← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 7981–8020 · переход к 7986.

стр. 7981

الجنيد، والحسن بن عَرَفَة، وخلقًا كثيرًا، وكان حسن التَّصنيف، سكن الشام وحدَّث بها، وتوفي في ربيع الأول من هذه السنة. وذكره الحافظ ابن عساكر فقال: قدم دمشق (١) في سنة خمس وعشرين وثلاث مئة، وحدث بها وبغيرها. واختلفوا في وفاته، فقال أبو الحُسين الرَّازي: مات بيافا بعد أن أقام بدمشق سنة، وكانت وفاته في أول سنة سبع وعشرين وثلاث مئة. وقال أبو محمد عبد العزيز الكتاني: مات بعَسْقلان في ربيع الأول. روى عنه أبو القاسم بن أبي العَقَب، وأبو بكر بن أبي الحديد، وأبو الحسين الرَّازي، وغيرهم، وأجمعوا على ثقته وفضله (٢). وقد روينا كتابه المسمَّى بـ "اعتلال القلوب"، وذكرنا طرفًا منه مفرقًا في الكتاب، ومن أحسن ما ختم به "اعتلال القلوب": قال الخرائطي: أنشدنا أبو العباس الكندي، أنشدني أبو القاسم عبد العزيز لأبي بكر الصَّنَوْبَري: [من الوافر] دُخولُ النَّارِ للمَهْجور خيرٌ … من الهَجْرِ الَّذي هو يَتَّقيه لأنَّ دخولَه في النَّار أدْنى … عَذابًا من دخول النار فيه (٣) قلتُ: وهذان البيتان لأبي بكر أحمد بن محمد بن الحسن الحلبي الشاعر، المعروف بالصَّنوبري، شاعرٌ قديم، مُفْلِق، فصيح، من كبار الشعراء، له أشعارٌ في دمشق ورياضها ومُتنَزَّهاتها، وإنَّما سُمِّي جدُّه الحسن الصنوبري لأنَّه كان حادَّ المِزاج في المُناظرة، ناظر رجلًا بين يدَي المأمون فافحمه، فأُعجب المأمون، فقال له: ما أنت إلا صَنَوبَريَّ الشَّكل، يريد بذلك الذَّكاء وحدَّة المزاج، ولم يذكر لنا تاريخ وفاته (٤).

стр. 7982

وقد أنشدنا أشياخنا مقطعات من شعره، فقال بإسناده أنشدنا أبو القاسم بن بِشران، أنشدنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الكندي، أنشدنا أبو القاسم عبد العزيز بن عبد الله، أنشدنا أبو بكر الصَّنَوبري لنفسه (١): [من البسيط] إن كان في الصَّيف رَيحانٌ وفاكهةٌ … فالأرضُ مُسْتَوقَدٌ والجوُّ تنُّورُ وإن يكن في الخريف النَّخْلُ مُخْتَرَفًا (٢) … فالأرض مأسورةٌ والجوُّ مَحْسورُ وإن يكن في الشِّتاء الغَيثُ مُتَّصِلًا … فالأرض عُرْيانةٌ والجوُّ مَقْرُور ما الدَّهرُ إلا الرَّبيعُ المُسْتَنيرُ إذا … جاء الرَّبيعُ أتاك النَّوْرُ والنُّورُ فالأرضُ ياقوتةٌ والجَوُّ لؤلؤةٌ … والنَّبتُ فَيروزَجٌ والماءُ بِلَّور ما يَعْدَمُ النَّبتُ كأسًا من سَحائبه … فالنَّبتُ ضَرْبان سَكْرانٌ ومَخْمورُ فيه لنا الوَرْدُ مَنْضودٌ مُوَرَّدُهُ … بين المَجالس والمَنْثُور مَنْثُورُ هذا البَنَفْسَجُ هذا الياسَمِينُ وذا النـ … نِسْرينُ مذقُرِنا فالحُسْنُ مَشْهورُ تَظَلُّ تَنْثُرُ فيه (٣) السُّحبُ لؤلُؤَها … فالأرضُ ضاحِكةٌ والطَّيرُ مَسْرور حيثُ التفَتَّ فقُمْرِيٌّ وفاخِتَةٌ … يُغنِّيانِ وشُحْرُورٌ وزَرْزُور إذا الهَزَارانِ فيه صَوَّتا فهما … بحُسْنِ صَوْتَيهما عُودٌ وطُنْبُور تَطيبُ فيه الصَّحارى للمقيم بها … كما تَطيبُ له في غيره الدُّورُ مَنْ شمَّ رِيحَ تحيَّاتِ الرَّبيع يَقُلْ … لا المِسْكُ مِسْكٌ ولا الكافورُ كافورُ قلت: وقد ضَمَّن جَدِّي هذه الأبيات في عدَّةٍ من مُصَنَّفاته، وأسقط منها بيتَ القَصيد وهو قوله: فالنبت ضربان سكران ومخمور (٤)

стр. 7983

ودخل يومًا دارَه، فسمع بكاءَ ولدٍ له رَضيع، فقال: ما له؟ قالوا: فَطَمْناه، فكتب على مَهْده: [من الخفيف] مَنَعوه أحبَّ شيءٍ إليه … من جميع الوَرى ومن والدَيه مَنَعوه غِذاءَه ولقد كان … مُباحًا له وبين يديه عَجَبًا منه ذا على صِغَرِ السِّنْـ … ــنِ هَوى فاهتَدى الفِراقُ إليه (١) وقال أيضًا: [من الخفيف] هَدَمَ الشَّيبُ ما بناه الشَّبابُ … فالغَواني وما عُصِينَ غِضابُ قُلِبَ الآبَنوسُ عاجًا فللأعـ … ـــيُنِ منه (٢) وللقلوبِ انْقِلابُ وضَلالٌ في الرَّأي أن يُشْنَأ البا … زي على حُسْنه ويُهْوى الغُرابُ وكتب على قبر ابنته: [من مجزوء الخفيف] آنَس اللهُ وَحْشَتِكْ … رحم الله وَحْدَتكْ أنتِ في صُحبةِ البِلى … أحسَنَ الله صُحْبَتِكْ (٣)

стр. 7984

السنة الثامنة والعشرون وثلاث مئة (١) [قال ثابت بن سنان:] في ليلة [يوم] الخميس مُستهلِّ المُحرَّم ظهر في الجوِّ حُمْرَةٌ شديدة من ناحية الشَّمال والمغرب، ثم دارت إلى الشمال، وظهر منها أعمدةُ بياضٍ عظيمةٌ، كثيرةُ الضَّوء والعدد، ثم اضمَحَلَّت، ثم عادت. [قال:] وفي هذا اليوم ورد الخبرُ إلى بغداد بأنَّ عليًّا بن عبد الله بن حَمْدان لقي الدُّمُسْتُق فهزمه. وفي يوم الخميس لثلاثٍ بقين من المُحرَّم تزوَّج بَجْكَم سارةَ بنت أبي عبد الله البَريدي بحضرة الراضي، وكان الصداق مئتي ألف درهم. وفيها ورد الأميرُ أبو علي الحسن بن بُوَيه إلى واسط فأقام بشَرقيِّها، وكان البريديون بها في الجانب الغربي. وسببُ مجيء الحسن إليها: أنَّ أبا عبد الله البريدي أنفذ جيشًا إلى السُّوس، فقتل قائدَين من كبار الدّيلَم، وتَخَلَّص أبو جعفر الصَّيمَري إلى قلعة السُّوس، وخاف الحسنُ بن بُوَيه من البريدي أن يسير إلى الأهواز، وكان الأمير أبو علي مقيمًا بباب إصْطَخر، فكتب إليه أخوه فوافاه، فخرج الراضي وبَجْكَم من بغداد إلى واسط، فانصرف أبو علي عنها، فرجع الراضي وبجكم إلى بغداد. وفي شعبان توفي القاضي أبو الحسين عمر بن محمد، وتقلَّد مكانه من جانبَي بغداد ابنُه أبو نصر. وفيها خرج بجكم إلى الجبل وعاد، وفَسَد الحالُ بينه وبين البريدي. وسببُه: أنَّ بجكم لمَّا صاهر البريدي وصفا الحال بينهما كتب بجكم إلى البريدي وهو بواسط أنَّه قد عزم على قَصْد الجبل لفتحه، وأمر البريدي أن يسيرَ إلى الأهواز ليدفعَ الأميرَ أبا الحسن بن بُوَيه عنها (٢).

стр. 7985

فلمَّا قطع بجكم حُلْوان طمع البريدي في العراق، وأنَّه يدخلُ بغداد فيأخذ من دار بجكم دفائنَ عظيمةً (١)، وكانت سَنِيَّة، وأقام يُقَدِّمُ ويؤخِّرُ، ويُقْدِمُ وَيجْبُن، وتارةً تَشْرَهُ نفسُه إلى المال، وتارةً يخاف من مُكاشَفة بجكم، ويتوقَّع أن يُهزَم بجكم أو يُقتلَ فيتمكَّنَ مما يريد. وكان بجكم قد بعث أبا زكريا السُّوسي بالرسالة إلى البريدي، فأقام عنده شهرًا، وعلم السُّوسي ما قد عَزم عليه، فأرسل السُّوسي (٢) إلى بجكم فأخبره، فركب بجكم الجَمَّازات (٣)، وسار إلى بغداد، وخلَّف عسكرَه وراءه. ووقع الطَّيرُ على البريدي بدخول بجكم بغداد، فتحيَّر، وهمَّ بالقبض على السُّوسي، ثم أطلَقَه، وعَزل بجكم البريدي عن وزارة الراضي -وكان اسمُ الوزارة واقعًا عليه، والأمور يُدَبِّرها أبو جعفر بن شيرزاد كاتب بجكم- واستُوزِرَ أبو القاسم سليمان بن مَخْلَد (٤) في ذي القعدة، وخُلِع عليه. وكانت مدةُ وقوع اسمِ الوزارة على البريدي سنةً واحدة وأربعة أشهر وأربعة عشر يومًا. وخرج بجكم إلى واسط في ذي القعدة، وأراد أن يكتمَ أمرَه عن البريدي، فضبط الطريقَ بأسرها، واحترز ليهجم واسِطًا فيأخذَ البريدي، فوصل إلى واسِط يوم السبت لليلة بقيت من ذي القعدة، فوجد البريدي قد انحدر منها ولم يقف، وقلَّد بجكم كتابتَه أبا عبد الله أحمد بن علي الكوفي، وعُزل عنها أبو جعفر بن شيرزاد. وفي شوال ورد الخبر إلى بغداد بأنَّ محمد بن رائق صار إلى حمص فملَكها، وإلى دمشق والزملة وملك الجميع، ووصل إلى عَرِيش مصر، ولقيه الإخشيد محمد بن طُغْج، فحاربه فانهزمَ، واشتغل أصحابُ ابن رائق بالنَّهْب، ونزلوا في خِيَم أصحاب

