القدَّاح الأهوازي، وأمَدُّوه بالأموال، وذلك في سنة ثلاثين ومئتين، وقيل: في سنة عشر ومئتين، وكان مُشَعْوذًا مُمَخْرِقًا، يُظهِر الزُّهدَ والوَرَعَ، ويدَّعي أنَّ الأرض تُطوى له، وأنَّه يَعرف أخبار العالم، وكان يختفي أيام الحجِّ ويُظهر أنَّه كان بعرفة، ويُرسِل أصحابَه إلى البلاد معهم طيور ليَكتبوا إليه بما يَتجدَّد، فيُخبر الناس بذلك.
وجدُّ القدَّاح هو دَيْصان أحد الثَّنَويَّة، وكان دَعيًّا بنفسه إلى علي ﵇ وليس منه.
ومحمد بن عبد الله بن مَيمون بن عمرو القدَّاح تغيَّا على أسلوب أبيه وجدِّه، وكذا ابن ابنه أحمد بن محمد بن عبد الله بن ميمون، [وابن ابنه سعيد بن حسين بن أحمد بن محمد بن عبد الله] هو الذي يقال له: عُبيد الله صاحب القَيروان، ويلقَّب بالمَهْدي (١)، وذكر كلامًا طويلًا في هذا الباب، وقال: وكان ظهورُ القدَّاح بعَسْكَر مُكْرَم، فطُلِب فهرب إلى البصرة، فطُلب فهرب إلى الشام، فنزل سَلَمْيَة ومات بها، وبقي ابنه محمد، فخرج إلى القَرامِطَة وانتسب إليهم.
[وفيها توفي
عبد الرحمن بن إسماعيل
ابن علي، أبو محمد، الرَّقِّي، يقال له: ابن كَرْدَم (٢).
سكن دمشق وحدَّث بها عن الحسن بن عَرَفَة، والربيع بن سليمان، ويونُس بن عبد الأعلى وغيرهم، وروى عنه أبو الحسن الرَّازي، ومات بدمشق في جُمادى الآخرة، ودُفن بالباب الصَّغير، والله أعلم.
وفيها توفي]
محمد بن علي بن حبعفر
أبو بكر، الكَتَّاني (٣).
стр. 7912
أصلُه من بغداد، وجاور بمكة حتى مات بها.
وكان من خيار (١) مشايخ الصوفية، وأحدِ الأئمة المُشار إليه في علوم الحقائق والوَرَع والزُّهْدِ والعبادة.
[وقد أثنى عليه الأئمة، فحكى الخطيب عن المرتَعِش أنه قال:] الكَتَّاني سِراجُ الحَرَم (٢).
وقال السُّلَمي (٣): خَتم الكتَّاني في الطواف اثني عشر ألف خَتْمة.
وقال أبو جعفر الأصبهاني: صَحِبتُ الكتَّاني سنين، وكان يزيد على الأيام ارتفاعًا وفي نفسه اتِّضاعًا.
ويُحكى عنه في "المناقب" أنَّه استأذن (٤) أمَّه في الحجِّ، فأذِنَت له، فلمَّا دخل الباديةَ أصابَ ثوبَه بولٌ، فقال: هذا خَلَلٌ، فعاد إلى بيته، وإذا بأُمِّه جالِسَةٌ خلف الباب، فقال: ما هذا؟ قالت: اعتقدتُ مع الله أن لا أبْرَحَ من هذا المكان حتى تَعودَ.
[وحكى في "المناقب" عنه أنه] قال: رأيتُ هِمْيانًا (٥) بطريق مكة يَلْمَع ذَهبًا، فقلتُ: آخُذُه فأفرِّقُه في فقراء مكة، فهتف بي هاتفٌ: إن أخذتَه سَلَبْناكَ فقرَك، فتركتُه.
[وحكى عنه في "المناقب" أنه] قال: رأيتُ في منامي شابًّا ما رأيتُ أحسنَ منه، فقلتُ: مَن أنت؟ فقال: التَّقوى، فقلتُ: فأين تَسكُن؟ قال: في كلِّ قلبٍ حَزين.
[قال:] ورأيتُ أسْوَدَ مُشَوَّهَ الخَلْق، فقلتُ: مَن أنت؟ قال: الضَّحِكُ، قلتُ: فأين تسكن؟ قال: في كلِّ قلب فَرحٍ مَرِحٍ (٦)، فانتبهتُ، وعاهدتُ الله أن لا أضحك أبدًا.
стр. 7913
وقال: رأيتُ في منامي حَوْراء ما رأيتُ في الدنيا أحسنَ منها، فقلت: زوِّجيني نفسَك، فقالت: اخطُبني من سيدي، فقلتُ: ما مَهْرُك، فقالت: حَبْسُ النفسِ عن مألوفاتها.
[وذكر في "المناقب" أيضًا عن الكتاني] قال: كان عندنا بمكة فتًى عليه أَطْمارٌ رَثَّة، وكان لا يُجالسنا، فوقع في قلبي محبَّتُه، ففُتِح عليَّ بمئتَي درهم من وَجْهٍ حَلال، فأتيتُه بها ووضعتُها بين يديه، فنظر إليَّ شَزَرًا وقال: اشتريتُ هذه الجِلْسَة مع الله على الفَراغ بسبعين ألف دينار غير الضِّياع والمُسْتَغَلَّات، تُريد أن تَخْدَعَني بهذه، ثم بدَّدَها وقام، فقَعدتُ ألتقطُها، فما رأيتُ مثلَ عِزِّه حين قام، ولا مثلَ ذُلِّي حين قعدتُ ألتقطها.
[ذكر] نُبذة من كللامه:
[حكى عنه في "المناقب" أنه] قال: إنَّ لله رِيحًا تُسمَّى الصَّبيحة، مَخزونةٌ تحت العرش، تَهُبُّ عند الأسحار، فتحمل الأنينَ والاستغفار إلى الملك الجبَّار.
وقال: كن في الدنيا ببَدَنك، وفي الآخرة بقلبك.
ونظر إلى شيخٍ أبيضَ الرَّأس واللّحية يسأل الناس فقال: هذا رجلٌ (١) ضَيَّع أمرَ الله في صغره، فضَيَّعه الله في كِبَره.
وقال: الذَّاكِرون يعيشون في ظلِّ ذِكرهم، والعارفون يعيشون في ظلِّ لُطفِ الله، والصَّادقون في ظلِّ قُرْبه، والغافلون في ظِلِّ سِتْره.
وقال: إذا تَجَلَّت حقائقُ الحقِّ لسرٍّ أزالت عنه الظُّنونَ والأماني؛ لأنَّ الحقَّ إذا استولى على سرٍّ قَهَرَه، فلا يبقى فيه لغيره أَثَر.
وقال له فقيرٌ: أوْصِني، فقال: اجتَهِد أن تكون كلَّ ليلةٍ ضيفَ مسجدٍ، وأن تموتَ بين منزلين.
وقال: النُّقباءُ ثلاثُ مئة، والنُّجَباء سبعون، والأبدال أربعون، والأخيار سبعةٌ، والعُمُد أربعةٌ، والغَوْث واحد، فمَسْكَن النُّقَباء المغرب، ومَسْكَنُ النُّجَباء مصر،
стр. 7914
ومسكن الأبدال الشام، والأخيار يَسيحون في الأرض، والعمد في زوايا الأرض، ومسكن الغوث مكة، فإذا وقعت الحاجة من أمر العامة ابْتَهَلَ النُّقَباء، ثم ذكر الجميع على الترتيب، فإن أُجيبوا وإلا ابتهل الغوث، فتُجابُ دَعوتُه (١).
وقال: مَن باع الحِرصَ بالقناعة ظَفِرَ بالعزِّ والمروءة.
وقيل له: أيُّ فائدةٍ في الحكايات؟ فقال: هي جُندٌ من جنود الله، يُقوِّي بها قلوبَ المُريدين، ثم قرأ: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠] الآية.
وقال: مَن طلب الرَّاحةَ بالراحة عُدِمَ الراحة.
وسئل عن التوبة فقال: التَّباعُدُ عن المَذْمومات كلِّها إلى المَمْدوحات كلِّها.
وقيل له: ما أشْهى الطعام؟ فقال: لُقمةٌ من ذكر الله، رُفِعت من مائدة الرِّضى عن الله، وجُعِلَت في فمِ اليقين بيد التوحيد.
[وقال في "المناقب"] كان ينشد: [من مخلع البسيط]
الشَّوقُ والوَجْدُ في فؤادي … قد مَنَعاني من القَرار
هما معي لا يُفارِقاني … فذا شِعاري وذا دِثاري
[قال الخطيب وغيره:] تُوفي الكتَّاني ﵀ بمكة في هذه السنة، وقيل: في سنة ثمانٍ وعشرين [وثلاث مئة، والأول أصح]، وصَحِب الجُنَيد، والخرَّاز، والنُّوري، وعباس بن المهتدي [وغيرهم] (٢).
стр. 7915
هارون بن غَريب، خالُ المقتدر
قد ذكرنا أنَّه كان يَتَقَلَّد حُلْوان، وأنَّه حَشَد وقَصد بغداد، ونزل النَّهْرَوان، وكان الرَّاضي يَتَخَيَّل منه، فبعث إليه محمد بن ياقوت، فحاربهم هارون فقتلوه، وقد ذكرنا كيفيَّة قتله، وحَملوا رأسَه إلى الرَّاضي فسُرَّ به، ثم بعث به إلى أهله، فجَمعوا بين رأسه وجسده، ودَفنوه عند قبر أبيه بقصر عيسى قريبًا من الكَرْخ، ﵀.
يعقوب بن إبراهيم
ابن أحمد بن عيسى، أبو بكر، البَزَّاز، بغداديُّ (١).
ولد سنة سبع وثلاثين ومئتين، وكان مُتَعبِّدًا، توفي ببغداد ليلة الجمعة في ربيع الآخر وهو ساجدٌ.
حدَّث عن الحسن بن عَرَفَة وغيره، وروى عنه الدارقطني وغيره، وكان ثقةً مأمونًا.
[وفيها توفي]
أبو علي الرُّوْذَبارِيّ الصُّوفي
[واختلفوا في اسمه، فقال أبو عبد الرحمن السُّلَمي:] اسمه: أحمد بن محمد بن القاسم بن منصور بن شَهْرَيار بن مُهْرَقاذاز بن فُرْغُدُد بن كِسرى (٢).
[وكذا ذكر ابن خَميس في "المناقب" (٣).
وقال الخطيب (٤): اسمه: محمد بن أحمد بن القاسم.
وقال قوم: اسمُه كنيتُه، وهو الأشهر، ولا يُعرف إلا بها، فلذلك ذكرناه في آخر السنة (٥).
стр. 7916
ذكر طرفٍ من أخباره:
قال الخطيب:] أصلُه من بغداد، وكان من أبناء الوزراء والرُّؤساء والكَتَبَة، صَحِب الجُنَيد، ولزمه وأخذ عنه، وصار أحدَ أئمَّة الزَّمان، وأقام بمصر وصار شيخَ الصوفية ورئيسَهم بها إلى أن مات (١).
[وحكى عنه أبو عبد الرحمن السُّلَمي أنَّه] كان يقول: أستاذي في التَّصوف الجُنَيد، وفي الحديث والفقه إبراهيم الحَرْبي، وفي النَّحْو ثَعْلَب، وفي رواية: وفي الحديث إبراهيم الحَرْبيّ، وفي الفقه أبو العباس بن سُرَيج (٢)، [وكان يفتخر بمشايخه].
وصحب النُّوري، وابن الجَلاء، والمسوحي وغيرهم.
وقال الحافظ محمد بن عمر الجِعابي: أتيتُ مسجدَ عَبْدان الأهوازي لأراه، فدخلتُ فرأيتُ شيخًا جالسًا وحده، مَليحَ الشَّيبة، وعليه هيئةٌ، فجلستُ إليه، فذاكَرَني بأكثر من مئتي حديث في الأبواب، وكنتُ قد سُلِبتُ في الطريق، فأعطاني الذي كان عليه، فلمَّا دخل عَبْدان المسجدَ ورآه اعتنقَه وبشَّ به، فقلتُ: مَن هذا الشيخ؟ قالوا: أبو علي الرُّوْذَباري.
