدر لمَّا نكبَ حامدُ أمر ابنَ الفرات أنْ [لا يُعارضَه ولا] يناظره [إلا] بمحضرٍ من القُضاة والكتَّاب، [وحضور] مُفْلح الخادم وكان بينهما عداوةٌ، فأغلظ له مفلح، فقال حامد: والله لأبتاعنَّ مئة أسودَ مثلِك وأجعلهم قوَّادًا، وأسمِّي كلَّ واحد مفلحًا، فنقل مفلح إلى الخليفة عن حامد ما لم يَقُلْه، فسلَّمه إلى المُحَسِّن بن الفرات، فعذَّبه، ثم بعَث به إلى واسط مع خادمه القاسمي (١) ليعذِّبَه هناك، وكان في رمضان، وأخذ حامدٌ بيضًا يتحسَّاه نِيم رُسْته (٢) في الطريق، فتحيَّل الخادمُ حتى سمَّه في بعضه، فلَحِقَه ذَرَبٌ عظيمٌ، ودخل واسطًا وهو مُثْقَل، فسلَّمه إلى محمد بن علي البَزَوْفَري، وكان ينظُر في واسط من قبل حامد.
وأسرع الخادمُ إلى بغداد، فأراد البَزَوْفَري أن يحتاط لنفسه، فأحضر قاضيَ واسط وشهودها ليَشهدوا عليه أنَّه مات حَتْف أنفه، وأنَّه لا صُنْعَ للبزوفري فيه، وكتبوا كتابًا وقالوا: نشهدُ عليك، فقال حامد: اشهدوا أنَّ ابنَ الفرات الكافرَ الفاجرَ الرافضي الزنديق عاهدني إن أقرَرتُ بأموالي لا ينالُني بمكروه، فأقررتُ له بها، فسلمني إلى ابنه الفاجر، فعذَّبني بأنواع العذاب، وأخرجني إلى هذا البلد مع خادم القاسم بن عبيد الله، وكان أهذا الخادم، يتولَّى قتلَ النفوس للقاسم، فغافلني وسقاني سُمًّا في بيض فقتلني، ولا ذَنْب للبزوفري في دمي إلى وقتنا هذا، ولكنَّه كفر إحساني إليه، فاشهدوا عليّ بما قلتُ.
وكتَبَ صاحبُ البريد إلى المقتدر بذلك، ومات حامدٌ لثلاث عشرة ليلة خَلَت من رمضان، فكان بين وفاته ومقتل الحَلّاج تسعة أشهر وعشرة (٣) أيام.
وقيل: إنَّ الذي سمَّه في البيض المُحَسِّن، وخرج من بغداد مَسْمومًا (٤).
стр. 7775
محمد بن إسحاق
ابن خُزَيمة بن المُغيرَة، أبو بكر، الحافظ، السُّلَميُّ، النيسابوريُّ، مولى مُجَشِّر بن مُزاحم.
طاف الدنيا في طلب الحديث، وصار مُبرِّزًا فيه، وتوفي بنيسابور ليلةَ السبت ثامن ذي القعدة، ودفن بداره، ثم صارت مَقْبُرَة.
سمع إسحاق بن راهويه، وأحمد بن مَنيع، وبشر بن معاذ وغيرهم.
وروى عنه جماعة من مشايخه، منهم: البخاريُّ، ومسلم، وغيرهما، وأجمعوا على صدقه وأمانته وفضله (١).
أبو محمد الزَّاهد
الجُريري، بضمِّ الجيم (٢). واسمه: أحمد بن محمد بن الحسين، وقيل: الحسن بن محمد، وقيل: عبد الله بن يحيى، والغالبُ أنَّ اسمه كنيتُه.
وهو أحدُ المشايخ الصوفية (٣)، ولمَّا مات الجنيدُ أقعدوه مكانه لحُسْن طريقته، وفضله، وقدمه.
[وفي رواية:] قيل للجنيد: مَن نُقعِدُ بعدك؟ فقال: الجريري [، وصحب سهل بن عبد الله أيضًا.
ذكر طرف من أخباره:
روى عنه أبو عبد الرحمن أنه قال:] ما مَدَدتُ (٤) رجلي منذ عشرين سنة عند جلوسي
стр. 7776
في الخَلْوة، فإنَّ استعمال الأدب مع الله أولى.
وقال أبو عبد الرحمن السُّلَمي: أقام الجريري بمكةَ في سنة اثنتين وتسعين ومئتين سنةً لم يأكل ولم يَشرب ولم يَنَم، ولم يستند إلى شيء، ولم يمد رجليه، وكان مُقامه في المسجد الحرام، فقيل له: بم قَدَرْتَ (١) على هذا؟ فقال: علم الله صِدْق باطني فأعانني على ظاهري.
[وحكى عنه في "المناقب" أنَّه] قال: حَججْتُ وقَدِمتُ منزلي، فأتيتُ الجنيدَ لئلَّا يتعنَّى [لزيارتي]، فسلَّمتُ عليه ثم انصرفتُ، فلمَّا كان في اليوم التالي صلَّيتُ الفجر في المسجد، فلمَّا سلمتُ إذا بالجنيد خلفي، فقلتُ: يا أبا القاسم، إنَّما بدأتُ بك أمس لئلَّا تتعنَّى، فقال: ذاك فضلُك وهذا حقك.
[وحكى عنه أيضًا أنه] قال: كنتُ في مسجد مدينة النبي ﷺ ، فانكسَفَ القمرُ ليلةَ جمعة، فنظرتُ فإذا به أسودُ، مكتوبٌ في وسطه بالنور: أنا الله وحدي، فغُشِيَ علي حتى أصبحتُ.
وقال لأصحابه: هل فيكم مَن إذا أراد اللهُ أنْ يُحدِثَ حدثًا في المملكة أبدى علمه إليه قبل إبدائه إلى الكون؟ قالوا: لا، قال: فمُروا وابكوا على قلوبٍ لم تَجِد من الله شيئًا من هذا.
وقال: مَن رَضِيَ بدون قَدْره رفَعَه الله فوق غايته.
وقال: عَبيدُ النِّعم كثيرٌ، وعبيدُ المنعم يَعِزُّ وجودُهم.
وقال في تأويل قوله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩] قال: سامعين من الله، قائلين بالله.
وقال: إن الذي يقرأُ القرآن لينال بقراءته جزاءً، ثم أعطي الجنة فقد رضي بالقليل؛ لأن الجنة مَخلوقةٌ والقرآن قديم.
وقال: مَن تحلَّى بشاهد الحقِّ عُصِمَ، ومَن تحلَّى بشاهد نفسه قُصِمَ.
стр. 7777
وقال: قال لي الجُنيد: يا أبا محمد، ما معنى قوله ﵇: "أنا سيِّدُ ولدِ آدمَ ولا فَخْر"؟ (١) قلتُ: معناه: أنَّني لا أفتخرُ بالعطاء، بل أفتخر بالمعطي، فقال: أحسنتَ.
وسئل الجريري عن قوله تعالى: ﴿يَاليتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ [مريم: ٢٣] فقال: الخواصُّ لهم إشْراف على ما يَتَجَدَّد من الحوادث، فلمَّا ولدت مريمُ عيسى أشرفَت على ما سيكون، فغمَّها أنْ يكونَ منها ما يُنسَب إلى الربوبية، فقالت: يا ليتني متُّ قبل أنْ أحملَ بمَن يتَّخذُه الناس إلهًا، فأنطق الله عيسى فقال: إنّي عبد الله آتاني الكتاب، والعبدُ لا يكونُ إلهًا.
ومما أنشد الجريري: [من الكامل]
قِفْ بالدِّيار فهذه آثارهم … تبكي الأحبَّةَ حَسْرةً وتَشَوُّقا
كم قد وقفتُ بها أسائلُ مُخبِرًا … عن أهلها أو صادقًا أو مُشْفِقا
فأجابني داعي الهوى في رَسْمها … فارقْتَ مَن تَهوَى فعَزَّ المُلتقى
وأنشد أيضًا: [من الطويل]
شكرتُكَ لا أنِّي أُجازيك مُنْعِمًا … بشُكري ولكن كي يقال له شُكْرُ
فأذكرُ أيامي لدَيك وحُسْنَها … وآخرُ ما يبقى على الذَّاكرِ الذّكْرُ
ذكر وفاته (٢):
حكى الخطيبُ، عن السُّلَمي، عن أبي سعيد الرَّازي قال: تُوفّي الجريري في سنة وقعة الهَبِير، وكانت في سنة إحدى عشرة وثلاث مئة.
قلتُ: وقد اختلفوا في وقعة الهبير على قولَين: أحدهما -: أنَّ القِرمطي عارضهم في سنة إحدى عشرة وثلاث مئة، والثاني: في سنة اثنتي عشرة.
وحكى الخطيب عن أحمد بن عطاء الرُّوذَباري أنَّه قال: مات الجريري سنة الهَبِير، فاجتَزْتُ به بعد سنة، وهو مستندٌ جالسٌ ورُكبتُهُ إلى صدره، وهو يشير إلى الله تعالى بأُصبعه (٣).
стр. 7778
السنة الثانية عشرة وثلاث مئة
فيها في يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة بقيت من المحرم عارض أبو طاهر بن أبي سعيد الجَنَّابي قافلةَ الحاج قريبًا من الهَبير، وسنُّه يومئذٍ سبع عشرة سنة، وهو في ألف فارس وألف راجل، وكان في القافلة أبو الهَيجاء عبد الله بن حَمْدان -وطريق مكة وبَذْرَقةُ (١) الحاج إليه- وأحمد بنُ بدر عمُّ السيدة والدةِ المقتدر، وشقيق (٢) خادم السيدة، وجماعة من الأعيان، فأسَرَهم أبو طاهر، وأخذ الأموال والجمال، والنساء والرجال والصبيان، وسار بهم إلى هَجَر، وترك باقي الحاج مواضعَهم بغير زادٍ ولا رَواحل، فمات أكثرُهم بالعطش والحفاء.
وبلغَ الخبرُ إلى بغداد فانقلبَت من الجانبَين، وخرج النساءُ مُنشرات الشعور، مُسَودات الوجوه، يَلْطِمْنَ ويَصْرُخن في الشوارع، ثم انضاف إليهم حُرَمُ الذين نكبَهم ابنُ الفرات، فكانت صورةً شَنِعةً لم يُرَ مثلُها.
وبلغ المقتدرَ الخبرُ، فضعُفَ أمرُ ابن الفرات، واستدعى نصرًا الحاجب فأدخله في المُشاورة، وتمكَّن منه نصرٌ وقال له: الساعةَ تقول أيُّ شيءٍ ترى، بعدَ أنْ زَعزعت أركانَ الدولة وعرَّضْتَها للزَّوال بإبعادك لمؤنس الذي كان يُناضلُ الأعداء ويدفعُ عن الدولة، ومَن لنا الآن بدَفْع هذا الرجل عن الحَضْرة؟ ومَن الذي أسلَم رجال السلطان وخَدَمَه وقُوَّادَه إلى القرمطي سواك؟ وقد ظهر الآن أمرُ الرجل الأعجمي الذي وُجد في دار السلطان، أنَّه كان صاحبًا للقرمطي [وأنت أوصلْتَه] (٣).