стр. 7986

ابنِ طُغْج، فخرج عليهم كمينٌ لابن طُغْج فأوقع بهم، وهزمهم أقبحَ هزيمة، وأفلَتَ ابنُ رائق إلى دمشق في سبعين رجلًا. وفيها مات أبو علي محمد بن مُقْلَة في الحَبْس بدار الخليفة لثلاث عشرة خلت من شوال. وفي يوم الخميس لليلتين بقيتا منه مات أبو العباس أحمد بن عبيد الله الخَصيبي بسكتةٍ لَحقتْه، فكان بين وفاته ووفاة ابن مُقْلَة سبعة عشر يومًا. وفي ذي القعدة وصل إلى بغداد رسولُ أبي طاهر القِرْمِطي يطلب من الخليفة خمسين ألف دينار كانت مقرَّرةً عليه في كل سنة، فأُعطي من جملتها عشرون ألفًا على أنْ يُبَذْرِق (١) الحاج، فبَذْرَقَهم في هذه السنة. وفيها واقع محمد بن رائق أبا نصر بنَ طُغْج في اللَّجُّون بالسّاحل، فانهزم أصحابُ ابن طُغْج، واستؤسر وجوه قوَّاده، وقُتِلَ في المعركة، فعَزَّ على ابن رائق، فكفَّنه وحَنَّطه، وأنفذ معه ابنَه مُزاحِمًا إلى الإخشيد، وكتب معه كتابًا يُعزِّيه في أخيه، ويعتذرُ إليه، ويحلف أنَّه ما أراد قتلَه، وأنَّه أنفذ إليه ابنَه مُزاحِمًا ليُقِيدَه به إنْ أحبَّ. فتلقى الإخشيدُ فِعْلَه بالجميل وخَلَع على مُزاحِم ورَدَّه إلى أبيه، واصطلحا على أنْ يُفْرِجَ ابنُ رائق للإخشيد عن الرَّمْلَة، ويَحْمل إليه الإخشيدُ في كل سنةٍ مئة وأربعين ألف دينار، ويكون باقي الشام في يد ابن رائق. وفي عيد الأضحى مات أبو بكر محمد بن القاسم بن محمد بن بشار النَّحْوي الأنباري. وفي ذي الحِجَّة أشهد أبو عبد الله (٢) محمد بن أبي موسى الهاشمي ثلاثين عَدْلًا أنَّه لا يَشْهَد عند القاضي أبي نصر يوسف بن عمر؛ بعد أن أخذ خطوط الشهود بأنَّه عَدْلٌ

стр. 7987

مَقبولُ القول، وكان ذلك يوم السبت لثلاث عشرةَ خلَت من ذي الحجة، فلمَّا كان يوم الاثنين لثمانٍ بقين منه قامت البينة عند القاضي أبي نصر بأنَّ أبا عبد الله محمد بن أبي موسى الهاشمي ساقطُ العَدالة بشهادة عشرين عَدْلًا، فأسجل القاضي بما ثبت عنده (١). وفيها (٢) غَرقت بغداد في شعبان غَرَقًا عظيمًا، بلغت الزيادةُ تسعة عشر ذِراعًا، وانبثق بَثْقٌ من نواحي الأنبار، فاجتاح القُرى، وغرق بنو آدم والسباع والبهائم، وصبَّ الماء في الصَّراة، ودخل بغداد من الجانب الغربي، وتساقطت الدُّور، وانهدمت المنازلُ، وانقطعت القَنْطرتان العَتيقة والجديدة عند باب البصرة [، وجرت في هذه السنة عجائب من هذا الجنس. فصل وفيها توفي أحمد بن إسحاق بن إبراهيم أبو بكر، القاضي، الخُزاعيّ، البغدادي، ويعرف بالمُلْحَمي، أخو محمد بن إسحاق (٣). حدَّث عن محمد بن عبد الرَّحمن (٤) بن بَحِير الكَلَاعي وغيره، وعن أبي عقيل أنس بن سَلْم (٥) الخَولاني بأَنْطَرَسُوس (٦)، وأبي عامر بن إبراهيم السُّلمي بُصور، ومحمد بن حَمَّاد المِصِّيصي بالرَّمْلَة وغيرهم، وكان ثقةً.

стр. 7988

وأخرج له الدَّارقطني حديثًا عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: "إذا كان يومُ القيامة يدعو اللهُ العبدَ، فيسألُه عن جاهه كما يسأله عن ماله (١) "] (٢). وفيها توفي المُرتَعِش الزَّاهد واختلفوا في اسمه، فقال الخطيب: اسمه جعفر، وقال أبو عبد الرَّحمن السُّلمي: اسمه عبد الله بن محمد، وكذا قال ابنُ خَميس. وكنيتُه أبو محمد (٣). كان من ذَوي الأموال (٤)، له مالٌ جَليل، فتخلَّى عنه وصحب الفقراء مثل الجُنَيد، وأبي حَفْص، وأبي عثمان النَّيسابورَّيين، وأقام ببغداد بالشُّونِيْزِيَّة حتَّى صار شيخَ الصُّوفية وأحدَ الأئمة. وقال (٥): كان سبب خروجي إلى هذا الأمر أنِّي كُنْتُ ابنَ دِهْقان، فَبينا أنا جالس على باب داري بنَيْسابور إذا بشابٍّ عليه مُرَقَّعة، وعلى رأسه خِرْقة، فأشار إليَّ مُتَعَرِّضًا

стр. 7989

إشارة لطيفة، فقلت في نفسي: شابٌّ صحيحُ البَدَن ما يأنَفُ من هذا!؟ فصاح في وجهي صيحةً عظيمةً، وقال: أعوذ بالله ممَّا اخْتَلَجَ في صدرك، وخامَرَ سِرَّك، فغُشِي عليَّ، وسقطتُ على وجهي، فخرج خادمٌ لنا، فرفع رأسي من الأرض وجعله في حِجره. فلمَّا أفقتُ لم أرَ الشابَّ، فتحَسَّرتُ ونَدمتُ على ما كان منِّي، وبِتُّ ليلتي مَغمومًا، فرأيتُ عليَّ بن أبي طالب ﵇ في المنام ومعه الشاب، وهو يُوَبِّخني ويُؤنِّبني (١) على ما كان منِّي، فانتبهتُ، وخَرَجتُ عن جميع ما كنتُ فيه، ثم سافرتُ، وسمعتُ بوفاة أبي بعد خمس عشرة سنة، فسألتُ الله العَوْنَ على خلاصي مما وَرِثتُ فأعانني، وكان معي للشاب عينٌ ما فارقَني الحياءُ منه، ولا يُفارقني حتى ألقى الله تعالى. وقال أبو عبد الله الرازي (٢): كان يقال: عجائبُ بغداد ثلاثة: إشاراتُ الشِّبْلي، وحكاياتُ إبراهيم الخَوَّاص، وبكتُ المُرتَعِش. وقال المرتعش (٣): سافرتُ ثلاثين سنةً أمشي كل سنة ألفَ فَرسَخ، لا أُرافقُ أحدًا، وإن فُتِح لي بنصف رغيف طالبتُ نفسي بالمُواساة. [وحكى السُّلمي عنه أنه] قال: مَن ظنَّ أنَّ أفعاله تُنْجيه من النار، وتُبلِّغُه الرِّضوان؛ فقد جعل لنفسه ولفعله خَطَرًا، ومَن اعتمد على فَضْل الله بلَّغه الله منازلَ الرضوان (٤). [قال:] وقيل له: إنَّ فلانًا يمشي على الماء فقال: إنْ مكَّنه الله من مُخالفة هواه كان أعظمَ من المَشْي على الماء (٥). [وقال السُّلمي:] قال رجل للمُرْتَعش: قد طال الليلُ وبَرَد الهواء، فأنشد يقول: [من الخفيف]

стр. 7990

لستُ أدري أطال ليليَ أم … لا كيف يَدْري بذاك مَن يَتَقَلَّى إنَّ للعاشقين في قِصَرِ اللّيـ … ـــــلِ وفي طوله عن النَّوم شُغْلا لو تفرَّغْتُ لاستطالة ليلي … ولرعي النُّجوم كنتُ مُخِلّا [فبكى الحاضرون، واستدلوا بذلك على عِمارة أوقاته. وهذه رواية السُّلَمي (١)، ورواها غيره وفيها زيادة وهي هذه:] أيُّها الملك الذي سَهري فيـ … ـــه كطَعم الرُّقادِ بل هو أحلى غَرَضي ما يُريده بي (٢) حَبيبي … لو سَقاني مُهْلًا لما قلتُ مَهْلا وغَرامُ الفؤادِ مُذْ حِلْتَ عنه … لم يَحُل عن هواكَ حاشا وكلَّا [وحكى عنه في "المناقب" أنه] قال: ذهبت حقائقُ الأشياء وبقيت أسماؤُها، فالأسماء موجودةٌ، والحقائق مَفقودة، والدَّعاوى في السَّرائر مَكنونةٌ، والألسُن بها فَصيحة، والأمور عن حقائقها مَصروفة، وعن قريبٍ تُفقَد (٣) هذه الألسنُ والدَّعاوى، فلا يوجد لسانٌ ناطق، ولا مُدَّعٍ صائب. وقال له رجل: أوصِني، فقال: اذهب إلى مَن هو خيرٌ لك منِّي، ودَعْني مع مَن هو خيرٌ لي منك. ذكر وفاته: حكى الخطيب عن محمد بن مأمون (٤): أنَّه سمع أبا عبد الله الرازي (٥) يقول: حضرتُ وفاةَ المُرْتَعِش في مسجد الشُّونيزِيَّة [في هذه السنة]، فقال: انظروا ديوني، فنظروا فقالوا: بضعةَ عشر درهمًا فقال: انظروا خُرَيقاتي فاجعلوها في ديوني، وقد سألتُ الله ثلاثًا عند موتى وقد أعطانيها: إحداها أن يُميتَني على الفقر، الثانية: أن

стр. 7991

يُميتَني في هذا المسجد فقد صَحِبتُ فيه أقوامًا، وسألتُه أن يكونَ حولي مَن آنسُ به وأُحبُّه، ثم غَمَّض عينيه ومات بعد ساعة، رحمة الله عليه (١). [فصل: وفيها توفي الحسن بن أحمد ابن يزيد بن عيسى بن الفضل بن بشار، أبو سعيد، الإضطَخْري، الشافعي، قاضي قُم (٢). أحدُ الأئمة العلماء، كان زاهدًا، مُتقلِّلًا وَرِعًا، فاضلًا. ألَّف كتابًا في القضاء يدل على سَعَة علمه ومعرفته وقوة فهمه، وسمَّاه: "أدب القضاء". ولد سنة أربع وأربعين ومئتين. وقد أثنى عليه الأئمة وأرباب السِّيَر، وقد أثنى عليه أبو الطيِّب (٣) الطَّبَري فقال: كان أبو سعيد من الزهد والوَرَع بمكانٍ لم يَصلْه سواه، وكان قميصُه وسراويله وعِمامته من شُقَّة واحدةٍ، وكان يَتَقَوَّتُ الباقِلَّاء. قال: وسئل عن امرأةٍ مات عنها زوجُها وهي حامل، هل يجب لها النَّفَقة؟ قال: نعم، فعارضه أبو العباس بن سُرَيج وقال: ليس هذا للشافعي، فقال أبو سعيد: هو مذهب علي وابن عباس، فقال له ابن سُرَيج: كثرة أكل الباقلَّاء تذهب بدِماغك -يُعَيِّره بالفقر- فقال له أبو سعيد: وأنت كثرة الحلوى قد ذهبت بدينك. فقد أفتى الإصطخري بمذهب أحمد، وليس ما ذكره مذهبًا للشافعي.

