السنة السادسة عشرة وثلاث مئة
فيها في المحرَّم دخل أبو طاهر الرَّحبةَ بعد حرب جرت بينه وبين أهلها، ووضع فيها السيف، وبعث إليه أهلُ قَرْقِيسيا يطلبون الأمانَ، فأمَّنهم، وبثَّ سراياه في الأعراب، فقتلوا وسَبَوا ونَهَبُوا، وجعل على الباقين إتاوةً في كل شهر دينارًا من كل واحد، ثم دخل قَرْقيسيا ونادى: لا يظهرَنَّ أحدٌ من أهلها نهارًا، فلم يظهر أحدٌ، وقصد الرَّقة، وكان في تسع مئة فارس وثلاث مئة راجل، فدخل الرقة، وقتل من أهل الرَّبَض جماعة، ثم دفعه أهلُها، وتبعوه فنهبوا من دوابِّه وسَواده، وانصرف عنها، وبلغ مؤنسًا فسار من بغداد إلى الرقَّة، فوصلها بعد انصراف أبي طاهر الهَجَري عنها.
واجتاز الهَجَري بهيت وقد حمل معه مَتاعَ أهلِ الرحبة في الزَّواريق، وكان أهل هِيت قد نصبوا عليها المَجانيق والعَرَّادات، فحاربهم، فرَمَوه بالحجارة، فقتلوا واحدًا من أصحابه، فارتفع الصُّراخ والبكاء حتَّى ظنَّ النَّاسُ أنَّ الهجريَّ قُتل، ثم ظهر أنَّه أبو الرَّوَّاد من خواصِّ أصحابه، ثم سار، فأخذوا ما رماه أصحابُه من المتاع.
وجهَّز المقتدر نصرًا الحاجب إلى الكوفة بالعساكر في شهر رمضان، فلمَّا بلغ سُورا مرض واشتدَّت عِلَّتُه، فاستخلف أَحْمد بن كَيغَلَغ، وبعث معه بالجيش، فانصرف الهَجَريُّ قبل أن يلقاه، ومات نصر ليلة الأحد لليلتين بقيتا من رمضان، وحُمل تابوتُه إلى بغداد، ودُفن يوم الفطر، وبعث المقتدر شفيعًا إلى الجيش يُخبرهم أنَّه قد استخلف عليهم هارون بن غريب، وانصرف الهَجَري إلى بلده، وعاد هارون إلى بغداد.
ولما رأى علي بن عيسى أنَّ الهجري قد استولى على البلاد استعفى من الوزارة، فكانت مدَّةُ وزارته سنة وأربعة أشهر ويومين.
وقيل: إنَّ المقتدر لم يوافقه وقال: أَنْتَ عندي بمنزلة المعتضد، ولامه مؤنس وقال: لا تفعل، فقال: أَنْتَ تمضي إلى الرقة، ولو كنتَ مُقيمًا لاستعنتُ بك، وكان نصر الحاجب مُنحرفًا عنه، فأشار بأبي علي بن مُقلَة، فاستوزره المقتدر في ربيع الأول، وخلع عليه، ولم يكن من بيت الوزارة وإنَّما ألجأت الضرورة إليه.
стр. 7807
ولمَّا رجع الهجري إلى بلده بني دارًا سمَّاها دار الهجرة، ودعا إلى المهدي، وتفاقم أمرُه، وكثُر أتباعُه، وهرب عمَّالُ الكوفة من بين يديه، وبثَّ السرايا في السَّواد وغيره فأخربوه، فبعث المقتدر هارون بن غَريب إلى واسط، وصافي إلى الكوفة، فوقع هارون على جماعة منهم فقتلهم، وبعث بجماعة منهم أُسارى إلى بغداد مشهورين على الجمال، ومعهم مئةٌ وسبعون رأسًا وأعلامٌ بيضٌ مُنكَّسة عليها مكتوب: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥] فقُتلوا، واستقام أمرُ السواد وطابت قلوبُ النَّاس.
وفيها استوحش نازوك، ووقع بينه وبين هارون حربٌ في ذي القعدة، وسببه: أن سُوَّاس نازوك وهارون تغايروا على غلام أمرد، فأخذ نازوك سُوَّاس هارون فحبسهم بعد أن ضربهم، فوثب أصحاب هارون وانتزعوهم، فدخل نازوك على المقتدر فشكا هارونَ، فلم يكن من المقتدر إنكار، فخرج نازوك مُحْفَظًا، وجمع رجاله، وجمع هارون أصحابه، وزحف نازوك إلى دار هارون، فخرج إليه أصحابه واقتتلوا، وقُتل من الفريقين جماعةٌ.
وركب الوزير ابنُ مُقْلَة ومُفلح الأسود وأدَّيا إليهما رسالةَ المقتدر بالكفِّ فكفَّا. وأقام نازوك في داره يتمرَّض، وجاء إليه هارون بن غريب، واصطلحا وزال ما كان بينهما.
وكَثُر الإرجافُ بأن هارون يتولَّى إمرة الأمراء، وكان مؤنس بالرَّقَّة، فكتب إليه أصحابُه من بغداد بذلك، فسار على طريق الموصل، فقدم بغداد لثلاث بقين من ذي الحِجَّة يوم الأربعاء، ولم يدخل على المقتدر، فبعث إليه ولدَه والوزيرَ ابنَ مُقْلَة، فسلَّما عليه ووصفا شوقَ المقتدر إليه، فاعتل بعلَّةٍ شكاها، وظهرت الوَحْشةُ بينه وبين المقتدر.
وأقام هارون في دار السلطان مُنابذًا لمؤنس، وأقامت الرسلُ تتردَّد بين مؤنس والمقتدر، وسنذكر في سنة سبع عشرة ما آل الأمر إليه إن شاء الله تعالى.
ولم يحجَّ أحدٌ بالنَّاس خوفًا من الهَجَري.
وفيها تُوفِّي
стр. 7808
بُنان بن محمَّد بن حَمدان
أبو الحسن، الزَّاهد، ويُعرف بالحمَّال (١).
أصلُه من واسط، ونشأ ببغداد وسمع الحديثَ بها، ثم انتقل إلى مصر فأقام بها حتَّى مات.
وكان من جِلَّة المشايخ الورعين، الآمرين بالمعروف والنَّاهين عن المنكر، وله المقامات والكرامات، وكان لا يقبل عطيَّةَ السلطان، ويُضرَب المثلُ بعبادته وزُهده وورعه.
قال: لقيتُ امرأةً بطريق مكة وقد حملتُ زادًا على ظهري، فقالت: أَنْتَ حمَّال تحمل الزاد على ظهرك وتتوهَّمُ أنَّه لا يَرزُقُك؟! فرميتُ ما كان على ظهري، ومشيتُ ثلاثة أيامٍ لم آكل، فلقيتُ في الطريق خَلْخالًا من ذهب، فقلتُ في نفسي: أحملُه حتَّى يجيءَ صاحبُه فآخذ منه شيئًا وأعطيه إيَّاه، فعارضتْني تلك المرأة وقالت: أَنْتَ تاجرٌ تقول في نفسك كذا وكذا، ثم رَمَت إليَّ بدراهم وقالت: يَا قليلَ اليقين، أنفقها إلى مصر، فسمِّيتُ الحمَّال لهذا.
وأنكر على ابن طولون، فأمر به أن يُلقى بين يدي السَّبُع، قال: فجعل يَشمُّه ولا يضرُّه، فلما خرج قيل له: ما الذي كان في قلبك حيث شمَّكَ السبع؟ قال: كنتُ أتفكَّر في سُؤر السباع ولُعابها، واختلاف العلماء في نجاسة سُؤرها وطهارته.
وقال [عمر بن] محمَّد بن عِراك: إن رجلًا كان له على رجل وثيقةٌ بمئة دينار، فطلبها فلم يجدها، فجاء إلى بُنان فسأله الدعاء وقال: مالي غيرها، فقال له كان: أنا أحبُّ الحَلوى، فاذهب فاشترِ لي حلوى في قِرطاس، وجاءه بها، فقال له: افتح القِرطَاس. ففتحه، فإذا هو الوثيقة، فقال لبنان: هذه والله وثيقتي! قال: خذها وخُذِ المعقود فأطعِمْه صبيانك، فقال: وأنت؟ فقال: لا حاجةَ لي فيه (٢).
стр. 7809
واحتاج إلى جارية تخدُمُه، فجمع له أصحابه ثمنَ جاريةٍ، فقدم تجَّارٌ من خُراسان ومعهم جارية، فساوموا صاحبها فقال: ليست للبيع، هذه لبُنان الحمَّال، أهدتها إليه امرأةٌ من أهل سَمَرْقَند، فحملوها إليه.
وقال: لَحِقَتْني ضائقةٌ، فخرجتُ وإذا بقطعةٍ من ذهب مُلقاة، فأخذتُها، وجعلتُها في فِيَّ، ومشيتُ غير بعيد، وإذا صبيانٌ بينهم صبيٌّ على شيء مرتفع يتكلَّم عليهم في التصوُّف، فوقفتُ أسمع، فقال له واحدٌ منهم: متى يجدُ العبد حَلاوةَ الصِّدق؟ فقال: إذا رمى القِطعة من الشِّدْق، فأخرجتُها من فمي ورميتُ بها.
نبذة من كلامه:
قال: الحرُّ عبدٌ ما طَمِع، والعبدُ حرٌّ ما قَنِع.
وقال: الخائنُ خائفٌ، والبريءُ جريء، ومَن أساء استوحش، ومَن كان يسُرُّه ما يضرُّه متى يُفلح؟
وقال: خلق الله سبعَ سماوات، وله في كلِّ سماء جنود، وطاعتُهم له على سبع مَقامات، فطاعةُ أكل السماء الدنيا على الخَوف والرَّجاء، وطاعةُ أهل السماء الثَّانية على المحبَّة والحياء، وطاعةُ أهل السماء الثالثة على المِنَّة والدُّعاء، وطاعةُ أهل الرابعة على الشَّوق والهَيبة، وطاعةُ أهل الخامسة على المُناجاة والإجلال، وطاعةُ أهل السادسة على الإنابَة والتَّعظيم، وطاعةُ أهل السابعة على المِنَّة والقُربة (١).
وقال: أنشدني بعضُ أصحابنا وقد دعوتُه: [من مجزوء الرمل]
مَن دعانا فأبَينا … فله الفَضْلُ علينا
فإذا نحن أَجَبْنا … رَجَعَ الفضلُ إلينا
وأنشد بُنان: [من الوافر]
لَحاني العاذِلون فقلتُ مَهْلًا … فإنِّي لا أرى في الحُبِّ عارا
فقالوا قد خَلَعْتَ فقلتُ لسنا … بأوَّل خالعٍ خَلَعَ العِذارا
وتوفِّي بمصر في شهر رمضان، ولم يتخلَّف عن جنازته أحدٌ، ودُفن بالقَرَافة، وقبرُه
стр. 7810
بها ظاهرٌ يُزار. وقيل: مات سنة عشر وثلاث مئة.
وكانت له منزلةٌ رفيعةٌ بمصر عند الخاص والعامِّ، وصحب الجُنيد وأصحابه، وهو أستاذ أبي الحسين النُّوري، سمع الحسن بن عَرَفة وغيره، وروى عنه الحسن بن رَشِيق وغيرُه.
داود بن الهَيثم
ابن إسحاق بن البُهْلُول، أبو سعد (١)، التَّنوخي.
ولد بالأنبار، وبها تُوفي وله ثمانٌ وثمانون سنة.
وكان إمامًا، فاضلًا، مُفتيًا، عارفًا باللغة وغيرها من العروض والنحو والآداب، وصنَّف كُتُبًا في النحو واللغة على مذهب الكوفيين، وله كتاب كبير في خلق الإنسان، وكان شاعرًا فصيحًا، وأخذ العلم عن يعقوب بن السِّكيت وغيره، وحدَّث عن عمر بن شَبَّه وغيره، وروى عنه محمَّد بن المظفَّر وغيره، وكان ثِقَةً.
