[فصل]: وفيها توفي
أحمد بن موسى
ابن العبَّاس بن مُجاهد، أبو بكر، المقرئ، البغدادي، الإمام العلّامة (١).
ولد في ربيع الآخر سنة خمسٍ وأربعين ومئتين، وكان إمام القُرَّاء في زمانه، وانفرد بالقراءات في عصره.
قال ثعلب: ما بقي أحدٌ في عصرنا أعلمَ بكتاب الله من ابن مُجاهد.
[وقرأ عليه خلقٌ كثير.
وحكى الخطيب عن النَّهْرَواني قال: صلَّيتُ خلف ابن مجاهد، ففتح الصَّلاةَ بالحمد، ثم سكت، ثم فعل ذلك ثانيًا وثالثًا، ثم قرأ، فلما سلَّم سألتُه عن ذلك؟ قال: لمَّا كبَّرتُ تكبيرةَ الإحرام انكشفَت الحجُبُ بيني وبين ربّي، واجتمع بين عَينَيَّ كلُّ حمدٍ لله تعالى في كتابه، فلم أدر بأيِّ حَمْدٍ أبتدئ، اكتُم عليَّ حتَّى أموت.] (٢)
وقال الأزهريّ [: سمعتُ عيسى بن علي بن عيسى الوزير يقول]: أنشدني (٣) ابن مُجاهد وقد جئتُه عائدًا في مرضه، وعنده جماعةٌ قد أطالوا القُعودَ: [من البسيط]
لا تُضجِرَنَّ مريضًا أنت عائدُه … إنَّ العيادَةَ يومٌ إثْرَ يومَينِ
بل سَلْه عن حالِه وادْعُ الإلهَ له … واقعُدْ بقَدْر فُواقٍ بين حَلْبَينِ
مَن زار غِبًّا أخًا دامت مَودَّتُه … وكان ذاك صلاحًا للخَليلينِ
وقال الخطيب: رأى أبو الفضل الزُّهري (٤) في منامه قائلًا يقول: قد مات الليلةَ مُقَوِّمُ وَحْي الله منذ خمسين سنة، فلمَّا أصبح قال: مَن مات الليلة؟ فقيل له: أبو بكر بن مجاهد.
[وقال الخطيب:] توفي ابن مجاهد يوم الأربعاء وقت العصر، وأُخرِج يوم الخميس لعشرٍ بقين من شعبان، ودُفن بمَقبرة باب البستان من الجانب الشَّرقي ببغداد، وهناك كان يسكن.
стр. 7947
[وحكى أيضًا عن] عيسى (١) بن محمد الطُّوماري: رأيتُ ابنَ مُجاهد في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال كُنْتُ أدعو الله عند خَتْم القرآن أن يَجعلني ممَّن يَقرأ في قَبره، فأنا ممَّن يقرأ في قبره.
قال الخطيب: وخلَّف مالًا صالحًا (٢).
حدَّث عن محمد بن إسحاق الصَّغاني، وعباس الدُّوري وغيرهما.
واتَّفقوا على فضله، ودينه، وأمانته، وصلاحه.
وفيها توفي
جعفر بن عبد الجبَّار
[ويقال:] ابن عبد الرزَّاق، أبو محمد، القَراطيسي (٣).
حدث عن أبي زُرْعَة، وروى عنه أبو الحُسين الرَّازي بدمشق.
[وفيها توفي]
الحسن بن محمد بن أحمد
أبو القاسم، السُّلَمي، الدِّمشقي، ويُعرَف بابن بُرْغوث (٤).
[وذكره الحافظ ابن عساكر وقال:] توفي بدمشق [في هذه السنة].
وحدَّث عن العباس بن الوليد بن مَزْيد، [وإسماعيل بن محمد بن قيراط، وأحمد بن مروان (٥) المالكي.
روى عنه أبو الحسين الرازي وهو نسبه (٦).
стр. 7948
قال:] وروى عن صالح (١) بن الإمام أحمد بن حنبل أنَّه خرج مع أبيه إلى المسجد، فإذا برُقْعةٍ فيها مكتوب: [من السريع]
عِشْ موسِرًا إن شئتَ أو مُعْسِرًا … لا بُدَّ في الدُّنيا من الغَمِّ
وكلَّما زادك من نِعْمةٍ … زادَ الَّذي زادك من هَمِّ
إنِّي رأيتُ الناسَ في دهرنا … لا يَطلبون العلمَ للعلمِ
إلا مُباهاةً لأقرانِهم … وحُجَّةَ الخَصْمِ (٢) على الخَصْمِ
وفيها توفي
الحسن بن [يوسف بن] يعقوب
أبو سعيد، الطَّرْمِيسي (٣).
وطَرْمِيس قرية من قُرى دمشق، مولى الحسين بن علي ﵇.
حدّث عن هشام بن عمَّار وغيره، وروى عنه أبو الحُسين الرَّازي وغيره.
صالح بن محمد بن شاذان
أبو الفَضْل، الأصبهاني (٤).
رحل إلى الأمصار، وسمع الكثير، ومات بمكة في رجب.
حدَّث عن أبي جعفر الدِّمَشقي وغيره، وروى عنه أبو بكر المُقرئ وغيره، وكان ثقةً، وحدَّث بمكة بتاريخ البخاري.
عبد الله بن أحمد
ابن محمد بن المُغَلِّس، أبو الحسين، الفقيه الظَّاهِري (٥).
стр. 7949
أخذ العلم عن أبي بكر بن داود صاحب المَذْهَب، ونشر علم داود في البلاد، وصنَّف في مذهبه.
وحدَّث عن عبد الله بن الإمام أحمد ﵀ وغيره، وروى عنه الدارقطني وأقرانُه، وكان صدوقًا، ثقة، أصابته سَكْتَة فتوفي في بغداد.
عبد الله بن محمد
ابن زياد بن واصِل بن مَيمون، أبو بكر، النَّيسابوري، الفقيه الشافعي، مولى أبان بن عُثمان بن عَفَّان (١).
ولد بنيسابور سنة ثمان وثلاثين ومئتين، ورحل في طلب العلم إلى العراق، والشام، ومصر، وكان إمامًا فاضلًا، جمع بين علم الحديث والفقه، والدِّين والوَرَع، والزُّهد والعبادة.
وأثنى عليه الأئمة؛ فقال أبو عبد الله الحاكم في "تاريخه": سكن بغداد، وكان إمام الشافعية في عصره، وكان أحْفَظَ الناس للفقهيات واختلاف الصحابة، وسمع بنَيسابور، والعراق، والجزيرة، والشام، ومصر، والحجاز.
وقال الخطيب: كان من الرَّحَّالين الثِّقات، مُوثقًا في روايته.
وقال الدارقطني: ما رأينا في مشايخنا أحفظَ منه للأسانيد والمتون، وكان أفقه المشايخ.
قال الخطيب عنه أنَّه قال: أعرف (٢) مَن أقام أربعين سنةً لم يَنَم الليل، ويَتَقَوَّتُ كلَّ ليلة بخمس حَبَّاتٍ، ويُصلِّي صلاةَ الغَداة على طهارة العشاء [الآخرة]، ثم قال: أنا هو، وهذا كلُّه قبل أن أعرف أمَّ عبد الرحمن، أيش أقول لمَن زوَّجني؟ ثم قال على إثْر هذا: ما أراد إلا الخير.
стр. 7950
وقال أبو عبد الله بن بَطَّة: [كنا نحضر] في مجلس أبي بكر النيسابوري، وكان يُحْزَر في مَجلسه ثلاثون ألف مِحْبَرة، ومضى على هذا مدَّة يسيرة، ثم حَضَرْنا مجلس أبي بكر النَّجَّاد، وكان يُحْزَر في مَجلسه عشرة آلاف مِحْبَرة، فعجَّب الناس من ذلك فقالوا: في مثل هذه المدة ذهب ثُلُثا الناس (١).
وقال الدارقطني: كنَّا يومًا ببغداد نتذاكر، في المجلس جماعة من الحُفَّاظ، فقال رجل من الفقهاء: مَن روى عن النبي ﷺ في حديث: "وجُعِلَت لي الأرضُ مَسجدًا، وجُعِلَت تُرْبَتُها لنا طَهورًا"؛ قالوا: رواه فلان وفلان، فقال: أريد هذه اللفظة: "وتُربَتُها طَهورًا" فقالوا: ما لنا إلا أبو بكر النَّيسابوري.
فقاموا إليه بأجمعهم، وسألوه عنها فقال: نعم، حدثنا فلان، عن فلان، وذكره.
قال الخطيب: وقد أخرج مسلم هذه اللفظةَ (٢)، والحديث رواه أبو عَوانة، عن أبي مالك الأشْجَعي، عن رِبْعي بن حِراش، عن حُذَيفة بن اليَمان، وتفرَّد أبو عوانة بهذه اللفظة (٣).
[قال الخطيب:] مات أبو بكر في ربيع الأول أو الآخر ببغداد، ودُفن بباب الكوفة.
стр. 7951
حدّث ببغداد عن محمد بن يحيى الذُّهْلي النَّيسابوري، وعبد الله بن هاشم الطُّوسِي، ويوسف بن سعيد المِصِّيصي، والعباس بن الوليد بن مَزْيد البيروتي، ومحمد بن عَوْف الحِمْصي، وأبي بكر [محمد بن] عبد الرحمن بدمشق، وغيرهم (١).
وروى عنه دَعْلج بن أحمد، والدارقطني، وابن شاهين، وخلقٌ كثير، وأجمعوا على فضله وأمانته.
وفيها توفي
عبد الرحمن بن [سعيد بن] هارون
أبو صالح، الأصبهاني (٢).
سكن بغداد وبها توفي في جمادى الأولى، حدث عن عباس الدُّوري (٣) وغيره، وروى عنه أبو سليمان بن زَبْر وغيره.
وفيها توفي
عثمان بن جعفر
ابن محمد بن حاتم، أبو عمرو، ويُعرَف بابن اللبَّان (٤).
سمع عمر بن شَبَّة، وروى عنه الدارقطني وغيره، وكان ثقة.
[وفيها توفي]
علي بن محمد بن الحسن
أبو القاسم، النَّخَعي، [الحَنَفي، الإمام، الفقيه،] ويُعرف بابن (٥) كاس.
стр. 7952
[قال أبو الحسن الرازي:] وهو من وَلَد الأَشْتر النَّخَعي، وقيل: من ولد الكُمَيل بن زياد.
[قال الخطيب:] ولي القضاء بدمشق وبالرَّمْلَة، وقدم بغداد، فركب في سُمارَيَّة (١) يوم عاشوراء، فغرق، فأُخرج حيًّا ومات.
وكان إمامًا، عالمًا بالفقه على مذهب أبي حنيفة، والفرائض، والقرآن، وكان ثقةً فاضلًا.
