وكان مؤنس شديدَ البُغض للحسين بن القاسم، فدخل مُفلحٌ في قضيَّته، وأصلح حاله معه ومع غيره، وضمن لهم الأموال، والكَلْوذاني يُواصل الاستعفاء، واتَّفق أنَّ جماعةً من الجند تأخَّرت أرزاقُهم، فصاروا إلى باب الكلوَذاني، ورَمَوه بالآجُرّ، ونالوا منه -وكان في طيَّاره- فدخل دارَه، وأغلق بابَه، وحلف لا ينظر في الوزارة، فكانت مُدَّة وزارته شهرين وثلاثة أيام.
وخلع المقتدر على الحسين خِلَع الوزارة، وفوَّض إليه الأموال والأمور في رمضان، وصار إليه علي بن عيسى فهنَّأه.
وكان الحسين قد شرط أن لا يَنظُرَ علي بن عيسى في شيءٍ من الأمور، ولا يجلس للمظالم، فأُجيب إلى ذلك، وحمل الحسين إلى جارية المقتدر وحَظِيَّته مالًا كثيرًا؛ لأنَّها كانت تُوصل إلى المقتدر رِقاعَه.
وفيها استوحش مؤنس المُظَفَّر من المُقتدر في ذي الحجة، وسببه: أنَّه بلغه اجتماعُ الوزير وجماعة من القُوَّاد والحجرية على التدبير عليه، فتَنكَّر له مؤنس، وعزم خواصُّه على كَبْس الوزير في الليل في منزله والقَبْضِ عليه، فكان ينتقل من دارٍ إلى دار ولا يبيت في داره، وراسلَ مؤنس الخليفة بعزله فأجابه وقال: ننفيه إلى عُمان، فامتنع المقتدر.
وأوقع الوزيرُ في قلب المقتدر أنَّ مؤنسًا يريد أن يأخذَ الأميرَ أبا العباس من داره بالمُخَرِّم، ويذهب به إلى الشام ومصر، ويَعقدَ له الأمرَ هناك، وأشار بردِّ أبي العباس إلى داره بدار الخلافة، ففعل، فحَقدها على الحسين، فلمَّا أفضَتْ إليه الخلافة أنزل به ما سنذكره إن شاء الله تعالى في السنة الثانية والعشرين عند مقتل الشَّلْمَغاني.
وكتب الحسين إلى هارون وهو بدير العاقول بأن يَحضُرَ إلى الحضرة، فصح عند مؤنس أنَّ الوزير يُدَبِّر عليه، ومعه مُفلح الأسود -وكان مفلحٌ صديقًا للحسين ومُباينًا لمؤنس- فخرج مؤنس إلى الشَّمَّاسية بأصحابه، ونزل في مضاربه، وكتب إلى المقتدر أنَّ مُفلحًا صديق مطابقٌ الحسين، وأنَّ نفسه لا تسكُن حتى يُنفذَ إليه مفلحًا ليقلِّده أجلَّ الأعمال، ويخرج إليها، فكتب إليه المقتدر: أنَّ مُفلحًا الخادم خادم يوثَقُ به في خدمته، وليس يُدخل نفسَه فيما نظنُّه به.
стр. 7842
فلمَّا بلغ مؤنسًا الجواب، وأنَّ الوزير قد جمع الرجال وشَرع يُنفق فيهم، وأنَّ هارون قد قَرُب من بغداد: أظهر الغضبَ وخرج إلى المَوصل، ولحق به أصحابه، ووجَّه بشرى خادمَه ليؤدِّي الرسالة إلى المقتدر، فقال له الوزير: أدِّها إليَّ، فقال: هي إلى الخليفة، ولا أُؤدِّيها إلا إليه.
فعرَّف الوزير الخليفةَ، فقال: يؤدِّيها إليك، فامتنع وقال: حتى أرجِعَ إلى صاحبي، فإن أمرني أدَّيتُها.
فشَتمه الوزيرُ وشتم صاحبه، وضربه عشرين مِقْرَعةً وحَبسه، وأخذ خطَّه بثلاث مئة ألف دينار ومئتي ألف درهم، وأحضر زوجتَه وتهدَّدها، فأقرَّت بثلاثة وثلاثين ألف دينار ومئتي ألف درهم.
وسار مؤنس إلى الموصل، فكتب الوزير إلى عسكره وقوَّاده بالانصراف عنه إلى الخليفة، فانصرف أكثرُهم، وسار إلى الموصل في خواصِّه وغلمانه، وقبض الوزيرُ على أسبابه وأمواله وضياعه، وأفرد لها ديوانًا سمَّاه: ديوان ضياع المخالفين.
وهنَّأ الناسُ الوزيرَ بانصراف مؤنس عن بغداد، وزاد مَحلُّه عند المقتدر، وكنَّاه عميدَ الدولة، وكتب ذلك على الدنانير والدراهم.
وكُتبت الكتب إلى الآفاق بذلك، وأطلق الحسين للجُند أرزاقَهم، ونفى الغلمان السَّاجيَّة من بغداد لميلهم إلى مؤنس، وكتب إلى داود وسعيد ابني حَمدان والحسن بن عبد الله بن حمدان بمحاربة مؤنس ودفعه عن المَوصل، وأنَّه عاصٍ، فامتنع داود، فما زال به أهلُه إلى أن ثنَوا رأيَه، وخوَّفوه وقالوا: بعد، ما غَسَلْنا رؤوسَنا ممَّا عمله الحسين بن حمدان، ثم مما عمله أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان بالأمس، ويريد أن يعمل لنا حديثًا ثالثًا؟ فخرج معهم وكانوا في ثلاثين ألفًا، ومؤنس في ثمان مئة رجل، فنُصِر عليهم وهزمهم -وذلك في صفر سنة عشرين وثلاث مئة- وقال: يا قوم، يُقاتلُني داود وفي حِجري طُهِّرَ وإخوتُه؟!
وقال محمود الأصبهاني: وفي سنة تسع عشرة وثلاث مئة استوحش مؤنس من محمَّد بن ياقوت؛ لأنَّه كان قد استظهر بالرجال، فقيل لمؤنس: يريد أن يَكبس دارَك الليلة، فخرج إلى الشَّمَّاسية، وراسل المقتدرَ بأن يَصرفه من الشرطة، وأباه من
стр. 7843
الحِجابة، فامتنع، وبعث إلى مؤنس بالوزير وخواصِّه يَستعرضونه فقال: لا بدَّ من إبعاد محمَّد بن ياقوت وأبيه، ثم حبس الوزير ومَن معه عنده، وعلم ياقوت فخرج بابنيه إلى المدائن.
ولمَّا خرج ياقوت أطلق مؤنسٌ الوزيرَ ومَن معه، وسار ياقوت فأقام بشيراز.
وقدم هارون بن غَريب إلى بغداد، وكذا محمَّد بن ياقوت من الأهواز، وقُبِضَ على محمَّد بن المعتضد المسمّى بالقاهر، وعلى أبي أحمد بن المكتفي، وأُحْدِرا من دار ابن طاهر فاعتُقِلا بدار الخليفة، وكانت السيدة تُكرِم محمَّد بنَ المعتضد وتُنزِّهُه في البساتين، وتُشرف على طعامه، وتتولَّى ذلك بنفسها.
وفيها نزل القرمطيُّ الكوفة، فهرب أهلُها إلى بغداد.
وفيها دخل الدَّيلَم الدِّينَوَر، فقتلوا أهلها وسَبَوا، فورد بعضُهم بغداد قد سوَّدوا وجوههم، ورفعوا المصاحفَ على رؤوس القُضُب، وحضروا يوم عيد النَّحر إلى الجامع واستغاثوا، وساعدهم العوامُّ، ومنعوا الخطيبَ من الخطبة والصلاة، وثار معهم عوامُّ بغداد، وأعلنوا بسبِّ المقتدر، ولازم الناس المساجد والصَّلوات، وأغلقوا أسواقَ بغداد خوفًا من القِرمطي.
وفيها ولد أبو تميم المُعِزُّ رابع الخلفاء المصريين، ولم يحجَّ في هذه السنة أحدٌ (١).
وفيها توفي
الحسن بن علي
ابن أحمد بن بشار، أبو بكر، الشاعر، ويعرف بابن العلَّاف (٢).
أحد نُدماء المعتضد، مات في هذه السنة عن مئة سنة (٣).
حدّث عن أبي عمر الدُّوري وغيره، وروى عنه ابنُ شاهين وغيرُه.
стр. 7844
ومن رواياته عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] قال: الذين تَبْيضُّ وجوهُهم أهلُ السنة والجماعة، والذين تَسودُّ وجوهُهم أهلُ البدع (١).
الحسن بن علي
ابن زكريا بن صالح بن عاصم بن زُفَر، أبو سعيد، العَدَويّ، البَصْري (٢).
ولد سنة عشر ومئتين، حدَّث عن مُسَدَّد بن مُسَرْهَد وغيره، وروى عنه الدارقطني وغيره، وعاش مئةً وثماني سنين.
قال ابن شاذان: رأيتُه وقد اسودَّت طاقاتٌ يسيرةٌ من شعر لحيته بعد بياضها لفَرْط الكبر.
واتَّفقوا على أنَّه كان يَضَع الحديث، ويَسرقُ، ويُلْزِق الحديث بآخر ويضعه على آخرين.
علي بن الحسين بن حَرْب
أبو عُبيد، القاضي، البغدادي، ويعرف بابن حَرْبويه (٣).
ولي قضاء مصر، وأقام بها دهرًا طويلًا، قال ابن يونس: وكان شيخًا عجيبًا (٤)، ما رأينا مثلَه لا قبله ولا بعده، وكان يتفقَّه على مذهب أبي ثَور، وعُزل عن القضاء سنة إحدى عشرة وثلاث مئة، وسبب عزله أنَّه كتب يَستعفي من القضاء، وبعث رسولَه إلى بغداد، وأغلق بابَه وامتنع من القضاء بين الناس، فأُعفي، فرجع إلى بغداد فتوفِّيَ بها ودُفن بداره، وصلى عليه يحيى الإصْطَخْري (٥).
стр. 7845
قال الدارقطني: كان فاضلًا، جليلًا، نبيلًا، ثقةً، مأمونًا.
قال الرّقاشي: سألتُ عنه الدارقطنيَّ فقال: ذاك الجليل الفاضل، حدَّث عنه أبو عبد الرحمن السُّلمي (١). حدَّث القاضي عن الحسن بن عَرَفة وغيره، وروى عنه ابن شاهين وغيره.
محمد بن سعيد
- وقيل: ابن سعد- أبو الحسين، الوَرَّاق، النَّيسابوري، صاحبُ أبي عثمان الحِيريّ (٢).
من كبار المشايخ، وكان عالمًا بعلم الشَّريعة والباطن وعلوم المُعاملات، من كبار مشايخ خُراسان وجِلَّتهم (٣).
ومن كلام محمَّد بن سعيد (٤) المذكور قال: مَن غضنَّ بصرَه عن محارم الله تعالى أورثه الله بذلك حكمةً على لسانه يهتدي بها سامعوه، ومَن تورَّع عن شُبهةٍ نوَّر الله قلبَه بنور يهدي به إلى طريق مَرضاته.
وقال: الكرمُ في العفو أن لا تذكر خيانةَ (٥) صاحبك بعد أن عفوتَ عنه.
وقال: كنَّا في مسجد أبي عثمان الحِيري في مبادئ أمرنا نؤثر بما يُفتَح علينا، ولا نَثبتُ على معلوم، ومَن استقْبَلَنا بما نكره لا نَنتقمُ لأنفسنا بل نتواضع له ونَعتذر إليه، وإذا وقع في قلوبنا حَقارةُ أحدٍ قُمنا بخدمته والإحسان إليه حتى يزول ذلك.
стр. 7846
وقال: خوفُ القطيعة أذابَ نفوسَ المحبِّين، وأحرق أكبادَ العارفين، وأسهر ليالي العابدين، وأَظْمأ نهارَ الزَّاهدين، وأكثرَ بكاء الباكين.