стр. 7992

قال أبو الطَّيِّب الطبري: وكان قد وَلي الحِسْبَة ببغداد، فأحرق طاق اللَّعب، من أجل ما كان يُعمَل فيه من الملاهي، وكان القاهر أخو المقتدر (١) قد استفتاه في الصَّابئة فقال: إنْ كانوا يعبدون الكواكبَ فيقتلوا، فجمعوا للقاهر مالًا عظيمًا فكفَّ عنهم. وكانت وفاتُه ببغداد في جمادى الآخرة، وكان ثقة. وفيها توفي علي بن شَيبان بن بنان أبو الحسن، الجَوهريّ (٢). وكان ثقة، أصلُه من البصرة، وسكن دمشق، وكان بها في سوق اللؤلؤ، وبنوه يُعرفون ببني بنان الصائغ، قال الحافظ ابن عساكر: حدَّث بدمشق، وكان ثقة صَدوقًا. وفيها توفي] (٣) علي بن محمد أبو الحسن، المُزَيِّن الصَّغير (٤). أصلُه من بغداد، صحب الجُنَيد، وسَهْلَ [بن عبد الله] التُّسْتَري، وجاور بمكة حتى توفّي بها. وكان أوحَد المشايخ، وأورَعهم، وأحسنَهم حالًا. [وله الوقائع العجيبة: حدثنا غير واحد عن أبي بكر العامري بإسناده، عن أبي عبد الله بن خَفيف قال: سمعتُ أبا الحسن المزيِّن يقول:] (٥) كنتُ في بادية تبوك، فتقدَّمتُ إلى بئرٍ لأستقي منها فزَلَّت رجلي، فوقعتُ في جَوْف البئر، فرأيتُ فيه زاويةً

стр. 7993

واسعة، فأصلحتُ مَوْضعًا، وجلستُ فيه وقلت: إنْ متُّ لا أفسدُ على الناس الماء، وطابَت نفسي وسكَنَ قلبي. فبينا أنا قاعدٌ إذا بخَشْخشةٍ، فتأمَّلتُ وإذا بأفعى قد تَدَلَّى علي، فرجعتُ إلى نفسي فإذا هي ساكنة، فدار بي وأنا هادئُ السرِّ لا أضطرب، فلفَّ ذَنَبَه عليَّ، وأخرجني من البئر، وحلَّ عني، ولا أدري أين ذهب، فلا أدري أسماءٌ رَفعَتْه أو أرضٌ بَلَعَتْه. [وحكى عنه في "المناقب" أنه] قال: كنتُ بمكة، فوقع في خاطري انزعاج، فخرجتُ إلى المدينة، فبينا أنا أسيرُ ببئر مَيمون وإذا بشابٍّ مَطروح، فعدلتُ إليه وهو يَنْزع، فقلت: قل لا إله إلا الله، ففتَح عينَيه وقال: [من الخفيف] إنْ أنا متُّ والهوى حَشْوُ قلبي … فبِداء الهوى يموتُ الكرامُ وماتَ، فغَسَّلتُه وكفَّنتُه ودفنتُه، وسكَنَ ما بي فرجعتُ إلى مكة (١). [وحكى عنه في "المناقب" أنَّه] قال: متى ظَهرت الآخرةُ فنمِت فيها الدنيا. و: مَن استغنى بالله أحوج اللهُ الخلقَ إليه. وسئل عن المعرفة فقال: أن تَعرفَ الله بكمال الرُّبوبية، وتعرفَ نفسك بالعبودية. وقال: الذَّنْب بعد الذنب عقوبةُ الذنب. وقال: المُعْجَب بعمله مُسْتَدرَجٌ، والمُسْتَحْسِنُ لشيءٍ من أعماله ممكورٌ به، وكانت وفاتُه بمكة. وهما مُزَيِّنان، صغير وكبير (٢)، فالصغير صاحبُ هذه الترجمة، والكبير كنيتُه أبو جعفر، قال المصنِّف ﵀: لم أقف على تاريخ وفاته وكان بمكة، [إلا أن الخطيب ذكر له حكاية فقال بإسناده عن] جعفر الخُلْدي [قال:] وَدَّعتُ (٣) المُزَيِّن الكبير في بعض حجَّاتي وقلتُ: زوِّدني شيئًا، فقال: إنْ ضاع منك شيء، أو أردتَ أنْ

стр. 7994

يجمعَ الله بينك وبين إنسان فقل: يا جامعَ الناس ليوم لا ريبَ فيه، اجمَع بيني وبين كذا وكذا، فإنَّ الله يَجمعُ بينك وبين ذلك الشيء أو ذلك الإنسان. قال: وجئتُ إلى الكَتَّاني فودَّعتُه، وقلتُ له: زَودني، فأعطاني فَصًّا عليه نقشٌ كأنَّه طِلَّسم فقال: إذا اغتَمَمتَ فانظر إلى هذا فإنَّه يَزول عنك، فانصرفتُ، فما دعوتُ الله تعالى بتلك الدَّعوة إلا استُجيب لي، ولا رأيتُ الفَصَّ وقد اغتَمَمت إلا زال عنِّي غَمِّي. فبينا أنا ذات يومٍ قد توجَّهتُ أعبرُ إلى الجانب الشرقي ببغداد، إذ هاجت ريحٌ عظيمة، وأنا في سُماريَّة والفَصُّ في جيبي، فأخرجتُه لأنظرَ إليه فوقع من يدي، فلا أدري أين ذهب في دجلة أو في السفينة؟ فاغتمَمتُ غَمًّا شديدًا، ودعوتُ الله بالدَّعوة، وعَبَرتُ دجلةَ، وما زلتُ أدعو بها أيامًا، فلمَّا كان في بعض الأيام أخرجتُ صُندوقًا لي فيه ثيابي لأُغير منها شيئًا، ففرَّغتُ الصُّندوقَ، وإذا بالفَصِّ في أسفل الصندوق، فأخذتُه وحَمِدتُ الله على رجوعه. عمر بن محمد ابن يوسف بن يعقوب بن إسماعيل بن حَمَّاد بن زيد بن درهم، أبو الحُسين، القاضي، الأزْدي، المالكي (١). ناب عن أبيه وهو ابن عشرين سنةً، ثم توفي أبوه فأقام على القضاء إلى آخر عُمُره، وكان حافظًا لكتاب الله، عارفًا بفنون العلوم والفرائض والحساب واللغة والنحو والشعر والحديث، صنَّف "المسند" وغيره. وكان عددُ شهوده ألفًا وثمان مئة، ليس فيهم مَن استُشهِد إلا لفَضْلٍ أو دِين أو مالٍ أو شَرَف. وكان دميمَ النَّفْس (٢)، شريفَ الأخلاق، وكان أبوه يقول: ما زلتُ مُرَوَّعًا من مسألةٍ تجيئني من السلطان حتى نشأ أبو الحسين.

стр. 7995

وقال جعفر بن وَرْقاء: حَجَجْتُ وعُدتُ، فتأخَّر عن تهنئتي القاضي أبو عمر وابنُه أبو الحسين، فكتبتُ إليهما: [من الوافر] أأسْتَجْفي أبا عُمرٍ وأشكو … أو اسْتَجْفي فَتاهُ أبا الحسينِ بأيِّ قضيَّةٍ وبأيِّ حُكمٍ … أَلَحَّا في قَطيعةِ واصِلَينِ فما جاءا ولا بَعَثا بعُذْرٍ … ولا كانا لحَقِّي موجِبَين وإن نُمْسِكْ ولا نَغتِبْ تمادى … جَفاؤهما لأَخْلَصِ مُخْلِصَينِ وإنْ نَعتِبْ فحَقٌّ غيرَ أنَّا … نُجِلُّ عن العِتابِ القاضِيَينِ فلمَّا وقف أبو عمر على الأبيات قال لابنه أبي الحسين: أَجِبْه، وكان أبو عمر على شُغل، فأجابه أبو الحسين: [من المنسرح] تَجَنَّ واظْلِم فلستُ مُنْتَقِلًا … عن خالصِ الودِّ أيُّها الظَّالم ظننتَ بي جَفْوةً عَتبْتَ لها … فخِلْتَ أني لحَبلكم صارِمْ حَكَمتَ بالظَّنِّ والشُّكوك ولا … يحكُمُ بالظَّنّ والهوى حاكم تركتَ حقَّ الوَداع مُطَّرِحًا … وجئتَ تَبغي زيارةَ القادِم أمران لم يَذهبا على فَطِنٍ … وأنت بالحُكْم فيهما عالم وكلُّ هذا مَقالُ ذي ثِقَةٍ … وقلبهُ من جَفائه سالم ذكر وفاته: قال المعافى بن زكريا: كنتُ أحضُرُ مجلسَ أبي الحسين بن أبي عمر يوم النَّظَر، فحضرتُ يومًا أنا وجماعةٌ من أهل العلم في المَوْضع الذي جَرَت العادةُ لجلوسنا فيه ننتظره حتى يخرج، فدخل أعرابيٌّ لعلَّ له حاجةً إليه، فجلس بقربنا، فجاء غُرابٌ فقعد على نَخْلةٍ في الدَّار وصاح ثم طار، فقال الأعرابي: هذا الغُرابُ يقول: إنَّ صاحبَ هذه الدَّار يموتُ بعد سبعة أيام، فصِحْنا عليه وزَبَزناه، فقام وانصرف، واحتَبَسَ خروج أبي الحسين، وإذا قد خرج إلينا الغلام وقال: القاضي يستدعيكم، فقُمنا ودخلنا إليه، فإذا هو مُتَغَيِّرُ اللون، مُنكَسِرُ البال، مُغْتَمٌّ، فقال: أحَدِّثُكم بشيءٍ قد شَغَل قلبي، رأيتُ البارِحَةَ في المنام شخصًا يقول: [من الطويل]

стр. 7996

مَنازِلَ آلِ حمَّاد بن زيدٍ … على أهليكِ والنِّعم السَّلامُ وقد ضاق صدري لذلك، فدعونا له وانصرفنا، فلمَّا كان اليومُ السَّابع من ذلك اليوم دُفِن رحمة الله عليه. وتوفي يوم الخميس لثلاث عشرة ليلةً خلَت من شعبان، وصلَّى عليه ابنُه أبو نصر، ودُفن إلى جانب أبيه في دار إلى جانب داره. وكان قد بلغ من العلوم مَبْلغًا عظيمًا، وتوفي وهو ابن أربع وثلاثين سنة (١)، ووجَدَ عليه الراضي وَجْدًا شديدًا، حتى إنَّه كان يبكي ويقول: كنتُ أَضِيقُ بالشيء ذَرعًا فيُوسعه علي، ووالله لا بَقيتُ بعده. ولمَّا توفي خَلَع الراضي على ابنه أبي نَصْر يوسف بن عمر يوم الخميس لخمسٍ بقين من شعبان، وقلَّده الحَضْرةَ بأسْرها وبعضَ السَّواد، وخلع على أخيه أبي محمد الحسين بن عمر وولَّاه أكثرَ السواد، ثم صَرَف الراضي أبا نصر عن مدينة المنصور بأخيه الحسين سنة تسع وعشرين وثلاث مئة، وأقرَّه على الجانب الشرقي. محمد بن أحمد ابن أيوب بن الصَّلْت (٢)، أبو الحسن بن شَنَبوذ، المُقرئ. كان تخيَّر لنفسه حروفًا من شَواذِّ القراءات، فقرأ بها بحضرة ابن مُقْلَة الوزير، فأنكر عليه، وضرَبه سبع دِرَرٍ، فدعا على ابن مُقْلَة بقطع اليد، وكانت وفاته ببغداد في صفر. محمد بن عبد الوَهَّاب أبو علي، الثَّقَفي، إمام الصُّوفية بنَيسابور (٣).