حدّث [ببغداد] عن أحمد بن يحيى بن زكريا الأَوْديّ (٢) [، وعبد الله بن رَوْح المدائني، والحسن بن علي بن عَفّان، وغيره، وروى عنه الدَّارَقُطني وغيره.
[قلتُ: كان ابن كاس أعرفَ الناس بفقه أبي حنيفة، فريدُ عصره في زمانه، وله الاختيارات.
وروى في مسألة الأرض إذا أصابتها نجاسة، فجفَّت بالشمس وذهب أثَرُها؛ في ظاهر المذهب أنَّه تجوز الصَّلاةُ عليها، ولا يجوز التيمُّم نصًّا في ظاهر المذهب، وروى ابن كاس عن أصحابنا أنَّه يجوز التيمُّم منها، كما تجوز الصلاة عليها لذهاب أثَرها، والفرقُ على ظاهر الرواية أنَّ المندوبَ في التيمُّم الصَّعيدُ الطَّاهر، وهذا ليس كذلك، وقد بينَّاه في شرح "البداية" (٣).
وفيها توفي
محمد بن أحمد
ابن صالح بن علي بن سَيَّار بن علي بن أبي طالب بن أبي ليلى، الأزدي (٤).
أصله من سرَّ من رأى، سمع الحسن بن عَرَفة العَبْديّ، والزُّبَير بن بَكَّار، وعلي بن حَرْب وغيرهم.
وروى عنه ابن شاهين، والمُخَلِّص، وتوفي في ذي الحجة، وكان ثقةً.
стр. 7953
وفيها توفي] (١)
محمد بن الفَضْل بن عبد الله
أبو ذَرّ، التَّميمي، الفقيه الشَّافعي، الجُرْجاني (٢).
كان رئيسَ جرجان، وكان جوادًا مُمَدَّحًا، [وكانت] دارُه مَجمعَ الفُضلاء والعلماء.
رحل إلى البلاد، وسمع خلقًا كثيرًا منهم: الحسن بن علي بن خلف [سمع منه بدمشق] وغيره، وروى عنه الدارقطني وأقرانُه، وكان ثقةً نبيلًا.
[وفيها توفي
محمد بن خالد بن يحيى (٣)
أبو علي، الحَضْرَميّ، قاضي بيت لِهْيا، قرية على باب دمشق.
حدَّث عن جدِّه لأمِّه أحمد بن محمد بن يحيى وغيره.
وقيل: إنَّه مات في سنة تسعٍ وعشرين (٤) وثلاث مئة، وكان ثقة.
وفيها توفي
محمد بن عبد الله
أبو عبد الله، الكِنْدي، الرُّهاوي، ويُعرَف بالمنَجِّم (٥).
حدَّث بدمشق عن الرَّبيع بن سليمان وغيره، وكتب عنه أبو الحسين الرَّازي، وكان ثقةً.] (٦)
стр. 7954
السنة الخامسة والعشرون وثلاث مئة (١)
فيها أشار أبو بكر محمد بن رائق على الراضي بأن يَنحدرَ معه إلى واسط ليَقْرُب من الأهواز، فخرج من بغداد يوم السبت غُرَّةَ المُحرَّم مُنْحَدِرًا إلى واسِط، فوصلها يوم الاثنين لعشر خَلَون منه، واستخلف بالحَضْرة أبا محمد الصِّلْحي، وأمر القُوَّاد له بالطَّاعة.
واضطربت الحُجَريّة وقالوا: هذه حِيلةٌ علينا ليَعمل بنا مثل ما عمل بالسَّاجية، فأقام بعضُهم وانحدر البعض، ثم بعد ذلك انحدروا جميعًا، فاستخدم ابن رائق ستين حاجبًا وأسقط الباقين -وكانوا أربع مئة وثمانين حاجبًا- ونَقَّص أرزاقَ الحَشَم والسَّاجِيَّة وغيرهم، فثاروا وحاربوا ابن رائق، وجرى بينهم قتالٌ شديد، فانهزم مَن بقي من الساجية إلى بغداد، وكان لؤلؤ صاحب الشرطة، فقتل بعضَهم، ونهب دورَهم، ولم يَبْق من الحُجَرية إلا قليل، مثل: صافي الخازن، والحسن بن هارون، فأُطلقا.
ولمَّا فرغ ابن رائق من الساجية والحجرية أشار على الراضي بالتقدُّم إلى الأهواز، فأُخرجت المَضارب، وبعث ابن رائق أبا جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد والحسن بن إسماعيل الإسكافي إلى أبي عبد الله البريدي برسالة من الراضي مضمونُها: أنَّه قد أخَّر الأموال واستبدَّ بها، وأفسد الجيوش، وحسَّنَ لها المُروق، وأنَّه ليس طالبيًا فينازع على المُلك، ولا جُنديًّا فيبتغي الإمارة، ولا ممَّن يَحمل السلاح فيُؤهَّل لفَتْح البلاد المُغلقة، وأنَّه كان كاتبًا صغيرًا رُفع بعد خُمولٍ، وعاملًا من أوسط العمال فطغى وبغى، وكفر النِّعمةَ، وجازى على الإحسان بالسوء، وخلع الطّاعة، وركب المعصية، وإن رجع إلى الطاعة سُومح عن الماضي.
فلمَّا وصلا إليه أبلغاه الرّسالة، فأجاب إلى أنَّه يَحمل مالًا عيَّنه، وأنَّ الجيش الَّذي عنده لا يَقومُ بهم مالُ الحَضْرة، فيُجهِّزُهم إلى فارس يحاربوا مَن بها.
فأمَّا ابن رائق فقَبل منه ذلك، وأما الحسن بن علي النُّوبَخْتي فقال: الواجب إخراجُه من الأهواز؛ فإنَّه كذَّاب غَدَّار لا يَفي بقولٍ ولا يَمين.
стр. 7955
وبعث إليه الراضي بالخِلَع، فما حَمل المال، ولا جهَّز الجيش إلى فارس.
وكان أبو الحسن البريدي ببغداد، فجهَّزه ابنُ رائق إلى أخيه أبي عبد الله.
وفيها عاد الراضي إلى بغداد بعد أن ضَمِن البريدي البلاد، وقلَّد ابنُ رائق بَجْكَم التُّركي الشرطة ببغداد، وخرج مَن بقي من الحُجَرية من بغداد إلى الأهواز، فقبلهم البريدي، وأجرى أرزاقَهم، وأحسن إليهم، ورثى لهم ممَّا جرى عليهم.
وقد دَخِلَ الرَّاضي (١) وضاق ما بيده؛ لأنَّ الأهواز والبصرة في يد البريدي، وفارس في يد علي بن بُوَيه، وكِرْمان في يد أبي علي محمد بن إلياس، والرَّيِّ وأصبَهان والجَبَل في يد الحسن بن بُوَيه، والمَوْصِل وديار ربيعة وبكر في يد بني حَمْدان، والشّام ومصر في يد محمد بن طُغْج، والمغرب وإفريقية في يد أبي تميم مَعَدّ، وصاروا مثل ملوك الطَّوائف، ولم يَبْق بيد الراضي غير بغداد والسَّواد، وليس في هؤلاء المُتَغَلِّبين مَن يطيع الآخر، بل يَخافُه ويَحْتَرِز منه، ونَقَص قدرُ الخلافة، وضَعُف أمرُ الملك، وعمَّ الخراب.
وفيها ظهرت الوَحْشَةُ بين محمد بن رائق وبين أبي عبد الله البريدي، ووافى أبو طاهر القِرْمِطي الكوفة، فدخلها في ربيع الآخر، فخرج ابن رائق من بغداد في جمادى الأولى، فنزل في بستان ابنِ أبي الشَّوارِب بقَنْطرة الياسِرِيّة، وأنفذ أبا بكر محمد بن علي بن مُقاتل رسالةً إلى الهَجَريّ، وكان الهَجَري يَطلب من الخليفة مالًا وطعامًا في كلّ سنةٍ بنحو من مئة وعشرين ألف دينار ليُقيمَ في بلده، وتردَّدت الرسائلُ بينهما، ولم يَتَقرَّر شيء، وسار الهَجَري إلى بلده، وعدل ابن رائق إلى واسط، وكاشف بني البَريدي (٢).
وفيها استوزر الراضي أبا الفتح الفضل بن جعفر بن الفُرات بمَشورة ابن رائق، وكان ابن الفرات بالشام، فأرسل وراءه فحضر، فقلَّده الوزارةَ في شوال.
стр. 7956
ولزم سليمان بن الحسن منزله، فكانت مدَّةُ مُقدمه في الوزارة عشرةَ أشهر وأيامًا، واستتر ابن مُقْلَة، وكتب الراضي تقليدًا عظيمًا لابن الفُرات، وعظَّمه في ألقابه، وبسط يده.
وأمَّا ابن رائق فراسل البريدي، فلم يلتفت وماطَلَه، وبعث البريدي جيشًا إلى البصرة يحفظُها من ابن رائق، وطيَّب قلوبَ أهلها، وبلغ ابنَ رائق فقَلِق من ذلك، وبعث إلى البصرة جيشًا، وكان بها من أصحابه جماعة، فانهزموا من عسكر البريدي.
والتقى أصحاب ابن رائق وأصحاب البريدي، وساعدهم أهل البصرة، فهزموا جيشَ ابن رائق مرارًا، وكان ابن رائق قد ولَّى عليهم ابنَ يَزْداد، فأساء السيرة فيهم، وأحسن إليهم البريدي.
وكان بدر الخَرْشَني قد خرج من مصر لمَّا ضاقَت به، فنزل هِيت، فكاتبه ابن رائق، فوصل إليه، فاشتد ظهرُه به، وخَلَع عليه خِلَعًا سلطانية.
وأشار ابن مقاتل على ابن رائق أنْ يُنفذ بدرًا الخَرْشَني وبَجْكَم التركي إلى الأهواز؛ بعد حديث كان لبجكم مع ابن مقاتل بداره فيما بعد، فسيَّرَهما، وجعل الإمرةَ لبجكم، فسار في مئتَين وتسعين غُلامًا، فجهَّز إليه البريدي أبا جعفر محمدًا الحَمَّال في ألف رجل (١)، والتقوا على السُّوس.
وكان بدر الخَرْشَني بالطِّيب يريد اللَّحاق ببجكم، فالتقى بَجكم بالحَمَّال، فهزمه وقال: إنَّما التقيتُ هذه العُدَّة العظيمة بهذه الطائفة اليسيرة لئلَّا يَشْرَكني بدر في الفتح.
ووصل الحَمَّال مُنهَزمًا إلى البريدي، فشَتمه ولَكَمه، وقال: أنت كنتَ تظنّ أنَّك تُلاقي ياقوتًا المُدْبِر (٢).
