← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 7876–7915 · переход к 7881.

стр. 7876

وانقطعت عنِّي النَّفقةُ من بلدي، وركبني دينٌ، فاحتجتُ إلى بَيعها فبعتُها، وقد ندمتُ، وشَغلَتْ خاطري، قال: ومَن اشتراها؟ قال: ابن أبي حامد صاحب بيت المال. فقام المَرْوَرُّوذي، فدخل عليه، فأعظم ذلك وأكرمه وقال: ما الذي عنَّاك؟ فقصَّ عليه القصَّةَ، فقال: ما علمتُ بشيءٍ. ثُمَّ قام فدخل على امرأته، فسألها عن الجارية، فأخرجتها وقد ألبسَتْها الثيابَ الفاخرةَ والحُلي وقالت: اشتريتُها لك، فسُرَّ حيث كانت الجارية في داره لأجل قضاء حاجة أبي حامد. ثم أخرج الجارية وقال للشاب: أهي هذه؟ قال: نعم، قال: خذ جاريتَك -وكان قد باعها بثلاثة آلاف درهم- فقال له أبو حامد: لا بُدَّ من قَبْض المال، وإنَّما جئتُ شافعًا في ردِّها لا غير، فقال: هذا رجلٌ غريبٌ وفقيهٌ، وما لاعها إلا من حاجةٍ، ومتى أُخِذ هذا المالُ منه خِيف أن يبيعَها ثانيًا ممَّن لا يردُّها عليه، والثمنُ يكون في ذمَّته، فإذا جاءه من بلده نفقةٌ جاز أن يرُدَّ ذلك، وقد وهبتُ له المال. فقال أبو حامد: فإن رأيتَ أن تَبعثَ مَن يأخذ هذه الثيابَ والحُلي، فقال: سبحان الله، ما أسعفْنا به هذه الجاريةَ ووهبناهُ لها كيف نأخذُه منها؟ فلما أرادوا الخروج قال لها ابن أبي حامد: يا جارية، أيُّما أحبُّ إليك نحن أو مولاك؟ فقالت: أمَّا أنتم فأحسن الله عونَكم، فقد أحسنتم إليَّ وأغنيتموني، وأمَّا مولاي هذا، فلو مَلكتُ منه ما ملك منِّي ما بعتُه بالدنيا وما فيها، فاستحسن الحاضرون منها ذلك العقل مع ما هي عليه من الصِّبا. سمع خلقًا كثيرًا منهم: عباس الدُّوري وغيره، وروى عنه الدارقطني وغيره، وكان صدوقًا ثِقة ثَبْتًا، توفي في رمضان. [وفيها توفي] تِكِين الخاصَّة أبو منصور، الخَزَري (١)، مولى المُعْتَضِد.

стр. 7877

[قال الحافظ ابن عساكر:] ولاه المقتدر دمشقَ ومصرَ، وأقرَّه القاهر عليهما. وكان جبَّارًا، وهو الذي أخرج (١) أبا الحسن الدِّينَوَري من مصر إلى القُدس. ومات تكين [في هذه السنة] بمصر، فحُمل في تابوت إلى القدس على بغل، فعاد الدِّينوري على ذلك البغل إلى مصر، وسنذكر القصة في سنة ثلاثين وثلاث مئة إن شاء الله تعالى. حدَّث تكين عن القاضي يوسف بن يعقوب وغيره (٢). [فصل: وفيها توفيت] شَغَب أمُّ المقتدر (٣) كانت دَيِّنةً صالحةً متصدِّقةً، يرتفع لها في كلِّ عام من مَغَلِّها ألف ألف دينار فتتصدق بها، وتُخرج من عندها مثلَها. وكانت تُعين الحاجَّ، وتبعثُ معهم بالأشربة والأطباء (٤)، ومَن يُصلح الحياضَ والبِرَك. مرضت قبل أن يُقتل المقتدرُ، وأُخبِرت (٥) بأنَّه قُتل ولم يُدفَن، فجزعَت جزعًا شديدًا، وامتنعت من الأكل والشرب حتى كادت تَتْلَف، ثم ما زالوا بها حتى أكلت كِسْرةً بملح. ثم دعاها القاهر فقرَّرها باللُّطف والتَّهديد، فحلفت أنَّه لا مال عندها، ولو كان عندها مالٌ لما أسلمت ولدها إلى القتل، فضربها بيده، وعلَّقها برِجل واحدةٍ في حبل البرَّادة وهي تقول له: اتَّق الله، أنا أمُّك في كتاب الله تعالى، وأنا خَلَّصْتُكَ من القتل وأحسنتُ إليك، وهو لا يَلتفتُ.

стр. 7878

ثم أُخرجَت إلى دار ابن ياقوت، فأقامت بعد ابنها سبعة أشهر وثمانية أيامٍ، ثم ماتت في جُمادى الأولى، وقيل: إنها ماتت في العذاب مُعلَّقةً برجلها [، والأول أصح، ذكره ثابت بن سنان، وقد ذكرناه]، ودُفنت في تربتها بالرُّصافة، ولم يظهر لها غير ما أقرَّت به، وهو مئةٌ وثلاثون ألف دينار. وذكرها القاضي علي بن المحسِّن التنوخي، فحكى عن أبيه قال: عذَّبها (١) القاهر بصنوف العذاب، حتى قيل: إنَّه عَلَّقها مُنَكَّسةً، فكان يجري بولُها على [وجهها]، فقالت: لو كان معنا مالٌ ما جَرى في أمرنا من الخَلَل ما آل إلى جلوسك، حتى تُعاقبني هذه العقوبة، وأنا أمُّك، وخَلَّصْتُك من ابني من القتل في الدَّفْعَة الأولى. ثم أحضر القضاة والشهود ليشهدوا عليها في بيع أملاكها، فتوقَّفوا، فقال: ما لكم؟ قالوا: نريد أن نُشاهدَها ونَسمع كلامها، فقال: دونكم، قالوا: سمعْنا من وراء السِّتارة بكاءً [شديدًا] ونَحيبًا، ثم رُفعَت الستارة فقلنا هي هذه؟ فقال القاهر: نعم، هذه شغب مولاةُ أبي وأمُّ أخي. وإذا هي عَجوزٌ دَقيقةٌ سَمراءُ، عليها أثر الضُّرِّ والبَلاء، فما انتفعوا بعَيشهم في ذلك اليوم. وقد ذكرنا [فيما تقدَّم] أنَّها امتنعت من الإشهاد وقالت: هذه أوقفتُها لله تعالى فلا أرجع فيها، وأن القاهر باع ضياعها مُكْرَهةً (٢). عبد السَّلام بن محمَّد ابن عبد الوهاب بن سَلَام بن خالد بن حُمْران بن أبيان، مولى عثمان ﵁، أبو هاشم بن أبي علي رئيس المُعتزلة (٣).

стр. 7879

ولد سنة تسعٍ وأربعين ومئتين، وصنَّف المقالات على مذهب المعتزلة، وتوفي في شعبان وله اثنان وسبعون سنة وثمانية أشهرٍ وأيام (١). محمَّد بن الحسن ابن دُرَيد بن عَتاهيه، أبو بكر، الأزديّ، النَّحْوي، اللُّغوي، البَصري، ونسبه الخطيب إلى قَحْطان (٢). ولد بالبصرة في سِكَّة صالح سنة ثلاث وعشرين ومئتين، وكان يقول: جدِّي حَمامي (٣) أولُ مَن أسلم من أجدادي، وهو من السَّبعين راكبًا الذين خرجوا من اليمن (٤) مع عمرو بن العاص لمَّا بلغه وفاة رسول الله ﷺ حتى أوصلوه إلى المدينة، وفي ذلك يقول [قائلهم]: [من الطويل] وَفَيْنا لعمرٍو يومَ عمر وكأنَّه … طَريدٌ نَفَتْهُ مَذْحِجٌ والسَّكاسِكُ (٥) ونشأ ابن دُريد بعُمان، وتنقَّل في جزائر البحر، والبصرة، وفارس، وطلب الأدب، وتعلَّم النحو والعربية وبرع فيهما. وكان أبوه من الرؤساء ذوي اليسار، وقدم بغداد بعد ما أسنَّ فأقام بها باقي عمره. وصَنَّف الكتُب الحِسان: "الجمهرة" و"المقصورة" و"المجتبى" و"الممدود والمقصور" وغير ذلك، وقال الشِّعرَ، وصنَّف في الأنساب وأيام الناس. وكان يقال: ابن دريد أعلمُ الناس والشعراء العلماء (٦).

стр. 7880

وحكى السِّيرافي عنه أنَّه قال: نزلتُ سيراف، فوجدتُ الجهلَ غالبًا عليهم، فكنتُ أجلس في الجامع ساكتًا لا يُكلِّمني أحدٌ ولا أُكلِّمه، فعملتُ هذه الأبيات، وكتبتُها في رُقعة، وألصقتُها بالأسطوانة التي كنت أقعُد عندها وهي هذه: [من البسيط] قالوا نَراك تُطيلُ الصَّمْتَ قلت لهم … ما طولُ صمْتيَ من عِيٍّ ولا خَرَسِ لكنه أجْمَلُ الأمرَين مَنزلةً … عندي وأحسنُ لي من مَنْطِقٍ شَكِسِ قالوا نَراك أديبًا لستَ ذا خَطَلٍ … فقلت هاتوا أروني وجْهَ مُقْتَبِسِ لو شئتُ قلتُ ولكن لا أرى أحدًا … يَروي الكلامَ فأُعطيه مَدى النَّفَسِ أَأَنْثُرُ الدُّرَّ فيمن ليس يَعرفه … وأَنْشُرُ البَزَّ بين العُمْي في الغَلَسِ (١) ذكر وفاته: توفي يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شعبان، فلمَّا خرجت جنازتُه إذا بجنازة أبي هاشم الجُبَّائي رئيس المُعْتَزلة، فقال الناس: اليوم مات علم العربية وعلم الكلام، ودُفنا جميعًا في مقابر الخَيزُران في يوم مَطير، ولم يعلم بموته أكثر الناس، وكنا جُمَيِّعَةً في الجنازة (٢)، فبينا نحن ندفنه وإذا بجنازةٍ أخرى معها جُمَيِّعة عرفتُهم بالأدب، فسألتُ عنها فقيل: هذه جنازة ابن دُرَيد، فذكرتُ حديثَ الرَّشيد لمَّا دفن محمَّد بن الحسن والكسائي بالرَّي في يوم واحدٍ، فأخبرتُ أصحابنا، فبَكَينا على العربية والكلام طويلًا، ثم افترقنا. حدَّث ابن دريد عن عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي، وأبي حاتم، والرِّياشي وغيرهم، وروى عنه أبو سعيد السِّيرافي، وأبو عبيد الله المَرْزُباني، وأبو بكر بن شاذان وآخرون. وقال محمَّد بن أحمد الكاتب: كان ابن دُريد يَتَشوَّق إلى بغداد، فلمَّا قدمها لم تُعجبْه قواعدُها فقال: [من الطويل] سمعتُ بذِكْر النَّاسِ هندًا فلم أزل … أخا صَبْوَةٍ حتى نظرتُ إلى هند