[وحكى الخطيب عن أبي علي الروذباري أنَّه] قال: أنفقتُ (٣) على الفُقراء كذا وكذا ألفًا، فما وَضَعتُ شيئًا في يد فقير، بل كنتُ أضَعُ ما أُعطي في يدي، فيأخذه الفقير من يدي، حتى تكونَ يدي تحت أيديهم، ولا تكون يدي فوق يد فقير.
[وحكى عنه في "المناقب" أنَّه] قال (٤): رأيتُ في البادية غلامًا حَدَثًا، فقال لي: يا أبا علي، أما كفاه أنَّه أبلاني بحُبِّه (٥) حتى أعَلَّني، ثم قال: [من الهزج]
أيا مَن ليس لي منه … وإن عَذَّبَني بُدُّ
стр. 7917
ويا مَن حلَّ في قلبي … محَلًّا ما له حدُّ
إذا لم يَرْحَمِ المَولى … إلى مَن يَشتكي العبدُ
ووقع ميتًا.
[وحكى عنه أيضًا] قال: دخلتُ مصرَ فرأيتُ الناس مجتمعين على شابٍّ مَيِّت، فقلتُ: ما هذا؟ فقالوا: سمع قائلًا يقول: [مجزوء الرمل]
كَبُرَتْ هِمَّةُ عينٍ (١) … طَمِعَتْ في أن تَراكَ
أوما يَكْفي لعيني … أن ترى مَن قد رآكَ
فشَهَق ومات. [وحكى عنه أيضًا أنه] قال: قدم علينا فقير، فأقام أيامًا ثم توفي، فلمَّا أردتُ أن أُواريه في التراب فتح عينيه وقال: يا أبا علي، أَتُذَلِّلُني بين يدي من يُدَلِّلُني؟! فقلتُ: يا حبيبي، أحَياةٌ بعد الموت؟! فقال: ما أنا ميت بل أنا حيّ، وكلُّ محبٍّ لله فهو حيٌّ، ولأنْفَعَنَّك غدًا بجاهي يا رُوذَباريّ.
ذكر نبذة من كلامه:
[حكى عنه في "المناقب" أنه قال:] (٢) فَضْلُ المَقال على الفِعال مَنْقَصَة، وفضلُ الفِعال على المَقال مَكْرُمَة.
قال: وقال: لو تكلَّم أهلُ التَّوحيد بلسان التَّجْرِيد لما بقي مُحِقٌّ إلا مات. وقال: كيف تُشاهِدُه الأشياء وبه فَنِيَت، وكيف تغيبُ عنه وبه ظَهَرَت.
وقال: تَشوَّقَت القلوبُ إلى مُشاهَدة الذَّات، فأُلْقيت إليها الأسامي فسَكَنت، والذَّاتُ مُسْتَتِرةٌ لا إلى أوان التَّجَلِّي، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] أي: وَقِفوا معها عن إدراك الحقائق.
وقال: المُشاهَداتُ للقلوب، والمُكاشَفاتُ للأسرار، والمُعايَنات للبَصائر، والمَرْئيَّات للأبصار.
стр. 7918
وقال: إذا قال الصُّوفيُّ بعد خمسة أيام: أنا جائعٌ فألْزِموه بالسُّوق (١) [، وأمروه بالكَسْب].
وقال: الخَوف والرَّجاء كجَناحَي طائر، إذا اسْتَوَيا قَويَ الطَّائر على الطَّيَران، فإن نَقَص أحدُهما وقع النَّقْص في الطائر، وإن عُدِما مات الطائر.
وقال: كان أربعةٌ في زمانهم: واحدٌ لا يَقبل من الإخوان ولا من السُّلطان، والثاني يَقبل من الإخوان والسُّلطان جميعًا، والثالث يأخُذ من الإخوان ويُكافئ عليه، ولا يأخذ من السُّلطان، والرابع يأخذ من السلطان ولا يأخذ من الإخوان.
فأما الذي لا يقبل من الإخوان ولا من السلطان فيوسف بن أَسْباط، وَرِث من أبيه سبعة آلاف دينار، أو سبعين ألف درهم، لم يأخذ منها درهمًا واحدًا، وكان يَسِفُّ الخُوصَ (٢) ويأكل من ثمنه.
وأما الذي يأخذ من الإخوان ومن السلطان فأبو إسحاق الفزاري، فكان ما يأخذه من الإخوان يُنفِقُه في المَستورين الذين لا يَلْبَسون (٣)، وما يأخذه من السلطان يُخْرِجُه إلى أهل طَرَسوس.
وأما الذي يأخذ من الإخوان ويُكافئ عليه فعبد الله بن المبارك، ولا يأخذ من السلطان.
وأما الذي يأخُذُ من السلطان ولا يأخذ من الإخوان فمَخْلَد بن الحسين، كان يقول: السُّلطان لا يَمُنُّ، والإخوان يَمُنُّون.
وسئل أبو علي عن السَّماع فقال: مُكاشَفَة الأسرار إلى مُشاهَدَة المَحْبوب، وقد بلَغْنا فبه إلى مكانٍ مثلِ حَدِّ السَّيف، إنْ مِلْنا كذا فإلى النار.
وقال: [من الخفيف]
стр. 7919
بك كِتْمانُ وَجْدِه بك عنه … لك منه وعنك مالك منه
ومتى لاحَ لائحٌ مَعْنَويُّ (١) … هام وَجْدًا عليك إنْ لم تَكُنْهُ
يا فَتى الحُبِّ بل فتى الحَقِّ سِرِّي … فيك مُسْتَودَعٌ لديكَ فَصُنْهُ
وقال: أظْهَر الله الأسامي إلى الخَلْق ليَسْكُنَ بها شوقُ المحبِّين، وتأنَسَ بها قلوبُ العارفين.
وأنشد لنفسه يقول: [من الكامل]
إنَّ الحقيقة (٢) غيرُ ما تَتَوَهَّمُ … فانْظُرْ لنفسِكَ أيَّ حالٍ تَعْزِمُ
أتكون في القوم الذين تأخَّروا … عن حقِّهم أم في الذين تَقَدَّموا
لا تُخْدَعَنْ فتَلُومَ نفسَك حين لا … يُجْدي عليك تأسُّفٌ وتَنَدُّمُ
وقال أيضًا: [من الطويل]
تَشاغَلْتُمُ عنِّي فكُلِّيَ أُنْكِرُ … لأنَّكمُ منِّي بما بيَ أَخْبَرُ
فإن شئتُمُ وَصْلي فذاك أُريدُه … وإن شئتُمُ هَجْري فذلك أُوْثِرُ
ألستُ أُرى أَهْلًا لحالٍ يَسُرُّكمْ … بذلك أَزْهُو ما حَيِيتُ وأَفْخَرُ (٣)
وقال أيضًا (٤):
أَدْرِكْ بَقيَّةَ رُوحٍ فيكَ قد تَلِفَتْ … قبل الفِراقِ فهذا آخِرُ الرَّمَقِ
ولو مَضى الكلُّ منِّي لم يكن عَجَبًا … وإنَّما عَجَبي في البعض كيف بَقي (٥)
стр. 7920
ذكر وفاته:
توفي (١) بمصر في هذه السنة، وقيل: في سنة ثلاث وعشرين وثلاث مئة.
ولمَّا احتُضر كان رأسه في حِجْر زوجته أم أيمن عَزيزة، وقيل: فاطمة (٢)، ففتح عَينيه وقال: هذه أبواب السماء قد فُتِحَت، وهذه الجِنان قد زُخْرِفَت وزُّيِّنَت، وهذا قائل يقول: يا أبا علي، قد بَلَّغناك المَرْتبةَ القُصوى وإن لم تسألها، وأعطيناك دَرجةَ الأكابر وإن لم تَطْلُبها.
أسند أبو علي الحديث، ومن إسناده إلى ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] قال: مَخافَةَ الإجلال.
قال المصنِّف ﵀ (٣): وزوجته فاطمة هذه كانت تَخرُج في كلِّ سنة من مصر لتودِّع الحاجَّ، فإذا رأت الجِمال وهي تمرُّ بها تنشد: [من الطويل]
فقلتُ دَعوني واتِّباعي رِكابَكم … أكن طَوْعَ أيديكم كما يَفْعَلُ العَبْدُ
وما بالُ زَعْمي لا يَهونُ عليهمُ … وقد عَلِموا أنْ ليس لي منهم بُدُّ
ثم تقول: واضَعْفاه، هذه حَسْرَةُ مَن انقطع عن البيت، فكيف حَسْرَةُ مَن انقطع عن ربِّ البيت (٤).
стр. 7921
السنة الثالثة والعشرون وثلاث مئة (١)
فيها قلَّد الراضي ابنَيه الأميرَين أبا جعفر وأبا الفَضْل المشرق والمغرب، واستكتب لهما أبا الحسين علي بن محمد بن مُقْلَة، وخلع عليه، فاستخلف سعيد بن عمرو بن سنجلا، ونُفِّذَت الكتب إلى الحسن بن عبد الله بن حمدان وكان على الموصل والجزيرة وغيرها بذلك.
وفيها بلغ الوزير أبا علي بن مُقْلَة أنَّ ابن شَنَبُوذ يُغيِّر حُروفًا من القرآن، ويَقرأ بخلاف ما أُنْزِل، فاستَحْضَره في أول ربيع الآخر، واعتقَلَه، واستَحْضر عمر بنَ محمد القاضي، وأحمد بن موسى بن مُجاهد، وجماعةً من أهل القرآن، ونُوظِر، فأغلظ للوزير في الخطاب والقاضي وابنِ مجاهد، ونسبهم إلى الجهل، وأنَّهم ما سافروا في طلب العلم كما سافر، فأمر الوزير بضَرْبه، فنُصِبَ بين الهِنْبازَين، وضُرب سبْعَ دِرَرٍ، وهو يدعو على الوزير بأن تُقْطَعَ يدُه، ويُشتَّتَ شَمْلُه.
ثم أُوقِف على الحروف التي قيل إنَّه يقرأ، فأَنْدَر (٢) منها ما كان شَنيعًا، وما سواه قال: قد قرأ به قومٌ، فاستتابوه، فتاب ورجع عن ما كان يَقرأ به، وأنَّه لا يقرأ إلا بما في مُصحف عثمان رضوان الله عليه وبالقراءة المشهورة، وكتب عليه الوزيرُ مَحْضَرًا بما سمع من لَفْظه، وأخذ خطَّه عليه، وقيل للوزير: إن رجع إلى منزله نهارًا قتلَتْه العامة، وسأل أن يُبْعَد إلى المَدائن ليقيمَ بها أيامًا، ثم يرجع منها إلى بغداد مُسْتَخفيًا ولا يظهر، فأجابه.
وممَّا أُخذ عليه أنَّه كان يقرأ: "إذا نُودِي للصَّلاةِ من يوم الجمعة فامْضُوا إلى ذِكْرِ الله"، ومنها "وتجعلون [شُكْرَكم] أنَّكم تكذِّبون"، "وكان أمامَهم ملكٌ يَأخُذُ كلَّ سفينةٍ صالحةٍ غَصْبا"، "وتكون الجِبالُ كالصُّوفِ المَنْفُوش"، و"تَبَّتْ يَدا أبي لهَبٍ وقد تَبَّ"، "فلمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الإنسُ أنَّ الجِنَّ لو كانوا يَعلَمون [الغَيبَ] لَما لَبِثوا حَوْلًا في العَذابِ
стр. 7922
المُهِين"، "واللَّيلِ إذا يَغْشَى والنَّهارِ إذا تَجَلَّى والذَّكَرِ والأُنْثى" (١). وأشياءَ من هذا الجِنْس، فاعْتَرف بها، ويقال: إنَّه نُفِيَ إلى البَصْرة أو إلى الأهْواز، فماتَ بها (٢).