стр. 7957
وجاء بَجْكَم وأصحابه إلى جسر تُسْتَر -وقد شَحنه البريدي بثلاثة آلاف- فخاض بَجكم الماء سباحةً، فانهزم أصحابُ البريدي بغير حَرْبٍ، وعادوا إليه، فخرج للوقت ومعه أخواه في طيَّار، وحملوا معهم ثلاث مئة ألف دينار كانت في خزانته، فبينا هم كذلك إذ غرق الطيَّارُ وهم فيه بمكان يقال له: الهِنْدُوان (١)، فأخرجهم الغوَّاصون، وأُخرِج لبجكم بعض المال، ووافَوه بالبصرة، ودخل بجكم الأهواز، وكتب إلى ابن رائق بالفتح.
ودخل البريديون البصرة، ونزلوا الدُّور واطمأنُّوا وكانوا ثلاثة.
وشَغَب أصحاب بدر الخَرْشَني عليه، فانصرف إلى واسِط، وبقي بجكم بالأهواز.
وسار ابن رائق بنفسه إلى البصرة يوم السبت للنصف من شوال على الظَّهْر، وكتب إلى بدر أن يوافيه في الماء، وإلى بجكم أن يوافيه، وسار بدر فملك كَلأ البَصْرة (٢)، فهرب البريدي إلى جزيرة أُوال، ووافاه بَجْكَم.
وسار ابن رائق وبدر وبجكم نحو البصرة ليدخلوها، فخرج إليهم أهلُها فقاتلوهم، فرأى بَجكم أمرًا عظيمًا، فقال لابن رائق: ما الَّذي فعلتَ بهؤلاء حتَّى أحوجهم إلى ما ترى؟!
ومضى البريدي إلى فارس، واستجار بالأمير علي بن بُوَيه فأجاره، وأنفَذَ معه أخاه أبا الحسين لفتح الأهواز، وبلغ ابن رائق ذلك فقال لبجكم: اذهب إلى الأهواز فاحفَظْها، فقال بجكم: لستُ أحاربُ الدَّيلَم وأدفعُهم عن الأهواز إلا بعد أن تَحصلَ لي إمارتُها وخَراجُها، فقال ابن رائق: أنا أُضمِّنُك إياها بمئة وثلاثين ألف دينار مَحمولة في السنة، بعد أن تقومَ بنفقات الجُند والمُؤَن، فقال: رضيتُ.
وأقام أهل البصرة على عِصيان ابن رائق، ومالوا إلى البريدي لسوء معاملته، وكان قد حَلَف أنَّه إنْ تمكَّن منهم أحرَق البصرة وجعلَها رَمادًا، فازداد غيظُهم عليه.
стр. 7958
قصة جرت لبَجكم
قال سنان: قال لي بجكم: يميل الملك إذا حزَبَه أمرٌ من الأمور أن يكون جميع ما يَملك من مالٍ وغيره أقلَّ في عينه من التُّراب، ولم يَخْذِفْه كما يخذف الحَصاة (١)، فإنِ اندفَع عنه المَكروه كان قادرًا على استخلاف أضعاف ما يخرج عنه، وإنْ هو بَخِل ذهبَت روحُه مع ما في يده.
لمَّا قلدني ابن رائق الأهواز، ولم يكن ذلك برأي أبي بكر بن مُقاتل كاتبِه، فلمَّا بلغه الخبرُ قامَت قيامتُه، وقال لابن رائق: عزمتَ على أن تقلِّد بَجكم الأهواز؟ قال: نعم، قال: أخطأتَ على نفسك غاية الخطأ، أنت لا تقوى علي بني البَريدي، وهم كُتَّاب أصحاب دَراريع، ولا تقدر على صَرْفهم، ولا على تَخْليص المال ولا البلد من أيديهم، تُقلِّدُ رجلًا تركيًّا صاحبَ سيف -وإنَّما صحِبك قريبًا- مثلَ الأهواز؟! وقد عرفتَ نفوس الأتراك، وما هو إلا أن يحصلَ البلد في يده، ويرى حُسْنَه وكثرةَ أمواله، وكثرة مَن معه من الجيش، حتَّى تُحدِّثه نفسُه بالتغَلُّب عليه، وربَّما تغلَّب عليك وأزالك عن مَرْتَبتك، فتكون أنت الجاني على نفسك، فثَنى رأي ابن رائق عما كان عزم عليه.
وبلغني، فضاق صدري، واغتَمَمْتُ غَمًّا شديدًا، وشاورتُ محمد بن ينال فلم يكن عنده رأيٌ، وهوَّن عليه، فقلتُ في نفسي: ابنُ مقاتل تاجرٌ عامِّي، وأنفُسُ التجار دَنِيَّة، والدِّرهم يكبر في نفوسهم.
فأخذتُ عشرة آلاف دينار، ونزلتُ في سُمارَّية ومعي محمد بن ينال تَرْجُمانٌ ليس معي غيرُه، وصرتُ إلى باب ابن مُقاتل فوجدتُه مغلقًا، وطرقتُه فكلَّمني البَوَّاب من وراء الباب فقال: الرجلُ نائم، وبيني وبينه أبواب، قلمتُ: اطرُقها فإنِّي قد حَضَرتُ في مُهمٍّ لا يجوز تأخيرُه، فدقَّها، وكلَّمه من ورائها، وأخبره ففتح.
ودخَلْنا وهو في فراشه، فانزعج لحضوري وقال: ما الخبر؟ قلتُ: أمرٌ أردتُ أن أُلقيَه إليك على خَلْوَة. فقال: قل، قلتُ: ما أطلعتُ عليه أحدًا إلا هذا التَّرْجُمان لثقتي
стр. 7959
به، قال: قل ما تحبُّ، فقلتُ: قد علمتَ ما كان عليه الأمير من تقليدي الأهوازَ، وقد توقَّف، ولستُ أدري سببَ تَوَقُّفه، وفي إبطال ما كان عَزم عليه بعد إشهاره غضٌّ مني، وإبطالٌ لجاهي، وأنا صنيعتُه وصنيعتُك، وإنْ لم أحْظَ في أيَّامكما فمتى أحظى؛ وأيّ قَدْرٍ يكونُ لي عند الناس؟ وهذه عشرة آلاف دينار قد حملتُها إلى خزانتك، وأُريد منك أنْ تُشير عليه بإمضاء ما كان قد تقرَّر، فإنَّه ما يُخالفك، قال: فلمَّا رأى الدنانير انْحَلَّ وقال: اذهب في دَعَة الله، ودَعْني على ما أعمل، وانصرفنا.
فلمَّا كان بعد ثلاثة أيام قال ابن مُقاتل لابن رائق: إنِّي قد فكَّرتُ في أمر بَجْكم فوجدتُ الصَّوابَ معك، لأنَّك متى تركتَ الأهواز في يد بني البريدي لم يَقنعوا بها، ومَدُّوا أيديَهم إلى غيرها من أعمالك، وفازوا بالمال، وأفسدوا قلوبَ أصحابك بالعطاء فصاروا إليهم، فإن بعثتَ إليهم الجيوش أفسدوهم، وإن خرجتَ بنفسك خاطرتَ بها، وما تدري ما يكون، وليس لهم مثل بجكم، لأنَّهم لا يَطمعون في مُقاومته، ويخافون من شَوكَته، فأمْضِ أمرَه، فإن أطاع وإلا فأنت مالكُ أمرك، متى شئتَ استبدلْتَ به.
فقبل رأيَه، وقلَّدني الأهواز، فباع ابنُ مُقاتل روحَه وروحَ صاحبه ونعمتَه بعشرة آلاف دينار، وتعوَّضَت الدنانير أضعافَها، وحصل لي مُلكُ ابنِ رائق.
وفيها ولَّى محمد بن طُغْج بُدَيرًا مولاه إمرةَ دمشق، فأقام بها إلى سنة سبع وعشرين وثلاث مئة، فقدم محمد بن رائق إلى دمشق فأقام بها، وزعم أنَّ المُتَّقي ولَّاه إياها، وأخرج بُدَيرًا عنها، ثم وليها بُدَير بعد ذلك من قبل كافور الإخشيدي، ثم قُبِض على بُدَير في سنة سبع وثلاثين.
وأما البريديون فهم ثلاثة: أبو عبد الله وأبو الحسين وأبو يوسف، كان أبوهم كاتبًا على البَريد بالبصرة، فغَلَبوا على الأهواز والبصرة، وجرت لهم قصصٌ، ثم اختلفوا فتمزَّقوا كلَّ مُمزَّق.
وفيها سار علي بنُ عبد الله بن حَمْدان إلى مصر، فتغلَّب عليها لمَّا خرج منها بدر الخَرْشَني، ولم يحجَّ في هذه السنة أحدٌ.
стр. 7960
[فصل]: وفيها توفي
أحمد بن محمد بن الحسن
أبو حامد، ابن الشَّرْقي، النَّيسابوري (١).
ولد في رجب سنة أربعين ومئتين، وطاف الدنيا [وسمع الكثير] وكان حافظًا مُتقِنًا، [وكان] أوحدَ عصره، وكان كثيرَ الحجِّ.
وقال الحاكم [أبو عبد الله:] نظَرَ محمد بن إسحاق بن خُزَيمة إلى أبي حامد فقال: ما دام هذا حيًّا لا يَتهيّأ لأحد أن يَكذب على رسول الله ﷺ ، وكانت وفاتُه في رمضان.
[سمع خلقًا كثيرًا منهم: الزُّبير بن بَكَّار، ومسلم بن الحجَّاج وغيره.]
وأجمعوا على صدقه وأمانته (٢).
عدنان ابن الأمير أحمد بن طولون
قدم بغداد، وحدَّث بها عن الربيع بن سليمان، والمُزَنيّ، وأصحاب الشافعي رحمة الله عليه، وقدم دمشق وحدَّث بها، وكان ثقةً ﵀ (٣).
محمد بن أبي موسى العَبَّاسي، أبو عبد الله
وكان نبيلًا، قال إبراهيم بن محمد الطَّبَري: رأيتُ ثلاثة لا يَتقدَّمُهم أحدٌ من أبناء جِنسهم: محمد بن أبي موسى يتقدَّم العباسيين فلا يُزاحمُه أحد، وأبا عبد الله الحسين بن أحمد الموسوي يتقدَّم الطالبيِّين فلا يزاحمُه أحد، وأبا بكر بن الأَكْفاني يتقدَّم الشُّهودَ فلا يزاحمُه أحد (٤).
стр. 7961
موسى بن عُبيد الله
ابن يحيى بن خاقان، أبو مُزاحِم.
كان أبوه وزيرَ المُتوكِّل، وكان موسى ثقةً من أهل السنة، نقَشَ على خاتمه: دِنْ بالسُّنَن موسى تُعَن. وتوفي في ذي الحجة (١).
* * *
стр. 7962
السنة السادسة والعشرون وثلاث مئة
فيها سار أبو عبد الله البَريدي [إلى الأهواز] لمُحاربة بَجْكم.
قد ذكرنا أنَّ البريدي قد مضى إلى فارس، واستعان بالأمير علي بن بُوَيه، وأنَّ ابن بُوَيه بعث معه أخاه أبا الحسن أحمد بن بُوَيه لدَفْع بَجْكَم عن الأهواز، وخلَّف البريدي عند علي بن بُوَيه ولدَيه أبا الحسن محمدًا [وأبا جعفر الفياض رهينة] (١).
