سليمان على ملكه. حتى أصابه الجهد، واشتدَّ عليه البلاءُ، فلما تمَّ عليه أربعون يومًا، قال آصف بن برخيا: يا معشر بني إسرائيل هل رأيتم من خلافِ حكم ابن داود ما رأيتُ؟ قالوا: نعم، فعمد الشيطان عند ذلك فألقى الخاتم في البحر، فاستقبله جِرِّيٌّ فابتلع الخاتم، فصار في جوفه مثل الحريق من نور الخاتم، فاستقبل جريةَ الماء فوقع في شباك الصيادين الذين كان سليمان معهم. فلما أمسوا اقتسموا السمك وأسقطوا الجريَّ وجعلوه لسليمان، فذهب به إلى أهله وأمرهم أن يصنعوه ونام، فلما شقُّوا بطنه أضاء البيتُ من نور الخاتم، فدعت المرأة سليمان وأرته الخاتم فتختم به وخرَّ ساجدًا لله، وحمد الله وأثنَى عليه فقال: ربِّ أتمَّ نعمتك عليَّ واغفر لي ما سلف، وهبْ لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي، فذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ (١).
قال: وروي عن عكرمة أنَّ سليمان لما أصاب الملك أمر فحمل أهل ذلك البيت فوضعهم وسط المملكة، ولم يكن سليمان نال تلك المرأة حتى ردَّ الله عليه ملكه (٢). هذه صورة ما ذكره الموفق في "التوابين".
وقوله: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ يدل على أنه أعطيَ الملك الذي ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ بعد وقوعه في المحنة كما قال علي ﵇.
وروي عن وهب بن منبه أنه ذكر هذه القصة، وقال فيها: اسم المرأة التي أخذها سليمان من الجزيرة جرادة فأسلمت، وفي قلبها من قتل أبيها ما فيه، وأنه بعدما كسر الصنم وعاقب المرأة وولائدها، دعا بثياب الطهرة، وهي ثياث لا يغزلها إلا الأبكار ولا تمسُّها امرأة رأت الدم، فلبسها وخرج إلى الفلاة فجلس على الرماد، كذا ذكره (٣).
قال ابن عباس: أمينته التي كان يدع الخاتم عندها أم ولده. فأتاها الشيطان صاحب السحر، واسمه صخر، فأخذ الخاتم منها، وفيه، فقال آصف: يا بني إسرائيل أَمْهِلوني حتى أسأل نساءَ سليمان هل يأتيهنَّ، فدخل عليهن فسألهن فقلن: ما يدعُ امرأة منا في
стр. 807
دمها ولا يغتسل من جنابة، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، إن هذا لهو البلاءُ المبين. والأصحُّ أنه لم يطأ نساءَ سليمان، قال مجاهد والحسن البصري: لم يثبت ذلك لأن الشيطان خلق من نار، فلو جامع امرأة لأحرقها. فلما مضت أربعون ليلة - وقيل: خمسون - اجتمع علماء بني إسرائيل، ونشروا التوراة، وبكوا وتضرعوا إلى الله تعالى، فلما رأى الشيطان ذلك طار من مجلس سليمان، ثم قذف بالخاتم في البحر فابتلعته سمكة.
فإن قيل: فكيف أقدم الشيطان على حمل الخاتم وفيه أسماء الله تعالى؟ فالجواب: إن الله أقدره عليه عقوبةً لسليمان، فغيَّر أوصافه وألقى عليه شبَه سليمان إلى المدة المذكورة.
والسبب الثاني: في امتحان الله سليمان ما رواه الوالِبي عن ابن عباس قال: كان بين قوم وبين أهل امرأةٍ لسليمان حكومة، فقضى سليمان ﵇ للقوم على أهل المرأة، إلا أنه ودَّ بقلبه لو كان الحقُّ لأهلها، فعوقب إذ لم يكن هواه فيهم واحدًا.
والثالث: أن هذه الزوجة كانت آثر النساء عنده فقالت له: إن بين أخي وبين قوم خصومة، وإني أحب أن تقضي له فقال: نعم، ولم يفعل، فابتلي لأجل ما قال: نعم، قاله السُّدي. والأصحّ القول الأول، وعامة العلماء عليه.
وقال جدي في "التبصرة": وفي كيفية ذهاب الخاتم قولان، أحدهما: أنه كان جالسًا على شاطئ البحر فوقع منه، قاله عليّ ﵇. والثاني: أنَّ شيطانًا أخذه (١).
ثم في كيفية أخذه هو أقوال: أحدها: أنه وضعه تحت فراشه ودخل الحمام، فأخذه الشيطان فألقاه في البحر، قاله ابن المسيّب. والثاني: أنه أخذه منه. والثالث: أنه أخذه من الأمينة، وهو الأصحّ، ذكره سعيد بن جبير ووهب وغيرهما.
واختلفوا في رجوع الخاتم إليه على أقوال:
أحدها: ما ذكرنا عن ابن عباس وروينا.
والثاني: أنَّ الحوت بلع الخاتم فأخذه بعض الصيَّادين ودفعه إلى سليمان وآخر
стр. 808
معه، وكان سليمان قد عمل معه ذلك اليوم، فأخذ سليمان الحوتين فباع أحدهما بأرغفةٍ، ونقر بطن الآخر ليشويه فظهر الخاتم، فلبسه، فردَّ الله عليه ملكه.
والثالث: ذكره الضحاك عن ابن عباس، روى: أن بعض نساء سليمان كان يضع الخاتم عندها، فجاء الشيطان في صورته فأخذه منها، وهرب سليمان إلى الصيَّادين يستطعم، فضربه بعضهم بمسحاةٍ فشجَّه، فجعل يغسل الدم على البحر، فلام الصيادون من ضَرَبه وقالوا: بئس ما فعلت، عَمَدْتَ إلى رجل فقير مجهود ففعلت هذا، ثم ألقوا عليه حوتًا وكان جائعًا فشقَّ بطنه، فإذا بالخاتم، فلبسه فردَّ الله عليه مُلْكه، وقام الذي ضربه يعتذر إليه، فعذره وقال: هذا أمرٌ لا بدَّ منه (١).
وذكر الثعلبي: أن سليمان لما افتتن سقط الخاتم من يده، فأعاده مرارًا وهو يسقط، فقال له آصف: إنك مفتون، وإن الخاتم لا يثبت في يدك حتى ينقضي زمان البلاء، ففِرَّ إلى الله تعالى تائبًا، وأنا أقومُ مقامَكَ، وأسيرُ بسيرتك؛ فهرب سليمان، ولبس آصف الخاتم، وأقام يسير بسيرة سليمان إلى أن يعود (٢).
قلت: وليس هذا القول بشيء، وعامة العلماء على الأول.
وقال ابن المسيِّب: احتجب سليمان عن الناس ثلاثة أيام، فأوحى الله تعالى إليه يا ابن داود، احتجبت عن عبادي ثلاثة أيام لم تنظرْ في أمورهم، ولم تنصفِ المظلومين من الظالمين، وعزَّتي لأسْلُبَنَّك مُلكك، قال: فكان سليمان بعدها لا يحتجب عن الناس ليلًا ولا نهارًا.
وذكر مقاتل أن سليمان تزوّج امرأةً من غير بني إسرائيل، فعاقبه الله تعالى، وكل هذه الأقوال فيها نظر، والأصحُّ القولُ الأول.
وقال جدي في "التبصرة": لما لبس الخاتم ردَّ الله عليه ملكه وبهاءه، وأظلَّتْهُ الطير، فأقبل لا يستقبله إنسيٌّ ولا جنيّ ولا طائر ولا حجر ولا شجر إلا وسجد له، حتى انتهى إلى منزله، ثم أرسل إلى الشيطان فجيء به، فجعله في صندوق من حديد وقفل وختم
стр. 809
عليه بخاتمه، ثم أمر به فألقي في البحر فهو فيه إلى يوم القيامة.
فتأملوا إخواني هذا السلطان العظيم كيف تَزلْزَل بالزَّلل، واختلَّت أموره إذ دخل عليه الخلل، فخطؤه أوجب خروجه من المملكة، وكاد أنْ يوقعه كما أوقعت لقمةٌ آدم في مهلكة، وعليكم بالتقوى فهي سبب السلامة، ومن أخطأ أخطأته الكرامة (١).
قلت: وما ذنب الشيطان؟ أليس الله تعالى سلَّطه عليه عقوبةً لما فعل؟
فإن قيل: فلمَ جُعِل مُلكه في خاتمه؟ فالجواب من وجهين، أحدهما: ليريه هوان ما أعطاه من الدنيا في جنب ما لم يعطه؛ لقد رفض الخاتم في جنب سائر الأشياء.
والثاني: أن الخاتم كان حجرًا من أحجار الجنة، حكَمَ هذا الحكم الباهر، فكيف بما فيها من اللآلئ والجواهر؟
قلت: وقد ورد في الخاتم حديث ذكره جدي في "الموضوعات" عن جابر، قال رسول الله ﷺ : "كان نقش خاتم سليمان: لا إله إلا الله محمد رسول الله"، قال جَدِّي: هذا حديث لا يصحُّ عن رسول الله ﷺ (٢).
فصل في قول سليمان: لأطوفن الليلة على مئة امرأة
قال البخاري: حدثنا أبو اليَمان بإسناده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "قال سُلَيمان، لأَطُوفَنَّ اللَّيلةَ على مئة امرأةٍ أو تسعين، كُلُّهنَّ يَأتينَ بفارسٍ يُقاتِلُ في سَبِيل الله، فقالَ لهُ صاحِبُه أو حاجبُهُ: قل إن شَاء الله، فلمْ يَقُلها، فَطاف عَلَيهنَّ كلهن جميعًا فلمْ تَحمِل مِنهنَّ إلا امرأةٌ، جَاءت بشقِّ وَلَدٍ. والذي نَفْسي بيَدِه لَو قالها لَجَاهَدوا في سَبيل الله فُرسَانًا أجمَعين" (٣)، أخرجاه في "الصحيحين".
وفي "الصحيح": فقال له صاحبه- قال ابن عيينة: يعني الملَك- قل: إن شاء الله، فنسي (٤).
стр. 810
قلتُ: وهذه الرواية أليقُ بسليمان أنْ يكونَ على وجه العِنَاد للهِ تعالى، لأن الله يقول: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ والنسيانُ لا ينفك عنه أحد. وقد روي أن هذا القولَ أحدُ أسباب فتنة سليمان.
فصل في قصة جرت لصديق سليمان مع مَلك الموت
روى وهب بن منبه عن الضحاك عن ابن عباس قال: كان لدَاود صديقٌ من بني إسرائيل يُدني مجلسه ويشاوره في أموره، فلمَّا مات دَاود وقام سُلَيْمان أنزله منزلته عند أبيه، وكان مَلَك الموت يدخل على سليمان ويستقضي حوائجه، فدخل عليه يومًا وعنده صديق أبيه، فلما خرج مَلكُ الموت قال له الرجل: أسألك بالله أن تأمر الرِّيح أنْ تحملني إلى أقصى جَزيرَةٍ بالهِند فتطرحني هناك، قال سليمان: ولمَ؟ قال: لأنَّ الرجل الذي دخل عليك لَحَظَني لحظةً لم أتمالكْ عندها، فأمر سليمان الرِّيح فحملته إلى الهِند، وحزن سليمان لفقده، فدخل عليه مَلَك الموت فقال: مالي أراك حزينًا؟ فقال: لأجل فَقدي لصديق أبي. فقال مَلَك الموت: الساعةَ قبضتُ روحه بأقصى جَزيرةٍ (١) بالهِند، أمرني الله بذلك، فبكى سليمان ﵇ وقال: يا لله العجب.
حديث الطائر مع سليمان
روى محمد بن إسحاق عن كعب قال: مرَّ سليمان على طائر يرفرف على فراخه ويزقُّهم (٢) ويعلمهم الطيران، فقال: ليت سليمانَ حبس جيشه حتى أُدخلَ فراخي إلى العش، فوقف له سليمان حين سمعه، فلما أدخل فراخه العش وخرج من العش أخذ الماءَ بمنقاره وجعل يرش الطريق بين يدي سليمان شكرًا لما صنع.
وذكر أبو المعالي بسند له في كتاب "لوامع أنوار القلوب" قال: راود خطّافٌ خطافةً فامتنعت عليه، فقال: لو شئتِ أن أقلب القبَّة على سليمان لفعلتُ، وبلغ سليمانَ فأحضره وقال: قلت كذا وكذا؟ قال: نعم، قال: ما حملك عليه؟ قال: يا نبيَّ الله، العشاقُ لا يؤاخَذون بما يبدو منهم، قال: صدقت.