стр. 7881

فلمَّا أراني الله هندًا وزُرْتُها … تَمنَّيتُ أنْ أزدادَ بُعدًا على بُعدِ (١) ووُصِفَت له خُراسان فكان يتمنَّى أن يراها، فلمَّا رآها قال: [من الوافر] تَمَنَّينا خُراسانَ زمانًا … فلم نُعْطَ المُنى والصَّبرَ عنها فلمَّا أن حَلَلْناها زمانًا … رأيناها بحَذْف النِّصفِ منها (٢) وروى ابنُ دريد، عن عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي، عن عمِّه قال: كان أسيرٌ في بكر بن وائل فقال: ما في مُقامي عندكم فائدةٌ، فاندبوا لي رجلًا أُرسله إلى أهلي لعلهم يفادونني، فقالوا: لا يكون ذلك إلا بحَضْرتنا -وكانوا قد أزْمَعوا غَزْوَ قومه- فخافوا أن يُنذِرَهم، فجاؤوا بعبدٍ أسود، فقال له: أتعقِل؟ قال: نعم، فقال: ما هذا؟ وأشار إلى الليل، فقال: الليل، ثم ملأ كفَّيه من الرَّمْل وقال: كم هذا؟ قال: لا أدري وإنَّه لكثير، فقال: أيُّما أكثر، النُّجوم أو النيران؟ فقال: النجوم، أو كُلٌّ كثير، فقال: أبلغ قومي التَّحيةَ وقيل لهم: إنَّ العَرْفَجَ قد أَدْبَى، وشَكَّت النساء، ومُرْهم أنْ يُعْرُوا ناقتي الحمراء فقد أطالوا رُكوبها، وأن يَركبوا جَمَلي الأصْهَب بآية ما أكلتُ معهم حَيسًا، واسألوا الحارثَ عن خَبري. فجاء العبدُ فأدَّى إليهم الرسالة، فقالوا: قد جُنَّ الأعور (٣)؛ ما نَعرف له ناقةً حمراء ولا جَمَلًا أصهب. وسَرَّحوا العبد. فدَعَوا بالحارث، وقَصُّوا عليه القصة فقال: ويحَكم قد أنذَرَكم، أمَّا قوله: أتعقل؛ فإنَّما أراد أن يَختبرَه، وأما الليل فيقول: قد جاؤوكم مثل الليل والنُّجوم والرَّمْل والنِّيران، وأما قوله: قد أَدْبى العَرْفَجُ؛ يريد: أنَّ الرجال استَلْأموا الدُّروع (٤)، وشَكَّت النساء؛ أي: اتَّخَذوا الشِّكاء (٥) للسَّفَر، وناقتي الحمراء، أي: ارتَحِلوا عن

стр. 7882

الدَّهْناء (١)، واركبوا الصَّمَّان وهو الجَمَل الأَصْهب، وأراد بالحَيس: اختِلاط الناس؛ لأنَّه من التَّمْر والسَّمْن والأَقِط، أي: جاؤوكم بالخَلْق الكثير، فارتَحَلوا من ذلك المكان، فصَبَّحهم الجيش. قال ابن دريد: وإنَّما أخذ هذا من قول أسير بني تميم، فإنَّه كتب إلى قومه (٢): [من البسيط] حُلُّوا عن النَّاقة الحمراءِ أَرْحُلَكم … والبازِلَ الأَصْهَبَ المَعْقولَ فاصْطَنِعوا إنَّ الذِّئابَ قد اخضَرَّت بَراثِنُها … والناسُ كلُّهمُ بَكْرٌ إذا شَبِعوا يريد: أن الناس كلهم إذا أخْصَبوا عدوٌّ لكم. قال المصنف رحمةُ الله عليه: وقد رُوي عن الأصمعي من غير طريق ابن دريد: أنَّ الأسير هو صاحبُ هذا الشعر وكان من بني تَميم، وأنَّه أنفذ هذه الرسالة إلى قومه مع عبدٍ بغير مَحْضَرٍ من الذين أسروه، وهو الأصحُّ؛ لأنَّ هذا الكلام لا يَخفى أنَّ فيه تحذيرًا لقومه، فكيف معروفه يمليه؟! (٣) وقد تكلَّموا في ابن دريد من حيث الديانة لا من حيث الرواية، قال ابن شاهين: كنَّا إذا دخلنا على ابن دريد نَستحي ممَّا نرى من العيدان المُعَلَّقة والشراب المُرَوَّق، وقد جاوز تسعين سنة. وقال الأزهري: دخلتُ يومًا على ابن دريد فرأيتُه سكران، فلم أعُد إليه. وقال الخطيب: جاءه سائلٌ فقال: ادفَعوا له دَنًّا من نَبيذ، فقيل: الناس يتصدَّقون بالدَّراهم والخُبز وأنت تتصدَّق بالنَّبيذ؟ فقال: ما عندي غيره. وقيل: إنَّه كان يَشربُ المَطْبوخَ المثلَّث على رأي أهل العراق، وهو فصل مجتَهدٌ فيه (٤).

стр. 7883

محمد بن موسى أبو بكر، الواسِطيّ (١). أصلُه من فَرْغانَة، وهو من أكابر أصحاب الجُنيد والنُّوري. وكان عالمًا بأصول الدين والعلوم الظاهرة، وكلامه بمَرْو؛ لأنَّه خرج من العراق وهو شابٌّ، ومشايخه في حال الحياة. ومن كلامه: ابتُلينا بزمانٍ ليس فيه آدابُ الإسلام، ولا أخلاقُ الجاهلية، ولا أحلامُ ذوي المروءة. وسئل: ما الذي يُزعِج الخَواطرَ في وقت السَّماع؟ فقال: بروقٌ تَلْمَعُ لْم تَخْمُد، وأنوارٌ تبدو ثم تَخْفى، ما أحلاها لو أقامت، ثم أنشد: [من الرمل] خَطَرَتْ في القلب منها خَطْرَةٌ … خَطْرَةَ البَرْق ابتدى لْم اضْمَحَلّ أيُّ زَوْرٍ لك لو حقًّا سَرى … ومُلمٍّ بك لو حقًّا نَزَلْ (٢) وقال: الوقايَةُ للأشباح، والرِّعايَةُ للأرواح. وقال: الناس ثلاث طبقات؛ فالطبقة الأولى مَنَّ الله عليهم بالهِداية، فهم معصومون من النِّفاق، والثانية منَّ الله عليهم بأنوار العناية، [فهم مَعصومون من الصغائر والكبائر، والطبقة الثالثة مَنَّ الله عليهم بالكفاية، فهم معصومون من الخَواطر الفاسدة وحركات أهل الغَفْلَة (٣). وقال: إذا غَلَب الحقُّ على السَّرائر لم يَبْق فيها فَضْلَة لرجاء. وسئل عن قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] فقال: لأنَّه جاد بالكونيين، واكتفى بالمُكَوِّن.

стр. 7884

وسئل أن يدعو فقال: أخشى أن يقال لي: إن سألتَنا ما ليس لك عندنا فقد أَسَأتَ الثَّناء علينا، وإن سألتَنا ما لك عندنا فقد اتَّهَمْتَنا. وأنشد: [من الطويل] ذَرِيني تَجِئْني مِيتَتي مُطمئنَّةً … ولم أتَجَشَّم هَوْلَ تلك المَوارِدِ فإنَّ عُلَيَّات الأمور مَنُوطَةٌ … بمُسْتَودَعاتٍ في بُطون الأساودِ (١) وقال: مَن أراد مَسْلَك السَّلامة فلْيَتَباعَد عن مَوارِد الأهوال. وخرج يومًا إلى الجمعة فانْقَطَع شِسْعُ نَعْله، فعاد إلى بيته واغتسل غُسل الجمعة، ولم يكن اغتسل قبل الخروج وقال: إنَّما انقطع شِسْعُ نعلي لأنِّي ما اغتسلتُ. مُؤنِس الخادم مولى المُعْتَضد كان شُجاعًا فاتكًا، ولم يَحضُر بيعةَ المقتدر، كان المعتضد قد تَخَيَّل منه، فأبعده إلى مكة، فلمَّا بويع المقتدر أحضره وفوَّض إليه الأمور، وكان هذا أولَ ما نَقضَ المقتدرُ من قواعد أبيه، فأثمرت مخالفتُه أنَّ مؤنسًا استَدَلَّ عليه وقتله، وكان عزمُه أن يقتلَ القاهر؛ فإنَّه بعث إليه يقول: قد ظَفِرنا بخُوارِزم، والمَصْلَحة أن تَحْضُرَ لترى فيها رأيك (٢)، فاغترَّ ولم يظنَّ أنَّ القاهر يُقدِم على قتله، فجاء إلى دار الخلافة وقد ضرب له القاهر في الدَّهاليز أقوامًا، فعدلوا به إلى بعض الحُجَريّة وقتلوه، وعاش تسعين سنةً؛ منها ستون أميرًا مُطاعًا يَنفُذ أمره كما ينفذ أمر الله إلى أن قُتل.

стр. 7885

[أبو] جعفر المَجْذوم (١) كان مُعتزلًا للعالم، وهو من أقران أبي العباس بن عَطاء. قال لي (٢) أبو الحسين الدَّرَّاج: كنتُ أحجُّ فيَصْحَبُني جماعةٌ، فكنتُ أحتاجُ إلى القيام معهم والاشتغال بهم، فخرجتُ في بعض السنين إلى القادِسيَّة، فدخلتُ المسجدَ فإذا رجلٌ في المِحراب مَجْذومٌ، وعليه من النبلاء شيءٌ عظيمٌ، فسلَّم عليَّ وقال لي: يا أبا الحسين، عَزَمتَ على الحجِّ؟ قلتُ: نعم، على غَيظٍ وكراهيةٍ له، فقال: فالصُّحْبة؟ فقلتُ في نفسي: هَربتُ من الأَصِحَّاء أقعُ في أيدي المُجَذَّمين! فقلتُ: لا والله، فقال: يا أبا الحسين، يَصنَعُ الله للضَّعيف حتى يَعجَبَ القويُّ، فقلت: نعم، على الإنكار عليه. وخرجتُ أمشي، فأتيتُ المُغِيثَة بعد يوم وليلة، وإذا به قد سبقني فقال: يصنع الله للضعيف حتى يعجب القوي. ثم سِرْنا، وإذا به سَبَقَنا إلى النَّاطِف (٣)، فأتيتُه في بعض المنازل، فاعتذرتُ إليه وقلتُ: الصُّحبة، فقال: ما نُحْنِثُكَ في يمينك. وقدمتُ مكة، فاجتمعتُ بأبي بكر الكتَّاني وأبي الحسن المزيِّن وجماعة، فذكرتُ لهم حديثَه فقالوا: يا أحمق، ذاك أبو جعفر المجذوم، ونحن نسألُ الله أن نراه، فإن رأيتَه فتعلَّق به لعلَّنا نراه، قلتُ: نعم. وخرجنا إلى عرفات فلم أره، فبينا أنا أرمي الجِمار جَذَبني إنسان من ورائي وقال: السَّلام عليك يا أبا الحسين، فالتفتُّ فإذا به، فلَحِقَني من رؤيته شيءٌ عظيم، وغُشِيَ

стр. 7886

عليَّ، وذهب عنِّي، وأتيتُ مسجد الخَيف، فأخبرتُ أصحابنا، فلمَّا كان يوم الوداع صلَّيتُ خلف المقام ركعتين، وإذا بإنسان قد جَذَبني، فالتفتُّ فإذا به فقال: يا أبا الحسين، عزمتَ على أن تصيح؟ قلت: لا، أسألك أن تدعو لي، قال: فأسأل ما شئت، فسألتُ الله ثلاث دعواتٍ، فأمَّن على دُعائي، وغاب عنِّي فلم أره. فقيل له: ما كانت الأدعية؟ قال: قلت: يا ربّ، حَبِّب إليَّ الفقرَ فليس شيءٌ أحبَّ إليَّ منه، وقلت: اللهم لا تجعلْني أبيتُ ليلةً ولي شيءٌ أَدَّخِرُه، وها أنا منذ كذا وكذا ما لي شيءٌ أَدَّخِره، وقلت: اللهم إذا أَذِنتَ لأوليائك أن ينظروا إليك فاجعلني منهم، وأنا أرجو ذلك.