وقال: الأُنسُ بالخلق وَحْشةٌ، والطُّمأنينة إليهم عَجْزٌ، والاعتمادُ عليهم وَهْنٌ، والثقةُ بهم خِذلان، وإذا أراد الله بعبد خيرًا جعل أُنْسَه به، وتوكُّلَه عليه، وصان سرَّه عن النَّظَر إليهم، وظاهرَه عن الاعتماد عليهم.
وقال: مَن أسكن قلبَه شيئًا من أمور الدنيا فقد قتل نفسَه بسيف الطَّمع، ومَن طَمِع في شيءٍ ذَلَّ له، وذُلُّه يُهلكُه وأنشد: [من الطويل]
أتَطْمَعُ في ليلى وتعلمُ أنَّما … تُقَطِّعُ أعناقَ الرجالِ المَطامعُ
قال السُّلمي: مات أبو الحسين قبل العشرين وثلاث مئة.
محمَّد بن الفضل بن العباس
أبو عبد الله، البَلْخيّ، الزَّاهد (١).
ولم يكن أبو عُثمان الحِيريّ يَميل إلى أحدٍ مَيلَه إليه، وكان يقول: لو وَجَدتُ من نفسي قُوَّةً لرَحَلْتُ إلى أخي محمَّد بن الفضل ليرتاح سِرِّي برؤيته، فإنه سِمْسار الرِّجال (٢).
قال: ما خَطوتُ أربعين سنةً خُطوةً لغير الله، وما نظرتُ أربعين سنةً في شيء فاستحسنتُه حياءً من الله تعالى، وما أمليتُ على مَلَكَيَّ منذ ثلاثين سنةً خَطيئةً، ولو فعلتُ ذلك لاستحيَيتُ منهما.
وقال: العَجَبُ لمَن يقطعُ الأوديةَ والمَفاوزَ ليصلَ إلى البيت والحَرَم الذي فيه آثارُ الأنبياء، كيف لا يَقطعُ نفسَه عن هواها حتى يصلَ إلى قلبه فيشاهدَ فيه آثار مولاه؟! فمات أربعة نَفَرٍ ممَّن سمعوا كلامَه.
стр. 7847
وقال: خطأ العالم أضرُّ من عَمْد الجاهل.
وقال: العلوم ثلاثة: فعلمٌ بالله، وعلمٌ من الله، وعلم مع الله، فالعلمُ بالله معرفةُ صفاته، والعلمُ من الله علمُ الظَّاهر والباطن، والعلم مع الله هو علمُ الخوف والرَّجاء، والمحبَّة، والأُنس، والشَّوق ونحوه.
وقال: البكاء نوعان: بكاءُ الزَّاهدين بعيونهم، وبكاء العارفين بقلوبهم، وأنشد: [من الكامل]
ومن البَلاء وللبلاء علامةٌ … أنْ لا يُرى لك عن هواك نُزوعُ
والعبدُ عبد النَّفْسِ في شَهَواتِها … والحُرُّ يَشبعُ تارةً ويجوعُ
وقال ابنُ خَميس: أصلُه من بلخ لكنَّه أُخرج منها بسبب المذهب، فدعا عليهم وقال: اللهم امنَعْهم الصِّدق، فلم يخرج منها بعدَه صِدِّيق، ورحل إلى سَمَرْقَند فأقام بها حتى مات هذه السنة (١).
стр. 7848
السنة العشرون وثلاث مئة
فيها عزل المقتدرُ الحسين بن القاسم من الوزارة، واستَوزر أبا الفتح بن جعفر بن الفرات، وخَلَع عليه، وسلَّم إليه الحسين في جُمادى الأولى، فاعتقَلَه في داره، وقرَّر عليه أربعين ألف دينار، فلمَّا أدَّاها سأل الفضل (١) المقتدر أن يُقلِّدَه الإشراف على الشام ومصر، فأذن له، ثم توقَّف حالُه وطُلِب منه المال، فيقال: إنه استتر.
وفيها أرسل مرداويج بن زيار الدَّيلَميّ يسأل أن يُقاطَع على الأعمال التي غَلَب عليها من المَشرق، فأُجيب إلى ذلك، وأُنفذت له الخِلَع والعهد واللواء، وكان العهد يشتمل على كُوَر أذْرَبِيجان وأَرْمينية ونَهاوَنْد وقُم وسِجِسْتان، وغير ذلك من الأعشار والصَّدقات ووجوه الجِبايات.
وفيها نَهبت الجُند العوامُّ دورَ الوزير الفضل بن جعفر وإصْطَبْلاته، وهرب الوزير إلى طيَّاره، فوقف في وَسْط الشَّطِّ، وشَغَب الجند، وأحرقوا الطيارات والحَرَّاقات، وسَوَّد الهاشميون وجوهَهم وصاحوا: الجوعَ الجوعَ، وكان القِرمطيُّ قد منع الغَلَّة، وهو حول بغداد يتردَّد من الكوفة إلى الأنبار، ونَهَب السَّواد، ومنع مؤنس الغلَّة والمِيرَه من ناحية المَوصل، ولم يحجَّ في هذه السَّنة أحد.
وفي شوال قُتِل المقتدرُ، وسنذكره إن شاء الله تعالى.
الباب التاسع عشر في خلافة محمَّد القاهر بن المُعْتَضد
وكنيته أبو منصور، وأُمُّه أمُّ ولد يقال لها: قَبول، ماتَتْ قبل خلافته، ومَولدُه في جمادى الأولى سنة سبع وثمانين ومئتين، فكان عمره يوم وَلي ثلاثًا وثلاثين سنة (٢).
ذكر بيعته:
قال ثابت: لمَّا قُتِل المقتدر انحدَر مؤنس من الرَّاشِديّة إلى الشَّمَّاسِيَّة آخرَ نهار الأربعاء لثلاث بقين من شوال، ورأى رأسَ المقتدر فبكى وقال: قتلتُموه، والله لَنُقتَلَنَّ
стр. 7849
كلُّنا، فأقلُّ ما يكون أن تُظهِروا أنَّ ذلك جرى عن غير قَصْد منكم، وأن تَنصِبوا في الخلافة ابنَه أبا العباس، فإنَّه تَرْبيتي، وإذا جلس في الخلافة سَمَحَت نفسُ جدَّته وإخوته وغلمان أبيه بإخراج ما عندهم من المال، فقال إسحاق بن إسماعيل النُّوبَخْتي لحِينه: من بعد الكَبَد (١)؛ استرَحْنا ممَّن له والدة وخالة وحُرَم وخَدَم، فنعود إلى تلك الحال، وما زال بمؤنس حتى ثَنى رأيَه عن أبي العباس، وعدَلَ إلى القاهر.
وقال: إنَّ والدةَ المقتدر لمَّا بلغها قتلُه أرادت الهَربَ، وأنَّه وكَّل بها، وأنَّ محمَّد بن المعتضد ومحمد بن المكتفي مُعتقَلان في يده في دار الخلافة، فأمر بإحضار محمَّد بن المعتضد ومحمد بن المكتفي، فقال مؤنس لمحمد بن المكتفي: تولَّى هذا الأمر، فقال لا حاجةَ لي فيه، وعمِّي محمَّد أحقُّ به.
فخاطب محمَّد بنَ المعتضد فأجاب، فاستحلفَه مؤنس لنفسه ولبليق ولعلي بن بليق وكاتب بليق يحيى بن عبد الله الطبري، فلما توثَّقوا منه بالأيمان والعهود بايعوه، وبايعه مَن حضر من القضاة والقوَّاد، ولُقِّب القاهر بالله، وكان ذلك سحر ليلة الخميس لليلتين بقيتا من شوال.
وقال الصولي: لمَّا قُتِل المقتدر بالشمَّاسية أَحضر مؤنس محمَّد بنَ المُعْتَضد وأبا أحمد بنَ المُكْتَفي، فباتا عنده في مكان واحد، فقال محمَّد بن المعتضد لأبي أحمد: أنا فقيرٌ لا مال لي، فتولَّى أنت الأمر، فقال أبو أحمد: أنت شيخي وعمِّي، وقد وُلِّيت هذا الأمر وسمِّيتَ له، فأنت أحقُّ به منِّي من جميع الجهات.
وعزم مؤنس على مبايعة أبي أحمد لأنَّهم رأَوه أتمَّ رأيًا، وأكثرَ أدبًا، وأوفرَ عقلًا، فبات النُّوبَخْتي يمشي إلى أرباب الدولة ويقول: ابنُ المعتضد أحقُّ، فقيل له: فلم تكَرَّهت من ابن المكتفي مع ما هو عليه؟ فقال: أخاف أن يَنْتَقِض الأمر علينا بخليفةٍ كنَّا قد سمَّيناه وبايعناه -يعني القاهر- فيطولَ تَعَبُنا، ولم يَدْر أنه سعى في حَتْفه، فبايعوه،
стр. 7850
فضَمِن لهم مال البيعة بعد عشرة أيام، ونقش على سِكَّة الدنانير والدراهم: محمَّد رسول الله، القاهر بالله، المنتقم من أعداء الله [لدين الله] (١).
وكان رَبْعَةً ليس بالطويل ولا بالقصير، أسمر، معتدلَ الجسم، أَصْهبَ الشعر، أَقْنَى الأنف.
وأول ما شَرع فيه: أنَّه بحث عن المستورين من ولد المقتدر وأُمَّهات أولاده وحُرَمه وخواصِّه ووالدته فصادرهم، وعذَّبهم بأنواع العَذاب، وأحضر أمَّ المقتدر وهي مريضة، فضربها بيده ضربًا مُبَرِّحًا، فلم تُظهر من مالها سوى خمسين ألف دينار، وأحضر القضاةَ والشُّهودَ فشهدوا عليها ببيع أملاكها بعد أن كَشَفَت وجهَها ونظروا إليها، فلمَّا رأَوا ما بها من الضُّرِّ بَكَوا، وما انتفعوا بعيشهم في ذلك اليوم، وما زال يُعذِّبها حتى ماتت معلَّقةً بحَبْل البَرَّادة (٢).
وضرب أمَّ موسى القَهْرَمانة وعذَّبها، ووجد عندها أبا العباس بن المقتدر فقبض عليه، وما أبقى في الإساءة إلى عِيال المقتدر، ولم يَظفَر منهم بطائل، ونَفَرَت قلوبُ الناس عنه.
وكان المقتدر قد نفى أبا علي بن مُقْلَة إلى الأهواز، فكتب إليه القاهرُ رُقْعةً بخطِّه: يا أبا علي، أدام الله إمتاعي بك، مَحَلُّك عندي جليلٌ، ومَكانك من قلبي مَكين، وأنا حامدٌ لمذهبك، مُرتَضٍ لأفعالك، عارفٌ بنصيحتك، ولم أجد مع قصور الأحوال عن ما أُضمِره لك ما يَزيد في محلِّك وكمال سرورك غيرَ تَشريفِك بالكُنية، وأنا أسأل الله عَونًا على ما أحبُّه لك، والسلام (٣).
وأحضره، واستوزَره، وخلَع عليه، وفوَّض الأمورَ إليه.
وقال ثابت: أشار مؤنس بعلي بن عيسى ووَصَفَه، فقال بليق وابنه: الحالُ لا يَحتملُ أخلاقَه، ويُحتاجُ إلى مَن هو أسمَحُ منه وأوسعُ أخلاقًا، فأشار بابن مُقْلَة، وأن يُستَخلَف له أبو القاسم الكَلْوَذاني إلى حين يَقدم.
стр. 7851
وكتب إلى ابن مقلة بالقدوم وكان بشيراز.
وصُرِف محمَّد بن المكتفي إلى داره بحريم دار ابن طاهر، واستَحْجَب القاهر عليَّ بنَ بليق، وقلَّد مؤنسٌ الشرطةَ ببغداد غلامَه يُمنًا الأعور.
وكتب مؤنس إلى علي بن عيسى وكان بالصافية أن يَحضُر، فقدم بغداد، ودخل على القاهر فأكرمه ووعده جميلًا، ثم صرفه إلى منزله.
وكتب القاهرُ كتابًا إلى الآفاق بإشارة مؤنس: أنَّ المقتدر قتله بعضُ جنده ورجالٌ من عسكره.