ثم التفت نصر إلى المقتدر، وأشار عليه بمكاتبة مؤنس، والتَّعجيلِ به إلى الحضرة، فأمر أن يُكتب إليه بالقدوم، فلمَّا خرج مِن عند المقتدر سألَ ابنُ الفرات نصرًا أن لا
стр. 7779
يكتبَ إلى مؤنس حتى يكون هو الذي يكتب، فأوهمه أنَّه يتوقف، وبادر وكتب إلى مؤنس من يومه، وأنفذ الرُّسلَ، وأمره بالمُبادرة إلى الحضرة، وكتب ابنُ الفرات بمثل ذلك عن المقتدر.
ووثبت العامةُ على ابن الفرات، ورجمَت طيَّارَه بالآجُر، ورجمَت ابنَه المحسِّن أيضًا، وما زالت العامةُ تَضِجُّ في الطرقات بأنَّ ابنَ الفرات القرمطي الكبير، وأنَّه ليس يُقنعُه إلا إتلاف أُمَّة محمد ﷺ ، وامتَنَع الناسُ من الصَّلوات في الجوامع والمساجد.
وأشار ابنُ الفرات بإخراج ياقوت الكبير إلى الكوفة ليضبطَها من القرمطي، فتقدَّم المقتدرُ إليه بالخروج في الغلمان الحُجَريَّة (١) ووجوه القُوَّاد، وأزاح عِلَلَهم، وأنفق فيهم خمسَ مئة ألف دينار.
وسار القرمطي إلى هَجَر ولم يَقْرُب الكوفةَ، فرجع ياقوتُ مِن بعض الطريق، وأصلح المقتدر بين نصر وابنِ الفرات.
وقَدِم مؤنس بغدادَ غرَّةَ ربيع الأول، ودخل على المقتدر من وقته، وعاد إلى داره، فركب إليه ابنُ الفرات بسبب السلام عليه، ولم يَجْرِ بذلك عادةٌ، ولا لأحد من وزراء المقتدر قبلَه، فخرج مُؤنس إلى باب داره، وتلقَّاه، وسأله الانصرافَ، فلم يفعل، وصعد من طيَّاره، ودخل دار مؤنس، وهنَّأه بالسلامة، ثم خرج وخرج معه مؤنس إلى أنْ نزلَ في طيَّاره، وقبَّل يدَه.
ولمَّا اضطرب أمرُ ابنِ الفرات خاف المحسن ابنُه أنْ يظهر عليه ما أخذه من الذين نكبهم لنفسه، فسلَّمهم إلى محمد بن علي الشَّلْمَغاني، ويعرف بابن أبي العَزاقِر نائبِهِ على العقوبات، وفيهم عبد الوهاب بن ما شاء الله، ومؤنس خادمُ حامد، فذبحَهم كما يُذبَح الغَنَم، وذهب بإبراهيم بن عيسى أخي عليِّ بن عيسى إلى البصرة بعد أن استأصله، وسلَّمه إلى عاملها، فسمَّه فمات، وكَثُر حُرَم المقتولين على باب ابن الفرات وابنه المُحسّن.
стр. 7780
ولما اشتد الإرجافُ بعزل ابن الفرات، بعث رسالةً إلى المقتدر يقول: يا أمير المؤمنين، أنت تعلم أنَّني عاديتُ في استيفاء حقوقك الكبيرَ والصغير، واستخرجتُ لك الأموال من الدنيِّ والشريف، وبلغتُ غايةَ ما أمكنني في طاعتك، فلا تقبل فيَّ مَن يريد إبعادي عن خدمتك، ويغريك بما لا فائدةَ لك فيه، ويحملُك على ما تُذَمُّ عواقبُه، وبعدُ، فطالعي وطالعُك واحد، وليس يَلحقُني شيءٌ إلا لَحِقَك مثلُه، فلا تَلتفت إلى ما يُقال لك، وقد علمَت الخاصَّةُ والعامةُ أني أطلقتُ للرجال النَّافذين إلى مكة ما لم يُطلقه أحد مِمَّن تقدَّمني، واخترتُ رؤساءَ القواد وشجعانَ الرجال، وأزحتُ العلَّة في كل ما التُمِس منِّي، فحدَث من قضاء الله تعالى على الحاجِّ ما قد حدث في أيام المكتفي مثلُه فما أَنْكرَه على وزيره، ولا أكبر به جرره، ولا أفسدَ عليه وزارَتَه.
وأتبع هذه الرسالة ما شاكَلَها. ثم بعد أيام بعث المقتدر فقبض عليه وأخرجَه إلى طيَّار فيه مؤنس، فرفَعَه مؤنس، وخاطبه بخطابٍ جميل وعاتبه، فتذلَّل له وخاطبه بالأستاذ، فقال مؤنس: الساعةَ تُخاطبني بالأستاذ وبالأمس تُخرجني على سبيل النَّفْي إلى الرقة والمطرُ على رأسي، وتذكر لمولانا أميرِ المؤمنين أنَّني أسعى في فساد دولته.
ثم انحدر به إلى دار السلطان، ومعه أولادُه وكتَابُه، والمُحسّن قد استتر، ورَجَمت العامةُ طيار مؤنس، وكثُر ضجيجُهم على ابن الفرات، ويقولون: قد قُبِضَ على القِرمطيِّ الكبير وبقي القرمطيُّ الصغير، واعتُقِل وأولادُه في دار الخليفة، وسلمهم نصرًا الحاجب، فكانت مدَّة وزارته الثالثة عشرة أشهر وثمانية عشر يومًا.
ولمَّا كان يوم الخميس لتسعٍ خلَون من ربيع الأول (١) استوزَر المقتدرُ عبد الله بن محمد الخاقاني، وخَلَع عليه، وشافَهَه بالوزارة، وركب إلى داره ومعه مؤنسٌ الخادم، وهارون بن غريب الخال، ونصر الحاجب والأعيانُ.
ذكر ما جرى على ابن الفرات:
لمَّا حُبس في دار الخلافة شَغَبت العامة وقالوا: لا نرضى إلا أن يُخرج منها، ويُسلم إلى شَفيع اللؤلؤي، فقبض عليه شفيع، وحمله إلى داره.
стр. 7781
ولمَّا وَلي الخاقاني راسل شفيع ابنَ الفرات فيما يَبذله من المُصادرة عن نفسه؛ لئلَّا يُسلَّم إلى الخاقاني، وكان الخاقاني قد استتر أيام وزارة ابن الفرات خوفا منه، فقال ابن الفرات: أريد أمان المقتدر، وما عندي سوى مئة وستين ألف دينار، فأمر المقتدرُ بتسليم ابنِ الفرات وأولاده إلى الخاقاني، فحُملوا إليه، فسلَّمهم إلى رجل يُعرَف بأبي العباس بن بعد شَرّ (١)، فعذَّبهم حتى استصفى أموالهم، فبلغت ألفي ألف دينار.
وكان ابنُه المُحَسِّن قد استتر بالكَرْخ عند امرأة فغُمز عليه، فأخذه نازوك ليلة الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول، فضُربت الدَّبادِبُ نصف الليل فَرَحا بأخذه، فارتاع الناسُ، وظنُّوا أنَّ القِرمطيَّ قد كبَس بغداد، وكان المحسن في زِيّ امرأةٍ قد خَضَب يديه ورجليه بالحِنَّاء، فسُلِّم إلى ابن بعد شر، فأوقع به مكروهًا، وأخذ خطَّه بثلاثة آلاف ألف دينار، ولم يقرَّ بشيءٍ، ولم يؤخذ منه درهم.
واتَّفق هارون بن غريب الخال، ومؤنس، ونصر الحاجب على قتل ابن الفرات وولدِه، وكاشفوا المقتدرَ فقال: دعوني أنظر. فقالوا: نخافُ أن يَشغَب (٢) القوَّاد والناس، واستشار الخاقاني فقال: لا أدخل في سَفْك الدّماء، والمصلحةُ حملُهما إلى دار الخليفة، فإذا أمِنا أظهرا المال [، ولا ينبغي أن يَسْهُلَ على الملوك قتلُ أحدٍ من الحواشي، فكيف يسهل عليهم قتلُ خواصِّهم؟].
ولمَّا كان يوم الأحد لاثنتي عشرة خلَت من ربيع الأول قُدّم إلى ابن الفرات طعامٌ فقال: إنِّي صائمٌ، فلمَّا كان عند المساء قُدِّم إليه فقال: لستُ أفطرُ الليلةَ، وأنا غدًا مقتول، فقيل له: نُعيذُك بالله، فقال: [بلى] رأيتُ أخي أبا العباس البارحة في النوم وهو يقول: أنت تُفطر عندنا يوم الاثنين بعد غدٍ، وما قال لي شيئًا في النوم قطّ إلا وصَحَّ.
فلمَّا كان يوم الاثنين انحدر الرؤساء والقوَّاد إلى دار المقتدر، فلم يصلوا إليه، فكتبوا رقعةً: إنْ تأخَّرَ قتلُ ابنِ الفرات وابنه اليوم جرى على المملكة ما لا يُتَلافى.
стр. 7782
فأرسل إلى نازوك، فأمر بقتلهما، فقال نازوك: هذا أمر عظيم، لا يُقنعني (١) فيه رسالة، فأمر المقتدرُ بإدخاله إليه، فشافهه بذلك، [فخرج إلى ابن الفرات،] فقتل المحسِّن، وجاء برأسه إلى أبيه، فارتاع وقال لنازوك: راجع أميرَ المؤمنين فأنا أُقر بأموالي وودائعي، وعندي مالٌ عظيم وجواهر جليلة (٢)، فلم يلتفت، وضرب عُنقه، وبعث برأسيهما إلى المقتدر، فأمر بأن يُرميا في دجلة، فغُرِّقا.
وكان سنُّ أبي الحسن بن الفرات حين قُتل إحدى وسبعين سنة وشهورًا، إلا أنه ولد سنة إحدى وأربعين ومئتين، وسنّ ابنه المُحسن ثلاثًا وثلاثين سنة، فكان بينهما وبين وفاة حامد [بن العباس] الوزير ستةُ أشهرٍ وأيامًا.
ولمَّا قُتل ابن الفرات جاء هارون بن غريب إلى الخاقاني فهنأه، فغُشي عليه حتى ظنَّ هارون أنَّه قد مات، وصرخ عليه أهلُه وغلمانُه، وقال مؤنس: أليس قد قُتل ابنُ الفرات؟ والله لنقتلَنَّ كلنا [كما قتل].