عبد الله بن سليمان بن الأشعث
أبو بكر بن أبي داود السِّجِسْتاني (٢).
الحافظ ابن الحافظ، محدِّثُ العراق وابنُ إمامها في عصره.
ولد بسِجِسْتان سنة ثلاثين ومئتين، ورحل به أبوه فطوَّف به الدنيا شرقًا وغربًا، وأسْمَعه من علماء خُراسان، والجبال، وأصبَهان، وفارس، والبصرة، والكوفة، وبغداد، ومكة، والمدينة، والجزيرة، والشام، ومصر.
واستوطن بغداد وصنَّف"المسند" و"السُّنن" و"السِّير" و"التفاسير" و"القراءات" و"الناسخ والمنسوخ" وغيرَ ذلك.
وكان فهمًا، عالمًا، حافظًا، ونصب له السلطان مِنبرًا فكان يحدِّثُ عليه، وكان في
стр. 7811
وقته مشايخُ علماءٌ، لكنَّهم لم يبلغوا في الإتقان ما بلغ.
وكان عليُّ بن عيسى الوزير يحدِّثُ في داره فيقول: حدَّثنا البغويُّ في ذلك المَوضع، ويُشير إلى بُقعةٍ من الدار، وحدَّثنا ابن صاعد في ذلك المكان، فيذكر جماعة، ويشير إلى مواضعهم، فقيل له: ما لك لا تذكر ابنَ أبي داود؟ فقال: ليتَه إذا مَضينا إلى داره يأذنُ لنا في الدُّخول.
وخرج إلى سِجِستان في أيام عمرو بن اللَّيث، فاجتمع إليه أصحابُ الحديث، وسألوه أن يُحدِّثَهم، فأبى وقال: ليس معي كتاب، فقالوا له: ابن أبي داود [وكتاب؟!] فأملى (١) عليهم ثلاثين ألفَ حديث من حفظه، فلمَّا قدم بغداد قال البغداديون: مضى ابنُ أبي داود إلى سِجِستان ولعب بالنَّاس، ثم فيَّجوا فَيجًا (٢) اِكْتَرَوْه بستَّة دنانير إلى سِجستان ليكتبَ لهم نسخةً، فكتب، وجاء بها إلى بغداد، وعُرِضَت على الحفَّاظ فخَطَّؤوه في ستَّة أحاديث، قال: منها ثلاثةٌ حَدَّثتُ بها كما حُدِّثتُ، وثلاثة أحاديث أخطأتُ فيها.
وقال: مررتُ يومًا بباب الطَّاق، فإذا رجلٌ يُعَبِّر الرؤيا، فمرَّ به رجلٌ، فأعطاه قطعةً وقال له: رأيتُ البارحة في منامي كأنّي أُطالبُ بصَداق امرأةٍ ولم أتزوَّج قطُّ؟ فردَّ عليه القطعة وقال: ليس لهذه جواب، قال: فتقدَّمتُ إليه وقلت: خُذ منه القطعةَ وأنا أعبره، فأخذها، فقلتُ للرجل: أَنْتَ تطالبُ بخَراج أرضٍ ليست لك، فقال الرَّجل: صدقتَ، هذا التَّوكيل معي على الخراج.
وقال أبو حفص بن شاهين: أملى علينا ابنُ أبي داود نحوًا من عشرين سنةً، ما رأيتُ بيده كتابًا، وإنَّما كان يُملي من حفظه، وكان أحفظَ من أَبيه.
ذكر وفاته:
مات ليلة الإثنين ودُفن يوم الإثنين وقت الظهر لثماني عشرة خلت من ذي الحجة
стр. 7812
ببغداد، وصلَّى عليه المُطَّلب الهاشمي صاحب الصلاة في جامع الرُّصافة، وصلَّى عليه زُهاء ثلاث مئة أَلْف، وصلّوا عليه ثمانين مرةً في أربعة مَواضِعَ، وما وصل إلى قبره حتَّى أرسل المقتدرُ إلى نازوك الوالي فخلَّصه منهم، ودُفن بمَقبرة باب البُستان وهو ابنُ سبعٍ وثمانين سنةً قد مضى منها ثلاثة أشهر، وقيل: ابنُ ستٍّ وثمانين سنة وثمانية أشهر وأيام.
حدَّث عن أَبيه، ومحمَّد بن يحيى الذُّهْلي، وخلق كثير.
وروى عنه [أبو] محمَّد بن أبي حاتم، وابن شاهين، والدارقطني، وابن سَمْعون، وابن زَبْر، وابن مُجاهد، وابن قانع، وابن حَبابَة، وعلي بن عيسى الوزير، وخلق كثير (١).
وقد تكلَّموا فيه، فقال الخَطيب: كان مُنحرفًا عن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه مائلًا عنه (٢).
وقال ابن عساكر: قال ابن أبي داود: إنْ صحَّ حديثُ الطير الذي يقال: إنَّ عليًّا أكل مع النَّبِيّ ﷺ منه، فنُبوَّة النَّبِيّ ﷺ باطلة (٣).
وكان أبو ليلى الحارث (٤) بن عبد العزيز قد أمر بضرب عُنقه لمّا شاع عنه هذا، ثم شفعوا فيه فنفاه (٥).
стр. 7813
قال ابن عساكر: قال أبو داود: ابني أبو بكر كذَّاب (١).
محمَّد بن السَّرِيّ
أبو بكر، السَّرَّاج، النَّحوي، مصنِّف كتاب "الأصول في النحو" (٢).
أحدُ العلماء المذكورين بالأدب وعلم العربية، صَحِب المبرِّد وأخذ عنه العلم في العربية (٣)، وقرأ عليه كتاب "الأصول" الذي صنَّفه، فاستحسنه بعضُ الحاضرين وقال: هذا والله أحسنُ من كتاب "المقتَضب"، فأنكر عليه ابن السَّرَّاج وقال: لا تقل هذا، ثم تمثَّل: [من الطَّويل]
ولكن بَكَتْ قبلي فهيَّجَ لي البُكا … بُكاها فكان الفَضْلُ للمُتَقدِّمِ
وحضر بين يديه صبيٌّ له صغير، فقيل له: أتُحبُّه؟ فأنشد: [من الرجز]
أحبُّه حُبَّ الشَّحيحِ ماله … قد كان ذاقَ الفقرَ ثمَّ نالهُ
تُوفِّي ببغداد يوم الأحد ثالث ذي الحجة.
نَصْر حاجبُ المقتدر
كان عاقلًا ديِّنًا شُجاعًا، ولمَّا جهَّزه المقتدرُ إلى القِرمطيّ تبرَّع من ماله بمئة أَلْف دينار مُضافًا إلى ما أعطاه المقتدر، وخرج يَقصدُ قتال القرمطي، فمات، وحُمل إلى بغداد في تابوت، رحمه الله تعالى (٤).
стр. 7814
يعقوب بن إسحاق
ابن إبراهيم بن يزيد، أبو عَوانة، الإسْفَرايِيني النَّيسابوري، الحافظ (١).
طاف الدنيا، وصنَّف "المسند الصَّحيح المُخَرَّج على كتاب مسلم"، ولقي خلقًا من العلماء لا يُحصَون، وحجَّ عدَّة حجَّاتٍ.
وكان زاهدًا، عابدًا، وَرِعًا، صَدوقًا، ثبتًا.
كتب إليه بعضُ أصدقائه (٢): [من الوافر]
فإن نحن التَقَينا قبل موتٍ … شَفَينا النفس من مَضَضِ العِتابِ
وإن سَبقَتْ بنا أيدي المَنايا … فكم من عاتبٍ تحت التُّرابِ
وتوفي بنَيسابور.
سمع عمر بن شَبَّه، ومحمَّد بنَ يحيى الذهْليّ، ومسلم بن الحجاج وغيرهم، وروى عنه خلقٌ كثير، وأجمعوا عليه.
* * *
стр. 7815
السنة السابعة عشرة وثلاث مئة
فيها خُلِع المقتدر، قال ثابت بن سنان: لما كان يوم السبت لثمانٍ خلَون من المحرَّم خرج مؤنس إلى باب الشَّمَّاسية، ومعه جميعُ الجيش، وركب نازوك الوالي في جيشه من داره بالجانب الغربي وغلمانه في السلاح، فأتى دجلة ليعبر إلى مؤنس، فوجد الجسر مقطوعًا، فأقام إلى أن أُصلِح، وعَبر عليه، وخرج أبو الهيجاء بن حمدان إلى مؤنس أَيضًا، فردَّ عليه الدِّينَوَر، وكان المقتدر عزله عنها، وكذلك جميع القواد صاروا إلى مؤنس، وانتقلوا إلى المصلَّى.
وشَحن المقتدرُ دارَه ومعه هارون بن غريب، وأَحمد بن كيغلغ، والحُجَرية والرَّجَّالة، فلما كان آخر النهار انفَضَّ أكثرُ مَن كان في دار الخليفة من الرَّجالة وصاروا إلى مؤنس، ولما كان من الغد انفَضَّ الباقون إليه أَيضًا.
وراسل مؤنسٌ المقتدرَ بأنَّ الجيشَ عاتبٌ منكرٌ لما يُصرَف من الأموال إلى الحُرَم والخَدَم، وأنَّهم يطلبون إخراجَ الحُرَم والخدم من الدار، وإبعادَهم، وأخْذَ ما في أيديهم، فكتب إليه رُقعة بخطه منها:
أمْتَعَني الله بك، ولا أخلاني منك، ولا أراني فيك سوءًا، وإنِّي تأملتُ الحال التي خرج الأولياءُ إليها وتمسَّكوا بها، فوجدتُهم لم يُريدوا إلَّا صيانةَ نفسي ووَلدي، وإعزازَ أمري ومُلكي، واجتلابَ الخير والمنفعةِ لي، فبارك الله عليهم، وأحسنَ إليهم، وأعانَني على صالح ما أنويه فيهم.
فأما أَنْتَ يَا أَبا الحسن المظفَّر -لا خَلَوتُ منك- فشيخي وكبيري، ومَن لا أحولُ عن المَيل إليه والتوفُّرِ عليه، اعترض بيننا هذا الحادث أو لم يَعْترِض، وانتقضَ الأمرُ الذي يجمعُنا أو لم يَنْتقِض، وأرجو ألا تَشُكَّ في ذلك إذا صدقْتَ نفسَك وحاسبْتَها، وأزَلْتَ الظُّنونَ السيئةَ عنها، أدام الله حِراستَها والقُوَّةَ بها.
والذي خاض أصحابُنا فيه من أمر الحُرَم والخَدَم الذين يُخرَجون من الدار ويُباعَدون عنها، وتسقط رُسومهم في الخدمة ويُمنَعون منها، وتُبْتَزُّ نعمتُهم ويُحال بينهم
стр. 7816
وبينها؛ فقولٌ إذا تبَيَّنوه حقَّ تبيُّنِه، وتَصفَّحوه حقَّ تَصَفُّحِه: علموا أنَّه قول جافٍ، والبَغْيُ على فيه غيرُ مُستَترٍ ولا خافٍ … وذكر كلامًا طويلًا ثم قال:
فأمَّا أنتم فمُعْظم نِعمتكم منِّي، وما كنتُ لأعودَ عليكم في شيءٍ سمحتُ لكم به، ونازوك فلا أدري من أيِّ شيءٍ عَتَبَ، ولا لأيَّةِ حالٍ استوحشَ واضطَرَب، فإنِّي لم أمنعْه من مُحاربة هارون ولا الانتصار منه، ولا أمرتُ بمَعونة هارونَ عليه، ولا أخذتُ له مالًا، ولا كفَفْتُ يده عما كان إليه.
وأما عبد الله بن حمدان فالذي أحفظه صَرْفُه عن الدِّينَوَر، فقد كان يَتهيَّأ إعادته إليها، أو تعويضُه من الأعمال ما هو أعظمُ منها، وما عندي لجميعكم إلَّا التَّجاوزُ والإغضاءُ، والرِّعايةُ والإبقاء.