وفيها صَرَف الرَّاضي أئمَّةَ المساجد الجامعة؛ لأنَّه بلغه أنَّهم يَدْعون على المنابر لمحمد بن ياقوت بعده.
وفي شهر ربيع الآخر (٣) شَغَب الجُند، وصاروا إلى دار محمد بن ياقوت، وطَلبوا أرزاقَهم، فأغْلَظَ لهم، فغضبوا، وهَجَموا عليه ليقتلوه، فدافع عنه غِلمانُه، ودخل إلى دار الحُرَم، فجاء الوزير إليهم وسكَّنَهم، ثم عادوا في اليوم الثاني، وخرجوا إلى الصحراء، وعاوَنَهم العامةُ، فعَبَروا إلى الجانب الغربي، وفتحوا السُّجونَ والمُطْبِق (٤)، وحُبِس القاضي، وأخرجوا مَن كان بها، وعَظُمَت الفِتنة، ووقع القتال والنَّهْب، فنَهبوا جميعَ ما كان في دَكاكين الناس، وركب بدر الخَرْشَني ليُسَكِّنَهم، فرَمَوه بالنُّشَّاب، واتَّفقَت الحُجَرِيَّة والسَّاجيّة، وقصدوا دارَ الخليفة فمنعهم الحُجَّاب، فكاشفوا محمدَ بنَ ياقوت وقالوا: لا نرضى أن تكون رئيسًا علينا، وكان قد أمر بإخراج رجاله من البلد، فلم يلتَفِتوا، وأحاطوا بدار الخليفة، وحَصَروها، وأقاموا أيامًا على ذلك، ثم أرضاهم فسَكَنْوا.
стр. 7923
وفيها قَبض الرَّاضي على المُظَفَّر ومحمد ابنَي ياقوت، وحبسهما في دار الخليفة، وكان ابن مُقْلَة قَلِقًا من غَلَبَة محمد بن ياقوت على تدبير الأمر واستيلائه على الدَّواوين، فأخذ في الحيلة عليه سِرًّا، فتمَّ له ذلك، ولمَّا كان يوم الإثنين لستٍّ خَلَون من جمادى الأولى ركب القُوَّادُ إلى دار السُّلطان على رَسْمهم في أيام المَواكب، وحضر الوزيرُ على عادته، وحضر محمد بن ياقوت وكاتبُه أبو إسحاق القَرارِيطيّ، وجلسوا في الصَّحْن التّسْعيني، فخرج بعضُ الخدم فقال لمحمد بن ياقوت: الخليفةُ يطلبُك. فقام مُبادرًا ودخل، فعَدَلوا به إلى حُجْرة في الدِّهْليز، فاعتقلوه بها، وأخذوا سيفَه ومِنْطَقَتَه، وفعلوا بالقَراريطي والمُظَفَّر بن ياقوت كذلك، وجلس عند أخيه.
ورتَّب الوزير الغِلْمان الحُجَريّة والسَّاجِيّة في دار السُّلطان ليَحفظوها، وبعث بمُفْلِح الخادم الأسود إلى دار محمد بن ياقوت ليحفظها، ونُهِبَت دورُ القراريطي وأصحابِ ابن ياقوت.
وقلَّد الرَّاضي حُجْبَتَه مكان ابنِ ياقوت أبا فَهْم مولى الراضي، وأخذ الوزيرُ خطَّ القراريطي بخمس مئة ألف دينار، واستقامت الأمورُ لابن مُقْلَة في الأمر والنَّهي، والولاية والعَزْل من غير مُنازع.
وفيها شَغَب الجُنْدُ على ابن مُقْلَة، ونَهبوا دارَه، فأرضاهم بمالٍ، فسَكَنوا.
وفي جُمادى الأولى جَرت فتنةٌ عظيمة ببغداد من البَرْبَهاري الحَنْبَلي وأصحابه، فأمر الراضي بدرًا الخرشني أن يركبَ ويُنادي في جانبي بغداد: أن لا يجتمع أحدٌ من أصحاب البَرْبهاري، واستتر [البَرْبَهاري]، وكتب الراضي كتابًا إلى الحنابلة أغلظ لهم فيه (١).
وفي هذا الشهر هَبَّت ببغداد ريحٌ عظيمةٌ (٢)، واسْوَدَّت الدنيا وأظْلَمت من العصر إلى المغرب، وجاءت رُعودُ عظيمةٌ، وبُروق هائلة.
وفي جُمادى الآخرة شَغَب الجُندُ بالمطالبة بالأرزاق، وصاروا إلى دار ابن مُقْلَة وابنه، ونَقَبوا الدَّار، ورَماهم الغِلمان بالنُّشَّاب، ودخلوا الدار ومَلَكوها، وخرج ابن
стр. 7924
مُقْلَة وولدُه منها إلى الجانب [الغربي]، وركب السَّاجِيَّةُ، ورَفَقوا بالجُند، وراسلوهم، فانصرفوا، وعاد الوزير [وابنه] إلى منازلهما، ونُودي في أصحاب ابن ياقوت وغلمانه وأسبابه: لا يُقيمُ أحدُ منهم ببغداد؛ لأنَّ ابن مُقْلَة اتَّهَمهم بذلك (١).
وفي رجب قُبِض على العباس بن المقتدر من داره بالرُّصافَة، وحُمِل إلى دار الخليفة، وطُلب أخوه عبد الواحد فلم يُظْفَر به؛ لسَعْيٍ وقع لهما في الخلافة.
وفيها وصل أبو العباس الخَصِيبي من البحر مُسْتَترًا لمَّا أفلت من عُمَان، وعلم ابنُ مُقْلَة، فكبَسَ عدَّة مواضع، فلم يَظْفَر به، فأمسك عن طَلَبه.
وفيها هدم ابنُ مُقْلَة مَنازلَ أبي الفَرَج محمد بن جعفر بن حَفْص، وسببُه أنَّ ابنَه أبا جعفر كتبَ رُقْعَةً إلى الرَّاضي يَطلبُ الوزارة على يد مُفْلح الخادم، فبعث الرَّاضي بالرُّقْعَة إلى ابن مُقْلَة، وحَبَس الخادم، فهدم ابن مُقْلَة مَنازلَ ابن حفص ودورَ أهله، وقطع شجرَ بساتينهم، وواصل الكَبْسات في طَلَب أبي جعفر والخَصيبي، فلم يَظْفَر بهما.
ذكر قصة سعيد بن حَمْدان:
كان قد ضَمِن المَوْصِلَ وديارَ ربيعة سِرًّا من ابن أخيه الحسن بن عبد الله بن حَمْدان، وخُلِع عليه ببغداد، وكان ابن أخيه ضامِنًا للبلاد، فخرج أبو العلاء سعيد في صورة مَن يُساعد ابنَ أخيه في تَخْليص الضَّمان في خمسين فارسًا من غلمانه، فدخل الموصل، وعرف ابن أخيه خبرَ مُوافاته، فخرج نحوه مُظْهِرًا لتَلَقِّيه، واعتمد أن يُخالِفَه في الطريق.
ومضى أبو العلاء إلى دار ابن أخيه فنزلها، وسأل عنه فقيل: خرج للقائك، فجلس ينتظره، ولمَّا علم الحسن بأنَّ عمَّه في داره وَجَّه غِلمانَه، فقبضوا عليه وقَيَّدوه، فلمَّا كان ليلة نصف رجب وجَّه غلمانه إلى عمِّه فقتلوه، ولم يَجتمعا، وحُمل إلى الحُسَينية فدُفِن بها.
وعلم الرَّاضي فأنكر ذلك إنكارًا عظيمًا، وتقدَّم إلى أبي علي بن مُقْلَة بالخروج إلى الموصل والإيقاع بالحسن، فخرج في السَّاجِيَّة والحُجَرِيّة وجميعِ الجيش، وشَيَّعه أربابُ الدولة وابنُه أبو الحسين، واسْتَخْلَفَه مَوْضِعَه.
стр. 7925
وكان ابن مُقْلَة قد سعى في مُصادَرَة علي بن عيسى على خمسين ألف دينار بكتاب افْتَعَلَه إلى الحسن بن عبد الله بن حَمْدان عن الرَّاضي، مَضْمونُه: أن لا يفرج عن ضَمانه، ولا يحمل من ماله شيئًا إلى الحَضْرة، وأن يمنع مَن يحمل المِيرَة إلى بغداد.
فلمَّا اتَّفق تسيير ابن مُقْلَة إلى الموصل؛ أُطْلِق علي بن عيسى من المَوْصِل [إلى منزله بعد أداء المال، وانحدر إلى ضيعته بالصَّافِيَة، و] خرج (١) منها الحسن يوم الأربعاء لستٍّ بقين من شعبان، فتبعه ابن مُقْلَة، فصَعِد جبلَ التِّنِّين، ودخل بلد الزَّوْزان، فعاد ابنُ مُقْلَة إلى المَوْصل، وأقام يَسْتَخرج الأموال، ويَسْتَسلِفُ من التُّجّار مالًا على أن يُطلِقَ لهم من غلَّات البلد، فاجتمع له أربعُ مئة ألف دينار.
ولمَّا طال مُقامُه بالمَوْصل احتال سَهْلُ بن هاشم كاتبُ الحسن، وكان مُقيمًا ببغداد، فبذل لأبي الحسين بن الوزير عشرةَ آلاف دينار حتى يكتب لأبيه بأنَّ الأمور بالحَضْرَة قد اضطربت، وأنَّه متى تأخَّر لم تُؤمَن حادثةٌ يَبْطُل بها التَّدبير، فانزعج الوزيرُ وقلَّد المُعاون بها ما كرد الدَّيلَمي من السَّاجِيَّة (٢)، وانصرف إلى الحَضْرة، فدخل بغداد مُسْتَهَلَّ ذي القعدة، وخرج الأميرُ أبو الفضل [مُتَلقّيًا]، ولقي الوزيرُ الرَّاضي، فرحَّبَ به، ومضى إلى منزله، وكان قد كتب إلى ابنه أبي الحسين بأن يكتب كتابًا إلى علي بن عيسى يُطيِّبُ قلبَه فيه، ويَعِدُه وَعْدًا جميلًا، ويُخيِّرُه بين الانصراف إلى منزله بمدينة السَّلام أو المُقام بالصَّافِيَة، فكتب إليه فقال: أختارُ المُقامَ بالصَّافِيَة.
وكان السَّبب في ذلك ابن مُقْلَة؛ لمَّا وَصل إلى المَوْصِل كتب إلى الحسن بن عبد الله بن حَمْدان كتابًا يُطيِّبُ فيه قلبه، ويَعِدُه فيه بالخير، ويؤمِّنُه إن عاد إلى الطَّاعة، فقال
стр. 7926
الحسن للرسول: ليس بيني وبين هذا الرجل حديثٌ، ولا أقبل ضَمانَه؛ لأنَّه لا عَهْدَ له ولا وَفاءَ ولا ذِمَّةَ، ولا أقبل منه شيئًا، اللهمَّ إلا أن يَتوسَّطَ أبو الحسن علي بن عيسى بينه وبيني، ويَضمنَ لي عنه؛ فإنَّني أسكنُ إلى ذلك وأقبَلُه.
وفي رمضان بلغ ابن مُقْلَة أنَّ في بعض الدُّور المُلاصِقَة للزَّاهِر رجلًا (١) يأخذ البيعةَ على الناس لإنسانٍ لا يُعرَف، ويَبذلُ لهم الرِّزق والصِّلَة، ويُعطيهم خواتيمَ، فاحتال ابن مُقْلَة عليه، وبعث رجلًا يقال له: أبو محمد الشّكري (٢)، فاجتمع به، وأخذ البَيعةَ عليه لجعفر بن المُكْتَفي، وذكر أنَّ جماعةً من القوَّاد قد أجابوه منهم يانس المؤنسي وفلان وفلان، واجتمع ابن مُقْلَة بالرَّاضي وأخبره، فقبض على الرَّجل، وعلى جعفر بن المُكْتفي، وحَبَسه، واستحى من يانس أن يَقبض عليه، فولَّاه قِنَّسرين والعَواصم، فخرج إليها، ونَهب مَنزل جعفر بن المكتفي.