وقيل: إن كاتبَ ابن الفرات ويقال له: أبو الطيب رأى في منامه كأنَّه دخل إلى مكان وفيه مؤنس، وفي يده عشرُ خواتيم فُصوصُها ياقوتٌ أحمر، ومؤنس يقول: قد قُتل ابن الفرات، والله لنقتلن كلُّنا، أوَّلُنا المقتدرُ، وأنا والله ما أردتُ قتلَه، وإنما قتله نصر الحاجب، فكان كما قال، قُتل مؤنس بعد عشر سنين (٣).
وكان أبو نَصْر وأبو عبد الله ابنا أبي الحسن بن الفرات مُعْتَقَلَين، وكان قد أخذ خطُّهما بأربع مئة ألف دينار، فقال مؤنس للمقتدر: إنهما قد أُصيبا بأبيهما، وما كان لهما مع المحسن مدخلٌ، وأسأل أن يُطلَقا ولا يؤخذ منهما شيء، فأجابه المقتدر، فخلع عليهما مؤنسٌ، وأعطى كلَّ واحدٍ عشرة آلاف درهم.
وفيها أطلق القرمطي أبا الهيجاء عبد الله بن حمدان، فوصل إلى بغداد، وبعث القرمطى يطلب من المقتدر البصرةَ والأهوازَ، وذكر ابنُ حمدان أنَّ القرمطيَّ قتل من الحاجِّ من الرجال ألفَين ومئتين، ومن النساء ثلاث مئة، وبقي عنده بهجر ألفان ومئتان
стр. 7783
من الرجال، وخمس مئة امرأةٍ.
وفيها فُتحت فَرْغانة على يد والي خُراسان.
وحج بالناس الحسين بن عبد العزيز الهاشمي (١)
وفيها توفي
علي بن محمد
أبو الحسن، ابن الفُرات، الوزير.
وزر للمُقتدر ثلاث مرات، وملك أموالًا عظيمةً تزيد على عشرة آلاف ألف دينار، وأودع الأموال عند وجوه الناس ببغداد، فلم يبقَ قاضٍ ولا عَدْل إلا أودعه، وكذا عند التجَّار والأشراف، بحيث إنه لم يبقَ أحد إلا وله عنده وَديعة.
وكان جبارًا، فاتكًا؛ إلا أنه كان يَرقُّ في بعض الأوقات.
ولمَّا قُلِّد الوزارة قَلد سليمان بن الحسن بن مَخْلَد الدِّيوانَ بأسره، فأقام نحوًا من سنتين، فقام يومًا من دار ابن الفرات، فسقطت من كُمِّه ورقةٌ ولم يعلم، فأخذها بعضُ الغلمان، فقرأها، وإذا بها سعايةٌ إلى المقتدر بابن الفرات، وسَعي لعبد الحميد (٢) كاتب السيدة في الوزارة، فتقرَّب بها الغلام إلى ابن الفرات، فقبض على سليمان، وعذَّبه واستصفى أمواله، ونفاه إلى واسط، فكانت أمُّه تبكي عليه ليلًا ونهارًا، فيقال: إنَّها ماتت بحَسْرته، فرَقَّ له بعد ذلك، وتذكَّر المَوَدةَ التي كانت بينه وبين أبيه الحسن بن مَخْلَد، فكتب إليه كتابًا بخطِّه يقول فيه:
أما بعد، فإني مَيَّزْتُ بين حقِّك وجُرْمِك، فوجدتُ الحق يوفي على الجُرم، وتذكَّرتُ من سالف خدمتك في المنازل التي فيها رَبيت، وبين أهلها دَبَبْتَ ما ثناني إليك، وعَطَفني عليك، وأعادني لك إلى أفضل ما عَهِدتَ، وأجمل ما أَلِفْتَ، فثِقْ بذلك، واسكُنْ إليه، وعَوِّل على صلاح ما اختلَّ من أمرك عليه، واعلم أنَّني أُراعي فيك حقوقَ أبيك التي تقوم
стр. 7784
بتوَكُّد (١) السبب مقام اللحمة من النَّسَب، ولن أدع مُحافظتَها ومراعاة جانبها بمشيئة الله تعالى، وقد قَلَّدتُك دَسْتُمِيسان لسنة ثمان وتسعين ومئتين، وأمرتُ لك بعشرة آلاف دينار تُحمَل إليك من مالي، ويُردُّ جميعُ ما أخذ منك، فتقفد هذه الأعمال، وأَثر بها آثارًا جميلةً تُبيّن حسنَ كفايتك، وتؤدِّي إليَّ ما أحبُّه من زيادتك، والسلام.
وزوَّر رجلٌ كتابًا عن ابنِ الفرات إلى ابن زنبور عاملِ مصرَ ليُولِّيه مكانةً، فلما وقف عليه ابن زنبور أنزل الرجل، وأكرمَه، وأعطاه جائزةً يَسيرةً، ووعده، ثم أنكر ابن زنبور الكتاب، واستراب بالخطاب، وقال للرجل: سوف أنظر في أمرك.
ثم أرسل الكتابَ إلى ابن الفرات، فقرأه وقال لأصحابه: ماذا تَرَون؟ فقال بعضهم: تُقطع يده لتزويره على الوزير، وقال بعضهم: يُقطع إبهامُه، وقال بعضهم: يُضرب ويُحبس، وقال بعضهم: يُكشَف أمره لابن زنبور ليَطْرُدَه، فقال لهم ابن الفرات: بئس ما قلتم، وما أبعدَ طباعَكم من فعل الجميل، رجلٌ توسل بنا، وتحمل المشاق إلى مصر يُريد جاهَنا، ولعله ما وصل إلينا، فخفَّف عنا بأن طلب جهةً أخرى؛ يكون حظُّه منا الخيبةَ؟! وكان في الكتاب عن لسان الوزير: أن للرجل حُرْمةً وَكيدةً عند الوزير، وسابقَ خدمةٍ قديمة.
فكتب ابنُ الفرات على الكتاب المزوَّر: هذا كتابي، ولا أعلمُ السببَ الذي أنكرتَه واستربْتَ به ما هو، وحرمةُ صاحبه عندي وكيدةْ، وسببُه أقوى ما يكون، فأجزِلْ عطيتَه، وتابع بره، وزِدْ في الإحسان إليه.
فلما وقفَ على الكتاب فعل ما أمره الوزير، فلما كان بعد مدةٍ طويلة دخل على ابن الفرات رجل جميل الهيئة، فأخذ يدعو لابن الفرات، ويبكي ويُقبل الأرض، وابن الفرات لا يعرفه ويقول: بارك الله عليك، ما لك؟ فقال: أنا صاحبُ الكتاب الذي زورتُه على الوزير إلى ابن زنبور، فضحك ابنُ الفرات وقال: فبكم وَصَلك؟ فقال: صَرفني ووَصَلَني عشرون ألف دينار، فقال: الزَمْنا ننفعْك بأضعافها، واستخدَمَه فأكسبه مالًا عظيمًا (٢).
стр. 7785
وابن الفرات أولُ مَن حلَّ نظام السياسة ببغداد، فإنَّه ضَعْضَع أمر القَضاء، فولاه أجهلَ الناس، وقد ذكرنا مقتلَه ومقتل ولده (١).
[فصل: وفيها توفيت]
فاطمة بنت عبد الرحمن
ابن أبي صالح [الحَرَّاني، واسم أبي صالح] عبد الغَفَّار بن داود.
[قال الخطيب: كنيتُها] أم محمد الصوفية (٢)، وُلدت ببغداد، وحُملت إلى مصر وهي حَدَثة. وكانت من الصالحات المُتعبدات، طال عُمُرها حتى جاوزت الثمانين، وكانت تُعرف بالصوفية لأنَّها أقامت تَلبس الصوفَ ولا تنام إلا في مصلاها بغير وطاء فوق ستينَ سنة.
سمعت من أبيها [عبد الرحمن]، وروى عنها ابنُ أخيها عبد الرحمن بن القاسم بن عبد الرحمن (٣).
محمد بن جُمُعة بن خَلَف
أبو قُرَيش، القُهُسْتاني، الحافظُ، الوَرع، صاحبُ الرحلة (٤).
صنَّف "المسند"، وانتشر حديثُه بخُراسان، وسمع خلقًا كثيرًا، منهم: محمد بن حُميد الرَّازي وغيرُه، وروى عنه أبو بكر الشافعي وغيرُه، واتَّفقوا على فضله وصدقه وثقته.
محمد بن محمد
ابن سليمان بن الحارث، أبو بكر، الأزْديّ، الواسِطيّ، ويُعرف بالباغَنْدي (٥).
стр. 7786
رحل في طلب الحديث إلى الأمصار البعيدة، وعُني به العناية العظيمة، وأخذ عن الحفَّاظ والأئمة.
وكان حافظًا فقيهًا يقول: أنا أُجيبُ في ثلاث مئة ألف مسألة من حديث رسول الله ﷺ ، وسكن بغداد وحدَّث بها، وكان عامةُ ما يرويه من حفظه.
وكان حريصًا على حفظ الحديث وروايته، يَسرُد الحديث من حفظه مثلَ تلاوة القرآن، وكان يقول: حدثنا فلان، وحدثنا فلان، وهو يحرِّك رأسَه حتى تسقط عمامتُه. وقال عمر بن أحمد الواعظ: قام الباغَندي يُصلِّي، فكبَّر ثم قال: حدثنا محمد بن سليمان، فسبحنا به، فقال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾.
وقد روى مثلَها ابنُ شاهين فقال: صلينا خلف الباغندي، فافتتح الصلاةَ ثم قال: حدثنا لُوَين، فقلنا: سبحان الله، فقال: حدثنا هلال، فقلنا: سبحان الله، فقال: حدثنا شَيبان بن فَروخ الأُبُلِّي، فقلنا: سبحان الله، فقال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وقرأ الفاتحة.
توفي يوم الجمعة، ودُفن يوم السبت لعشر بقين من ذي الحجَّة.
سمع [محمد بن] عبد الله بن نُمَير (١)، وشَيبان بن فَرُّوخ، وابن المَديني، وخلقًا كثيرًا من أهل الشام ومصر والكوفة والبصرة وبغداد.
وروى عنه القاضي المَحامِلي، وابن مَخْلَد، وابن الصَّواف، ودَعْلَج بن أحمد، وخلقٌ كثير.
وقال الدارقطني: كان يُدلِّس ويحدِّث بما لم يَسمع، وربما سرق (٢).
وقال الخطيب: لم يثبُت من أمر الباغندي ما يُعاب به سوى التَّدليس، ورأيتُ كافَّة شيوخنا يحتجُّون بحديثه، ويُخرِّجونه في الصحيح.