ووَرَدَ الخبر على بَجْكَم بنزول أحمد بن بُوَيه على أَرَّجان، فخرج لحربه، وعاد مُنهزمًا بعد ثلاثة أيام، وكان أوكد الأسباب في هزيمته أنَّ المطر اتَّصل أيامًا كثيرة، فمنع الأتراك الذين مع بَجْكم أن يَرْموا بالنُّشَّاب لِلِين أوتارهم، وبطلان العمل بها، وقطع قَنْطرة أَرْبُق، فاحتال ابن بُوَيه في عبورها.
وكان بَجكم قد أرسل محمد بن ينال التَّرْجُمان، فلقي أحمد بن بُوَيه، فهزمه أحمد، فمضى إلى تُسْتَر، وعاد غلمانُه إلى بَجْكم، فقبض على وجوه أهل الأهواز، وحمَلَهم معه، وسار إلى واسِط بأصحابه فأقام بها.
ودخل أحمد بن بويه والبَريدي الأهوازَ، فأقام البريدي عنده أيامًا، ثم هرَب منه في الماء إلى الباسِيان (٢) فأقام بها، وكان قد سلَّم إلى أبي علي العارض كاتب أحمد خمسة آلاف درهم إلى يوم هرب، وإنَّما طُولب بإنفاذ عسكره إلى البصرة ويُبقي جَريدة (٣)، فاستوحش، وكان الدَّيلَم ينالون منه ويُسمعونه ما يَكره (٤).
стр. 7963
وكتب البريدي إلى غلامه أبي جعفر محمد الحَمَّال بأن يُوافي بباقي الجيش إلى البصرة، وكتب [إلى] (١) أحمد بن بويه ليُخلي له قَصَبةَ الأهواز، ويقوم بما ضَمنه من المال لعلي بن بُوَيه -وهو ثمانية عشر ألف ألف درهم- فأجابه أحمد خوفًا من عَتَب أخيه علي بن بُوَيه، وانتقل إلى عَسْكر مُكْرَم، فبعث إليه البريدي يقول: انتقل إلى السُّوس وأُعطيك ثلاثين ألف دينار، وجعَلَ يُدَرِّجُه المنازلَ، ولا يَبعثُ له شيئًا، فقيل لأحمد: إنَّه قد سلك معك طريقًا سَلَكَه مع ياقوت، وما قَصْدُه إلا إبعادُك إلى السُّوس، ويَستميل الذين معك كما فعل بياقوت، فامتنع أحمد من الخروج من عَسْكَر مُكْرَم وهي على سَمْت طريق فارس، وقال: لا أُفارق طريقًا أبعد فيها عن أخي.
وأقام البَريدي أسفلَ الأهواز، ولا حُكمَ لأحمدٍ إلا على عَسْكر مُكْرَم، وقلَّ المال عنده (٢)، وشَغَب رجالُه، وأرادوا الرجوع إلى فارس، فضبطهم، وكتب إلى أخيه بشرح الحال، فبعث إليه قائدًا في ثلاث مئة رجل من الدَّيلَم ومعه خمس مئة ألف درهم، ففرَّقها في رجاله، ووَلي على كُور الأهواز، ونزل في دار أبي عبد الله البريدي، وأقطع ضياعه، واستولَى على أمواله.
واستقرَّ أمر أحمد، وبَجْكم مقيمٌ بواسِط يُنازع إلى الملك ببغداد، وقد جمع ابن رائق أطرافَه وأقام ببغداد، والبريدي هاربٌ في أسفل الأهواز.
ذكر ما جرى بين الوزير أبي الفتح الفضل بن جعفر وبين محمد بن رائق:
لمَّا رأى الوزيرُ اختلال الحَضْرة، واستيلاء المُخالفين على البلاد؛ أطمع ابنَ رائق في أن يَحمل إليه الأموال من مصر والشام، وأعلمه أنَّ ذلك لا يَتِمُّ مع بُعْده عنها، وصاهره فزوَّج ابنه أبا القاسم بابنة محمد بن رائق، وعقد بينه وبين ابن طُغْج صِهْرًا، فزوَّج مُزاحم بن محمد بن رائق بابنة ابن طُغْج.
وخرج الوزير إلى الشام في ربيع الآخر على طريق الفُرات، واستخلف عبد الله بنَ علي النِّقَّري بالحَضْرة، وسَفَر ابن شيرزاد بين البريدي ومحمد بن رائق في الصُّلْح، وأن
стр. 7964
يكون عسكرُ البريدي بالبصرة يُقيم الدَّعوة للراضي ولابن رائق، ويجتهدوا في فتح الأهواز، وكتبوا الكتاب، وأخذوا عليه خطَّ الراضي، وسار جيش البريدي من البصرة إلى واسِط لقتال بَجكم، فخرج إليه بَجكم، فأوقع به بالدرمكان (١) وعاد إلى واسط، فجلس ابن رائق ببغداد في الهينة (٢).
ذكر هذه الواقعة:
بلغ بجكم صُلْح ابن رائق مع البريدي، وقَصَده البريدي، وبعث محمدًا الحَمَّال في ألف رجل، والتقوا، فانهزم الحَمَّال من الدرمكان، وكان البريدي وأخوه مقيمَين بمَطارا ينتظران الخبر، وجاءهما الفَلُّ ولم يُقتَل منهم أحد، وراسله بجكم وقال: أنت قد اتَّفقْتَ [مع] (٣) ابن رائق عليَّ، وقد عفوتُ عنك، وأنا أُعاهدك إنْ مَلَكتُ الحَضْرةَ أنْ أُقَلِّدك واسِطًا، فسجد البريدي شُكرًا لله ، وحلف له، واتَّفقا.
وفيها جرَت فتنةٌ عظيمة من الحنابلة وسببها البَرْبَهاري، فكتب إليه محمد بن رائق يَتهدَّدُه، فاسْتَتَر، ونَهى أصحابه عما كانوا عليه (٤).
وفيها قُطعَت يدُ ابن مُقْلَة، ثم قُطع لسانُه؛ وسببه أنَّ محمد بن رائق لمَّا صار إليه تدبيرُ المملكة في وزارة سليمان بن الحسن للراضي قبض على ضياع أبي علي بن مُقْلَة وابنه، فسأله ابنُ مُقْلَة إطلاقَها، فوعده، ثم مَطَلَه، فأخذ في السَّعي عليه من كلِّ وَجْه، وكتب إلى بَجكم يُطمِعه في الحَضْرة، وكتب إلى الرَّاضي يُسْير عليه بالقبض على ابن رائق وأسبابه، ويَضْمَن له إذا فعل ذلك وقلَّده الوزارة لَيَستخرج له منه ثلاثة آلاف ألف دينار، وأشار باستدعاء بجكم ونَصْبِه مكان ابن رائق، فأَطْمعه الراضي في ذلك، فكتب ابن مُقْلَة إلى بجكم يُخبره ويَحُثُّه على القُدوم.
стр. 7965
واتَّفق أنَّ ابن مُقْلَة يَنحدر إلى الراضي سِرًّا، ويُقيم عنده إلى أن يَتِمَّ التَّدبير، فركب من داره بسوق العَطَش وعليه طَيلَسان، وذلك ليلة الخميس لثلاث بقين من رمضان، وتعمَّد تلك الليلة لأنَّ القمر تحت الشُّعاع، وهو يُختار للأمور التي تَصْلُح للكِتمان (١).
فلمَّا وصل إلى دار الخليفة لم يُوصِله إليه، وعدل به إلى حُجرةٍ فاعتُقل فيها.
وبعث الراضي إلى ابن رائق في أمره فاخبره الخَبَر، وما زالت الرسائل تتردَّد بين الخليفة وابن رائق في أمره، فلمَّا كان يوم الخميس لأربع عشرة خلَت من شوال أظهر الخليفة أمرَه، واستفتى العلماء في أمره، وذَكر ما أشار به من مجيء بجكم وقَبْض ابن رائق، فيقال: إنَّ القضاة أفتَوا بقطع يده (٢) لأنَّه سعى في الأرض بالفساد، فأخرجه الراضي إلى دِهْليز التِّسعيني، وأُحضر فاتك حاجبُ ابن رائق وجملة من القُوَّاد، وقُطعت يدُه اليمين، ورَدَّه إلى محبسه (٣).
قال ثابت بن سنان: فاستدعاني الراضي، وأمرَني بالدخول عليه وعلاجِه، وفتح لي الخدم باب الحبس (٤)، فدخلتُ عليه، فإذا به جالسٌ يبكي، ولونُه مثل لون الرَّصاص، فلمَّا رآني شكا إليَّ ما يُلاقيه من ضَرَبان ساعِده (٥)، فحَلَلْتُ الخِرْقَة وعلى القَطْع سِرْقين الدَّوابّ (٦)، فطَلَبتُ كافورًا، فبعث به الراضي من عنده (٧)، فطليتُ به ساعِدَه، فسَكَنَ الضَّرَبان.
وخرجتُ من عنده بعد أنْ أطعمتُه مقدار عشرين لُقمة من طعام، وكنتُ أتردَّد إليه فعرضت له علَّة النِّقْرِس في رِجْله اليسرى، فكان يتألَّم من ذلك، فدخلتُ عليه يومًا وهو
стр. 7966
يَنوح على نفسه ويبكي ويقول: يدٌ خَدمْتُ بها الخِلافةَ ثلاثَ دَفْعات لثلاثة من الخلفاء، وكتبتُ بها القرآن دَفْعتَين، تُقطَع كما تُقْطَع أيدي اللُّصوص؟
ثم قال: أتذكُرُ وأنت تقول لي: [إنك] في آخر نَكْبة، ولعلَّ الفَرج قريب؟ قلتُ: بلى، قال: فقد ترى ما حلَّ بي، فقلتُ: ما بقي بعد هذا شيء، وينبغي أن تتوقَّع الفَرَج، فإنَّه قد عُمل بك ما لم يُعمَل بنَظيرٍ لك، وهذا انتهاءُ المَكروه، ولا يكون بعد الانتهاء إلا الانحطاط. فقال له: لا تغفل، فإنَّ المِحْنةَ قد تشبَّثت بي تشبُّثًا يَنْقُلُني من حالٍ إلى حال، إلى أنْ تؤدِّيني إلى التَّلَف، كما تتشبَّث حمَّى الدِّقِّ بالأعضاء، فلا تفارقُ صاحبها [حتى] تُؤدِّيه إلى التَّلَف، ثم تمثَّل: [من الوافر]
إذا ما مات بعضُك فابْكِ بعضًا … فبعضُ الشَّيء من بعضٍ قريبُ
فكان الأمرُ كما قال؛
لمَّا قَرُب بَجْكَم من بغداد قطع ابن رائق لسانَه، وبقي في الحبس مدةً طويلة، ثم لَحِقه ذرَبٌ ولم يكن عنده مَن يَخدُمه، فبلغني أنَّه كان يَستقي الماء بيده اليُسرى، ويَجْذِبُ الحَبْلَ ويُمْسِكه بفيه، ولحقه شَقاءٌ عظيم إلى أن مات بدار الخليفة.