وفي مُستهلِّ ذي القعدة دخل بليق وابنُه وأبو القاسم الكلوذاني على القاهر، فطالبوه بمال البيعة ورِزقِ الجند، فحدَّثهم بما فعل بوالدة المقتدر، وأنَّه ضربها مئةَ مِقْرَعة على المقاتل فما أقرَّت إلا بعَقار ثمنُه ثلاثون ألف دينار، ثم قال: وها هي بين أيديكم إن شئتم سلَّمتُها إليكم، ثم أدخلهم إلى الدار التي فيها الصناديق، وفيها ثيابُ وَشْيٍ وديباجٌ، وصياغاتٌ من ذهب يسيرة وفضةٌ، وطيبٌ وغيره ما قيمتُه مئةٌ وثلاثون ألف دينار وثلاثُ مئة ألف درهم، فتسلَّمَه أصحابُه، وتفرَّق على الجند.
قال ثابت: وتقدَّم القاهر بكَبْس الأماكن التي فيها أولادُ المقتدر مُستَترين، فكُبست، ووُجد أبو العباس وعلي وهارون والعباس وإبراهيم والفضل، فحُمِلوا إلى دار السلطان، وسُلِّموا إلى الحسن بن هارون كاتب بليق، فأحسن إليهم إحسانًا كثيرًا، وكتب لهم أماناتٍ، وكتب القاهرُ عليها خطَّه، وحُمِّلوا نحوًا من ثلاث مئة ألف دينار مُصادرةً.
وكان شَفيع المُقْتَدري قد استَتَر يوم قُتل المقتدر، وكانت بينه وبين أبي القاسم الكلوذاني مَودَّةٌ، فكتب إليه رُقعةً يسأله عَرْضَ حاله على القاهر، ففعل، فوقَّع القاهرُ عليها: يَحضُر آمنًا من مَكروه يَنالُه، ويُصادر امنًا من مَكروه يَلْحقُه، فظهر شفيع، فصادره الكَلْوَذاني على عشرين ألف دينار، فأمضاها القاهر، فقال الحسن بن هارون كاتب بليق: هذا مالٌ قليل، وليس عندنا ما نَدفع به مال البيعة إلا من شفيع وأمثاله.
стр. 7852
واستأذن القاهرَ في الدُّخول على شفيع ومُخاطبته، فأذِن له، فدخل عليه، وخاطبه ولاطَفه فلم يُذْعِن بشيء، فأغظ له وقال: يا شفيع، إن لم تعرف حقَّ مولاك، ولم تُعاونْه على أمره بما يُثَبِّتُ دولتَه وإلا صُفِعْتَ بالنِّعال، فبكى شَفيع، ولَطَم على رأسه، ولم يُفارقه الحسن حتى أخذ خَطَّه بخمسين ألف دينار مُعَجَّلةً، ودخل بالخطِّ إلى القاهر، فوَقَع منه أحسنَ مَوْقع.
ودخل شفيعٌ على مؤنس فشكا إليه، فخاطبه مؤنس بمَحْضَرٍ من الناس أغلظَ خِطاب، فقال: أنت غلامي، اشتريتُك بعد أن أعتقَني المعتضَّدَ، وضَمَمْتُك إلى المقتدر، وولَّيتُك البصرة، وجعلتُ لك الإقطاعات، وتَبِعك الرجال، وضُرِبَت على بابك الدَّبادِب في أوقات الصَّلوات، وبلَّغتُك أعلى المراتب، فكافئتَني بأن سعيتَ في دمي ودم خواصِّي الذين هم عندي أولادي، ثم لم يكن لي عندكَ من المقدار ما تُكاتبني وتَعتذرُ إليَّ، أوتنافقني وتطلب منِّي أمانًا، وأن أُوصلَك إلى أمير المؤمنين؟! وبعد هذا، فلستُ أعارضُ أمير المؤمنين في أمرك وأمانِه لك، ولكنِّي ما بعتُك من المقتدر ولا وهبتُك له، وقد حلفتُ يمينًا غليظةً على أنَّني متى تمكَّنتُ منك ناديتُ عليك، وبعتُك كما يُباع مثلُك.
ثم أمر مُناديًا فنادى عليه، فبلغ سبعين ألف دينار بحضرة مؤنس في داره، فاشتراه الكلوذاني للقاهر، وكتب العُهْدةَ بالبيع، وأشهد فيها القُضاة والعُدول، فقال مؤنس: يُعتَقلُ في دار بليق حتى يؤدِّي المال.
وأحسن إليه بليق وكان يأكل معه، وأشهد عليه القاهر بعتقه، وأدَّى بعض مال المُصادرة، وبقي عليه عشرون ألفًا فضمنها بليق والكلوذاني وبشرى.
وأُطلق شَفيع إلى داره، ثم صار إلى دار مؤنس واستعطفه، فعَطَف عليه، وأحسن إليه، وضمَّ إليه خمسين فارسًا ورجَّالةً يَخدمونه، وأطلق ضياعه وأسبابه.
وأمر القاهرُ القضاةَ والعُدول بأن يَشهدوا على والدة المقتدر بأنَّها قد حَلَّت أوقافَها، وأذِنَت في بيعها لعلي بن العباس النُّوبَختي، وقالت: هذه أماكنُ وقفتُها على مكة والثغور والفقراء والمساكين، فلا يَحِلُّ لي حَلُّها، فاستدعى القاهر القاضي عمر بن محمَّد والشهود، وأَشهَدَهم على نفسه أنَّه قد حلَّ وُقوفَها، وأذن في بيعها النوبختي.
стр. 7853
وفيها عزم مؤنس على تقليد الوزارة لعلي بن عيسى لمَّا تأخَّر قدوم ابن مُقْلة من شِيراز، وأنَّه يُكاتب ابن مُقْلَة ليرجع إلى شيراز، وبلغ زوجةَ ابن مُقْلَة، فأرسلت إلى عيسى طبيب القاهر مئة ألف درهم ليُلاطفَ الحال، فخاطب القاهرَ ومؤنسًا، فتوقَّف الأمرُ.
وقدم ابنُ مُقْلَة بغداد يومَ النَّحْر، وكتب إلى القاهر يسألُه أن يجتمع به في الليل بطالع الجَدْي، وفيه أحد السَّعْدَين، والآخر في وسط السماء، فجلس له في الوقت المُعَيَّن، واجتمعا وأكرمه، وأصبح فخلع عليه خِلْعَة الوزارة، ومضى إلى دار مؤنس فسلَّم عليه، وانصرف إلى داره بدرب جردة -وكانت لابن مقلة- وجلس للتهنئة، وراح إليه في آخر النهار علي بن عيسى فلم يَقُم له، فاستَقْبح الناس ذلك.
وفيها توفي
إبراهيم بن محمَّد
ابن علي بن بَطْحاء، أبو إسحاق، التَّميمي (١).
وَلي حِسْبَةَ بغداد من الجانبين، وكان صارمًا، مرَّ على باب قاضي القضاة أبي عمر، فرأى الخصومَ جلوسًا ببابه ينتظرونه للنظر بينهم وقد هَجَّرت الشمسُ عليهم، فوقف، وقال لحاجبه: تقول للقاضي: الخصومُ جلوسٌ بالباب قد بلغتهم الشمسُ وتأذَّوا بالانتظار، فإما خرجتَ إليهم فحكمتَ بينهم، أو عرَّفتَهم عُذْرَك لينصرفوا ويعودوا.
روى عن علي بن حَرْب الطَّائي وغيره، وروى عنه الدارقطني وغيره، وكان ثقة ﵀.
أحمد بن عُمَير (٢) بن يوسف
أبو الحسن، ابن جَوْصا، الحافظ، الدِّمشقي، مولى بني هاشم.
стр. 7854
شيخ الشام في وقته، رحل إلى البلاد، ولقي الشيوخ، وصنَّف، وتوفي بدمشق، ودُفن بالباب الصغير.
سمع الرَّبيع بن سليمان وغيره، وروى عنه أبو أحمد بن عدي وغيره.
ووَثَّقه أبو أحمد الحاكم، وقال الدارقطني: تفرَّد بأحاديث وليس بالقوي.
أحمد بن القاسم بن نَصْر، أبو بكر (١)
ولد سنة اثنتين وعشرين ومئتين، وسمع الحسن بن حَمَّاد سَجَّادة وغيره، وروى عنه ابن شاذان وغيره، وكان ثقةً، وأنشد: [من البسيط]
لا تَتْرُك الحَزْمَ في أمرٍ هَمَمْتَ به … فإن سَلِمْتَ فما في الحَزْمِ من باسِ
العَجْزُ ضُرٌّ وما بالحَزْم من ضَرَرٍ … وأحْزَمُ الحَزْم (٢) سوء الظَّنِّ بالناسِ
جعفر المُقْتَدر بن أحمد المُعْتَضد
ابن أبي أحمد المُوَفّق بن المُتَوكّل (٣).
قد ذكرنا خبرَ مؤنس ونفوره منه، واستيلائه على الموصل وديار ربيعة، ولمَّا بلغ الفُرسانَ المقيمين بالحَضْرة ذلك، وما أخذ من أموال بني حَمْدان؛ تَسلَّلوا إليه، وحملوه على العَوْد إلى بغداد بعد أن أقام بالموصل تسعة أشهر.
ولمَّا بلغ الجُندَ المُقيمين بالحَضْرة انحدارُه شَغَبوا وطلبوا المال، فأطلق لهم المقتدر أموالًا عظيمةً، وأخرج مِضرَبَه إلى باب الشَّمَّاسيَّة، وبعث أبا العلاء سعيد إلى سامُرَّاء في ألف فارس، ثم أرْدَفه بمحمد بن ياقوت في مثلها وجماعة من الحُجَريَّة، فلما قَرُب مؤنس من عُكْبَرَا انعطَفُوا راجعين إلى باب الشمَّاسية، فعسكروا به.
стр. 7855
واجتهد المقتدرُ بهارون بن غريب أن يحارب مؤنسًا [فلم يفعل، وقال: أخاف من عسكري] (١). وقيل: إنه خرج وعسكر.
ثم اجتمعوا إلى المقتدر وقالوا: إنَّ الرجال لا يقاتِلون إلا بالمال، وإن أُخرِجَ المال استأمن رجالُ مؤنس، ودفعَتْه الضرورةُ إلى الهرب والاستتار، وسألوه مئتي ألف دينار.
فتقدَّم بجمع الطَّيَّارات والشَّذا (٢) لينحدر وأولاده وحُرَمه وأُمُّه مع الحُجَريّة إلى واسط، ويَستنجدَ مَن بالبصرة والأهواز وفارس على مؤنس، فقال محمَّد بن ياقوت: اتَّق الله يا أمير المؤمنين في المسلمين وفي غِلمانك وخَدَمك، ولا تُسلِّم بغداد بغير حرب، واخرُج إلى العَسْكر ليراك الناسُ ويقاتلون بين يديك، وإذا رآك رجال مؤنس أَحْجَموا عن قتالك. فقال له المقتدر: أنت رسول إبليس.
فلمَّا أصبح ركب ومعه الجماعة، وعليه البُرْدَة وبيده القضيب، وبين يديه الأُمراء والقُوَّاد وأولاده، ومعهم المَصاحفُ المَنشورة، والقُرَّاء يقرؤون القرآن، وخلفه الفضل بن جعفر الوزير، وشَقَّ بغداد إلى الشمَّاسية والناس يَدعون له بالنَّصر.
وجاء عسكر مؤنس، ووقع الحرب، والمقتدر على تلٍّ، ومؤنس بالرَّاشدية لم يباشر الحرب، وثبت محمَّد بن ياقوت وهارون بن غريب، فجاء أبو العلاء سعيد بن حَمْدان ومحمد بن ياقوت إلى المقتدر وقالا: تقدَّم، فإذا رآك أصحاب مؤنس استأمنوا، فلم يَبْرَح، وتردَّدَت إليه رسائلُ القُوَّاد بالتقدُّم، وألَحُّوا عليه فتقدَّم، ولم يزالوا يَستدرجونَه (٣) حتى أوقعوه في وَسَط الحرب في جماعة يسيرة، وقد قدَّم الغِلْمان والحُجَريّة، وابنُ حمدان (٤) وابن ياقوت ومُفلح وغيرهم بين يديه يقاتلون، فانكشف أصحابُ المقتدر، واستُؤسر (٥) منهم جماعة.