стр. 811
فصل في معجزاته
قال علماء السِّير: معجزاته كثيرة منها تَسخير الشياطين له، قال ابن عباس: بنوا له مُدنًا كثيرة منها تَدْمُر وبَعْلَبَك، وفيها يقول النَّابغة:
إلا سُلَيمانُ إذْ قال المَليكُ لَهُ … قُمْ في البَريَّةِ فاحْدُدْها عن الفَنَدِ
وخيِّسِ الجنَّ إني قَدْ أَمَرْتهمُ … يَبْنُون تَدْمُرَ بالصُّفَّاحِ والعَمَد (١)
وقال الجوهري: الصُّفَّاح - بالضم والتشديد -: الحجر العريض (٢). وقيل: الرخام الأبيض والأصفر. وقال السُّدي: لا يختلفون أنه بنى تَدْمُر، وفي بَعْلَبَك خلاف، وبنى قلعة سليمان بخُراسان والأُبُلَّة، والسّوس، وإِصْطَخْر.
وقال الثعلبي: وُجدَت في صخرة منقورة بأرض كَسْكَر هذه الأبيات:
ونَحْنُ ولا حَوْلٌ سوى حَوْل رَبِّنا … نَروحُ إلى الأوطانِ من أَرض تَدْمُرِ
إذا نَحْنُ رُحْنَا كان رَيْثُ رَوَاحِنَا … مَسيرةَ شَهْرٍ والغدوُّ لآخَرِ
أُنَاسٌ شَرَوا لله طَوْعًا نفوسَهُم … بنَصْر ابنِ داود النَّبيِّ المطهَّرِ
لَهُم في مَعَالي الدِّين فَضْلٌ وَرَأفةٌ … وإنْ نُسِبُوا يومًا فهمْ خيرُ مَعْشَرِ
متى يَرْكَبُوا الرِّيحَ المطيعةَ أَسْرَعتْ … مبادرةً من شَهْرِها لَمْ تُقَصِّرِ
يُظِلُّهُم طيرٌ صُفُوفًا عَلَيْهمُ … متى رَفْرَفَتْ مِنْ فَوْقِهم لم تَفَتَّرِ (٣)
وأمر زوبعة فبنى باليمَن حِصن سَلْحِين وصِرْوَاح ومِرْوَاح وبَيْنُوْن وهند وهُنَيْدة ومبلوم.
ولما مات سليمان صاح صائحٌ من السماء بعد سنة في الليل: يا معاشر الجِنّ والشياطين مات نبيُّ الله سليمان فارفعوا أيديكم، فعمدت الشياطين إلى حجر وكتبوا عليه بالمسند أسماء الحصون الي بنوها وتفرقوا.
وقال جدي ﵀ في "التبصرة": وكانت الشياطين تغوص في البحار
стр. 812
فيستخرجون له الدُّرَّ واللآلئ، ويعملون له الجِفَان والقصاع، يجتمع على القصعة ألف رجل، ويأكل من كل قِدر ألف رجل، ولا تنزل من مكانها. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾ يعني الغوص ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٢] حتى لا يخرجوا عن أمره (١).
ومنها: الريح، وقد ذكرناها.
فإنْ قيل: فقد قال في موضع: ﴿عَاصِفَةً﴾ [الأنبياء: ٨١] وفي موضع: ﴿رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص: ٣٦] فالجواب: إنَّ الرخاء مأخوذة من الرخاوة، وأصاب بمعنى قصد، وأما عاصفة فلأنها كانت تلينُ إذا أراد، وتشتدّ إذا أراد. وقوله: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء: ٨١] يعني: أرض الشام، لأنها كانت منزله.
ومنها: فهم كلام الطير والنمل، وقد أشرنا إلى طرف منه.
ومنها: بساطه، وكان مئة فرسخ، وهو من نسج الجنة، قال أبو إسحاق الثعلبي بإسناده عن وهب بن منبه عن كَعب قال: إنَّ سليمان ﵇ كان إذا ركب حمل أهله وحَشَمه وخدمه وكُتَّابَه وتلك الصفوف بعضها فوق بعض على قدر درجاتهم، وقد اتخذ مطابخ ومخابز يحمل فيها تنانير الحديد، وقدورًا عظامًا تَسَع القدرُ عشر جزائر، واتخذ ميادين الدوابِّ أمامه، فيطبخ الطباخون، ويخبز الخبازون، وتجري الدواب بين السماء والأرض، والريحُ تهوي بهم. وتمام هذا الأثر: أنه مرَّ بمَكَّة ولم ينزلْ حتى عاد من اليَمَن، وأنه بشَّر بنبيِّنا ﷺ وقد ذكرناه (٢).
ومنها: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ [سبأ: ١٢] قال ابن عباس: يعني أسلنا له عين القطر أي: عين النحاس، ثلاثة أيام كما يسيل الماء، وكانت بأرض اليَمَن، وإنما ينتفع الناس اليوم بما أخرج الله لسليمان من الأرض (٣).
قال ابن عباس: المراد بالمحاريب: المساجد، والتماثيل: القصور والخاتم
стр. 813
والكرسي وغير ذلك.
وقال مجاهد: هذا في بيت المقدس، عملوا له المحاريب من النحاس والصُّفر والشَّبَه والزجاج والرخام، والتماثيل صور الملائكة والأنبياء والصالحين، حتى إذا رآهم الناس مصوَّرين ازدادت عبادتهم.
وجِفان وهي القصاع، وقد ذكرنا أنه كان يجتمع على الجفنة الواحدة ألف رجل، والقدور الرَّاسِيات: الثابتات في أماكنها لا تنزل، ومنه قيل للجبال: رواسي.
﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] أي وقلنا: اعملوا بطاعة الله شكرًا له على نعمه.
قال ثابت البناني: كان داود ﵇ قد جزَّأ ساعات الليل والنهار على أهله، فلم تكن تأتي ساعة منها إلا وإنسانُ من آل داود قائم يصلي أو يقرأ.
وقال مجاهد: كان سليمان ﵇ قد تخلى عن الدنيا وانقطع إلى العبادة، وسببه أنَّ النَّملة قالت له: إنما سميتَ سليمان لأنك سليم الصدر، وقد آن لك أن تلحق بأبيك، فسلَّم المُلْك إلى آصف ودخل المحراب، فتعبَّد حتى مات.
فصل في وفاة سليمان ﵇
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ الآية.
أنبأنا غير واحد عن إسماعيل بن أحمد بن عمر السمرقندي بإسناده عن ابن عباس قال: كان سليمان يقيم بالبيت المقدَّس الشهر والشهرين والسنة والسنتين، يدخل بيوت العبادة فيتعبَّد فيها، وكان يصبحُ كلَّ يوم وقد أنبت الله في القدس شجرةً فيسألها ما اسمكِ؟ فتقول: اسمي كذا وكذا، وأَصْلُحُ لكذا وكذا. فبينما هو ذات يوم قائمٌ يصلي في المسجد، رأى شجرةً قد نبتت بين يديه فقال: ما أنت؟ قالت: الخرُّوبة، قال: ولأيِّ شيءٍ نبتِّ؟ قالت: لخراب بيت المقدس- أو لخرابِ هذا المسجد- وذهاب هذا الملك. فقال: ما كان الله سبحانه ليخرِّبه وأنا حيٌّ، فقلعها وغرسها في حائط المسجد، ثم أخذ منها غُصْنًا يتوكأ عليه، وهو مِنْسَأَتهُ، ثم قال: اللهم غُمَّ عن الجنِّ موتي حتى تعلم الإنس أن الجنَّ لا يعلمون الغيب. وكانت الجنُّ تقول للإنس: نحن نعلم الغيب، ثم دخل المحراب وقام يصلي متكئًا على عصاه فمات، وقال ابن زيد: قال سليمان
стр. 814
لملك الموت: إذا أُمِرْتَ بي فأَعلمني، فأتاه فقال: قد أُمِرتُ بك، وقد بقيت لك سُوَيْعة، فدعا الشياطين وقال: ابنوا لي صرحًا من قوارير ليس له بابٌ، ففعلوا، وقام يصلي، ودخل عليه ملكُ الموت فقبضه وهو متكئ على عصاه (١).
وفي رواية أخرى: أنَّ سليمان قال ذات يوم لأصحابه: قد آتاني الله من المُلْك ما ترون، وما مرَّ عليَّ يومٌ بحيث صفا لي من الضَّرر، وقد أحببتُ أن يكون لي يومٌ واحد يصفو إلى الليل ولا أغتمَّ فيه، وليكن ذلك اليوم غدًا. فلما كان من الغد دخل قصرًا له، وأمر بإغلاق أبوابه، ومنع الناس من الدخول عليه ورَفْعِ الأخبار إليه، لئلا يسمع من ذلك ما يسوؤه. ثم أخذ عصاه بيده وصعد فوق قصره واتكأ على عصاه ينظر في ملكه، إذ نظر إلى شابٌّ حسن الوجه عليه ثيابٌ بيضٌ قد خرج عليه من جانب القصر، فسلَّم عليه فقال سليمان: من أين دخلتَ وقد منعنا الناس من الدخول؟ فقال: أنا الذي لا يحجبني حاجبٌ، ولا يردُّني بوَّاب، ولا أهابُ الملوك، ولا أقبل الرِّشا، وما كنت لأدْخلَ هذا القصر بغير إذن، وما دخلت إلا بإذن ربي. قال: فأنت حينئذٍ مَلَكُ الموت، قال: نعم جئت لقبض روحك، فقال: هذا يومٌ أردتُ أن يصفو لي من الكَدَر ولا أسمعُ فيه ما يغمني، فقال له ملك الموت: ذاك اليوم الذي تشير إليه لم يخلق في دار الدنيا، فارض بقضاء ربك فإنه لا مردَّ له، فقال له: فامض لما أُمرتَ به، فقبضه وهو متكئ على عصاه. وكانت الشياطين تجتمع حول محرابه ومصلَّاه أينما كان، وكان للمحراب كوىً بين يديه ومن خلفه، وما كان شيطان ينظر إليه وهو في محرابه إلا احترق، فدخل شيطانٌ من جانب وخرج من جانب ولم يحترق، فنظر إلى سليمان وقد خرَّ ميِّتًا فأخبر الناس، ففتحوا الباب وأخرجوه، ووجدوا الأَرَضَةَ قد أكلت مِنْسأته- وهي العصا- ولم يعلموا منذ كم مات، فوضعوا الأَرَضَة على العصا، فأكلت منها يومًا وليلة، فحسبوا على ذلك النحو فوجدوه قد مات منذ سنة، وكانت الجن تعمل بين يديه بعد موته حولًا كاملًا، فأيقن الناس أن الجنَّ كانوا يكذبونهم لأنهم لو عَلِموا بموته ما عَمِلوا (٢). ثم قالت الشياطين للأَرَضَة: لو كنتِ تأكلين الطعام لأتيناك بأطيب الطعام، ولو كنت
стр. 815
تشربين الشراب لأتيناك بأطيب الشراب، ولكنا سننقل إليكِ الماءَ، فهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت (١). ويقال لها: القادح، وهي دويبة تأكل العيدان.
وقال الجوهري: الأَرَضَة بالتحريك دويبة تأكل الخشب (٢).
واختلفوا في مبلغ سنِّه:
فقال الثعلبي: عاش ثلاثًا وخمسين سنة، ومدَّةُ مملكته أربعون سنة، وملك يَوْمَ مَلَكَ وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وابتدأ في بناء بيت المقدس لأربع سنين مضين من مُلْكه (١). ولم يذكر الثعلبي غير هذا.
وقال مقاتل: عاش اثنتين وخمسين سنة لأنه ملك وهو ابن اثنتي عشرة سنة.
وقيل: إنه عاش سبع مئة سنة، وإنه كان في زمان أفريدون. وهذا القول ليس بشيء.
ولم يذكر جدي في "أعمار الأعيان" مبلغ سنِّه.
واختلفوا في موضع قبره على قولين:
أحدهما: قبره بالبيت المقدس عند الجسمانية (٣)، هو وأبوه في قبر واحد.
والثاني: على ساحل بحيرة طَبَرِيَّة.