стр. 7887

السنة الثانية والعشرون وثلاث مئة فيها ظَهرَت الدَّيلَم؛ وذلك لأنَّ أصحاب مرداويج دخلوا أصبهان، وكان علي بن بُوَيْه من جُملة قُوَّاد مَرداويج، فاقتطع مالًا جليلًا، وانفرد عن مرداويج، والتقى ابن ياقوت فهزمه، واستولى على فارس وأعمالها. وكان بُوَيه فقيرًا جدًّا لا يُؤبَه له، فرأى في المنام كأنَّه بال فخرج من ذَكَره عمود من نار، ثم تَشعَّب يَمْنةً وَشرة وأمامًا وخَلْفًا، حتى ملأ الدنيا وألهب، فقصَّ رؤياه على مُعَبِّر فقال: ما أُعَبِّرها إلا بألف درهم، فقال: والله ما رأيتُها قطُّ ولا عشرها، وإنَّما أنا صَيَّاد أصيد السمك، ثم مضى وصاد سمكةً فأعطاه إيَّاها ووَعَده بخير، فقال له المُعَبِّر: ألك أولاد؟ قال: نعم. قال: أبْشِر فإنَّهم يَملكون الدنيا، ويَبلُغ سُلطانهم فيها على قَدْر ما احتوت النار التي رأيتَها، فقال له: ويحَك أنا ومُلْك الدنيا من أين؟! لقد أخذتَ السَّمكةَ حَرامًا، وكان معه أولادُه الثلاثة: علي والحسن وأحمد، فعليٌّ أول ما بقل عارِضُه (١)، والحسن دونه، وأحمد دونه. ثم مضت السَّنوات، ونَسي بويه المنام، وخرج بولده إلى خُراسان، وكان أحمد يحتطبُ على رأسه، وصار عليٌّ من قُوَّاد مرداويج بن زيار، فأرسله إلى الكَرَج يَستخرج له مالًا، فاستخرج خمسَ مئة ألف درهم، ثم استوحش من مرداويج فأخذ المال وأتى هَمَذان، فغَلَّق أهلُها الأبواب في وجهه، فقاتلهم، ففتحها عَنوةً، وقتل منهم خلقًا كثيرًا، ثم صار إلى أصْبَهان وبها المظفَّر بن ياقوت، فلم يُحاربه، وخرج منها إلى أبيه بشِيراز، ثم صار علي إلى أَرَّجان فاستخرج منها مالًا عظيمًا، ثم تنقل إلى البلاد، وانضَمَّ إليه خلقٌ كثير، وصار معه خمسُ مئة ألف دينار، فجاء إلى شيراز وبها ياقوت، فخرج إليه في بِضْعَةَ عشر ألفًا من الفُرسان والرَّجَّالة، وكان علي في ألف رجل، فهابَه علي هَيبةً شديدةً، وسأله أن يُفْرِجَ له عن الطريق لينصرفَ حيث شاء، فأبى ياقوت وطَمِع في ماله، فسار علي بين يديه إلى البَيضاء عن إصْطَخْر يومين، والتقَوا، فظهر

стр. 7888

عليه ياقوت أول يوم، وفي الثاني ظهر عليٌّ، فعاد ياقوت إلى شيراز وعلي خلفه، وخرج منها ودخلها عليٌّ. ثم إنَّه ضاق ما بيده، وأشرف [أمره] على الانحلال (١)، فنام يومًا على ظهره، وإذا بحَيَّةٍ خرجت من سَقْف البيت فدخلت مَوضِعًا آخر، فأمر بنَقْض السقف، فنُقِض، فخرجت صناديق فيها أموالٌ، ففرَّقها في أصحابه واستقام أمرُه. ثم ضاق ما بيده، فطلب خَيَّاطًا يَخيطُ له ثيابًا، وكان الخياط أطْرَشًا، فظنَّ أنَّه قد سُعي به إليه فقال: والله ما عندي شيءٌ سوى اثني عشر صندوقًا لا أدري ما فيها، فأمر بإحضارها، فوجد فيها مالًا عظيمًا، ففرَّقه في أصحابه. ثم ركب يومًا يدور حول شيراز، فنَزلت قَوائمُ فَرَسه في مكان، فحفروه فوجدوا فيه أموالًا كثيرةً. فأقام بشيراز، واستولى على البلاد، وخرجت خُراسان وفارس وكَرْمان وتلك النواحي عن حُكم الخلافة، ولقَّب المُسْتَكْفي (٢) عليًّا بعماد الدولة، وكَناه بأبي شُجاع، وكان يُكنى أبا الحسن، ولقَّب الحسنَ رُكْنَ الدولة، وأحمدَ مُعِزَّ الدولة، وملكوا الدنيا. وقيل: إنهم كانوا يُنسَبون إلى سابور ذي الأكتاف (٣). وفيها قدم مؤنس الوَرْقاني بالحاجِّ إلى بغداد سالمين من القِرمطيّ، ودخل على االقاهرة فشكره. وفي صفر قبض القاهر على خاطف خالة المقتدر، وعلى أبي العباس بن المقتدر وأمِّه، وحبسهم عند سابور، ثم تتبَّع أولاد المقتدر وأمَّهاتهم فاعتقلهم. وفيها قتل القاهرُ أبا السَّرايا نصرَ بن حَمدان وإسحاق بن إسماعيل النُّوبَخْتي، وهو الذي أشار على مؤنس بخلافة القاهر، فلمَّا كان يوم الخميس لليلةٍ خلت من ربيع الأول استحضر القاهر إسحاق وطالبه بمال، فقال: والله ما عندي مال، فأمر بضربه بين يديه.

стр. 7889

قال ثابت: وحدثني خادمٌ من خدم القاهر أنَّه أمر أن يُرمى في بئر في دار الخلافة، فأُرمي فيها على رأسه وهو حيٌّ مُقيَّد، ثم أمر بإحضار أبي السَّرايا، فألقاه على جهة رأسه في تلك البئر، وما زال أبو السَّرايا يَتضرَّع إليه ويسأله العفو، فلم يلتفت إليه، فتعلَّق بسَعَفَةٍ في نَخْلة كانت بالقرب من البئر، فأمر بضرب يده، فقُطعت، ووقع في البئر، وأمر بطَمِّها. قال الخادم: فطَرحنا فيها التُّراب إلى أن امتلأت والقاهر واقفٌ، فلمَّا كان من الغد جاء فوقف على رأس البئر، وأمر بإخراجهما، فرَفَعْنا التراب وأخرجناهما ميِّتين، فأمر بإعادتهما في البئر والطَّمِّ عليهما، ففعلنا، وكان ذنبهما أنَّهما زايدا القاهر قبل خلافته في جاريتين واشترياهما، فحقد عليهما. قال ثابت: سبحان الله، ما أعجب أمر المقادير، أراد مؤنسٌ بالخلافة أبا العباس بن المقتدر، فما زال إسحاق به يعني [حتى] عدل إلى القاهر، وهو لا يعلم أنَّه قاتلُه، وأنَّه يسعى في حتف نفسه؛ ليتمَّ الأمرُ المَقدور. ومات مؤنس الوَرْقاني الذي حجَّ بالناس. ذكر استيحاش الحُجَرية والسَّاجِيَّة من القاهر: قال ثابت: كان أبو علي بن مُقْلَة في استتاره من القاهر يُراسل السَّاجِيّةَ والحُجَريّةَ، ويُضْرِيْهم على القاهر، ويُوحِشُهم منه، وكذا الحسن بن هارون كاتب بليق، وكان الحسن يخرج بالليل في زِيِّ المُكَدِّيين ومعه زِنْبِيل (١)، وتارة في زِيِّ النساء، إلى أن جمع كلمتَهم على الفَتْك بالقاهر، وكان يقول لهم: قد بنى لكم المَطاميرَ ليَحْبسكم فيها. واحتال الحسن من جهة مُنجِّم لسيما المناخلي، وكان سيما شديدَ الثِّقة به والقَبول منه، فكان يُلقِّن المُنجِّمَ بما يقوله لسيما ويقول: خَوِّفه من القاهر، وأعطى المنجمَ دنانيرَ كثيرة، فكان المنجم يقول لسيما: إنَّه يقبض عليك في الوقت الفلاني.

стр. 7890

فلمَّا كان يوم الاثنين لأربعٍ بقين من ربيع الآخر وقع بين الغِلمان الحُجَرية والسَّاجيَّة خلاف: بلغ الساجية أنَّ القاهر يريد أن يقتل سيما المناخلي -وهو رئيس قُوَّاد [الساجية] (١) - فخرج سيما إلى داره، واجتمع إليه الساجية، وتحالفوا وتعاقدوا على الفَتْك بالقاهر، واجتمعوا إلى دار السلطان وقالوا: قد بلغَنا أنَّ القاهر قد بنى لنا مطامير ليَحتَبِسَنا فيها، فدخل سَلامَة الطُّولوني الحاجبُ فأخبر القاهر، فحلف بالله أنَّه ما فعل ذلك، وإنَّما هذه حَمَّامات رومية للحرم، وحضر الوزير الخَصيبي وعيسى المُتطَبِّب عند القاهر، فقال القاهر لسلامة: اخرُج إليهم واحلِفْ لهم على بُطلان ما بلغهم، فحلف لهم فسكتوا في ذلك اليوم، ثم غَدَوا على حالهم إلى دار القاهر، فقال الخَصيبي لعيسى: ادخل إليه وعرِّفه الخبر ليحترز، فجاء عيسى فوجده نائمًا سَكران، وكان قد شرب إلى أن طلعت الشمس، فاجتهد أن يُنبِّهه فلم ينتبه لشدَّة سُكره. وكانت الحجرية والساجية قد اجتمعوا على سيما وأنَّه رأس الجميع، فقال لهم: إن كنتم عَزمتُم على شيءٍ فقوموا الساعةَ حتى نُمضي الأمر، فقالوا: نصير إلى غدٍ فإنَّه يوم مَوكب يجلس للسَّلام فنقبضه، فقال: إن تفرَّقتُم الساعةَ اتَّصل به الخبر فأهلكنا كلَّنا، فصَوَّبوا رأيَه، ورجعوا إلى دار السُّلطان، ووكَّلوا الرجال بأبوابها، وهرب الوزير الخَصيبي في زِيِّ امرأةٍ وخرج من الدار، ودخلوا على القاهر فأفاقَ من سُكره، وهرب إلى سطح حمَّامٍ في دار الحرم فاستتر فيه. ودخلوا مَجلسَ القاهر وفيه عيسى المتطبب وزَيرك الخادم واختيار القَهْرَمانة، فسألوهم عنه فقالوا: ما نعرف له خبرًا، فوُكِّل بهم، ووقع في أيديهم خادمٌ له، فضربوه ضربًا مُبَرِّحًا، فدلَّهم عليه، فجاؤوا وإذا به على سطح الحمَّام، وبيده سيفٌ مسلول، فقالوا: انزل فامتنع، فقالوا: نحن عَبيدُك فلمَ تستوحش منَّا؟ فلم ينزل، ففَوَّق واحدٌ منهم سهمًا وقال: انزل وإلا قتلتُك، فنزل إليهم، فقبضوا عليه، وذلك ضَحوةَ نهار يوم الأربعاء لستٍّ خلون من جمادى الآخرة، وحملوه إلى الحبس الذي فيه طريف السبكري، فكسروا القفلَ وأخرجوه وكسروا قيدَه، وحبسوا القاهر مكانَه، ووكَّلوا بالباب جماعةً.

стр. 7891

واستَدلُّوا على الموضع الذي فيه أبو العباس محمد بن المقتدر، وأخرجوه هو ووالدته، وسلَّموا عليه بالخلافة، وأجلسوه على سرير الملك، وبايعه القوَّاد، وطَريف السبكري، وبدر الخَرْشَني، ولقَّبوه الراضي بالله. وأحضر علي بن عيسى، والقاضي أبا الحسين عمر بن محمد، والقاضي أبا محمد الحسن بن عبد الله بن أبي الشَّوارب، والقاضي أبا طالب بن البُهلول، وجماعة من الشُّهود، فدخلوا على القاهر، فقال له طريف السبكري: ما تقول؟ فقال القاهر للقاضي أبي الحسين: ألستَ تعرفُني؟ قال: بلى، قال: أنا محمد أبو منصور بن المُعْتَضد، لي في أعناقكم بَيعةٌ، وفي أعناق سائر أهلي والقواد، ولستُ أُبرئكم منها ولا أُحلُّكم فقوموا، فلمَّا بعُدوا عَدلَ القاضي إلى طريف وقال: وأيُّ شيءٍ كان مَجيئُنا إلى رجل هذا اعتقادُه؟ ثم دخلُوا على عليِّ بن عيسى فأخبروه، فقَطَّب ثم قال: يُخلَع ولا يفكَّر فيه، أفعالُه مَشهورة وأعمالُه مَعروفة، فقال له القاضي: فإيش كان الحاجة إلى اجتماعنا به؟ فنحن لا تقوم بنا الدُّول، وإنَّما نُراد للشهادة وللاستسقاء. قال القاضي أبو الحسين: فدخلتُ على الراضي، وأعدتُ عليه ما جرى سرًّا، وأعلمتُه أنِّي أرى إمامته فَرْضًا، وكنتُ أُفاوض مؤنسًا في ذلك، وأُقوِّي عزمَه فيه لمَّا قُتل المقتدر، وكان رأيُ مؤنس كرأيي حتى عارَضَنا القَدَر، وقد وقع الخطأ من علي بن عيسى حيث جمعنا وإياه، فقال الراضي: انصرف ودعني وإياه. وأشار (١) سيما على الراضي سَمْلَ القاهر، فستر ذلك عن علي بن عيسى، وأرسل سيما وطريفًا السبكري إلى البيت الذي فيه القاهر، فكُحِّل بمِسمارٍ مُحَمَّى، ثم ظنَّ أنَّه لم يستقص عليه فأعاد كحله ثانيًا، وذلك بعد أن حضر إلى بين يديه وبايعه. وطلب الراضي من علي بن عيسى أن يتقلَّد الوزارة فقال: ليتقلَّدها أخوك عبد الرحمن، فقال: لا، فقال سيما للراضي: عليك بابن مُقْلَة فهو كان السبب فيما علمت، فاستوزره بعد أن كتب له أمانًا وللحسن بن هارون.