стр. 7856
وأبلى هارون [بن غريب] ومحمد بن ياقوت بلاءً حسنًا، وبقي المقتدر في نَفَرٍ يسيرٍ.
وكان مُعظمُ عسكر مؤنس البَرْبرَ، فبينا المقتدر واقف في المعركة وقد انهزم أصحابُه رآه علي بنُ بليق، فعرفه، فترجَّل وقال: مولاي أمير المؤمنين، وقبَّل الأرضَ وقبَّل رُكْبتَه.
ووافى جماعةٌ من البَرْبر فأحاطوا بالمقتدر، فضرَبه رجلٌ منهم من خلفه ضَرْبةً سقط إلى الأرض، فقال له: ويلَك، أنا الخليفة، فقال البربري: فأنت المطلوب، [وأضجعه] وذبحه بالسيف، وشال رأسَه على خشبة، ثم سلب ثيابَه وسراويلَه، وبقي (١) مَكشوف العَورة، حتى مرَّ به بعضُ الأَكَرَةِ (٢) فسَتَرَ عَورتَه بحَشيش، ثم حفر له في الموضع، ودُفِن وعُفِّي أثَرُه، وأنفذ بليق وابنُه إلى دار السلطان مَن يحفظها.
وجاء مؤنس من الرَّاشِدية، فنزل الشمَّاسية فبات بها، ومضى هارون بن غريب ومحمد بن ياقوت وابنا رائق ومفلح الأسود إلى المدائن.
ولمَّا أُحضِرَ رأس المقتدر إلى مؤنس تمثَّل يحيى بن عبد الله الطَّبَري كاتب بليق: [من الكامل]
وإذا المَنيَّةُ أنْشَبَتْ أظْفارَها … أَلْفَيتَ كلَّ تَميمَةٍ لا تَنْفعُ
[قال ثابت بن سِنان: وكان ما فعلَه مؤنس من قَتْل المقتدر، والضرب في وجهه بالسيف، ودخوله بغداد على ذلك: سَببًا لجُرْأة الأعداء وطمعهم في الخلافة، وانخراق الهيبة، وابتداء ضَعْف الخلافة، وتفاقُم الأمور.
قلت: وقد وهم ثابت بن سنان؛ فإن الذي جرَّأ الموالي على الخلفاء بالقتل إنما هو باغر (٣) قاتل المتوكِّل، وهو الذي أطمعهم في قتل المستعين والمعتز والمهتدي والمقتدر.] (٤)
стр. 7857
وقال الصولي: لمَّا كان يوم الأربعاء لثلاثٍ بقين من شوال ركب المقتدر وعليه قَباءٌ فضِّي وعمامة سوداء، وعلى كتفَيه البُرْدَة، وبيده القَضيب، وحوله أصحابُه، والمصاحف بأيديهم منشورة، وكان وزيرُه الفضل بن جعفر قد أخذ له طالعَ الوقت، فقال له المقتدر عند رُكوبه: أيُّ وقتٍ هو؟ قال: وقت الزَّوال، فتطيَّر وهمَّ بالرُّجوع، فأشْرَفَت خيلُ مؤنس وبليق في أوائلها، ونَشِبت الحرب، وتفرَّق عن المقتدر أصحابُه، وقتله البَرْبري على ما ذكرنا. وقيل: إنَّ الذي قتله غلامٌ لبليق. [وهذا هو المشهور في قتل المقتدر.
وقد] حكى أبو القاسم السِّمْناني في قَتْله (١) [وجهًا آخر] فقال: كان المقتدر قد حَبَس محمدً القاهر، وكان له نديمٌ يلعب معه بالشِّطْرَنج، فلعب معه يومًا، فتوجَّه الغَلَبُ على القاهر، شاه مات، فرمى بالقطعة من يده وبكى، فقال له النَّديم: مالك؟! فقال: لا أنا حيٌّ ولا ميت، يا ليته قتلني وأراحني أو أطْلَقني، والله ما أخرج عليه أبدًا.
ودخلت جاريةٌ من دار القاهر تَفْتَقد أحواله (٢)، فرأتْه يبكي، فخرجت وهي باكيةٌ، فلَقيها بعضُ الجُند يقال له: البَرْبري، فسألها عن حالها فأخبرته، فقال [لها]: ارجعي إليه وقولي له: غدًا ضَحْوة تنقضي الحاجة، فرَجَعت إليه وأخبرَتْه، فعاد إلى اللعب [بالشطرنج] وقال: إن غلبتُ صاحبي زال المقطوع، فتوجَّه له الغَلب [على صاحبه].
واتَّفق خروجُ المقتدر من الغد إلى الشمَّاسية، وركب البربري معه، وأظهر على ظَهْر الفَرَس صناعاتٍ من الشجاعة واللَّعب بالسيف والرُّمْح، وعَجِب الناسُ منه، ثم حمل على المقتدر فضربه بحَرْبةٍ أخرجها من ظهره، وصاح الناس عليه، وساق [البربري] نحو دار الخلافة (٣)، ليُخرجَ القاهرَ، فصادَفَه حِمْلُ شَوك وهو من فزعِه لا يلتفتُ [يمينًا ولا شمالًا] وهناك قصَّاب، والقِنَّارة (٤) معلّقة يريد أن يعلِّقَ فيها اللَّحْمَ، فزَحَمَه
стр. 7858
الشَّوكُ إليها وهو غافل، فضربه الكُلَّابُ فعلَّقَه، وخرج الفرسُ من تحته فبقي معلَّقًا فمات، فحطَّه الناس وأحرقوه بالحِمْل الشَّوك.
[قلت: وليس هذا بصحيح]، والأصحُّ أنَّ المقتدر قُتِل في المعركة، كما قال ثابت بن سنان والصولي وغيرهم (١).
وكان سنُّه يوم قُتِل ثمانيًا وثلاثين سنةً وشهرًا وخمسةَ أيام، وخلافتُه أربعًا وعشرين سنةً واحد عشرَ شهرًا وأربعة عشر يومًا، منها (٢) خمسةُ أيامٍ خُلِع فيها من الخلافة، يومان في نَوْبة ابن المعتز، وثلاثةُ أيام في نوبة القاهر.
وقال جدِّي في "التلقيح": وكانت (٣) خلافتُه أربعًا وعشرين سنة [وأربعة عشر يومًا، وقيل:] وشهرين، وقيل: خمسًا وعشرين سنةً إلا أيامًا (٤).
وقال الصولي: عاش المقتدر في الخلافة أكثرَ مما عاش الخلفاء فيها قبله، فإنَّ المعَمَّرين من الخلفاء: معاوية (٥)، وعبد الملك، وهشام، والمنصور، والرشيد، والمأمون، والمعتمد، وزاد هو عليهم، ثم كلُّهم ماتوا على فُرُشهم وخُتِم له بالشهادة.
ومن العجائب أنَّه لم يلِ الخلافةَ (٦) مَن اسمه جعفر ويكنى أبا الفضل إلا هو والمتوكل، وكلاهما قُتِل يوم الأربعاء. ولا يُعرَفُ خليفةٌ قُتل في رمضان غيرُه.
وقال الخطيب: رثاه الراضي قبل أن يَلِيَ الخلافة فقال: [من الطويل]
بنَفسي ثَرًى ضاجَعْتَ في ساحة البِلى … لقد ضمَّ منكَ الطِّيبَ والغَيثَ والبَدْرا
ولو أنَّ عُمْري كان طَوعَ مَشيئتي … وأَسْعَدَني المِقدارُ شاطَرْتُه العُمْرا
ولو أنَّ حيًّا كان قبرًا لميِّتٍ … لصَيَّرتُ أحشائي لأَعْظُمه قَبْرا (٧)
стр. 7859
ذكر طرف من أخباره:
[قال الصولي:] كان النساء قد غَلَبْنَ على المقتدر؛ حتى كانت ثَمَلُ القَهْرَمانة تجلس للمظالم ويحضرها القضاة.
وكان جوادًا، سخيًّا، يَصرفُ في كلِّ سنةٍ في طريق مكة والحَرَمَين ثلاثَ مئة ألف دينار ونيِّفًا وخمس عشر ألف دينار، ويُجري على مَن يتولَّى الحِسْبَةَ والمَظالمَ في جميع البلاد أربعةً وثلاثين ألفَ دينار وزيادة، وعلى أصحاب البريد تسعةً وسبعين ألفًا، وكان في داره أحد عشر ألف خادم خِصيان غير الصَّقالبة والروم والسودان [وقد ذكرنا ما كان في داره لما بَعَث ملكُ الروم إليه الرسول في سنة خمسٍ وثلاث مئة.]
وكانت جواهرُ الأكاسِرةِ وغيرِهم من الملوك قد صارت إلى بني أمية، ثم إلى السَّفَّاح، ثم إلى المنصور، ثم إلى المهدي، وفيها الجبل الياقوت الذي اشتراه المهدي بثلاث مئة ألف دينار (١)، واشترى الرشيد جوهرًا بألف ألف دينار، ولم يزل الخلفاءُ يحفظون ذلك إلى أن آلت الخلافة إلى المقتدر، فأخرج الجميعَ على النساء وغيرهنَّ، وأعطى بعضَ حَظاياه الدُّرَّة اليتيمة، وزنُها ثلاثة مَثاقيل، ووهب بعضَه للخدم: صافي الحرمي وغيره، ووَجَّه منه إلى وزيره العباس بن الحسن، فردَّه وقال: هذا الجوهر عِدَّةُ الخلافة ولا ينبغي أن يُفرَّق.
وكانت زَيدان القَهْرمانة متمكِّنةً من الجوهر، فأخذت سُبْحَةً لم يُرَ مثلُها، فكان يُضرَب بها المثل فيقال: سُبحةُ زيدان، فلمَّا ورد علي بنُ عيسى على المقتدر قال له: ما فعلت سبحة جوهر قيمتُها ثلاثُ مئة ألف دينار أُخذَت (٢) من ابن الجَصَّاص؟ فقال: في الخزانة، فقال: تُطْلَب، فطُلِبَت فلم تُوجَد، فأخرجها علي من كُمِّه وقال: إذا كانت خزانة الجوهر لا تُحفَظ فما الذي يُحفَظ؟ فقال المقتدر: فمن أين لك هذه؟ قال: عُرضَت عليَّ فاشتريتُها. فاشتدَّ ذلك على المقتدر.
[ولما قتل المقتدر] كان قد بقي منه في الخزانة شيءٌ يسير، فامتدَّت إليه أيدي الخَزَنة في أيام القاهر والراضي، فلم يبق منه شيءٌ.
стр. 7860
وقال صافي الحُرَمي: مشيتُ يومًا بين يدي المعتضد وهو يُريد دورَ الحُرَم، فلمَّا بلغ باب شَغَب أُمِّ المقتدر وقف يَتَسَمَّع ويَطَّلع من خَلَلٍ في السّتر، وإذا بالمقتدر -وله إذ ذاك خمسُ سنين أو نحوها -وهو جالس وحواليه مِقدارُ عَشْر وصائف من أقرانه في السنِّ، وبين يديه طَبَقٌ فيه عُنقودُ عِنَبٍ في وقت لا يوجد فيه العِنَب، وهو يأكل عِنَبةً واحدة، ثم يُطعم الوصائف عِنَبةً عنبةً على الدَّور، حتى إذا بلغ الدَّور إليه أكل عنبةً واحدةً مثل ما أكلوا، حتى فَنِيَ العنقود، والمعتضد يَتميَّز غَيظًا، فرجع ولم يدخل الدار.