وقبل هذا وبعده فلي في أعناقكم بيعةٌ قد وَكَّدتُموها على أنفسكم دفعةً بعد دفعة، ومَن بايعني فإنَّما بايع الله، ومَن نكث فإنَّما يَنكُثُ عهدَ الله، ولي عليكم أَيضًا نِعمٌ وأياد، وصنائعُ وعَوارفُ آمَلُ أن تعترفوا بها، وتشكروها ولا تكفروها.
فإن رجعتُم إلى الحَسَنُ الجميل، وتلافيتُم هذا الخَطْب الجَليل، وفرَّقتُم جُموعَكم، وعدلتُم إلى منازلكم، وجريتُم في الخدمة على عوائدكم: كنتُم (١) بمنزلة مَن لم يَبْرَح من موضعه، ولم يأتِ بما أتى به، وإن أبَيتُم إلَّا المُكاشَفةَ والمُخالفةَ، وإيثارَ الفتنة وتجديدَ المِحْنَة؛ فقد ولَّيتُكم ما تولَّيتُم، وأغمَدْتُ سيفي عنكم، ولم أخرجِ من منزلي، ولم أُسلِّم الحقَّ الذي لي إلَّا كما خرج عثمانُ بن عفان عن داره، لمَّا خَذله أعوانُه وأنصارُه وعامَّةُ ثِقاته، وكان ذلك فيما بين الله وبيني، والله بصيرٌ بالعباد، وللظالمين بالمِرصاد، وهو حسبي ونعم الوكيل.
فلمَّا وقفوا على الورقة عَدَلوا إلى مطالبته لإخراج هارون بن غريب عن بغداد، فأجابهم إلى ذلك، وقلَّده [الثغور] الشامية والجزيرة، وخرج من يومه إلى قُطْرَبُّل فأقام بها.
فلما كان يوم الخميس لعشرٍ خلَون من المحرَّم نزل مؤنس والجيش معه وعدلوا
стр. 7817
كراهية لثغر الجيش (١)، ثم اتَّفقَ مؤنس ونازوك على خَلْع المقتدر.
ولمَّا كان يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلةً خلت من المحرَّم خرج مؤنس دفعةً ثانية إلى الشَّمَّاسِيَّة، وخرج معه أبو الهيجاء ونازوك وجميعُ القواد والجيوش، فلمَّا كان يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة خلت منه بعد صلاة الجمعة جاؤوا إلى دار الخليفة، فهرب المُظَفَّر بن ياقوت الحاجب وجميعُ الحُجَّاب، والحَشَمُ والخدمُ، والوزيرُ ابن مُقْلَة، ودخل مؤنس من باب الميدان، ونازوك من باب الخاصة، وأبو الهيجاء من باب العامة، وأحرق صافي البصريُّ بابَ الزاوية ودخل منه، وحصل الجيش كلُّه في دار الخليفة.
فلمَّا كان بعد العشاء بساعة أُخرج المقتدر ووالدته وخالته وحُرَمه وجواريه من الدار، وأُصْعِد بهم إلى دار مؤنس، ودخل هارون من قُطْرَبُّل إلى بغداد فاستتر بها.
وأحضروا محمَّد بن المعتضد من الحريم من دار ابن طاهر وكان محبوسًا بها، والموكَّل عليه كافور أبو الحجاج، فوصل محمَّد إلى دار السلطان في الثُّلُث الأخير من ليلة السبت نصف المحرم، وسُلِّم عليه بالخلافة، وبايعوه، ولُقب القاهر بالله.
وأطلق مؤنس [عليَّ بن عيسى من دار السلطان] (٢) فمضى إلى منزله وكان محبوسًا، فأحضر أَبا علي بن مقلة (٣)، وقلَّده الوزارة للقاهر، وقلَّد نازوك الحِجبة مضافًا إلى ما كان بيده من شرطة بغداد، وأضاف إلى أبي الهيجاء ولايةَ حُلْوَان والدِّينَوَر وهَمَذان ونَهاوَند وغيرها، مع ما كان بيده من المَوصل والجزيرة ومَيَّافارِقين.
ووقع النَّهبُ في دار السلطان وبغداد، وكان لأمِّ المقتدر بالرُّصافة ستُّ مئة أَلْف دينار فأُخذت، وحُملت إلى دار الخليفة.
وخُلع المقتدرُ يوم السبت منتصف المحرم، وأَشهد على نفسه بالخَلْع القضاةَ، وسُلِّم الكتاب إلى القاضي أبي عمر محمَّد بن يوسف، فسلَّمه القاضي إلى ابنه أبي
стр. 7818
الحسين وقال له: يَا بُنيّ، احفظ هذا الكتاب واستُره، ولا يقف عليه أحدٌ من خلق الله تعالى غيرك، فقال له: فما الفائدةُ في كتمانه وقد علم به الخلق؟! فقال له أبوه: وما الفائدةُ في إظهاره، ومن أين تعلمُ ما يكون؟
فلما أُعيد المقتدرُ إلى الخلافة بعد يومين دخل القاضي أبو عمر عليه، فسلَّم إليه الكتاب من يده إلى يده، وحلف له أنَّه ما رآه أحدٌ من خلق الله غيرُه وغيرُ ولده، فحَسُن مَوقعُ ذلك من المقتدر.
وانصرف النَّاس من دار السلطان يوم السبت، ولمَّا كان يوم الأحد [حضر] بين يديه (١) الوزير ابنُ مُقْلَة، وكتب إلى البلاد والعمَّال بتقليد القاهر الخلافةَ كتابًا، منه بعد حمد الله تعالى: وقد اختصَّ أمير المُؤْمنين القاهر بالله محمَّد بن المعتضد بالخلافة، وأفضى إليه بالإمامة؛ لكماله، وشريفِ أفعاله، وكبيرِ فضائله، وعظيم رأفته … وذكر كلامًا آخر.
وتقدَّم نازوك إلى الرَّجالة -ويُسمَّون المصافيَّة- بقلْع خيمهم من دار السلطان، وأمر رَجَّالته بأن يقيموا مكان المصافية، فاضطربت المصافية من ذلك، وتقدَّم إلى خلفاء الحُجَّاب والبوابين أن لا يَدخل دار السلطان إلَّا مَن كانت (٢) له مَرتبة، فاضطرب الحُجَرية من ذلك وتكلَّموا فيه.
فلمَّا كان يوم الإثنين سابع عشر المحرَّم بكَّر النَّاسُ إلى دار السلطان؛ لأنَّه يومُ موكبٍ ودولة جديدةٍ، فامتلأت الدهاليزُ والرِّحابُ وشاطئ دجلة منهم، وحضر الرَّجَّالة المصافية بالسلاح يطلبون مال البيعة ورزقَ سنة، ولم ينحدر مؤنس في ذلك اليوم إلى دار السلطان، وارتفعت أصواتُ المصافية، فخاف نازوك، فوقع بينهم وبين أصحابه قتال، فبعث إلى أصحابه أن لا يعرضوا لهم، فزاد الشَّغَب من المصافية، وفتحوا الدَّهاليز يريدون الصَّحْن التسعينيّ، فلم يمنعهم أحدٌ لما كان من تَقدُّمِ نازوك لأصحابه.
стр. 7819
وكان القاهرُ جالسًا في التِّسعيني وابنُ مُقْلَة بين يديه ونازوك وأبو الهَيجاء، فبعث نازوك إليهم يُخوِّفُهم -وكان مَخمورًا قد شرب طول ليلته- فقام إلى الرَّوْشَن، فلمَّا رأوه أسرعوا إليه فهرب منهم، فطمعوا فيه فتبعوه، فانتهى به الهَرَب إلى باب كان قد سدَّه أمس ذلك اليوم بالآجرِّ والجصّ، فلم يُمكنه النُّفوذ فيه، فلَحقوه فقتلوه، وقد كانوا قتلوا قبله خادمَه عجيبًا، وصاحوا للمقتدر: يَا منصور، فتهارب كل مَن في دار السلطان: الوزيرُ والحُجَّابُ والجُندُ وسائرُ النَّاس، حتَّى بقيت الدَّار والشُطوط والمَمرَّات خاليةً، وصاروا إلى دار مؤنس يطلبون المقتدرَ ليَرُدُّوه إلى الخلافة، وبادر الخدم فأغلقوا باب دار السلطان، وكانوا جميعهم خدمَ المقتدر وحاشيتَه.
وأراد أبو الهيجاء الخروجَ، فتعلَّق به القاهر وقال له: يَا أَبا الهيجاء، تُخلِّيني وتخرج؟ فتداخلَتْه الحَميَّةُ والأَنَفَة فقال: لا والله. ورجع معه، فوجد الأبواب مُغلقةً، فقال له أبو الهيجاء: امضِ فوالله لا أُفارقك أو أقتل دونك. فمضيا حتَّى دخلا الفردوسَ، وخرجا إلى الرَّحبة التي يُسلَك منها إلى باب النُّوبي، ونزع أبو الهيجاء سَوادَه ومِنْطَقتَه ودفعها إلى غلامٍ له، وأخذ جُبَّتَه وكانت من صوف، وركب فرسه وانصرف، ووقف القاهرُ مع خدمٍ له، وعاد إليه ابن حمدان فقال للقاهر: قُتِل نازوك وثارت العامَّةُ من جانبي بغداد. وسُدَّتْ على أبي الهيجاء والقاهر المَسالك، فقال أبو الهيجاء: هذا أمرٌ من السماء، فارجع بنا إلى الدار، فدخلا من الفردوس، وجعل مَن معهما من الخدم يتسلَّلون أوَّلَا أولًا.
وبقي من خدم المقتدر جماعةٌ فجرَّدوا السيوف، ورآهم أبو الهيجاء فرهقهم فوقفوا، ثم رجع القَهْقَرى، فدخل في بيمق من ساج مُفرَدًا، وجاء خماجور -أحدُ الغلمان الأكابر الحُجْرية- فقال للخدم يُحرشونه حتَّى يخرج (١)، فشتموه، فغضب وخرج كالجمل الهائج وصاح: يا لَتغلب، أأُقْتَل بين الحيطان؟ أين الكُمَيتُ؟ أين الدّهماءُ؟ فرماه خماجور بسهم فأصاب ثَدْيَه، وأتبعه بآخر فأصاب تَرْقُوَتَه، ورماه بثالث فشكَّ فَخِذَيه، فضرب أبو الهيجاء الذي شكَّ فخذيه فقطعه، وجذب السَّهم الذي أصاب ثديه
стр. 7820
فانتزعه ورمى به، وكان مع خماجور أسودان فبادرا إليه، فحَزَّ أحدهما رأسه، فانتزعه خادمٌ منه ومضى به يريد المقتدر.
وكان الرجال قد حملوا المقتدرَ على أعناقهم من دار مؤنس إلى قصر الخلافة، فلما دخل قال: ما فعل أبو الهيجاء؟ قيل: هو في دار الأبرجة (١) في بيت البهاج، فقال: عليَّ بدَواة وبَيضاء لأكتبَ له أمانًا قبل أن يَحدثَ به حادث، فأبطؤوا عليه، وجاء الخادم برأسه إلى المقتدر فقال: مَن قتله؟ قالوا: لا ندري.
فاسترجع المقتدرُ وجعل يُكرِّرها ويقول: ما كان يدخلُ عليَّ في دار مؤنس في هذه الأيام ويُسلِّيني سواه، هذا مع ما لأهله علينا من الحقوق السَّالفة، وظهر عليه من الكآبة أمرٌ عظيم، فبينا هو على ذلك سمع ضجَّةً عظيمة، وجاءه خادمٌ يعدو فقال: هذا محمَّد قد أُخذ يعني القاهر.
وجيء به فأُجلس بين يديه، فاستدناه وقبَّل جَبينه وقال له: يَا أخي، أَنْتَ والله لا ذنبَ لك، قد علمتُ أنَّك قُهرتَ على أمرك، والقاهر يبكي ويقول: اللهَ اللهَ يَا أمير المُؤْمنين في نفسي، فقال: والله وحقِّ رسوله لا جَرى عليك منِّي سوة أبدًا، ولا وصل إليك أحدٌ بمكروه وأنا حيٌّ، فطِبْ نفسًا ولا تجزع، والليلةَ أُوصلكَ إلى منزلك.