وقال ابن عباس: لما مات سليمان أَخرجتِ الشياطينُ من تحت كرسيه أوراقًا فيها سحر وطِلَّسْمات، وهي على لسان آصف بن برخيا: هذا ما علَّم آصف سليمان، وكان صخر قد دفنها- وقيل: غيره- تحت كرسيِّ سليمان، ولما أخرجوها قالوا للناس: إنما مَلَكَكُم سليمان بهذا فتعلموه، فأما صلحاء بني إسرائيل فقالوا: معاذ الله أنْ يكون هذا من عِلْم سليمان، وإنْ كان هذا علمه فقد هلك، وقالت السَّفِلَة: بلى كان هذا عِلْمه، وأقبلوا على تعلُّمه ورفضوا كتبَ أنبيائهم، وفشت الملامةُ لسليمان، فلم يزل ذلك حالهم حتى بعث الله رسوله، فأنزل الله تعالى عُذْرَ سليمان على لسانه، وأظهر براءته مما رأى فقال: (﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] يعني اليهود،
стр. 816
ومعنى ﴿تَتْلُو﴾ تَلَتْ، وقرأ الحسن: "الشياطون" بالواو في جميع القرآن (١)، وهو لحنٌ فاحش عند أهل الأدب. الأصمعي قال: سمعت أعرابيًا يقول: بستان فلان حوله بساتون. ومعنى ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ أي: في ملكه.
وقال السُّدي: كانت الشياطين تصعد إلى السماء فتقعد منها مقاعدَ للسمع ثم يأتون الكهنةَ فيخبرونهم، ويخلطون ما سمعوا بالكذب والزور، في كل كلمة سبعون كذبة فيما يكون في الأرض من موتٍ أو غيره، ففشا في بني إسرائيل أن الجنَّ تعلمُ الغيب، فجمع سليمان تلك الكتبَ وجعلها في صندوق ودفنها تحت مصلاه أو كرسيِّه، وقال: لا أسمعُ أحدًا يقول إن الشياطين تعلم الغيب إلا قتلته. فلما مات سليمان وذهب العلماء الذين يعرفون حال الكتب وَدَفْنَهُ إياها تمثلَ الشيطان في صورة إنسان، وأتى نفرًا من بني إسرائيل، قال: هل أدلكم على كنزٍ لا تأكلونه أبدًا؟ قالوا: نعم، فذهب معهم إلى كرسيِّ سليمان وقال: احفروا ها هنا، فحفروا وأخرجوها، فقال: إنَّ سليمان كان يضبط الجنَّ والإنس والطير بهذا. ولما أراهم المكان من بعيد قالوا: ادنُ، قال: لا أقدر، وما كان شيطانٌ يدنو من الكرسيِّ إلا احترق، وطار في الهواء. ولما ظهرت الكتب فشا في الناس أنَّ سليمان كان ساحرًا، فلذلك أكثرُ ما يوجد السحر في اليهود. فأنزل الله براءة سليمان.
وفي الآية دليل على أنَّ الساحر كافر لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢].
فصل في وفاة بلْقيس
حكى أبو القاسم في "تاريخ دمشق" وقال: بلغني أنَّ بلْقيس ملكت اليَمَن تسع سنين، وكانت خليفةً عليها من قِبَل سليمان أربع سنين، قال: وقال همام بن منبه: قدمتُ مكة فجلستُ إلى عبد الله بن الزبير وعنده جماعة من قريش فقال رجل: ممن أنت؟ قلت: من اليَمَن، قال: ما فعلتْ عجوزكم؟ قلتُ: أيُّ عجوز؟ قال: بلْقيس، قلت: أَسْلَمَت مع سليمان لله رب العالمين، وأما عجوزكم فحمَّالة الحطب في جيدها
стр. 817
حبلٌ من مسد (١).
قال أبو القاسم: وروي عن الأَوْزَاعي أنه قال: كُسِرَ برجٌ من أبراج تَدْمُر فأصابوا فيه امرأة حسناء دعجاء مدرجة، كأن أعكانها طيُّ الطَّوَامير المدرجة، عليها عمامة طولها ثمانون ذراعًا، مكتوب على طرفها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أنا بِلْقيس مَلِكَة سَبَأ، زوجة سليمان بن دَاود، مَلَكْت الدنيا كافرةً ومؤمنة، ملكت شيئًا لم يملكه أحدٌ قَبْلي، ولا يملكه أحدٌ بَعْدي، ثم صار مصيري إلى الموت فأَقْصِرُوا يا طُلابَ الدنيا (٢).
واختلفوا فيها على أقوال: فقال السُّدي: توفيت قَبْل سليمان بشهر، وقيل: إنها توفيت باليَمَن.
* * *
قال: فإن قيل: فهل تعرفون في رواة الحديث من اسمه سليمان بن داود؟
فالجواب: جماعة ذكرهم أبو القاسم في "تاريخ دمشق" والخطيب في "تاريخ بغداد" فنذكر أعيانهم، فمنهم:
سليمان بن داود بن أبي حَفْص، وكنيته أبو الرَّبيع الخُتَّليُّ (٣)، سمع بالشام أبا الحسن بن أبي الحديد وغيره، وروى عن حَفْص بن عمر الربعي وغيره.
ومما روى عن الرَّبعي (٤) قال: خرجنا إلى المدائن لنسمع من شُعيب بن حرب الواسطي فقال: أحدِّثكم قبل أن تسمعوا بحديثين في الورع، أما أحدهما فرأيته بعيني قال: خرجتُ حاجًّا فركبتُ في سفينة فإذا رجلان كأنهما ارتكضا في رحم واحد، يعظِّم كلُّ واحدٍ منهما صاحبه، وإذا في السفينة قمح، فأخذ أحدهما قمحةً فوضعها في فيه، فنظر إليه صاحبه وقال: ما هذا؟ قال: سهوتُ، قال: لا أصاحب من يسهو عن الله، قدّمِ السَّفينةَ يا ملاح وإلا رميتُ روحي في البحر، فقلت له: من أجل قمحةٍ تلقي روحك في البحر؟ فقال: هيه استصغرتَ الذنبَ ولم تنظر مَن عُصي، ولم يقدِّم الملاحُ
стр. 818
السفينةَ فزجَّ نفسه في البحر وغاب عنا. ففيل صاحبه: والله إني صحبته منذ ثلاثين سنة ما رأى مني زلَّةً غيرها. قال: وسرنا أيامًا وأنا أَخدمه حتى أتينا مَكَّةَ، فبينما نحن في الطواف وإذا برجل، فقلت لرفيقه: هذا صاحبك، فجاء فسلَّم عليه فقال له: أُبْ إلى الله بالتوبةِ من ذنبك، ففعل فقلت: الصحبة فقال: قد نَهَى رسولُ الله ﷺ عَن صُحْبة الثلاثة، لِئلا يتناجى اثنان دونَ الثالِث (١)، ثم افترقا، فإن يكن أحد من الأبدال فهما ذانك الفتيان.
وأما الذي حدثني سفيان الثوري فقال: بلغني أنَّ المسيح ﵇ مرَّ بمقبرة، فنادى: يا أهل القبور أخبرونا عن حالكم، فقام رجل منهم ينفض التراب عن رأسه ويقول: يا روحَ الله ما الذي تريد منا؟ فإني لواقفٌ في الحساب منذ سبعين سنة، قال: وما كنت تعمل؟ قال: حمَّالًا أحملُ الحطب فبعتُ يومًا حزمةً من رجل، وأخذتُ منها شظيّةً فتخلَّلتُ بها ورميتها في الطريق، فعاتبني الله وقال: استهنتَ بأمري وقد علمتَ أني مطَّلعٌ عليك أسمع وأرى، قال: فشاب مُقَدَّمُ رأسِ المسيح من هول ما سمع منه وقال سفيان: هؤلاء أصحاب الشظايا، فما بالكم بأصحاب الجذوع؟!
قلتُ: وقد ذكره الخطيب (٢) وقال: كان أحول، وحدَّث عنه عباس الدوري ومسلم بن حجاج وأبو زرعة الرازي وعبد الله بن أحمد بن حنبل وغيرهم، وكان ثقة، ومات بمدينة أبي جعفر ببغداد، أول يوم من رمضان سنة إحدى وثلاثين ومئتين.
ومنهم: سليمان بن داود بن خالد بن عباد، من ساكني جَرود من إقليم مَعْلُولَا من عمل دِمَشق (٣).
ومنهم: سليمان بن داود بن عبد الله أبو أيوب، من أهل نَيْسَابُور (٤)، وذكره الحاكم أبو عبد الله في "تاريخه"، ومات في سنة عشرين وثلاث مئة بنَيْسَابُور، وسافر إلى الشام
стр. 819
والحِجَاز والعِراق، وسمع بدمشق أبا زُرْعة الدمشقي وروى عنه في "تاريخه" وأسمعه، وروى عنه جماعة منهم أبو زكريا يحيى بن محمد العنبري، وعاد إلى نَيْسَابُور فتوفي بها، كما ذكرنا.
ومنهم: سليمان بن دَاود بن عبيد الله بن مروان بن الحكم بن أبي العاص (١)، كان يسكن دَيْر البُخْت من أعمال دمشق، وكان أعورَ، وهو الذي تزوج فاطمةَ بنت عبد الله ابن مروان زوجة عمر بن عبد العزيز بعد عمر، فولدت له هشام بن سليمان، وسليمان هذا هو الذي يقال له الخلف الأعور. وقيل: إنما خلف عليها داود بن بِشْر بن مروان، وسنذكره فيما بعد.
ومنهم: سليمان بن داود الخَوْلاني الدَّارَانِيّ (٢) أخو عُثْمان بن دَاود، روى عن: الزُّهْري وعمر بن عبد العزيز وأبي قِلابة الجرمي وغيرهم، وروى عنه: الوَضِينُ بن عطاء وغيره، وكان حاجبًا لعمر بن عبد العزيز ثقةً مأمونًا. وقال البيهقي: قد أثنى على سليمان بن داود هذا أبو زُرْعة الرَّازي وأبو حاتم وعثمان بن سعيد الدَّارميُّ وجماعة مِن الحفَّاظ، وتكلموا فيه بسبب الحديث الذي رواه: أن النبي ﷺ كتب كتاب الصدقات (٣)، فمنهم من يقول: أرسله، ومنهم من يقول: وقفه، وعلى كل حال فهو مأمون ثقة.
ومنهم: سليمان بن داود، دِمَشقيٌّ، حدَّث عن أبي معاوية شيبان بن عبد الرحمن النَّحْوي، وروى عنه محمد بن موسى القطَّان (٤).
ومنهم: سليمان بن داود، دِمَشقي أيضًا، حدَّثَ عن أبي سهل أحمد بن محمد بن عمر اليماني، وروى عنه عبد الله بن محمد بن يوسف (٥).
وأما الذين ذكرهم الخطيب:
стр. 820
فمنهم: سليمان بن دَاود أبو داود الطَيَالِسي (١)، وقد ذكر.
ومنهم: سليمان بن داود بن علي بن عبد الله بن عبَّاس، ذكرناه أيضًا (٢).
ومنهم: سليمان بن داود، أبو الرَّبيع الزَّهْراني (٣) ذكرناه أيضًا.
ومنهم: سليمان بن داود بن بشر الشاذكوني (٤) ذكرناه أيضًا. انتهت ترجمتهم، والله أعلم.
* * *
стр. 821
فصل في ذكر جماعة مَلَكوا بعد سليمان ﵇ (١)
قال علماء السِّير: ولما مات سليمان مَلَك بعده ولده رجيعم بجيم (٢)، وفيه خلاف، فأقام بعد أبيه سبع عشرة سنة.
واختلفوا فيمن مَلَك بعده: فقال وهب: ابنه أبيَّا بن رُحُبْعم ثلاث سنين (٣) ومات بعده.
وقال كعب: إنما مَلَك بعد رُحُبْعُم رجل من بني إسرائيل يقال له نورغم (٤)، فاتخذ عجلًا من ذهب وعبده فأهلكه الله، ثم مَلَك بعده أَبيَّا بن رُحُبْعُم ومات، فملك بعده رجل يقال له آحاذ (٥)، فأقام أربعين سنة، وفي أيام آحاذ انقطع ملك قوم سَبَأ، وآخرهم الصباح، ملك تسعة عشر شهرًا وأيامًا، وقال وهب: إنما مَلَك بعد أَبَيَّا بن رُحُبْعُم ولده أُسَا بن أَبيَّا أربعين سنة، وكان رجلًا صالحًا.
فصل في ظهور السامرة
واختلفوا فيهم: فقال وهب: ظهروا في أيام أَبيَّا بن رُحُبْعُم، وقيل: في أيام أُسَا، وأنكروا نبوَّة داود وسليمان، وأقاموا رؤساء من سِبْط هارون بن عمران، وسكنوا نَابُلُسَ، وعظموا الجبل الذي يليها من ناحية القِبلة، وسموه الطُّور، واتخذوا بوقاتٍ من فِضَّة ينفخون فيها في أوقات صلواتهم، وهم الذين يقولون: لا مساس، ويزعمون أن نَابُلُس مدينة يَعقوب، وهم صنفان متباينان: أحدهما يقال له: كوشان، والآخر: دوشان، والصنفان يخالفان اليهود، وبيدهم توراة غير التي بيد اليهود، ودوشان يقولون بقِدَم العالم.