стр. 7787
السنة الثالثة عشرة وثلاث مئة
فيها أمر المقتدر بنَقْض جامع براثا غربي بغداد وجَعْلِه مقابر، وكان يجتمع إليه قومٌ على مَذهب القَرامطة (١) يسبُّون الصحابة ﵃، ومُقدَّمُهم رجلٌ يُعرف بالكَعْكي، فبعث المقتدرُ نازوك في صفر، فقَبض عليه وعلى الجماعة، ووجد معهم خواتيمَ من طين عليها مكتوبٌ: محمد بن إسماعيل الإمام المهدي، فكتب [المقتدر فتوى في] المسجد أنَّه مسجد ضِرار يجب هدمُه، فنُقِضَ وأُحرق جانبٌ منه [وذلك في صفر.
وفيها] في ذي القعدة خرج الحاجُّ من بغداد ومعهم جعفر بن وَرْقاء في ألف فارس من بني شَيبان ليُبَذْرِقَهم [إلى مكة] (٢).
فلَقي القِرمطيَّ بزُبالة، فناوشه قليلًا، واضطرب الناس، ورجعوا إلى بغداد، وجاء القرمطيُّ فنزل بظاهر الكوفة، فقاتلوه فغلبَهم، وأقام بظاهرها ستَّة أيام، يدخل البلد نهارًا، ويخرج فيَبيتُ في عسكره ليلًا، وأخذ من الثِّياب والمَتاع ما لا يوصَف، ثم رحل إلى بلده، ودخل جعفر بغداد [، ولم يحجَّ في هذه السنة أحدٌ خوفًا من القرمطيّ]، وندب المقتدر مؤنسًا الخادم لقتال القرمطيِّ، وجهزَه بألف ألف دينار (٣).
[وفيها انقضَّ كوكبٌ عظيمٌ قبل مَغيب الشمس من ناحية الجنوب إلى ناحية الشمال، فأضاءت الدُّنيا منه إضاءة، وكان له صوتٌ مثل صوت الرَّعد الشَّديد.] (٤)
وفيها صُرِف الخاقاني الوزير، وكانت وزارتُه سنةً وستَّة أشهر وأيامًا، واستوزر المقتدر أحمد بنَ عُبيد الله بن أحمد بن الخَصيب، وخلع عليه، وكان [الخصيبي] قد استخرج مالًا وجواهر من زوجة المُحَسِّن بن الفُرات، فصارَت له بذلك عند المقتدر
стр. 7788
منزلة، فاستوزره، وسلَّم إليه الخاقاني (١)، فصادره، وصادر كُتَّابَه، وأخذ أموالهم.
وفيها [حُمل التَّمر من بغداد إلى البصرة، كان قد] كَثُر الرُّطَب ببغداد، فبيع كلّ ثمانية أرطال بحَبّة، فعمل تمرًا، وبعث منه إلى البصرة [، وصحَّ المثل: حُمل التَّمر إلى هَجَر (٢).
فصل:] وفيها توفي
علي بن عبد الحَميد
ابن عبد الله بن سليمان، أبو الحسن، الغَضائري، نزيلُ حلب (٣).
حج [أربعين حجة في] أربعين سنة من حلب على رجليه ذاهبًا وراجعًا.
[وحكى عنه الخطيب] قال: طرقتُ باب السَّرِيّ السقَطي، فسمعتُه يقول: اللهم اِشْغَل مَن شَغلني عنك بك، وتوفِّي في شوّال.
[وفيها توفي]
علي بن محمد بن بشَّار
أبو الحسن، الزّاهدُ، العابد، البغدادي، صاحبُ الكرامات (٤).
كان من الأبدال، وكان يَعِظُ الناس فيفتح مَجلسَه بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩] فقال له رجل: فما الذي تُريد؟ فقال: هو وعزَّته يعلم أني ما أريد من الدنيا والآخرة سواه (٥).
стр. 7789
[وروى الخطيب عن ابن مِقْسَم قال: كان ابن بشار] إذا أراد أن يُخبر عن نفسه شيئًا قال: أعرف رجلًا حالُه كذا وكذا، فقال ذات يوم: أعرف رجلًا منذ ثلاثين سنةً يشتهي أن يشتهي ليَتْرُكَ ما يشتهي، فما يجدُ شيئًا يشتهي.
وقال: منذ ثلاثين سنةً ما تكلَّمتُ بكلمةٍ أحتاج أن أعتذرَ منها.
[وقال الخطيب:] قال له رجل: كيف الطريقُ إلى الله ؟ فقال: كما عَصيتَه سرًّا فأطِعْه سرّا حتى يوصلَك إليه.
وكانت وفاتُه ليلةَ الخميس لسبع خلون من ربيع الأول، وحضره الوزراءُ والأمراء وأربابُ الدولة، ودُفن غربي بغداد بمَشْرَعة الساج، وقبرُه [اليوم] ظاهرٌ يُزار ويتَبَرك به (١).
حدّث عن صالح بن الإمام أحمد وغيرِه، وروى عنه [أحمد بن] (٢) محمد بن مِقْسَم وغيره، واشتغل بالتعبّد عن الرواية.
محمد بن إسحاق
ابن إبراهيم بن مِهْران بن عبد الله، أبو العباس، السَّرَّاج، النَّيسابوري مولى ثقيف (٣).
وُلد سنة ثمان عشرة ومئتين، ورحل في طلب الحديث إلى الأمصار: بغداد، والكوفة، والبصرة، والحجاز، وصنَّف كُتُبًا كثيرةً، وكان مُجابَ الدعوة، وتوفي بنيسابور.
قال: رأيتُ في المنام كأنَّني أرقى في سُلَّم طويلٍ، فصَعِدتُ تسعًا وتسعين درجةً، فعاش تسعًا وتسعين سنةً.
قال الحاكم: ولد له أبو عمر بن محمد وهو ابنُ ثلاث وثمانين سنة.
стр. 7790
سمع إسحاق بن راهَويه، وخلقًا كثيرًا، وروى عنه البخاري، ومسلم وغيرهما، واتفقوا على صدقه وفضله وثقته ووَرَعه.
[وفيها توفي
يحيى بنُ محمد
ابن محمد بن زياد الكَلْبي.
سكن دقَانِيَة وبيت سَوا، قريتين من قرى دمشق في الغوطة.
حدث عن الحسن بن عَرَفة، وروى عنه شيوخُ الشامِ، وكان ثقةً] (١).
* * *
стр. 7791
السنة الرابعة عشرة وثلاث مئة
فيها خرج أهل مكة بأموالهم وأهاليهم منها خوفًا من قُرب القِرمطيّ منهم، ودخلت الرومُ مَلَطْيَة، فأسروا وقتلوا وسَبَوا، وأقاموا فيها أيامًا كثيرةً، فورد أهلُها بغداد في جمادى الأولى مُسْتَصرِخين.
وفيها جَمَدت دجلةُ عند الموصل، وعبرت عليها الدوابُّ، وجلس ابنُ أبي بَكْرة (١) المحدِّث على الجَمْد في وسط دِجْلة، وسُمع عليه الحديث.
وفي رمضان هبَّت ريحٌ عظيمة، فقلعت شجر نَصِيبين، وهَدَمت منازلَها.
وفي شوال سقط ثلجٌ كثير ببغداد أتلف أكثر النَّخْل، وشجر الأُتْرُجِّ والنَّارَنْج وغيرها، ولم يحج أحدٌ في هذه السنة، ورُدَّ حاجُّ خُراسان من بغداد خوفًا من القرمطي، وقيل: حجَّ بالناس عبد السَّميع بن أيوب.
وفي ذي القعدة قبَضَ المقتدرُ على وزيره الخَصيبي (٢) لاشتغاله باللَّهو واللذات، واختلال الأمور في أيامه، وأعاد علي بن عيسى بن الجَرَّاح إلى الوزارة (٣)، وكان مجاورًا بمكة، فأمر المقتدرُ نازوك فقبض على الخصيبي وأسبابه، وحُبس في دار الخليفة عند زيدان القَهْرَمانة، فكانت مدةُ وزارته سنةً وشهرَين.
وكان أبو القاسم عُبيد الله بن محمد الكَلْوذاني بدمشق قد قلَّده إياها علي بنُ عيسى في المرة الثانية من وزارته، فأحضره المقتدر من دمشق، وقال له: تَنوبُ عن علي بن
стр. 7792
عيسى حتَّى يَحْضُر، وبعث المقتدرُ سلامة الطُّولوني إلى مكة ليُحضِر علي بن عيسى (١)، وأُطلق الخاقاني من حبس الخصيبي، وحُمل إلى منزله فمات في رجب.
وفيها توفِّي
أَحْمد بن عُبيد الله بن عَمَّار
أبو العباس، الثَّقَفي، الكاتب، وكان يُعرف بحمار العُزَير.
له مصنفات في مَقاتل الطالبيين وغير ذلك، وكان يتشيَّع، ويميلُ إلى القول بالقَدَر.
وفيه يقول ابنُ الرُّومي الشَّاعر: [من السريع]
وفي ابن عمارٍ عُزَيريَّةٌ … يُخاصِمُ الدَّهرَ بها والقَدَرْ
ما كان لِمْ كان ومالم يكن … لِمْ لم يكن فهو وَكيلُ البَشَرْ
تُوفِّي ببغداد في ربيع الأول (٢).
الحسين بن أَحْمد بن رُسْتُم
أبو علي، الكاتب، ويعرف بابن زُنْبور (٣)، الماذرائي، من كتَاب آل طُولون.
كان من الفُضلاء، أحضره المقتدر لمُناظرة ابن الفرات، ثم قلَّده خراج مصر في سنة ستٍّ وثلاث مئة، ثم سَخِط عليه وأحضره إلى بغداد، وأخذ خطَّه في رمضان هذه السنة بثلاثة آلاف أَلْف دينار وست مئة أَلْف دينار، ثم أخرج إلى مصر مع مؤنس الخادم فمات بدمشق، وقيل في سنة سبع عشرة وثلاث مئة.
стр. 7793
حدث عن أبي حَفْص العَطَّار وغيره، وروى عنه الدارقطني.
نَصْر بن القاسم
ابن نصر بن زيد، أبو اللَّيث، الحَنَفيّ (١).
كان فاضلًا، فقيهًا، قَيِّمًا بالفرائض، جليلًا، نَبيلًا، ثِقَة، ثبتًا.
حدَّث عن القَواريري وغيره، وروى عنه ابن شاهين وغيره، وله مُصنَّفات.