وكان الرَّجالة لما انتهوا إلى مؤنس وصاحوا قال مؤنس: ما الذي تُريدون؟ قالوا: الخليفةَ، فقال: سلِّموه إليهم، فحملوه إلى داره، وأُخرجَ رأسُ نازوك ورأسُ أبي الهيجاء، وشُهِرا في شوارع بغداد، ونُودي عليهما: هذا جزاء مَن عصى مولاه وكَفر نعمتَه.
وسكن الهَيْج، وعاد أبو علي بن مُقلة إلى وزارته، وكتب كتابًا عن المقتدر برجوعه إلى الخلافة إلى أهل المشرق والمغرب.
وقال الصولي: سعى مؤنس ونازوك في خلع المقتدر، ثم عاد مؤنس إلى نُصرته والذبِّ عنه لأنَّه استماله، واستمال نازوكًا فلم يرجع، وعزم على الفَتْك بالمقتدر، وجاء في الفُرسان والرَّجَّالة، وقصد دار الخليفة فنَهبها، وهتَك الحَريم، ومَحا رُسومَ
стр. 7821
الخلافة، ونهب من الخزائن والجواهر والكتب والأمتعة ما لا يُحصى، وجالت الخيلُ في المجالس والقصور، ونُهبت بغداد طول الليل.
ثم طلَبَ الرَّجالةُ من نازوك مال البيعة فلم يُعطهم شيئًا، فثاروا به، وقالوا للمقتدر: يَا منصور، وقصدوا نازوكًا، فدخل هو وغلامُه عجيب بيتًا في التِّسعيني بدار الخلافة لا مَنفذَ له، فدخل خلفه سعيد ومُظَفَّر من شُطَّار بغداد، فقتلوه وقتلوا غلامَه، وصلبوهما على دَقَلٍ، ونهبوا دورَه.
وقيل: إنَّ الرَّجالة تواطؤوا مع مؤنس على قتل نازوك؛ لأنَّه كان قد استولى على بغداد.
ثم دخل مؤنس على المقتدر وسلَّم عليه بالخلافة، وبايعه بيعةً جديدة، وفعل القوَّادُ والقضاة والخواصُّ ذلك، وركب المقتدرُ في طيَّار، ورآه النَّاسُ، فخاطَبَهم مُخاطبةً جميلةً، ووعدهم، وضَمِن لهم كلَّ ما أرادوا، فرضوا وسكنوا.
وقال محمود الأَصْبهانِيّ: لمَّا علم المقتدرُ أنَّهم خالِعوه صَرف العساكرَ عن بابه، وجمع أمَّه وخالتَه والقَهرمانة وحُرَمه في مكان، وجلس على سريره، ونشر المصحف بين يديه، وجعله في حِجْره وقال: أنا فاعل ما فعل عثمان بن عفان رضوان الله عليه، ولا أسلِّم حقًّا خَصَّني اللهُ به، ولا أنزعُ قميصًا ألبسني الحقُّ إياه، فلمَّا بلغهم سكنُوا.
ثم أصبح نازوك إلى مؤنس، فأخرجه كُرْهًا من داره وكان قد غلب عليه، واجتمع القوَّادُ وأبو الهيجاء، وأتَوا إلى دار الخلافة وهي مُغلقة، فأحرقوا بابَها، ودخلوها -وكانوا خمسين ألفًا ما بين فارسٍ وراجل- فنهبوها، وأخذ مؤنس المقتدرَ وأمَّه وأهلَه، وبعث بهم إلى داره، وبايعوا القاهر.
ثم ثارت الرَّجالة بعد يومين، وقتلوا نازوك وابنَ حمدان، قتلهما سعيد والمظفَّر، وأجلسوا المقتدرَ في الخلافة، فأحسن إلى الرَّجالة المصافية والفرسان وغيرهم، حتَّى نَفِدت الأموالُ من الخزائن، وبيعت الأمتعةُ والثيابُ والعقاراتُ والضياعُ، ودُفع الجميعُ إلى الجند.
وكان عليُّ بن عيسى إذا دخل على ابن مُقْلَة قام له، وأكرمَه، وأجلَسه معه في دَسْته،
стр. 7822
فدخل عليه يومًا وهو يبيعُ الضياع بأوكَس ثمنٍ فقال: ما هذا؟ فقال: هذه ضِياع بخْتَيشوع المُتَطبِّب، اشتراها ببضع عشرة أَلْف أَلْف درهم، آلَ أمرُها أن تُباعَ بالثَّمن اليَسير (١).
قال ثابت بن سنان: وكان قد وصل إلى بختيشوع في مدَّة خدمته للرشيد -وهي عشرون سنة- ستَّة وخمسون أَلْف درهم، وفي رواية سبعة وسبعون أَلْف درهم من الرشيد والبرامكة.
وظهر هارون بن غريب، ودخل (٢) على مؤنس وسلَّم عليه، وقُلِّد الجبل، وخرج إلى عمله في صفر.
وقلَّد المقتدرُ إبراهيم ومحمَّد ابنَي رائق الشرطةَ ببغداد، والمظفَّر بن ياقوت الحَجَبة، وكان بفارس، فقدم ودخل على المقتدر فخلع عليه فطوَّقَه وسوَّره.
وفي رجب ماتت ثملُ القَهْرَمانة.
وفي شوال قَبض المقتدرُ على أبي أَحْمد بن المكتفي واعتقلَه في دار الخلافة؛ لأنَّه بلغه أنَّ جماعةً سَعَوا له في الخلافة، وحُبسوا أَيضًا.
قال ثابت: بَذْرَقَ المقتدرُ الحاجَّ (٣) في هذه السنة مع منصور الدَّيلَمي، ووصلوا مكة سالمين، فوافاهم أبو طاهر القِرمطي يومَ التَّروية، فقتل الحاجَّ في المسجد الحرام قَتْلًا ذَريعًا، وفي فِجاج مكة، وفي البيت، واقتلَعَ الحجرَ الأسود، وقلع قُبَّة زَمْزَم، وقتل ابنَ محارب أمير مكة، وعَزَى البيت، وقلع بابه، وأَصعَدَ رجلًا من أصحابه ليقلَع الميزاب فوقع الرَّجل على رأسه فمات، وأخذ أموال النَّاس، وطرح القتلى في بئر زمزم، وانصرف إلى بلده هَجَر، وحمل معه الحجر الأسود.
وقال محمود الأصفهاني: كان النَّاس يطوفون حول البيت والسُّيوف تأخُذُهم، وامتلأت فِجاجُ مكة من القتلى، ودخل رجلٌ من القرامطة وهو راكبٌ سكران، وبيده
стр. 7823
سيفٌ مَسلول، فصَفَر لفرسه عند البيت فبال، وقتل جماعة، ثم ضرب الحَجَر الأسود بدَبُّوس فكسره وقلَعه.
وأقام القرمطيُّ بمكة أحد عشر يومًا، وبقي حول البيت ثلاثُ مئة جِيفَة، وقُتلَت جماعةٌ من الأعيان.
وقيل: إنه حُمِل إلى هَجَر فهَلَك تحته أربعون جَمَلًا، فلمَّا أُعيدَ إلى مكة حُمِل على قَعود هَزيل فَسَمِن، وكان بجكم التركي قد دفع فيه خمسين أَلْف دينار، فلم يَردُّوه وقالوا: أخذناه بأمر وما نردُّه إلَّا بأمر.
وقال عبد الله بن أَحْمد بن عَيَّاش القاضي: أخبرني بعضُ أصحابنا أنَّه كان بمكة، وأنَّ الذي ضرب الحَجَر وقلعه صاح: يَا حمير، أنتم قلتم: ومَن دخله كان آمنًا، فأين الأمنُ وقد فعلْنا ما فعلنا؟! فأخذْتُ بلجام فرسه، وتيقَّنتُ القتلَ، وقلتُ له: اسمع، إنَّ الله تعالى أراد: ومَن دخله فأَمِّنوه. وتوقَّعتُ أن يقتلَني، فلوى رأسَ فرسه وخرج ولم يكلِّمني.
وقد غلط السِّمْناني فقال في تاريخه (١): الذي قلع الحجرَ أبو سعيد الجَنَّابي، وحمله إلى الكوفة، وعلَّقه في الأُسْطُوانة السابعة ممَّا يلي صحنَ الجامع من الجانب الغربي، اعتقادًا منه أنَّه يَنقلُ الحجَّ إلى الكوفة.
قال: ثم قصد أبو سعيد نهرَ الملك في خمس مئة فارس، فجهَّز إليه المقتدرُ ابنَ أبي السَّاج في ثلاثين ألفًا، فتقاتلا وبينهما النَّهر، فاستقلَّ ابنُ أبي السَّاج عَسكرَ القرمطي، وأمره المقتدرُ بقطع الجسر فلم يفعل.
وكان ابنُ أبي الساج قبلَ ذلك بزمان قد نزل على أبي سعيد فأكرمه، فأرسل إليه يقول: لك عليَّ حق قديم، وأنت في قِلَّة وأنا في كثرة، والمَصلحة أن تَنصرفَ سالمًا.
فلمَّا دخل الرسول على القرمطي وأدَّى الرسالة قال له: كم مع صاحبك؟ قال: ثلاثون ألفًا، فقال: ما معه ولا ثلاثة، ثم دعا بعبدٍ أسود وقال له: خرِّق بَطْنَك بهذه السّكين، ففعل، وقال لآخر: غَرِّق نفسَك في هذا النهر، ففعل، وقال لآخر: اصعد على هذا الحائط وأَلْقِ نفسَك على رأسك، ففعل، ثم قال للرسول: إنْ كان معه مَن يفعل مثل هذا وإلا فما معه أحدٌ.
стр. 7824
وكان على باب خيمة القرمطي كلبٌ مربوط في سلسلة، فقال: كأنِّي غدًا بصاحبك مربوطٌ مع هذا الكلب، فطلب منه الرسولُ أمانًا له ولكلِّ مَن لجأ إليه فأعطاه.
فلمَّا كان وقت المغرب عبر القرمطيُّ النَّهرَ، والتقَوا عند الفجر، فهزمه القرمطي، وأخذ ابنَ أبي السَّاج فربطَهُ مع الكلب في سلسلة.
وجاء فنزل غربيَّ بغداد، وأفنى خلقًا عظيمًا، وباع الحَجَرَ للمقتدر بثلاثين أَلْف دينار، وأشهد جماعةً من أهل الكوفة على رسول المقتدر أنَّه قد سلَّمه إليه، منهم: عبد الله بن عُلَيم المحدِّث، فقال أبو سعيد للجماعة: من أين علمتُم أنَّ هذا هو الحَجَرُ الأسود، لعلَّنا أحضرْنا حَجَرًا من البرية وقلنا: هو هذا؟ -وكان قد انكسر- فقال ابن عُلَيم: لنا فيه علامة، فقال: وما هي؟ فقال: حَدَّثَنَا فلان، عن فلان ورفعه إلى النَّبِيّ ﷺ أنَّه قال: "الحَجَرُ الأسود يُحشَرُ يوم القيامة وله عينان يَنظُر بهما، ولسان يتكلَّم به، يَشهدُ لمَن اسْتَلمَهُ بالإيمان والنِّفاق، وأنَّه حجرٌ يطفو على رأس الماء، ولا يحترق بالنار" (١).
قال: فأحضر القرمطيُّ طَشتًا فيه ماء، فألقاه فيه، فطَفا على رأس الماء، ثم أحضر نارًا وألقاه فيها فلم يحترق، فعجب القرمطيُّ وقال: هذا دينٌ مضبوط، ثمَّ ردَّ المقتدرُ الحَجَرَ إلى مكة.
وهذا غلط فإنَّ أَبا سعيد هَلَك سنة إحدى وثلاث مئة، وابن أبي السَّاج جهَّزُه المقتدرُ سنة خمس عشرة وثلاث مئة إلى أبي طاهر، والحديث الذي رواه ابن عُليم لا يصح.
وفيها تُوفِّي
إبراهيم بن نَصْر الكِرْماني
أحد الأبدال (٢).