стр. 822
فصل في قصة أسا بن أبيّا بن رُحُبْعُم بن سليمان مع صاحب الهند (١)
وكان أعرج من عرق النَّسا، ولم يكن نبيًّا، وإنما كان عبدًا صالحًا على ما قيل، فطمع فيه الملوك لزمانته.
قال علماء السِّير: ولما قام أسا كان في بني إسرائيل من يعبدُ الأصنام، فنادى مناديه ألا إنَّ الكفر قد مات، وعاش في بني إسرائيل الإيمان، ومن عبد صنمًا قتلته، وكسر الأصنام، وقتل جماعة منهم فهربوا إلى الهِنْد، وبها ملكٌ يقال له: أزرج (٢)، وكان جبارًا عاتيًا، فدخلوا عليه ووصفوا له بلاد الشام وما في البيت المقدس من الأموال والجواهر، وقالوا: أنت أحقُّ بها فقال: حتى أبعث إلى تلك البلاد من يكشفها لي، وبعث جواسيس في زي التجار ومعهم الأمتعة الفاخرة والجواهر الثمينة، وأمرهم أن يعلموا عِلْمَ شأنِ تلك الأرض وأحوال بني إسرائيل، فقدموا الشام وأظهروا تلك الأمتعة وكشفوا البلاد وعلموا علمها، وقالوا للناس: ما بال الملك لا يشتري منا متاعًا ومعنا الطرائف واليواقيت التي لم ير مثلها؟ فقالوا: إن عنده من الجواهر والأمتعة والخزائن التي سار بها موسى من مصر، وما جمع ملك داود وسليمان وُيوشَع ومَن بعدَهم، قالوا: فبم يقاتل إنْ دهمه عدوٌّ، وعدته للقتال قليلة؟ قالوا: له صديق لو استعان به على أن يزيلَ الجبالَ لأزالها، وله جنود لا تُحْصَى. ثم أرسلوا إلى أسا: قد جئنا من بلاد بعيدة ومعنا هدية ونريد أن تقبلها منا، فأحضرهم وما معهم وقال: لا حاجةَ لي فيه، إنما أطلب ما يبقى وهذا يفنى، ثم أحسن إليهم وعادوا إلى الهِنْد، فأخبروا أزرج بالخبر، وقالوا: إنَّ بلاده في غاية الحسن والنزهة وكثرة الأموال، وخصوصًا المسجد الذي لهم، فإن فيه من الجواهر والأموال ما لم يوجد في غيره، وقالوا: له صديق عظيم لو سأله أنْ يزيل الجبال لأزالها، فقال: جنودي أعظم من جنود صديقه، ثم جمع العساكر وكانت ألف ألف فاختار منهم مئة ألف يكونون حوله، وسار في مئة ألف ألف مركب، وزيَّنها بالقباب والفِيَلة والعُدَّة والخزائن ما لم يشاهد
стр. 823
مثله، وقصد القُلْزُم، وبلغ أُسَا فقال: اللهم اكفنا شرَّه وافعل به كما فعلتَ بفرعون، فأوحى الله إليه- أو رأى في منامه- الوعد بالنصر، فعرَّفَ بني إسرائيل، ولما قرب ملك الهِنْد وبلغ بني إسرائيل عظم جيوشه خافوا وقالوا: لا طاقةَ لنا بالقوم، ونحن خارجون إليه لعلهم يرحموننا، فقال أُسَا: تبًّا لكم، ما هذا برأي، أنُلقي بأيدينا إلى الكفا؟! ولكن أنا أرغب إلى صديقي، ورمى بثياب الملك ولبس المسوحَ وافترش الرماد، ثم دعا آباءه ونصرهم، ونام في مصلاه، فأتاه آت في منامه فقال له: يا أُسَا، الصديق لا يتخلى عن صديقه، أتذكُرني في الرخاء وأسلمك في الشدائد، قد كفيتك أمر عدوِّك، وأنا الذي لا يهون مَن أكرمته، ولا يضعف مَن قوَّيته، فانتبه فرحًا وأخبرهم بما رأى، فصدَّقه المؤمنون وكذَّبه المنافقون. ثم جمع العلماءَ والعبَّاد والرهبان، وخرج ببني إسرائيل، وقد نشر العلماءُ أناجيلهم، وقصد القُلْزُم لئلا يطمع الهنديُّ، فلما وصل إلى البحر وقف على رأسه ينظر إلى المراكب، فلمَّا نظر الهندي إليهم استحقرهم وقال للجواسيس: غررتموني وأقدمتموني من بلادي إلى هذه الشِّرْذمة، وأيُّ قدرٍ لهم؟ ثم صعدوا من المراكب ورشقوا بني إسرائيل رشقةً واحدة، فبعث الله الملائكة فردَّت عليهم النشاب، ووقع في كلِّ من رمى بنشابة نشابتُهُ التي رمى بها، وظهر من أفواه الملائكة شررُ النار، فانهزموا لا يلوي أحد على أحد، فغرقوا، وانهزم الهندي في مركب يقول: لا طاقة لنا اليوم بصديق أُسَا، ثم ضرب مَلَكٌ مركبه فأغرقه، وغنم بنو إسرائيل عساكره وأمواله وذخائره، وأخذوا ما لم يغنمه غيرهم وانطلقوا، وعظم أُسَا في أعين الملوك.
وذكر هارون بن المأمون: أنَّ صاحب الحَضْر كان يقال له: لنقر (١)، وكان يسكن الثرثار، بريَّةَ سنجار، وكان الحَضْر أعظمَ الحصون، وبلغه خبر بيت المقدس، وكان يعبد الزهرة، فجمع العساكر وخرج ومعه بُخْت نَصَّر، وكان كَاتِبَه، ونذر لنقر إن أظفره الله ببيت المقدس أن يذبح ابنه للزهرة، فنزل على بيت المقدس، فبعث الله عليه وعلى جيشه ريحًا فأهلكتهم، وأفلت كاتبه بُخْت نَصَّر إلى الحضر، وبلغ ابنه أنه نذر ذبحه، وكان كذلك. فغضب بُخْت نَصَّر وقام إلى ابنه فذبحه، ومَلَك بُخْت نَصَّر بعده. قال هارون: وكان ذلك أول أمر بُخْت نَصَّر. قلت: وليس كما ذكر فإن بُخْت نَصَّر ظهر بعد
стр. 824
ذلك، لما نذكر.
قال: ثم سار ملك الهِند إلى الشام بعد هلاك لنقر فأهلكه الله، ثم أقام أُسَا أربعين سنة ومات.
قال: فملك بعده ولده يَهُو شَافاط خمسًا وعشرين سنة ومات، وكان عادلًا صالحًا ولم يكن له ولد.
قال: فنظروا فلم يبقَ مِن بيت المُلْك إلا امرأة يقال لها: غزليا بنت عمرم (١) فملَّكوها، وكانت جبَّارة عاتية، فشرعت في قتل أولاد الملوك من بني إسرائيل، فأقامت سبع سنين، ووثب عليها رجل من أولاد الملوك يقال له يواش، فقتلها وملك بعدها أربعين سنة ثم مات.
قال: وملك بعده ابنه أَمَصْيَا بن يُوَاش، فأقام تسعًا وعشرين سنة، وكان فاسقًا فقتله أصحابه.
قال: وملك بعده ولده اسمه لعوزيا، وكان صالحًا، فأقام خمسين سنة، ويقال: إن اسمه عوزيا، ثم مات، وملك بعده ولده حزقيا عشر سنين، ثم اختلف بنو إسرائيل وتداولتهم الأيام حتى بعث الله شَعيا، وبين وفاة سليمان ومبعث شَعيا نحو من ثلاث مئة سنة، وقيل: مئتان وستون سنة.
* * *
стр. 825
فَصل في قِصَّة شَعْيَا بن أمصيَا وَخَراب بَيت المَقدِس (١)
قال الله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: ٤] والمراد بالكتاب: التوراة، والفساد: قتل الأنبياء مثل شَعْيَا بن أَمَصْيا ويحيى بن زكريَّا، والمقتول في الفساد الأول: شَعْيَا، وفي الثاني: زكريَّا، وقال مقاتل: كان بين الفَسَادَين مئتا سنة وعشر سنين.
قال علماء السِّير: كان بنو إسرائيل فيهم الأحداث والخطايا، وكان الله تعالى متجاوزًا عنهم، منعطفًا عليهم، محسنًا إليهم.
وقال أبو إسحاق الثعلبي- وقد اختصرته-: كان أول ما نزل ببني إسرائيل بسبب ذنوبهم أنَّ ملكًا منهم يدعى صديقة، وكان الله إذا ملك عليهم بعث نبيًا يسدِّده ويرشده، فبعث الله شَعْيَا بن أَمَصْيا، وكان ذلك قبل مبعث زكريا ويحيى وعيسى (٢).
وقال جدي في "فضائل بيت المقدس": وقال ابن إسحاق: وشَعْيَا هو الذي بشَّر بعيسى ومحمد ﷺ ، فقال مخاطبًا لبيت المقدس: أبشري أُوْرِيْ شَلِم، الآن يأتيك راكبُ الحمار يعني عيسى، ومِن بعدِه راكب البعير، يعني محمدًا ﷺ (٣).
فملك صديقة بني إسرائيل مدةً وشَعْيَا معه، وعظمت الأحداث في بني إسرائيل فبعث الله سَنْحاريب ملك بابل في ست مئة ألف راية، فنزل على القدس، وكان الملك مريضًا في ساقه قرحة، فقال شَعْيَا لصديقة: قد نزل بنا هذا الملك وخافه الناس، فقال له الملك: هل أتاك من الوحي فيما حدث؟ قال: لا، فبينما هم كذلك جاء الوحي بأنَّ صديقة قد انتهى ملكه، وأنه سيخلِّف من يشاء ويوصي وصيَّته، فلما أخبرنا شَعْيَا صديقة قام إلى المحراب فبكى ساعةً ودعا وتضرَّع وقال: إلهي، قد علمتَ سرِّي وعلانيتي وفعلي في بني إسرائيل- وكان عبدًا صالحًا- فرحمه الله وأوحى إلى شعيا أَخْبِر صديقةَ
стр. 826
أنَّ الله قد رحمه وأخَّر أجله خمس عشرة سنة، وأنه قد أنجاه من عدوِّه سَنْحاريب وجنودِه. فأخبر شَعْيَا فذهب عنه الوجع وفرح وسجد شكرًا لله تعالى. وأصبح عسكر سَنْحاريب موتى إلا سَنْحاريب وخمسة نفر من كتَّابه، أحدهم بُخْتَ نَصَّر. وخرج صديقة في بني إسرائيل فرأى القوم موتى فغنم أموالهم، وطلب سَنْحاريب، فوجده في مغارة ومعه كتَّابه فجعلهم في الجوامع. وقال صديقة لسَنْحاريب: كيف رأيتَ فعلَ الله بكم؟ فقال سَنْحاريب: قد أتاني خبركم، ونصر ربكم لكم قبل أنْ أخرج من بلادي فلم أطع مرشدًا، ولم يُلْقني في الشقاوة إلا قلة عقلي. ثم أمر بهم فطيفَ بهم حول بيت المقدس سبعين يومًا يَطْعَمُ كل واحد منهم في كلِّ يوم قرصين من شعير، فقال سَنْحاريب: القتلُ أهونُ علينا من هذا. فأوحى الله إليه: يا شَعْيَا أطلقوا سَنْحاريب ومن معه مكرَّمين لينذروا من وراءهم، فأرسلهم، فلما قدموا بابل قال له كهنته: قد نهيناك ولم تطعنا، وهي أمَّة لا يستطيعها أحدٌ مِنْ ربهم، وأقام سَنْحاريب سبع سنين ومات واستُخلف بُخْتَ نَصَّر، وكان ابن ابنه على ما كان عليه، فسار في المُلْك والناس سيرةَ جدِّه، فأقام خمس عشرة سنة.
وذكر هارون بن المأمون أنَّ سَنْحاريب كان يسكن نِينَوَى، فسار إلى بني إسرائيل ومعه ملك أَذْرَبِيجَان، واسمه: سَلما عاسر، ومعناه بالعربية: سلمان (١) الأعسر، فلما نزلا على القدس اختلفا ووقعت الحرب بينهما، حتى تفانوا وغَنِمَهم بنو إسرائيل.