وفي شوال بعث الرَّاضي للوزير ابن مُقْلَة خِلْعَةً وهديّة، وطيبًا وشرابًا، وأمره بالتَّخَلِّي للشّرب، ففعل ذلك.
وفيها عاد الحسن بن حَمْدان إلى المَوْصل، وطرد عنها ماكرد الدَّيلَمي بعد أن التقيا، فكانت الدَّبَرَة أولًا على الحسن، ثم التقيا على باب الرُّوم بنَصيبِين، فهزمه ابنُ حَمْدان، فهرب إلى الرَّقَّة، ونزل منها إلى بغداد، وكتب الحسن إلى بغداد يَسأل الصَّفْحَ عنه، وأنَّه يعود إلى الضَّمان، فأُجيب إلى ذلك.
وخرج الناس يحجُّون ومعهم لؤلؤ غلام المُتَهَشِّم يُبَذْرِقُهم، فاعترضه أبو طاهر سَحَر يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي القعدة، فانهزم لؤلؤ وبه ضَرباتٌ كثيرة، وقتل أبو طاهر الحاجَّ، وسَبى منهم شيئًا كثيرًا، والتجأ الباقون إلى القادسية، ثم تسلَّلوا إلى الكوفة وبغداد، وبطل الحجُّ في هذه السنة.
стр. 7927
وفي ليلة الأربعاء المذكورة بعينها انْقَضَّت النُّجوم من أول الليل إلى أن أسْفَر الصُّبح انقضاضًا مُسْرِفًا جدًّا لم يُعْهَد مثلُه ولا ما يقاربه.
وفي ليلة الجمعة لثلاث عشرة خلت من ذي الحجة مات أبو بكر محمد بن ياقوت في الحَبْس في دار الخليفة، وأُحضِر القاضيان أبو الحسين وأبو الحسن محمد بن صالح والشُهود، وأُخرج محمد بن ياقوت، ففَتَّشوه فلم يَرَوْا به أَثَرًا، فعلموا أنَّه مات حتْفَ أنفِه، ثم سُلِّم إلى أهله فكفَّنوه ودفنوه، وباع الوزيرُ ابن مُقْلَةَ أملاكَه وضِياعَه.
وفيها غَلا السِّعرُ ببغداد، فبيع الكُرُّ [من الحِنْطَة] بمئة وعشرين دينارًا (١)، والشعيرُ بتسعين دينارًا، وأقام الناس أيامًا لا يَجدون القمح، فأكلوا خُبزَ الذُّرَة والدُّخْن والعَدَس.
وفيها قدم غلمان مَرْداويج الدَّيلَمي إلى بغداد وفيهم بَجْكَم، فاضطربت الحُجَريّة لذلك، وظنُّوا أنَّها حِيلةٌ عليهم، فاجتمعوا إلى الوزير، وسألوه أن يُرضِيَهم وَيرُدَّهم، فاستدعى جماعةً منهم، وعرض عليهم أن يَنضَمُّوا إلى محمد بن علي غُلام الرَّاشدي، ويُقلِّدَه الجَبَل، ويُطلَق لهم مالٌ مقدارُه أربعة عشر ألف دينار برَسْم نفقاتهم، فعرَّفوا أصحابَهم فلم يَقْنَعوا.
وكان خبرُهم قد اتَّصل بأبي بكر محمد بن رائق وهو بواسط يتقلَّد أعمال المعاون والبصرة (٢)، فكاتَبَهم، ووَعدهم الإحسان، فمضَوا إليه، فقَبِلَهم وأحسنَ إليهم، وزاد في أرزاقهم، ورأَس عليهم بَجْكَم التُّركيّ، ورفع منه، ومَوَّلَه، وأحسن إليه وأفرط في ذلك، وأمرهم بأن يكاتبوا كلَّ مَن في الجَبَل من الأتراك والدَّيلَم وغيرَهم بأن يَصيروا إليه، ففعلوا، فصار عنده منهم عدَّةٌ وافِرة، فأثْبَتَهم، وضمَّهم إلى بَجْكَم.
وفيها كتب محمد بن رائق إلى الرَّاضي أن يُضمِّنَه أعمال الخَراج بواسِط والبصرة، وكان أبو يوسف البَريدي قد ضَمِنَها من ابن مُقْلَة، وكان ابن رائق على المعاون، وكان
стр. 7928
محمد وأحمد ابنا علي بن مُقاتل قد انحدرا إلى ابن رائق واعتصما به؛ لعِظَم ما نالهما من المُصادرات من وزراء بغداد، فقَبِلَهما أحسنَ قَبول، وغَلبا عليه، فأشارا عليه بضَمان هذه الأماكن، فبعث الحُسينَ بن علي إلى ابن مُقْلَة في ذلك، وقدَّم ثلاثين ألف دينار، فضمَّن ابن مُقْلَة الحسينَ بن علي، فرجع إلى ابن رائق، ومضى أبو يوسف البريدي إلى الأهواز، وأراد ابنُ رائق القبضَ عليه فلم يقدر.
[فصل]: وفيها توفي
إبراهيم بن حَمَّاد
ابن إسحاق بن إسماعيل بن حَمَّاد بن زيد، أبو إسحاق، الأزْديّ (١).
ولد في رجب سنة أربعين ومئتين، وسمع خَلْقًا كثيرًا، وكان فا ضلًا، زاهدًا، عابدًا.
[وحكى الخطيب قال: قال لنا أبو الحسن الجرَّاحي:] (٢) ما أتيتُ إبراهيم بن حَمَّادٍ قطُّ إلا وجدتُه قائمًا يصلِّي، أو جالسًا يقرأ.
وكانت وفاتُه ببغداد في صفر.
حدث عن الحسن بن عرفة وغيره، وقال [أبو بكر النيسابوري]: ما رأيتُ أعبَدَ منه (٣).
[وفيها توفي]
إبراهيم بن محمد
ابن عَرَفة بن سُليمان بن المُغيرة بن حَبيب بن المُهَلَّب بن أبي صُفْرَة، أبو عبد الله، الأَزْدي، العَتَكي، الواسِطي، النَّحوي، ويُعرَف بنِفْطَوَيه (٤).
стр. 7929
ولد بواسط سنة أربعين [ومئتين، وقال ثابت بن سنان:] سنة خمسين ومئتين (١)، وقرأ النحو والأدب، وبرع في العلوم، وسكن بغداد، وله التَّصانيفُ الحِسان، والشِّعرُ الجيِّد (٢)، فمنه (٣): [من الطويل]
أحبُّ من الإخوان كُلَّ مُواتي … وكلَّ غَضِيضِ الطَّرْفِ عن عَثَراتي
يُطاوعُني في كلِّ أمرٍ أُريدُه … ويَحْفَظُني حيًّا وبعد وَفاتي
ومَن لي به يا ليتني قد أَصَبْتُه … أُقاسِمُهُ رُوحي ومن حَسَناتي
وله (٤): [من البسيط]
أستغفرُ الله ممَّا يعلمُ الله … إنَّ الشَّقيَّ لمَن لا يَرْحَمُ الله
هَبْهُ تَجاوَزَ لي عن كلِّ مَظْلَمَةٍ … واسَوْأتا من حَيائي يومَ ألقاه
وله (٥): [من البسيط]
أهْوى المِلاحَ وأهوى أن أُجالِسَهم … وليس لي في حَرامٍ منهمُ وَطَرُ
كم قد خَلَوتُ بمَن أهوى فيَمْنَعُني … منه الحَياءُ وخوفُ الله والحَذَرُ
كم قد خَلَوْتُ به يومًا فتُقْنِعُني … منه الفُكاهَةُ والتَّحْديثُ والنَّظَرُ
كذلك الحُبُّ لا إتيانُ مَعْصِيةٍ … لا خيرَ في لَذَّةٍ من بعدها سَقَرُ
وقال الخرائطي: أنشدني سَلامة بن عَبَّاد قال: أنشدني نفطويه: [من مجزوء الكامل]
إنَّ المَرائي (٦) لا تُريـ … ـكَ خُدُوْشَ وجهكَ معْ صَداها
وكذاك نفسُك لا تُريـ … ـكَ عُيوبَ نفسكَ معْ هواها
стр. 7930
وكان نفطويه يتكلَّم بالنحو دائمًا، قال أبو بكر بن شاذان: بكَّر إبراهيم يومًا إلى دَرْب الرَّوَّاسِين، فلم يعرف المَوْضع، فتقدَّم إلى رجلٍ يَبيع البَقْل فقال: أيُّها الشيخ، كيف الطَّريقُ إلى دَرْب الرَّوَّاسين؟ فالتفت الشيخ إلى جارٍ له فقال: يا فلان، ألا ترى إلى الغلام فعل الله به وصَنع، فقد احتبس عليَّ، فقال: وما الذي تُريدُ منه؟ قال: يجيئُني بباقَةِ سِلْقٍ حتى أصْفَع بها هذا الماصَّ بَظْرَ أُمِّه، قال نِفطويه: فانصرفتُ من غير أن أجيبَه بشيء (١).
ذكر وفاته:
[حكى الخطيب عن أحمد بن كامل القاضي قال:] مات [نفطويه] يوم الأربعاء لستٍّ خَلَون من صفر، ودُفن يوم الخميس في مَقابر باب الكوفة، وصلَّى عليه البَرْبَهاري الحَنْبَليّ، وكان يَخضِبُ بالوَسْمَة، ومات عن ثلاثٍ وثمانين سنة.
حدَّث عن إسحاق بن وهب وغيره، وروى عنه المُعَافى بن زكريا وغيره، وكان صدوقًا ثقةً صالحًا.
[وفيها توفي]
أحمد بن جعفر
ابن موسى بن يحيى بن خالد بن بَرْمك، أبو الحسن، النَّديم، ويعرف بجَحْظَة (٢).
ولد في شعبان سنة أربع وعشرين ومئتين، وكان حسن الأدب، كثيرَ الرواية للأخبار والأشعار، متصرِّفًا في فنون العلوم، عارفًا بصناعة الشِّعر والنجوم، حاذِقًا باللغة والنحو.
[قال الخطيب:] وأما في صنعة الغِناء فلم يلحَقْه أحدٌ في زمانه (٣).