* * *
стр. 7794
السنة الخامسة عشرة وثلاث مئة
فيها في صفر قدم علي بنُ عيسى بغدادَ، فتلقَّاه النَّاس من الأنبار، ودخل على المقتدر فقرَّبه وأدناه، وخاطَبَه بالجميل، وصرفه إلى منزله، وبعث إليه بكسوة فاخرةٍ، وفُرُش، ودوابّ، وعشرين أَلْف دينار، فلما كان من الغد خَلَع عليه خِلْعةَ الوزارة، فأنشد علي بن عيسى: [من البسيط]
ما النَّاسُ إلَّا مع الدُّنيا وصاحبِها … فكيف ما انقلبتْ يومًا به انقلبوا
يُعظِّمون أخا الدنيا فإن وثَبَتْ … يومًا عليه بما لا يَشتهي وَثَبوا
وفي ربيع الآخر خلَع المقتدرُ على مؤنس، وأمره بالخروج إلى الثُّغور؛ لأنَّ الروم وصلوا سُمَيسَاط، وأخذوا جميعَ ما كان فيها، وضربوا بالنَّاقوس في الجامع، وتجهَّز مؤنس للخروج، ولم يبْقَ إلَّا وداعُه للمقتدر، فجاءه خادمٌ من خواصِّ المقتدر فقال لمؤنس (١): إنَّ الخليفة قد حفر لك زُبْيَةً بدار الشَّجرة، وأمر أن تنفردَ إذا دخلتَ ممَّن معك، ويُمرَّ بك على الزُّبْيَة، وتُلقى فيها وتُدفَن، ويظهر أنَّك وقعتَ في سِرْداب فمتَّ، فامتنع من وداع المقتدر، وركب إلى مؤنس القوَّادُ والغلمان بأسرهم، ولم يبْقَ في باب الخليفة أحد، ولبسوا السلاحَ، وقال له أبو الهيجاء عبد الله بنُ حمدان: أيُّها الأستاذ، لا تخَفْ؛ فلنقاتلَنَّ بين يديك حتَّى تَنْبُتَ لك لِحْية.
فبعث إليه المقتدرُ رُقعةً بخطِّه مع نسيم الشرابي، يحلفُ له فيها بالأيمان المُغَلَّظة على بُطلان ما بلغه، ويُعرِّفه أنَّه سائر إليه الليلة ليحلفَ له مُشافهةً، فصرف مؤنس جميع مَن صار إليه من الجيش إلى دار الخليفة، ولزم أبو الهيجاء دار مؤنس ليلًا ونهارًا، وبعث المقتدر نصرًا الحاجب وخواصَّه، فأحضروا مؤنسًا إلى حضرته، فقبَّل الأرض، وقبَّل يدَي الخليفة وقدميه، فحلف له المقتدرُ أنَّه على صفاء نيَّةٍ له، وأنَّ ما نُقِل إليه ليس له أصل، وودَّعه مؤنس، وسار من بغداد في ربيع الآخر، وشيَّعه الأمير أبو العباس بن المقتدر، والوزيرُ، والخواصُّ، وتوجَّه إلى الثغور فأوقع بالروم، وقتل منهم مَقْتَلةً
стр. 7795
عظيمة.
وقال ثابت: لمَّا وصل خبرُ القِرمطيِّ ردَّه المقتدرُ من تكْريت إلى بغداد، فبعث جيشًا إلى الروم (١).
وفيها ظهرت الدَّيْلَم على الرَّيّ والجبال، وأول مَن غلب لنكي بن النُّعمان، فقتل من أهل الجبال مقتلةً عظيمة، وذبح الأطفال في المُهود، ثم غلب على قَزْوين أرجلٌ دَيلَميّ يقال له:] أسفار بن شيرويه، وألزم أهلَها مالًا وعَسَفهم، فخرج الشيوخ والأطفال والنساء والصبيان إلى المصلَّى يدعون الله عليه.
وكان له قائد اسمه مرداويج [بن زيار، فوثب مرداويج] على أسفار، فقتَلَه وملك مكانه، وأساء السيرة في أَصبهان، وانتهك الحُرمات، وجلس على سرير من ذهب، دونه سريرٌ من فضة يجلس عليه مَن يرفع منه ويقول: أنا سليمان بن داود، وهؤلاء الشياطين أعواني، وكان يسيءُ السيرةَ في أصحابه وخصوصًا الأتراك، فدخل الحمَّام يومًا، فدخل عليه الأتراك فقتلوه ونهبوا خزائنَه، ومشى الديلمُ بأجمعهم حُفاةً تحت تابوته أربعة فراسخ.
وفيها جاء أبو طاهر القرمطيُّ إلى الكوفة في شوال، فنزل قريبًا منها في أَلْف فارس وخمسة آلاف راجل، فجهَّز المقتدر إليه يوسف بن أبي السَّاج في عشرين ألفًا ما بين فارسٍ وراجلٍ مُقاتلة سوى الأتباع، وأخذ القرمطيُّ من الكوفة ما كانوا أعدُّوه من الميرة والعُلوفات ليوسف [فَتَقوَّى بها] وكان القرمطيُّ قد سبق يوسفَ [إلى الكوفة] بيومٍ، وذلك يوم الخميس لسبع خلون من شوال، وبعث يوسفُ إلى القرمطي يدعوه إلى الطاعة، فلم يُجب، والتقوا يوم السبت، فنظر يوسفُ إلى عسكر القرمطيِّ فاحتقره وقال: ومَن هؤلاء الكلاب حتَّى أُفكِّر فيهم، هؤلاء بعد ساعة في يدي، ثم كتب (٢) إلى المقتدر كتاب الفتح قبل اللقاء [تهاونًا به] وأمر بدقِّ الدَّبادب والبوقات، فقال القرمطيُّ: هذا فشلٌ، ولم يكن في عسكره دَبادب ولا بوقات.
стр. 7796
والتقوا، فثبت ابن أبي السَّاج، وقاتل قتالًا شديدًا، وخرج من القرامطة خمسُ مئة بالنُّشَّاب المَسموم، والقرمطيُّ في عَمَّاريَّة في نحو مئتي فارس من ثقاته، فنزل من العَمَّاريَّة (١) وركب فرسًا، وحمل هو ومن معه من أصحابه على يوسف، وحمل عليه يوسف في غلمانه، واشتبكت الحربُ بينهم، فلمَّا كان في آخر النهار أُسر يوسف وفي جَبينه ضَرْبة، بعد أن اجتهد به غلمانُه أن ينصرف فامتنع [عليهم، وصار أسيرًا في يد القرمطي بعد أن] قتل من أصحابه عِدَّةٌ كثيرةْ، وانهزم أصحابُه، وحُمل إلى القرمطي فضُربت له خيمة، وفُرِش له فيها، وداوَوْا جراحتَه.
وبلغ الخبرُ إلى بغداد في ثالث عشر شوال، فانزعج المقتدر وأهلُ بغداد، وعزموا على النُّقْلَة إلى شرقي بغداد، وخرج مؤنس بعساكره إلى باب الأنبار فأقام به، وجاء القرمطيُّ إلى الأنبار فنزل غربيها، فقطعوا الجسرَ بينهم وبينه على الفرات، وأقام غربي الفرات يتحيَّل في العبور إلى الجانب الشرقي، ثم عبر، وقتل أصحابَ السلطان بالأنبار.
وخرج نصر الحاجب والرجَّالة وجميع مَن ببغداد من القوَّاد وغيرهم، واجتمعوا بمؤنس بباب الأنبار، وكانوا أربعين ألفًا من الفُرسان والمُقاتلة والرَّجَّالة وزيادةً على ذلك، وخرج أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان وإخوتُه أبو الوليد وأبو العلاء وأبو السَّرايا في أصحابهم وأعوانهم.
وتقدَّم نصر الحاجب فنزل على نهر زبارا عند عَقْرَقُوف (٢)، على نحو فَرْسَخَين من بغداد، ولحق به مؤنس [واجتمعوا على النهر] وأشار أبو الهَيجاء [على نَصْر] بقطع القَنْطَرة، فتثاقل مؤنس عن قطعها فقال له: أيُّها الأستاذ، اقطعها واقطع لحيتي (٣) معها، فقطعها لإحدى عشرة ليلة خلَت من ذي القعدة.
ولمَّا أصبحوا جاءهم القرمطيُّ في عسكره فحاذاهم، وبعث بين يديه أسود ينظر إلى
стр. 7797
المَخاض، فرَمَوه بالنُّشاب حتَّى جعلوه كالقُنْفُذ، وبينهم النهر، فلم يزل حتَّى رأى القنطرة مقطوعةً، فعاد وأخبر القرمطي، فرجع، ولم يجد مَخاضةً يَعبر فيها، وكان مؤنس قد بَثَق البُثوق.
وأقام القرمطيُّ بإزائهم يومين، ثم سار نحو الأنبار، فلم يتجاسر أحدٌ من عسكر مؤنس يتبعُه.
وقال ثابت: وكان ما أشار به أبو الهيجاء من توفيق الله، فإنَّها لو كانت القنطرةُ صحيحةً لعبر عليها أبو طاهر، وانهزم (١) عسكر الخليفة، وملك أبو طاهر بغداد.
[قلتُ:] فانظروا إلى هذا الخِذْلان، فإنَّ مؤنسًا كان في أربعين ألفًا من الفرسان، والقرمطيّ في أَلْف فارس [من سائر الألوان] وقيل: ثمان مئة فارس وسبع مئة راجِل.
وقال ثابت [بن سنان: لقد حَدَّثني جماعة] أن مُعْظَم عسكر المقتدر انهزموا إلى بغداد قبل أن تقع عيونُهم على القرمطي [ولا رأوا جيشَه]، مع علمهم بقطع القنطرة، لعِظَم ما دخل في قلوبهم من الرّعب.
ووصل أبو طاهر الأنبار لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي القعدة، وظنَّ أصحابُ السلطان الذين كانوا بالأنبار أن القرامطة رجعوا مُنهزمين (٢)، فقاتلوهم، فقُتِل منهم نحوٌ من مئة فارس، وانهزم الباقون، وخرج إليه شيوخ الأنبار ومعهم أمان كان أعطاهم إياه، فلم يتعرَّض لهم.
وكان ابن أبي الساج أسيرًا في ثَقَل القرمطي غربيّ الفرات، وكان مؤنس قد بعث بليق (٣) في ستة آلاف فارس ليُخَلِّص [ابن أبي الساج من ثقل القرمطي]؛ ظنًّا منه أن القرمطي لا يقدر على عبور الفرات، فجاء بليق [فوجده قد عبر إلى ثقله، فانهزم بليق]،
стр. 7798
وأخرج ابن أبي الساج رأسَه من الخيمة لينظر حديث الوقعة، فوقع [إلى] القرمطي أنَّه أراد الهرب، فدعاه إلى حضرته وقال: أردتَ أن تهرب، وزعمتَ أنَّ غلمانك يُخلِّصونك، وأمر به فضُربت عنقُه، وقتل جماعةً من أصحابه، وعمل أطوافًا من القصب والخشب وكان يعبر عليها.