وتوفي صديقةُ فمَرجَ أمر بني إسرائيل، وتنافسوا في المُلْك، وقتل بعضهم بعضًا، ونبيُّهم شَعْيَا بينهم لا يقبلون منه، فقال الله تعالى: قم فيهم خطيبًا لأوحيَ على لسانك، فقام فأنطقه الله، فقال مختصرًا: يا سماء اسمعي ويا أرض أنصتي، فإن الله يريد أن يقضي شأن بني إسرائيل، ربَّاهم بنعمته واصطنعهم لنفسه، وخصَّهم لكرامته، وفضَّلهم على عباده، وكانوا كالغنم الضائعة التي لا راعي لها، فآوى شاردتها، وجمع ضالتها، وجبر كسيرها، وأسمن مهزولها،، فَبَطرت وتناطحت كباشها، فقتل بعضهم بعضًا حتى لم يبقَ منهم عظمٌ صحيح، فويل لهذه الأمة الخاطئة. وإني ضاربٌ لهم مثلًا: قل لهم:
стр. 827
كيف ترون في أرض كانت خرابًا زمانًا، مواتًا لا عمران بعدها، وكان لها ربّ حكيم قوي، أقبل عليها بالعمارة وأحاط عليها جدارًا، وشيَّد فيها قصرًا، وأنبط فيها نهرًا، وغرس فيها ألوان الثمار والأشجار، واستحفظها ذا رأي وهمة قويًا أمينًا، فلما أطلعت جاء طلعُها خَرُّوبًا، فقالوا: بئست الأرض هذه، نريد أن نهدم جدارها، ونخرب قصرها، وندفن نهرها حتى تعود مواتًا كما كانت، فقال الله تعالى: إنَّ الجدار ذمتي، والقصر شريعتي، والنهر كتابي، والقيِّم نبيِّي، وأنتم الغراس، والخروب أعمالكم الخبيثة، وإني قد قضيت عليكم قضاءكم على أنفسكم تتقرَّبون إليَّ بذبح البقر والغنم التي لا تنالني لحومُها، ولم تتقرَّبوا إليَّ بالتقوى والكفِّ عن ذبح النفوس المحرَّمة. تشيِّدون المساجد وتنجِّسون القلوب، وأي حاجة لي إلى تشييد البيوت ولستُ أسكنها، وأي حاجة إلى تزويق المساجد ولست أدخلها، إنما أمرت برفعها لأُذْكَرَ فيها، وتكون مَعْلمًا لمن أراد الصلاة فيها، وذكر الثعلبي كلامًا طويلًا، وقال: فلما فرغ شَعْيَا من خطبته كذبوه وطلبوه ليقتلوه، فهرب منهم، فصادف شجرة فانفرجت له فدخل فيها فانضمت عليه، فأخذ بثوبه الشيطان وبقي هدبة منه، فعرفها بنو إسرائيل فوضعوا المنشار في وسط الشجرة حتى قطعوها وقطعوه في وسطها نصفين (١).
قال الثعلبي: فاستخلف الله على بني إسرائيل رجلًا منهم يقال له: ناشئة بن أموص، وبعث لهم الخَضِر نبيًا، واسم الخضر: إرميا بن حلقيا، وكان من سبط هارون بن عمران، وإنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فاهتزت خضراء (٢).
قلتُ: وقد وهم الثعلبي، لما ذكرنا أنَّ الخَضِر لم يكن نبيًا، وكان وزير ذي القَرْنَيْن وابن خالته، وهو صاحب موسى، وقد ذكرناه.
وقال في "المعرَّب": إرمياء - بكسر الهمزة والمد - اسم النبيَّ ﵇، أعجمي معرَّب (٣).
стр. 828
واختلفوا فيه:
فقال وهب: هو إرميا الأكبر.
وقال السُّدي: هو الأصغر.
واختلفوا في زمانه:
فقال وهب: كان في زمان بُخْتَ نَصَّر. وقال ابن إسحاق: في زمان الإسكندر الثاني. وقيل: في أيام كيقابوس وكيخسرو، والأول أصح.
وقال وهبْ كان إرميا غلامًا من أبناء الملوك، وكان زاهدًا، ولم يكن لأبيه سواه، وكان أبوه يعرض عليه النكاح وهو يأباه مخافة أن يشتغل عن العبادة، فألحَّ عليه أبوه وزوَّجه في أهل بيت من عظماء المملكة، فلما دخل بالمرأة قال: يا هذه إني أُسِرُّ إليك سرًا فإن سترته عليَّ ستر الله عليك في الدنيا والآخرة، وإنْ أفشيته فَضحَكِ الله في الدنيا والآخرة، قالت: وما هو؟ قال: إني لا أريدُ النساء، فأقامت معه سنة، فأنكر أبوه ذلك وسأله فقال: ما طال العهد بعد، وسأل المرأة فقالت كذلك، ففرَّق بينهما وزوَّجه أخرى، فاستكتمها أمره، وأقام سنة، فسأله أبوه فقال مثل ذلك، وسأل المرأة فقالت المرأة: وهل تلدُ المرأة من غير زوج؟! فغضب عليه أبوه فخاف منه فهرب (١).
وقتل بنو إسرائيل شَعْيَا وطغوا وتجبَّروا، فبعث الله إرميا نبيًّا وكان من أولاد الملوك تزهد، فلما بعثه الله نبيًا، قال الله تعالى: إني منتقم من بني إسرائيل ومهلكهم. فحثا على رأسه الرماد وقال: إلهي وددتُ أن أمي لم تلدني حيث جعلتني آخر أنبياء بني إسرائيل، وجعلتَ خرابَ البيت المقدس على يديَّ. ثم قال: يا رب ومن تُسلِّط عليهم؟ فقال: عَبَدَة النيرانِ والأوثان، لا يخافون عقابي، ولا يرجون ثوابي، قم على صخرة بيت المقدس واسمع ما أقول.
وقد روى القصة جماعة منهم وهب والسُّدي والكَلبي ومقاتل وابن إسحاق وغيرهم، قال وهب: ولما بعث الله إرميا كان مع الملك ناشِيَة يسدِّده ويرشده، فأقام مدة، وفشت الأحداث (٢) فيهم، ونسوا ما فَعَلَ الله معهم في قصة سَنْحاريب، فأوحى
стр. 829
الله إلى إرميا: قم فيهم ودْكِّرهم بأيامي، وعرِّفهم أحداثهم، فقال: إلهي إني ضعيف فقوِّني، وعاجز فبلِّغني، ومخطئ فسدِّدني، وذليل إن لم تعزَّني، وضليل إن لم تبصِّرني، فقال له: قف على صخرة بيت المقدس (١).
ذكر الخطبة مختصرة (٢)
قال علماء السِّير ممن سميناه، دخل حديث بعضهم في حديث بعض: فوقف إرميا على الصخرة وأوحى الله إليه: يا إرميا من قبل أن أصوِّرك قدَّستك، ومن قبل أن أخرجكَ من بطن أمِّك صوَّرتك، لأمر عظيم بعثتك، قل لبني إسرائيل: إنَّ الله ذكركم بصلاح آبائكم، فلذلك استبقاكم. كيف وجد من أطاعني غبَّ طاعتي؟ وكيف وجد من عصاني غبّ معصيتي؟ هل عصاني أحدٌ فسعد بمعصيتي، وهل أطاعني أحدٌ فشقي بطاعتي، إن هؤلاء العصاة رتعوا في مراتع الهلكة، وتركوا الأمر الذي به أكرمت آباءهم، وابتغوا الكرامة من غيري. أما أحبارهم ورهبانهم فاتخذوا عبادي خَوَلًا يحكمون فيهم بغير حكمي، ويقضون بينهم بغير كتابي، حتى دانوا لهم بالطاعة التي لا تنبغي إلا لي، فهم يطيعونهم في معصيتي، وأما أمراؤهم فبطروا نعمتي، وأمنوا مكري، وغرَّتهم الدنيا حتى نبذوا كتابي، ونسوا عهدي. وأمَّا قرَّاؤهم فيدرسون كتابي ولا يعملون بما فيه، وينقادون للملوك يتابعوهم على البِدَع التي يَبْتدعون في ديني، وكلُّ ذلك وأنا أمطر عليهم السماء، وأُنبتُ لهم الأرض فألبسهم العافية، وأظهرهم على عدوِّهم، ولا يزدادون إلا طغيانًا، فحتى متى وإلى متى؟ أإيَّاي يخادعون أم عليَّ يتجبَّرون؟ فوعزتي لأتيحن لهم فتنة يتحيَّر فيها الحليم، ويضلُّ فيها رأي كلِّ ذي رأي، ولأسلطنَّ عليهم جبَّارًا عاتيًا قاسيًا ألبسه الهيبة، وأنزع من صدره الرأفة والرحمة، يتبعه عدد النسور مثل سواد الليل المظلم، معهم عساكر مثل قطع السحاب، كأنَّ خفق راياته أجنحة النسور، وصهيل فرسانه كأصوات العقبان، يعيدون العمران خرابًا، والأنس وحشة، يجولون في الدِّيار بأصوات زئير الأسود، تقشعر منهم الجلود، وعزتي
стр. 830
لأعطلن مدارسهم من كتبي، ولأُخْلِيَنَّ مجالسهم، ولأُوحِشَنَّ مساجدهم من عُمَّارها الذين كانوا يتزينون بعمارتها لغيري، ويتعبدون فيها لكسب الدنيا بالدين، ويتفقهون فيها لغير العمل، ولأبدلن مُلوكهم بالعزِّ ذلًا، وبالأُنس خوفًا، وبالغنى فقرًا، وبالشبع جوعًا، وبالعافية ألوان البلاء، وبلبس الحرير مدارع العباء، وبالأرايح الطيبة جيف القتلى، وبتيجان الذهب أطواق الحديد، وبالقصور الواسعة أنواع الخراب، ولأُبْدِلَنَّ نساءهم من الخدور بالسَّحب على الوجوه، ولآمرن السماء فتكون طبقًا من حديد، ولآمرن الأرض فتكون صفحة من نحاس، وذكر كلامًا كثيرًا طويلًا.
فلما سمع إرميا هذا قال: سبحانك يا ربَّنا إنَّك مُهلك هذه القرية، وهي مساكن أنبيائك، ومَهبط وحيك، وإنك لمتلف هذه الأمة، وهم ولد خليلك، وأمّة موسى نجيِّك، وقوم داود صفيِّك، يا رب فأي القرى يأمن مكرك بعد أُوْرِيْ شَلِم، وأي العباد يأمنون سطوتك بعد أولاد أنبيائك؟
فأوحى الله إليه: يا إرميا، إنما أكرمت أولئك بحفظهم لطاعتي ولو عصوني لأنزلتهم منازل العاصين، ولو أن قومك حفظوا حرمتي وراعوا عبادي، الأرملة واليتيم والمسكين وابن السبيل، لكنت الراحم لهم، ولكنهم يتجاهرون بالمعاصي في الأسواق، وبيوت العبادات، ورؤوس الجبال، وتحت ظلال الأشجار، حتى عجَّتِ السماء إليَّ، واستغاثت الأرضُ والجبال والطير والوحش منهم.
فأبلَغهم إرميا رسالة ربهم فكذَّبوه وعذَّبوه وقالوا: عظَّمت الفِرْيةَ على الله، تزعم أنه مخربٌ مسجده، ومعطلٌ بيوتَ عبادته وقراءةَ كتابه، فمن يعبده بعد ذلك؟ ثم قيَّدوه وحبسوه، وهذا قول وهب.
وأما ابن إسحاق فقال: أوحى الله إلى إرميا إني مهلك بني إسرائيل بولد يافث وهم ببَابِل، فبكى ومزَّق ثيابه وحثا الرماد على رأسه، فأوحى الله إليه: أشقَّ ذلك عليك؟ فقال: يا إلهي، وكيف لا يشق عليَّ إهلاك قومي؟ فقال الله تعالى: وعزَّتي لا أُهْلِكهُم حتى يكون الأمر من قِبَلِك فطابت نفسه، وأخبرَ المَلِك ناشئة فاستبشر، وأقام بعد هذا ثلاث سنين، فازداد طغيانهم، فبعث الله إلى إرميا مَلَكًا في صورة آدمي فقال: يا نبيَّ الله جئت أستفتيك في أهلي، أحسنتُ إليهم ولم يزدهم إحساني إلا إساءَةً فَأفتني فيهم،
стр. 831
فقال: أحسِنْ إليهم، وجاءه ثانيًا وثالثًا وهو يقول كذلك، فجاءه في الرابعة وقال: يا نبيَّ الله قد ازداد طغيانهم، فسألتك بالله إلا دعوتَ عليهم بالهلاك. فقال إرميا: إلهي إن كانوا على حقٍّ وصوابٍ فأَبقهم، وإن كانوا على عملٍ لا ترضاه فأهلكهم. فلما خرجت الكلمة من فيه أرسل الله صاعقةً على بيت المقدس من السماء، فأحرقت مكان القُربان، وخسفت بسبعة أبواب من المسجد. فلما رأى إرميا ذلك صاح وشقَّ ثيابه وقال: يا رب أين ميعادك؟ فنودي وهل أصابهم العذاب إلا بفتياك ودعائك عليهم؟! فعلم أن ذلك السائل كان ملكًا أرسله الله إلى إرميا. فخرج إرميا من ساعته فخالط الوحشَ، وقيل: غير ذلك.