стр. 7931
ومن شعره (١): [من الطويل]
لنا صاحبٌ من أَبْرَعِ الناسِ في البُخْل … وأفْضَلِهم فيه وليس بذي فَضْلِ
دَعاني كما يَدعو الصَّديقُ صَديقَه … فجئتُ كما يأتي إلى مِثلِه مثلي
فلمَّا جَلَسْنا للغَداء رأيتُه … يرى أنَّما من بعض أعضائه أكلي
ويَغْتاظُ أحيانًا وَيشْتُمُ عبدَه … وأعلم أنَّ الغَيظَ والشَّتْمَ من أجلي
أَمُدُّ يدي سرًّا لآكلَ لُقمةً … فيَلْحَظُني شَزْرًا فأعبَثُ بالبَقْلِ
إلى أن جَنَتْ كفِّي لحَيني جِنايةً … وذلك أنَّ الجوعَ أَعْدَمَني عقلي
فأهْوَت يميني نحو رِجْلِ دجاجةٍ … فجُرَّتْ كما جَرَّت يدي رِجْلَها رجلي
وقال (٢): [من الكامل]
قُلْ للَّذين تَحصَّنُوا عن راغِبٍ … بمَنازلٍ من دونها حُجَّابُ
إن حال دون (٣) لقائكم بوَّابُكم … فالله ليس لبابه بَوَّابُ
وقال أيضًا: [من السريع]
قد نادَتِ الدُّنيا على نفسها … لو كان في العالم مَن يَسمَعُ
كم واثقٍ بالعُمْرِ وارَيتُهُ … وجامِعٍ بَدَّدْتُ ما يَجمَعُ
وقال أيضًا: [من الطويل]
رَحَلْتُم فكم من أَنَّةٍ بعد أَنَّةٍ … مُبَيِّنَةٍ للناس حُزْني عليكمُ
وقد كنتُ أعْتَقْتُ الجُفونَ من البُكا … وقد رَدَّها في الرِّقِّ شَوقي إليكمُ
وكان بين جَحْظة وبين ابن مُقْلَة صداقةٌ قبل أن يُستوزَر، فلمَّا استُوزِرَ استأذَن عليه جَحْظة فلم يأذن له، فكتب إليه: [من البسيط]
قُل للوزير أدام الله دَوْلَتَه … اذْكُرْ مُنادَمَتي والخُبْزُ خُشْكَارُ
إذ ليس بالباب بِرْذَونٌ لنَوْبَته … ولا حمارٌ ولا في الشَّطِّ طَيَّارُ (٤)
стр. 7932
وكتب له ابنُ مُقْلَة بصِلَةٍ، فمَطَلَه الجِهْبِذ، فكتب إليه: [من الوافر]
إذا كانت صِلاتُكُم رِقاعًا … تُخَطَّطُ بالأنامِلِ في الأَكُفِّ
ولم تُجْدِ الرِّقاعُ عليَّ نَفْعًا … فها خَطِّي خُذوه بألفِ ألفِ
وقال جَحْظَة: أضَقْتُ إضاقةً شديدةً، حتى لم يبْقَ في داري غيرُ البَواري، وكان جاري ابنَ أبي عَبَّاد الكاتب، وقد ترك الخدمة ولَزِم بيتَه لِنِقْرِسٍ أصابه، وكان يُحمَل في مِحَفَّة، وكان كبيرَ النَّفْس، عالي الهِمَّة، واسِعَ النِّعمة، فكتبتُ إليه: [من المجتث]
ماذا تَرَى في جُدَيٍّ … وفي غَضارٍ بَوارِدْ
ومُسْمِعٍ ليس يُخطي … من نَسْلِ يحيى بن خالد
فلم أشعُر به إلا وهو في المِحَفَّة على رؤوس الناس، فقمتُ إليه وقلتُ: ما الذي جاء بك؟ قال: أنت، قلت: إنَّما قلتُ لك: ماذا ترى؟ فو الله إنَّ بيتي لأَفْرَغُ من فؤاد أمِّ موسى، فقال: قد جئتُ، كان يمكن ولا يمكن رجوعي (١)، ودخل فلم يَرَ في بيته شيئًا، فقال: يا أبا الحسن، هذا والله الفقرُ.
ثم أرسل إلى داره، فاستدعى أطعمةً وأشربةً وآنيةً وقماشًا وفُرُشًا، وبات عندي، فلمَّا أصبح جاؤوه بالمِحَفَّة، فقال: يا أبا الحسن، احتفظ بما حُمِل إليك، وقف مكانك فالكلُّ لك، فحسبتُه فكان بألوف الدَّنانير.
[توفي جحظة في هذه السنة،] وقيل (٢): إنَّ جحظة مات في سنة أربعٍ وعشرين وثلاث مئة ببغداد (٣)، وحمل تابوتُه إلى واسط.
محمد بن إبراهيم بن عَبْدَويه
أبو عبد الله، الهُذَليّ، من ولد عبد الله بن مسعود ﵁، نَيسابوري (٤).
стр. 7933
رحل في طلب العلم، وصنَّف الكتب، وكان فاضلًا.
خرج حاجًّا، فأصابتْهُ جِراحةٌ في نَوْبَة القِرْمِطيّ، فرُدَّ إلى الكوفة فمات بها.
حدَّث عن أبي الحسن بن جَوْصا وغيره، وروى عنه الدارقطني وغيره، وكان ثقة.
[وفيها توفيت]
فاطمة النَّيسابورية
[العابدة]، الزَّاهدة، [لها الكلام المَليح.
حكى أبو عبد الرحمن السُّلَميّ، عن محمد بن مِقْسَم قال:] قيل (١) لذي النُّون المِصري: مَن أجلُّ مَن رأيتَ؟ قال: [أجلُّ مَن رأيتُ] امرأةً بمكة يقال لها: فاطمة النَّيسابورية، كانت تتكلَّم في فَهْم القرآن ونتعَجَّب منها.
[قال ذو النون:] وكانت وليَّةً من أولياء الله، وهي أستاذتي، سمعتُها تقول: مَن لم يكن الله منه على بال؛ فإنَّه يَتخطَّى في كل مَيدان، ويتكلَّمُ بكلِّ لسان، ومَن كان الله منه على بالٍ أَخْرَسَه إلا عن الصِّدق، وألزَمَه الحَياءَ منه والإخلاصَ.
قال: وقالت: مَن عَمل لله على المُشاهَدة فهو عارفٌ، ومَن عمل على مُشاهَدة الله إياه فهو مُخْلِص، وقال السُّلَميّ: كانت فاطمة من قُدَماء [نساء] خُراسان، أتى إليها أبو يزيد البِسْطامي فزارها، وكان ذو النُّون يسألها عن مسائل، وكانت مُجاورَةً بمكة، وتأتي إلى القُدس ثم تعود إلى مكة.
وقال أبو يزيد البِسْطامي: ما رأيتُ في عمري مثلَها، ما سألتُها عن مَقامٍ من المَقامات إلا وكان عندها منه خَبَرٌ؛ كأنَّها تُعاينُه.
خرجت فاطمة من مكة لتعتمر، فتُوفِّيَت في طريق العُمرة [رحمها الله.
стр. 7934
وفيها توفي]
محمد بن عبد الله
ابن عبد الرحمن بن زياد بن يزيد بن هارون، أبو عبد الله، الزَّعْفَراني، ويُعرَف بابن بُلْبُل (١).
كان صالحًا ثِقةً، [روى عنه الخطيب أنه] قال: رأيتُ النبيَّ ﷺ في المنام سنة نَيِّفٍ وتسعين ومئتين، وفي رأسه ولحيته بَياضٌ [كثير، فقلتُ: يا رسول الله، بلَغَنا أنَّه لم يكن في رأسك ولحيتك بياضٌ كثير] إلا شَعَراتٍ بيض؟! فقال: "ذلك لدخول [سنة] ثلاث مئة".
حدَّث عنه الدَّارقُطني، وكان صَدوقًا ثِقةً.
موسى بن العباس بن محمد
أبو (٢) عِمران، النَّيسابوري، الحافظ.
رحل إلى الأمصار، وسمع الحديث، وصنَّف "الصَّحيح" على ترتيب مُسلم، ورجع فتوفِّي بجُوَين.
سمع عباس بن الوليد وغيره، وروى عنه الحسن بن سفيان وهو أكبر منه وغيره، وكان ثقةً.
стр. 7935
السنة الرابعة والعشرون وثلاث مئة
فيها توفي الأمير هارون بن المقتدر في ربيع الأول، واغتمَّ عليه أخوه الرَّاضي غمًّا شديدًا، وأمر بنفي بُخْتَيشوع بن يحيى المُتَطَبِّب من بغداد؛ لأنَّه اتَّهمه به بتَعَمُّد الخطأ في تدبير مرضه، فأُخرج إلى الأنبار، ثم شَفعَت فيه والدة الراضي، فعفى عنه، وأمر بردِّه إلى منزله فرُدَّ.
وفي يوم الجمعة سَلْخ ربيع الأول أُطلق المُظَفَّر بن ياقوت من حبسه من دار السلطان بمسألة الوزير أبي علي بن مُقْلَة فيه، وحلف المظفَّر للوزير على الوَلاء والمُصافاة، وأن لا يَسعى له في مَكروه.
وكان ابن مُقْلَة قد طلب منه أن يَحلف له بمَحْضَر من القُضاة والشُّهود والغلمان الحُجَريّة والسَّاجِية، فمضى القاضي أبو الحسين إلى دار المظفَّر، واستحضر الحُجَرية، فكانوا يَحلفون وهم يتضاحكون ويَسْخَرون من القاضي والشهود، فعلم القاضي أنَّ الأمر لا يَتمُّ، وأنَّهم سيغدرون بابن مُقْلَة.
وفيها قلَّد ابن مُقْلَة أبا بكر محمد بن طُغْج أعمال المعاون بمصر مُضافًا إلى ما كان بيده من أعمال الشام، وأوصل إلى الرَّاضي القُضاةَ والعُدولَ، حتى عَرَّفهم تقليدَه إياه، وأمرهم بمُكاتبة أصحابهم بذلك؛ لئلّا ينازعه أحمد بن كَيغَلَع فإنَّه كان يتولَّى مصر.
وفيها قلَّد ابن مُقْلَة أبا بكر، وقطع محمد بنُ رائق الحِمْلَ عن بغداد مما كان ضَمِنَه من أعمال واسط والبصرة، واحتجَّ باجتماع الجيش عنده، وحاجته إلى صَرْف المال إليهم.
ذكر قَبْض المظفَّر بن ياقوت على ابن مُقْلَة:
كان في نفس المُظَفَّر الحِقْدُ عليه، لأنَّه كان السببَ في نَكْبَته ونكبة أخيه محمد، فلمَّا خرج من الحبس أحبَّ أن يأخذ بثأره وثأر أخيه، ولم يلتفت إلى اليمين التي حلف بها، وأخذ يَسعى في هلاكه، ويُضَرِّب (١) الغِلمان الحُجَرِيّة عليه سرًّا، وعلم الوزير فاحترز،
стр. 7936
واعتَضَدَ ببدر الخَرْشَني صاحب الشرطة ليُوقعَ بالمظفَّر والحُجَريّة، وقَوَّى يده، فقال له بدر: أنا أسبِقُ إلى دار الخليفة، فأحصل أنا وأصحابي فيها ونمنع الحُجَرية؛ لأنَّه بلغه أنَّهم قد عملوا على المصير إلى الدار، وأن يقيموا فيها.
وانحدر بدر وأصحابُه بالسِّلاح إلى دار الخليفة، ومنعوا الحُجَرية من دخولها، وذلك بعد أن جمع ابن مُقْلَة بين بدرٍ والسَّاجيّة، واستحلف بعضهم لبعض، وقَدَّر أنه يَستظهِر بهم على الحُجَرية، فلمَّا وقف المظفَّر والحُجَرية على ذلك ضَعُفَت نفوسُهم، واستتر بعضُهم، ولم يُظْهِر ابن مُقْلَة أنَّ الذي دبَّره بدر برأيه، فأشار المُظَفَّر على الحُجَريّة بالتَّذَلُّل لابن مُقْلَة، فسألوه الصَّفْحَ عنهم، وأظهر له المُظَفَّر أنَّه على أيمانه، فاغترَّ بذلك، وسأله ابن ياقوت والحُجَريّة أن يَصرفَ السَّاجيَّةَ وبدرًا من دار السلطان، فصرفهم.
فلمَّا خَلَت الدار منهم مشى الحُجَريّة إلى السَّاجِيّة، وأوحشوهم من ابن مُقْلَة ومن بدر، وتحالفوا، وصارت كلمتُهم واحدة، وصاروا إلى دار السلطان جميعًا، وأحْدَقوا بها، وضربوا خيامَهم فيها، وصار الراضي في أيديهم مثل الأسير.
وندم ابن مُقْلَة، وعلم أنَّها كانت حيلةً، فأمر بدرًا وأصحابه بأن يخرجوا إلى المُصلَّى، فخرج، وطالب الحجرية والساجية الراضي بأن يَخرج معهم إلى المسجد الجامع فيصلِّي بالناس؛ ليعلموا أنَّه من حزبهم، فخرج يوم الجمعة لستٍّ خَلَون من جُمادى الأولى، ومشى الغِلمان السَّاجِيَّةُ والحُجَريّةُ بين يديه وحوله بالسلاح، وصلى بالناس، وقال في خطبته: اللهم إنَّ هؤلاء الغلمان بِطانتي وظِهارَتي، فمَن أرادهم بسوء فأَرِدْه، ومَن كادهم فكِدْه.