كان مُقيمًا بجبل لبنان، قال ابن عساكر: قال محمَّد بن مانك (٣) السِّجِسْتاني:
стр. 7825
خرجتُ من دمشق مع جماعة إلى جبل لبنان نَلْتمسُ مَن فيه من العُبَّاد، فمشينا ثلاثةَ أيام فلم نجد أحدًا، فجلسنا تحت شجرة، ومضى أصحابي يَطلبون أحدًا من الزهَّاد، فنمتُ، فلمَّا طلع الفجرُ نزلتُ إلى الوادي أطلبُ الماء، وإذا بعين صغيرة تخرجُ من كهف، فتوضَّأتُ وصلَّيتُ، وسمعتُ صوتَ قراءةٍ فقَصَدتُه، وإذا بكهفٍ في جانب الجبل، فدخلتُه وفيه مَغارة، وإذا بشيخٍ ضَرير جالس، فسلَّمتُ عليه فقال: إنسيٌّ أم جنّيٌّ؟ قلتُ: إنسي، فقال: لا إله إلَّا الله، ما رأيتُ إنسيًّا منذ ثلاثين سنة غيرَك.
قال: وكنتُ مَتْعوبًا، فنمتُ في جانب الكهف، فلما جاء وقتُ الظهر أيقظَني، فخرجتُ فتوضَّأتُ وصليتُ معه، ودعا وقال: اللهم ارحَم أمةَ مُحَمَّد ﷺ وأصلحهم وفرِّج عنهم.
فلمَّا صلينا العشاء الآخرة قال: تأكل؟ قلتُ: نعم، قال: قم فأدخل المَغارةَ، فدخلتُ، فوجدتُ أنواعَ الفاكهة: زبيبًا، وجوزًا، وتفاحًا، وفستقًا، وحبَّةَ الخضراء، وكلُّ صِنْفٍ مَعزولٌ ناحيةً، وإذا بثلاثة قبور مُصْطَفَّة، فتقدَّمتُ وأكلتُ، ثم خرجتُ فقلتُ: من أين هذه الفاكهة؟ فقال: سوف ترى، وإذا بطائرٍ قد أقبل، وله جناحان أبيضان وصدره أخضر، وفي مِنقاره حَبَّةُ زَبيب، وفي رجليه جَوزة، فدخل فوضع الزَّبيبةَ على الزَّبيب والجَوزةَ على الجوز، قال: أرأيت؟ قلت: نعم، قال: هذا قوتي منذُ ثلاثين سنة.
قال: وعليه ثوبٌ من التَّوَّز بغير كُمَّين، فقلتُ: مَن يأتيك بهذا؟ قال: الطائر، وعنده مِسَلَّةٌ يَخيطُه بها.
فلمَّا كان في الليل دخل علينا سبعةُ أنفسٍ، ثيابُهم شُعورهم، وعيونُهم مُشَقَّقة حُمر، فخفتُ منهم فقال: لا تخف، هؤلاء الجن، فقرأ عليه واحد سورة طه، وآخر سورة الفرقان، وآخر سورة الرَّحْمَن، وتلقَّن بعضهم، ومضوا.
فقلتُ: كم لك ها هنا؟ فقال: أربعين سنةً، أقمتُ منها عشرَ سنين أَجني المُباحَ، فذهب بصري منذ ثلاثين سنة، فقيَّضَ الله لي هذا الطائر يحملُ ما ترى.
ثم قال: أخبرني هؤلاء القوم -يعني الجنَّ- أنَّ القرمطيَّ دخل مكة فقتل الحاجَّ قَتْلًا ذَريعًا وفعل وفعل، وكان ذلك في سنة سبع عشرة وثلاث مئة، فقلتُ: قد كثُرَ دُعاء
стр. 7826
النَّاس عليهم، فلم مُنعوا الإجابة؟ فقال: منعهم من ذلك خصال: أقرُّوا بالله وتركوا أمرَه، وقالوا: نؤمن بالرُّسُل وخالفوا شَرْعَه (١)، وقرؤوا القرآن ولم يعملوا به، وقالوا: نحبُّ الجنةَ وتركوا طريقها، وقالوا: نكره النارَ وسلكوا طريقها، وقالوا: إبليسُ عدوُّنا ووافقوه، ودفنوا موتاهم ولم يَعتبروا، واشتغلوا بعيوب النَّاس وتركوا عيوبَ أنفسهم، وجمعوا المال ونَسُوا يوم الحساب، ونقضوا القبورَ وزيَّنوا القصور (٢).
قال: فأقمتُ عنده أيامًا، فقال لي: حدِّثني كيف وصلتَ إلى ها هنا؟ فحدثتُه، فقال: أخطأتَ حيث فارقتَ أصحابك، وتركتَ قلوبَهم متعلِّقةً بك، ارجع إليهم، فقلتُ: ما أعرفُ الطريق، فقال: قم، فقمتُ وقام معي، فخرجنا وإذا بسبُعٍ واقف على باب الكهف فقال: لا تخف واتْبَعْه، وإذا حججْتَ فاطلُب بين المقام وزمزم رجلًا أشقرَ خفيفَ العارِضَين، فسَلْه أن يدعو لك فإنَّك تنتفعُ بدعائه.
ثم فارقتُه والسبع يمشي بين يدي إلى عَقَبة دمشق فغاب عنِّي.
ودخلتُ دمشق، فأتيتُ أصحابي ففرحوا بي وقالوا: شغلتَ قلوبَنا، فأخبرتُهم خبري، فقالوا: قوموا بنا، فخرجنا من دمشق نحو عشرين رجلًا إلى لبنان، فأقمنا أيامًا نطوف فلم نَقَع على المَغارة، فقالوا: هذا شيءٌ كُشِفَ لك دوننا فرجعنا.
وخرجتُ إلى الحجِّ، وقصدتُ بين الركن والمقام وزمزم، وإذا بذلك الشخص الذي وصفه جالسٌ، فسلَّمتُ عليه فردَّ عليَّ السلام، فقلت: إبراهيم الكرماني يُسلِّم عليك، قال: وأين رأيتَه؟ قلت: في مغارة لبنان، قال: إنَّه تُوفي إلى رحمة الله، قلتُ: مات؟ قال: نعم، قلتُ: متى؟ قال: الساعة، دفنَّاه في المغارة عند إخوانه، وكنَّا جماعةً، فلمَّا دفنَّاه إذا بذلك الطائر الذي رأيتَ قد جاء، فما زال يضرب بمِنقاره وجناحَيه الأرض حتَّى مات، فدفنَّاه تحت رجليه، ثم قال لي: طُفْ بالبيت، فشرعتُ في الطَّواف وغابَ الرَّجل عنِّي.
стр. 7827
أَحْمد بن الحسين
أبو سعيد، البَرْدَعيُّ (١)، الإِمام، شيخ الحنفية في زمانه.
دخل بغداد ودخل الجامعَ، فوقف على حَلْقة داود بن عليّ الظاهري وهو يُناظرُ رجلًا من أصحاب أبي حنيفة، وقد ضعُف الحنفيُّ في يده، فجلس البردعيُّ في حلقته وقال لداود: ما تقول في بيع أُمَّهات الأولاد؟ قال: يجوز، قال: ولم؟ قال: لأنَّا أجمعنا على جواز بَيعهنَّ قبل العُلوق، فلا نزول عن هذا الإجماع إلا بإجماع مثله، فقال البردعيُّ: أجمعنا على أن بعد العُلوق قبل الوَضْع لا يجوز بيعُهنَّ حتَّى يضَعْنَ، فلا نزول عن هذا الإجماع إلا بإجماعٍ مثله، فانقطع داود وقال: نَنظر في هذا.
وعزم أبو سعيد على المقام ببغداد والتَّدريس بها لما رأى من غَلَبة أصحاب الظاهر، فلمَّا كان بعد مُديدة رأى في المنام قائلًا يقول: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٧] فانتبهتُ، وإذا بالباب يُدقُّ وقائلًا يقول: مات داود الظَّاهري، فإن أردتَ أن تُصلي عليه فاحضُر.
وأقام أبو سعيد ببغداد يُدرّس سنين كثيرةً، فخرج في هذه السنة إلى الحجّ، فقتلته القرامطةُ وهو يطوف بالبيت.
أَحْمد بن محمَّد
ابن أَحْمد بن حَفْص، أبو عمرو، الحِيريّ، النَّيسابوري (٢).
شيخ نَيسَابُور في عصره في الرِّئاسة والعَدالة والعلم والمال، وكان نبيلًا.
سمع الحديث، وروى عنه العلماء، وتوفي بنيسابور في ذي القعدة ﵀.
стр. 7828
أَحْمد بن مَهدي بن رُسْتم (١)
كان ذا مالٍ كثير نحو ثلاث مئة أَلْف درهم، أنفقه كله على العلم، ولم يُعرَف له فراش أربعين سنة.
وقال: جاءتني امرأةٌ ببغداد ليلةً من الليالي، فذكرَت أنَّها من بنات النَّاس، وقد امتُحِنَت بمِحْنة وقالت: أسألك بالله أن تَستُرني، فقلتُ: وما مِحنتُك؟ قالت: أُكرِهتُ على نفسي وأنا حُبلى، وذكرتُ للنَّاس أنَّك زوجي، وأنِّي حبلى منك، فلا تفضحني واستُرني سترَك الله، فسكتُّ عنها.
ومضت فلم أشعر حتَّى وَضعت غلامًا، وجاء إمام المَحلَّة وجيرانُ المَحلَّة يُهنِّؤوني بالولد، فأظهرتُ [لهم التَّهَلُّل]، فدفعتُ إلى الإِمام دينارين وقلتُ: ادفعهما إلى المرأة فإنَّه سبق منِّي ما فرَّق بيننا، وكنتُ أدفع إليها في كلِّ شهر دينارين على يد الإمام وأقول: هذه نَفَقة ابنك، إلى أن أتى على ذلك سنتان، ثم تُوفِّي المولود، فجاءني النَّاس يُعزُّونني، فأظهرتُ لهم الرِّضى والتَّسليم، وجاءتني المرأةُ ليلةً بعد شهر ومعها الدَّنانير التي كنتُ أبعث بها، فردَّتْها وبَكَت وقالت: جزاك الله عنِّي خيرًا، وسَترك كما سترتَني، فقلت: هذه الدنانير كانت صِلةً للمولود، وهي لك فاعملي بها ما تُريدين.
بدر بن الهَيثم بن خَلَف
أبو القاسم، اللَّخْمي، القاضي، الكُوفيّ (٢).
نزل بغداد وحدَّث بها، وسمع الحديث وقد مضى من عمره أربعون سنة، وعاش مئةً وسبع عشرة سنة، ومات ببغداد في شوال وحمل إلى الكوفة.
حدث عن أبي كُرَيب وغيره، وروى عنه ابن شاهين وغيره، وكان ثقةً نبيلًا.
عبد الله بن محمَّد
ابن عبد العزيز بن المَرْزُبان بن سابور بن شاهنشاه، أبو القاسم، البَغَويّ، وهو ابن
стр. 7829
بنت أَحْمد بن مَنيع (١).
قال أَحْمد بن مَنيع: وُلد ابن ابنتي أبو القاسم يوم الإثنين في رمضان سنة أربع عشرة ومئتين. وقيل: سنة ثلاث عشرة ومئتين ببغداد.
وهو بغويُّ الأصل، وأول ما كتب سنة خمس وعشرين ومئتين، وسافر، ولقي الشيوخَ، وسمع الكثيرَ، وروى عنه الأئمةُ، وتوفي ببغداد ليلة الفطر، ودُفن يوم الفطر بمقبرة باب التِّبْن وله مئة وثلاثُ سنين وشهر واحد وهو صحيحُ الجَوارح والسَّمع والبَصر.
وسمع الإِمام أَحْمد بن حَنبل، ويحيى بن مَعين، وابن المَديني، وعلي بن الجَعْد، وخَلَف بن هشام، وعبد الله بن محمَّد بن عائشة التَّيمي، وأبا نَصْر التمَّار، وحاجب بن الوليد، وشَيبان بن فَرُّوخ، وزهير بن حَرْب وغيرهم.