ورأيتُه مَهمومًا فقلت: يا مولاي ما سببُ ما فعلتَه وقد بان عليك؟ فقال: يا صافي، والله لولا النار والعار لقتلتُ هذا الصبيَّ، فإنَّ في قَتْله صلاحَ هذه الأمة، فقلتُ: يا مولاي، إيش عمل، أُعيذُك بالله يا مولاي، العَن إبليس، فقال ويحك، أنا أبصرُ بما أقول، أنا رجلٌ قد سِسْتُ الأمورَ، وأصلحتُ الدنيا بعد فسادٍ شديدٍ، ولا بدَّ من موتي، وأعلمُ أنَّ الناس بعدي لا يختارون غيرَ ولدي، وسيُجلسون ابني عليًّا -يعني المكتفي- وما أظنُّ عمرَه يطول للعلَّة التي به -يعني الخنازير (١) التي كانت في حَلْقِه- فيَتْلَفُ عن قُرْبٍ، ولا يرى الناس إخراجَها عن ولدي، ولا يَجدون بعده أكبرَ من جعفر -يعني المقتدر- فيُجلسونه وهو صبيٌّ، وله من الطَّبْع في السَّخاء ما قد رأيتَ من أنَّه يُطعم الوَصائف مثل ما أكل، وساوى بينه وبينهنَّ في شيءٍ عَزيزٍ، والشحُّ على مثله في طبائع الصبيان، فيحتوي عليه النساء لقرب عَهْده منهنَّ، فيَقْسِم ما جمعتُه من الأموال كما يقسم العنب، ويُبَذِّر ارتفاع الدنيا ويُخرِّبُها (٢)، ويُضَيِّع الثُّغور، وتنتشر الأمور، وتخرجُ الخوارج، وتحدثُ الأسباب التي يكون فيها زوالُ المُلْك عن بني العباس أصلًا، فقلتُ: بل يُبقيك الله حتى يَنشأ في حياتك، ويَصيرَ كَهْلًا في أيامك، ويَتأدَّبَ بآدابك، ويَتخلَّقَ بأخلاقك، ولا يكون هذا الذيَ ظَننتَ، فقال: احفظ ما أقول لك وسوف ترى.
وضرب الدهرُ ضَرَباته، ومات المعتضد، وولي المكتفي، فلم يَطُل عمرُه ومات، وولي المقتدرُ فكانت الصورةُ كما قال بعَينها، فكنتُ كلَّما وقفتُ على رأس المقتدر،
стр. 7861
ورأيتُه يدعو بالأموال والجواهر، ويُفرِّقُها في الجواري، ويمَزِّقها ويَمْحَقُها: ذكرتُ قولَ المعتضد فأبكي.
وقال صافي: كنتُ واقفًا على رأس المعتضد فقال للخادم الذي على خزانة الطِيب: كم عندك من الغالية؟ فقال: نيِّفٌ وستون حُبًّا صينيًّا ممَّا عمله عِدَّةٌ من الخلفاء (١). فقال: أيُّها أطيب؟ قال: ما عمله الواثق. قال: أحضِرْنيه، فأحضَر حُبًّا يَحمله عِدَّةٌ من الخَدَم بدَهَق (٢)، ففتحه وإذا بغاليةٍ قد ابيضَّت من التَّعْشِيب، فأعجب المعتضد، فأخذ من حول رأس الحُبِّ يَسيرًا، فلطَّخ به لحيتَه من غير أنْ يُشَعِّثَ رأسَ الحُبّ، ثم رفعه.
ومات المعتضد وولي المكتفي، فسأل الخادمَ عن الطِّيب، فأخبره بمثل ما أخبر به المعتضد، فأمر بإحضار الحُبِّ، فأخذ منه شيئًا يسيرًا، وخَتَمَه ورُفِع.
ومات المكتفي وولي المقتدر، فاستدعى الخادم، وسأله عن الطِّيب، فأخبره كما أخبر أباه وأخاه، فقال: هاتوا الحِبابَ كلَّها، فأُحضِرَت، ففرَّقها في الجَواري، ورأى ذاك ناقصًا، فسأل الخادمَ فأخبره، فأخذ يُبَخِّل الرَّجُلَين، وجعل يُفرِّقُه على الجواري، حتى بقي فيه شيءٌ يسير، وأنا أتمزَّقُ غيظًا، وأذكر كلام المعتضد، فبكيتُ وقلتُ: هذه غالية لا يوجد مثلُها، فلو فرَّقتَ من غيرها وأبقيتَها لك فاستحيى منِّي، وما مضت إلا سنينٌ من خلافته حتى فَنِيَت تلك الغَوالي، واحتاج إلى عَجْن غاليةٍ بمالٍ عظيم.
وحكى القاضي التَّنوخي: أنَّ امرأةً يقال لها: نظم كانت تَخْدُم السيدةَ أمَّ المقتدر، وكانت دايةَ أبي القاسم يوسف بن يحيى، فرفعَتْه حتى أَثْرى وصار له مالٌ عظيم، فعزم على تطهير ابنه، وعرفت السيدةُ فأرسلت إليه من الحيوانات والفواكه شيئًا عظيمًا، ومن الثياب والآنية والمال شيئًا كثيرًا، فقال لنظم: قد بقي يُعْوزُنا شيءٌ واحد؛ وهو القريةُ التي للخليفة -وكانت له قرية من فضة، فيها البيوتُ والشَّجرُ والبقر والغنم والجِمال والجَواميس والفلاحون والزرع وكل ما يكون في القرى- فقالت له: متى سمعتَ بخليفة يُعيرُ شيئًا؟ وهل يجوز أن يكونَ في دار الخليفة شيءٌ فيُخْرَج إلى الناس؟
стр. 7862
ولكن أُعرِّفُ السيدة، ثم دخلَت عليها وأظهرت الانكسار، فقالت: ما لكِ؟ فقالت: عبدُكِ يوسف يريد أن يُطَهِّر غدًا ابنَه، وهيَّأ أسبابَه وقال: كنتُ أحبُّ أن أتشَرَّف بما لم يحصل لغيري؛ ليُعلَمَ مكاني من الخليفة، قالت: وما هو؟ قالت: عاريةُ القرية ليتجمَّلَ بها وَيرُدَّها من الغد، فقالت: هذا شيءٌ عَملَه الخليفةُ لنفسه، كيف يَحسُنُ أن يُرى في دار غيره؟ وكيف يحسُن أن يقال: إن الخليفة استعار منه بعضُ خَدَمه شيئًا ثم استردَّه؟ هذا فضيحةٌ.
ثم قامت فدخلت عليه، فقام قائمًا، وعانقها، وقبَّل رأسَها، وأجلسها معه في دَسْته -وهذه كانت عادتُه معها- وقال لها: يا ستِّي -وهكذا كان يُخاطبها- ليس هذا من أوقات تفضُّلِك وزيارتك، فحدَّثَتْه ساعةً، ثم التفتَتْ إلى نظم وقالت: متى عَزَم يوسف على تطهير ابنه؟ فقالت: غدًا، فقال الخليفة: إن كان يحتاجُ إلى شيء آخر أمرتُ له به، فقالت: قد اكتفى، ولكن يسأل القرية عاريةً ليتجمَّلَ بها ثم يَردُّها. فقال: يا ستِّي هذه ظَريفة، يستعيرُ خادمٌ لنا منَّا شيئًا وتكونين أنت شفيعُه، فنُعيرُه، ثمَّ نرجع نأخذُه منه؟! هذا من عمل العوام لا الخلفاء، إذا كان محلُّه ما أوجب تَجَشُّمَك وزيارتك في غير أوقات الزِّيارة فقد وَهَبتُ له القرية.
فخرجت نظم فأخبرته فقال: أمَّا الطَّعام فعندي شيءٌ كثير (١)، وأخذ القرية، وبلغ المقتدر فقال: يُحمَل إليه قيمةُ الطعام، فكانت قيمتُه ألفًا وخمس مئة دينار، فحُمِلت إليه.
وقال الصُّولي (٢): كان المقتدرُ يُفرِّق يوم عرفة ثلاثين ألف رأسٍ من البقر، ومن الإبل عشرة آلاف، ومن الغنَم خمسين ألفًا، ويقال: إنَّه أَتْلَف من المال ثلاثين ألف ألف دينار.
стр. 7863
وكان في داره عشرةُ آلاف خادم من الصَّقالِبَة، وفي إصطَبْل الخاصة عشرةُ آلاف فرس، وخمسةُ آلاف بَغْلة، وعشرون ألف بُخْتيّ، ومن الأموال والأثاث والمتاع ما لا يُحصى، فأتلَف الجميع، وأتلَف نفسه بيده وبسوء تدبيره، [ومُعاداة مؤنس، وسماع كلام الأعداء، حتى زالت أيامُه، وجرى عليه ما جرى.
ويقال: إنَّه أتلف من المال ثمانين ألف دينار.] (١)
ذكر أولاده:
محمَّد الراضي، وإبراهيم المتَّقي، وإسحاق والد القادر، والمُطيع، وعبد الواحد، وعباس، وهارون، وعلي، وعيسى، وإسماعيل، وموسى، وأبو العباس.
ولمَّا انهزم هارون بن غريب وابن ياقوت وابنا رائق ومُفلح إلى المدائن وإن معهم عبد الواحد، ومضَوا إلى واسط، وأقاموا يَجْبُون الأموال.
ذكر حُجَّابه:
سوسن مولى المكتفي، ونَصْر وابنُه أحمد، وياقوت وابنه محمَّد، وإبراهيم ومحمد ابنا رائق (٢)، وطبيبه ثابت بن سِنان، وابن بُخْتَيشوع، وقاضيه أبو عمر.
ذكر وزرائه:
وإن مغرًى بتغيير الوزراء، استوزر العباس بن الحسن أربعة أشهر وأيامًا وقُتل، ثم استوزر أبا الحسن علي بن محمَّد بن الفرات، ثم قبض عليه في المُحَرَّم، واستوزر محمَّد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان في ذي الحِجَّة، وقبض عليه في المُحرَّم سنة إحدى وثلاث مئة، ثم استوزر علي بن عيسى بن داود بن الجَرّاح، ثم قبض عليه، ثم ولَّاه النَّظَر في الدواوين والوزارة مرارًا، ثم أُعيد علي بن الفرات، ثم عزله، واستوزر حامد بن العباس، ثم عزله ومات، ثم استوزر علي بن الفرات مِرارًا، ثم قتله وولدَه
стр. 7864
المُحَسِّن، ثم استوزر عبد الله بن محمَّد بن عُبيد الله بن خاقان، ثم استوزر أبا العباس الخَصيبي (١)، ثم الفضل بن جعفر بن الفرات.
وقال ثابت: بلغ من تبذير المقتدر أنَّه أتلف نيِّفًا وسبعين ألف [ألف] دينار (٢)، أكثر ممَّا جمعه الرشيد، وأوقفني بعضُ كتَّاب أبي الحسن بن الفرات أنَّه كان في بيت مالك الخاصَّة لمَّا ولي المقتدرُ أربعة عشر ألف [ألف] دينار، ثم ذكر ارتفاع الوزراء وما جمعه كلُّ وزير فكان مالًا عظيمًا (٣).
الحسين بن صالح
أبو علي بن خَيران، الفقيه، الشافعي (٤).
كان من أفاضل الشيوخ، وأماثل الفُقهاء، مع حُسْن المَذْهب، وقوَّة الوَرَع.
وأُريدَ على القضاء فلم يفعل، فوَكَّل علي بن عيسى الوزير ببابه وختم عليه، فبقي بِضعةَ عشر يومًا، فكُلِّم فيه فأعفاه، وقيل: بقي حتى احتاج إلى الماء، فلم يَقْدر عليه إلا من عند الجيران، وبلغ الوزيرَ فأزال التَّوكيلَ عنه، وقال في مجلسه والناسُ حضور: ما أردْنا بالشيخ أبي علي إلا خيرًا، أردنا أن نُعلِمَ الناسَ أنَّ في مملكتنا رجلًا يُعرَض عليه قضاءُ القضاة شرقًا وغربًا وهو لا يقبل.
وتوفي في ذي الحجة، وكان فاضلًا وَرِعًا زاهدًا عابدًا.
عبد الملك بن محمَّد بن عَدِيّ
أبو نُعَيم، الجُرْجاني، الأَسْتَراباذيّ (٥).
стр. 7865
أحد أئمة المسلمين، من أهل الفقه والوَرَع، والضَّبط والإتقان، سمع علي بن حَرْب وغيره، وروى عنه الدَّارقطني وغيره.
قلت: قد كرَّر المصنّف ﵀ ذكر عبد الملك الجُرْجاني في سنة ثلاثٍ وعشرين وثلاث مئة، وأثنى عليه بنحو مما ذكره هنا (١)، وزاد فقال: وُلد سنة اثنتين وأربعين ومئتين.