وقلَّد بدرًا الخَرْشَني دمشق، وأمرَه بالخروج إليها من المُصلَّى، ولا يدخل البلد.
وكان المُظَفَّر في هذا كلِّه مع الغلمان يجمع كلمتَهم، ويُظهِر لابن مُقْلَة أنَّه مُجْتَهدٌ في الصُّلْح، فاصطلحوا، وحَلَفوا للوزير ولبدر، وأُقِرَّ على شرطة بغداد، وانقضت هذه القصة وفي القلوب ما فيها من العَداوة.
وشرع الوزيرُ يُشيرُ على الراضي سرًّا بأن يَخرجَ بنفسه والجيشُ معه؛ ليَدفعَ محمد بنَ رائق عن واسط والبصرة، وقال: هذه بُلدانُ المال، وقد انْغَلَقَت بامتناع ابن رائق من حمله، ومتى
стр. 7937
رآه غيرُه قد تمَّ له ذلك تأسَّى به، فخَرِبت البلاد، وبَطَلت المملكة، ومتى زال أمر ابنِ رائق انْحَسَم طَمَعُ غيره، ودَرَّت الحُمول، واستقامت الأمور، فعمل على ذلك.
ثم بعث ابن مُقْلَة إلى ابن رائق ينال الكبير من الحُجَرِيّة، وماكرد من السَّاجِيَّة؛ برسالة تتضمَّن طلب الحُسين بن علي النُّوْبَخْتي ليواقَفَ على ما جرى على يده من ارتفاع واسط والبصرة، فامتنع من تسليمه، وأحسن إليهما، وحمَّلَهما رسالةً إلى الراضي سرًّا مضمونُها: أنَّه إن استُدعِيَ إلى الحضرة قام بالتَّدبير، وكفى أميرَ المؤمنين كلَّ همٍّ.
فقَدِما على الراضي، وأدَّيا الرسالةَ سرًّا عن الوزير، فلم يَلتفت الرَّاضي إليهما.
ولمَّا رأى ابنُ مُقْلَة امتناعَ ابن رائق من تسليم الحُسين؛ عَمِل على أن يكون خروجُ الراضي إلى الأهواز، وأنْ يُنفِذَ إلى ابن رائق القاضي أبا الحُسين برسالة تُعرِّفُه ذلك لئلَّا يَستوحش.
فلمَّا كان يوم الإثنين لأربع عشرة بقيت من جمادى الأولى انحدَر أبو علي بن مُقْلَة إلى دار السُّلطان، ومعه القاضي ليُوصِلَه إلى الراضي فيسمع الرسالة.
فلمَّا حصل الوزير في دِهْليز الصَّحْنِ التِّسعيني شَغَب الغلِمانُ ومعهم المُظَفَّر، وأظهروا المُطالبةَ بالرِّزق، وقبضوا الوزيرَ، وبعثوا إلى الراضي يعرِّفونه قَبْضَهم عليه، إذ كان هو المُضَرِّبُ عليهم عنده، والمُفْسِد للأحوال، ويسألونه أن يَسْتَوزِر، فبعث إليهم يَسْتَصْوبُ رأيَهم، ويُعرِّفُهم أنَّه كان عازِمًا على ذلك، وأنَّهم لو لم يفعلوه لفعله هو، ثم قال: سَمُّوا مَن شئتم حتى أستوزره، فسَمَّوا أبا الحسن علي بن عيسى وقالوا: هو مأمون كافٍ ليس في الزمان مثلُه، فاستحضره الرَّاضي، وخاطبه بتقليد الوزارة فامتنع، فخاطبه مرةً ثانية وثالثةً فامتنع، فقال: فتُشيرُ بمَن ترى، فأومأ إلى أخيه عبد الرحمن بن عيسى.
ذكر وزارة أبي علي عبد الرحمن بن عيسى (١):
في هذه السنة بعث الراضي للمُظَفَّر بن ياقوت فأحضره، وخاطبه الراضي بالوزارة، وخلع عليه، وركب الجيشُ بين يديه إلى داره (٢).
стр. 7938
[وفيها] أُحْرِقَت دارُ ابن مقلة، وهذه المرَّةُ الثالثة، وقيل: الرابعة.
وكان ابن مُقْلَة قد أمر بإحراق دار سليمان بن الحسن بباب المُحَوَّل في [مثل] هذا اليوم (١)، فكُتب على حائط دار ابن مُقْلَة: [من البسيط]
أحسنْتَ ظَنَّك بالأيام إذ حَسُنَتْ … ولم تَخَفْ سوءَ (٢) ما يأتي به القَدَرُ
وسالمَتْك الليالي فاغتَرَرْتَ بها … وعند صَفْو الليالي يَحْدُثُ الكَدَرُ (٣)
واستتر (٤) ابن الوزير وأصحابُه وأسبابُه، فظهر أبو العباس الخَصيبي وأبو القاسم سليمان بن الحسن، وصارا يَصلان إلى الراضى مع عبد الرحمن وأخيه علي بن عيسى، ويصل معهما أبو جعفر محمد بن القاسم الكَرْخِيّ وغيرُه من الأعيان.
وسُلِّم أبو علي بن مُقْلَة إلى الوزير عبد الرحمن، فحمله إلى داره، وضُرِبَ بالمَقارع، وأُخِذ خطُّه بألف ألف دينار، وكان الذي تولَّى ذلك منه ينال الكبير من الحُجَريّة، ثم سُلِّم إلى أبي العباس الخَصِيبي، فدخل إليه يومًا وقال: إن كان يحتاجُ إلى الفَصْد فتقدَّم إلى مَن يَفْصِدُه بحضرتك (٥).
قال (٦): فدخلتُ إليه، فوجدتُه مُطروحًا على حَصيرٍ خَلَقٍ على بارِيَّة، وتحت رأسه مِخَدَّة وَسِخة، وهو عُرْيان في وسطه سَراويل، ورأيتُ بَدَنَه من رأسه إلى أطراف أصابع رجلَيه كلون الباذَنْجان، وبه ضِيقُ نَفَسٍ شديد، وكان الذي تولَّى عذابه ودَهَق صدره الدَّسْتَوائي، قال ثابت: فقلتُ للخَصيبي: لا بدَّ من فَصْده، فقال: وكيف نعمل بتعذيبه، لا بدَّ من عذابه كلَّ يوم، قال: فيَتْلَف، فقال: افصِدْه، ففَصَدْتُه ورفَّهتُه ذلك اليوم.
стр. 7939
واتَّفق أنَّ الخَصيبي استتر في ذلك اليوم، وبقي ابن مقلة مُرَفَّهًا ليس أحدٌ يُطالبه، وكُفِيَ أمرَ عدوِّه من حيث لا يَحتسب، وطابَت نفسُه، وحضر أبو بكر بن قَرابة، وضَمِن ما عليه وتسلَّمه، وقد كان أدَّى نيِّفًا وخمسين ألف دينار بعد أن أشهد عليه العُدولَ أنَّه قد باع ضِياعَه وأسبابَه من السلطان.
وفي يوم الخميس لأربعٍ بقين من جُمادى الأولى قبض الراضي على المُظَفَّر بن ياقوت، وحبَسه، وهَدم دارَه، ثم أطلقه يوم الخميس لثلاثٍ خلَون من جُمادى الآخرة، وأَحْدَره إلى أبيه.
وفي جمادى الآخرة عَزل بدرًا الخَرْشَني من شرطة بغداد، وقلَّدها كاجو من السَّاجِيَّة، وتقلَّد سخرباس الجانبَ الشَّرقي وهو من الحُجَرِيَّة (١)، وإنَّما فعل الراضي ذلك تطييبًا لقلوب الفريقين؛ لما جرى من بدر الخَرْشَني، وقَلَّد بدرًا الخَرْشني أعمال أصبهان وفارس وخَلَع عليه؛ لأنَّ الحُجَريّة والسَّاجية كرهوا مُقامَه بالحَضْرة، ثم توقَّف حالُه.
وعجز الوزيرُ عبد الرحمن بن عيسى عن النَّفَقات، وضاق المال، فاستعفى من الوزارة، فقبض عليه الراضي يوم الإثنين لسبع خلَون من رجب.
ذكر وزارة أبي جعفر الكَرْخِيّ:
لمَّا قبض الراضي على عبد الرحمن قبض على أخيه علي بن عيسى، واعتُقِلا في دار الخليفة، وأحضر الكَرْخي، وخَلَع عليه واستوزره، وسلَّم الراضي عبدَ الرحمن وعلي بنَ عيسى إلى الكَرْخي، فصادَرَهما مُصادَرَةً جميلة، وكانا عنده مُكرَّمَين، وأدَّى كلُّ واحدٍ منهما سبعين ألف دينار، وانصرفا إلى منازلهما.
وفي يوم الخميس لستٍّ خلَون من رمضان قُتِل ياقوت بعسكر مُكْرَم، فأراد الحُجَرية قتلَ أبي الحسين البَريدي ببغداد، وكان يَخْلُف أخاه [في الكتابة لياقوت]، فاختفى، وانحدر سرًّا إلى أخيه إلى الأهواز.
وكان ياقوت قد سار بقَضِّه وقَضِيضِه لحرب علي بن بُوَيه، فالتقيا بباب أرَّجان، فهزمه ابن بويه، فعاد إلى الأهواز، وتواترت الأخبار بأنَّ ابن بُوَيه وافى إلى رامَهُرْمُز
стр. 7940
مُقْتَفيًا أثَر ياقوت ومُشَرِّدًا به، فعبر ياقوت إلى عسكر مُكْرَم، وقطع الجِسْرَ المَعْقودَ على المَسْرُقان، وأقام علي بن بُوَيه أيامًا برامَهُرْمُز إلى أن وقع الصُّلح بينه وبين السلطان.
ثم كتب أبو عبد الله البَريدي إلى ياقوت أن يُقيمَ بعسكر مُكْرَم إلى أن يقع التأمُّل في أمره، وكان غرضُه ألا يجتمعا في بلد، فقَبِل ياقوتُ، ونزل دارًا بالقرب من المسجد الجامع غربي عَسْكَر مُكْرَم، وأقام شهورًا، فوافاه أبو يوسف البَريدي دون أخيه متوجِّعًا له من الاحرية (١)، ومُهَنِّئًا له بالسَّلامة.
ثم توسَّط بينه وبين أخيه أبي عبد الله أن يُطلق له خمسين ألف دينار يُنفقُها في عسكره؛ حتَّى يكتبَ إلى السلطان ويستأمِرَه فيما يُطلق له ولرجاله، وعرَّفه أنَّ مَن بالأهواز من الجُند لا يُمَكِّنونه أن يُخرج منها مالًا، وأنَّ رجالك (٢) إذا أُعطوا اليسيرَ من المال قَنَعوا.
فقَبِل ياقوت هذا العُذْر، وأوصى ياقوت مَن كان معه من الحُجَرية والسُّودان بذلك المال، وأقام على ذلك شهورًا، فضَجَّ رجالُه من القِلَّة وقالوا: لا صَبْرَ لنا، والعَسكرُ الَّذي بالأهواز يتناولون الأرزاقَ دارَّةً، ونحن نُقاسي الجوعَ، وكان من العسكر بالأهواز: البَرْبَر، والنَّازُوكيَّة، والهارونيَّة، وأصحاب تِكين الخاقاني، وغيرهم.
[وانصرف طاهر الجيلي] من قُوَّاد ياقوت في ثمان مئة من العَجَم، واتَّصل بأبي الحُسين أحمد بن بُوَيه، فكان مُعْظَمُ جيش ياقوت ومَن يَرْكَن إليه [ثلاث مئة رجل] (٣).
فضَعُفَت نفسُ ياقوت، واستطال عليه باقي رجاله، وخاف أن يَعقدَ لبعض قُوَّاده بالرئاسة ويقبضوه، فكاتب أبا عبد الله البَريدي، وكان ياقوت واثقًا بحِرْبه، فجرى الآن على صنعة التبلِّي وسقوطِه (٤)، فكتب إليه البريدي على يده: أنَّ عَسكره مَفْسودٌ، وطلب أعيانَ عسكر ياقوت وقال: لنا معهم حساب، فإنَّهم اقتطعوا الأموال وأخذوها، لنستخرجَ منهم ما أخذوه من الزيادات.