стр. 7892

وقال محمود الأصفهاني: كان سبب خَلْعِ القاهر سوء سيرته، وسَفْكه الدماء، وقتله الأولياء، وغضب على علي بن مقلة، فاستتر وراسل الجند، وكذا الحسن بن هارون .... وذكر ما ذكرنا. قال: لما حاط به الغلمان الساجية والحجرية، فهرب إلى سطح حَمَّام، وأراد أن يَرميَ بنفسه إلى الطريق، فأنزلوه، وحبسوه في بيت مُظلم، ونهبوا دارَ الخلافة وبغداد، ثم أتوه وطالبوه بالخَلْع فأبى، فخلعوه في يوم السبت لثلاث خَلَون من جُمادى الأولى، وسَمَلوا عينيه حتى سالتا على خَدَّيه فعَمِي. وقال الخطيب: ارتُكِبَ منه أمر عظيم لم يُسمَع بمثله في الإسلام، وهو أولُ مَن سُمِل من الخلفاء، وإنَّما سَمَلوه خوفًا من شرِّه، وكانت خلافتُه إلى يوم سُمِل سنةً وستةَ أشهر وسبعةَ أيامٍ أو ثمانية (١). ذكر طرف من سيرته: قال الصولي: كان (٢) أهْوَجَ، سفَّاكًا للدماء، مُحبًّا للمال، قَبيحَ السِّيرة، كثيرَ التلَوُّن والاستحالة لا يثبت على رأيٍ واحدٍ، مُدمِنًا على شُرب الخمر، فإذا شربه تغيَّرت أوصافُه، وذهب عقلُه، وقتل وعذَّب بأنواع العذاب، ويبدو منه من الأقوال والأفعال ما يَقبُح ذكرُه، لولا أن مَنَّ الله على الناس بحاجبه أبي القاسم سلامة لأهلك الحَرْثَ والنَّسْلَ، وكان إذا نام وأنتبَه أنكر جميعَ ذلك، ومضى في حال سُكره بما همَّ به. [قال الصولي:] وكنا نجتنب مُجالستَه لسوء عشرته، ولمَّا بويع [بالخلافة] أنشدتُه: [من السريع] الآن أرسى المُلْكُ أوتادَه … وانتَصَف المسلم من كافر أنْ نصر الدِّين بقَهْر العِدى … ملك أبي المنصور القاهر (٣)

стр. 7893

فأعطاني يدَه فقبَّلتُها، ووَعَدني بكلِّ خير، فكان ذلك أولَ العهد به وآخرَه، ما دخلْنا عليه بعد ذلك، وكان كلُّ واحدٍ منَّا يسألُ الله تعالى أن يُنسيَه ذكرَه لما كان يبدو منه في حال سكره. [قال:] وأباد جماعةً من أعيان الدولة في مدَّةٍ يسيرة، وكان قد صَنع حَرْبةً يحملها [في يده]، فلا يَطْرَحها حتى يقتل بها إنسانًا. وقال محمد بن علي الخُراساني: أحضرني القاهرُ يومًا والحربةُ بين يديه وقال لي: قد علمتَ حالي إذا وضعتُ هذه الحربة بين يديَّ؛ لا أنتهي حتى أقتل بها إنسانًا، فقلت: الأمان، فقال: على الصِّدْق، قلتُ: نعم، فقال: أسألك عن خلفاء بني العباس في أخلاقهم وشِيَمهم من السَّفَاح إليّ، قلتُ: نعم، فقال: أسألُك عن خلفاء بني العباس، قلت: أما السَّفاح فكان مُسارِعًا إلى سَفْك الدِّماء، سفك ألفَ دمٍ، واتَبعه عُمَّالُه في ذلك، واستنُّوا بسيرته، مثل: محمد بن الأشعث بالمغرب، وصالح بن علي بمصر، وخازم بن خُزَيمة، وحُمَيد بن قَحْطَبة وغيرهم، وكان مع ذلك بَحْرًا، سَمْحًا، وَصولًا بالمال، وسَلك مَن كان في عصره سيرتَه. قال: فالمنصور؟ قلت: كان أولَ مَن أوقع الفُرْقَةَ بين وَلَد العباس وولد أبي طالب، وكانوا قبله أمرُهم واحد، وهو أولُ خليفةٍ قرَّب المُنَجِّمين وعَمِلَ بقولهم، وكان عنده نُوبَخْت المُنَجِّم، وعلي بن عيسى الأَسْطُرْلابي، وهو أولُ خليفةٍ تُرجِمَت له الكتبُ من اللغات اليونانية والأعجمية إلى العربية، ككتاب: "السند هند"، وكتاب أرسطاطاليس في المَنْطق، و"المِجِسْطي" و "إقليدس" وسائر الكتُب اليونانية، فنظر الناس فيها وتعلَّقوا بها، ولمَّا رأى ذلك محمد بن إسحاق المَدَني جمع المغازي والسير والمبتدأ، ولم تكن مجموعةً قبل ذلك، والمنصورُ أولُ مَن استعمل مواليه وقدَّمهم على العرب، [فسقطت قيادات العرب وزالت] رئاستها (١).

стр. 7894

قال: فما تقول في المَهدي؟ قلت: كان جَوادًا، سَمْحًا، عادلًا، مُنصِفًا، وكان يَحمل البِدَر معه فيفرِّقُها، ورَدَّ ما أخذ أبوه من أموال الناس غَصْبًا، وبالغ في إتلاف الزَّنادِقة، وأحرق كتبهم لما أظهروا من الاعتقادات الفاسدة، كابن دَيصان، وماني، وابن المُقَفَّع، وحَمَّاد عَجْرَد وغيرهم، وبنى المسجد الحَرام، ومسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس، وفعل وفعل. قال: فالهادي؟ قلت: كان جَبَّارًا مُتكبِّرًا، فسلك عُمَّاله طريقه على قِصَر أيامه. قال: فالرَّشيد؟ قلت: كان مواظبًا على الحجِّ والجهاد، وعَمَر القصور والبِرَك والمَصانع، وطريقَ مكة، وبنى الثُّغور والحُصون والمدن كأَذَنَة، وطَرَسُوس، والمَصِّيصَة، وعين زَرْبى، والحَدَث، ومَرْعَش وغيرها، وعمَّ الناسَ إحسانُه، وكان في أيامه البرامكة، وهو أول خليفة رمى النُّشَّاب في البُرْجاس (١)، ولعب الشِّطْرَنج من بني العباس، وكانت زوجتُه أمُّ جعفر بنت جعفر من أكمل النساء، أوقفت الأوقاف، وعَملت المَصانع والبِرَك، وعَمَرَت الحرمَين، وفعلت وفعلت. قال: فالأمين؟ قلت: كان جَوادًا سَمْحًا، إلا أنَّه انْهَمَك في لذَّاته ففسدت عليه الأمور. قال: فالمأمون؟ قلت: غلَب [عليه] الفضل بن سَهْل فاشتغل بالنجوم، فلمَّا قدم العراق من خراسان اشتغل عن ذلك، وجالس العلماء والفقهاء والأدباء، وكان أحْلَمَ الناس، جَوادًا، سَمْحًا. قال: فالمُعْتَصم؟ قلت: سَلَك طريقَه، وغَلب عليه حبُّ الفروسية، والتشبُّه بملوك الأعاجم، واشتغل بالغَزْو والفتوح. قال: فالواثق؟ قلت: سلك طريقَةَ أبيه. قال: فالمُتوكّل؟ قلت: خالف ما كان عليه المأمون والمعتصم والواثق من الاعتقادات، ونهى عن الجِدال والمُناظرات في الأهواء، وعاقب عليها، وأمر بقراءة الحديث وسماعه، ونهى عن القول بخَلْق القرآن، فحَسُنَت أيامُه، وأحبَّه الناس.

стр. 7895

ثم سأل عن باقي الخلفاء وأنا أجيبه بما فيهم، فقال لي: قد سمعتُ كلامك وكأنِّي مشاهدٌ القومَ، ثم قمتُ وقام على أَثَري والحَرْبة في يده، فاستسلمتُ للقتل، فعطف إلى دور الحُرَم. وقال المَسعودي: أخذ القاهر من مؤنس وأصحابه أموالًا كثيرةً، فلمَّا خُلع وسُمِل طُولبَ بها فأنكر، فعُذِّب بانواع العذاب فلم يُقِرَّ بشيء، فأخذه الراضي، وقرَّبه وأدناه وقال له: قد ترى مُطالبة الجُنْد بالمال، وليس عندي شيءٌ، والذي عندك ليس بنافعٍ لك، فاعترِفْ به، فقال: أمَّا إذا فعلتَ هذا فالمالُ في البُستان. وكان قد أنشأ بستانًا فيه أصناف الشجر والثمر، وحمل إليه فنون الثِّمار من البلاد، وعمل فيه البِرَك والماذِيانات (١)، وزخْرَفها، وبنى فيه قصرًا عظيمًا. وكان الراضي مُغرَمًا بالبستان والقصر لا يجلس [إلا] فيه، فقال: وفي أيِّ مكانٍ المالُ منه؟ فقال: أنا رجلٌ مَكْفوف لا أهتدي إلى مكانٍ، فاحفُر البستانَ كلَّه وأساسات القصر والماذيانات فإنَّك تجده، فحفر الراضي البستان كلَّه، وقلع الشَّجر، وأخرب القصر، ونزل في الأساس إلى الماء، فلم يجد شيئًا، فقال له: وأين المال؟ فقال: وهل عندي مالٌ؟ وإنَّما كان حَسْرتي في جلوسك في البستان وتَنَعُّمِك، وهو كان غايةَ أمَلي، فأردتُ أن أُفجِعَك فيه. فندم الراضي وأبعده عنه خوفًا منه على نفسه أن يُدنيَه منه فيتناول بعض أطرافه، ثم حبسه بدار السلطان، فأقام إلى سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مئة، ثم أُخرج إلى دار ابن طاهر. وكان تارةً يحبسه، وتارةً يُطلِقه، فوقف يومًا بجامع المنصور بين الصُّفوف وعليه مِنطَقةٌ بيضاء وقال: تصدَّقوا عليَّ، فأنا ممَّن قد عرفتم، وكان قصدُه أن يُشَنِّعَ على المستكفي، فقام إليه أبو عبد الله بن أبي موسى الهاشمي فأعطاه خمس مئة درهم، وقيل: ألف درهم، ثم مُنِعَ من الخروج، فعاش إلى سنة تسعٍ وثلاثين وثلاث مئة خامِلًا، ومات وله ثلاثٌ وخمسون سنة.