وكان يقول: أحصيتُ المشايخَ الذين لا يروي عنهم اليوم أحدٌ غيري فكانوا سبعة وثمانين شيخًا.
وقال الحسن بن عبد الرَّحْمَن بن خلاد: لا يُعرف اليوم في الإِسلام من يُوازي البَغَويّ في قِدَم السماع؛ فإنَّه تُوفِّي سنة سبع عشرة وثلاث مئة، وسمعناه يقول: حَدَّثَنَا إسحاق بن إسماعيل الطَّالْقاني في سنة خمس وعشرين ومئتين.
وقال الخَطيب: سمع البَغَويّ جزءًا على الإِمام أَحْمد بن حنبل وابن مَعين وابن المَديني، فأخذه موسى بن هارون، فألقاه في دجلة وقال: أتُريد أن تَجمع بين الثلاثة الرواية.
وروى عنه يحيى بن محمَّد بن صاعد، وابن شاذان، وابن شاهين، والدارقطني، وخلقٌ كثير.
وقال الخَطيب: اجتاز البغويُّ بنهر طابَق، فسمع مُسْتَملٍ فقال: مَن هذا؟ قالوا: ابنُ صاعد، فقال: ذاك الصبيُّ؟ قالوا: نعم، فقال: والله لا أبرحُ من مَوضعي حتَّى أُملي
стр. 7830
ها هنا، فصعد الدِّكَّة وجلس، ورآه المُحدِّثون فقاموا وتركوا ابن صاعد، فقال: حَدَّثَنَا أَحْمد بن حنبل الشَّيباني قبل أن يُولَد المحَدِّثون، حَدَّثَنَا طالوت بن عبَّاد قبل أن يولد المحدثون، حَدَّثَنَا أبو نصر التمَّار قبل أن يولد المحدثون، فأملى ستة عشر حديثًا عن ستة عشر شيخًا، ما كان في الدنيا مَن يروي عنهم غيره.
واتَّفقوا على صدقه وثقته ودينه ووَرَعه.
سئل عنه موسى بن هارون فقال: ثقةٌ صدوق، لو جاز أن يقال فوق الثقة لقيل له، فقيل له: فإنَّ هؤلاء يتكلَّمون فيه؟! فقال: يحسدونه، ابنُ بنتِ مَنيع لا يقولُ إلَّا الحقَّ.
وسئل ابن أبي حاتم عنه: أيدخل حديثه في الصحيح؟ قال: نعم.
وقال الدارقطني: كان أبو القاسم ابنُ بنت مَنيع قلَّ ما يتكلَّم على الحديث، فإذا تكلَّم كان كلامُه كالمِسمار في السَّاج.
وعابه ابن عديٍّ وقال: كان وَرَّاقًا (١). وذلك لا يَقدَح فيه؛ لأنه كان يُوَرِّقُ على عمِّه وجده.
عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن الزُّبير
أبو بكر، الرُّهاوي (٢).
من بيت العلم والفضل، حدَّث عن أَبيه وغيره، وروى عنه أبو الحسين وغيره، وكان ثقةً، قتلته القرامطةُ بمكة.
علي بن بابويه الصُّوفي (٣)
كان يطوف بالبيت، وهجم القرمطيُّ مكة، فأوقع بالنَّاس في الطَّواف وابن بابويه يطوف، فما قطع طوافَه والسيوفُ تأخُذُه وهو يُنشد يقول: [من البسيط]
تَرى المُحبِّين صَرْعى في ديارهم … كفتِية الكهف لا يَدرون كم لَبِثوا
стр. 7831
وهذا من أبيات منها:
والله لو حَلَف العُشَّاقُ أنَّهم … سَكرى من البَيْن يومَ البَيْن ما حَنَثوا
قومٌ إذا هُجِروا من بعد ما وُصِلوا … ماتوا وإن عاد مَن يَهْوَوْنه بُعِثوا
نازوك
صاحبُ شرطة بغداد (١).
كان شُجاعًا، فاتكًا، غَلَب على التَّدبير، وحكم على الدولة، وعلم مؤنس أنَّه متى وافقه على خَلْع المقتدر ازداد تَحكُّمُه، فأجابه ظاهرًا، وواطأ الرَّجَّالة على قتله، وقد ذكرنا مَقتلَه.
وقال الخَطيب (٢): غضب نازوك على بعض مَماليكه وكان غلامًا حَدَثًا، فخرج من الدار، فمرَّ برجلٍ يَكتبُ كتاب العَطْف، فقال له: إنَّ مولاي قد غضب عليَّ، وما أعرفُ أحدًا، وقد دلُّوني عليك، فاكتب لي كتابَ عَطْفٍ.
قال الرَّجل: فكتبتُ له كتابًا فيه آيةُ الكرسي، والمعوذتين، و ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ إلى آخر السِورة [الحشر:] و ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَينَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَينَهُمْ﴾ الآية [٦٣: الأنفال] ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٣].
ثم دفع الورقةَ إلى الغلام وقال: علِّقها في عَضُدك الأيمن، فأخذها ودفع إليه دينارًا.
قال الرَّجل: فدعوتُ الله أن يَردَّ عليه قلبَ مولاه.
ومضى، فلمَّا كان بعد ساعتين إذا بغلمان نازوك يطلبونني، فأدخلوني عليه وهو في دَسْت عظيم، بين يديه نحوٌ من ثلاث مئة غلام وأكثر سِماطَين، وكاتبُه أبو القاسم جالس، فأهويتُ لأُقبِّلَ الأرض فقال: مَهْ، عافاك الله، هذه من سُنن الجَبَّارين، اجلس لا بأس عليك، فجلستُ، فقال: جاءك اليوم غلامٌ فكتبتَ له كتابًا فيه عطف؟ فقلت:
стр. 7832
نعم، جاءني وبكى وقال: طَردَني مولاي، وما أعرفُ أحدًا ألتجئُ إليه، فرقَّ له قلبي وبكيتُ، وكتبتُ له كتابًا فيه آياتٌ من القرآن، فأعطاني هذا الدينار، فقال: قم عافاك الله، هذه الدار وما فيها بحُكمك، ومهما كان لك من الحوائج قضيتُها.
قال: فخرجتُ، وإذا بالغلام واقفٌ ينتظرني، فسألتُه ما الخبر فقال: لما علَّقتُ عليَّ الورقة إذا بالغلمان يطلبونني، فدخلتُ على الأمير فقال لي: أين كنتَ؟ فحدَّثتُه الحديث، فقال: قد رضيتُ عنك، وهذا الرَّجل شيخٌ صالح، إيش أعطيتَه؟ قلتُ: دينارًا، قال: ما أنصفتَه، أعطِهِ خمس مئة درهم، فأخذتُها. وصار الغلامُ من خواصِّ نازوك.
* * *
стр. 7833
مرآة الزمان في تواريخ الأعيان
تصنيف
شمس الدين أبي المظفر يوسف بن قز أوغلي بن عبد الله
المعروف بـ «سبط ابن الجوزي» (٥٨١ هـ - ٦٥٤ هـ)
الجزء السابع عشر
[٣١٨ - ٣٧٢ هـ]
حقق هذا الجزء وعلق عليه
عمار ريحاوي
стр. 7834
السنة الثامنة عشرة وثلاث مئة
فيها في المحرم صرَفَ المقتدرُ ابنَي رائق عن الشرطة ببغداد، وقلَّدها أَبا بكر محمَّد بن يَاقوت.
وفي ربيع الآخر ظهر في الجوِّ أعمدةٌ بيضٌ في الآفاق كلِّها مع ريح هائلةٍ، وهبَّت ريح من المغرب في آذار، فحملت رملًا أحمر يُشبه رملَ الصَّاغة، امتلأت به أسواقُ بغداد ومنازلُهم، وقيل: إنَّه من جبل زَرُود من الهَبير بطريق مكة.
وفيها قبض المقتدرُ على الوزير أبي علي بن مُقْلَة، وكان متَّهمًا له، مستوحشًا منه، وخرج مؤنس إلى أَوانا مُتصيّدًا، وانحدر ابنُ مقلة إلى دار السلطان في جمادى الأولى، فاغتنم المقتدرُ غيبةَ مؤنس عن الحَضرة فقبض عليه.
وكان ابن ياقوت مُعاديًا له، فبعث إلى داره مَن أحرقها، وكانت بمكان يقال له: الزَّاهر شرقي بغداد، فلمَّا احترقت نَهبت العامةُ خشبَها ورصاصَها ورُخامَها وجميعَ ما فيها.
وكان ابن مُقْلَة قد أنفق عليها مئة أَلْف دينار غير ما أخذَه من أنقاض دور النَّاس وآلاتهم، وكان من عادته أن يُصادر النَّاس لمَّا كان كاتبًا قبل الوزارة، ويَنقُضَ دورَهم، ويبني بأنقاضها هذه الدار، فيأتي مَن يَحرقُها في الليل، واحترقت مرارًا، وكان يجلس عند الصُّنَّاع ويقرأ القرآن، وفي كُمِّه اسطرلاب يأخذُ به طالعَ الوقت.
فلما احترقَت مرَّ بها بعضُ شعراء العراق فكتب على حائطها: [من البسيط]
قُل لابن مُقْلَةَ [مَهْلًا] لا تكن عَجِلًا … واصبر فإنَّك في أضغاثِ أحلامِ
تَبني بأنقاضِ دُورِ الناسِ مُجْتَهدًا … دارًا ستُنْقَضُ قَهْرًا بعد أيامِ
وعادةُ الدَّهرِ فيها أن نُغادِرَها … والنَّارُ تُضْرَم فيها أيَّ إضرام
ما زلتَ تختارُ سعدَ المُشْتري بَلَهًا … فلم تُوَقَّ به من نَحْس بَهْرامِ
стр. 7835
تَتلو القُران عليها ثمَّ تُتْبِعُه … أحكامَ هرْمسَ تلك شرُّ أحكام
إنَّ القُران وبَطْليموسَ ما اجْتَمَعا … في حال نَقْضٍ ولا في حال إبرامِ (١)
ثم دخل مؤنس بغداد في اليوم الذي قبض فيه ابن مُقْلَة، وكان المقتدرُ قد عزم على أن يَستوزرَ أَبا علي الحسينَ بن القاسم بن عبيد الله، فامتنع مؤنس من ذلك، وراسل المقتدرَ على يد علي بن عيسى يسألُه ردَّ ابن مُقْلَة، فانحرج المقتدر وتهدَّد ابنَ مُقْلَة، فسكَّن منه علي بنُ عيسى.
وأقام مؤنس على الاستيحاش من الحسين بن القاسم، وكان المقتدرُ لمَّا قبض ابنَ مُقْلَة أحضرَ الحسين وتَلَبَّثَه عنده، وخاطبه، واعتمد عليه في أمر وزارته، وعزم على أن يخلع عليه خِلعة الوزارة صَبيحة تلك الليلة.
وعَزَّ على مؤنس حيث انفرد المقتدرُ بهذا الأمر ولم يشاوره، وراسل المقتدرَ مرةً ثانيةً وثالثةً في إعادة ابنِ مُقْلَة فامتنع، وقال مؤنس: لا تستوزر الحسين، فشاور المقتدرُ عليَّ بنَ عيسى: مَن نستوزر؟ فأشار عليه بسليمان بن الحسن بن مَخْلَد، فاستوزره.
وكانت وزارةُ ابن مُقْلَة سنتين وأربعة أشهر وثلاثة أيام.
وكان [سليمان بن] الحسن (٢) بن مَخْلَد لا يصدر عن أمرٍ حتَّى يُشاور علي بن عيسى.
ثم أمر المقتدر سليمان بن الحسن بن مخلد وعليّ بنَ عيسى بمُناظرة ابن مُقْلَة، فأحضروه، ووَبَّخه سليمان وقال: ضَريتَ (٣) بين السلطان وبين أوليائه، وأغلَظَ له.