стр. 7941
وسمَّى جماعة، فبعث إليه ياقوت مَن طلب، فاستغواهم أبو عبد الله البريدي وجرَّهم إلى نفسه، فأقاموا عنده، وصحبوه، ولم يعودوا إلى ياقوت، وانتخب أبو عبد الله البريدي رجال ياقوت، فاقتطعهم إليه، فطلب الراضي من أعيان أصحاب ياقوت جماعةً، فبعث بهم إليه.
وشغب جُنْدُ ياقوت وقالوا: لا بدَّ من مكاتبة البَريدي بِحَمْل المال، ثم زاد الإلحاح على ياقوت، فخرج بنفسه إلى الأهواز في ثلاث مئة فارس لئلَّا يَستوحِشَ أبو عبد الله البريدي.
وكان البريدي كاتبًا لياقوت، فظنَّ ياقوت أنَّه إلى كاتبه يمضي، فتلقَّاه البريدي في السَّواد الأعظم، فلمَّا رأى ياقوتَ تَرَجَّل، وطرح ياقوت نفسَه عليه حتَّى كاد يَقَعُ من دابته، وسار، فأنزله البريدي في داره، وخَدَمه بنفسه، وقام بين يديه إلى أن طَعِم، وغسل يديه، وناوله المِنديل، وبَخَّره بيده.
فبينا هم كذلك إذ ارتَفعَت ضَجّةٌ عظيمةٌ، وشَغَب الجُنْدُ وقالوا: إنَّما وافى ياقوت واجتمع بالبريدي ليقبضا علينا (١)، وكان هذا بمُواطأةٍ من البريدي، فقال البريدي لياقوت: اخرُج أيها الأمير عاجلًا وإلا قُتِلنا جميعًا.
فخرج ياقوت خائفًا يَتَرَقَّب، ولم يُحدِّث نفسَه بنَجاةٍ، وعاد من طريق آخر، فنزل بعَسْكَر مُكْرَم، فكتب إليه أبو عبد الله البريدي: إنَّ الرجال بالأهواز قد استوحشوا منه، والمَصْلَحةُ أن تَرحلَ إلى تُسْتَر، فإنَّ بينها وبين الأهواز ستةَ عشر فَرْسَخًا، وبين عَسْكَر مُكْرَم والأهواز ثمانية فراسخ، وإنَّ الدار إذا نأت زال الاستيحاش.
وكتب له على عامل تُسْتَر بخمسين ألف دينار التي على تُسْتَر، فَفرَّقها في العسكر، كلُّ واحد شيئًا يسيرًا، وأقام بتُستَر فضجَّ الرجال.
وكان لياقوت مولًى يقال له: مؤنس، فقال: أيها الأمير، البَريدي يَحُزُّ مَفاصِلَنا مَفْصِلًا مَفْصِلًا، ويَسْخَرُ منَا، وقد حاز شَطْرَ رجالنا ووجوه قُوَّادنا إلى نفسه، وأنت تَغْتَرُّ
стр. 7942
به، ولا تُعطينا إلا اليسير، وقَصْدُه هلاكُنا، وقد كتب إليك الحجريةُ: لم يَبق لنا شيخٌ سواك، فإما دخلتَ إلى بغداد فجميع مَن بها يُسلّم إليك الرِّئاسة؛ أوَّلُهم محمد بن رائق لسنِّك، فإنك عنده مثل الوالد، وإما أن تسير إلى الأهواز فتَطْرُدَ البريدي عنها، ونحن في خمسة آلاف، وهو في عشرة آلاف، لكنَّه بمنزلة كاتب، وأيُّ قُدرة له؟! فقال: حتَّى أنظر.
فغضب مؤنس وقال: العسكر بمُقَدَّمه، وأنت أنت، وقد قال بُوَيه: لو كان في عسكر ياقوت مئةٌ مثله ما لقيتُه، فقال: اصبر.
فخرج مؤنس من عنده مُغضَبًا في ثلاثة آلاف رجل، ووافى عسكر مُكْرَم يريد الأهواز وقال: أنا لا أعصي مولاي، ولكن أفتح الأهواز وأسلِّمها إليه.
وكان على شُرطة عَسْكَر مُكْرَم رجلٌ يقال له: درك، فكتب إليه ياقوت: إنَّ مؤنسًا خرج بغير إذني، فسَلْه أنْ يَلْبَث حتَّى أصل، فخاطبه درك خطابًا عظيمًا، وعَذَلَه، وجرى له معه خُطوبٌ حتَّى أجاب، ووافاه ياقوت في اليوم الثاني، فوافى عسكر البريدي بأسره مع غلامه أبي جعفر الحَمَّال.
ووقعت المُنازلة فقال ياقوت لمؤنس: الخليفةُ لنا بالنيَّة التي قد علمتَها، وقد فعل بابنَيَّ ما فعل، فما يَنْصَلح لي أبدًا، وفارس فقد غُلِبنا عليها، وقد جرى علينا ما قد علمتَه، ولا مَذْهَب لنا في الدنيا ولا زاوية إلا هذا البلد، والحَرْب سِجال، وقد كَثُر عسكر هذا الرجل، فإن نحن قاتلناه؛ كنَّا بين أن نَنهزم فنُحمَل إلى الخليفة، فنُشهَر ونركب الفيل، ثم يُظَنُّ بي أنِّي كفرتُ نعمةَ مولاي، فأُلعَن، وإما أن أُقتَل، والمَصْلحةُ المُقارَبَة لهذا الرجل، ونعود إلى تُسْتَر، ونسير منها إلى الجَبَل، فإن استقام لنا أمرٌ وإلا لحقنا بخُراسان.
وشاع هذا الكلام، فضَعُفَت نفوسُ أصحابه، وطالت الأيام، وتسلَّل أصحابه إلى البريدي، حتَّى بقي في ألف رجل، ومؤنس يَحُثُّه على القتال ويقول: مضى أصحابُنا، وهو يقول: مَن مضى لا ينفعنا.
ولمَّا علم البريدي بحاله راسلَه بالقاضي أبي القاسم التنوخي أنَّه على العَهْد والميثاق، وأنَّه كاتبُه، والإمْرَةُ ما تَصلُح إلا له، وإنَّما قد ابتُلي بهؤلاء الرجال، وأنَّه
стр. 7943
يعود إلى تُسْتَر ليَحمِلَ إليه ما يُفرِّقه فيمَن بقي معه، وإنَّما يُصاهرُه ليزدادَ ثقةً به، ووَكَّل القاضي في تزويج ابنة البريدي من أحمد بن ياقوت.
فوافاه القاضي، وأدَّى إليه الرسالة، فقَبِلها، وانعقد الصّهر، ورحل في الوقت إلى تُسْتَر.
ووافى بعد ذلك بأيام غلامٌ من عند الخليفة من الحُجَريّة ومعه المُظَفَّر بن ياقوت، وكتابٌ إلى ياقوت يَذكر فيه أنَّه قد وَهَب له ابنَه هذا، ومَنَّ عليه به.
فالتقاه المُظَفَّر بتُسْتَر، وأشار عليه المُظَفَّر بالنزول إلى الحَضْرة؛ ليَشكُرَ إنعامَ الخليفة على إنفاذه إليه بالمُظَفَّر، وأن ينزل بدَير العاقول، ويَستأذنَ في الدخول، فإن أَذِن له وإلا تقلَّد المَوْصل وديارَ ربيعة، وخرج إليها، فإن مُنع منها قَصد الشام، فلم يقبل ياقوت منه، وقال له: أقم حتَّى نَظْفَر، فاستعفى من المُقام عنده، وسأله أن يأذن له في المقام بعَسْكَر مُكْرَم، فأذِن له.
وكان مع المُظَفَّر رجلٌ يقال له: الجياني (١)، فما زال يَسْفِر بين البريدي والمُظَفَّر حتَّى قال البريدي: إن استأمن إليَّ جعلتُه اسْفِهْسِلّار (٢) عسكري، فاستأمن إليه، فأنزله في بستان له بالأهواز، وأقام مَن يَحفَظُه من حيث لا يَعلم.
ثم خاف البريدي من الياقوتية الذين عنده أن ينثنوا عليه، فكتب إلى ياقوت بأنَّ السلطان قد طلبه أن يَسير إلى الحَضْرة في خمسة عشر غلامًا، أو المُضيّ إلى الجبل مُتَقَلِّدًا له، وإلا قصده البريدي إلى تُسْتَر وأخرجه قَهْرًا.
فدعا ياقوت غلامَه مؤنسًا وقال: ما ترى؟ فقال له: الآن وقد مضى ما مضى، والله لا صَحِبَك إلى بغداد أو إلى الجَبَل أحدٌ ممّن معك.
فكتب ياقوت إلى البريدي بأن يُمْهِلَه شهرًا لينظر، فلم يلتفت، وبعث إليه بالعسكر، وأرسل ياقوت جَواسيسه، فجاءه واحدٌ فكَذَبه وقال: العسكر الَّذي بعث به إليك البريدي قد نزل في عَسْكَر مُكْرَم، وانبسطوا في الدُّور، فقال ياقوت لمؤنس: ظَفِرنا
стр. 7944
والحمد لله، نسير إليهم بالليل فنَكْبِسُهم والقوم غارُّون (١)، ثم نَسير إلى الأهواز وقد شَرَدْناهم فيهرب البريدي، فقال له مؤنس: أرجو أن يكون هذا صوابًا.
وسار ياقوت في الليل، فأصبح وقت طلوع الشمس بعَسْكَر مُكْرَم، فلم ير فيه أحدًا، فنزل بنهر جارود عند ناعورة السَّيل، وخيَّم، وتعجَّب من مرور جاسوسه، فلمَّا كان وقت العصر جاء عسكر البريدي مع أبي جعفر الحَمَّال، فنزل قريبًا من ياقوت بمقدار فرسخ، وأصبحوا يَتَناوشون.
وتَرَبَّص الحَمَّال ليَصل إليه باقي العسكر، فلمَّا كان اليوم الثالث اقتتلوا إلى الظُّهر، وثبت ياقوت ومَن معه، وظهر ياقوت، وبلغت القلوبُ الحَناجر، وإذا قد ظهر للبريدي كَمينٌ في ثلاثة آلاف حامين (٢)، فأومأ إلى مؤس، فالتقاهم في ثلاث مئة رجل، وبقي مع ياقوت خمسُ مئة رجل، واقتتلوا، فظهر عليه الحَمَّال وانهزم ياقوت ومؤنس، ورمى ياقوت نفسَه عن دابَّته، ونَزع سلاحَه، وأوى إلى رِباطٍ يُعرف برباط الحسين بن زياد، وجاءه الليل، فجلس إلى ظلِّ الرِّباط، وغطَّى وجهه كأنَّه سائلٌ يسأل، وجاء إليه قومٌ من البَرابِرة، فنزلوا وكشفوا وجهه، فقال: أنا ياقوت احملوني إلى البريدي، فقتلوه، وأخذوا رأسه، وحملوه إلى الحَمَّال، فأطلق طائرًا إلى البريدي يُخبره، فكتب إليه: اجمَع بين رأسه وبدنه وادفنه، ففعل.
وأُسر مؤنس وخواصُّ أصحاب ياقوت، فشَغَبت الياقوتية وقالوا: قد قُتل مَولاهم فلم يقتلون؟ فقال البريدي: أنا أكتب إلى الحضرة فأُطلِقُهم، ثم قتلهم في الليل.
ولم يوجد لياقوت سوى اثني عشر ألف دينار لا غير، ووُجِدَت في صناديقه كتُبُ الحُجَريّة إليه بالإصعاد إلى بغداد ليولُّوه الرئاسة عليهم. وبعث البريدي بالمُظَفَّر بن ياقوت إلى بغداد، ثم طغى البريدي بعد ذلك، وشَهَرَ نفسه بالعِصيان لما نذكر إن شاء الله تعالى.