стр. 7896

وكان له من الولد: عبد الصَّمد، وأبو الفضل، وأبو القاسم، وعبد العزيز، وكانوا ولاةَ العهود. واستوزر أبا علي بن مُقْلَة ثم عزله، واستوزر أبا جعفر محمد بن القاسم بن عُبيد الله ثم عزله عنها، واستوزر أحمد بن عبيد الله الخَصيبي، وسلب وزيره محمد بن القاسم واستصفاه، وكان محمد بن القاسم جَبَّارًا ظالمًا. قال أبو الحسن بن أبي طاهر محمد بن الحسن كاتب الجيش: قبض محمد بن القاسم في أيام وزارته للقاهر عليَّ وعلى أبي، فكان يُخرجنا كلَّ يوم يُطالبنا بمال المُصادَرة، ويضربني بحضرة أبي، ولا يضرب أبي، فلَقِينا منه بلاءً وشدَّةً، فلمَّا كان بعد أيام قال لي أبي: إنَّ هؤلاء الموكَّلين بنا قد صارت لنا بهم حُرْمة، فتوصَّل إلى مُكاتَبة فلان الصَّيرفي حتى يُنفِذ لنا ثلاثة آلاف درهم نُفرِّقها فيهم ففعلت، واستدعيتُهم وقلت: قد وَجَب علينا حقُّكم، فخذوا هذه فانتفِعوا بها، فامتنعوا أشدَّ الامتناع وقالوا: نستحي أن نأخذَ منكم شيئًا، وقد بلغنا أمرٌ، قلت: وما هو؟ فامتنعوا، فقلت: لا بدَّ من ذكره، قالوا: قد عَزم الوزير الليلةَ على قتلكما، فيَقْبُح بنا أن نأخذَ منكما شيئًا. فدخلت على أبي وعرَّفتُه فقال: ارْدُد إلى الصَّيرفي الدَّراهم. وكان أبي صائمًا، فلم يُفطر تلك الليلة، واغتسل وتطهَّر ثم قال: اجلس جاثيًا على رُكبتك، وفعل هو كذلك كأنَّا نُخاصم أحدًا، ثم قال: يا ربّ، إنَّ ابن القاسم قد ظَلَمني وحَبسَني، وقد استعديتُ عليه إليك، وأنت أحكمُ الحاكمين، فاحكُم بيننا. ثم بكى واستغاث إلى رُبع الليل، وإذا بالأقفال تُفتَح، فتَيقنَّا، وإذا بسابور خادم القاهر وسيفِ نقمته قد دخل وبين يديه الشُّموع، فقال: اذهبا إلى منازلكما، فذهبنا، وقبض على محمد بن القاسم، وحَدَره إلى دار السلطان، واعتقله فمات بعد ثلاثة أيام، وقيل: إن القاهر قتله (١). وكان صاحب شرطة القاهر أحمد بن خاقان.

стр. 7897

انتهت سيرة القاهر والقاعدة تقتضي [ذكر] سيرة (١) الرجل عند وفاته، لكن لمَّا تأخَّرت وفاتُه إلى سنة تسعٍ وثلاثين [وثلاث مئة] وسُمِل فلم ينتفع بنفسه صار كأنَّه قد مات (٢). الباب العشرون في خلافة الراضي بالله (٣) وهو أبو العباس محمد بن جعفر المُقْتدر، ولد في ربيع الآخر، وقيل: في رمضان سنة سبعٍ وتسعين ومئتين، وأمُّه ظَلُوم أمُّ ولد رومية أدركت خلافتَه. وكان مَرْبوعًا، خفيفَ الجسم، أسمرَ، بويع في اليوم الذي خُلِع فيه عمُّه القاهر وهو يوم الأربعاء لستٍّ خلَون من جُمادى الأولى، وكان الراضي وأخوه مَحبوسَين في دار الخلافة في حبس القاهر، وقد عزم على قتلهما، فهجم عليهما الغِلمان الحُجَريّة والسَّاجية فأخرجوهما. وقال الصُّولي: كانت بيعةُ الرَّاضي باتِّفاق الجميع من غير مُواطأةٍ بينه وبين أحدٍ من الدولة، ولا مُراسلة؛ سوى ما كانوا يخافونه من القاهر، وكان المتولِّي للبيعة سيما المناخلي، وعاش سيما بعد البيعة مئة يوم. ولمَّا بويع الراضي بعث إليَّ لأختار لَقَبًا، فاخترتُ له المُرتَضى، فبعث إليَّ يقول: كنتَ حدَّثتَني أنَّ إبراهيم بن المهدي عَهِد إلى منصور بن المهدي ولقَّبه المرتضى، وما أحبُّ أن أُلقَّبَ بلقبٍ وَقَع على غيري ولم يَتمَّ أمرُه، وقد اخترتُ: الراضي بالله ورضيتُ به (٤). وأمَّن الراضي ابنَ مُقْلَة واستوزره، وتقدَّم إلى علي بن عيسى بمُساعدته، وأطلق جميعَ مَن كان في حبس القاهر، وولَّى أبا بكر بن رائق إمارةَ الجيش ببغداد، ثم أمر ابنُ مُقْلَة عبد الله بنَ ثوابة بأن يكتبَ كتابًا يَذكر فيه مثالبَ القاهر، ويُقرأ على الناس، فقال

стр. 7898

علي بن عيسى: هذا شيءٌ لم يُفعل قبلَ اليوم مع أحدٍ من الخُلفاء، فلم يقبل، وكتب ثلاث نُسخ قُرئت يوم الجمعة على المنابر بجامع القصر والرُّصافة ومدينة المنصور، وصُودر عيسى المتطبِّب على مئتي ألف دينار، منها عشرون ألف دينار، ومئةٌ وخمسون ألف درهم، وألف مِثقال عَنْبر اعترف بها عيسى. واستحجب الراضي من أصحاب المناطق أربعَ مئة وثمانين حاجبًا، وقدَّم على جميع القواد والأمراء محمد بن رائق. وفيها قُتل مرداويج مُقدَّم الدَّيْلَم بأصبهان، وكان قد عَظُمَ أمرُه، وتحدَّث الناس أنَّه يريد قَصْدَ بغداد، وأنَّه مُسالِمٌ لصاحب البحرين، ثم إنَّه أساء السيرةَ في أصحابه وخصوصًا الأتراك، فتواطؤوا على قتله، وكان رئيسهم قائدًا يقال له: بَجْكم، فقتلوه في حمَّام، ويقال: إنَّ ياقوت كاتبهم فيه. وفيها بعث عليُّ بن بُوَيه إلى الراضي يُقاطِعُه على البلاد التي استولى عليها فارس وغيرها، على أنَّه يَحمل إليه في كل سنة ثمان مئة ألف ألف درهم (١) خارجًا عن المُؤَن والنَّفَقات، فأجابه إلى ذلك، وبعث له لِواءً وخِلَعًا مع حَرْب بن إبراهيم (٢) المالكي الكاتب، وقال له ابن مُقْلَة: لا تُسلِّم الخِلَع واللواء إليه حتى يُسلِّم إليك المال. فلمَّا وصل إلى شِيراز تلقَّاه علي بن بُوَيه على بعدٍ، وطالبه بتسليم الخِلَع واللواء، فقال: رُسِم لي أن لا أُسلِّمَها إلا بعد تسليم المال، فتَهدَّده، وأخذ ذلك منه كَرْهًا، ولبس الخِلَع ودخل شيراز، وأقام المالكي عنده مدةً يَعِدُه ويُمنِّيه، فاعتلَّ ومات، وحُمِل في تابوت إلى بغداد. وفيها أخرج الراضي مَن كان في دار الخليفة من إخوته إلى منازلهم التي كانت لهم في أيام المقتدر، بعد أن أحضَرَ القُضاةَ والشهودَ والقوَّاد والخاصَّة والعامَّة، فرأَوهم سالمين في غاية الصِّحَّة.

стр. 7899

وفيها ظهر رجلٌ يقال له: الشَّلْمَغاني، ويُعرف بابن أبي العَزاقِر، قد شاع عنه أنَّه يَدَّعي الإلاهية، ويُحيي الموتى، وكان له أصحابٌ يوافقونه، وتعصَّب له ابنُ مُقْلَة، وأحضره عند الرَّاضي فسمع كلامه، وقيل: إنه أنكر بحضرة الراضي ما قيل عنه وقال: إن لم تنزل العقوبةُ على الذي باهَلَني بعد ثلاثة أيام، وأكثره تسعة أيام؛ وإلا فدَمي حَلالٌ، فضُرِب ثمانين سَوْطًا، ثم قُتل وصُلب، وقُتل بسببه الحسينُ بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وَهْب وزير المقتدر، وكان متَّهمًا بالشَّلْمغاني، وفي قلب الراضي منه لكونه قال في زمن المقتدر: إنَّ مؤنسًا يريد أن يُقلِّده الخلافة، فلمَّا ولي الخلافة نفاه إلى الرقَّة، ثم قتله، وحُمل رأسه إلى بغداد في ذي الحجة فجُعل في سَفَط، فلمَّا قُطعت يد ابن مُقْلَة جُعِلت في ذلك السَّفَط مع رأس ابن القاسم (١). وفيها أقام ياقوت بالأهْواز، وكتب له أبو عبد الله أحمد بن محمد بن البَرِيديّ. وفيها قُتل أبو سعيد إسرائيل بن موسى الرَّازي النَّصْراني كاتب علي بن بُوَيه، وكان قد تَمكَّن منه جدًّا، وله غلمان … ونفوذ (٢) الجيش وتحمل السلاح، ولمَّا حارب ياقوت .... والأمير لا يقبل، ونهاه عن ذِكره فقال: هذا رجلٌ صَحِبني وأنا فقيرٌ، وقد استَغنيت وتَبرَّكت به، فلا تُعاودني فيه. وكان بين أبي سعيد هذا وبين خَطْلَج حاجب علي بن بُوَيه ورئيس جيشه عَداوةٌ، فاتَّفق أن النَّصراني عمل دعوةً عظيمةً للأمير، غَرِم على الخِلَع والمأكول مالًا عظيمًا، وحضرها القواد، واجتهد على خطلج أن يَحضرها فامتنع، فرأى خطْلَج تلك الليلة في منامه كأنَّ أبا سعيد يريد قتلَه، فانتبه فَزِعًا وقال لأصحابه: رأيتُ في المنام كأن أبا سعيد قد قتلني، ولا بُدَّ من قتلَه، فمنعه خواصُّه من ذلك فلم يفعل، وركب إلى دار أبي سعيد، وحمل معه في خُفِّه كرسنيا مجرَّدًا، وقصد أبا سعيد، فقيل له: قد جاء خطلج، فقعد في المجلس وهو مُنْحَنٍ، ثم ضرب بيده إلى خُفِّه وأخرج الدسني (٣)، وأراد أن

стр. 7900

يضرب به أبا سعيد، فصاح بغلمانه فدخلوا، فضربوا خطلج بالدَّبابيس في رأسه فدوَّخوه، وحُمل إلى داره فمات بعد يومين، فبادر الخيَّاط إلى علي بن بويه فأخبره، فلما توَحَّش من أبي سعيد (١)، ولم يزل الخيَّاطُ يُغريه به حتى دخل على أبي سعيد جماعةٌ من الأتراك فقتلوه، واستكتب ابنُ بُوَيه الخيَّاطَ. وفيها قُتل هارون بن غَريب الخال، كان مُقيمًا بالدِّينَوَر، وإليه أعمال ماسَبَذَان ومِهْرِجان وحُلْوان، فلمَّا ولي الراضي كاتب قوَّاد بغداد بأنَّه أحقُّ بالحضرة ورئاسة الجيش، فأجابوه، وسار إلى بغداد في جمادى الآخرة فبقي بينه وبينها عشرة فَراسخ، فعَظُم ذلك على ابن مُقْلَة ومحمد بن ياقوت والحُجَرية والسَّاجية، وخاطبوا الراضي، فعَرَّفَهم كراهيَّتَه له، وأمرهم بمُمانعته ومحاربته إن احتيج إلى ذلك، فبعث ابن مُقْلَة إليه بأن يَرجع، فقال: قد اجتمع إليَّ رجالٌ لا يَكفيهم عَملي. فأرسل إليه الراضي والوزيرُ وابن ياقوت القَراريطيَّ بأنَّهم قد قلَّدوه أعمال طريق خُراسان، فقال للقراريطي: إنَّ رجالي لا يَقْنَعون بهذا، ومَن أحقُّ منِّي بخدمة أمير المؤمنين؟ ولي قَرابةٌ، وابنُ ياقوت غلامٌ بنُ غلام، وقد كان بالأمس يقعد بين يديَّ ويمتثل أمري، فقال له: لو كنتَ تُراعي ما بينك وبين أمير المؤمنين ما عصيتَه (٢)، فأغْلَظ له، وقام من عنده وأدَّى الرسالةَ إلى الوزير. وشرع هارون في جِباية أموال طريق خُراسان، وقَويَت شوكتُه، وشَخَص إليه معظم مَن كان ببغداد من الجيش، ونزل النَّهْرُبِين، فبعث إليه محمد بن ياقوت أبا جعفر بن شيرزاد رسالةً ثالثةً يتلطَّف به، ويزيده في الرجال والبلاد، فلم يَلتفت، ووقعت طلائعُه على طلائع ابن ياقوت فظَهر عليها، ثم تقدَّم إلى القَنْطَرة التي على النَّهْرَوان (٣)، واشتبكت الحرب، فعبر هارون القَنْطَرة، وانفرد عن أصحابه على شاطئ النهر وهو يظنُّ أنَّه يَظفر بمحمد بن ياقوت فيقتله، فتَقَنْطَر به فرسُه (٤) فوقع، فبادره يُمْن غلام ابن ياقوت فضربه على رأسه، وبادره