стр. 7997

كان إمامًا في علوم الظَّاهر والباطن، وبه ظهر التَّصوف بخُراسان. لقي أبا حَفْص، وحَمدونًا القَصَّار، وأبا عُثمان الحِيري وصَحِبهم. وكان أبو عثمان يقول: إنِّي لأنتفعُ في نفسي إذا نظرتُ إلى خُشوع هذا الفتى، يعني: أبا علي. وكان يتكلَّم على الناس. قال أبو بكر الرَّازي: حَضَرتُ مَجلسَ الثَّقفي، فتكلَّم في المَحبَّة والمُحبين وأنشد: [من الطويل] إلى كم يكون العَتْب في كلِّ ساعةٍ … وكم لا تَمَلِّينَ القَطيعةَ والهجْرا رُويْدَكِ إنَّ الدهرَ فيه كِفايةٌ … لتَفْريق ذاتِ البَين فانتظري الدَّهرا وقال: مَن صحب الأكابرَ على غير طريق الاحترام حُرِم فوائدَهم، ولم يظهر عليه من أنوارهم شيء. وقال: مَن غَلَبه هواهُ توارى عنه عقلُه. وقال: لا تطلُب تقويمَ ما لا يستقيم، ولا تأديبَ مَن لا يتأدَّب. وقال: يأتي على الناس زمانٌ لا تَصِحُّ المَعيشة فيه لمؤمن حتى يستند إلى مُنافق. وقال: يا مَن باع كل شيءٍ بلا شيء، واشترى لا شيءَ بكلِّ شيء. وكان عبد الله بن محمد بن مُنازِل في زمانه، وكان مُجَرَّدًا من الدنيا، فتكلَّم الثقفي يومًا في التَّجْريد عن الدنيا، وشَبَّهه بالموت، فناداه ابنُ منازل وراعَهُ وقال: بها قد متُّ، فانقطع الثقفي لأنَّه كان له عَلائقُ، وابن مُنازِل كان مُجَرَّدًا (١). محمد بن علي بن الحسين أبو علي، المعروف بابن مُقْلَة، الوزير (٢).

стр. 7998

ولد ببغداد سنة اثنتين وسبعين ومئتين، وأولُ تصرُّفه مع أبي عبد الله محمد بن داود بن الجَرَّاح سنة ثمان وثمانين، فأقام معه ثمانيةَ أشهرٍ، ثم انتقل إلى أبي الحسن بن الفرات قبل تقلّده الوزارةَ. ثم آل أَمرُه أنْ وَزَرَ لثلاثة خلفاء؛ للمقتدر سنة ستَّ عشرة وثلاث مئة، وقبض عليه في آخر سنة سبع عشرة، ووزر للقاهر سنة عشرين، [واستتر عنه خوفًا منه سنة إحدى وعشرين] فلم يظهر حتى بُويع للرَّاضي. وقال: كنتُ مُسْتَترًا في دار أبي الفضل بن ماري النَّصراني بدَرب القَراطيس، فسُعِيَ بي إلى القاهر، وعرف موضعي، فإنِّي لَجالسٌ نصف الليل وإذإ بالشارع قد امتلأ بالخَيل والمَشاعل، وهجموا الدار، فدخلتُ بيتًا فيه تِبْنٌ، فدخلوه وفتَّشوه بأيديهم، وأيقنتُ أنِّي مأخوذٌ، فعاهدتُ الله على تَرْك ذنوبٍ كثيرة، وأنَّني متى تقلَّدتُ الوزارة أمَّنتُ المستَتِرِين، وأطلقتُ ضِياع المَنكوبين، ووقفتُ وقوفًا على الطَّالِبيين، وخرج الطَّلَبُ وكفاني الله أمرَهم (١). وكان ابنُ مُقْلَة قد نفى أبا العباس أحمد بن عبييد الله الخَصِيبي وسليمان بن الحسن إلى سَرَنْدِيب، وكلاهما وَزَر للمقتدر، فقال الخَصيبي لسليمان لمَّا خبَّ بهما البحرُ: اللهم إنِّي أتوبُ إليك من مَعاصيك، إلا من مَكروهٍ أُوقِعه بابن مُقْلَة، فردَّهما البحر إلى عُمان، فعادا إلى بغداد مستَتِرَين، فلمَّا عزل الراضي ابنَ مُقْلَة من الوزارة ضَمِنَه الخَصيبي بألفي ألف دينار، وحلَّت به المَكاره من قِبَله. وكان ابن مُقْلَة إذا صادر أحدَهم هدَم دارَه، وأخذ أنقاضَها فبنى بها دارَه بالزَّاهِر، ولمَّا أراد أن يَضعَ أساسَها جمع المُنَجِّمين، فاختاروا له وقتًا لبنائها، فكان يجلس يقرأ القرآن والأسْطُرلاب بيده، فكتب إليه بعضُهم: [من البسيط] قل لابن مُقْلَةَ [مَهْلًا] (٢) لا تكن عَجِلًا … واصبِر فإنَّك في أضْغاثِ أحلامِ

стр. 7999

تَبْني بأنقاضِ دُورِ الناسِ مُجْتَهِدًا … دارًا ستُنقَض قَهْرًا بعد أيَّامِ وعادةُ الدَّهْرِ فيها أنْ يُغادِرَها … والنَّارُ تُضْرَمُ فيها أيَّ إضْرَامِ تَتْلو القُرانَ عليها ثمَّ تُتْبِعُه … أحكامَ هِرمِسَ تلكم شَرُّ أحكام إنَّ القُرانَ وبَطْلَيمُوسَ ما اجتمعا … في حال نَقْض ولا في حال إبرام وكان له بستانٌ عِدَّةُ أجْرِبَة (١)، شجرٌ بلا نخل، عمل له شبك إبْرَيسَم، وكان يُفرخ فيه الطيور التي لا تُفَرِّخ في الشَّجَر، كالقَمارِي، والهزار، والببَغ، والبَلابِل، والطَّواويس، والقَبَج، وكان فيه الغزال والبقر والنَّعام وحُمُر الوَحْش، ووقع طائرٌ بحريٌّ على طائر برِّي فازدوجا وباضا وأَفْرَخا، فأعطى مَن بَشَّره بذلك مئةَ دينار. وكان جَحْظَة يُعاشِرُه في زمان الفقر، فلمَّا وليَ الوزارة حَجَبه، فكتب إليه: [من البسيط] قل للوزير أدام الله دولَتَهُ … اذْكُر مُنادَمَتي والخُبْر خُشْكارُ إذ ليس بالباب بِرْذَونٌ لنَوبَتكم … ولا حمارٌ ولا في الشَّطِّ طَيَّارُ (٢) وأكل يومًا حَلْوى فنقطَ على ثوبه نقطةً صفراء، فأخذ المِدادَ وسوَّدَها وأنشد: [من الخفيف] إنَّما الزَّغفَرانُ عِطْرُ العَذارى … ومِدادُ الذُويِّ (٣) عِطْرُ الرِّجالِ ومن شعره عند قَطْع يده: [من الخفيف] ما سَئمتُ الحياةَ لكن تَوَثَّقْـ … ــــتُ بأيمانهم فبانَتْ يَميني بِعتُ دِيني لهم بدُنْياي حتى … حَرَموني دُنياهمُ بعد دِيني ولقد رمتُ ما استطعتُ بجَهْدي … حِفْظَ أيمانهم فما حَفِظوني ليس بعد اليمين لَذَّةُ عَيشِ … يا حياتي بانَتْ يَميني فبِيني وكانت وفاتُه في شوال.

стр. 8000

[وفيها توفي] محمد بن القاسم ابن محمد بن بشَّار، أبو بكر بن الأنباري، النَّحوي، الإمام، العَلَّامة (١). ولد يوم الأحد لإحدى عشرة ليلةً خلَت من رجب سنة إحدى وسبعين ومئتين. وقرأ القرآن، وسمع الحديث، واشتغل بعلم العربية حتى فإنْ أهل عصره، ولم يكن في زمانه أحفظ منه، [فحكى الخطيب أنَّه] كان يحفظ ثلاث مئة ألف بيت من الشَّواهد في القرآن. [قال:] ومرض فحَزِنَ عليه أبوه حُزْنًا شديدًا، فقيل له في ذلك فقال: كيف لا أحزن على مَن في صَدره هذه الخَزائن، وكانت ثلاثة عشر صندوقًا مَملوءةً كُتبًا. وكان إذا دخل الحَمَّام يقفُ أبوه قائمًا حتى يخرج ويقول: أخافُ أنْ يَقَعَ عليه الحَمَّام وفي صَدْره هذه الصَّناديق. [قال:] وكان يحفظُ مئةً وعشرين تفسيرًا للقرآن بأسانيدها. وحكى الخطيب: أن جاريةً سألته عن مسألة من تَعبير الرُّؤيا، فقال: الجواب غدًا، ومضى تلك الليلة، فحفظ كتاب "تعبير الرُّؤيا" للكرماني. قال الخطيب: وأملى (٢) كتاب "غريب الحديث" من حِفْظه في خمسة وأربعين (٣) ألف وَرَقة، وأملى "شرح الكافي "في ألف ورقة، وكتاب "الهاءات" في ألف ورقة، وكتاب "الأضداد"، و"المذكر والمؤنث"، وكتاب "المشكل" بلغ فيه إلى (طه) ومات، وغير ذلك. وكتب الناسُ عنه وأبوه حيٌّ، وكان يُملي في ناحية المسجد، وأبوه يُملي ناحية.