ونزل بُخْتَ نَصَّر على القدس، وقال وهب: نزل بُخْتَ نَصَّر الشام، وكان قد أتى من بابِل، فنزل على دمشق، فصالحه أهلها فأقام، وبعث بعض قوَّاده إلى البيت المقدَّس فصالحه ناشئة المَلِك مِن ولد دَاود على مالٍ ورهائن، فقال له بنو إسرائيل: داهنت علينا فقتلوه، وبلغ بُخْتَ نَصَّر فسار إليهم وفتح بيت المقدس عنوة، وهدم المسجد وأخرب بيوت العبادات، وأحرق التوراة، ورمى على الصخرة الجيف حتى عفَّى آثارها، وأحرق البيوت، وحمل معه من الجواهر والأموال ثمانين عَجَلَة، وهدم الحصون، وأسر سبعين ألف غلام من أولاد الأنبياء، وسار إلى بَابِل.
واختلفوا في إرميا على أقوال:
أحدها: أنه صار مع الوحش، ذكره الثعلبي.
والثاني: أنه كان محبوسًا، فأطلقه بُخْتَ نَصَّر وقال: بئس القوم قوم عَصَوْا رسولَ ربهم.
والثالث: أنه مضى إلى مصر.
والرابع: أنه مضى مع بُخْتَ نَصَّر إلى بابِل (١).
قال ابن إسحاق: أمر بُخْتَ نَصَّر جنوده بأن يملأ كلُّ واحد ترسه ترابًا ثم يقذفه في القدس، ففعلوا، واختار من أولاد الأنبياء سبعين ألفًا، وقيل: مئة ألف، فقال له
стр. 832
الملوك الذين معه: اقسم بيننا هذه الغِلْمَةَ، فقسمهم بينهم، فأصاب كلُّ واحد منهم أربعة غلمة، وكان من أولئك الغِلْمَان دانيال الأصغر، وسبعة آلاف من ولد داود، وأحد عشر ألفًا من وَلد يُوسف بن يعقوب وأخيه بَنْيامِين، وثمانية آلاف من سبط يساخر ابن يَعْقُوب، وأربعة عشر ألفًا من سبط زبالون بن يعقوب ونفتالي بن يعقوب، وأربعة آلاف من سبط يهوذا بن يعقوب، وأربعة آلاف من سبط روبيل ولاوي ابني يعقوب. ومن يقي من بني إسرائيل جعلهم بُخْتَ نَصَّر ثلاث فرق: فثلثًا قتلهم، وثلثًا أجلاهم، وثلثًا أقرهم بالشام (١).
فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: ٤] فالجواب من وجوه:
أحدها: أنهم في المرة الأولى أفسدوا وعصوا وسفكوا الدم، فبعث الله عليهم جَالوت وجنوده، فقتلوا وسبوا وأخذوا التابوت، على ما ذكرناه، قاله ابن عباس.
أنبأنا غير واحد عن عبد الوهاب بن المبارك الحافظ بإسناده عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا﴾ أي: عقوبة أولى المرتين ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا﴾ جالوت وجنوده ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ٥] وضربوا عليهم الخراج والذلَّ، فسألوا أن يبعث لهم مَلِكًا يقاتلون معه في سبيل الله، فبعث الله طالوت ملكًا. فلما أفسدوا بعث الله عليهم في المرة الأخيرة بُخْتَ نَصَّر.
قال الجوهري: الجَوْسُ مصدر قولك: جاسوا، خلالَ الديار، أي: تخللوها فطلبوا ما فيها كما يجوس الرجل الأخبار أي يطلبها (٢). وقال مقاتل: جاسوا بمعنى: داسوا وأخربوا.
والثاني: أنَّ الذي بعث في المرة الأولى بُخْتَ نَصَّر، قاله سعيد بن المسيَّب، واختاره الفرَّاء والزجَّاج، وفي الثانية جَالُوت.
والثالث: أنَّ الذي بعثَ في الأولى العَمَالقة وكانوا كفارًا، وفي الثانية بُخْتَ نَصَّر.
стр. 833
والرابع: في المرة الأولى سَنحاريب، وفي الأخرى بُخْتَ نَصَّر، قاله سعيد بن جبير.
والخامس: في المرة الأولى قوم من أهل فارس، قاله مجاهد؛ والثانية قال ابن زيد: سلَّط الله عليهم سابور ذا الأكتاف من الفرس.
والسادس: أنَّ المرة الأولى قَتْل شعيا والثانية يحيى بن زكريا، قاله مقاتل.
والسابع: أنَّ في الأولى بُخْتَ نَصَّر، وفي الثانية أنطانوس الرومي.
وقال مقاتل في قوله: ﴿أُولِي بَأْسٍ﴾ أي: ذوي عدد وقوَّة في القتال ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾ أي: طافوها ينظرون هل بقي أحد لم يقتلوه ﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ٥] لابدَّ من كونه ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الإسراء: ٦] في آخر المرتين، ثم قال: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: ٨] عند قتل شعيا أو يحيى سلَّط الله عليهم بُخْتَ نَصَّر ثم الروم فقتلوا وسبوا.
وقال ابن عباس: بعث الله في المرة الأخيرة بُخْتَ نَصَّر ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧] والتَّبَار الهلاك، ثم قال: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ [الإسراء: ٨] فرحمهم بعدم انتقامه منهم، فأعاد عمارة بيت المقدس بعد مئة سنة، ثم بعث الله محمدًا ﷺ فتركهم في عذاب الجزية.
* * *
стр. 834
فصل في بُختَ نَصَّر البابلي
قلت: ذكر أبو القاسم ابن عساكر في "تاريخه" بإسناده إلى إسماعيل بن موسى- وكان أديبًا قد قرأ الكتب - قال: بلغني أن بُخْتَ نَصَّر دخل الشام في ست مئة ألف، راكبًا على أسد أحمر، متعمِّمًا بثُعْبان، متقلدًا سيفًا طوله عشرة أشبار في عرض شبر، نَصْلُهُ أخضر مُرَصَّعٌ بالجواهر واليواقيت الحمر، منقوش عليه أبيات منها:
وأَنت إنْ لم تَرْجُ أو تتَّقِ … كالميت محمولًا على نَعْشِهِ
وكم نَجَا مِن يَدِ أعدائه … وميِّتٍ مات على فرشهِ
مَنْ يفتح القُفْلَ بمفتاحه … ينجُ مِنَ التُّهْمَة في فَشِّهِ
ونابشُ الموتى له ساعةٌ … تأخذه أنبش مِنْ نَبْشه (١)
وحكى سعيد بن جبير قال: قرأ رجل في المصحف: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ فبكى وقال: يا ربِّ، أرني هذا الرجل الذي جعلت هلاك بني إسرائيل وخراب القدس على يده، فرأى في المنام قائلًا يقول: إنَّ ذاك مسكين بأرض بَابِل يقال له: بُخْتَ نَصَّر، فأخذ مالًا للتجارة وسار إلى بَابِل، وطاف على المساكين، وسأل عن بُخْتَ نَصَّر فقالوا: هو مريضٌ على قارعة الطريق، فمضى إليه وأخذه إلى منزله وكساه وأعطاه نفقة ومرَّضه حتى برئ، وعزم الإسرائيلي على العَوْد إلى الشام، فبكى بُخْتَ نَصَّر، فقال له: ما يبكيك؟ فقال: قد فعلتَ معي ما فعلتَ، وليس لي ما أجازيك به؟ فقال الرجل: بلى، شيء يسير إنْ ملكتَ فأعطني إيَّاه، فقال: أتسخر بي؟ فقال: لا والله، وجعل الرجل يسأله وبُخْتَ نَصَّر يمتنع، فبكى الرجل وقال: لقد علمتُ أنَّه ما يمنعك أن تعطيني ما سألتُ إلا أنَّ الله يريد أن ينفِّذ ما قد قضى به وكَتَبه على بني إسرائيل. ثم قفل الإسرائيلي راجعًا، وكان مَلِكُ بابِل يقال له: صيحون، فأرسل سرية إلى الشام مع رجل من أصحابه في مئة ألف، وخرج بُخْتَ نَصَّر معهم في مطبخه، ليس له همٌّ إلا أن يأكل من المطبخ، فلم يقدم الرجل على أهل الشام وعاد إلى بَابِل. فقال صيحون: أريد رجلًا أعرف من هذا، فقيل له: ها هنا رجل يقال له: بُخْتَ نَصَّر، قد
стр. 835
عرف الشام وخبره، فأرسله في سرية في أربعة آلاف، ومرض الملك فقالوا: استخلف، فقال: حتى يقدم أصحابكم من الشام، فقدم بُخْتَ نَصَّر بالغنائم فقسمها بين الناس فقالوا: هذا أحق بالملك، فملَّكوه (١).
وقال السُّدي: رأى رجلٌ من بني إسرائيل في منامه أنَّ خراب بيت المقدس على يدي غلام يتيم ابن أرملة من أهل بابل يدعى بُخْتَ نَصَّر، وكانوا يصدقون فتصدق رؤياهم، فسار الرجل إلى بابِل فسأل عنه فقيل: هو غلامٌ يحتطب، وإذا به قد أقبل وعلى رأسه حزمة حَطَب، فألقاها وباعها وجاء بثمنها إلى أمه، فجاء الرجل فنزل على أمه وأعطاهم دراهم ونفقة وكسوةً. وعزم الرجل على العَوْد إلى الشام فقال لبُخْتَ نَصَّر: لي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قال: تكتب لي كتابًا إنْ مَلَكتَ يومًا من الدَّهر، فقال: أتسخر بي؟ قال: لا والله، فما زالَ حتى كتب له كتابَ أمان. فقال: اجعل لي آيةً تعرفني بها إذا جئتُ إليك والناس حولك، قال: ارفع هذا الكتاب على قصبة، وقد عرفته، فيقال: إنه وفى له (٢).
واختلفوا في بُخْتَ نَصَّر، فقال ابن الجواليقي في "المعرَّب" عن الأصمعي قال: بُخْتَ نَصَّر هو الذي أخرب بيت المقدس، ولا يقال بالتخفيف. وقال غير الأصمعي: هو بخت ناصر، وقيل: بُوخَت نَصَّر فأعرب قال: وَبُوخَتُ ابنٌ ونَصَّرُ اسم صنم، فكأنه وُجد عند الصنم ولم يُعْرَف له أب يُنْسب إليه، فقيل: ابن الصنم (٣).
وقيل: كان ولد زنى لا يعرف له نسب، ويقال: بخت نصر بن جوذر البابلي.
وقيل: كان أبوه وجده من بقايا جيش نُمْرُود. وقيل: كان ابن ابن سَنحاريب، وقد ذكرناه.
وقال مجاهد: هو بخت نرسي بالفارسية، وكان كاتبًا لسَنْحاريب. وقيل: كان واليًا لهراسف أو لهراسب، ولَّاه ما بين الأَهْوَاز والروم، فسار إلى دمشق فصالح الملك ناشِيَة على مالٍ.
стр. 836
قال وهب: ولما قدم بُخْتَ نَصَّر إلى بَابِل بالغنائم كان فيهم دانيال، وكان أكرم الناس على بُخْتَ نَصَّر، فحسدته المجوس ووشوا به إلى بُخْتَ نَصَّر وقالوا: إنه وأصحابه لا يأكلون ذبيحتك ولا يعبدون إلهك، فدعاهم فسألهم، فقالوا: نعم لنا إله نعبده، فخدَّ لهم أخاديد وألقاهم فيها، ونزَّل معهم سبعًا ضاريًا شرهًا فلم يضرَّهم.
قال وهب: وكان بُخْتَ نَصَّر قد رأى رؤيا فعبَّرها له دانيال، رأى أنه صار صنمًا رأسه من ذهب، وصدره من فضة، وبطنه من نحاس، وفخذاه من حديد، وساقاه من حجر فخار، ثم رأى حجرًا وقع من السماء عليه فدقَّه، ثم ربا الحجر حتى ملأ ما بين المشرق والمغرب، ورأى شجرة أصلها في الأرض وفرعها في السماء، وعليها طيورٌ عظيمة، وتحتها دواب كثيرة، ثم رأى عليها رجلًا بيده فأس، وسمع مناديًا ينادي: اضرب أصلها لتتفرَّق الطير من فروعها، والدوابُّ من تحتها، واترك أصلها قائمًا، فسأل دانيال عن تعبيرها فقال: أما الصنم فأنت ورأسك من ذهب لأنك أفضل الملوك، وأما الصدر فابنك يملك بعدك، وأما البطن الذي من نحاس فالملك الذي يملك بعده، وأما الفخذان من الحديد فيتفرق المُلْك فرقتين في فارس وتكونان أشد المُلْك، وأما الفخار فآخر ملوكهم، وأما الحجر الذي ربا حتى ملأ ما بين المشرق والمغرب فنبيٌّ يبعثه الله في آخر الزمان يفرّق مُلكهم ويملأ بشرعه ما بين الخافقين، فأما الشجرة فأنت، وقطعها ذهاب مُلْكك، ثم يردُّك الله طائرًا نسرًا، وهو مَلِكُ الطَّير، ثم يردُّك الله ثورًا مَلِك الدَّواب، ثم يردُّك الله أسدًا مع السباع والوحوش، فيكون مسخك سبع سنين (١)، ومع هذا فيكون قلبك قلب إنسان حتى تعلم أن الله له مُلْك السماوات والأرض (٢).