ثم تقرَّر أمرُه على مئتي أَلْف دينار، فأرسل مؤنس إلى المقتدر يسألُه أن يُعفى من المصادرة، وأن يكون مُعتَقلًا عند مُرشد الخادم، فأجابه إلى ذلك.
وحجَّ بالنَّاس عبد السميع بن أَيُّوب بن عبد العزيز الهاشمي، وقيل: عمر بن الحسن بن عبد العزيز، والظاهر أنَّه لم يحج أحدٌ سنة سبع عشرة وثلاث مئة إلى سنة ست وعشرين وثلاث مئة خوفًا من القِرمِطي.
стр. 7836
وفيها تُوفِّي
أَحْمد بن إسحاق
ابن البُهْلول بن حسَّان بن سِنان، أبو جعفر، التَّنُوخيّ (١).
ولد بالأنبار في المُحرَّم سنة إحدى وثلاثين ومئتين، وطلب الحديث، وسمع الكثير.
وكان عالمًا بالنحو، والعربية، والتفاسير، والسير، شاعرًا، فصيحًا، لَسِنًا، وَرِعًا، مُتَخَشِّيًا في القضاء، عظيمَ القدر، واسعَ الأدب، تامَّ المروءة، حسنَ المعرفة بمذهب أهل العراق.
ولي قضاء الأنبار، وهِيت، وطريق الفرات، والأهواز، ومدينة أبي جعفر، وقُطْرَبُّل، ومَسْكِن، فما زال على هذه الأعمال حتَّى صُرف عنها سنةَ سبع عشرة وثلاث مئة.
قال ولدُه محمَّد: كنتُ مع أبي في جنازةٍ، فأخذ يَعِظُ صاحبَ المُصيبة ويُسلِّيه، وينشدُه الأشعار، ويروي له الأخبار، وإلى جانبه أبو جعفر الطَّبري، فداخَلَه في ذلك، واتَّسع الأمرُ بينهما، وخرجا إلى فنونٍ من الآداب استَحْسَنها الحاضرون.
وافترقا، فقال لي أبي: يا بني، مَن هذا الشيخ الذي داخلَنا اليوم في المذاكرة؟ فقلتُ: هذا أبو جعفر الطبري، فقال: إنالله، ما أحسنتَ عِشْرَتي، هلَّا قلتَ لي حتَّى كنتُ أذاكرُه غيرَ تلك المُذاكرة؟! هذا رجلٌ مشهور بالحفظ والاتساع في صنوف العلم، ما ذاكرتُه بحسب ذلك.
ومضت مدةٌ، فحضرْنا في جنازة، فإذا بالطبري فيها، فأخبرتُه فجاء، فأومأ إليه أبي بالجلوس عنده، وأخذ يحادثُه، فكلَّما ذكر الطَّبرِيُّ أبياتًا من قصيدة تمَّمها أبي، وكلَّما ذُكر شيءٌ من العلوم والسير بَيَّنه أبي ويقول: هذا كان في وقت كذا وكذا، فما سكت أبي إلى الظُّهر، فبان للحاضرين تقصيرُ الطبري، فلمَّا قمنا قال أبي: الآن شفيت صدري.
وقال القاضي علي بن المُحَسِّن التنوخي: طلبت السيدةُ أمُّ المقتدر من القاضي أبي جعفر كتابَ وَقْفٍ لضيعة اشترتْها (٢)، وأرادت تمزيقَ الكتاب وتَملُّكَ الوقف، فأرسلتْ
стр. 7837
إليه، فقال لأمِّ موسى القهرمانة: هذا الكتاب عندي، وأنا خازنُ المسلمين، فإن مكَّنتُموني من خَزْنه كما يَجب وإلا فاصرفوني، والله لا أُعطيكم إيَّاه ولو عُرِضتُ على السيف.
فشكَتْه أمُّ المقتدر إلى ابنها وقالت: اعزِلْه، فقال له المقتدر: كيف الحال؟ فكشَفَه له، فقال: مثلُك يَا أَحْمد مَن قُلِّد القضاء، أقم على ما أَنْتَ عليه، بارك الله عليك.
فلمَّا عاودَتْه أمُّه قال لها: الأحكام لا طريقَ إلى اللَّعب بها، وأَحمد مأمونٌ عندنا، مُحبٌّ لدولتنا، وكشف لها الحال، فقالت: ما علمتُ أنَّ هذا لا يجوز، فارْتَجعَت المال، وفَسخت البيع، وشكرت أَبا جعفر على ذلك، فقال أبو جعفر: مَن قدَّم أمرَ الله على أمر المخلوقين كفاه الله شرهم.
ذكر وفاته:
تُوفِّي في ربيع الآخر من هذه السنة، وقيل: في سنة سبع عشرة وثلاث مئة.
سمع أباه، وكان أبوه فاضلًا صنَّف "المسند" وغيره، وروى أبو جعفر أَيضًا عن إبراهيم بن سعيد الجوهري، ومؤمَّل بن إهاب، وأبي سعيد الأشَجّ، وغيرهم.
وروى عنه الدارقطني، وأبو حفص بن شاهين، وآخرون. وحمل النَّاسُ العلمَ عن أَبيه وجده، وعنه وعن ابنه محمَّد، وعن ابن أخيه داود بن الهيثم بن إسحاق، وهم بيتُ العلم، واتَّفقوا عليه.
جعفر بن محمَّد بن يعقوب
أبو الفضل، الصَّنْدَلي، البغدادي (١).
كان صالحًا من الأبدال، سمع علي بن حَرْب وغيره، واتَّفقوا عليه.
سعيد بن عبد العزيز بن مروان
أبو عثمان، الحَلَبيّ، الزَّاهد (٢).
стр. 7838
كان من أوتاد الأرض (١)، نزل دمشق، وحدَّث عن أَحْمد بن أبي الحَواري، وقاسم الجُوعي، وسَرِيّ السَّقطي، وصَحبِه، وهو من جلَّة مشايخ الشَّام وعلمائها، وروى عنه أبو الحسين الرَّازيّ وغيرُه، ومات بدمشق.
عبد الواحد بن محمَّد بن المهتدي (٢)
أبو أَحْمد، الهاشمي.
سمع يحيى بن أبي طالب، وروى عنه الدارقطنيُّ وغيرُه.
وكان ثقةً، ويُسمَّى راهبَ بني هاشم دينًا وورعًا وزهدًا.
عبد الله بن محمَّد بن مسلم
أبو بكر، الإسْفَراييني (٣).
ولد في رجب سنة تسعٍ وثلاثين ومئتين بقريةٍ من أعمال إسفرايين يقال لها: جُوْرْبَذ، وسافر إلى البلاد في طلب الحديث، وكان من الأثبات المجوِّدين.
سمع محمَّد بن يحيى الذُّهلي وغيره، وروى عنه أَحْمد بن عليّ بن شهريار وغيره.
محمَّد بن سعيد بن محمَّد
أبو عبد الله، البُوْرَقي (٤).
قدم بغداد وحدَّث بها، وروى عنه أبو بكر الشَّافعيّ وغيرُه.
وقد تكلَّموا فيه، قال الخَطيب: هو الذي وضع على النَّبِيّ ﷺ : "سيكون في أُمَّتي رجلٌ يقال له: أبو حنيفة هو سراجُ أمتي، ويكون فيهم رجلٌ يقال له محمَّد بن إدريس، فتنتُهُ على أمتي أضرُّ من إبليس".
стр. 7839
قال أبو عبد الله الحاكم: حدَّث بنصف الحديث الذي يتعلَّق بأبي حنيفة بخُراسان، ثم زاد فيه بالعراق ذكر الشافعي.
وقال الحاكم أيضًا: وضع البُورقيُّ على الثقات من المناكير ما لا يُحصى، وكانت وفاتُه بمَرْو.
يحيى بن محمَّد بن صاعِد
أبو محمَّد مولى أبي جعفر المنصور (١).
ولد سنة ثمانٍ وعشرين ومئتين، وسافر في طلب الحديث إلى البلاد، وكتب الحديثَ، وسمع وحفظ، وله تصانيف في السُّنن تدلُّ على فقهه وفَهمه.
وقال الدارقطني: بنو صاعد ثلاثةٌ: يوسف، وأحمد، ويحيى بنو محمَّد بن صاعد، [ولهم عمٌّ يقال له: عبد الله بن صاعد] حدَّث عن سفيان بن عُيينة (٢).
توفي يحيى ببغداد في هذه السنة وقد بلغ تسعين سنةً، ودُفن بباب الكوفة.
سمع محمَّد بن إسماعيل البُخاري وخلقًا كثيرًا، وروى عنه الدارقُطنيّ.
وحكى الخطيب عن بعض طلبة الحديث قال: حضرتُ عند ابن صاعد ومعي جُزءٌ من سماع أبي القاسم البَغَويّ عن شيوخه، فغلِطْتُ وقرأتُه عليه وهو مصغٍ إليَّ، فلمَّا فرغتُ من القراءة تذكرتُ فقلتُ: أيها الشيخ، إنِّي غلطتُ وليس هذا من حديثك بل من حديث البغوي، قال: بل هو سماعي من الشيوخ الذين ذكرتَهم، ثم قام وأخرج أصولَ المشايخ، وأراني كلَّ حديثٍ قرأتُه عليه مكتوبٌ في جزء، رحمة الله عليه.
أبو جعفر الهِلاليّ الزاهد
من [أهل] أعمال صَرْخَد (٣).
كان مُرابطًا بالساحل لا يُجالس أحدًا، وأنشد: [من السريع]
علامةُ الخائف في قلبه … بأنه أصفرُ مَنْحوفُ
ليس كمَن كانت له جُثَّةٌ … كأنَّه للذَّبحِ مَعْلوفُ
стр. 7840
السنة التاسعة عشرة وثلاث مئة
فيها قدم مؤنس الوَرْقانيّ بالحاج سالمين إلى بغداد، وضُربت له القِباب في جانبي بغداد، وكان عددها مئةً ونَيِّفًا وثلاثين قُبَّةً، وسُرَّ الناس بتمام الحجِّ وانفتاح الطريق.
وكان مؤنس لمَّا انصرف من مكة بلغه أنَّ القِرمطيَّ على الطريق، فعدل بالحاجِّ، وتاه في البرية، ووجد آثارًا عجيبةً، وعظامًا مُفرِطةً في الكبر، وصُوَرَ ناسٍ من حجارة، فحمل بعضها إلى الخليفة، فوجد امرأةً على تَنُّور وهي من حَجَر، والتَّنُّور فيه الخبزُ من حجارة (١).
وفيها قبض المقتدر على الوزير سليمان بن الحسن، وكان قد أضاق إضاقةً شديدة، وكَثُرَت عليه المُطالبات، فلمَّا كان يوم السبت لخمسٍ بقين من رجب صار بليق وبشرى إلى دار الوزير بباب المُحَوَّل، وقبضا عليه وعلى أبي القاسم عبيد الله بن محمَّد الكَلْوَذاني معه، فارتاع الكَلْوذاني وجَزع جَزَعًا شديدًا، فلمَّا تقلَّد الوزارة ردَّه إليه، فكانت مدَّةُ وزارة سليمان سنةً واحدةً وشهرين وتسعة أيام.
وكان المقتدر يميلُ إلى وزارة الحسين بن القاسم، فلم يُمكِّنه مؤنس، وأشار بالكَلْوَذاني، فاستحضَره من دار مؤنس، وخلع عليه، وشافَهَه بالوزارة، وأمر علي بنَ عيسى أن يكون على عادته في الإشراف على الأمور مع الكلوذاني.
وفيها كانت وقعةٌ بين هارون بن غَريب وبين مَرْداويج الدَّيلميّ بنواحي هَمَذان، فانهزم هارون، وملك الدَّيلميّ الجَبلَ بأسره إلى حُلْوان.
وفيها استوزر المقتدر الحسين بنَ القاسم بن عبيد الله، وصرف الكَلْوَذاني، وكانت الأموال قد قلَّت، وكَثُرَت النفقات، فكتب الحسين إلى المقتدر رقعةً يقول: أنا أقوم بالنَّفَقات بمبلغ ألف ألف دينار في كلِّ سنة.