стр. 7901

الغلمان فذبحوه، وانهزم عسكرُه، ومُزِّقوا كلَّ مُمَزَّق، ونَهبهم عسكر ابن ياقوت، ووارى ابن ياقوت جُثَّةَ هارون، ودخل بغداد لخمسٍ بقين من جمادى الآخرة ورأس هارون بين يديه، فصُلِب بباب العامة (١)، وخُلع على محمد بن ياقوت وسوِّر وطُوِّق. وفيها توفي أبو جعفر السِّجْزي في رجب، وكان من الحُجَّاب، وبلغ من العمر أربعين ومئة سنة وهو صحيح السمع والبصر والثَّغْر، مُنْتَصب القامة، وكان يركب الدَّوابَّ وحده من الأرض بغير [معاون، وكان الوزير علي بن عيسى] قد منعه رِزقَه، فقيل له في ذلك، فقال: هو كذَّابٌ في سنِّه، فقال السِّجزي: انظروا في جرائد سُرَّ من رأى تجدوا فيها حليتي، فأحضر علي بن عيسى الجَرائد وإذا هي كما قال، فأجرى رزقَه، واعتذر إليه، وقيل: إنَّه عاش بعد ذلك مدَّةً، وقال ابن أبي داود السِّجستاني: أنا أعرف هذا الرجل وأهلَ بيته، وإنَّ جميعهم مُعَمَّرون (٢). وفيها ردَّ الراضي شبابيك تربة أُمِّ المقتدر، وأذن للناس في زيارتها، وكان القاهر قد قَلَعها. وفيها قبض ابن مُقْلَة على أبي العباس الخَصِيبي [وسليمان بن] الحسن بن مَخْلَد (٣)، ونَفاهما إلى عُمان، ثم هربا إلى بغداد مستَتِرَين، وكيفية ذلك: أنَّ محمد بن ياقوت كان مُنْحَرِفًا عن الخَصِيبي، وكان ابن مُقْلَة يُظهر للخَصِيبي الجميل ويُبْطِنُ غيرَه، فأرسل إليه يومًا بثَلْج، وكان الثلج قد أعْوَز، ودعاه إلى حضرته، وأوصى محمد بن ياقوت باعتقاله إذا خرج. وجاء الخَصِيبي في طيَّاره إلى دار ابن مقلة، فأقام عنده إلى المغرب، ثم قام فنزل في طيَّاره، وقد أقام له ابن ياقوت جماعةً، فأخذوه، وحملوه إلى دار محمد بن ياقوت فاعتقلوه، واتَّفق ابنُ مقلة وابن ياقوت، ثم قبضا على [سليمان بن] الحسن، وسلَّماه مع الخَصِيبي إلى ابن مسمار، فسار بهما إلى عُمان، ثم سلك بهما البحر في الجانب

стр. 7902

الشرقي من سواحل فارس، فعَصَفَت الريح بالمَرْكب فردَّته إلى عُمان، وكان يوسف بن وَجيه بها، وكان صديقًا للخَصِيبي، فانتَزَعه من يد ابن مسمار، واعتقل ابنَ مِسمار عنده مدَّةً طويلةً، وأحسن إلى الخَصِيبي و [سليمان بن] الحسن وأطلقهما، فصارا إلى بغداد مستَتِرَين. وقلق ابن مقلة وابن ياقوت لذلك، ولمَّا خَبَّ البحرُ بهما قال الخَصِيبي: اللهم إنِّي أستَغفرك وأتوبُ إليك من مَعاصيك كلِّها إلا من إيقاع المكروه بابن مُقْلَة، فقال له [سليمان بن] الحسن: في مثل هذا الوقت تقول هذا؟! قال: نعم، أُريح منه العبادَ والبلاد، وتسليطه البَريديِّين الكَفَرة على الناس. وفي ذي الحجة توفِّي موسى بن المقتدر، واسم أُمِّه سلوة، وحُمل إلى تربة جدَّته أمِّ المقتدر فدفن بها، وركب في جَنازته أخوه هارون والوزير ابن مُقْلَة والحاجب محمد بن ياقوت، ولم يَحُجَّ أحدٌ إلى سنة سبع وعشرين وثلاث مئة. وفيها توفي [أحمد بن] سليمان بن داود أبو عبد الله (١). قدم مع أبيه سليمان مكة، فأهدى أبوه للزُّبَير بن بَكَّار هدايا، فأهدى إليه الزُّبير كتاب "النَّسَب" تأليفَه، فقال له: أحبُّ أن تقرأه علينا، فقرأه وسمعه ولدُه أحمد بن سليمان. وتوفي أحمد وله ثلاثٌ وثمانون سنة، وروى عن غير الزبير أيضًا، وروى عنه ابن شاذان وغيره، وكان صدوقًا. أحمد بن عبد الله بن مُسْلم ابن قُتَيبَة، أبو جعفر الكاتب، الدِّينَوَري، ابنُ صاحب "المعارف" و "أدب الكاتب" وغيرهما (٢).

стр. 7903

ولد أحمد ببغداد، ثم قدم مصر فأقام بها حتى مات في ربيع الأول، ووَلي القضاءَ بها، حدَّث عن أبيه بتصانيفه، وحدَّث عنه عبد الرحمن بن إسحاق الزَّجَّاجي وغيره، وكان ثقةً. [فصل: وفيها توفي] خير بن عبد الله أبو الحسن (١)، النَّسَّاج. [قال الخطيب:] اسمه: محمد بن إسماعيل، أصلُه من سُرَّ مَن رأى، ونزل بغداد وأقام بها. وقال السُّلَمي: تاب في مجلسه إبراهيم الخوَّاص، وأبو بكر [الشِّبْلي، وهو أستاذ الجماعة، قال: وكان يقال له: محمد بن إسماعيل السَّامَرِيّ، ثم سُمِّي خَيرًا، وصَحِب سَرِيًّا] السَّقَطِي، وأبا حَمْزة الصُّوفي وغيرهما (٢). [واختلفوا لم غيَّر اسمَه، فقال السُّلَمي:] خرج إلى الحجِّ وكان أسود (٣) اللون، فلمَّا وصل الكوفة أخذه [رجلٌ] قال: أنت عبدي، واسمُك خَير، [فلم يُكلِّمه، واستعمله سنين] في نَسْجِ الخَزِّ (٤)، ثم قال له بعد مدَّة [يَسيرة]: ما أنت عبدي، ولا اسمُك خير، وقد غَلِطتُ، فقيل له: ألا ترجع إلى اسمك؟ فقال: لا أُغيِّرُ اسمًا سمَّاني به رجل مسلم. وحكى أبو نُعَيم (٥)، عن جعفر الخُلْدي قال: قلتُ لخير: أكان النَّسْجُ حِرْفَتَك؟ قال: لا، قلت: فلم سُمِّيتَ به؟ قال: كنتُ عاهَدْتُ اللهَ أن لا آكل الرُّطَبَ، فأكلت

стр. 7904

رُطَبةً واحدة، وإذا برجل قد قبض على يدي وقال: يا خير، أَبَقْتَ منِّي، وكان له غُلامٌ اسمُه خير قد هرب منه، فوقع عليَّ شَبَهُه، فاجتمع علينا الناس فقال: هذا غلامي خير الذي هرب، فصَدَّقه الناس، وبقيتُ مُتَحيِّرًا، وعرفتُ من أين أُتيت، فحَملني إلى حانوته الذي يَنْسُج فيه غلمانُه، فلمَّا رأوني قالوا: يا عبدَ السُّوء، أَبَقْتَ من مولاك، عُدْ إلى النَّسْج كما كنت تعمل. قال: فجلست على بئر الكِرْباس (١)، ودلَّيتُ رجلي لأعمل، فكأنِّي كنتُ أعمل من سنين، فأقمتُ عنده أعمل أربعةَ أشهر أنْسِجُ، فقمتُ ليلةً وقتَ السَّحَر، فصلَّيتُ وسجَدتُ وقلتُ: يا إلهي لا أعود إلى ما فعلتُ، فأصبحتُ وقد زال عنِّي الشَّبَه، فأُطلقتُ، ورجعتُ إلى صورتي، وثَبَت عليَّ هذا الاسم، وكان السبب إتياني شَهوةً عاهدتُ الله أن لا آكُلَها فعاقبني. ثم قال: لا نَسَبَ أشرفُ من نسب مَن خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وعلَّمه الأسماء كلَّها، فلم يعصمه ولم ينفعه في وقت جَرَيان القدر عليه (٢). وذكر في "المناقب" بمعناها فقال: كان خير [النسَّاج] يأمرُ بالمعروف وينهى عن المنكر، فأُوذي أذًى كثيرًا، فخرج هاربًا من البلد، قال [خير:] فمررتُ بقريةٍ فيها دَكاكين، فجلستُ على باب دُكَّان، وإذا بصاحب الطِّرَاز قد خرج فقال: أين ذهبتَ؟ فنظرتُ وإذا أنا أسودُ مُفَلْفَلُ الشَّعَر، فاستعملني في النَّسج شهرًا، فعاهَدْتُ الله أنِّي أعود إلى ما كنتُ عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر، فعاد إليَّ لَوني وحالي، فخرجتُ من الطِّراز، وجلستُ على بابه أحفظُه لصاحبه حتى يعود، فجاء فسلَّم عليَّ وقال: عافاك الله، رأيتَ غلامًا أسودَ خرج من هذا الطِّراز؟ قلتُ: لا، فدخل طِرازه، وانصرفتُ (٣).

стр. 7905

وقال خير: تقدَّم (١) إليَّ شابٌّ من البغداديين وقد انطبقَت يدُه، فقلتُ له: ما لك؟ فقال: رأيتُك أمس بِعتَ غَزْلًا بدرهمين، فجئتُ خلفك فحَلَلْتُهما من إزارك، وقد صارت يدي مطبوقةً (٢) [فانظر إليَّ]، فأومأ خيرٌ بيده إلى يد الشاب فانفتحت، فقال: خُذ الدِّرهمين، فقال: اذهب فاشتر بهما شيئًا لعيالك ولا تَعُد. وقال خير (٣): طُرِقَ عليَّ البابُ وأنا جالسٌ في بيتي، فوقع في خاطري أنَّه الجُنَيد، ونَفَيتُ ذلك عن خاطري، ثم طرقه ثانيًا وثالثًا وأنا على ذلك الخاطر، فخرجتُ وإذا بالجنيد على الباب، فقال لي: لم لم تَخرج مع الخاطر الأول. وقال خير: دخلتُ (٤) بعضَ المساجد وإذا فيه فقيرٌ، فقام وتعلَّق بي وقال: يا شيخ، تعطَّف عليَّ فإنَّ مِحْنَتي عظيمةٌ، قلتُ: وما هي؟ [فقال: فَقَدتُ البَلاء وقُرِنْتُ بالعافية، فنظرتُ] فإذا قد فُتِح عليه بشيءٍ من الدنيا. وقال أبو الخير الديلمي (٥): كنتُ جالسًا عند خير، فأتته امرأة فقالت: أعطني المِنديلَ الذي دفعتُه لك، فدفع إليها مِنديلًا، فقالت: كم الأُجرة؟ فقال: درهمان، فقالت: ما معي الساعة شيءٌ، وغدًا آتيك بالدِّرهمين، فإن لم أجِدْك فما أصنع بهما؟ فقال: ارمي بهما في دجلة، فإذا أتيتُ أخذتُهما، فقالت: كيف تأخذُهما من دجلة، فقال: التَّفْتيش فُضولٌ منك، افعلي ما آمُرُك به، قالت: نعم. وجاءت المرأة من الغد وأنا قاعد وخيرٌ غائبٌ، ومعها دِرهمان في خِرقة، فجلست ساعةً تنتظره، فضَجِرَت، فألقتهما في دجلة، وإذا بسَرَطان قد تعلَّق بها وغاص في الماء، وجاء خير [ففتح بابَ حانوته، وجلس] على جانب دجلة يتوضَّأ، وإذا