قال وهب: فمسخ الله بُخْتَ نَصَّر نَسْرًا في الطَّير، وثورًا في الدَّواب، وأسدًا في السِّباع، سبع سنين، كما قال دانيال، ثم ردَّ الله عليه مُلْكه فآمن ودعا الناس إلى عبادة الله، فقيل لوهب: أكان مؤمنًا؟ فقال: قد اختلف الناس فيه، فقالت طائفة من أهل الكتاب: كان مؤمنًا، وقالت طائفة أخرى: لم يكن مؤمنًا، أحرق بيت المقدس، وقتل
стр. 837
أولاد الأنبياء، وفعل ما فعل، فغضب الله عليه فلم تُقْبَل توبته (١).
قال الفضيل بن عياض: لما سلط الله بُخْتَ نَصَّر على بني إسرائيل كان فيهم ثلاثون ألفًا عملهم مثل عمل الأنبياء فقتلهم.
قال ابن عباس: ما شبَّهتُ إيمانَ بُخْتَ نَصَّر إلا بإيمان سَحرة فِرعون.
ويقال: إنه كان إذا مُسِخَ في جنس الذكور اشتهى الإناث واغتلم، فحوَّله الله تعالى أنثى، فإذا اشتهى الذكور حوَّله الله ذكرًا، فكان لا يصل إلى شهوته من الجماع ولا يُوصَل إليه.
وقال وهب: لما ردّه الله إلى صُورته دعا إلى توحيد الله وقال: كل إله سوى الله باطل. وكل هذه روايات وهب.
وقد روى كعب الأحبار قصة بُخْتَ نَصَّر على وجه آخر فقال: إنَّ بُخْتَ نَصَّر رأى رؤيا فهالته، فدعا كهنته وقال لهم: رأيت رؤيا، قالوا: وما هي؟ قال: أنسيتها فأخبروني بتأويلها، قالوا: لا نعلم، قال: قد أجلتكم ثلاثًا فإن أخبرتموني بها وإلا قتلتكم، وبلغ ذلك دانِيال، وكان محبوسًا مع بني إسرائيل، فقال للسجَّان: عرِّف المَلِك أنني أعرف تأويلها، فقال السجَّان: لعلَّ غمَّ الحبس حملك على هذا، وإني أخاف عليك سطوة المَلِك، فقال: لا تخف فإن لي ربًا يخبرني بما أريد، فأخبر السجَّان بُخْتَ نَصَّر بما قال، فأحضره، وقال: ما رأيتُ؟ فقال: رأيتَ صنمًا عظيمًا رجلاه في الأرض، ورأسه في السماء، أعلاه من ذهب، وأوسطه من فضة، وأسفله من نحاس، وساقاه من حديد، ورجلاه من فخار؛ فبينما أنت تنظر إليه قد أعجبك حسنه إذ قذفه الله بحجرٍ من السماء، فوقع على قبَّة رأسه فطحنه، فاختلط الفضة والنحاس والحديد والفخار حتى خيِّل إليك لو أنه اجتمع الإنس والجنّ على أن يميزوا بعضَه من بعض لما قدروا، وربا الحجر الذي قُذِف به حتى ملأ الدنيا كلَّها، فقال بُخْتَ نَصَّر: صدقتَ، فما تأويلها؟ فقال: أما الصنم فأمم مختلفة في أول الزمان وآخره وأوسطه، وأما الذهب فهذا الزمان وهذه الأمة التي أنتَ مَلِكُها، وأما الفضَّة فابنك من
стр. 838
بعدك، وأما النحاس فالروم، والحديد فارس، والفخار أمَّتان يملكهما امرأتان: إحداهما بمَشرق المغرب، والأخرى في غربي الشام، وأما الحجر الذي قُذِفَ به الصَّنم فدين يقذف الله به هذه الأمة في آخر الزمان، فيظهر عليها، ويبعث الله نبيًّا من العَرَب فيدوخ الأديانَ كلَّها كما فعل الحجر بالصنم. فقال له بُخْتَ نَصَّر: ما أعلم لأحدٍ عندي يدًا مثل يَدِك، فاختر إحدى ثلاث: أَما أنْ أردَّك إلى بلادك وأعمِّر لك كل شيء أخربته، وإما أن تقيم عندي فأواسيك، وإما أنْ أكتب لك كتابَ أمان تأمن به حيثما سَلَكْتَ. فقال دانيال: أما قولك إنك تردُّني إلى بلادي وتعمر لي كل شيء أخربته فإنها أرضٌ كَتَب الله عليها الخراب إلى أجل معلومٍ، فلستَ تقدر أنْ تعمر ما أخربه الله حتى يبلغ الكتابُ أجله، وينقضي البلاء الذي كتبه الله على أهلها. وأما قولك أن تكتب لي كتابَ أمان فلا ينبغي لي أنْ أطلب أمانَ مخلوقٍ مع أمان الله. وأما مواساتك فهي أرفق بي حتى يقضيَ الله فينا قضاءَه.
فجمع بُختَ نَصَّر ولده وكهنته وحشمه وقال: هذا رجل حكيم قد فَرَّجَ الله كَرْبي الذي عجزتم عنه به، وقد ولَّيتُهُ أمركم، فارفقوا به، واعرفوا قَدْره، وخذوا برأيه، ومتى جاءكم رسولان: رسولٌ من عندي والآخر مِن دانِيال فقدِّموا رسوله على رسولي، وحاجته على حاجتي. ونزل منه دانيال أفضل المنازل، وجعل يدبِّر مُلْكَه، فحسده علماء أهل بابِل وقالوا لبُخْتَ نَصَّر: لقد ذلَّ مُلْكُك وخضع عند الناس منذ ولَّيْتَ هذا العبد الإسرائيلي علينا، فقال: أتنقمون أني ولَّيتُ عليكم أحكمَ النَّاسِ (١)؟!
ولما مات بُخْتَ نَصَّر حبسوه في جُبٍّ مع سبعين، فأخرجه الله، لما نذكر.
وقال السدي: لما رجع بُخْتَ نَصَّر إلى صورته بعد المسخ وردَّ الله عليه مُلْكه، كان دانيال وأصحابه أكرم الناس عنده، فحسده المجوس ثانيًا وقالوا: إنَّ دانيال إذا شرب الخمر لم يملك نفسه إلا أن يبول، وكان ذلك عارًا عندهم، فصنع بُخْتَ نَصَّر طعامًا، فأكلوا وشربوا، وقال بُخْتَ نَصَّر للبوَّاب: انظر أول خارج ليبولَ فاضربه بالطَّبَرْزِين (٢)،
стр. 839
وإنْ قال: أنا بُخْتَ نَصَّر، فقل: كذبت، فحبس الله عن دانِيال البول، وكان أول مَن قام ليبول بُخْتَ نَصَّر، وكان ليلًا، فخرج فلما رآه البوَّاب شدَّ عليه ليضربه فقال: أنا بُخْتَ نَصَّر، فقال: كذبت وضربه بالطَّبَرْزِين فقتله (١).
وذكر محمد بن إسحاق في هلاك بُخْتَ نَصَّر وجهًا آخر عن الحسن البصري قال: لما أراد الله هلاك بُخْتَ نَصَّر قال لمن في يده من بني إسرائيل: أرأيتم هذا البيت الذي أخربتُ؟ بيت من هو؟ والناس الذين قتلتُ، مَنْ هُم؟ قالوا: بيتُ الله ومسجده، وأولاد الأنبياء، عصوا فسلطك الله عليهم بذنوبهم، وإنَّ ربَّهم هو الله ربُّ السماوات والأرض، قال: فأخبروني ما الذي يطلع بي إلى السماء العليا، لعلِّي أقتل إلاهها وأتخذها مُلْكًا فإني قد فرغتُ من الأرض وكان قد مَلَكها فقالوا: لا يقدر على ذلك إلا الله، فقال: لَتفعلُنَّ أو لأقتلنَّكم جميعًا، فبكَوا وتضرعوا إلى الله فأرسل الله عليه بعوضة فدخلت في منخره حتى عضَّت دماغه، فلما أيقن بالهلاك قال لخواصه: إذا متُّ فشقوا رأسي وانظروا ما الذي قتلني، فلما مات شقوا رأسه، وإذا بالبعوضة عاضَّة على دماغه، فعلموا قدرة الله - وسلطانه وضعف عباده وعجزهم، ونجّى الله من بقي من بني إسرائيل منه وردّهم إلى الشام (٢).
قلت: وقد روى حذيفة عن النبي ﷺ أنه ذكر بُخْتَ نَصَّر فقال: "مَلَّكهُ الله سبع مئة سنة، وأَنه حَاصَر بيت المقدس وفتحه، وقتل على دَم يَحْيىَ بن زَكَريَّا سَبْعين أَلفًا" (٣). وذكر حديثًا طويلًا. وبنى جماعة من العلماء على هذا وقالوا: إنّ بُخْتَ نَصَّر كان في زمان يحيى، وأنه إنما غزا بني إسرائيل بسبب قَتْلهم ليحيى.
وكذا حكى أبو القاسم في "تاريخ دمشق" فإنه قال: كان أمر بُخْتَ نَصَّر قبل عيسى، وقيل بعدما رُفع، وكان من حديثه أن دانيال الأكبر قرأ في التوراة يومًا فأتى على هذه الآية: فجاسوا خلال الديار وكان وعدًا مفعولًا فقال: يا ربِّ مَن هذا الذي جعلت
стр. 840
خراب البيت المقدس وهلاك بني إسرائيل على يديه؟ فقيل له في المنام: يتيمٌ بأرض بَابِل، يقال له: بُخْتَ نَصَّر، فقير، فتجهَّز دانيال بمال عظيم، وقَدِمَ بَابِل فقسمه بين المساكين، وسأل عن بُخْتَ نَصَّر حتى ظفر به على الطريق وقد فُرِشَ له الرماد لذَرَبٍ (١) كان به، فداواه حتى برئ، وأعطاه عشرين ألف درهم، وأخبرهم أن سَيمْلِك بلادهم ويغزوهم، وطلب منه كتابَ أمان له ولأهله، فكتب لهم. وعاد دانيال إلى الشام، وفرّق بُخْتَ نصر الدراهم في أصحابه، ولزم باب المَلِك سنحاريب، وعظمت الأحداث في بني إسرائيل، وقتلوا الأنبياء، وسجنوا إرميا، فأرسل الله عليهم بُخْتَ نصر، فسار إليهم في ست مئة ألف، فأخرج إرميا من السجن، وقتل على دم زكريا سبعين ألفًا، ولم يقتل شيخًا ولا كهلًا ولا وليدًا، وإنما قتل أبناء الحرب وقادة الجيوش حتى استكمل العدة، وأخرج دانيال كتابَ أمان بُخْتَ نصر فأمضاه، وخرج بهم معه وكانوا خمسة أنفس شبابًا لم يبلغوا الحلم غير دانيال بن حزقيل الأصغر (٢).
ويقال: إنَّ بُخْتَ نصر مزَّق كتاب الأمان وألقى دانيال في جُبٍّ بفلاةٍ بين جبلين إلى أن أخرجه بعضُ أنبياء بني إسرائيل، وكذا ذكر جماعة: أن الذي قتل سبعين ألفًا على دم يحيى بن زكريَّا هو بُخْتَ نصر.
قلت: وليس كما ذكروا، أما حديث حذيفة فلا يثبت عن رسول الله ﷺ ، والتاريخ يكشف هذا، فإن عند أهل السِّير والعلماء بأخبار العالم من أهل الكتابين والمسلمين أنَّ بُخْتُ نَصَّر إنما غزا بني إسرائيل عند قتلهم شَعيا في عهد إرميا، وهي الوقعة الأولى التي أخبر الله عنها بقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا﴾ الآية [الإسراء: ٥]، وأنهم بُخْتَ نَصر وجنوده، قالوا: ومن زمان إرميا وبُخْتَ نَصَّر إلى أنْ قُتِل يحيى بن زكريا أربع مئة سنة وإحدى وستون سنة. وقد أشار إلى هذا أبو إسحاق وقال: من خراب بُخْتَ نَصَّر لبيت المقدس إلى حين عمرانه في أيام كيرس بن أحشويرش من قبل بَهمن بن اسفنديار بن يشتاسف تسعون سنة، ومن ذلك إلى ظهور الإسكندر على القدس وحيازته إلى مملكته إحدى وستون سنة (٣).