ثم سأل أهلُه بعد مدة في تسليمه إليهم، فنُبِش وسُلِّم إليهم، فدفنه ابنه أبو الحسين في داره في مُرَبَّعَة أبي عبد الله (١)، ثم أحبَّت زوجتُه أنْ تَدفُنَه في دارها، فنُبش وحمل إلى دارها في قصر أمِّ حبيب، فدُفن هناك (٢).
[قال ثابت:] ومن العجائب أنَّه كان يُراسل الراضي من الحبس بعد قطع يده، قبل أن يقطع لسانه، ويُطمعه في المال الَّذي وعدَه أنَّه يُصَحِّحه له، ويقول: إنَّ قَطْعَ يده ليس مما يَمنعُه أنْ يَستوزره؛ لأنَّه يُمكنه أن يوقِّع بحيلة يحتالها [أو بيده اليسرى، وكان يَشُدُّ القلمَ على ساعده الأيمن، ويكتب بيده اليسرى]، فلمَّا علم ابن رائق أنَّه يسعى بلسانه في التدبير عليه قطعه (٣).
стр. 7967
ومن العجائب أنَّه تقلَّد الوزارة ثلاث دَفْعات لثلاثة من الخلفاء، وسافر في عمُره ثلاث سَفَرات، منهنَّ اثنتان في النَّفي إلى شِيراز، وواحدة إلى المَوصل في قتال ابن حمدان وهو وزير، ودُفن بعد موته ثلاث دفَعَات في ثلاثة مواضع، وخُصَّ به من خدمه ثلاثة: شكر، ووردي، وشمائل [وهذا قول ثابت بن سنان في ترجمة ابن مُقْلَة].
وذكره الشيخ جمال الدين ابن الجوزي ﵀ في "المنتظم" وقال: إنَّ رُقْعَةً جاءت من ابن مُقْلَة إلى الراضي يَضْمَن فيها ابنَ رائق وابنَي مقاتل بألفي ألف دينار، وأنَّه يقبض عليهم بحيلةٍ لَطيفة، فقال الراضي: صِرْ إليَّ حتَّى تُعَرِّفَني وَجْهَ هذا، فجاء إليه، وعلم ابنُ رائق، فجاء في جيشه إلى دار الراضي وقال: لا أبرح إلا بتسليم ابنِ مُقْلَة، فأُخرج، فأمر بقَطْع يده اليمنى وقال: هذا سعى في الأرض بالفساد (١).
قلت: ومات ابنُ مقلة في سنة ثمان وعشرين وثلاث مئة، وسنذكره هناك إن شاء الله تعالى (٢).
وورد الخبر بمسير بَجكَم من واسِط يُريد الحَضْرة، وكان قد أزال اسمَ ابن رائق من أعلامه وتِراسِه، وكان مسيرُه من واسِط يوم الخميس غُرَّة ذي القعدة، وبعث ابن رائق إلى دَيالى، فبَثَق إليه بَثْقًا من النَهروان، وقطع الجِسرَ ليصير خَنْدقًا بينه وبين بجكم، وطالب ابنُ رائق الراضي بأن يكتبَ إلى بجكم يأمرُه بالرجوع إلى واسِط، فكتب إليه كتابًا فلم يَلْتفت، ويمَّم قَصْدَه، ووصل إلى دَيالى، وبه عسكرُ ابن رائق، فانهزم إلى عُكبَرا.
واستتر ابن رائق ببغداد، ودخل بجكم يوم الاثنين لاثنتي عشرة خلَت من ذي القعدة على الراضي، فأكرمه، ورَفع منه، وخَلَع عليه، وعاد بالخِلَع إلى عسكره بدَيالى، واستتر أبو بكر بن مُقاتل كاتب ابن رائق.
ثم خلع الراضي على بجكم في اليوم الثاني والثالث، وأنزله دار مؤنس بسوق الثلاثاء، وانقضت أيام محمد بن رائق، وكانت مدَّتها سنةً واحدة وعشرة أشهر وستة عشر يومًا، ولقَّب الراضي بجكم بأمير الأمراء، وخلع عليه خِلَع المُنادَمة (٣).
стр. 7968
وفيها ورد كتابٌ من ملك الروم إلى الراضي في رمضان، وكانت الكتابة بالرُّومية بالذَّهَب، والترجمة بالعربية بالفِضة، وعنوانه: من رومانس وقسطنطين وإسْطَفانوس عُظَماء ملوك الروم، إلى الشَّريف البَهِيّ ضابط سلطان المسلمين؛ باسم الأب والابن وروح القدس الإله الواحد، الحمد لله ذي الفضل العظيم، الرؤوف بعباده، الجامع للمفترقات، والمؤلِّف للأمم المختلفة في العداوة حتَّى تصير شيئًا واحدًا، والحمد لله الَّذي جعل الصُّلحَ أفضلَ الفضائل، إذ هو محمود العاقبة في السماء والأرض.
ولمَّا بلغنا ما رُزِقْتَه -أيها الأخ الشّريف الجليل- من وُفُورِ العقل، وتمامِ الأدب، واجتماع الفضائل أكثر (١) ممَّن تقدَّمك من الخلفاء، حمدنا الله تعالى حيث جعل في كلِّ أمة مَن يَميل إلى طاعته، ويَمتثل أمره.
وذكر كلامًا طويلًا حاصلُه أنَّهم طلبوا الهُدْنَة، ومُفاداة الأُسارى الذين بأيدي المسلمين وأيديهم، وأهْدَوا للراضي هديَّةً سَنيَّة [فاخرة]، وذكروها في الكتاب فقالوا: وقد وجَّهْنا إلى شريف حَسَبك شيئًا من الألطاف، منها: أقداحٌ من ذهب مُطَعَّمَةٌ بالجوهر، وفوق كلِّ قَدَحٍ أَسَدُ بَلُّور مُطَعَّم، وكيزان، وجِرارٌ من ذهب كلُّها مُطَعَّمَة، وأواني من الذَّهب مُجَوهَرة، وثياب كثيرة، ومِسْكٌ وعَنْبَرٌ وطِيبٌ كثير، وألوان اللطائف شيء ما في خزانة الخلفاء مثلُه.
فكتب إليهم الراضي كتابًا من إنشاء أبي عبد الله أحمد بن محمد بن ثَوابَة مضمونه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من عبد الله أبي العباس الإمام الراضي بالله أمير المؤمنين إلى رومانس وقسطنطين وإسْطَفانوس رؤساء الروم، سلامٌ على مَن اتَّبع الهُدى، وتمسَّك بالعُروة الوُثْقى، وسَلك سبيلَ النَّجاة والزُّلْفى، وإنَّ أمير المؤمنين يَحْمَد الله الواحدَ الأحد، الفَرْدَ الصَّمد، الَّذي لا صاحبةَ له ولا وَلد (٢)، ولا شريكَ ولا عَضُد، تَنَزَّه عن المُضاهاة لعَظَمته، وتقدَّس عن المُناوأة بحكمته، وتعظَّم عن شَبَه (٣) العباد برُبوبيته، واستغنى عن الضرورات بمُلْكه وقُدْرته، فهو كما وَصَف نفسَه:
стр. 7969
لا إله إلا هو الحيُّ القيوم، له ما في السماوات وما في الأرض، وذَكر آيات التوحيد والجهاد، وصلَّى على النبي ﷺ ، وأخبرهم أنَّه قَبِل الهَديَّة [والهُدْنَة]، وأجابهم إلى ما التمسوا [، وهذا كتاب يطول ذكره، ذكره ثابت بن سِنان].
وفيها قَلَّد الراضي بَجْكم إمارة بغداد وخراسان، وابنُ رائق مستترٌ ببغداد، ولم يحجَّ في هذه السنة أحدٌ.
[فصل]: وفيها توفي
إبراهيم بن داود
أبو إسحاق، الرَّقِّي، القَصَّار (١).
[قال أبو عبد الرحمن السُّلَمي: كان] من جِلة مشايخ الشام، [من أقران الجنيد وابن الجلَّاء، عاش طويلًا، وصحبه أكثر مشايخ الشام،] وكان مُلازِمًا للفقراء، محبًّا لله تعالى، مجرَّدًا من الدنيا.
ذكر نبذة من كلامه (٢):
قال: الأبصارُ قوية والبصائرُ ضعيفة، ومَن اكتفى بغير الكافي افتقَرَ من حيث استغنى.
وقال: الكفايات تصل إليك بغير تَعَب، والتَّعَبُ في الفُضول.
وقال: أضعفُ الخَلْق مَن ضَعُف عن رَدِّ شَهواته، وأقوى الخَلْق من قَوي على ردِّها.
وسئل عن التوكُّل فقال: السُّكونُ إلى مَضمون الحقِّ.
وقال: المعرفةُ إثباتُ الربِّ خارجًا عن كلِّ مَوهوم، ألا ترى إلى قوله ﷺ : "تَفكَّرُوا في آلاء الله، ولا تفكَّروا في الله فتَهْلكوا" (٣).
стр. 7970
وقال: ما دام لأعْراض الكون عندك خَطَر، فلا خَطَرَ لك عند الله.
وقال: القُدرةُ ظاهرةٌ، والأعين مفتوحة؛ غير أن البَصائر ضعيفةٌ.
وقال: سافرتُ ثلاثين سنةً أُصلح قلوبَ الناس للفقراء.
وسأله سائلٌ فقال: هل يُطيقُ المُحِبُّ كِتْمانَ مَحَبَّته؟ فقال: [من الطويل]
ظَفِرْتُم بكِتْمان اللِّسان فمَن لكم … بكِتمانِ عَينٍ دَمْعُها الدَّهرَ يَذْرِفُ
حَملْتُم جبال الحُبِّ فوقي وإنَّني … لَأَعْجَزُ عن حَمْل القميص وأَضْعُفُ (١)
[ذكر حكاية الفقير والجندي:
ذكر في "المناقب": قال إبراهيم: حدثني الدَّرَّاج قال: خرجتُ أنا وابن الحَنوطي (٢) إلى الأُبُلَّة، وكانت ليلةً مُقْمرةً، فبينما نحن نسير على شاطئ الأُبُلَّة وإذا بقصرٍ لجنديٍّ، وفيه جاريةٌ تضرب بالعود وتقول (٣): [مجزوء الرمل]
في سبيل الله وُدٌّ … كان منِّي لك يُبْذَل
كلَّ يوم تتَلَوَّن … غيرُ هذا بك أجْمَل
قال: وفي ظلِّ القصر فقيرٌ عليه خِرْقتان، فصاح: يا جارية، بالله عيديه، فهذا حالي مع مولاي، فقال لها مولاها: أَقبلي على الفقير وأعيديه، والفقير يصيح ويبكي إلى أنْ وقع مغشيًّا عليه، فحرَّكناه وإذا به ميِّت، فنزل صاحب القصر، فاغتممنا وقلنا: هذا يكفنه من غير وجهه، ثم صعد الجندي القصر، فكسر كلَّ ما كان بين يديه، فقلنا ما بعد هذا إلا الخير.