وكان علي بن عيسى قد أقام من باب الأنبار إلى زبارا مقدار فرسخين مئة رجل، مع كل واحدٍ طَيْر يكتبون على أجنحتها خبرَ العدوِّ في كل ساعة، وهرب معظم أهل الجانب الغربي إلى الشرقي، ومضى بعضهم إلى حُلْوان [والبَنْدنيجَين، ولم يشكُّوا أن القرمطي يملك بغداد].
وسار القرمطي إلى هِيت، ورحل (١) مؤنس بالعساكر إلى الأنبار، وقدَّم مؤنس هارون بن غَريب وسعيد بن حَمْدان إلى هِيت برجالهما، فسبقا القرمطيَّ، وصَعِدا على سورها، وقَويت قلوبُ أهلها، ونصب (٢) أهلُ هيت المناجيقَ على الأسوار والعَرَّادات، وعمل القرمطيُّ سلالم، وزَحَف إليها فلم يقدر على نَقْبها، وقتلوا من أصحابه جماعةً، فرحل عنها.
وتصدَّق المقتدر بمال عظيم [لما رحل أبو طاهر من زبارا والأنبار وهيت، فكان] مبلغُه مئتي أَلْف درهم، وتصدَّقَت أمُّه بمئة أَلْف درهم، وعلي بن عيسى بخمسين أَلْف درهم.
وورد كتاب مؤنس يُحصي الذين اجتمعوا في عسكر السلطان بزبارا [فكانوا] نيفًا وأربعين ألفًا سوى الغلمان والأتباع.
ولمَّا وصل الخبر بقتل ابن أبي الساج دخل علي بن عيسى على المقتدر وقال [له:] يَا أمير المُؤْمنين، إنَّما جمع الخلفاء [المتقدِّمون] الأموال ليَقْمعوا بها أعداءَ الدِّين والخوارجَ، ويَحفظوا بها [الإسلام و] المسلمين، ولم يلحق المسلمين منذ قُبض رسول الله ﷺ شيءٌ أعظم من هذا الكافر؛ لأنَّه قد أوقع بالحاجِّ، وجرى عليهم منه
стр. 7799
ما لم يَجْرِ [على أحد] مثلُه، وقد تمكَّنَت هيبتُه في قلوب الأولياء والخاصِّ والعامّ، فاتَّقِ الله يَا أمير المُؤْمنين؛ فإنَّه لم يبق في بيت المال شيءٌ، فخاطِب السيدةَ في مالي تُنفقه في العساكر، فإنَّها دَيِّنة فاضلةٌ، فإن كان عندها مالٌ قد ذَخَرَتْه لشدَّةٍ تَلْحقُها فهذا وقتُه، وإن يكن الأخرى فمالك ولأصحابك إلَّا أقاصي خُراسان.
فدخل على والدته، وأخبرها بما قال الوزير، فأخرجت خمس مئة أَلْف دينار، وأخرج المقتدر ثلاث مئة أَلْف دينار، وجرَّد علي بن عيسى العنايةَ في استخدام العساكر والحاشية وأصحاب مؤنس وبني حَمدان.
وورد من هِيت صاحبُ نصر الحاجب ومعه ثلاثة عشر (١) من القرامطة مأسورين كانوا تخلَّفوا عن القرمطي، فأمر المقتدر بإطلاقهم، وأعطى كل واحدٍ منهم خمس مئة درهم، وثوبَ دِيباج، وعمامةَ خَزٍّ.
وبلغ الوزير أنَّ رجلًا بَبغداد يُعرف بالشِّيرازي (٢) يُكاتب القرمطيُّ، ويطالعه بالأخبار، وأنَّه من خواصِّ أصحابه، [فتقدم الوزير إلى نازوك بالقبض عليه، فبعث إلى مُرَبَّعة الخُرْسِيّ، فأخذه] (٣) فأحضره بين يديه، وسأله عن ذلك فقال: نعم، أنا صاحبُ السيد، وما صحبتُه إلَّا لأنَّه على حق، وأنت وصاحبك وجميع مَن معكم على الباطل، وأنتم كفارٌ، ولا بدَّ لله من إمامٍ عادل وهو المهديُّ صاحبنا، فقال له الوزير: عرِّفني مَن يُكاتبه من ها هنا؟ فقال: أُخبرك بإخواننا المُؤْمنين حتَّى تُسلّمهم إلى صاحبك الكافر؟ فأمر بضَرْبه بالمَقارع والدِّرة، وغُلَّ وقُيِّد وسُلِّم إلى نازوك، فحبسه في المُطْبِق، وامتنع عن الأكل والشرب، فمات بعد ثلاثة أيام.
واستدعى المقتدر مؤنسًا [المُظَفَّر] ونصرًا الحاجب إلى حضرته فقدما، ووَلَّى [أَبا] الهَيجاء [بن حَمْدان] المَوْصل والجزيرة.
واجتمع الجند فشَغبوا على المقتدر، وطلبوا الزّيادةَ، وشتموه أقبحَ شتمٍ، ونهبوا القصر المعروف بالثُّريَّا، وأحرقوا بعضه، وصاحوا: بَطَّلتَ حجَّنا، وأخذتَ أموالنا،
стр. 7800
وجَرَّأتَ علينا عدوَّنا، وتنامُ نومَ الأمَة، فبذل لهم المال فسكتُوا.
وجُدِّدَت الخنادق على بغداد، وأُصلحت الأسوار، ولم يحجَّ أحدٌ من العراق [خوفًا من القرمطي]. وقيل: حجَّ بهم عبد الله بن عبيد الله بن سليمان بن محمَّد الأزرق (١).
وفيها تُوفِّي
الحسين بن مسلم
ابن محمَّد بن عُفَير (٢) بن محمَّد بن سَهْل بن أبي حَثْمَة الصحابي، أبو عبد الله.
ولد سنةَ تسع عشرة ومئتين، وتوفي في صفر بالجانب الشرقي من بغداد عن سبعٍ وتسعين سنة وأيام.
حدَّث عن أبي بكر بن أبي شَيبة وغيره، وروى عنه ابن شاهين وغيره، وكان ثِقَة.
[فصل: وفيها تُوفِّي]
الحسين بن عبد الله
أبو عبد الله، الجَوْهَري، ويُعرف بابن الجَصَّاص، صاحبُ الأموال والجواهر التي ذكرناها.
وكانت بدايةُ أمره أنَّ أَحْمد بن طولون قال: لا يُباعُ لنا شيءٌ إلَّا على يده، فكَسِب الأموال.
قال: كان بدوُّ إكثاري (٣) من الأموال أنِّي كنتُ جالسًا في دهليز حُرَم [أبي الجَيش]
стр. 7801
خُمَارويه بن أَحْمد بن طولون، وكنتُ أبتاعُ لهم الجوهرَ وغيره، وما كنتُ أفارق الدِّهليز، فخرجت إليَّ قَهْرَمانةٌ لهم في بعض الأيام ومعها عِقْدُ جوهرٍ، فيه مئة حبَّة لم أر قبله أحسن منه، تساوي كلُّ حبةٍ أَلْف دينار، فقالت: نحتاج تَخْرِط هذا حتَّى يَصْغُر، فأخذتُه [وقلتُ: السمعُ والطاعة]، وخرجتُ في الحال، فجمعتُ التجار، ولم أزل أشتري ما أقدر [عليه]، حتَّى حصَّلتُ مئةَ حبةٍ من النوع المطلوب، وأتيتُ بها إلى القهرمانة وقلتُ: قد خَرَطْنا اليوم ما قَدَرْنا عليه، والباقي نخرُطُه، وحملتُ إليهم مئتَي حبَّة وقلت: هذا تمامُه، وتُقُوِّم على ذلك بمئة أَلْف درهم.
وقال: نَكَبني المقتدر وحَبَسني، فأقمتُ مدةً، وأصبحتُ يومًا وأنا آَيَسُ ما كنتُ من الفَرج، فجاءني خادمٌ فقال: البشارة لي، قلتُ: وما الخبر؟ قال: شفعَت فيك السيدة وقالت: شيخٌ، وغريبٌ، وله خدمةٌ، وقد استأصَلْتَه، فما تريدُ منه؟! فشفَّعَها فيه.
قال: فلمَّا خرجتُ مررتُ بدار السيدة، فرأيتُ هناك أحمالًا من الخَيش في أعْدالٍ، مئةُ عِدْل، فعرفتُها (١)، وكانت قد أُخِذت في المصادرة ولم يعلموا ما فيها، وكان وكيلي قد بعث بها إليَّ من مصر، وجعل في باطن كلِّ خيشٍ ألفَ دينار كانت لي هناك، ولاستغنائي عن المال لم أفتح الأعدال، وألقيتُها في بيتٍ، فلمَّا نُكبت ونُقل جميعُ ما في داري أُخذت، فلما رأيتُها بحالها قلت للخادم: قَبِّل الأرضَ بين يدي السيدة وقيل لها: قد أحسنْتِ إليَّ، وقد خرجتُ من الحَبس كما ترين، وهذا الخَيش لا يُنتَفع به، فإن رأيتِ أن تُطلقيه لي لأبيعَ منه ما أُنفقُه عليَّ، فإنَّكم لا تنتفعون به، فأطلقَتْه، فأخذْتُه وفتحتُ الأعدال، وأخرجتُ من كلِّ خَيشٍ ألفَ دينار، وبعتُ الخيش.
قال المُحَسِّن: ولمَّا صُودِرَ كان في داره سبعُ مئة مُزَمَّلَة خَيزُران -فما ظنُّك بدار يكون فيها هذا- وبلغت مصادرتُه ستة آلاف أَلْف دينًار، غير المَتاع والأثاث والدَّواب والغِلمان (٢).
стр. 7802
وقال جعفر بن وَرْقاء الشَّيباني: اجتزتُ بدار ابن الجَصَّاص بعد إطلاقه من المُصادرة، وإذا به في رَوْشَن داره يَعدو من أوله إلى آخره في يوم شديد الحرِّ كالمجنون، فصَعِدتُ إليه وقلتُ: ما الذي أصابك؟ فوقَع ساعةً كالمَغْشيِّ عليه، ثم أفاق فغسل وجهَه ورجليه وقال: أوَلا يحقُّ لي أن يذهب عقلي وقد أُخِذ مني كذا وكذا، وجعل يَعدُّ، فذكر شيئًا كثيرًا، فقلتُ له: يَا هذا، إنَّ نهايات الأموال غيرُ مُدرَكةٍ، وإنَّما يجبُ أن تعلمَ أنَّ النفوسَ لا عِوَضَ لها، فكذا العقولُ والأديانُ، فما سلم لك من ذلك فالفضلُ معك، وإنَّما يَقلَقُ هذا القلق مَن يَخاف الفقرَ والحاجةَ إلى النَّاس، أو يخاف ذهابَ الجاه، فاصبر حتَّى أُوافقك على أنَّه ليس ببغداد اليوم بعد الذي خرج عنك أيسرُ منك من أصحاب الطَّيالِس، فقال: هات.