وفيها استَوزر الرَّاضي أبا القاسم سليمان بن الحسن، وسببه: أنَّ ابن رائق قطع الحِمْل من واسط والبصرة، والبَريدي من الأهواز، وعلي بن بُوَيه بفارس قد تغلَّب عليها.
стр. 7945
وضاقت الدنيا على الوزير أبي جعفر الكَرْخيّ، وكان غيرَ ناهِضٍ بالوزارة، وفيه إبطاءٌ شديد [في الكتابة والقراءة] (١)، وكثُرت المُطالبات عليه، وانقطعت المَوادُّ عنه، فاستتر يوم الإثنين لثمانٍ خَلَون من شوال؛ بعد ثلاثة أيام ونصف من تقلُّده الوزارة (٢)، فاستُحضر سليمان يوم الأربعاء لعشرٍ خلون من شوال، وقلَّده الراضي وزارته، وخلَع عليه، فكان في التحيُّر وانقطاع الأموال والمَوادّ عنه مثلَ الكَرْخيّ وزيادة.
فدعت الضَّرورة إلى أن كاتب الراضي محمد بنَ رائق وهو بواسِط، وذكر ما كان ضَمِنه من النَّفقات، وإزاحَة عِلَل الجيش، وبعث إليه كاجو بألف دينار.
وعاد كاجو إلى الراضي بالجواب، فبعث إليه بالخِلَع واللواء، وانحدر إليه أعيانُ السَّاجية، فقيَّدهم، وألقاهم في المَطامير وجماعةً من الكُتَّاب، فاستوحش الحُجَرِيَّة ببغداد، وأحْدَقوا بدار السُّلطان، وضربوا خِيمَهم حولها.
ووصل ابن رائق في جيشه إلى بغداد يوم الأحد لخمس بقين من ذي الحجة، ودخل على الراضي ومعه بَجْكَم والقُوَّاد ورؤساء القرامطة، وخرج فنزل بباب الشَّمَّاسيَّة في مِضْرَب، وبعث له الراضي الخِلَع والإقامة.
وأمر ابن رائق الحُجَريّة بقَلْع خيامهم من حول دار السلطان فلم يفعلوا، وبَطَل حينئذٍ أمرُ الوزارة والدَّواوين، وبقي الاسم لا غير، وتولّى الجميع محمد بنُ رائق وكتَّابُه، وصارت الأموال تُحمل إليه، وبَطل أمرُ بيوت المال وحَمْلها إلى السلطان.
وفيها (٣) وقع الوَباء بأَصْبهان، فمات بها (٤) أكثر من مئتي ألف، وامتدَّ إلى بغداد، فبطل الغُسْل والتكفين، فكانوا يَحْفِرون الحُفْرة، فيُلقون فيها جماعةٌ من غير غسلٍ ولا تكفين، وبقي الناس مَوتى على الطُّرق ليس لهم مَن يَدفِنهم، وغَلت الأسعار، واضطربت الأمور ببغداد بحُكم ابن رائق عليها، وبقي الراضي مثلَ الأسير معه، ولم يحجَّ أحدٌ في هذه السنة.
стр. 7946
[فصل]: وفيها توفي
أحمد بن موسى
ابن العبَّاس بن مُجاهد، أبو بكر، المقرئ، البغدادي، الإمام العلّامة (١).
ولد في ربيع الآخر سنة خمسٍ وأربعين ومئتين، وكان إمام القُرَّاء في زمانه، وانفرد بالقراءات في عصره.
قال ثعلب: ما بقي أحدٌ في عصرنا أعلمَ بكتاب الله من ابن مُجاهد.
[وقرأ عليه خلقٌ كثير.
وحكى الخطيب عن النَّهْرَواني قال: صلَّيتُ خلف ابن مجاهد، ففتح الصَّلاةَ بالحمد، ثم سكت، ثم فعل ذلك ثانيًا وثالثًا، ثم قرأ، فلما سلَّم سألتُه عن ذلك؟ قال: لمَّا كبَّرتُ تكبيرةَ الإحرام انكشفَت الحجُبُ بيني وبين ربّي، واجتمع بين عَينَيَّ كلُّ حمدٍ لله تعالى في كتابه، فلم أدر بأيِّ حَمْدٍ أبتدئ، اكتُم عليَّ حتَّى أموت.] (٢)
وقال الأزهريّ [: سمعتُ عيسى بن علي بن عيسى الوزير يقول]: أنشدني (٣) ابن مُجاهد وقد جئتُه عائدًا في مرضه، وعنده جماعةٌ قد أطالوا القُعودَ: [من البسيط]
لا تُضجِرَنَّ مريضًا أنت عائدُه … إنَّ العيادَةَ يومٌ إثْرَ يومَينِ
بل سَلْه عن حالِه وادْعُ الإلهَ له … واقعُدْ بقَدْر فُواقٍ بين حَلْبَينِ
مَن زار غِبًّا أخًا دامت مَودَّتُه … وكان ذاك صلاحًا للخَليلينِ
وقال الخطيب: رأى أبو الفضل الزُّهري (٤) في منامه قائلًا يقول: قد مات الليلةَ مُقَوِّمُ وَحْي الله منذ خمسين سنة، فلمَّا أصبح قال: مَن مات الليلة؟ فقيل له: أبو بكر بن مجاهد.
[وقال الخطيب:] توفي ابن مجاهد يوم الأربعاء وقت العصر، وأُخرِج يوم الخميس لعشرٍ بقين من شعبان، ودُفن بمَقبرة باب البستان من الجانب الشَّرقي ببغداد، وهناك كان يسكن.
стр. 7947
[وحكى أيضًا عن] عيسى (١) بن محمد الطُّوماري: رأيتُ ابنَ مُجاهد في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال كُنْتُ أدعو الله عند خَتْم القرآن أن يَجعلني ممَّن يَقرأ في قَبره، فأنا ممَّن يقرأ في قبره.
قال الخطيب: وخلَّف مالًا صالحًا (٢).
حدَّث عن محمد بن إسحاق الصَّغاني، وعباس الدُّوري وغيرهما.
واتَّفقوا على فضله، ودينه، وأمانته، وصلاحه.
وفيها توفي
جعفر بن عبد الجبَّار
[ويقال:] ابن عبد الرزَّاق، أبو محمد، القَراطيسي (٣).
حدث عن أبي زُرْعَة، وروى عنه أبو الحُسين الرَّازي بدمشق.
[وفيها توفي]
الحسن بن محمد بن أحمد
أبو القاسم، السُّلَمي، الدِّمشقي، ويُعرَف بابن بُرْغوث (٤).
[وذكره الحافظ ابن عساكر وقال:] توفي بدمشق [في هذه السنة].
وحدَّث عن العباس بن الوليد بن مَزْيد، [وإسماعيل بن محمد بن قيراط، وأحمد بن مروان (٥) المالكي.
روى عنه أبو الحسين الرازي وهو نسبه (٦).
стр. 7948
قال:] وروى عن صالح (١) بن الإمام أحمد بن حنبل أنَّه خرج مع أبيه إلى المسجد، فإذا برُقْعةٍ فيها مكتوب: [من السريع]
عِشْ موسِرًا إن شئتَ أو مُعْسِرًا … لا بُدَّ في الدُّنيا من الغَمِّ
وكلَّما زادك من نِعْمةٍ … زادَ الَّذي زادك من هَمِّ
إنِّي رأيتُ الناسَ في دهرنا … لا يَطلبون العلمَ للعلمِ
إلا مُباهاةً لأقرانِهم … وحُجَّةَ الخَصْمِ (٢) على الخَصْمِ
وفيها توفي
الحسن بن [يوسف بن] يعقوب
أبو سعيد، الطَّرْمِيسي (٣).
وطَرْمِيس قرية من قُرى دمشق، مولى الحسين بن علي ﵇.
حدّث عن هشام بن عمَّار وغيره، وروى عنه أبو الحُسين الرَّازي وغيره.
صالح بن محمد بن شاذان
أبو الفَضْل، الأصبهاني (٤).
رحل إلى الأمصار، وسمع الكثير، ومات بمكة في رجب.
حدَّث عن أبي جعفر الدِّمَشقي وغيره، وروى عنه أبو بكر المُقرئ وغيره، وكان ثقةً، وحدَّث بمكة بتاريخ البخاري.
عبد الله بن أحمد
ابن محمد بن المُغَلِّس، أبو الحسين، الفقيه الظَّاهِري (٥).
стр. 7949
أخذ العلم عن أبي بكر بن داود صاحب المَذْهَب، ونشر علم داود في البلاد، وصنَّف في مذهبه.
وحدَّث عن عبد الله بن الإمام أحمد ﵀ وغيره، وروى عنه الدارقطني وأقرانُه، وكان صدوقًا، ثقة، أصابته سَكْتَة فتوفي في بغداد.
عبد الله بن محمد
ابن زياد بن واصِل بن مَيمون، أبو بكر، النَّيسابوري، الفقيه الشافعي، مولى أبان بن عُثمان بن عَفَّان (١).
ولد بنيسابور سنة ثمان وثلاثين ومئتين، ورحل في طلب العلم إلى العراق، والشام، ومصر، وكان إمامًا فاضلًا، جمع بين علم الحديث والفقه، والدِّين والوَرَع، والزُّهد والعبادة.
وأثنى عليه الأئمة؛ فقال أبو عبد الله الحاكم في "تاريخه": سكن بغداد، وكان إمام الشافعية في عصره، وكان أحْفَظَ الناس للفقهيات واختلاف الصحابة، وسمع بنَيسابور، والعراق، والجزيرة، والشام، ومصر، والحجاز.
وقال الخطيب: كان من الرَّحَّالين الثِّقات، مُوثقًا في روايته.
وقال الدارقطني: ما رأينا في مشايخنا أحفظَ منه للأسانيد والمتون، وكان أفقه المشايخ.
قال الخطيب عنه أنَّه قال: أعرف (٢) مَن أقام أربعين سنةً لم يَنَم الليل، ويَتَقَوَّتُ كلَّ ليلة بخمس حَبَّاتٍ، ويُصلِّي صلاةَ الغَداة على طهارة العشاء [الآخرة]، ثم قال: أنا هو، وهذا كلُّه قبل أن أعرف أمَّ عبد الرحمن، أيش أقول لمَن زوَّجني؟ ثم قال على إثْر هذا: ما أراد إلا الخير.
стр. 7950
وقال أبو عبد الله بن بَطَّة: [كنا نحضر] في مجلس أبي بكر النيسابوري، وكان يُحْزَر في مَجلسه ثلاثون ألف مِحْبَرة، ومضى على هذا مدَّة يسيرة، ثم حَضَرْنا مجلس أبي بكر النَّجَّاد، وكان يُحْزَر في مَجلسه عشرة آلاف مِحْبَرة، فعجَّب الناس من ذلك فقالوا: في مثل هذه المدة ذهب ثُلُثا الناس (١).
وقال الدارقطني: كنَّا يومًا ببغداد نتذاكر، في المجلس جماعة من الحُفَّاظ، فقال رجل من الفقهاء: مَن روى عن النبي ﷺ في حديث: "وجُعِلَت لي الأرضُ مَسجدًا، وجُعِلَت تُرْبَتُها لنا طَهورًا"؛ قالوا: رواه فلان وفلان، فقال: أريد هذه اللفظة: "وتُربَتُها طَهورًا" فقالوا: ما لنا إلا أبو بكر النَّيسابوري.
فقاموا إليه بأجمعهم، وسألوه عنها فقال: نعم، حدثنا فلان، عن فلان، وذكره.
قال الخطيب: وقد أخرج مسلم هذه اللفظةَ (٢)، والحديث رواه أبو عَوانة، عن أبي مالك الأشْجَعي، عن رِبْعي بن حِراش، عن حُذَيفة بن اليَمان، وتفرَّد أبو عوانة بهذه اللفظة (٣).
[قال الخطيب:] مات أبو بكر في ربيع الأول أو الآخر ببغداد، ودُفن بباب الكوفة.