وقال الخطيب: كان أحدَ أئمة المسملين، ومن الحُفَّاظ لشرائع الدين، مع صدقٍ ووَرَعٍ، وضبْطٍ وإتقان، سافر الكثير، وكتب بالعراق والحجاز والشام ومصر، وقدم بغداد قديمًا وحدَّث بها، وكانت وفاتُه بأستراباذ في ذي الحجة -يعني سنة ثلاث وعشرين- وهو ابنُ ثلاثٍ وثمانين سنة.
وقال الحاكم في "تاريخه": وَرَد نَيسابور سنة ست عشرة وثلاث مئة وهو متوجِّهٌ إلى بُخارى، ثم انصرف عن بخارى، وعاد إلى نيسابور فأقام بها حتى توفّي.
وقال ابن عساكر: مات سنة اثنتين وعشرين وثلاث مئة، وقال الخطيب: مات في حدود العشرين وثلاث مئة.
وأجمعوا على فضله وفقهه وصِدْقه وزُهْده ووَرَعه.
عبد الوهَّاب بن عبد الرزَّاق
ابن عمر بن مسلم، أبو محمَّد. القرشي مولاهم.
دمشقي، وُلد ولأبيه خمسٌ وتسعون سنة، حملَته أمُّه على صَدْرها (٢) وهو زَمِنٌ، فواقعها، فحملَت بعبد الوهاب، وجاوز عبد الوهاب مئةَ سنة، حدَّث عن هشام بن عمار وطبقته، وروى عنه أبو الحُسين الرَّازي، وكان ثقةً.
محمَّد بن إبراهيم
ابن حَفْص بن شاهين، أبو الحسن، البغدادي (٣).
стр. 7866
سمع الكثير، وحدَّث عن يوسف بن موسى القَطَّان وغيره، وروى عنه الدارقطني وغيره، وكان ثقةً.
خرج من الحمَّام يوم الإثنين لخمسٍ خلون من رمضان وهو في عافية، فمات فجأة.
محمد بن يوسف
ابن يعقوب بن إسماعيل بن حَمَّاد بن زيد بن دِرْهم، أبو عمر، القاضي، الأَزْدي، مولى [آل] جرير بن حازم (١).
ولد بالبصرة لتسعٍ خلون من رجب سنة ثلاثٍ وأربعين ومئتين، وسمع الشيوخ، ولقي العلماء، وولي قضاءَ مدينة المنصور سنة أربعٍ وثمانين ومئتين، ولم يكن له نَظيرٌ في الحُكَّام عقلًا، وحِلمًا، وذكاءً، وتمكُّنًا، واستيفاءً للمعاني الكثيرة بالألفاظ اليَسيرة، مع المعرفة بأقدار الناس، والتأنِّي في الأحكام، وكان يُضرَب المَثَلُ بعقله وسَداده وحِلْمه.
ووصفه الخطيب بأوصافٍ جَليلة من الجود، والفَضْل، والحياء، والكَرَم، والإحسان إلى القاصي والدَّاني، قال: ثمَّ استُخْلف لأبيه يوسف على القضاء بالجانب الشَّرْقي من بغداد، فكان يَحكُم بين أهل مدينة المنصور رياسةً، وبين أهل الجانب الشرقي من بغداد نيابةً إلى سنة اثنتين وتسعين.
ولمَّا توفي أبو حازم القاضي عن الشَّرْقية نُقِلَ أبو عمر إليها، فكان على ذلك إلى سنة ستٍّ وتسعين، فصُرف هو ووالده عن جميع ما كان إليهما، وتوفي والدُه سنة سبع وتسعين.
وما زال أبو عمر مُلازمًا لمنزله إلى سنة إحدى وثلاث مئة، فأشار علي بن عيسى الوزير على المقتدر به، فقلَّده الجانبَ الشَّرقي من بغداد، وعِدَّة نَواحٍ من السَّواد، والشام، والحَرَمَين، واليمن وغير ذلك، ثم قلَّده قضاءَ القُضاة سنة سبع عشرة وثلاث مئة.
стр. 7867
وحمل عنه الناس علمًا كثيرًا من الحديث والفقه، وصنَّف مُسندًا كبيرًا، ولم ير الناسُ ببغداد أحسنَ من مَجلسه؛ كان يجلس للحديث وعن يمينه أبو القاسم بن مَنيع، وهو قريبٌ من أبيه في السنِّ والسَّنَد، وعن يساره ابنُ صاعد، وأبو بكر النَّيسابوري بين يديه، وسائر الحُفَّاظ حول سريره، وما عَثَروا عليه بخطأ قطُّ، لا في روايته للحديث، ولا في أحكامه.
وتقدَّم إليه ابنُ النَّديم وابنُ المُنَجِّم في شيءٍ كان بينهما، فقال ابن المنجم: إنَّ هذا يَدِلُّ بخاصَّةٍ له عند القاضي، فقال: ما أُنكِرُها، وإنَّها لنافِعَةٌ له عندي، غير ضارَّةٍ لك، إن كان الحقُّ له كفيناه مؤونة اجتدائه (١)، وإن كان لك سلَّمناه إليك من غير استذلال له.
وحضر عنده يومًا ثوبٌ يَمانيّ قيمتُه خمسون دينارًا، وعنده جماعةٌ من أصحابه وشهودِه الذين يأنَسُ بهم، فاستحسنوه، فقال: عليَّ بالقَلانِسيّ، ففَصَّله قَلانِس على عددهم وقال: لو استَحْسَنَه واحدٌ منكم لوَهَبْتُه له، فلمَّا اشتركتم في استحسانه وَجَب قِسمتُه بينكم، وهو لا يقوم بمَلابسكم، فجعلتُه قَلانِس لكم.
قال الخطيب: توفي ببغداد في رمضان، ودُفن بداره وهو ابن ثمانٍ وسبعين سنةً.
ورؤي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: أدركَتْني دعوةُ العبد الصالح إبراهيم الحَرْبي، وكانا قد اجتمعا في مكان، فقال القاضي لغلامه: ارفع نَعْلَي إبراهيم في مِنديلك، ففعل، فلمَّا قام الحَرْبي قال القاضي لغلامه: قَدِّم نَعْلَيه، فأخرجهما من المِنديل، فقال إبراهيم للقاضي: رفع الله قَدْرَك في الدنيا والآخرة.
أسند عن محمَّد بن الوليد، ومحمد بن إسحاق الصَّاغاني، وعثمان بن هشام بن دَلْهم وغيرهم، وروى عنه الدارقطني، ويوسف بن عُمر، وأبو القاسم بن حَبابَة وآخرون.
أبو عَمرو الدِّمشقيّ
أحدُ مشايخ الصُّوفية (٢).
стр. 7868
صحب ابن الجَلَّاء، وأصحابَ ذي النُّون، وكان من كبار مشايخ القوم وعلمائهم، وله المَقامات المشهورة.
سئل: أيُّ الخلقِ أعْجَزُ؟ فقال: مَن عَجَز عن سياسة نفسه، قيل: فأيُّهم أقوى؟ قال: مَن قَوِي على مُخالفة هواه، قيل: فأيُّ الناس أعقل؟ قال: مَن ترك المُكوَّنات وأقبل على مُكوِّنها.
وقال له رجل: إنِّي أُريدُ السَّفَر؟ فقال: لا تَصْحَب سوى الله تعالى؛ فإنَّه يَكفيك المُهِمَّات، ويَشكُرُك على الحَسَنات، ويَستُر عليك السَّيئات، ولا يُفارقُكَ خُطْوةً من الخُطُوات.
وقال: كما افترض الله تعالى على [الأنبياء إظهارَ المعجزات ليؤمنوا بها، كذلك فرض على] الأولياء إخفاءَ الكرامات لئلَّا يَفتَتِنُوا بها.
وقيل: إنَّه توفي في سنة أربعٍ وعشرين وثلاث مئة (١).
* * *
стр. 7869
السنة الحادية والعشرون وثلاث مئة
فيها شَغَب الجُند على القاهر، وهَجَموا عليه دارَ الخلافة، فنزل في طَيَّارٍ إلى دار مؤنس، وشكا إليه، فأرسل إليهم وقال: اصبروا عشرة أيام، فصبروا.
وفيها استوحش مؤنس المُظَفَّر، وبليق، وعلي ابنُه، وابن مُقْلَة من القاهر، وسببه: أنَّ ابن مُقْلَة كان مُنحَرفًا عن محمَّد بن ياقوت، فنقل إلى مؤنس أنَّ ابنَ ياقوت يُدبِّر عليهم، وعيسى المُتَطَبِّب يمشي بينه وبين القاهر، فبعث مؤنس غِلمانَ بليق إلى دار الخليفة يطلبون عيسى، فقيل: هو عند القاهر، فهجموا عليه وأخذوه من حَضْرة القاهر، فنفاه مؤنس في الحال إلى الموصل، وذلك في ربيع الآخر.
واتَّفق ابنُ مُقْلَة ومؤنس وبليق وابنُه على الإيقاع بمحمد بن ياقوت، وعلم بها أحمد بن زيرك (١)، وأمره بالتَّضييق على القاهر، وتفتيش مَن يدخل ويخرج من الرجال والنساء والخدم، فبلغ من الحال أنَّه فَتَّش لَبنًا اشتُري للقاهر لئلَّا يكون فيه رُقعةٌ، وطالب ابنُ بليق القاهرَ بما كان عنده من أثاث أمِّ المقتدر، فأعطاه إياه، فبيع وجُعِل ثمنُه في بيت المال، وأُطلق [إلى] الجُند من مال البيعة (٢).
ونقل علي بن بليق والدةَ المقتدر إلى عند والدته، فأقامت مُكَرَّمةً عشرة أيام، وماتت يوم الإثنين لستٍّ خلَوْن من جُمادى الآخرة لزيادة العِلَّة عليها، ولما جرى من القاهر في حقِّها من المَكاره.
وفيها وقع الإرْجافُ بأنَّ علي بن بليق والحسنَ بن هارون كاتبَه عَزَما على سبِّ معاوية بن أبي سفيان على المنابر، فاضطرَبَت العامَّة من ذلك، وتقدَّم علي بن بليق بالقَبْض على أبي محمَّد البَرْبَهاري رئيس الحنابلة فاستَتَر، فقبض على جماعةٍ من أصحابه، ونُفوا إلى البصرة.
стр. 7870
وقال ثابت: لمَّا ضَيَّق علي بن بليق على القاهر اشتدَّ القاهرُ في الحيلة على مؤنس وأسبابه، وبلغَه فسادُ [نِيَّة طَريف السبكري وبشرى] لبليق وابنه (١)، ومنافستهما لهما على المراتب التي بلغاها، فكاتَبَهما في ذلك، وبعث إليهما بخاتمه على يد بعض ثقاته.
وعلم القاهر أنَّ أكثر اعتماد مؤنس وبليق على السَّاجِيَّة، وكان قد وَعدهم مؤنس إذا دخل بغداد أن يَجعلَهم برسْم الحُجَرية، ولم يَفِ لهم لئلَّا يصيروا غلمانًا للقاهر، فراسل القاهر السَّاجِيَّة ورَغَّبهم، [وحَرَّضَهم] على مؤنس وبليق وابنه، وضَمِن لهم أن ينقلَهم إلى رَسْم الحجرية.
وكان بين اختيار القَهْرَمانة وبين أبي جعفر محمَّد بن القاسم بن. عبيد الله معرفةً قديمة، فأشارت على القاهر بمكاتَبته، وأن يَعِدَه بوزارته ليُعاونَه على التَّدبير على مؤنس، فكانت اختيار تخرج في الليل وتجتمع بأبي جعفر، فتؤدِّي إليه الوسائلَ عن القاهر.
وبلغ ابنَ مُقْلَة أنَّ القاهر يُدبِّر عليه وعلى مؤنس وبليق وابنه، فحذَّرهم منه، واتَّفق معهم على خَلْعه وتقليد أبي أحمد بن المُكْتَفي الخلافةَ، فتحالفوا على ذلك، وقال مؤنس: قد أوحشتُم القاهرَ وأهنتُموه، فلا تَعْجَلوا عليه حتى تؤنسوه، ثم بعد ذلك تقبضون عليه.