стр. 8001

وكان [مع هذا الحفظ] مُتواضِعًا، صَدوقًا، ثِقةً، دَيِّنًا، قال الدارقُطني: حضرتُ يومًا مجلسَ إملائه، فصحَّف حَيَّان بحِبَّان، فأعظمتُ أنْ يُحمَلَ عنه -في فَضْله وجَلالة قَدرِه- وَهمٌ، وهِبْتُه أنْ أفاوضَه في ذلك، فقلتُ للمُسْتَملي وبينتُ له الصَوابَ وانْصَرَفتُ، وعَرَّفه المُسْتَملي، فلمَّا كان في الجمعة القابِلة حضرتُ وحضر الجماعة، فقال أبو بكر للمستملي: عَرِّف الجماعةَ أنَّنا صَحْفنا الاسمَ الفُلاني في المَجْلس الماضي في حديث كذا وكذا، ونبَّهنا ذاك الشاث عليه وأشار إليَّ، وأنَا كَشَفْنا الأصلَ فوَجدناه كما قال. [قال الخطيب: وكان لا يأكل إلا القَلايا، ولا يشرب إلا الماء البارد. قال:] وقال (١) أبو الحسن العَرُوضِي: اجتمعتُ أنا وأبو بكر بن الأنباري عند الرَّاضي، وكان الطَّباخ قد عرف ما يأكل، فكان يشوي له قَلِيَّة يابسة، ونحن نأكل ألوانَ الطَّعام وأطايبَه، وهو يُعالجُ تلك القَليَّة، ولما فَرَغْنا أكلنا الحَلوى، وشربنا الماء المَمزوج بالثَّلج، ولم يشرب [بعد القَليَّةِ] ماءً إلى العصر، فشرب من ماء الحبِّ غير مبرَّدٍ بالثلج، فقلتُ له: لم تُعَذِّب نفسَك في الدنيا؟ قال: أُبقي على حِفظي وعلمي، فقلتُ: قد أكثر الناس في حفظك، فقال: أحفظُ ثلاثة عشر صندوقًا. [قال:] وحضر بين يدَيه رُطَبٌ، فجعل يُقلِّبه ويقول: إنَّك لَطَيّب، وأطيبُ منك حِفْظُ ما وهبه الله لي من العلم. [قال:] فلمَّا وقع في الموت أكلَ كلَّ ما يَشتهيه وقال: إنَّما هي عِلَّة الموت. وكان يدرُسُ في كلِّ جمعة عشرةَ آلاف ورقة [وكان هذا دأبَه]. وقال: دخلتُ مارَسْتانَ باب مُحَوّل، فسمعتُ رجلًا في بيتٍ يقرأُ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [العنكبوت: ١٩] ثم قال لنفسه: أنا لا أقفُ على قوله ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بل على قوله: ﴿كَيفَ يُبْدِئُ اللَّهُ﴾ فأقف على ما عَرفه القوم وأقرُّوا به؛ لأنَّهم لم يكونوا يقِرُّون بالبعث، ثم أبتدئُ بقوله ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ فيكونُ خبرًا.

стр. 8002

وأما قرأءةُ علي بن أبي طالب "وادَّكَرَ بعد أَمَهٍ" (١) بفتح الميم فوَجْهٌ حسَنٌ، فإن الأمَه النِّسيان. فقال: فقلتُ للمارَسْتاني: مَن في هذا البيت؟ فقال: إبراهيم المُوَسوس، فقلتُ: هذا أُبَيُّ بن كَعب، افتح لنا الباب، ففتح، وإذا به رجلٌ فاضلٌ، كان يجتمع معنا عند ثعلب، وإذا به قد انغَمَسَ في النَّجَاسة، فلمَّا رآني أشار إلى البَوْل وقال: ما هذا؟ قلتُ: الخُرْء، فقال: وما جمعُه؟ قلتُ: خُرُوء، قال: فما الشاهدُ؟ قلتُ: قول الشاعر: [من الطويل] كأنَّ خُروءَ الطَّيرِ فوقَ رؤوسهم فقال: صدقتَ، والله لو لم تأتِ بالجواب لأطعمتُك منه، فقلتُ: الحمد لله الذي نجَّاني مثك. وقال المصنف ﵀: والشعرُ للجَوَّاس بن نُعيم: كأنَّ خُروءَ الطَّيرِ فوقَ رؤوسهم … إذا اجتمعتْ قيسٌ معًا وتَميمُ يصفُ ذُلَّهم (٢). ذكر وفاته: [حكى ابن ناصر بإسناده عن] عبد الله ابن عيسى قال: لمَّا مرض أبو بكر بن الأنباري مرضَه (٣) الذي مات فيه انقطع عن الخروج إلى المسجد أيامًا، فدخل عليه الجماعةُ وسألوه عن حاله، فقال له بعضُهم: أضْبِطِ الماءَ من غدٍ وآتيك بثابت بن سِنان (٤) المُتَطَبِّب -وكان يجتمع في حلقته الأشرافُ وأولاد الوزراء- فلمَّا كان من الغد حضر المتطبب مع ذلك الرجل، فلمَّا توسَّط المنزل قال: أروني الماء ما دمتُ في الضوء، فنظر إليه، ثم دخل فسأله عن حاله فقال: رأيتَ الماء؟ قال: نعم، وهو يدلُّ

стр. 8003

على إتعابك جسمَك وتكليفك نفسَك أمرًا عظيمًا لا يُطيقه الناس، فقال: قد كنتُ أفعل ذلك، فوصف له ما يستعملُه ثم خرج فتبعه الرجلُ، فسأله عنه فقال: ارفُقوا به فهو تالِفٌ ما فيه حِيلة. فسأله الرجل فقال: يا أستاذ، ما الذي كنتَ تفعلُ حتى استدلَّ الطبيبُ عليه من حالك؟ قال: كنتُ أدرسُ في كلِّ جمعة عشرةَ آلاف ورقة. وتوفي ليلةَ النحر ببغداد، وحَزِن عليه الرَّاضي، ورثاه العلماء. واتَّفقوا على صدقه وثقته وفضله، قال أبو العباس الكاتب: أنشدنا محمد ابن الأنباري (١): [من الخفيف] لي صَديق قد صِيغَ من حُسْنِ عَهدِ (٢) … ورَماني الزَّمانُ منه بصَدِّ كان وَجْدي به فصار عليه … وظَريفٌ زوال وَجْدٍ بوَجْدِ [وفيها توفيت أم عيسى بنت إبراهيم الحربي (٣) كانت عالمة فاضلة، تفتي في الفقه، توفيت في رجب، ودُفنت إلى جانب قبر أبيها، وقد ذكرناها في ترجمة أبيها فيما تقدَّم، واتفقوا على صدقها وثقتها.] (٤)

стр. 8004

السنة التاسعة والعشرون وثلاث مئة (١) فيها استكتب بَجكم أبا عبد الله الكوفي، وعزل ابن شيرزاد عن كتابته، وصادره على مئة ألف وخمسين ألف دينار. وفي يوم الخميس لخمسٍ خلَون من المُحرَّم صُرف أبو نصر يوسف بن عمر عن القضاء بمدينة المنصور، وتقلَّده أخوه أبو محمد بن عمر بسفارة أبي عبد الله محمد بن أبي موسى الهاشمي له في ذلك، وشهد عنده يوم تقلَّد فقبل شهادته. وفي صفر وصلت الرُّومُ إلى كفرتوثا من أعمال الجزيرة، فقتلوا وسَبَوا. وفي ربيع الأول انحدر أبو عبد الله الكوفي إلى بجكم برسالة الراضي لما اشتدَّت عِلَّتُه، يسأله أن يولِّيَ العهدَ ابنَه أبا الفضل وهو الأصغر، وكان بَجكم بواسِط، وقاء الرَّاضي في يومين أربعة عشر رَطْلًا من الدَّم، ووَلي المُتَّقي. الباب الحادي والعشرون في خلافة المُتَّقي واسمُه إبراهيم بن جعفر المُقْتدر بن أحمد المُعتَضد، وكنيتُه أبو إسحاق، وأمّه أُمُّ ولد اسمُها خَلُوب أدركت خلافتَه، ولد في شعبان سنة سبع وتسعين ومئتين، وهو أخو الراضي. ذكر بيعته: قال الصولي: لمَّا مات الراضي كان بجكم بواسط، فتوقَّف الأمرُ على اختياره، وبلغَهُ الخبر فكتب إلى كاتبه أبي عبد الله أحمد بن علي الكوفي يأمرُه أن يَجمع القُضاة والعُلماء والأشراف بحضرة الوزير أبي القاسم سليمان بن الحسن وزير الرَّاضي، ويُشاورهم في مَن يصلح للخلافة، ويكون الاجتماع في دار بجكم. وبعث الحسين بن الفضل بن المأمون إلى الكوفي بعشرة آلاف دينار له، وبأربعين ألفًا يفرّقها في الجند إنْ ولَّاه الأمرَ، فلم تسكن نفسُه إليه، وجمع الجماعة، وقرأ عليهم كتاب بجكم.

стр. 8005

وكان عثمان كاتب الكوفي مائلًا إلى المُتَّقي، فما زال حتى اتَّفقوا عليه، وأَحدَروه من داره -وكانت بأعلى الحَريم الطَّاهري- إلى دار الخلافة، وذلك في يوم الأربعاء لعشرٍ بقين من ربيع الأول، فبايعوه وهو ابن أربع وثلاثين سنة. وكان حَسَن الوجه، مُعتَدلَ الخَلْق، مُشْرَبًا حُمرةً، أشهلَ العينين، كثَّ اللحية. ولمَا صَعِد إلى رِواق التَّاج صلَّى ركعتين على الأرض، ثم جلس على السرير، وبايَعَه الناس. ولم يُغيِّر شيئًا قط، ولم يَتَسَرَّ على جاريته التي كانت له، وكان كثير الصوم والتعبد، ولم يَشرَب النَّبيذ قط، وكان يقولُ: المُصحف نَديمي وجَليسي ما أريد جَليسًا غيره، فغضب جلساؤه من ذلك. وقال ثابت بن سِنان: كان الراضي قد أَحْدَرَ قبل موته أبا عبد الله الكوفي إلى بجكم يسأله أنْ يُولِّيَ العهدَ ابنَه أيا الفضل، وبقي الأمر موقفًا إلى أنْ يَقدم الكوفي من واسِط، وعاد إلى بغداد ليَحْفَظَ دار الخلافة، وينتظرَ جوابَ كتاب بجكم. فلمَّا كان يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول وَرَد كتابُ بجكم على الكوفي يأمره بأن يجمع [أبا القاسم] (١) الوزير، وكل مَن تقلَّد الوزارةَ، وأصحاب الدواوين، والقضاةَ والعدولَ، والفقهاء، والعباسيين والعلويين، ووجوة البلد، ويُشاورَهم فيمَن يُنصِّب ممَّن يُرتضَى مَذْهبُه، وتُحمَد طريقتُه، وتجمع فيه أوصاف الدّين والخير، فيَعقِدَ له الأمر. فجمعهم الكوفيُّ، وكان يكره المتَّقي لأجل كاتبه أبي الحسين بن مَيْمون، فميَّله عثمان كاتب الكوفي إلى المتقي، وضمن له أنْ يُحسن إليه، ولا يَسعى له في مَكروه، فأجاب، وقال الكوفي للجماعة: ما تقولون في إبراهيم بن المُقْتدر؟! فأثنَوا عليه وبايعوه، وبعث المتقي إلى بجكم بالخِلَع، وأقرَّ أبا القاسم سليمان بن الحسن على الوزارة؛ وإنما كان له منها الاسم والتَّدبيرُ للكوفي، واستحجَبَ المتقي سَلامةَ الطُّولوني، وولَّى علي بن عيسى المَظالم (٢).