стр. 7971
ولمَّا طلع الفجر إذا بالناس يهرعون من الأبُلَّة كأنَّما نودي فيهم، وخرج القضاة والعدول والأشراف، وخرجت الجنازة، وإذا بالجندي يمشي وراءها حافيًا حاسرًا.
فلمَّا دُفن الفقير وهمَّ الناس بالانصراف قام الجندي فقال: يا قوم، ألستُم تعرفوني؟ قالوا: بلى. قال: فإني أُشهدكم أنَّ كلَّ جارية لي حرَّةٌ، وكلّ ضياعي وعقاري في سبيل الله، ولي في صندوق أربعة آلاف دينار، وهذا القصر بما فيه في سبيل الله.
ثم نزع الثوب الَّذي كان عليه فرمى به، وبقي في سراويله، فقال القاضي: عندي مِئزران من وجهٍ حلال، أسألُك قَبولهما لله، فأخذ واحدًا فاتَّزر به، وارتدى بالآخر، وهام على وجهه فلم يُعْلَم له أثَر، ولا وَقفوا له على خَبَر، فكان بكاء الناس عليه أكثر من بكائهم على الفقير.
قال السُّلَمي: توفي القصَّار في سنة ستٍّ وعشرين وثلاث مئة (١).
وفيها توفي
أحمد بن زياد
ابن محمد بن زياد بن عبد الرحمن، اللَّخْمي، الأندلسي (٢).
وزياد بن عبد الرحمن صاحب مالك بن أنس، ويُلقَّب شَبَطُون، وشبطون أول مَن أدخل فقه مالك بن أنس إلى المغرب.
وعرض على أحمد القضاء بالأندلس فلم يقبله، وكانت وفاته بالأندلس.
وفيها توفي] (٣)
عبد الله بن محمد بن سفيان
أبو الحسين، الخَزَّاز، النَّحْوي (٤).
стр. 7972
له التصانيف في علوم القرآن [، ومات ببغداد في ربيع الأول في هذه السنة (١).
وحدَّث عن المبرّد، وثعلب وغيرهما، وروى عنه عيسى بن علي الوزير وغيره].
وقال: حدثنا المبرِّد، عن المغيرة (٢)، عن الزُّبَيْر بن بَكَّار، عن عمِّه مصعب قال: قال مالك بن أنس: لهؤلاء الشُّطَّار مَلاحَةٌ، دخل أحدهم يُصلّي خلف إمام، فأُرْتج على الإمام، فجعل يتعوَّذ من الشيطان، فقطع الشَّاطر الصلاة وقال: يا هذا (٣)، ليس للشيطان ذنبٌ، إنَّما أنت ما تُحسِن تقرأ شيئًا.
[وفيها توفي
عبد الرحمن بن محمد بن عصام
أبو القاسم، القُرَشيّ مولاهم.
قال الحافظ ابن عساكر: كان يسكن لؤلؤة؛ مَحَلَّةٌ كبيرة خارج باب الجابية، توفي بدمشق.
حَدَّث عن هشام بن عمَّار وغيره، وروى عنه أبو الحسين الرازي وغيره، وكان ثقةً، والله أعلم (٤).
وفيها توفي
محمد بن جعفر
ابن رُمَيْس بن عمرو، أبو بكر، القَصْريّ، البغدادي.
كان ينزل قصر الخلافة فنُسب إليه.
قال الخطيب: أنفق في طلب الحديث دَنانيرَ كثيرة، وفي رواية: ألوف الدنانير، وسمع ولقي الشيوخ.] (٥)
стр. 7973
السنة السابعة والعشرون وثلاث مئة (١)
فيها خرج الراضي وبَجْكَم من بغداد إلى الموصل لمُحاربة الحسن بن عبد الله بن حَمْدان، وكان قد أخَّر الحِمْل عما ضَمِنَه من الموصل والجزيرة وديار ربيعة، فلمَّا كان يوم الثلاثاء لثلاثٍ خلَون من المُحرَّم خرج الراضي وبَجكم من بغداد، وصارا إلى تكرِيت، فأقام الراضي بها، وسار بجكم من الجانب الشَّرقي من دجلة يريد المَوصل، فتلقَّته زواريق بعث بها الحسن بن حمدان إلى الراضي، فيها دَقيقٌ وشَعير وغنم هدية، فأخذها بجكم، وفرَّق ما فيها على أصحابه، وعَبر فيها إلى الجانب الغربي.
ولقيه ابنُ حَمْدان بالكُحَيل، وجرت بينهما وقعةٌ انهزم فيها أصحاب بجكم، واستؤسر بعضُهم، فحقَّق بجكم الحَمْلَة بنفسه، فانهزم ابنُ حَمْدان، واتَّبعه بجكم إلى أن بلغ إلى نَصِيبِين فأقام بها، وهرب ابنُ حَمْدان إلى آمِد، وكتب بَجكم إلى الراضي بأن يسيرَ من تَكْرِيت إلى المَوْصل، فسار في الليل.
وكان قبل ورود كتاب بجكم قد لَحِق القرامطة الذين مع الراضي بتَكْريت ضائقة، فانصرفوا مُغاضِبين إلى بغداد.
وظهر محمد بن رائق من استتاره، فانضمُّوا إليه، وكانوا ألفَ رجل، ويقال: إنَّ ابن رائق كاتَبهم، فخاف الراضي أن يَسريَ إليه ابنُ رائق والقرامطة فيأخذوه، فخرج من الماء وسار مُجِدًّا على الظَّهر إلى المَوصل، فدخلها يوم الأحد لستٍّ خلَون من صفر، فنزل دار ابنِ حَمْدان، وكتب إلى بجكم يُعرِّفُه الخبر، ويأمرُه بالرجوع إلى المَوصل، فقلَّد بجكم نَصِيبيِن وديارَ ربيعة لجماعةٍ من قُوَّاده، وعاد إلى الموصل لستٍّ بقين من صفر يوم الخميس وهو قَلِقٌ من أمر ابن رائق.
стр. 7974
ولمَّا كان يوم الأحد لثلاث بقين منه وقعت بين أهل المَوْصل وأصحاب بَجكم فتنةٌ، فركب بجكم، ووضع السيف في أهل الموصل، وأحرق عدَّةَ محال منها، فسكنوا.
وورد الخبر بأنَّ ابنَ حَمْدان عاد إلى نَصيبين، وأنَّ مَن كان بها من أصحاب بجكم هربوا، فزاد ذلك في قلقه، وأخذ أصحابُه يتسلَّلون من الموصل إلى بغداد إلى ابن رائق، حتَّى احتاج بجكم إلى أن يَسُدَّ أبواب دروب الموصل.
ولمَّا وصل ابن حَمْدان إلى نصيبين ولم يعلم بخروج ابن رائق ببغداد بعث إلى بجكم يُصالحه على أن يحمل إليه خمسَ مئة ألف درهم مُعَجَّلة، فما صَدَّق بجكم، وكان في نيته أن يُسلِّم الموصل إلى ابن حَمْدان من غير صُلْح، ويَمضي إلى بغداد ليَدفعَ ابنَ رائق عنها.
فاستأذن بَجكم الراضي في الصلح، فامتنع من شدَّة غَضَبه عليه، وقال: أخْرَجَ دارَ الملك من أيدينا، فقال بجكم: الصَّواب الصلح، فأذن فيه، وبعث إلى ابن حَمْدان الخِلَع واللواء مع القاضي [أبي] الحسين بن أبي الشَّوارِب (١)، فاستحلف ابن حمدان، وأنفذ مال التعجيل.
ذكر ظهور ابن رائق:
لمَّا عادت القرامطةُ إلى بغداد ظهر ابن رائق في صفر، وانضمَّ إليه جماعة، واستتر أصحابُ الدواوين والكُتَّاب، وقاتلَه جماعة من أصحاب السلطان فهزمهم، فصار إلى دار الخليفة، فلم يدخلها احترامًا لمَن فيها من الحُرَم، وراسل والدةَ الراضي وحُرَمه رسالةً جميلة، واستعرض حوائجَهم.
وأُصْعِدَ محمد بن ينال من واسِط في أربعة آلاف من التُّرك والدَّيلَم، فالتقاه ابن رائق فهزمه.
وراسل ابنُ رائق الراضي وبَجكم على لسان أبي جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد يَلتمس الصُّلح، وأن يُقلَّد طريق الفرات، وجند قِنَّسْرِين (٢) والعواصم، ويخرج إليها،
стр. 7975
فأجابه إلى ذلك، وحلف بجكم، وخرج ابن رائق متوجِّهًا إلى هذه الأعمال في ربيع الآخر.
ذكر دخول الراضي وبجكم بنداد:
وذلك في ربيع الآخر، وبلغ الراضي أنَّ عبد الصَّمَد بن المُكتفي راسل ابنَ رائق لمَّا ظهر ببغداد أن يقلِّده الخلافة، وبذل له مالًا، فاعتقله الراضي في دار الخلافة، ويقال: إنَّه قتله، ولمَّا مات الراضي نُبِش عبد الصمد، وحُمل إلى تربةٍ له فدفن بها.
وفي جُمادى الأولى صاهر بَجْكم الحسنَ بن عبد الله بن حَمْدان.
وفي جمادى الأولى مات الوزير أبو الفتح بن جعفر بن الفرات بغَزَّة، وقيل: بالرَّمْلَة، ودُفن بالرَّمْلَة، وكان الراضي لمَّا وصل إلى المَوصل بعث يستدعيه، فجاء الخادم وقد مات، فكانت مُدَّة وقوع اسم الوزارة عليه سنةً وثمانية أشهر وخمسةً وعشرين يومًا.
وفيها استكتب بجكم أبا جعفر محمد بن شيرزاد، وسَفَر بينه وبين أبي عبد الله البَريدي في الصُّلْح، وأن يَضمن البريدي واسِطًا من بجكم بستٍّ مئة ألف دينار في السنة، فتمَّ الصُّلْح.
وفيها استوزر الراضي أبا عبد الله أحمد بن محمد البريدي؛ وسببه: أنَّ ابن شيرزاد أشار بذلك وقال: نكتفي شرَّه، ونأخذ ماله، فبعث الراضي قاضي القضاة أبا الحسين عمر بن محمد إليه بالخِلَع والتَّقليد، واستَخْلَف بالحَضْرة أبا بكر عبد الله بن علي النَّفَري؛ كما كان يَخْلُف أبا الفتح الفضلَ بن جعفر (١).