فدبَّر ابن مُقْلَة تدبيرًا انعكس عليه، وأشاع بأنَّ القِرمطيَّ قد غَلب على الكوفة، وكتب إلى القاهر يُخبره ويقول: المَصلحةُ خروجُ علي بن بليق إلى قتاله، وأمر ابن بليق بإخراج مَضاربه إلى باب الكوفة، فأُخرِجت، ثم أرسل إلى القاهرِ يقول: ما بقي إلا أن يدخل علي بن بليق يقبِّل يد مولانا ويُودِّعه ويتوجَّه -وإذا دخل ابنُ بليق على القاهر قبَضَه- ففهم القاهر المقصود فسكت، فأردف ابنُ مقلة الورقة بأخرى، فاستراب القاهر، فراسل الحُجَرية وفرَّقهم في الدَّهاليز (٢).
وراح ابن بليق بعد العصر إلى دار القاهر في عدد يسيرٍ، فقام إليه السَّاجِيَّة وشَتموه، وعملوا على القبض عليه، فهرب إلى طَيَّاره، ثم عَبر إلى الجانب الغربي، واستتر من ليلته هو وكاتبُه الحسن بن هارون وأبو بكر [بن] قَرابة (٣).
стр. 7871
واضطرب البلد وأصبح الناس يوم الأحد مُسْتَهل شعبان في اضطراب، فبعضهم صار إلى دار الخليفة، وبعضهم إلى دار مؤنس، فجاء بليق إلى دار الخليفة ومعه القُوَّاد ليعتذر عن ابنه، فقبض عليه وعلى أحمد بن زيرك ويُمن الأعور صاحب الشرطة، وحُبِسوا، وصار الجيش كلُّه في دار الخليفة، فحينئذٍ راسل القاهر مؤنسًا وقال: قد تمَّت هذه الحادثة، وأنت عندي مثل الوالد، وما أحبُّ أن أعملَ شيئًا إلا بمَشُورتك، وأحبُّ أن تأتيني، فاعتذر لثقل الحركة، فقال له طريف السبكري: ما هو مَصلحة تتأخَّر، فانحدر، ولمَّا صار في دار الخليفة قُبض عليه.
واستتر ابن مُقْلَة، فكانت مُدَّة وزارته للقاهر تسعةَ أشهرٍ وثلاثةَ أيام.
واستوزر القاهر أبا جعفر محمَّد بن القاسم بن عُبيد الله يوم الأحد مُسْتَهل شعبان، وخلع عليه، واستقدم القاهر عيسى المُتَطبِّب من المَوصل (١).
وطُرِحَت النار في دار ابن مُقْلَة فاحترقت، وهذه المرة الثانية من حريقها، ويقال: إنَّ الشِّعر الذي ذكرناه (٢) في حريقها إنَّما قيل في هذه المرَّة، وموضعها يقال له: [باب] البستان.
وهرب محمَّد بن ياقوت إلى أبيه بفارس، فكتب إليه القاهر يؤنسه ويقول: ما أردتُ بك إلا الخير، وقلَّده أصبهان.
وقلَّد القاهر حجابته بعد علي بن بليق سَلامةَ الطُّولوني، وطلب أبا أحمد بن المُكتفي، فوجدَه مستترًا في دار عبد الله بن الفتح، فقبض عليه، وحُمل إلى دار السلطان، وأقيم المكتفي في باب وسُدَّ عليه بالآجُرّ والجصّ وهو حيٌّ.
ونهب القاهر (٣) دور المُخالفين، فظفر بعلي بن بليق لعشرٍ خلون من شعبان، جاء بعضُ الفرسان إلى القاهر ودلَّه على موضعه، فبعث الرَّجَّالة في طلبه إلى الدار التي كان فيها، فكُبِسَت، وفتَّشوا عليه فلم يجدوه، واختبأ في تَنُّور فاستخرجوه، وجيء به على
стр. 7872
بَغْل بإكافٍ (١)، فحُبِس في دار الخليفة وضُرِب ضَرْبًا مُبَرِّحًا، فأقرَّ بعشرة آلاف دينار، وكان الحسين بن القاسم أخو محمَّد الوزير مُستترًا، فانحدر، فاحتال أخوه الوزيرُ وكتب له أمانًا وحلَف له، فلمَّا ظهر نفاه إلى الرَّقة.
ذكر مقتل مؤنس وأصحابه:
ولمَّا حُبس مؤنس اضطرب رجالُه وشَغبوا، وشَغَب معهم سائر الجيش الذي بالحَضْرة، وقصد دارَ الوزير محمَّد بن القاسم، وأحرقوا رَوْشَنَه (٢)، ونادَوا باسم مؤنس، وذلك في يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شعبان، فدخل القاهر إلى المَوضع الذي فيه مؤنس وبليق وابنه مُعْتَقَلين، فذُبح علي بن بليق وأبوه والقاهر قائم، ورُمي برأسهما إلى مؤنس، فلعن قاتلَهما، فأمر به القاهر فجُرَّ برجله إلى البالوعة وذُبِح كما تُذبح الشاة والقاهر يراه، ثم أُخرجَت الرؤوس إلى الناس، وطِيفَ بها في جانبَي بغداد، ورُدَّت إلى خزانة الرؤوس، ولمَّا أُخرج رأس مؤنس قُوِّر وفُرِّغ منه دِماغُه، فكان فيه ستة أرطالٍ.
وقتل القاهر يُمنًا الأعور في ذلك اليوم، ورمى أحمد بن زيرك إلى بِرْكة السِّباع، فلمَّا أكلت بعض لحمه أمر أن يُخرَج منها وهو حيّ، وقُطعت يداه ورجلاه، ثم ذُبح.
وأطلق للجند أرزاقَهم فسكتوا، واستقامت الأمور للقاهر، وعظُمَت هيبتُه، وتَلَقَّب بالقاهر المنتقم من أعداء دين الله، وضرب ذلك على الدَّراهم والدنانير وآلات الحرب، وأمر ألا يركبَ أحدٌ في طَيَّار سوى الوزير، والحاجب، والقاضي، وعيسى المُتَطبِّب.
قال الصوفي: حدثني الرَّاضي بالله وهو خليفة قال: كنتُ مُعْتَقَلًا عند المَقهور -يعني القاهر- فبعث إليَّ برأس مؤنس وبليق وابنه علي كالمُتَهدِّد لي، وكان قد أخذ أبا أحمد بن المُكتفي، فأقدمه في باب وسدَّ عليه، وأراد أن يُعلمني أنِّي عنده مثلُهم، فقلتُ
стр. 7873
ليس إلا مُغالطتُه، فدعوتُ له وقلتُ: أنا المَسعود بمقتل مؤنس؛ لأنَّه قتل أبي، وقطع عني كلَّ سَبب كان بيني وبينه، فسكت عني، وما كنتُ أنام الليل خوفًا منه لا يَسُدُّ عليَّ كما سَدَّ على ابن المكتفي، فرأيتُ في المنام قائلًا يقول: ستنجو، فطاب قلبي.
وفيها خلع القاهر على أحمد بن كَيْغَلَغ وقلَّده أعمال مصر.
وفيها استحضر القاهرُ إلى داره أعيانَ أهل بغداد على يد سَلامة الحاجب والوزير أبي جعفر، مثل: سليمان بن الحسن، والفضل بن جعفر، وأبي القاسم الكَلْوَذاني، وأبي العباس الخَصيبي، وأبي يوسف عبد الرحمن بن محمَّد، والقاضي أبي الحسين عمر بن محمَّد، والحسن بن عبد الله بن أبي الشَّوارب القاضي، وأبي طالب بن البهلول القاضي، والعدول من الجانبين، فاستُحلِفوا بالأيمان المُغَلَّظة على أنَّه ليس عند واحدٍ منهم محمَّد بن علي بن مُقْلَة، ولا أحدٌ من أسبابه وكتَّابه وإخوته وأولاده، ولا الحسن بن هارون، ولا أحمد بن قرابة (١)، ولا مال عندهم ولا وديعة، ومتى ظهر عند أحدهم شيءٌ من ذلك فقد حلَّ لأمير المؤمنين مالُه ودمُه، واستحقَّ من العقوبات أغلظَها، وكتب القاضي أبو الحسين عمر بن محمَّد النسخةَ وأخذ خطوطَهم فيها، ثم حلفوا وأطلقوا، واستحلفهم ثانيًا وأكَّد الأيمان.
وفيها أمر القاهر بتحريم القِيان والخمر وسائر الأنبِذة، وقبض على المغنِّين، ونفى المَخانيث، وكسر آلات اللَّهو، وقبض على جماعةٍ من الجَواري المملوكات المغنِّيات، وتقدَّم ببيعهن على أنهن سَواذِج (٢)، ومنع أصحابَ قُدور النَّاطِف (٣) أن يُعيروا قدورَهم لمَن يَطبخ فيها التمرَ والزَّبيب للأنبذة، وكان مع ذلك يشرب المَطبوخ والسُّلاف، ولا يكاد يَصحو من السُّكر، ويختار من الجواري القِيان المُغَنِّيات ما يريد، ويَسمع غناءهنَّ.
стр. 7874
وفيها حبس القاهر أبا عبد الله محمَّد بن عَبْدوس الجَهْشَياري صاحب كتاب "الوزراء"، اتَّهمه بابن مُقْلَة، ثم أطلقه.
وفيها عزل القاهر أبا جعفر بن القاسم من الوزارة، واستوزر أبا العباس الخَصيبي، وسببه أنَّ عيسى المُتَطبِّب كان مُنحرفًا عن أبي جعفر لأنَّه كان غائبًا بالموصل لمَّا وَلي، فلم يكن له مَدخلٌ في وزارته، فطعن علي هذا الرأي، وقَلَّت النَّفقات والغَلَّة، فأشار عيسى على القاهر بتقليد الخصيبي، وأنَّه يستخرج الأموال من اليَزيديِّين ومن القاسم، فاستوزره، فكانت مدة وزارة محمَّد بن القاسم للقاهر ثلاثة أشهر واثني عشر يومًا (١).
وحجَّ بالناس مؤنس الوَرْقاني، ولم يتعرَّض لهم القِرمطي، وقيل: لم يحجَّ أحدٌ خوفًا منه.
[فصل:] وفيها توفي
أحمد بن محمَّد
ابن سَلامة (٢) بن عبد الملك، أبو جعفر، الطَّحاوي، الأزْدي [المصري.
وقد ذكره جدي في "المنتظم" فقال:، ولد سنة تسعٍ وثلاثين ومئتين، وكان ثبتًا فَهْمًا فقيهًا عاقلًا من طَحا]، وطحا مدينة من ديار مصر] (٣).
انتهت إليه رئاسةُ أصحاب أبي حنيفة بمصر، وكان يتفقَّه على مذهب الشافعي، فقرأ على إبراهيم المُزَني يومًا، فقال له المُزَني: والله لا جاء منك شيء، فغضب الطَّحاوي وانتقل إلى حلقة ابن أبي عِمران، وقرأ عليه، وصنَّف "مختصره" على ترتيب كتاب المزني، فمات المزني قبل أن يتم الكتاب، فلمَّا تمَّ قال الطحاوي: يرحمُ الله أبا إبراهيم، لو كان حيًّا لكفَّر عن يمينه.
стр. 7875
وقال الطَّحاوي: أولُ مَن كتبتُ عنه الحديث المزني، وأخذتُ يقول الشافعي، فقدم علينا مصر أحمدُ بن أبي عمران قاضيًا عليها، فصحبتُه، وكان يَتَفقَّه على مذهب الكوفيين، فأخذتُ بقوله وتركتُ قولَ الأول، فرأيتُ المزني في المنام، فقال في: يا أبا جعفر، عَصَيتَ عصيت، ويكرِّرُها.
وقال أبو سليمان بن زَبْر (١): كان الطحاوي إمامًا عالمًا فاضلًا، وخصوصًا في علم الحديث، والأحكام بالقرآن، والشُّروط، والعقيدة وغيرها، وكل كتاب فريدٍ في فنِّه (٢).