стр. 841
قال وهب: الذي أخذ بثأر يحيى ملك بابل، يقال له: خردوش بعد بُخْتَ نَصَّر بأربع مئة ونيف وستين سنة، وسنذكره فيما بعد، ولم يقم لبني إسرائيل بعد خردوش راية.
وذكر الحافظ في "تاريخ دمشق" عن ابن المبارك قال: رئي لقمان الحكيم يعدو خلف بُخْتَ نَصَّر فراسخ، فقيل له: يا وليَّ الله، تعدو خلف هذا الكافر؟ قال: لعلِّي أسأله في مؤمن فيجيبني.
قلت: وأين لقمان الحكيم من بُخْتَ نَصَّر بينهما قبل خراب بيت المقدس أربعة آلاف سنة وتسع مئة وثماني عشرة سنة.
قال علماء السِّير: ولما عاد بنو إسرائيل إلى الشام كثروا وأثروا، فبطروا وعَتَوْا، وعادوا إلى شرِّ ما كانوا عليه، وكثرت فيهم الأحداث فسلَّط الله عليهم مَلِك الروم واسمه ططوس بن اسبانوس فأخرب بلادهم وسباهم وعفى آثارهم، حتى إن المرأة كانت لتبعث بخِرَق حيضها فتلقيها على الصخرة (١).
وملك بُخْتَ نَصَّر خمسًا وأربعين سنة، منها تسع عشرة قبل خراب البيت المقدَّس، وستًا وعشرين بعده.
وحكى الهيثم بن عَدي: أنَّ بُخْتَ نَصَّر لما عاد إلى بَابِل بالسبايا بنى حبسًا أعلى النَّجف، وجمع فيه بني إسرائيل، ووكل بهم من يحفظهم، وكانت العرب قد قصدته لتحاربه ورئيسهم معدُّ بن عدنان، فصالح العرب، ونقل بني إسرائيل إلى جانب الفرات موضع الأَنْبار اليوم فأنزلهم هناك، فبنوا المدينة، فقال الناس: أَنبار بني إسرائيل.
قال الجوهري: وأنبار اسم بلد، واصله من نَبَرْتُ الشيء أي رفعته، ومنه المِنْبَر (٢).
وقال ابن إسحاق: كانت الحِيرة منزل بُخْتَ نَصَّر، فلمَّا مات انتقل إلى الأَنْبَار.
ومات عدنان في آخر أيام بُخْتَ نَصَّر، فجاء ولده معدُّ من أرض بَابِل إلى مَكَّة، فطرد من كان بها من جُرْهُم، وتزوَّج معانة بنت جوسم فولدت له نزارًا، وولد لنزار مُضَر وإياد وربيعة وأَنمار. وتفرقت اليهود فنزل بعضهم الحجاز وَيثْرِب ووادي القرى وغيرها، والله أعلم بالصواب.
стр. 842
فصل في عمارة بيت المقدس وقصة العزير (١)
قال الله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩].
واختلفوا في هذا المارِّ على أقوال:
أحدها: أنه إرْمِيَا، قال جدي في "فضائل القدس": روى عبد الصمد بن معقل عن وهب بن منبه وزاد غيره قال: أقام إِرْمِيا بعد خراب البيت بأرض مصر مدة، فأوحى الله إليه: أن الْحَقْ بأرض إيلياء، فإن هذه ليست لك بأرض، فقام فركب حماره وأخذ معه سلةً من عنب وسقاءً جديدًا فيه ماء وخرج (٢).
وفي رواية: فأوحى الله إليه: يا إرميا الْحَقْ بأرض الشام، فإن هذه الأرض ليست للأنبياء بمقام، وإني عامر بيت المقدس، فخرج على حمار ومعه سلة فيها عنب وتين وسقاء من عصير. فلما بدا له شخصُ بيت المقدس وما حوله من القرى نظر إلى خرابٍ لا يوصف، فقال: أَنَّى يُحصي هذه الله بعد موتها، ونزل عن حماره وربطه، وألقى الله عليه السُّباتَ ونزع روحه، فنام مئة عام، فلما انقضت سبعون منها أرسل الله مَلَكًا إلى مَلِكٍ من ملوك فارس عظيم. واختلفوا في اسمه فقال وهب: كوشك (٣)، وقال أبو جعفر الطبري: بشتاسِب (٤)، وقال مجاهد: كورش، فقال له المَلَك: إن اللهَ يأمُرُكَ أن تَنْفِرَ بقومك فتعمر بيت المقدس حتى يعود أعمرَ ما كان، فانتدب الملك ألف قَهرَمان (٥)، مع كلِّ قهْرَمان ثلاثة آلاف عامل، فشرع في عمارته، فتمَّ في ثلاثين سنة. وجمع كوشك من كان إليه في البلاد من بني إسرائيل، فكثروا وعادوا أحسن ما كانوا. ولما مضى من منام إرْمِيا سبعون سنة دبَّت الروح في عينيه، فجعل ينظر إليهم وهم يبنون
стр. 843
فلما انقضت المئة سنة أحياه الله، فقام ينظر إلى عظام حماره وهي بيض تبرق، فسمع صوتًا من السماء: أيتها العظام المتمزقة إنَّ الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمعت واكتست لحمًا وجلدًا، وقام الحمار ينهق، ونودي من السماء: يا إرْمِيا، كم لبثت؟ قال: يومًا أو بعضَ يوم، وكان قد مات وقت الضحى وعاش قبل مغيب الشمس، فالتفت فرأى بقية الشمس، فقال: أو بعض يوم، فكان يظن أنها قد غربت، فلهذا قال: يومًا، فلما رآها لم تغرب قال كذلك، فقيل: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩] أي: لم يتغيَّر، فلم يحمض العِنَب والتين ولم يتغيَّر العصير. وقال الجوهري: التسنُّهُ: التَّكَرُّجُ الذي يقع على الطعام والشراب والخبز (١). ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ [البقرة: ٢٥٩] كيف تمزَّقت أوصاله فأعادها الله.
فإن قيل: فلم بلي الحمار ولم يتغيَّر الشراب والطعام، ولم يحمض العصير، قلنا: لو تغيَّر الطعام لتلاشى وانعدم ولم يبق له أثر، وأما الحمار فاستدلَّ بإحيائه على إحياء بيت المقدس وعوده إلى ما كان عليه.
فإن قيل: فهلا قال: وانظر إلى نفسك، ولم يقل: إلى حمارك، قلنا: معناه: انظر إلى حمارك الذي ربطته واقفًا على هيئته.
﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٥٩] أي: عبرة ودلالة على البعث. قال ابن عباس: مات وهو ابن أربعين سنة، وقال أبو جعفر الطبري: إنَّ إرْمِيا لبث في نومه إلى أن هلك بُخْتَ نَصَّر، وكان قد عاش ثلاث مئة سنة - يعني بُخْتَ نَصَّر - وبعث الله عليه بعوضةً فقتلته، وهلك المَلِك الذي كان قبله وهو لُهراسب، وقام ولده بشتاسب، فبلغه خراب البيت المقدس، فجمع بني إسرائيل وملَّك عليهم رجلًا من آل داود ﵇ وأمره بعمارة بيت المقدس أحسن ما كان، فعمره، وردَّ الله روح إرميا إليه.
وقال وهب: عُمِّرَ إرميا، وهو الذي يُرى في الفلوات، ويقال إنه الخضر (٢).
والثاني: أنَّ الذي مرَّ على بيت المقدس العُزَير ﵇، وعليه الأكثرون، وهو
стр. 844
قول عليٍّ ﵇ وقتادة وعكرمة والضحَّاك والسُّدي في آخرين، وحكاه جدي في "فضائل القدس" عن ابن عباس (١).
وروى ناجية بن كعب عن عليٍّ ﵇ قال: لما فعل بُخْتَ نَصَّر ببيت المقدس ما فعل، وقَدِم بالسبي إلى بَابِل، كان فيهم عُزَير، وكان من علماء بني إسرائيل، فلما عاد بقاياهم إلى الشام عاد عُزَير معهم فمرَّ على بيت المقدس وهو شابٌّ راكب على حمار، فأَماته الله مئة عام.
وقال وهب وابن عباس: لما أحياه الله أتى منزله فأنكر المنازل، وهناك عجوز عمياء مقعدة قد أتت عليها مئة وعشرون سنة، وكانت تعرفه قبل ذلك، فقال لها عُزَير: هذا منزل عُزَير؟ فبكت وقالت: نعم ما سمعنا أحدًا يذكر عُزَيرًا منذ مئة سنة، وقد نسيته الناس، فقال: أنا عُزَير أماتني الله مئة عام ثم بعثني، فقالت: كان عُزَير مستجاب الدعوة فادعُ لي حتى يردَّ الله عليَّ بصري، فدعا لها ومسحَ على عينيها وجسدها فأبصرت وقامت تمشي، فكأنما نشطت من عقال، ونادت في بني إسرائيل: إن الله قد أحيا عُزَيرًا، وهناك ابنٌ لعزير قد أتمت عليه مئة وعشرون سنة، وبنوه شيوخ، فقال ابنه: كان لأبي شامة سوداء بين كتفيه، فكشف ثوبه فلاحت، فتعانقا وبكيا (٢).
وذكر الثعلبي أنهم كذَّبوه، فقرأ لهم التوراة على ظهر قلبه، وكانت التوراة قد فُقِدت، فقال بعضهم: حدثني أبي عن جدي أنَّ التوراة دفنت يوم سُبينا في خابية في كرم فلان، فنبشوا الكرم وأخرجوها وعارضوها بما أملى عُزَير فما اختلفا في حرف واحد، فحينئذٍ قالوا: عُزَير ابن الله (٣).
والثالث: أنَّ الذي مرَّ على القرية لا إرْمِيا ولا عُزَير بل رجل كافر بالبعث، قاله مجاهد، والأول أصح.
واختلفوا في القرية: عامة العلماء أنها بيت المقدس، وقيل: قرية العنب غربي بيت
стр. 845
المقدس على فرسخين، قاله مقاتل.
وقال الرَّبيع: هي دَاوَرْدان التي خرج منها الألوف، وقيل: دير هِزقِل (١)، والأول أصح.
والخاوية: الساقطة بعضها على بعض، والعروش: السقوف، ومعنى ﴿أَنَّى﴾ أي: كيف ومتى، وليس المراد به الشكُّ بل التعجُّب ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ استفهام عن مبلغ العدد، وعامة القراء على إظهار لبثت لأنه أظهر (٢).
فإن قيل: فقد كان عُزَير نبيًا فلمَ لم يُذْكَر في القرآن باسمه، فالجواب من وجوه: أحدها: أنَّ الله ذكر قصص جماعة في القرآن من الأنبياء، ولمْ يذكر أساميهم كشَعيا ويوشَع وإرْمِيا ونبيِّ أصحاب الرسِّ وعُزَير في آخرين لحكمة رآها.
والثاني: لأنّ عزيرًا قال: ﴿أَنَّى يُحْيِي﴾ وفيه نوع شك وإن كان تعجُّبًا.
والثالث: لأنه سأل ربه عن القَدَر فأوحى الله إليه: سألتني عن غامض علمي فعاقبتك بأن لا أذكر اسمك مع الأنبياء، قاله داود بن أبي هِند.
فإن قيل: وما الذي سأل ربه؟ قلنا: روى الضحاك عن ابن عباس قال: قال عُزَير: يا رب، لو شئتَ أن تطاع لأُطعتَ، ولو شئتَ أن لا تُعصى لما عُصِيتَ، وأنت تحبُّ أن تطاع، ومع ذلك فأنت تُعْصَى. فأوحى الله إليه: أنا لا أُسْالُ عما أفعل وهم يُسألون. فقال: يا إلهي، خلقت الشر وقدَّرته فلمَ تعاقبُ عليه؟ فأوحى الله إليه: أعرضْ عن هذا، فلم يَنْزجِر، فقال الله: يا عُزَير، أتريدُ أنْ تسألَنَي عن أصل علمي؟ لأمحوَنَّ اسمك من ديوان النبوَّة.
وقال ابن عباس: لم يَكن في أولاد الأنبياء مثل عُزَير، ولا أَحْكَم للتوراة منه، فعوقب لما سأَل عن القَدَر.