قلتُ: أليس دارك هذه التي كانت قبل المصادرة [ولك فيها من الفُرُش والأثاث ما فيها؟ قال: بلى. قلت: وعَقارك] بالكَرْخ يُساوي خمسين أَلْف دينار؟ قال: نعم، قلت: وبستانك الفلاني وضيعتك الفلانية وقيمتها كذا وكذا؟ [ولك] بالبصرة عقارٌ وملك قيمتُه مئةُ أَلْف دينار (١)، وأحصيتُ له ما قيمتُه سبعُ مئة أَلْف دينار، وقلتُ: اصدُقْني عمَّا سلم لك من الجواهر والعبيد والأثاث، فقال: قيمتُه ثلاثُ مئة أَلْف دينار.
فقلتُ: ما ببغداد اليوم مَن له ما يساوي أَلْف أَلْف دينار غيرك، وجاهُك قائمٌ، وهم يظنُّون أنَّك قد بقي لك أضعافُ ما أُخذ منك، فلمَ تَغْتمُّ؟!
فسجد شُكرًا، وبكى وقال: قد غَلَب عليَّ الفكرُ حتَّى خفتُ على عقلي، فالله أنفذك إليَّ، ولو لم تجئني الساعة لزاد الفكر، وما عزاني أحدٌ أنفعَ لي من تعزيتك، وما أكلتُ منذ ثلاثٍ شيئًا، وأُحبُّ أن تقيمَ عندي، فأقمتُ عنده يومي.
وكان فيما أُخِذ لابن الجصاص خمسُ مئة سَفَط من مُرتفع ثياب مصر، ووجدوا في بستانه جِرارًا خُضْرًا فيها أموالٌ عظيمةٌ، وقَماقِمُ مُرَصَّعة مُرَصَّصَة والمال فيها.
وكان مع هذه الثروةِ فيه نوعُ بَلَهٍ وغَفْلة، ويُحكى عنه الحكاياتُ العجيبة، منها:
أنَّه قرأ يومًا في المصحف: "دِرْهم يأكلوا وَيتَمتعوا ويُلْهِهم الأمل" فجعل يقول:
стр. 7803
والله رخيصٌ، آكلُ وأتمتَّع بدرهم، هذا من إنعام الله تعالى.
وكان يُسبِّح كل يوم بعد صلاة الصبح ويقول: أعوذ بالله من نِعمه، وأتوبُ إليه من كرمه، وأستقيلُه عافيته، وأسأله عوائق الأمور، حسبي الله وأنبياؤه وملائكتُه، اللهم وأدخل من بَركة دعائنا على أهل القصور في قصورهم، وعلى أهل البِيَع في بِيَعهم، وعلى أهل الكنائس في كنائسهم، سبحان الله قبل الله وبعد الله.
ومرض بالحمَّى فقيل له: كيف تَجِدُك؟ فقال: الدنيا كلُّها مَحمومة.
ونظر يومًا في المرآة وعنده رجلٌ فقال له: ترى لحيتي قد طالت؟ فقال: المرآة في يدك! فقال: الشاهد يرى ما لا يراه الحاضر (١).
ودخل يومًا على ابن الفرات الوزير فقال: أيَّها الوزير، عندنا كلابٌ ما تَدَعُنا ننام، فقال: لعلَّهم جراء، فقال: لا والله إلَّا كل كلب مثلي ومثلك.
وجلس يومًا يأكل معه، فلمَّا فرغ من الأكل قال: الحمد لله الذي لا يُحلَف بأعظم منه.
ونزل يومًا مع الوزير الخاقاني في زَبْزَبِه وبيده بِطّيخة كافورٍ، فأراد أن يَبصُقَ في دجلة ويعطي الوزير البطِّيخة، فبصق في وجه الوزير وألقى البطيخة في دجلة، فارتاع الوزير وقال له: ويحك ما هذا؟ فقال: غَلِطتُ، أردتُ أنْ أبصُقَ في وجهك وأرمي البطيخة في دجلة، فقال له الوزير: كذا فعلتَ أي جاهل، فغَلِط في الفعل وأخطأ في الاعتذار.
ومن هذا الباب شيءٌ كثير، وقيل: إنّه كان يَتغافل، والصَّحيحُ أنَّه كان مُغفَّلًا (٢).
عبد الله بن محمَّد بن جعفر
أبو القاسم، القَزْويني، الفقيه، الشَّافعيّ (٣).
стр. 7804
وَلي قضاءَ [دمشق] نيابة عن محمَّد بن العباس الجُمَحيّ، وولي قضاء الرَّمْلة، وسكن مصر، وكانت له بها حَلْقة، وكان محمود السيرة فيما ولي.
وكانت له عبادةٌ ونُسُك ووَرع، ثم خَلَّط في آخر عمره فافتُضِح، ومُزِّقَت كُتبه في وجهه، وهَجَره النَّاس فلم يَقْرَبْه أحدٌ، فمات بعد ذلك بيسير.
حدَّث عن الرَّبيع بن سليمان وغيره، وروى عنه ابن أبي العَقَب وغيره، ثم تركوه.
وقال الطحاوي: قدم علينا مصر، فكتب عنه شيوخُها، أمَّا نحن فما كتبنا عنه لأنَّنا نُناظره. معناه: أنَّنا نعرف الحديث ومن يُتَّهم به.
وقال الدارقطني: كان القزويني يضع الحديث (١).
عليُّ بن سليمان بن الفَضْل
أبو الحسن، البغداديّ، النَّحْوي، ويعرَف بالأخْفَش الصغير (٢).
كان عالمًا فاضلًا يُضاهي الأخفشَ الكبير في فضله، وتوفِّي ببغداد في ذي القعدة، وقيل: في شعبان فجاةً.
وكان فقيرًا من الدنيا، وكان أبو علي بن مُقْلَة يَبَرُّه، وكلَّم في شأنه الوزير علي بنَ عيسى ليخرج له رزقًا فلم يفعل، وزَبَر ابنَ مُقلة، وعلم أبو الحسن فاغتمَّ، وانتهت به الحال إلى أن أكل السَّلْجَم (٣) النِّيء، فقبض على قلبه فمات فجأة. وكان مُفتيًا.
سمع ثعلبًا، والمُبرّد، واليَزيديّ وغيرَهم، وروى عنه المعافي بن زكريا وغيره.
ومن شعره يرثي قريبًا له: [من البسيط]
يَا ليتني كنتُ ممَّن كان شاهدَه … إذ ألْبَسوه ثيابَ الغُرْبَة الجُدُدا
وطيَّبوه فما ضَنُّوا بطيبهم … طِيبًا لَعَمْرُك لم تمدد إليه يدا
حتَّى إذا صَيَّروه دون صَفِّهِمُ … وأمَّهم قارئٌ صلَّى وما سجدا
стр. 7805
قالوا وهم عُصَبٌ يَسْتغفرون له … قولَ الأحبَّة لا تَبْعَد وقد بَعِدا
وقال المعافى: كان إذا هجاه إنسانٌ ترك ذلك الهَجْوَ في أماكنه، فيستحي الذي هجاه فلا يعودُ إلى ذلك.
محمَّد بن إسماعيل
ابن القاسم بن إبراهيم طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب، أبو عبد الله، العَلَوي (١).
وإنَّما سُمِّي جدُّه طباطبا لأنَّ أمَّه كانت تُرَقِّصُه وتقول: كبا كبا يعني: نم.
سكن مصر، وكان سيدًا فاضلًا جَوَادًا مُمَدَّحًا، وكان له بمصر جاهٌ ومنزلة جليلة عند السلطان والعامة، وبها تُوفّي، وقبرُه بالقَرافَة ظاهرٌ يُزار ويتبرَّك به.
حدَّث عن أَبيه وغيره، وروى عنه المصريّون، وقدم الشَّام صُحبةَ خُمارَوَيه بن طولون.
محمَّد بن المُسيّب بن إسحاق
أبو عبد الله، النَّيسابوري ثم الأَرْغِياني (٢).
ولد سنة ثلاث وعشرين ومئتين، وطاف البلاد، وكان زاهدًا، خائفًا، بكَّاءً حتَّى ذهب بصرُه، وكان يقول: ما بقي مِنْبَر من منابر الإِسلام لم أدخله لسماع الحديث.
وكان يمشي وفي كُمِّه مئةُ أَلْف حديث في مئة جزءٍ صغار.
وتوفي يوم السبت منتصف جمادى الأولى وهو ابن اثنتين وتسعين سنةً.
سمع خلقًا كثيرًا منهم أَبا سعيد الأشَجَّ، وروى عنه أبو حامد [بن] الشَّرقي وغيره، وأجمعوا عليه.
* * *
стр. 7806
السنة السادسة عشرة وثلاث مئة
فيها في المحرَّم دخل أبو طاهر الرَّحبةَ بعد حرب جرت بينه وبين أهلها، ووضع فيها السيف، وبعث إليه أهلُ قَرْقِيسيا يطلبون الأمانَ، فأمَّنهم، وبثَّ سراياه في الأعراب، فقتلوا وسَبَوا ونَهَبُوا، وجعل على الباقين إتاوةً في كل شهر دينارًا من كل واحد، ثم دخل قَرْقيسيا ونادى: لا يظهرَنَّ أحدٌ من أهلها نهارًا، فلم يظهر أحدٌ، وقصد الرَّقة، وكان في تسع مئة فارس وثلاث مئة راجل، فدخل الرقة، وقتل من أهل الرَّبَض جماعة، ثم دفعه أهلُها، وتبعوه فنهبوا من دوابِّه وسَواده، وانصرف عنها، وبلغ مؤنسًا فسار من بغداد إلى الرقَّة، فوصلها بعد انصراف أبي طاهر الهَجَري عنها.
واجتاز الهَجَري بهيت وقد حمل معه مَتاعَ أهلِ الرحبة في الزَّواريق، وكان أهل هِيت قد نصبوا عليها المَجانيق والعَرَّادات، فحاربهم، فرَمَوه بالحجارة، فقتلوا واحدًا من أصحابه، فارتفع الصُّراخ والبكاء حتَّى ظنَّ النَّاسُ أنَّ الهجريَّ قُتل، ثم ظهر أنَّه أبو الرَّوَّاد من خواصِّ أصحابه، ثم سار، فأخذوا ما رماه أصحابُه من المتاع.
وجهَّز المقتدر نصرًا الحاجب إلى الكوفة بالعساكر في شهر رمضان، فلمَّا بلغ سُورا مرض واشتدَّت عِلَّتُه، فاستخلف أَحْمد بن كَيغَلَغ، وبعث معه بالجيش، فانصرف الهَجَريُّ قبل أن يلقاه، ومات نصر ليلة الأحد لليلتين بقيتا من رمضان، وحُمل تابوتُه إلى بغداد، ودُفن يوم الفطر، وبعث المقتدر شفيعًا إلى الجيش يُخبرهم أنَّه قد استخلف عليهم هارون بن غريب، وانصرف الهَجَري إلى بلده، وعاد هارون إلى بغداد.