وبعث المقتدر بالنفقة إلى الكَلْوَذاني مع طفل الخادم، فقال الكلوذاني: قد يجوز أن يتمَّ لهذا الرجل ما لا يتمُّ لي، وسأله تقليده ولم يعلم مَن هو، واستعفاه.
стр. 7841
وكان مؤنس شديدَ البُغض للحسين بن القاسم، فدخل مُفلحٌ في قضيَّته، وأصلح حاله معه ومع غيره، وضمن لهم الأموال، والكَلْوذاني يُواصل الاستعفاء، واتَّفق أنَّ جماعةً من الجند تأخَّرت أرزاقُهم، فصاروا إلى باب الكلوَذاني، ورَمَوه بالآجُرّ، ونالوا منه -وكان في طيَّاره- فدخل دارَه، وأغلق بابَه، وحلف لا ينظر في الوزارة، فكانت مُدَّة وزارته شهرين وثلاثة أيام.
وخلع المقتدر على الحسين خِلَع الوزارة، وفوَّض إليه الأموال والأمور في رمضان، وصار إليه علي بن عيسى فهنَّأه.
وكان الحسين قد شرط أن لا يَنظُرَ علي بن عيسى في شيءٍ من الأمور، ولا يجلس للمظالم، فأُجيب إلى ذلك، وحمل الحسين إلى جارية المقتدر وحَظِيَّته مالًا كثيرًا؛ لأنَّها كانت تُوصل إلى المقتدر رِقاعَه.
وفيها استوحش مؤنس المُظَفَّر من المُقتدر في ذي الحجة، وسببه: أنَّه بلغه اجتماعُ الوزير وجماعة من القُوَّاد والحجرية على التدبير عليه، فتَنكَّر له مؤنس، وعزم خواصُّه على كَبْس الوزير في الليل في منزله والقَبْضِ عليه، فكان ينتقل من دارٍ إلى دار ولا يبيت في داره، وراسلَ مؤنس الخليفة بعزله فأجابه وقال: ننفيه إلى عُمان، فامتنع المقتدر.
وأوقع الوزيرُ في قلب المقتدر أنَّ مؤنسًا يريد أن يأخذَ الأميرَ أبا العباس من داره بالمُخَرِّم، ويذهب به إلى الشام ومصر، ويَعقدَ له الأمرَ هناك، وأشار بردِّ أبي العباس إلى داره بدار الخلافة، ففعل، فحَقدها على الحسين، فلمَّا أفضَتْ إليه الخلافة أنزل به ما سنذكره إن شاء الله تعالى في السنة الثانية والعشرين عند مقتل الشَّلْمَغاني.
وكتب الحسين إلى هارون وهو بدير العاقول بأن يَحضُرَ إلى الحضرة، فصح عند مؤنس أنَّ الوزير يُدَبِّر عليه، ومعه مُفلح الأسود -وكان مفلحٌ صديقًا للحسين ومُباينًا لمؤنس- فخرج مؤنس إلى الشَّمَّاسية بأصحابه، ونزل في مضاربه، وكتب إلى المقتدر أنَّ مُفلحًا صديق مطابقٌ الحسين، وأنَّ نفسه لا تسكُن حتى يُنفذَ إليه مفلحًا ليقلِّده أجلَّ الأعمال، ويخرج إليها، فكتب إليه المقتدر: أنَّ مُفلحًا الخادم خادم يوثَقُ به في خدمته، وليس يُدخل نفسَه فيما نظنُّه به.
стр. 7842
فلمَّا بلغ مؤنسًا الجواب، وأنَّ الوزير قد جمع الرجال وشَرع يُنفق فيهم، وأنَّ هارون قد قَرُب من بغداد: أظهر الغضبَ وخرج إلى المَوصل، ولحق به أصحابه، ووجَّه بشرى خادمَه ليؤدِّي الرسالة إلى المقتدر، فقال له الوزير: أدِّها إليَّ، فقال: هي إلى الخليفة، ولا أُؤدِّيها إلا إليه.
فعرَّف الوزير الخليفةَ، فقال: يؤدِّيها إليك، فامتنع وقال: حتى أرجِعَ إلى صاحبي، فإن أمرني أدَّيتُها.
فشَتمه الوزيرُ وشتم صاحبه، وضربه عشرين مِقْرَعةً وحَبسه، وأخذ خطَّه بثلاث مئة ألف دينار ومئتي ألف درهم، وأحضر زوجتَه وتهدَّدها، فأقرَّت بثلاثة وثلاثين ألف دينار ومئتي ألف درهم.
وسار مؤنس إلى الموصل، فكتب الوزير إلى عسكره وقوَّاده بالانصراف عنه إلى الخليفة، فانصرف أكثرُهم، وسار إلى الموصل في خواصِّه وغلمانه، وقبض الوزيرُ على أسبابه وأمواله وضياعه، وأفرد لها ديوانًا سمَّاه: ديوان ضياع المخالفين.
وهنَّأ الناسُ الوزيرَ بانصراف مؤنس عن بغداد، وزاد مَحلُّه عند المقتدر، وكنَّاه عميدَ الدولة، وكتب ذلك على الدنانير والدراهم.
وكُتبت الكتب إلى الآفاق بذلك، وأطلق الحسين للجُند أرزاقَهم، ونفى الغلمان السَّاجيَّة من بغداد لميلهم إلى مؤنس، وكتب إلى داود وسعيد ابني حَمدان والحسن بن عبد الله بن حمدان بمحاربة مؤنس ودفعه عن المَوصل، وأنَّه عاصٍ، فامتنع داود، فما زال به أهلُه إلى أن ثنَوا رأيَه، وخوَّفوه وقالوا: بعد، ما غَسَلْنا رؤوسَنا ممَّا عمله الحسين بن حمدان، ثم مما عمله أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان بالأمس، ويريد أن يعمل لنا حديثًا ثالثًا؟ فخرج معهم وكانوا في ثلاثين ألفًا، ومؤنس في ثمان مئة رجل، فنُصِر عليهم وهزمهم -وذلك في صفر سنة عشرين وثلاث مئة- وقال: يا قوم، يُقاتلُني داود وفي حِجري طُهِّرَ وإخوتُه؟!
وقال محمود الأصبهاني: وفي سنة تسع عشرة وثلاث مئة استوحش مؤنس من محمَّد بن ياقوت؛ لأنَّه كان قد استظهر بالرجال، فقيل لمؤنس: يريد أن يَكبس دارَك الليلة، فخرج إلى الشَّمَّاسية، وراسل المقتدرَ بأن يَصرفه من الشرطة، وأباه من
стр. 7843
الحِجابة، فامتنع، وبعث إلى مؤنس بالوزير وخواصِّه يَستعرضونه فقال: لا بدَّ من إبعاد محمَّد بن ياقوت وأبيه، ثم حبس الوزير ومَن معه عنده، وعلم ياقوت فخرج بابنيه إلى المدائن.
ولمَّا خرج ياقوت أطلق مؤنسٌ الوزيرَ ومَن معه، وسار ياقوت فأقام بشيراز.
وقدم هارون بن غَريب إلى بغداد، وكذا محمَّد بن ياقوت من الأهواز، وقُبِضَ على محمَّد بن المعتضد المسمّى بالقاهر، وعلى أبي أحمد بن المكتفي، وأُحْدِرا من دار ابن طاهر فاعتُقِلا بدار الخليفة، وكانت السيدة تُكرِم محمَّد بنَ المعتضد وتُنزِّهُه في البساتين، وتُشرف على طعامه، وتتولَّى ذلك بنفسها.
وفيها نزل القرمطيُّ الكوفة، فهرب أهلُها إلى بغداد.
وفيها دخل الدَّيلَم الدِّينَوَر، فقتلوا أهلها وسَبَوا، فورد بعضُهم بغداد قد سوَّدوا وجوههم، ورفعوا المصاحفَ على رؤوس القُضُب، وحضروا يوم عيد النَّحر إلى الجامع واستغاثوا، وساعدهم العوامُّ، ومنعوا الخطيبَ من الخطبة والصلاة، وثار معهم عوامُّ بغداد، وأعلنوا بسبِّ المقتدر، ولازم الناس المساجد والصَّلوات، وأغلقوا أسواقَ بغداد خوفًا من القِرمطي.
وفيها ولد أبو تميم المُعِزُّ رابع الخلفاء المصريين، ولم يحجَّ في هذه السنة أحدٌ (١).
وفيها توفي
الحسن بن علي
ابن أحمد بن بشار، أبو بكر، الشاعر، ويعرف بابن العلَّاف (٢).
أحد نُدماء المعتضد، مات في هذه السنة عن مئة سنة (٣).
حدّث عن أبي عمر الدُّوري وغيره، وروى عنه ابنُ شاهين وغيرُه.
стр. 7844
ومن رواياته عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] قال: الذين تَبْيضُّ وجوهُهم أهلُ السنة والجماعة، والذين تَسودُّ وجوهُهم أهلُ البدع (١).
الحسن بن علي
ابن زكريا بن صالح بن عاصم بن زُفَر، أبو سعيد، العَدَويّ، البَصْري (٢).
ولد سنة عشر ومئتين، حدَّث عن مُسَدَّد بن مُسَرْهَد وغيره، وروى عنه الدارقطني وغيره، وعاش مئةً وثماني سنين.
قال ابن شاذان: رأيتُه وقد اسودَّت طاقاتٌ يسيرةٌ من شعر لحيته بعد بياضها لفَرْط الكبر.
واتَّفقوا على أنَّه كان يَضَع الحديث، ويَسرقُ، ويُلْزِق الحديث بآخر ويضعه على آخرين.
علي بن الحسين بن حَرْب
أبو عُبيد، القاضي، البغدادي، ويعرف بابن حَرْبويه (٣).
ولي قضاء مصر، وأقام بها دهرًا طويلًا، قال ابن يونس: وكان شيخًا عجيبًا (٤)، ما رأينا مثلَه لا قبله ولا بعده، وكان يتفقَّه على مذهب أبي ثَور، وعُزل عن القضاء سنة إحدى عشرة وثلاث مئة، وسبب عزله أنَّه كتب يَستعفي من القضاء، وبعث رسولَه إلى بغداد، وأغلق بابَه وامتنع من القضاء بين الناس، فأُعفي، فرجع إلى بغداد فتوفِّيَ بها ودُفن بداره، وصلى عليه يحيى الإصْطَخْري (٥).
стр. 7845
قال الدارقطني: كان فاضلًا، جليلًا، نبيلًا، ثقةً، مأمونًا.
قال الرّقاشي: سألتُ عنه الدارقطنيَّ فقال: ذاك الجليل الفاضل، حدَّث عنه أبو عبد الرحمن السُّلمي (١). حدَّث القاضي عن الحسن بن عَرَفة وغيره، وروى عنه ابن شاهين وغيره.
محمد بن سعيد
- وقيل: ابن سعد- أبو الحسين، الوَرَّاق، النَّيسابوري، صاحبُ أبي عثمان الحِيريّ (٢).
من كبار المشايخ، وكان عالمًا بعلم الشَّريعة والباطن وعلوم المُعاملات، من كبار مشايخ خُراسان وجِلَّتهم (٣).
ومن كلام محمَّد بن سعيد (٤) المذكور قال: مَن غضنَّ بصرَه عن محارم الله تعالى أورثه الله بذلك حكمةً على لسانه يهتدي بها سامعوه، ومَن تورَّع عن شُبهةٍ نوَّر الله قلبَه بنور يهدي به إلى طريق مَرضاته.
وقال: الكرمُ في العفو أن لا تذكر خيانةَ (٥) صاحبك بعد أن عفوتَ عنه.
وقال: كنَّا في مسجد أبي عثمان الحِيري في مبادئ أمرنا نؤثر بما يُفتَح علينا، ولا نَثبتُ على معلوم، ومَن استقْبَلَنا بما نكره لا نَنتقمُ لأنفسنا بل نتواضع له ونَعتذر إليه، وإذا وقع في قلوبنا حَقارةُ أحدٍ قُمنا بخدمته والإحسان إليه حتى يزول ذلك.