[قال أبو سعيد بن يونس:] توفي أبو جعفر ليلة الخميس مُستهل ذي القعدة، ولم يُخَلِّف مثلَه (٣).
سمع هارون بن سعيد الأَيلي، والربيع بن سليمان، ويونس بن عبد الأعلى وغيرهم.
وروى عنه أبو بكر بن المقرئ، وأبو الحسن الإخْمِيميّ، وأحمد بن القاسم الخَشَّاب وآخرون.
واتَّفقوا على فضله، وصدقه، وزهده، وورعه.
أحمد بن محمَّد
ابن موسى بن النَّضْر بن حَكيم، أبو بكر، البَغداديّ، ويُعرف بابن أبي حامد صاحب بيت المال (٤).
كان جَوادًا، عَزيز المروءة.
قال الدارقطني: كان بعض المُتفقِّهة يتردَّد إلى مجلس أبي حامد المرْوَرُّوذي ثم انقطع، فسأل عنه، فلمَّا حضر قال: ما سببُ انقطاعِكَ؟ قال: اشتريتُ جاريةً،
стр. 7876
وانقطعت عنِّي النَّفقةُ من بلدي، وركبني دينٌ، فاحتجتُ إلى بَيعها فبعتُها، وقد ندمتُ، وشَغلَتْ خاطري، قال: ومَن اشتراها؟ قال: ابن أبي حامد صاحب بيت المال.
فقام المَرْوَرُّوذي، فدخل عليه، فأعظم ذلك وأكرمه وقال: ما الذي عنَّاك؟ فقصَّ عليه القصَّةَ، فقال: ما علمتُ بشيءٍ.
ثُمَّ قام فدخل على امرأته، فسألها عن الجارية، فأخرجتها وقد ألبسَتْها الثيابَ الفاخرةَ والحُلي وقالت: اشتريتُها لك، فسُرَّ حيث كانت الجارية في داره لأجل قضاء حاجة أبي حامد.
ثم أخرج الجارية وقال للشاب: أهي هذه؟ قال: نعم، قال: خذ جاريتَك -وكان قد باعها بثلاثة آلاف درهم- فقال له أبو حامد: لا بُدَّ من قَبْض المال، وإنَّما جئتُ شافعًا في ردِّها لا غير، فقال: هذا رجلٌ غريبٌ وفقيهٌ، وما لاعها إلا من حاجةٍ، ومتى أُخِذ هذا المالُ منه خِيف أن يبيعَها ثانيًا ممَّن لا يردُّها عليه، والثمنُ يكون في ذمَّته، فإذا جاءه من بلده نفقةٌ جاز أن يرُدَّ ذلك، وقد وهبتُ له المال.
فقال أبو حامد: فإن رأيتَ أن تَبعثَ مَن يأخذ هذه الثيابَ والحُلي، فقال: سبحان الله، ما أسعفْنا به هذه الجاريةَ ووهبناهُ لها كيف نأخذُه منها؟ فلما أرادوا الخروج قال لها ابن أبي حامد: يا جارية، أيُّما أحبُّ إليك نحن أو مولاك؟ فقالت: أمَّا أنتم فأحسن الله عونَكم، فقد أحسنتم إليَّ وأغنيتموني، وأمَّا مولاي هذا، فلو مَلكتُ منه ما ملك منِّي ما بعتُه بالدنيا وما فيها، فاستحسن الحاضرون منها ذلك العقل مع ما هي عليه من الصِّبا.
سمع خلقًا كثيرًا منهم: عباس الدُّوري وغيره، وروى عنه الدارقطني وغيره، وكان صدوقًا ثِقة ثَبْتًا، توفي في رمضان.
[وفيها توفي]
تِكِين الخاصَّة
أبو منصور، الخَزَري (١)، مولى المُعْتَضِد.
стр. 7877
[قال الحافظ ابن عساكر:] ولاه المقتدر دمشقَ ومصرَ، وأقرَّه القاهر عليهما.
وكان جبَّارًا، وهو الذي أخرج (١) أبا الحسن الدِّينَوَري من مصر إلى القُدس.
ومات تكين [في هذه السنة] بمصر، فحُمل في تابوت إلى القدس على بغل، فعاد الدِّينوري على ذلك البغل إلى مصر، وسنذكر القصة في سنة ثلاثين وثلاث مئة إن شاء الله تعالى.
حدَّث تكين عن القاضي يوسف بن يعقوب وغيره (٢).
[فصل: وفيها توفيت]
شَغَب أمُّ المقتدر (٣)
كانت دَيِّنةً صالحةً متصدِّقةً، يرتفع لها في كلِّ عام من مَغَلِّها ألف ألف دينار فتتصدق بها، وتُخرج من عندها مثلَها.
وكانت تُعين الحاجَّ، وتبعثُ معهم بالأشربة والأطباء (٤)، ومَن يُصلح الحياضَ والبِرَك.
مرضت قبل أن يُقتل المقتدرُ، وأُخبِرت (٥) بأنَّه قُتل ولم يُدفَن، فجزعَت جزعًا شديدًا، وامتنعت من الأكل والشرب حتى كادت تَتْلَف، ثم ما زالوا بها حتى أكلت كِسْرةً بملح.
ثم دعاها القاهر فقرَّرها باللُّطف والتَّهديد، فحلفت أنَّه لا مال عندها، ولو كان عندها مالٌ لما أسلمت ولدها إلى القتل، فضربها بيده، وعلَّقها برِجل واحدةٍ في حبل البرَّادة وهي تقول له: اتَّق الله، أنا أمُّك في كتاب الله تعالى، وأنا خَلَّصْتُكَ من القتل وأحسنتُ إليك، وهو لا يَلتفتُ.
стр. 7878
ثم أُخرجَت إلى دار ابن ياقوت، فأقامت بعد ابنها سبعة أشهر وثمانية أيامٍ، ثم ماتت في جُمادى الأولى، وقيل: إنها ماتت في العذاب مُعلَّقةً برجلها [، والأول أصح، ذكره ثابت بن سنان، وقد ذكرناه]، ودُفنت في تربتها بالرُّصافة، ولم يظهر لها غير ما أقرَّت به، وهو مئةٌ وثلاثون ألف دينار.
وذكرها القاضي علي بن المحسِّن التنوخي، فحكى عن أبيه قال: عذَّبها (١) القاهر بصنوف العذاب، حتى قيل: إنَّه عَلَّقها مُنَكَّسةً، فكان يجري بولُها على [وجهها]، فقالت: لو كان معنا مالٌ ما جَرى في أمرنا من الخَلَل ما آل إلى جلوسك، حتى تُعاقبني هذه العقوبة، وأنا أمُّك، وخَلَّصْتُك من ابني من القتل في الدَّفْعَة الأولى.
ثم أحضر القضاة والشهود ليشهدوا عليها في بيع أملاكها، فتوقَّفوا، فقال: ما لكم؟ قالوا: نريد أن نُشاهدَها ونَسمع كلامها، فقال: دونكم، قالوا: سمعْنا من وراء السِّتارة بكاءً [شديدًا] ونَحيبًا، ثم رُفعَت الستارة فقلنا هي هذه؟ فقال القاهر: نعم، هذه شغب مولاةُ أبي وأمُّ أخي.
وإذا هي عَجوزٌ دَقيقةٌ سَمراءُ، عليها أثر الضُّرِّ والبَلاء، فما انتفعوا بعَيشهم في ذلك اليوم.
وقد ذكرنا [فيما تقدَّم] أنَّها امتنعت من الإشهاد وقالت: هذه أوقفتُها لله تعالى فلا أرجع فيها، وأن القاهر باع ضياعها مُكْرَهةً (٢).
عبد السَّلام بن محمَّد
ابن عبد الوهاب بن سَلَام بن خالد بن حُمْران بن أبيان، مولى عثمان ﵁، أبو هاشم بن أبي علي رئيس المُعتزلة (٣).
стр. 7879
ولد سنة تسعٍ وأربعين ومئتين، وصنَّف المقالات على مذهب المعتزلة، وتوفي في شعبان وله اثنان وسبعون سنة وثمانية أشهرٍ وأيام (١).
محمَّد بن الحسن
ابن دُرَيد بن عَتاهيه، أبو بكر، الأزديّ، النَّحْوي، اللُّغوي، البَصري، ونسبه الخطيب إلى قَحْطان (٢).
ولد بالبصرة في سِكَّة صالح سنة ثلاث وعشرين ومئتين، وكان يقول: جدِّي حَمامي (٣) أولُ مَن أسلم من أجدادي، وهو من السَّبعين راكبًا الذين خرجوا من اليمن (٤) مع عمرو بن العاص لمَّا بلغه وفاة رسول الله ﷺ حتى أوصلوه إلى المدينة، وفي ذلك يقول [قائلهم]: [من الطويل]
وَفَيْنا لعمرٍو يومَ عمر وكأنَّه … طَريدٌ نَفَتْهُ مَذْحِجٌ والسَّكاسِكُ (٥)
ونشأ ابن دُريد بعُمان، وتنقَّل في جزائر البحر، والبصرة، وفارس، وطلب الأدب، وتعلَّم النحو والعربية وبرع فيهما.
وكان أبوه من الرؤساء ذوي اليسار، وقدم بغداد بعد ما أسنَّ فأقام بها باقي عمره.
وصَنَّف الكتُب الحِسان: "الجمهرة" و"المقصورة" و"المجتبى" و"الممدود والمقصور" وغير ذلك، وقال الشِّعرَ، وصنَّف في الأنساب وأيام الناس.
وكان يقال: ابن دريد أعلمُ الناس والشعراء العلماء (٦).
стр. 7880
وحكى السِّيرافي عنه أنَّه قال: نزلتُ سيراف، فوجدتُ الجهلَ غالبًا عليهم، فكنتُ أجلس في الجامع ساكتًا لا يُكلِّمني أحدٌ ولا أُكلِّمه، فعملتُ هذه الأبيات، وكتبتُها في رُقعة، وألصقتُها بالأسطوانة التي كنت أقعُد عندها وهي هذه: [من البسيط]
قالوا نَراك تُطيلُ الصَّمْتَ قلت لهم … ما طولُ صمْتيَ من عِيٍّ ولا خَرَسِ
لكنه أجْمَلُ الأمرَين مَنزلةً … عندي وأحسنُ لي من مَنْطِقٍ شَكِسِ
قالوا نَراك أديبًا لستَ ذا خَطَلٍ … فقلت هاتوا أروني وجْهَ مُقْتَبِسِ
لو شئتُ قلتُ ولكن لا أرى أحدًا … يَروي الكلامَ فأُعطيه مَدى النَّفَسِ
أَأَنْثُرُ الدُّرَّ فيمن ليس يَعرفه … وأَنْشُرُ البَزَّ بين العُمْي في الغَلَسِ (١)
ذكر وفاته:
توفي يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شعبان، فلمَّا خرجت جنازتُه إذا بجنازة أبي هاشم الجُبَّائي رئيس المُعْتَزلة، فقال الناس: اليوم مات علم العربية وعلم الكلام، ودُفنا جميعًا في مقابر الخَيزُران في يوم مَطير، ولم يعلم بموته أكثر الناس، وكنا جُمَيِّعَةً في الجنازة (٢)، فبينا نحن ندفنه وإذا بجنازةٍ أخرى معها جُمَيِّعة عرفتُهم بالأدب، فسألتُ عنها فقيل: هذه جنازة ابن دُرَيد، فذكرتُ حديثَ الرَّشيد لمَّا دفن محمَّد بن الحسن والكسائي بالرَّي في يوم واحدٍ، فأخبرتُ أصحابنا، فبَكَينا على العربية والكلام طويلًا، ثم افترقنا.
حدَّث ابن دريد عن عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي، وأبي حاتم، والرِّياشي وغيرهم، وروى عنه أبو سعيد السِّيرافي، وأبو عبيد الله المَرْزُباني، وأبو بكر بن شاذان وآخرون.
وقال محمَّد بن أحمد الكاتب: كان ابن دُريد يَتَشوَّق إلى بغداد، فلمَّا قدمها لم تُعجبْه قواعدُها فقال: [من الطويل]
سمعتُ بذِكْر النَّاسِ هندًا فلم أزل … أخا صَبْوَةٍ حتى نظرتُ إلى هند