ولما رأى علي بن عيسى أنَّ الهجري قد استولى على البلاد استعفى من الوزارة، فكانت مدَّةُ وزارته سنة وأربعة أشهر ويومين.
وقيل: إنَّ المقتدر لم يوافقه وقال: أَنْتَ عندي بمنزلة المعتضد، ولامه مؤنس وقال: لا تفعل، فقال: أَنْتَ تمضي إلى الرقة، ولو كنتَ مُقيمًا لاستعنتُ بك، وكان نصر الحاجب مُنحرفًا عنه، فأشار بأبي علي بن مُقلَة، فاستوزره المقتدر في ربيع الأول، وخلع عليه، ولم يكن من بيت الوزارة وإنَّما ألجأت الضرورة إليه.
стр. 7807
ولمَّا رجع الهجري إلى بلده بني دارًا سمَّاها دار الهجرة، ودعا إلى المهدي، وتفاقم أمرُه، وكثُر أتباعُه، وهرب عمَّالُ الكوفة من بين يديه، وبثَّ السرايا في السَّواد وغيره فأخربوه، فبعث المقتدر هارون بن غَريب إلى واسط، وصافي إلى الكوفة، فوقع هارون على جماعة منهم فقتلهم، وبعث بجماعة منهم أُسارى إلى بغداد مشهورين على الجمال، ومعهم مئةٌ وسبعون رأسًا وأعلامٌ بيضٌ مُنكَّسة عليها مكتوب: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥] فقُتلوا، واستقام أمرُ السواد وطابت قلوبُ النَّاس.
وفيها استوحش نازوك، ووقع بينه وبين هارون حربٌ في ذي القعدة، وسببه: أن سُوَّاس نازوك وهارون تغايروا على غلام أمرد، فأخذ نازوك سُوَّاس هارون فحبسهم بعد أن ضربهم، فوثب أصحاب هارون وانتزعوهم، فدخل نازوك على المقتدر فشكا هارونَ، فلم يكن من المقتدر إنكار، فخرج نازوك مُحْفَظًا، وجمع رجاله، وجمع هارون أصحابه، وزحف نازوك إلى دار هارون، فخرج إليه أصحابه واقتتلوا، وقُتل من الفريقين جماعةٌ.
وركب الوزير ابنُ مُقْلَة ومُفلح الأسود وأدَّيا إليهما رسالةَ المقتدر بالكفِّ فكفَّا. وأقام نازوك في داره يتمرَّض، وجاء إليه هارون بن غريب، واصطلحا وزال ما كان بينهما.
وكَثُر الإرجافُ بأن هارون يتولَّى إمرة الأمراء، وكان مؤنس بالرَّقَّة، فكتب إليه أصحابُه من بغداد بذلك، فسار على طريق الموصل، فقدم بغداد لثلاث بقين من ذي الحِجَّة يوم الأربعاء، ولم يدخل على المقتدر، فبعث إليه ولدَه والوزيرَ ابنَ مُقْلَة، فسلَّما عليه ووصفا شوقَ المقتدر إليه، فاعتل بعلَّةٍ شكاها، وظهرت الوَحْشةُ بينه وبين المقتدر.
وأقام هارون في دار السلطان مُنابذًا لمؤنس، وأقامت الرسلُ تتردَّد بين مؤنس والمقتدر، وسنذكر في سنة سبع عشرة ما آل الأمر إليه إن شاء الله تعالى.
ولم يحجَّ أحدٌ بالنَّاس خوفًا من الهَجَري.
وفيها تُوفِّي
стр. 7808
بُنان بن محمَّد بن حَمدان
أبو الحسن، الزَّاهد، ويُعرف بالحمَّال (١).
أصلُه من واسط، ونشأ ببغداد وسمع الحديثَ بها، ثم انتقل إلى مصر فأقام بها حتَّى مات.
وكان من جِلَّة المشايخ الورعين، الآمرين بالمعروف والنَّاهين عن المنكر، وله المقامات والكرامات، وكان لا يقبل عطيَّةَ السلطان، ويُضرَب المثلُ بعبادته وزُهده وورعه.
قال: لقيتُ امرأةً بطريق مكة وقد حملتُ زادًا على ظهري، فقالت: أَنْتَ حمَّال تحمل الزاد على ظهرك وتتوهَّمُ أنَّه لا يَرزُقُك؟! فرميتُ ما كان على ظهري، ومشيتُ ثلاثة أيامٍ لم آكل، فلقيتُ في الطريق خَلْخالًا من ذهب، فقلتُ في نفسي: أحملُه حتَّى يجيءَ صاحبُه فآخذ منه شيئًا وأعطيه إيَّاه، فعارضتْني تلك المرأة وقالت: أَنْتَ تاجرٌ تقول في نفسك كذا وكذا، ثم رَمَت إليَّ بدراهم وقالت: يَا قليلَ اليقين، أنفقها إلى مصر، فسمِّيتُ الحمَّال لهذا.
وأنكر على ابن طولون، فأمر به أن يُلقى بين يدي السَّبُع، قال: فجعل يَشمُّه ولا يضرُّه، فلما خرج قيل له: ما الذي كان في قلبك حيث شمَّكَ السبع؟ قال: كنتُ أتفكَّر في سُؤر السباع ولُعابها، واختلاف العلماء في نجاسة سُؤرها وطهارته.
وقال [عمر بن] محمَّد بن عِراك: إن رجلًا كان له على رجل وثيقةٌ بمئة دينار، فطلبها فلم يجدها، فجاء إلى بُنان فسأله الدعاء وقال: مالي غيرها، فقال له كان: أنا أحبُّ الحَلوى، فاذهب فاشترِ لي حلوى في قِرطاس، وجاءه بها، فقال له: افتح القِرطَاس. ففتحه، فإذا هو الوثيقة، فقال لبنان: هذه والله وثيقتي! قال: خذها وخُذِ المعقود فأطعِمْه صبيانك، فقال: وأنت؟ فقال: لا حاجةَ لي فيه (٢).
стр. 7809
واحتاج إلى جارية تخدُمُه، فجمع له أصحابه ثمنَ جاريةٍ، فقدم تجَّارٌ من خُراسان ومعهم جارية، فساوموا صاحبها فقال: ليست للبيع، هذه لبُنان الحمَّال، أهدتها إليه امرأةٌ من أهل سَمَرْقَند، فحملوها إليه.
وقال: لَحِقَتْني ضائقةٌ، فخرجتُ وإذا بقطعةٍ من ذهب مُلقاة، فأخذتُها، وجعلتُها في فِيَّ، ومشيتُ غير بعيد، وإذا صبيانٌ بينهم صبيٌّ على شيء مرتفع يتكلَّم عليهم في التصوُّف، فوقفتُ أسمع، فقال له واحدٌ منهم: متى يجدُ العبد حَلاوةَ الصِّدق؟ فقال: إذا رمى القِطعة من الشِّدْق، فأخرجتُها من فمي ورميتُ بها.
نبذة من كلامه:
قال: الحرُّ عبدٌ ما طَمِع، والعبدُ حرٌّ ما قَنِع.
وقال: الخائنُ خائفٌ، والبريءُ جريء، ومَن أساء استوحش، ومَن كان يسُرُّه ما يضرُّه متى يُفلح؟
وقال: خلق الله سبعَ سماوات، وله في كلِّ سماء جنود، وطاعتُهم له على سبع مَقامات، فطاعةُ أكل السماء الدنيا على الخَوف والرَّجاء، وطاعةُ أهل السماء الثَّانية على المحبَّة والحياء، وطاعةُ أهل السماء الثالثة على المِنَّة والدُّعاء، وطاعةُ أهل الرابعة على الشَّوق والهَيبة، وطاعةُ أهل الخامسة على المُناجاة والإجلال، وطاعةُ أهل السادسة على الإنابَة والتَّعظيم، وطاعةُ أهل السابعة على المِنَّة والقُربة (١).
وقال: أنشدني بعضُ أصحابنا وقد دعوتُه: [من مجزوء الرمل]
مَن دعانا فأبَينا … فله الفَضْلُ علينا
فإذا نحن أَجَبْنا … رَجَعَ الفضلُ إلينا
وأنشد بُنان: [من الوافر]
لَحاني العاذِلون فقلتُ مَهْلًا … فإنِّي لا أرى في الحُبِّ عارا
فقالوا قد خَلَعْتَ فقلتُ لسنا … بأوَّل خالعٍ خَلَعَ العِذارا
وتوفِّي بمصر في شهر رمضان، ولم يتخلَّف عن جنازته أحدٌ، ودُفن بالقَرَافة، وقبرُه
стр. 7810
بها ظاهرٌ يُزار. وقيل: مات سنة عشر وثلاث مئة.
وكانت له منزلةٌ رفيعةٌ بمصر عند الخاص والعامِّ، وصحب الجُنيد وأصحابه، وهو أستاذ أبي الحسين النُّوري، سمع الحسن بن عَرَفة وغيره، وروى عنه الحسن بن رَشِيق وغيرُه.
داود بن الهَيثم
ابن إسحاق بن البُهْلُول، أبو سعد (١)، التَّنوخي.
ولد بالأنبار، وبها تُوفي وله ثمانٌ وثمانون سنة.
وكان إمامًا، فاضلًا، مُفتيًا، عارفًا باللغة وغيرها من العروض والنحو والآداب، وصنَّف كُتُبًا في النحو واللغة على مذهب الكوفيين، وله كتاب كبير في خلق الإنسان، وكان شاعرًا فصيحًا، وأخذ العلم عن يعقوب بن السِّكيت وغيره، وحدَّث عن عمر بن شَبَّه وغيره، وروى عنه محمَّد بن المظفَّر وغيره، وكان ثِقَةً.
عبد الله بن سليمان بن الأشعث
أبو بكر بن أبي داود السِّجِسْتاني (٢).
الحافظ ابن الحافظ، محدِّثُ العراق وابنُ إمامها في عصره.
ولد بسِجِسْتان سنة ثلاثين ومئتين، ورحل به أبوه فطوَّف به الدنيا شرقًا وغربًا، وأسْمَعه من علماء خُراسان، والجبال، وأصبَهان، وفارس، والبصرة، والكوفة، وبغداد، ومكة، والمدينة، والجزيرة، والشام، ومصر.
واستوطن بغداد وصنَّف"المسند" و"السُّنن" و"السِّير" و"التفاسير" و"القراءات" و"الناسخ والمنسوخ" وغيرَ ذلك.
وكان فهمًا، عالمًا، حافظًا، ونصب له السلطان مِنبرًا فكان يحدِّثُ عليه، وكان في