قال الصُّولي: وكان الحجُّ قد بَطَل من سنة سبع عشرة وثلاث مئة، فكتب أبو علي عمر بن يحيى العَلَوي إلى القِرمِطيّ -وكان يحبُّه لشجاعته وكَرَمه- يَسأله أن يُطْلق الحاج، ويُعطيه عن كلِّ جمل خمسة دنانير، وعن المَحْمِل سبعة دنانير، فأذن القِرْمِطي، فحجَّ الناس، وهي أولُ سنة مُكِسَ الحاجُّ فيها.
стр. 7976
وخرج [في هذه السنة] مع الرَّكْب القاضي أبو علي بن أبي هريرة الشافعي، فلمَّا طُولب بالخِفارَة لَوى رأسَ راحلته ورَجع، وقال: لم أرجع شُحًّا على الدراهم (١)،
ولكن قد سقط الحجُّ بهذا المَكْس.
[فصل: وفيها توفي
إبراهيم بن بُنان (٢)
ويقال: بَيان، أبو يعقوب، الجَوهَريّ.
أصله من البصرة، وسكن دمشق ومات بها في شعبان، حدَّث عن أبي أمية والربيع بن سليمان (٣) المرادي وغيرهما، وروى عنه أبو الحسين الرازي، وعبد الوهاب الكِلابي وغيرهما وكان ثقةً.
وفيها توفي
أحمد بن عثمان بن أحمد
أبو الطَّيِّب، السِّمسار، والد أبي حَفْص بن شاهين.
سمع الحديث وتوفي ببغداد في رجب، ودفن بمقبرة باب التِّبن، وكان ثقة (٤).
فصل] وفيها توفي
عبد الرحمن بن محمد بن إدريس
أبو محمد بن أبي حاتم الرَّازي الحافظ، مُحَدِّث بن مُحَدِّث (٥).
стр. 7977
[رحل في طلب العلم والحديث إلى الأمصار مع أبيه، قال: ولم يدعني أبي أشتغل بالحديث حتَّى ختمت القرآن على الفضل بن شاذان، ثم كتبتُ الحديث.]
وكان إمامًا فاضلًا، صنَّف "الجرح والتعديل".
وقال أحمد بن عبد الله النيسابوري (١): كنا عنده وهو يقرأ علينا (٢) كتاب "الجرح والتعديل" الَّذي صنَّفه، فدخل يوسف بن الحُسين الرَّازي، فجلس وقال: يا أبا محمد، ما هذا؟ فقال: الجرح والتعديل، قال: وما معناه؟ قال: أُظهر أحوال العلماء مَن كان ثقة ومَن كان غير ثقة، فقال له يوسف: أما استحييتَ من الله؟! تذكرُ أقوامًا قد حَطُّوا رَواحِلَهم في الجنّة أو عند الله منذ مئة سنة أو مئتي سنة تَغتابُهم؟
فبكى عبد الرحمن وقال: يا أبا يعقوب، والله لو طَرَق سمعي هذا الكلام قبل أن أُصنِّفه ما صنفتُه، وارْتَعَد وسقط الكتابُ من يده، [وقام] ولم يقرأ في ذلك المجلس شيئًا.
[قلت: وقد فات ابنَ أبي حاتم الجوابُ، فإنه كان يقول: ما كلامي فيمن حَطُّوا رواحِلَهم عند الله، وإنما كلامي مع أقوامٍ أفسَدوا الشَّريعة، وقصدوا إيقاعَ الشكِّ في قلوب العوام، والتَّلاعبَ بالدين؛ بوضع أخبارٍ أحلوا فيها الحرام وحرموا فيها الحلال، كما فعل عبد الكريم بن أبي العَوْجاء وغيره.]
وقال ابن أبي حاتم: قدمتُ مع أبي إلى الشام، فدخلنا مدينةً، فرأينا [فيها] رجلًا قائمًا، بيده حَيَّةٌ يلعبُ بها ويقول: مَن يُعطيني درهمًا حتَّى أبلَعَها؟ فالتفت إليَّ أبي وقال: احفظ دراهمَك يا بُنيّ، فمن أجلها تُبلَع الحَيَّات.
أسند ابن أبي حاتم عن خلق كثير، واتَّفقوا على فَضْله، وصدْقه، وأمانته، ومَعْرِفته [وعبادته.
стр. 7978
وفيها توفي]
عثمان بن الخَطَّاب
ابن عبد الله بن العَوَّام، أبو عمرو البَلَوي، المَغْرِبي، ويعرف بالأَشَجِّ، وبأبي الدُّنيا (١). كان يزعم أنَّه رأى علي بن أبي طالب ﵇ وروى عنه.
[وقد ذكر قصَّتَه الخطيب فقال: حدثنا أبو بكر أحمد بن موسى بن عبد الله الرَّوشناني قال: حدثنا] محمد بن أحمد بن يعقوب [المفيد قال:] سمعت أبا عمرو عثمان بن الخَطَّاب [بن عبد الله البَلَوي من مدينة بالمغرب يقال لها: مرندة، وهو المُعَمَّر، ويعرف بابن أبي الدنيا] يقول: وُلدتُ في أول خلافة أبي بكر الصديق رضوان الله عليه، فلمَّا كان في زمن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه خرجتُ أنا وأبي نُريد لقاءَه، فلمَّا صِرْنا قريبًا من الكوفة، أو من الأرض التي هو فيها؛ لَحِقَنا عَطَشٌ شديد في طريقنا أشفينا (٢) منه على الهَلَكة.
وكان أبي شيخًا كبيرًا، فقلتُ له: اجلس حتَّى أدور أنا في البَرِّيَّة، فلعلِّي أرى ماءً أو مَن يدلُّني عليه، أو ماءَ المطر، فجلس.
ومَضَيتُ أطلب الماء، فلمَّا كُنْتُ غير بعيد عنه لاح لي ماءٌ، فإذا بعَينٍ وبين يديها شبيهٌ بالبركة (٣) من مائها، فنَزعتُ ثيابي، واغتسلتُ من ذلك الماء، وشَرِبتُ حتَّى رَويتُ، ثم أتيتُ أبي فقلتُ: قم فقد وقعتُ على عين ماء، وقد فرَّج الله (٤).
فجئنا نحو العين، فدُرْنا فلم نَرَ (٥) شيئًا، وضَعُف أبي، واشتدَّ الحرُّ، ولم يزل يضطرب حتَّى مات من العَطَش، فواريتُه.
стр. 7979
ثم جئتُ فلقيتُ أمير المؤمنين وهو خارج إلى صِفِّين، وقد أُسرجت له بَغْلةٌ، فجئتُ فأمسكتُ الرّكاب ليَرْكبَ، وانكببتُ لأُقبْل فَخِذه، فنَفَحَني الرِّكاب، فشَجَّني في وجهي [شَجَّةً]. قال المفيد: وأنا رأيتُ الشَّجَّةَ في وجهه واضحةً.
قال: ثم سألني عن خَبَري، فأخبرتُه بقصة العين ووفاة أبي، فقال: تلك عينٌ ما شرب منها إلا مَن عُمِّر طويلًا، فأَبْشِر فإنَّك تُعَمَّر، ما كنتَ تجدها بعد شربك منها.
قال المفيد: فسألناه فحدَّثنا عن علي ﵇ بأحاديث؛ خمسة عشر حديثًا.
[قال:] وكان معه شيوخ من أهل بلده، فسألتُهم عنه فقالوا: هو مشهورٌ عندنا بطول العُمر، حدثنا بذلك آباؤنا عن آبائهم عن أجدادهم، وأنَّ قوله في لُقِيّه لعلي [بن أبي طالب]﵇ معلوم عندهم أنَّه كذلك. [وهذه رواية الخطيب (١).
وروى الخطيب أيضًا عن الأشج أنَّه دخل بغداد، فقال:] (٢) حدثنا أبو القاسم عُبيد (٣) الله بن أحمد الرَّقِّي، حدثنا يوسف بن أحمد بن محمد البغداديّ؛ وكان شاهدًا بالرَّقَّة فقلتُ له: إنَّ المفيد حَدَّث عن الأشَجِّ، عن علي بن أبي طالب؟ فقال: إنَّ الأشجَّ دخل بغداد بعد سنة ثلاث مئة بسنين، فنزل (٤) دارَ إسحاق، فاجتمع عليه الناس وضايقوه، وكنتُ حاضرًا، فقال: لا تُؤذوني، فإنِّي سمعتُ علي بن أبي طالب يقول: قال رسول الله ﷺ : "كلُّ مُؤْذٍ في النار" (٥).
قال: وحدَّث ببغداد خمسةَ أحاديث، حفظتُ مثها ثلاثة هذا أحدُها، وما علمتُ أنَّ أحدًا من أهل بغداد كتب (٦) عنه حرفًا [واحدًا]، ولم يكن عندي بالثقة، وعلماء النَّقْل لا يُثبتون قولَه، ولا يُصدِّقون خبرَه. [وهذه روايات الخطيب.
стр. 7980
وقد ذكره الحافظ ابن عساكر قال: وروى المفيد عن الأشج عن علي أربعة عشر حديثًا.]
وقال له أبو الحسن علي القَزويني: كم تَعُدُّ من السنين؟ فقال: ثلاث مئة إلا خمس سنين، قيل له: فكم تذكر من الصحابة؟ قال: كلهم ما خلا رسول الله ﷺ وفاطمة، قيل له: أفتذكر علي بن أبي طالب رضوان الله عليه؟ فقال: كيف لا وأنا من تربيته؟ وكنتُ الرسولَ بينه وبين عثمان بن عفان، فحَمَلني على دابَّته، وهذه الشَّجَّة التي في وجهي منه، أو في رأسي، كان خارجًا إلى صِفّين، أو إلى قتال النَّهْرَوان، ضرب البَغْلَةَ بمِهْماز فأخطأها، فوقعَت في رأسي، وكشف رأسه فإذا بالشَّجَّة (١). [وفي رواية: أنَّه لما ذكر له أنَّه شرب من العين قال عليٌّ: اللهم عَمِّرْه ثلاثًا.
قال ابن عساكر: وقد روى عنه جماعة غير المفيد، منهم: أبو الحسن محمد بن يحيى بن أخي طاهر العَلَوي، وأبو الحسن علي بن جابارة القَزويني، وأبو الحسين أحمد بن يحيى الدِّينَوَري وغيرهم.] (٢)
وقال المفيد: بلغني أن الأَشَجَّ رجع إلى بلده فمات في الطريق في هذه السنة، [وأخبرني بعض أصحابنا أنهم،] كانوا يكنونه أبا الحسن، ويسمُّونه عليًّا (٣).
فصل: وفيها توفي
أبو بكر الخَرائطي
صاحب "اعتلال القلوب" (٤)، ذكره جدي في "المنتظم" وقال: محمد بن جعفر بن محمد بن سَهْل (٥)، أبو بكر الخرائطي، من أهل سُرَّ مَن رأى، سمع إبراهيم ابن
стр. 7981
الجنيد، والحسن بن عَرَفَة، وخلقًا كثيرًا، وكان حسن التَّصنيف، سكن الشام وحدَّث بها، وتوفي في ربيع الأول من هذه السنة.