стр. 8006

[قال ثابت بن سِنان:] وفي يوم الثلاثاء لسبعٍ خَلَون من جُمادى الآخرة سقطت القُبَّةُ الخضراء بمدينة أبي جعفر التي بناها [أبو جعفر] المنصور. [هذا قول ثابت بن سنان، وقد ذكرها الخطيب أتمَّ من هذا وقال: سقط رأس القُبَّة الخضراء التي في قصر أبي جعفر المنصور في التاريخ المذكور،] وكانت (١) تلك الليلة ليلة مَطيرة، فيها رَعْدٌ هائل وبَرْقٌ شديد، وكانت هذه القُبَّةُ تاجَ بغداد، ومأثُرَةَ بني العباس، [بناها المنصور أول ملكهم] وكان بين بنائها وسقوطها مئةٌ وسبع وثمانون سنة. وفيها تمّ عِمارة جامع بَراثا ببغداد، وكان المقتدر قد هدَمه إلى الأرض، اتَّهم أقوامًا هن أهل الكرخ أنَّهم يجتمعون فيه ويسبون الصحابة، [فلما كان في هذه السنة] أمر بجكم بعمارته وتوسيعه وتسقيفه بالساج، ونُقِش بالجَصِّ والآجُرّ، وجعل إمامه أحمد بن الفضل الهاشمي، وكتب اسم الراضي على حائط القِبلة (٢). واشتد الغَلاء ببغداد، فبلغ الكُرُّ مئةً وثلاثين دينارًا، وأكل الناس النُّخالة والحَشيشَ، ووقع الوَباءُ [بمكة وبغداد] حتى كان يُرمى جماعةٌ في قبر [واحد] من غير غُسل ولا تكفين. وأجدبت الأرض ببغداد (٣)، فرأت امرأةٌ رسول الله ﷺ في المنام يقول لها: قولي للناس يخرجوا فيستسقوا، وكُتب إلى المتقي بذلك، فأمر مُناديه بخروج الناس، فقال بعضهم: وهل يُقبل في مثل هذا منامُ أمرأةٍ؟ فأمر المتقي بالخروج، فخرجوا وليس في السماء غَيْمٌ، فلمَّا بَرزوا إلى المُصَلَّى لم يَتخلَّف أحدٌ مع أحمد بن الفَضْل الهاشمي، فاستقبل القبلة ودعا وأمَّن الناس، فنَشأت سَحابةٌ، ثم طَبَّقت الآفاق، وأسْبَلَت عَزالِيها (٤)، فرجع الناس يَخوضون في الوَحْل.

стр. 8007

وحجَّ الناسُ ولم يدخلوا المدينة؛ لأجل طالِبِيٍّ خرج بناحيتها. [فصل] وفيها قُتل بجكم فاضطرب الناس وعسكرُه، ومضى دَيلَمُه إلى أبي عبد الله البَريدي، وكانوا ألفًا وخمس مئة، وكان بالبصرة فأحسن إليهم، وزاد في أرزاقهم. وفيها عَزل المُتَّقي سليمان بنَ الحسن عن الوزارة، فكانت مدةُ إقامته فيها أربعةَ أشهر وأيامًا، واستوزر أبا الحسين أحمد بن محمد بن مَيمون، وكان كاتبه أولًا، وخلع عليه، وكانت وزارتُه في شعبان، فاستناب أبا عبد الله الكوفي. وفيها قدم أبو عبد الله البَريدي من البصرة إلى بغداد، وطلب الوزارة فأجابه المتقي، وصار إليه الوزير ابن مَيمون فأكرمه، وكانت وزارته شهرًا وثلاثة أيام. ولمَّا استوزر البريدي شَغَب الجُنْد والدَّيالِمة والبَجْكَمية وغيرهم عليه يَطلبون أرزاقَهم، فأرسل إلى المتَّقي يقول: إنَّهم يقولون: قد أخذتَ أموال بجكم من دارٍ وغيرها، فلم يلتفت إليه، فخرج هاربًا من بغداد إلى البصرة، فكانت وزارته أربعة وعشرين يومًا. ثم استوزر المُتَّقي أبا إسحاق محمد بن أحمد الإسكافي، ويُعرَف بالقَراريطي، فأقام بها ثلاثة وأربعين يومًا، ثم عزله وولَّى أبا جعفر محمد بن القاسم الكَرخي، ثم عزلَه، فكانت وزارتُه ثلاثةً وخمسين يومًا، ودبَّر الأمور بعده أبو عبد الله الكوفي من غير اسم الوزارة. وفي ربيع الآخر قبض المتقي على أبي بكر بن قَرابَة (١). [وفيها كتب المتقي إلى محمد بن رائق يستدعيه من الشام، وسنذكر السبب. وفيها قَلَّد المتقي الإمارة بعد قتل بَجكم] (٢) كورتكين (٣) الدَّيلَمي، وخلع عليه، وعقد له لواء، وجعله أمير الأمراء، وجعل علي بن عيسى وأخاه عبد الرَّحمن على الدواوين من غير تسمية الوزارة.

стр. 8008

وفي شوال اجتمعت العامةُ في جامع السلطان، وتَظَلَّموا من الدَّيلَم ونزولهم في دورهم وسوء معاملاتهم، فلم يقع لذلك إنكار، فمَنَعَت العامة الإمامَ من الصلاة، وكَسَرت المنبرَ، ومنعهم الدَّيلَم من ذلك، فقُتل من الفريقيق جماعةٌ [في يوم الجمعة]. واستوزر المُتَّقي القَراريطي، فكانت مُدَّةُ نَظَر علي بن عيسى وأخيه تسعة أيام، وخلع المُتَّقي على بدرٍ الخَرشني، وقلَّده الحجابة، وجعله حاجب الحُجَّاب. ذكر مَسيرِ ابن رائق من الشام إلى بغداد: كان جماعة من الأتراك مثل توزون وكورتكين وصيغون وغيرهم من البَجْكَمية بعد قتل بَجْكم لما أصعد البريدي إلى بغداد صاروا إلى المَوْصل، فحاد عنهم الحسن بن عبد الله بن حَمدان، وراسلوه في إطلاق نَفَقاتهم، فأنفذ إليهم مالًا، وصاروا إلى الشام إلى ابن رائق، واستدعاه المتقي إلى الحَضْرة، فسار من دمشق في رمضان، وخلَّف أبا الحسن أحمد بن علي بن مُقاتِل يَخْلُفه على أعمال الحَرب والخَراج بالشام وديار مُضَر، فلمَّا قَرُب من المَوْصل كتب كورتكين إلى أصبهاني ابن أخته (١) بأنْ يصعدَ من واسِط، فأصعد، ودخل بغداد فخُلع عليه وطُوِّق وسُوِّر. ولما وصل ابن رائق إلى المَوْصل حاد عنه الحسن بن عبد الله بن حَمدان، وجرت بينهما مُراسلات، وتقرَّر أنْ يَحمل ابنُ حَمدان إليه مئةَ ألف دينار فحملها، وانحدر ابن رائق إلى بغداد، وعاد ابن حَمدان إلى المَوْصل، وخطب البريدي بواسِط والبصرة لابن رائق، وكتب اسمه على أعلامه وترَسِه. ولمَّا قَرُب ابن رائق من بغداد خرج منها كورتكين في ذي الحجة إلى عُكبَرا، يتوقَّع مُوافاة ابن رائق يدخل بغداد، فأقام كورتكين بعُكبَرا، وكان ذلك لتسعٍ بقين من ذي الحجة، ودخل على المُتَّقي. ولما كان وقت الظُّهر من هذا اليوم دخل كورتكين بغداد بجيشه وهم في غاية التَّهاون بابن رائق، وكانوا يُسمُّون جيشه: القافِلَةَ، وكان نازلًا بالنَّجْمي غربي بغداد، وقد عزم على العود إلى الشام، ثم قال في نفسه: أتوقَّف، فعَبر في سفينة إلى الجانب الشرقي ومعه بعضُ الأتراك، واقتتلوا، ورماهم الدَّيلَم بالنُّشَّاب، فبينا هم كذلك

стр. 8009

أخذتهم زَعَقاتُ العامَّة من ورائهم، وطرحوا عليه ستر السُّطوح والآجُرّ، فانهزم كورتكين واستتر، وقُتل أصحابه في الطُّرُقات وسُلبوا، وكانت إمارتُه ثمانين يومًا. ولمَّا استتر تقطَّع جيشُه، وبَطَل أمرُه، وظهر الكوفي فاستكتبه ابنُ رائق، وأمر المُسْتأمِنَة من الدَّيلَم برمي أسلحتهم، وأنفذ خاتمه إلى أربع مئة من أعيانهم تحصَّنوا بحصن بالنَّهْرَوان، فرجعوا إلى بغداد، فأنزلهم دار الفيل، ثم أمر الهودان فضربوا أعناقَهم بها، وكان قد استأسَرَ من قُوَّاد الديلَم بضعة عشر قائدًا، وضرب أعناقَهم. وانهزم جماعة من الدَّيلَم إلى طريق خُراسان، فوقع عليهم خانٌ باتوا فيه فهلَكوا، ولم يبقَ ببغداد من الدَّيلَم أحدٌ. وخلع المتقي على محمد بن رائق وطوَّقه، وسوَّره بسوارَين مرصَّعَين بالجوهر، وعقد له لواءً، وجعله أميرَ الأمراء، ومات بُخْتَيشوع بن يحيى المُتَطَبِّب. وفيها أمر المتقي أبا جعفر الكوفي أنْ يلزم بيتَه، وكانت مدَّة وزارته ثلاثة وخمسين يومًا، ودبر الأمور أبو عبد الله الكوفي من غير تسمية بوزارة (١). وفيها توفي بَجْكم التركي (٢) أبو الخير كان أمير الأمراء قبل مُلْك بني بُوَيه، وكان عاقلًا يفهم بالعربية ولا يتكلم بها بل بالترجُمان، ويقول: أخاف أن أخْطِئَ، والخطأ من الرئيس قبيحٌ. وكان يقول: أنا وإن كنتُ لا أُحسن العلمَ والأدب فأحبُّ ألا يكونَ في الأرض أديبٌ ولا عالم إلا تحت ظلِّي. وكان قد استوطَن واسِطًا، وقرَّر مع الراضي أنه يَحمل إليه في كلِّ سنة ثمان مئة ألف دينار بعد أن يزيح العلَّة (٣) في مؤونة خمسة آلاف فارس يقيمون بها.