стр. 7906

بالسَّرَطان قد خرج من دجلة يَسعى والخرقة على ظهره، فجاء إلى خير، فألقاها بين يديه، ثم عاد إلى دجلة وأنا أنظر إليه، فقال لي: اكتُم عليَّ أيامَ حياتي، فقلتُ: نعم إن شاء الله تعالى. قال: وكان إذا حضر السَّماع قام ظَهرُه، ورَجَعَت إليه قوَّةُ الشَّباب، فإذا ذهب السَّماعُ عاد إلى حاله (١). وقال [السُّلَمي: قال] خير: الخوف سَوطُ الله يُقَوِّم به أَنْفُسًا قد (٢) تعوَّدَت سوءَ الأدب، ومتى أساءت الجَوارحُ الأدب فهو من غَفْلَة القلب وظُلْمَة السِّرِّ. وقال: العملُ الذي يُبَلِّغُ الغايات هو رؤية التَّقصير. [وحكى عنه في "المناقب" أنَّه] قال: الصَّبرُ من أخلاق الرجال، والرِّضا من أخلاق الكرام. [قال:] وقال: قصَّ موسى ﵇ يومًا علي بني إسرائيل فزَعَقَ رجلٌ، فانتَهره موسى، فأوحى الله إليه: يا موسى بحبي باح، وبوجدي صاح، وعلى نفسه ناح، فلم تُنكِرُ على عبادي (٣)؟ ذكر وفاته: روى الخطيب (٤) عن أبي الحسين المالكي قال: صَحِبتُ خَيرًا سنينَ كثيرةً، ورأيتُ له من كرامات الله ما يَكْثُرُ ذِكرُه غير أنَّه قال [لي قبل وفاته بثمانية أيام: إنِّي أموتُ يوم الخميس وقتَ المغرب، وأُدْفن يوم الجمعة قبل الصلاة، وستنسى فلا تنسى. قال] أبو الحسين: فأُنسيتُه إلى يوم الجمعة، فلقيني مَن خبَّرني بموته، فخرجتُ لأَحْضُرَ جَنازتَه، فوجدتُ الناسَ راجعين، فذكروا أنَّه يُدفَن بعد الصلاة، فبادَرْتُ ولم

стр. 7907

ألتفِت فوجدتُ الجنازةَ قد أُخرجَت قبل الصلاة [أو كما قال،] فسألتُ مَن حضره [عن حاله عند] خروج روحه، فقال: لمَّا احتُضِر غُشي عليه، ثم فتح عينيه وأومأ إلى ناحية البيت وقال: قف عافاك الله؛ فإنَّما أنت عبدٌ مأمور وأنا عبدٌ مأمور، وما أُمرتَ به لا يفوتُك، وما أُمِرتُ به يفوتُني، فدعني أَمضي لما أُمِرتُ به. ثم دعا بماءٍ فتوضَّأ للصلاة، ثم تمدَّد وغَمض عينيه وتشهَّد ومات. [قال:] وأخبرني بعضُ أصحابنا أنَّه رآه في المنام فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال: لا تسألني أنت عن ذا، ولكن استَرَحْنا من دُنياكم الوَضِرة، وعاش خيرٌ رحمة الله عليه مئة وعشرين سنة. عبيد الله بن محمد ابن مَيمون بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصَّادق ﵇، وكنيتُه أبو محمد، ويلقَّب بالمَهْدي (١). جدُّ الخلفاء المصريين، وأمُّه أمُّ ولد، ومَولده بسَلَمْيَة، وقيل: ببغداد سنة ستين ومئتين، ودخل مصر في زِيِّ التُّجَّار سنةَ تسعٍ وثمانين، ومضى إلى المغرب، ثم ظهر بسِجِلْماسَة من أرض المغرب سنة ستٍّ وتسعين سابع ذي الحجة يوم الأحد، وسُلِّم عليه بإمرة المؤمنين في أرض الجَوَّانِيَّة، ثم انتقل إلى رَقَّادة من أرض القَيرَوان، وبنى المَهديَّة واستقرَّ بها في سنة ثمانٍ وثلاث مئة، وملك إفريقيَّة وطرابلس وصِقِلِّية وبلاد القيروان، وطرد مَن كان بها من بني الأَغْلَب، وسَيَّر ولدَه أبا القاسم إلى مصر دفعتين إحداهما في سنة إحدى وثلاث مئة، فيقال: إنَّه ملك الإسكندرية والفَيُّوم، ودفعه تِكين عنها فعاد إلى إفريقيَّة، والمرة الثانية في سنة ستٍّ وثلاث مئة، ملك الإسكندرية ثم دفعه مؤنس عن البلاد.

стр. 7908

وكانت وفاةُ عبيد الله يوم الإثنين رابع وعشرون ربيع الأول (١) هذه السنة، وعمرُه اثنتان وستون سنةً وأشهر، ومدَّةُ أيامه خمسٌ وعشرون سنة وثلاثة [أشهر وسبعة] أيام، وقيل: وستة (٢) أيام. وكان له من الولد ستة ذكور وثماني بنات تُوفِّينَ بمصر، وولي بعده ولدُه أبو القاسم محمد القائم بأمر الله، ومولده سنة ثمانين ومئتين بإفريقيَّة، هذا قولُ القاضي أبو عبد الله القُضاعي (٣). وقال الرئيس أبو يَعْلى حَمزة بن أسد بن علي بن محمد التَّميمي الدِّمشقي: أولُ مَن ظهر من أئمة الدولة الفاطمية في المغرب الإمام أبو محمد عُبيد الله بن محمد بن عبد الله بن مَيمون بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن أبي طالب ﵈، وكان من بعض الدُّعاة لهم محمد بن أحمد بن أبي الشَّلَغْلَغ، فلمَّا أشرف على الموت ردَّ الأمرَ في الدَّعوة إلى ولده سعيد الأصغر إلى أن يكبر، وبعث إلى المغرب داعيَين أخوَين أبا عبد الله الحسين وأبا العباس محمد ابنَي أحمد بن محمد بن زكريا الكوفي، فوصلا إلى كُتامَة من ناحية اليمن في ربيع الأول سنة ثمانين ومئتين، فأخذا العَهْدَ على البَرْبر لأبي محمد عُبيد الله، وأحكما ذلك مع الوجوه والمقدَّمين فيهم. وبلغ الخبرُ المعتضدَ أبا العباس أحمد بن الموفق بن المتوكل فجدَّ في طلبه، وكتب إلى الجهات بسببه، وكان عبد الله مُقيمًا بسَلَمْيَة، وله بها الأملاكُ الوافِرةُ، والنِّعمةُ الظَّاهرة، فأجْفَلَ منها يُريدُ المغربَ، وكان الوالي في ذلك الوقت عيسى النُّوشَرِيّ، وكان عُبيد الله فَطِنًا ذكيًّا، فدخل على النُّوشَري، ولاطَفَه وعاشَره، فاعجبه، وتمكَّنت منزلتُه من قلبه، فبلغ خبره المعتضد، فكتب إليه يَحُضُّه على كَشْف خبره، والجدِّ في أمره، فوصل الكتاب إلى النُّوشري فقرأه وفي مجلسه ابن المُدَبِّر الكاتب، وكان قد صادق عُبيد الله وصافاه، وأمره النُّوشَري بالقبض عليه، فأرسل ابن المُدَبِّر إليه فأخبره، فسار من ساعته إلى الإسكندرية والوالي بها علي بن وهشودان الدَّيلَمي، فلم

стр. 7909

يعرض له، فسار إلى المغرب ونزل إلى سِجِلْماسَة في سنة ستٍّ وتسعين ومئتين، ثم انتقل إلى إفريقية في سنة سبع وتسعين، وكان في زِيِّ التجار، وتقرَّب إلى واليها فأحبَّه، فكُتِبَ إليه بالقبض عليه، فقبض عليه واعتقله في قلعة سِجِلْماسة. وبلغ خبرُه أبا عبد الله الدَّاعي وهو مُقيمٌ بالبَرْبَر قد أحكم أمرَه، فنهض بالبَرْبَر إلى القلعة، وقتل واليها، وأخرج عُبيدَ الله وأظهرَ أمره وعمره يومئذٍ سبعٌ وثلاثون سنة، ولم يلبث إلا قليلا حتى دَبَّر في قتل أبي عبد الله الداعي وأخيه أبي العباس، فقتلهما يوم الإثنين للنصف من جُمادى الآخرة سنة ثمانٍ وتسعين، وملك الأمرَ بعدهما، وقَلَع بني الأغلب وُلاةَ المغرب، وتَلقَّب بالمَهديّ، وبنى المَهديَّة في سنة ثمانٍ وثلاث مئة، وتوفي يوم الإثنين رابع عشر ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وثلاث مئة، وعمرُه اثنتان وستون سنة وأشهر، ومُدَّةُ إقامته في الأمر خمسٌ وعشرون سنة وثلاثةُ أشهر وستة أيام، ونَقْشُ خاتمه: بنصر الإله الممجَّد ينتصرُ الإمام أبو محمد، وكان جَميلًا، جَسيمًا، عالمًا، فاضلًا، حَسَنَ التَّدبير والسِّياسة. وقال القاضي عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار البصري (١): جدُّ الخلفاء المصريين اسمُه سعيد، ويُلَقَّب بالمهدي، وكان أبوه يهوديًّا حدَّادًا من أهل سَلَمْيَة من أرض حِمص، زعم سعيد هذا أنَّه ابن الحسين بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن ميمون القَدَّاح بن دَيْصان بن سعيد الغَضْبان الخرمي، وأهل الدَّعوة من هذه الطائفة منهم أبو القاسم بن الأبيض العلوي وغيره يزعمون أنَّ سعيدًا هذا ليس هو ابن الحسين، وأنَّ الحسين لما تزوَّج بأمِّه ربَّاه وعلَّمه أسرارَ الدَّعوة، وزوَّجه ببنت أبي الشَّلَغْلَغ من ولد عبد الله بن مَيمون القدَّاح، فجاء لسعيد منها ابنٌ سمَّاه عبد الرحمن، ولمَّا دخل سعيد هذا إلى أرض المَغْرب وأقام بسِجِلْماسَة تسَمَّى بعُبَيد -مُصغَّر- وتَكَنَّى بأبي محمد، وسَمَّى ابنَه عبدَ الرحمن الحسنَ. وقال المغاربة: إنَّه من أهل الأهواز، وإنَّه يتيمٌ في حِجْره وليس بابنه، وإنَّ أباه من أهل البيت ﵈، ولمَّا تمكَّن عُبيد من المغرب قال: هو ابني، وكنَّاه أبا القاسم، وجعله وليَّ عهده.