وذكره الحافظ ابن عساكر فقال: قدم دمشق (١) في سنة خمس وعشرين وثلاث مئة، وحدث بها وبغيرها.
واختلفوا في وفاته، فقال أبو الحُسين الرَّازي: مات بيافا بعد أن أقام بدمشق سنة، وكانت وفاته في أول سنة سبع وعشرين وثلاث مئة.
وقال أبو محمد عبد العزيز الكتاني: مات بعَسْقلان في ربيع الأول.
روى عنه أبو القاسم بن أبي العَقَب، وأبو بكر بن أبي الحديد، وأبو الحسين الرَّازي، وغيرهم، وأجمعوا على ثقته وفضله (٢).
وقد روينا كتابه المسمَّى بـ "اعتلال القلوب"، وذكرنا طرفًا منه مفرقًا في الكتاب، ومن أحسن ما ختم به "اعتلال القلوب": قال الخرائطي: أنشدنا أبو العباس الكندي، أنشدني أبو القاسم عبد العزيز لأبي بكر الصَّنَوْبَري: [من الوافر]
دُخولُ النَّارِ للمَهْجور خيرٌ … من الهَجْرِ الَّذي هو يَتَّقيه
لأنَّ دخولَه في النَّار أدْنى … عَذابًا من دخول النار فيه (٣)
قلتُ: وهذان البيتان لأبي بكر أحمد بن محمد بن الحسن الحلبي الشاعر، المعروف بالصَّنوبري، شاعرٌ قديم، مُفْلِق، فصيح، من كبار الشعراء، له أشعارٌ في دمشق ورياضها ومُتنَزَّهاتها، وإنَّما سُمِّي جدُّه الحسن الصنوبري لأنَّه كان حادَّ المِزاج في المُناظرة، ناظر رجلًا بين يدَي المأمون فافحمه، فأُعجب المأمون، فقال له: ما أنت إلا صَنَوبَريَّ الشَّكل، يريد بذلك الذَّكاء وحدَّة المزاج، ولم يذكر لنا تاريخ وفاته (٤).
стр. 7982
وقد أنشدنا أشياخنا مقطعات من شعره، فقال بإسناده أنشدنا أبو القاسم بن بِشران، أنشدنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الكندي، أنشدنا أبو القاسم عبد العزيز بن عبد الله، أنشدنا أبو بكر الصَّنَوبري لنفسه (١): [من البسيط]
إن كان في الصَّيف رَيحانٌ وفاكهةٌ … فالأرضُ مُسْتَوقَدٌ والجوُّ تنُّورُ
وإن يكن في الخريف النَّخْلُ مُخْتَرَفًا (٢) … فالأرض مأسورةٌ والجوُّ مَحْسورُ
وإن يكن في الشِّتاء الغَيثُ مُتَّصِلًا … فالأرض عُرْيانةٌ والجوُّ مَقْرُور
ما الدَّهرُ إلا الرَّبيعُ المُسْتَنيرُ إذا … جاء الرَّبيعُ أتاك النَّوْرُ والنُّورُ
فالأرضُ ياقوتةٌ والجَوُّ لؤلؤةٌ … والنَّبتُ فَيروزَجٌ والماءُ بِلَّور
ما يَعْدَمُ النَّبتُ كأسًا من سَحائبه … فالنَّبتُ ضَرْبان سَكْرانٌ ومَخْمورُ
فيه لنا الوَرْدُ مَنْضودٌ مُوَرَّدُهُ … بين المَجالس والمَنْثُور مَنْثُورُ
هذا البَنَفْسَجُ هذا الياسَمِينُ وذا النـ … نِسْرينُ مذقُرِنا فالحُسْنُ مَشْهورُ
تَظَلُّ تَنْثُرُ فيه (٣) السُّحبُ لؤلُؤَها … فالأرضُ ضاحِكةٌ والطَّيرُ مَسْرور
حيثُ التفَتَّ فقُمْرِيٌّ وفاخِتَةٌ … يُغنِّيانِ وشُحْرُورٌ وزَرْزُور
إذا الهَزَارانِ فيه صَوَّتا فهما … بحُسْنِ صَوْتَيهما عُودٌ وطُنْبُور
تَطيبُ فيه الصَّحارى للمقيم بها … كما تَطيبُ له في غيره الدُّورُ
مَنْ شمَّ رِيحَ تحيَّاتِ الرَّبيع يَقُلْ … لا المِسْكُ مِسْكٌ ولا الكافورُ كافورُ
قلت: وقد ضَمَّن جَدِّي هذه الأبيات في عدَّةٍ من مُصَنَّفاته، وأسقط منها بيتَ القَصيد وهو قوله:
فالنبت ضربان سكران ومخمور (٤)
стр. 7983
ودخل يومًا دارَه، فسمع بكاءَ ولدٍ له رَضيع، فقال: ما له؟ قالوا: فَطَمْناه، فكتب على مَهْده: [من الخفيف]
مَنَعوه أحبَّ شيءٍ إليه … من جميع الوَرى ومن والدَيه
مَنَعوه غِذاءَه ولقد كان … مُباحًا له وبين يديه
عَجَبًا منه ذا على صِغَرِ السِّنْـ … ــنِ هَوى فاهتَدى الفِراقُ إليه (١)
وقال أيضًا: [من الخفيف]
هَدَمَ الشَّيبُ ما بناه الشَّبابُ … فالغَواني وما عُصِينَ غِضابُ
قُلِبَ الآبَنوسُ عاجًا فللأعـ … ـــيُنِ منه (٢) وللقلوبِ انْقِلابُ
وضَلالٌ في الرَّأي أن يُشْنَأ البا … زي على حُسْنه ويُهْوى الغُرابُ
وكتب على قبر ابنته: [من مجزوء الخفيف]
آنَس اللهُ وَحْشَتِكْ … رحم الله وَحْدَتكْ
أنتِ في صُحبةِ البِلى … أحسَنَ الله صُحْبَتِكْ (٣)
стр. 7984
السنة الثامنة والعشرون وثلاث مئة (١)
[قال ثابت بن سنان:] في ليلة [يوم] الخميس مُستهلِّ المُحرَّم ظهر في الجوِّ حُمْرَةٌ شديدة من ناحية الشَّمال والمغرب، ثم دارت إلى الشمال، وظهر منها أعمدةُ بياضٍ عظيمةٌ، كثيرةُ الضَّوء والعدد، ثم اضمَحَلَّت، ثم عادت.
[قال:] وفي هذا اليوم ورد الخبرُ إلى بغداد بأنَّ عليًّا بن عبد الله بن حَمْدان لقي الدُّمُسْتُق فهزمه.
وفي يوم الخميس لثلاثٍ بقين من المُحرَّم تزوَّج بَجْكَم سارةَ بنت أبي عبد الله البَريدي بحضرة الراضي، وكان الصداق مئتي ألف درهم.
وفيها ورد الأميرُ أبو علي الحسن بن بُوَيه إلى واسط فأقام بشَرقيِّها، وكان البريديون بها في الجانب الغربي.
وسببُ مجيء الحسن إليها: أنَّ أبا عبد الله البريدي أنفذ جيشًا إلى السُّوس، فقتل قائدَين من كبار الدّيلَم، وتَخَلَّص أبو جعفر الصَّيمَري إلى قلعة السُّوس، وخاف الحسنُ بن بُوَيه من البريدي أن يسير إلى الأهواز، وكان الأمير أبو علي مقيمًا بباب إصْطَخر، فكتب إليه أخوه فوافاه، فخرج الراضي وبَجْكَم من بغداد إلى واسط، فانصرف أبو علي عنها، فرجع الراضي وبجكم إلى بغداد.
وفي شعبان توفي القاضي أبو الحسين عمر بن محمد، وتقلَّد مكانه من جانبَي بغداد ابنُه أبو نصر.
وفيها خرج بجكم إلى الجبل وعاد، وفَسَد الحالُ بينه وبين البريدي.
وسببُه: أنَّ بجكم لمَّا صاهر البريدي وصفا الحال بينهما كتب بجكم إلى البريدي وهو بواسط أنَّه قد عزم على قَصْد الجبل لفتحه، وأمر البريدي أن يسيرَ إلى الأهواز ليدفعَ الأميرَ أبا الحسن بن بُوَيه عنها (٢).
стр. 7985
فلمَّا قطع بجكم حُلْوان طمع البريدي في العراق، وأنَّه يدخلُ بغداد فيأخذ من دار بجكم دفائنَ عظيمةً (١)، وكانت سَنِيَّة، وأقام يُقَدِّمُ ويؤخِّرُ، ويُقْدِمُ وَيجْبُن، وتارةً تَشْرَهُ نفسُه إلى المال، وتارةً يخاف من مُكاشَفة بجكم، ويتوقَّع أن يُهزَم بجكم أو يُقتلَ فيتمكَّنَ مما يريد.
وكان بجكم قد بعث أبا زكريا السُّوسي بالرسالة إلى البريدي، فأقام عنده شهرًا، وعلم السُّوسي ما قد عَزم عليه، فأرسل السُّوسي (٢) إلى بجكم فأخبره، فركب بجكم الجَمَّازات (٣)، وسار إلى بغداد، وخلَّف عسكرَه وراءه.
ووقع الطَّيرُ على البريدي بدخول بجكم بغداد، فتحيَّر، وهمَّ بالقبض على السُّوسي، ثم أطلَقَه، وعَزل بجكم البريدي عن وزارة الراضي -وكان اسمُ الوزارة واقعًا عليه، والأمور يُدَبِّرها أبو جعفر بن شيرزاد كاتب بجكم- واستُوزِرَ أبو القاسم سليمان بن مَخْلَد (٤) في ذي القعدة، وخُلِع عليه.
وكانت مدةُ وقوع اسمِ الوزارة على البريدي سنةً واحدة وأربعة أشهر وأربعة عشر يومًا.
وخرج بجكم إلى واسط في ذي القعدة، وأراد أن يكتمَ أمرَه عن البريدي، فضبط الطريقَ بأسرها، واحترز ليهجم واسِطًا فيأخذَ البريدي، فوصل إلى واسِط يوم السبت لليلة بقيت من ذي القعدة، فوجد البريدي قد انحدر منها ولم يقف، وقلَّد بجكم كتابتَه أبا عبد الله أحمد بن علي الكوفي، وعُزل عنها أبو جعفر بن شيرزاد.
وفي شوال ورد الخبر إلى بغداد بأنَّ محمد بن رائق صار إلى حمص فملَكها، وإلى دمشق والزملة وملك الجميع، ووصل إلى عَرِيش مصر، ولقيه الإخشيد محمد بن طُغْج، فحاربه فانهزمَ، واشتغل أصحابُ ابن رائق بالنَّهْب، ونزلوا في خِيَم أصحاب