стр. 8010

وأظهرَ العدل، وكان يتولَّى رفعَ المظالم بنفسه، وبنى دار الضِّيافة للضعفاء والمساكين بواسط، وابتدأ بعمارة المارستان ببغداد، وهو الذي جدَّده عضد الدولة بالجانب الغربي. وكانت له أموالٌ كثيرة [عظيمة]، فكان يَدفِنها في داره وفي الصحارى، وكان يأخذُ رجالًا في صناديق فيُقْفلُها عليهم، ويأخذ صناديقَ فيها مالٌ ويخرج بها إلى الصحراء، ثم يفتحها عليهم ويدفنون المال، ثم يعيدُهم إلى الصّناديق، فلا يدرون أين دفنوها، وكان يقول: إنَّما أفعلُ هذا لأني أخافُ أن يُحال بيني وبين داري، فضاعت بموته الدفائن. وقال ثابت بن سِنان: كان بَجْكم يُؤثر أن يكون أبي عنده، وكان أبي خَصِيصًا بالراضي، فلمَّا مات الراضي استدعاه إلى واسِط وقال له: أُريد أنْ أعتمدَ عليك في تدبير بَدَني، وفي أمر آخرَ هو أهمُّ إليَّ من بَدَني وهو تهذيب أخلاقي، فقد غلب عليَّ الغَضَبُ وسوءُ الخُلُق حتى أَخرج إلى ما أندَمُ عليه من قَتْلٍ وضَرب، وأنا أسألك إذا وقفتَ على عَيْبٍ لم تحتشم أنْ تَصدُقَني عنه، وتُنَبِّهني عليه، ثم تُرشدني إلى علاجه، فقال له: سمعًا وطاعةً أفعل ذلك، ولكن يسمع الأمير منِّي عاجلًا جُملةً يَتَّسِعُ بها إلى أن يأتي التفصيلُ في أوقاته: اعلم أنَّك قد أصبحتَ وليس أحدٌ يحولُ بينك وبين ما تُريد أيَّ وقتٍ شئتَ، واعلم أنَّ الغضب يُحدث في الإنسان حالةً أشدّ من سُكْرِ النَّبيذ وأبلغ، فإذا سكن الغضبُ نَدِم على ما فعل، كما أنَّ السَّكْران إذا أفاق نَدِم على ما بدا منه، فإذا رأيتَ الغضبَ قد استولى عليك فضَعْ في نفسك أنَّك تُؤخِّر العُقوبةَ إلى غدٍ، فإنَّك إذا بتَّ ليلةً سكن غضبُك، ثم قدِّم أمرَ الله والخوفَ منه، فمَن شفى غيظَه أَثِم، واذكر قُدرةَ الله عليك، وأنك مُحتاجٌ إلى رحمته وخصوصًا في أوقات شدائدك، فكما تحبُّ أنْ يعفوَ الله عنك فكذا غيرُك يؤمِّل عفوَك، واذكر قوله: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ﴾ [النور: ٢٢] ثم يصيرُ العفوُ عادةً وخُلُقًا لك، فعمل بجكم بما قاله (١).

стр. 8011

وروى القاضي التَّنوخي [عن أبيه قال:] جاء (١) رجل من الصُّوفية إلى بَجكم فوَعظه بالعربية والفارسية حتى أبكاه، فلمَّا خرج الرجل قال بجكم لرجل: احمِل معك ألفَ درهم وادفعها إليه، فأخذها الرجل ولَحِقه، وأقبل بجكم على مَن كان عنده وقال: ما أظنُّه يقبلُها، وهذا محترق (٢) بالعبادة إيش يعمل بالدَّراهم، فما كان بأسرع من أن عاد الغلامُ ويده فارغةٌ، فقال: أخذها؟ قال: نعم، فقال بجكم: كلُّنا صيادون ولكن الشباك تختلف. ذكر وفاته: [قال ثابت بن سِنان:] ورد جيش البَريدي إلى المَذار، فأنفذ بجكم كورتكين وتوزون (٣) في جيش للقائه، فالتقَوا على المَذار في رجب، فكانت أولًا على أصحاب بجكم، فكتبا إلى بجكم يسألانه أنْ يلحقَ بهما لتقوى نفوسُهما به، فخرج من داره بواسط يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلَت من رجب يريد اللَّحاقَ بهما، فورد كتابُهما بأنَّهما هزَما البريدي، وقد استغنيا عن انزعاجه. فبعث بالكتاب إلى بغداد فقُرئ على المنابر، وهمَّ بالرُّجوع إلى واسِط، وكانت خزانته (٤) قد سارت، فقال له يحيى بن سعيد السُّوسي: لا ترجع بل نتصيَّد ونعودُ، فقال: نعم، فوصل إلى نهرُجُوْر وهناك قوم أكراد مياسير، فشَرِه إلى أموالهم وقصدَهم مُتهاونًا بهم في عدب يسير من غلمانه، وعليه قَباءٌ طاق بلا جُبَّة (٥)، فهرب الأكراد من بين يديه وتفرَّقوا، وبقي غلامٌ منهم أسود، فطعنه بالرُّمح في خاصرته وهو لا يعلم أنَّه بجكم، فقتله بين الطِّيْب والمَذار يوم الأربعاء لتسعٍ بقين من رجب، وكان بجكم لا يَحتَقر من السَّلاح إلا الرُّمح [ويقول: أيُّ شيءٍ الرمح حتى يَقتل؟!]، فكانت مدَّتُه سنتين وثمانية أشهر وتسعة أيام.

стр. 8012

ومضى معظمُ دَيلَمِه إلى البريدي، وبعث الكوفي مَن حفظ داره ببغداد بأمر المتقي [حذرًا أن يصحّ خبر لبجكم وأنه في الحياة]. فلمَّا تيقَّن قتلَه ركب المُتَّقي، فنزل في داره، فنقل ما كان فيها، وحفر فيها أماكن، فحصل له من ماله ما يزيد على ألفي ألف دينار عَينًا ووَرِقًا، وقال للرُّوْزْجاويَّة (١): خذوا التراب بأجرتكم، فأبَوا، فأُعطوا ألفَي درهم، وغَسل التُّرابَ فخرج منه ستةٌ وثلاثون ألف درهم، وظهر له من الجواهر والياقوت والأواني والخيل والثياب والإماء والعبيد بمقدار ما وجد له من العَين، ثم ظهر بعد ذلك وبعد ما نُهب من داره ما نُهب ستة عشر قُمْقُمًا، يَحمل كلَّ قُمْقُم بالدُّهُوق (٢) جماعةٌ. وكان بين موت الراضي وقَتْل بجكم أربعةُ أشهر وأيام. الحسن بن علي بن خَلَف أبو محمد البَربَهاري الحَنْبَلي (٣). كان قد جمع بين العلم والزهد، وتنزَّه عن ميراث أبيه سبعين ألف درهم، وصحب أبا بكر المَرُّوذي، وسَهْلَ بن عبد الله التُّسْتَري. وكان شديدًا على أهل البِدَع، وكان ينزل بباب مُحَوَّل. وكان يُجَرِّئُ العَوام على الخلفاء، فأباح الراضي دمَه، فانتقل إلى الجانب الشَّرقي، واستتر عند أخت توزون فبقي نحوًا من شهر، ثم أخذه قيام الدَّم فمات، فقالت المرأة لخادمها: انظر مَن يُغَسِّله، وغلَّقت الأبواب حتى لا يَعلَم أحدٌ به، فجاء الغاسل فغسَّله، ووقف يصلي عليه وحده، فاطَّلعت المرأة فإذا الدار مُمتلئة رجالًا بثيابٍ بيض وخضر، فقالت للخادم: ما الذي فعلت؟ فقال: يا سيدتي رأيتِ ما رأيتُ؟ قالت: نعم. قال: هذه مفاتيح الأبواب، فقالت لهم: ادفنوه في داري، وإذا متُّ فادفنوني عنده،

стр. 8013

فدفنوه في دارها بالمُخَرَّم، [وكان] عمرُه ستًّا وتسعين سنة، ثم ماتت فدُفنت عنده (١). [قال جدي: وقال شيخنا أبو الحسن ابن الزَّاغوني:] كُشف عن قبره بعد سنين وهو صحيح لم يَرِم، وفاحَت من قبره روائحُ الطيب حتى ملأت بغداد (٢). عبد الله بن أحمد بن رَبيعة أبو محمد، القاضي، الدِّمشقي، ويُعرف بابن زَبْر (٣). ولد سنة خمس وخمسين ومئتين، وولي قضاء دمشق من قبل المُقْتَدر، وكان قدم بغداد وعلي بن عيسى وزير، فسأل المقتدر أن يولِّيَه قضاء دمشق، فشاور عليَّ بن عيسى فقال: لا يَصلُح، فكتب ابن زَبْر إلى المقتدر يقول: رأيتُ العباس بن عبد المطلب في المنام وهو يبني ببغداد دارًا، وكلما بنى منها شيئًا هدَمه علي بن عيسى، فانزعج المقتدر، وولَّى ابن زَبْر القضاء على دمشق [ثم عزله]، بهارون بن إبراهيم بن حَمَّاد، وَولَىَ ابنُ زَبْر القضاء على مصر [مرارًا] ومات بها (٤). وكان من الدُّهاة، مُمَشِّيًا لأموره، عارفًا بالأخبار والسِّيَر في الدولَتين، ولمَّا مات قال أبو هُريرة الوَرَّاق: [من الوافر] أتانا من دمشقَ وليس شيءٌ … أحبَّ إليه من نَهْيٍ وأَمرِ فغَادَرَه الزَّمانُ فصار جِسْمًا … حَليفَ حُفَيرةٍ وأَليفَ قَبْرِ لقد حكَمَ الإلهُ بغير جَورٍ … وقد وَعَظَ الزَّمانُ بابِن زَبْرِ

стр. 8014

[وفيها توفي] عبد الله بن طاهر بن حاتم أبو بكر، الأَبهري (١). كان من أقران الشِّبْلي، [وروى أبو عبد الرَّحمن السُّلمي قال:] سئل [الأبهري:] ما بالُ الإنسان يَحتملُ من معلِّمه ما لا يحتمله من أبويه؟ فقال: لأنَّ أبويه سببٌ لحياته الفانية، ومعلِّمه سببٌ لحياته الباقية (٢). قلتُ (٣): ثم ذكره المصنف ﵀ في سنة إحدى وثلاثين وثلاث مئة (٤) فقال: شيخُ الجبال، جمع بين العلم والوَرَع. وقال: احتياجُ الأشرار (٥) إلى الأخيار صلاحُ الطائفتَين، واحتياجُ الأخيار إلى الأشرار فساد الطائفتَين. وسُئل عن معنى قوله ﷺ : "إنَّه لَيُغانُ على قلبي" (٦) فقال: أطْلَع الله نبيَّه ﷺ على ما يكونُ من أمته بعده، فكان إذا ذكر شيئًا استغفر الله لأمته. وقال: إذا أحببتَ أخًا في الله فأقْلل من مُخالطته في الدُّنيا.