стр. 7910

ومات عُبيد بعدما قتل خلقًا كثيرًا، واستصفى أموالهم، وقتل العلماء والفقهاء وأصحاب الحديث، وأخرب القِلاع، وسلَّط الجُهَّال على العلماء يَذبحونهم على فُرُشهم، وكانت له شيعةٌ بخراسان وبغداد والشام ومصر يقولون: إنه المَهدي ظهر بالمغرب، وكان الخليفة إذ ذاك جعفرًا المقتدر، وذلك في سنة ثلاث مئة، وبعث ابنَه المسمَّى عبد الرحمن إلى مصر دَفعتَين، فعاد بالخيبة في إحداهما في سنة اثنتين وثلاث مئة، والثانية في سنة سبع وثلاث مئة. ثم بثَّ سعيدٌ دعاتَه في الأرض، فطائفةٌ تزعم أنَّه الخالق الرَّازق، وطائفة تزعم أنَّه رسول الله ﷺ ، وطائفة تقول: إنَّه المهدي ابن رسول الله ﷺ ، فأقام نَيِّفًا وعشرين سنة، ثم ظهرت قبائحُه ومِحاله. وقال القاضي أبو بكر محمد بن الطَّيِّب البَصري المتكلِّم (١): القدَّاح جدُّ عُبيد الله كان مجوسيًّا، ودخل عبيد الله المغرب، وادَّعى أنَّه عَلويٌّ من ولد فاطمة ﵍، ولم يعرفه أحدٌ من علماء النَّسَب، وكان باطنيًّا خَبيثًا يُظهِر خلاف ما يُبطِن، حَريصًا على إزالة ملَّة الإسلام، أعدم الأعيان والعلماء والفقهاء ليبقى العالم مثل البهائم فيتمكَّن من إضلالهم، وجاء أولادُه على أسلوبه حدود الملوك (٢)، أباحوا الخمورَ والفروجَ، وأشاعوا الرَّفْضَ، وبثُّوا الدُّعاةَ في الأرض، فأفسدوا عقائدَ أهل الجبال التي في الشام كالنُّصَيريَّة والدُّرزيَّة وغيرهم، وتمكَّن دُعاتُهم من أهل الجبال لضعف عقولهم، والقَدَّاح الذين يَنتمون إليه دَعيٌّ كَذَّابٌ مُمَخْرِق، وهو أصل دعاة القرامطة. وقال أيضًا في كتاب "كشف أسرار الباطنية": وأولُ مَن وضع هذه الدعوة طائفةٌ من المَجوس وأبناء الأكاسرة من الفُرْس، والباعِثُ لهم على ذلك زَوالُ مُلْكهم، وعُلوُّ الإسلام عليه، وإلزامُهم الجِزْية، فخافوا من تَطاوُل العهد، ويئسوا من عَوْد مُلْكهم إليهم، فاتَّفقوا على وَضْع دعوةٍ يُدخِلون الشُّبهة بها على العوامِّ، فأولُ مَن وضعها الهُرمزان، فسلَّط أبا لؤلؤة على عمرَ بن الخطاب رضوان الله عليه فقتله، ثم الإفشين في أيام المُعْتَصم، فكان من أمره ما كان، ثم اتَّفقوا على عبد الله بن ميمون بن عمرو

стр. 7911

القدَّاح الأهوازي، وأمَدُّوه بالأموال، وذلك في سنة ثلاثين ومئتين، وقيل: في سنة عشر ومئتين، وكان مُشَعْوذًا مُمَخْرِقًا، يُظهِر الزُّهدَ والوَرَعَ، ويدَّعي أنَّ الأرض تُطوى له، وأنَّه يَعرف أخبار العالم، وكان يختفي أيام الحجِّ ويُظهر أنَّه كان بعرفة، ويُرسِل أصحابَه إلى البلاد معهم طيور ليَكتبوا إليه بما يَتجدَّد، فيُخبر الناس بذلك. وجدُّ القدَّاح هو دَيْصان أحد الثَّنَويَّة، وكان دَعيًّا بنفسه إلى علي ﵇ وليس منه. ومحمد بن عبد الله بن مَيمون بن عمرو القدَّاح تغيَّا على أسلوب أبيه وجدِّه، وكذا ابن ابنه أحمد بن محمد بن عبد الله بن ميمون، [وابن ابنه سعيد بن حسين بن أحمد بن محمد بن عبد الله] هو الذي يقال له: عُبيد الله صاحب القَيروان، ويلقَّب بالمَهْدي (١)، وذكر كلامًا طويلًا في هذا الباب، وقال: وكان ظهورُ القدَّاح بعَسْكَر مُكْرَم، فطُلِب فهرب إلى البصرة، فطُلب فهرب إلى الشام، فنزل سَلَمْيَة ومات بها، وبقي ابنه محمد، فخرج إلى القَرامِطَة وانتسب إليهم. [وفيها توفي عبد الرحمن بن إسماعيل ابن علي، أبو محمد، الرَّقِّي، يقال له: ابن كَرْدَم (٢). سكن دمشق وحدَّث بها عن الحسن بن عَرَفَة، والربيع بن سليمان، ويونُس بن عبد الأعلى وغيرهم، وروى عنه أبو الحسن الرَّازي، ومات بدمشق في جُمادى الآخرة، ودُفن بالباب الصَّغير، والله أعلم. وفيها توفي] محمد بن علي بن حبعفر أبو بكر، الكَتَّاني (٣).

стр. 7912

أصلُه من بغداد، وجاور بمكة حتى مات بها. وكان من خيار (١) مشايخ الصوفية، وأحدِ الأئمة المُشار إليه في علوم الحقائق والوَرَع والزُّهْدِ والعبادة. [وقد أثنى عليه الأئمة، فحكى الخطيب عن المرتَعِش أنه قال:] الكَتَّاني سِراجُ الحَرَم (٢). وقال السُّلَمي (٣): خَتم الكتَّاني في الطواف اثني عشر ألف خَتْمة. وقال أبو جعفر الأصبهاني: صَحِبتُ الكتَّاني سنين، وكان يزيد على الأيام ارتفاعًا وفي نفسه اتِّضاعًا. ويُحكى عنه في "المناقب" أنَّه استأذن (٤) أمَّه في الحجِّ، فأذِنَت له، فلمَّا دخل الباديةَ أصابَ ثوبَه بولٌ، فقال: هذا خَلَلٌ، فعاد إلى بيته، وإذا بأُمِّه جالِسَةٌ خلف الباب، فقال: ما هذا؟ قالت: اعتقدتُ مع الله أن لا أبْرَحَ من هذا المكان حتى تَعودَ. [وحكى في "المناقب" عنه أنه] قال: رأيتُ هِمْيانًا (٥) بطريق مكة يَلْمَع ذَهبًا، فقلتُ: آخُذُه فأفرِّقُه في فقراء مكة، فهتف بي هاتفٌ: إن أخذتَه سَلَبْناكَ فقرَك، فتركتُه. [وحكى عنه في "المناقب" أنه] قال: رأيتُ في منامي شابًّا ما رأيتُ أحسنَ منه، فقلتُ: مَن أنت؟ فقال: التَّقوى، فقلتُ: فأين تَسكُن؟ قال: في كلِّ قلبٍ حَزين. [قال:] ورأيتُ أسْوَدَ مُشَوَّهَ الخَلْق، فقلتُ: مَن أنت؟ قال: الضَّحِكُ، قلتُ: فأين تسكن؟ قال: في كلِّ قلب فَرحٍ مَرِحٍ (٦)، فانتبهتُ، وعاهدتُ الله أن لا أضحك أبدًا.

стр. 7913

وقال: رأيتُ في منامي حَوْراء ما رأيتُ في الدنيا أحسنَ منها، فقلت: زوِّجيني نفسَك، فقالت: اخطُبني من سيدي، فقلتُ: ما مَهْرُك، فقالت: حَبْسُ النفسِ عن مألوفاتها. [وذكر في "المناقب" أيضًا عن الكتاني] قال: كان عندنا بمكة فتًى عليه أَطْمارٌ رَثَّة، وكان لا يُجالسنا، فوقع في قلبي محبَّتُه، ففُتِح عليَّ بمئتَي درهم من وَجْهٍ حَلال، فأتيتُه بها ووضعتُها بين يديه، فنظر إليَّ شَزَرًا وقال: اشتريتُ هذه الجِلْسَة مع الله على الفَراغ بسبعين ألف دينار غير الضِّياع والمُسْتَغَلَّات، تُريد أن تَخْدَعَني بهذه، ثم بدَّدَها وقام، فقَعدتُ ألتقطُها، فما رأيتُ مثلَ عِزِّه حين قام، ولا مثلَ ذُلِّي حين قعدتُ ألتقطها. [ذكر] نُبذة من كللامه: [حكى عنه في "المناقب" أنه] قال: إنَّ لله رِيحًا تُسمَّى الصَّبيحة، مَخزونةٌ تحت العرش، تَهُبُّ عند الأسحار، فتحمل الأنينَ والاستغفار إلى الملك الجبَّار. وقال: كن في الدنيا ببَدَنك، وفي الآخرة بقلبك. ونظر إلى شيخٍ أبيضَ الرَّأس واللّحية يسأل الناس فقال: هذا رجلٌ (١) ضَيَّع أمرَ الله في صغره، فضَيَّعه الله في كِبَره. وقال: الذَّاكِرون يعيشون في ظلِّ ذِكرهم، والعارفون يعيشون في ظلِّ لُطفِ الله، والصَّادقون في ظلِّ قُرْبه، والغافلون في ظِلِّ سِتْره. وقال: إذا تَجَلَّت حقائقُ الحقِّ لسرٍّ أزالت عنه الظُّنونَ والأماني؛ لأنَّ الحقَّ إذا استولى على سرٍّ قَهَرَه، فلا يبقى فيه لغيره أَثَر. وقال له فقيرٌ: أوْصِني، فقال: اجتَهِد أن تكون كلَّ ليلةٍ ضيفَ مسجدٍ، وأن تموتَ بين منزلين. وقال: النُّقباءُ ثلاثُ مئة، والنُّجَباء سبعون، والأبدال أربعون، والأخيار سبعةٌ، والعُمُد أربعةٌ، والغَوْث واحد، فمَسْكَن النُّقَباء المغرب، ومَسْكَنُ النُّجَباء مصر،

стр. 7914

ومسكن الأبدال الشام، والأخيار يَسيحون في الأرض، والعمد في زوايا الأرض، ومسكن الغوث مكة، فإذا وقعت الحاجة من أمر العامة ابْتَهَلَ النُّقَباء، ثم ذكر الجميع على الترتيب، فإن أُجيبوا وإلا ابتهل الغوث، فتُجابُ دَعوتُه (١). وقال: مَن باع الحِرصَ بالقناعة ظَفِرَ بالعزِّ والمروءة. وقيل له: أيُّ فائدةٍ في الحكايات؟ فقال: هي جُندٌ من جنود الله، يُقوِّي بها قلوبَ المُريدين، ثم قرأ: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠] الآية. وقال: مَن طلب الرَّاحةَ بالراحة عُدِمَ الراحة. وسئل عن التوبة فقال: التَّباعُدُ عن المَذْمومات كلِّها إلى المَمْدوحات كلِّها. وقيل له: ما أشْهى الطعام؟ فقال: لُقمةٌ من ذكر الله، رُفِعت من مائدة الرِّضى عن الله، وجُعِلَت في فمِ اليقين بيد التوحيد. [وقال في "المناقب"] كان ينشد: [من مخلع البسيط] الشَّوقُ والوَجْدُ في فؤادي … قد مَنَعاني من القَرار هما معي لا يُفارِقاني … فذا شِعاري وذا دِثاري [قال الخطيب وغيره:] تُوفي الكتَّاني ﵀ بمكة في هذه السنة، وقيل: في سنة ثمانٍ وعشرين [وثلاث مئة، والأول أصح]، وصَحِب الجُنَيد، والخرَّاز، والنُّوري، وعباس بن المهتدي [وغيرهم] (٢).

стр. 7915

هارون بن غَريب، خالُ المقتدر قد ذكرنا أنَّه كان يَتَقَلَّد حُلْوان، وأنَّه حَشَد وقَصد بغداد، ونزل النَّهْرَوان، وكان الرَّاضي يَتَخَيَّل منه، فبعث إليه محمد بن ياقوت، فحاربهم هارون فقتلوه، وقد ذكرنا كيفيَّة قتله، وحَملوا رأسَه إلى الرَّاضي فسُرَّ به، ثم بعث به إلى أهله، فجَمعوا بين رأسه وجسده، ودَفنوه عند قبر أبيه بقصر عيسى قريبًا من الكَرْخ، ﵀. يعقوب بن إبراهيم ابن أحمد بن عيسى، أبو بكر، البَزَّاز، بغداديُّ (١). ولد سنة سبع وثلاثين ومئتين، وكان مُتَعبِّدًا، توفي ببغداد ليلة الجمعة في ربيع الآخر وهو ساجدٌ. حدَّث عن الحسن بن عَرَفَة وغيره، وروى عنه الدارقطني وغيره، وكان ثقةً مأمونًا. [وفيها توفي] أبو علي الرُّوْذَبارِيّ الصُّوفي [واختلفوا في اسمه، فقال أبو عبد الرحمن السُّلَمي:] اسمه: أحمد بن محمد بن القاسم بن منصور بن شَهْرَيار بن مُهْرَقاذاز بن فُرْغُدُد بن كِسرى (٢). [وكذا ذكر ابن خَميس في "المناقب" (٣). وقال الخطيب (٤): اسمه: محمد بن أحمد بن القاسم. وقال قوم: اسمُه كنيتُه، وهو الأشهر، ولا يُعرف إلا بها، فلذلك ذكرناه في آخر السنة (٥).
следующие страницы →