стр. 8015

وقال: المَوَدَّةُ من المَحبة بمَنزلة الرَّأسِ من الجسد والعينِ من الوجه، لأنَّ المودةَ تُبدي عند الرؤية السُّرورَ، وعند (١) الفَقْد الكَمَدَ، فهي حالة في الجَوارح. [وقال: ما قدر طاعات نقابِلُ بها نعمه، وما قدر ذنوب نُقابل بها كرمه.] ورأى جنازةً وأصحابُ الميِّت يبكون عليه فأنشد (٢): [من الطويل] ويَبْكي على الموتى ويَتركُ نفسَه … ويعلَم أنْ قد عَزَّ فيهم عَزاؤهُ ولو كان ذا عقلٍ ورأيٍ وفِطْنَةٍ … لكان عليه لا عليهم بكاؤه [وفيها توفي] محمد بن جعفر المُقتدر ابن أحمد المُعْتَضد الراضي بالله (٣) [ذكر الصولي وثابت بن سنان والخطيب وغيرهم قالوا:] كان [الراضي] سَمحًا، واسعَ النفس، أديبًا، شاعرًا، حسنَ البيان، كريمَ الأخلاق، فصيحًا، محبًّا للعلماء مجالسًا لهم، سمع من البغوي قبل الخلافة، ووصله بمال [كثير]. ورُفع إليه [أن] عبد الرَّحمن بن عيسى [احتاز] مالًا عظيمًا، ثم قَرَّر عليه الوزير أبو جعفر الكَرْخي مئة ألف دينار وأخذ خَطَّه، وضَمِنه جعفر بن وَرقاء، واوقفَ الرَّاضي على الخَطّ، فاستدعى جعفر بن وَرْقاء وقال له: يا أعرابي، جلْفٌ جاف، أردتَ أن تُعلِمَ الناس أنَّك أوسع نفسًا مني، وضاقت نفسي عن خادمي وغلامي، ومزَّق الوَرَقة ولم يأخذ من عبد الرَّحمن شيئًا (٤). وكان للراضي فضائلُ كثيرةٌ، وخَتَم الخلفاء في أمورٍ عدة، منها: أنَّه آخرُ خليفة له شعرٌ مُدوَّن، وآخر خليفة انفرد بتدبير الجيوش والأموال، وآخر خليفة خطب على منبرٍ

стр. 8016

يوم الجمعة، وآخر خليفة جالس النُّدَماء وأوصلهم إليه، وآخر خليفة كانت نفقته وجوائزه وعطاياه وخزائنه ومجالسه وأسبابه تجري على ترتيب المتقدِّمين من الخلفاء، ووقع حريقٌ بالكَرْخ فأطلق خمسين ألف دينار لعِمارة ما احترق. وقال الصولي: سئل الراضي أن يخطُبَ يوم الجمعة ويصلِّي بالناس، فصَعِد المِنْبَر بسُرَّ مَن رأى، فحضرتُ أنا وإسحاق بن المعتمد في المقصورة، فلمَّا خطب شَنَّف الأسماع، وبالغ في المَوْعظة، فوقعت عينُه علينا فأوجز في خطبته، ثم نزل فصلَّى بالناس، فما وصلتُ إلى داري إلا ورسوله قد سبقني، فدفع إليَّ رُقعة ففتحتُها، وإذا هي بخطِّه يقول فيها: أبقاك الله يا محمد، لقد لحَظَك طَرْفي وأنا أخطُبُ وإلى جانبك إسحاق، فَعرِّفني على تجريد (١) الصِّدق واتِّباعك الحق؛ هل تهجَّنَ الكلام بزيادةٍ فيه، أو اختَلَّ بنقصان منه، أو وقع ذلك في اللفظ، أو إحالة في المعنى، جاريًا على عادتك في حال الإمرة غير مقصِّر عنها للخلافة إن شاء الله تعالى. فكتبتُ إليه بعد الدعاء له: وأميرُ المؤمنين أجلُّ خَطَرًا وقَدرًا، وأسنى مَجْدًا وفَخْرًا، وأوسعُ خاطرًا وفِكْرًا، من أن يبلغَ خطيبٌ خطبتَه، أو يَروم بليغٌ بلاغتَه، وهو أدام الله دولته، وأطال في العزِّ مدَّتَه، كما قال حسان بن ثابت في وصف جدِّه عبد الله بن عباس: [من الطويل] إذا قال لم يَترُك مَقالًا لقائلٍ … بمُلْتَقَطاتٍ لا نرى بينها فَصْلا كفى وشفى ما في الصُّدور فلم يَدَع … لذي إرْبةٍ في القول جِدًّا ولا هزْلا يقول مقالًا لا يقولون مثلَه … كنَحْتِ الصَّفا لم يُبْقِ في غايةٍ فَضْلا (٢) وقال الخطيب: حدثنا علي بن المُحَسِّن التَّنوخي، عن أبيه قال: سمعت أبا بكر محمد بن يحيى الصولي يحكي أنه دخل على الراضي (٣) وهو يبني شيئًا [أو يهدم شيئًا]، وهو جالس على آجُرَّةٍ حيال الصُّنَّاع، وكنتُ أنا وجماعةٌ من الجُلَساء قيامًا،

стр. 8017

فأمَرَنا بالجلوس، فأخذ كلُّ واحدٍ منا آجُرَّة فجلس عليها، واتَّفق أن أخذتُ أنا آجُرَّتَين مُلتصقتَين [بشيءٍ من إسْفِيداج] فجلستُ عليهما، فلمَّا قُمنا أمر أن تُوزنَ كلُّ آجرَّةٍ، ويُدفع إلى الذي كان جالسًا عليها دراهم أو دنانير -الشك من الراوي- قال الصُّولي: فتضاعفَت جائزتي على جوائز الحاضرين بأني كنتُ جالسًا على آجرَّتَين. وجلس يومًا في بعض مُتَنَزَّهاته وهناك ألوانٌ من الزَّهر، فقال لجُلَسائه: هل رأيتم أحسنَ من هذا النهر؟ فأخذوا في مدحه، فقال: والله إنَّ لَعِبَ الصُّولي بالشِّطْرَنْج أحسنُ من لون هذا النهر ومن كلِّ ما تصفون (١) [، فعجب الحاضرون من كلامه]. وكان مُغْرى بنَقْض قصور دار الخلافة وتصييرها بساتين. وقال وقد تكلَّم الناسُ في إنفاقه للأموال: [من الكامل] لا تَعذِلي كَرَمي على الإسرافِ … رِبْحُ المَحامدِ مَتْجَرُ الأشراف أَجري كآبائي الخلائفِ سابقًا … وأَشيد ما قد أَسَّسَت أسلافي إنِّي من القوم الذين أكُفُّهم … مُعتادةُ الإتلافِ والإخلافِ (٢) وقال أيضًا: [من المنسرح] يَصْفَرُّ وجهي إذا تأمَّلَه … طرفي وَيحمَرُّ وجهُه خَجَلا حتى كأنَّ الذي بوَجْنَته … من دم جسمي إليه قد نُقِلا (٣) وقال الصُّولي: قلتُ أبياتًا وأنشدتُها للرَّاضي وهي هذه: [من الخفيف] نَطَق السُّقْمُ بالذي كان يَخفى … فسَلِ الجسمَ إن أردتَ سُؤالا قد أتاه في النوم منك خَيالٌ … فرآه كما اشتهيتَ خَيالا تَتحاماه للضنى ألْسُنُ العُذَّلِ … فأضحى لا يَعرفُ العُذَّالا فجذب الدواة وعمل بديهًا في وقته: [من مخلع البسيط] قلبيَ لا يَقبلُ المِحالا … وأنت لا تَبْذُلُ الوصالا

стр. 8018

ضَلَلْتُ في حُبِّكم فحَسْبي … حتى متى أتْبَعُ الضَّلالا قد زارني منكم خَيالٌ … فزدتُ إذ زارني خَبالا رأى خَيالًا على فِراشي … وما أُراه رأى خَيالا (١) وقال يخاطب ابن رائق: [من الطويل] أيَطلُبُ كَيدي مَن يَهونُ كيادُه … ويوقدُ نارًا مثلَ نارِ الحُباحِبِ لقد رام صَعْبًا لم يَرُمْه شَبيهُه … وراض شَموسًا لا يَذِلُّ لراكب وأظهر لي حُبًّا يَطيفُ به قِلى … كخُلَّبِ بَرقٍ في عِراض سَحائب أتَعْقِدُ لي كَيْدَ النِّساء بَمرَصدٍ … وإني فَتيُّ السِّنِّ شيخُ التَّجارِبِ ألا رُبَّما عَزَّتْ على الحازم الذي … تراها بكَفَّيه فريسةُ طالبِ (٢) ذكر وفاته ومرضه: [قد ذكرنا عن الصُّولي أنه قال: إن الراضي] قاء في يومين أربعة عشر رَطْلًا دمًا، وقيل: إنه استسقى وأصابه ذَرَبٌ عظيم، وكان من أعظم آفاته كَثرةُ الجِماع، وكانت وفاته ببغداد منتصف ربيع الآخر من هذه السنة وهو ابن إحدى وثلاثين سنة وستة أشهر. وكانت خلافته ست سنين وأحد عشر شهرًا [، وقال جدي في "التلقيح": توفي ليلة السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول سنة تسع وعشرين وثلاث مئة، فكانت خلافته ست سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام، وقيل: وتسعة أيام (٣). وقال الصُّولي:] (٤) وصلى عليه القاضي يوسف بن عمر، وغسله أبو الحسن محمد بن عبد الله الهاشمي القاضي، ولم يوجد له حَنوط لأن الخزائن أغلقت عند موته، فبعثوا إلى الكَرخ فاشتروا له حَنوطًا من بعض الدَّكاكين، وحُمل إلى الرُّصافة في طَيَّار

стр. 8019

فدُفِن بها (١)، وكان له بها تربةٌ عظيمة، أُنفقت عليها أموال كثيرة، والآن فقد عُمل موضعها سور، ودَرَست التُّربة فلا عَين ولا أَثَر، ودُفنت عنده أمه ظَلوم. وأنشد في مرضه وهي له: [من مجزوء الخفيف] كلُّ صَفْوٍ إلى كَدَرْ … كلُّ أمْنٍ إلى حَذَر ومَصيرُ الشَّبابِ للـ … ـــموتِ فيه أو الكِبر دَرَّ دَرُّ المَشيبِ من … واعظ يُنْذِرُ البَشَرْ أيُّها الآمِلُ الذي … تاه في لُجَّةِ الغَرر أين مَن كان قبلَنا … دَرَسَ الشَّخصُ والأثَر ربِّ إني ذَخرتُ عنـ … ـدك أرجوكَ مُدَّخَر إنني مؤمنٌ بما … بَيَّنَ الوَحيُ في السُّوَر ربِّ فاغفر لي الخَطيـ … ــــــــئةَ يا خيرَ مَن غَفَر (٢) ذكر أولاده ووزرائه وحُجَّابه: كان له من الولد أحمد وعبد الله، ووَزَر له أبو علي بن مُقْلَة، وعلي بن عيسى، وأخوه عبد الرَّحمن، وأبو جعفر الكَرْخي، وسليمان بن مخلد، والفضل بن الفُرات، وأبو عبد الله البَريدي، وقاضيه يوسف بن عمر وقبله أبوه (٣). وقال ثابت بن سنان: مات بعِلَّة الاستسقاء والسَّحَح ليلة الأحد (٤) لمضيِّ خمس ساعات لأربع عشرة خلَت -أو بقيت- من ربيع الأول، وغسَّله [لوقوع الإجماع على اختياره] القاضي أبو نصر يوسف بن عمر. وكان الراضي حسَنَ البيان، أديبًا، جيد العبارة [والفصاحة، مختارًا للشعر، وكان] يُعاشِر الرجال، ويُحبُّ محادثةَ الأدباء والعلماء، ولا يفارقه الجلساء، وهدم أبنيةً

стр. 8020

كثيرةً، وأراد أن يعملَ بستانًا يكون المجلسُ الأربعيني في وَسَطه، فحالت المَنيَّة بينه وبين ذلك ﵀ (١). [وفيها توفي] يوسف بن يعقوب ابن إسحاق بن البُهْلُول، أبو بكر، التَّنوخي، ويعرف بالأزرق الكاتب (٢). وُلد بالأنبار سنة ثمان وثلاثين ومئتين، وكان أزرق العينين، فاضلًا زاهدًا. [قال الخطيب:] تصدَّق بمئة ألف دينار، وكان آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، توفي في ذي الحجة ببغداد وله اثنان وتسعون سنة، ودفن بمقابر باب الكوفة. [سمع جدَّه إسحاق، والزبير بن بَكَّار، والحسن بن عَرَفَة وغيرهم، وكتب كثيرًا من النحو واللغة والأخبار] وكان صدوقًا ثقة ورِعًا، رحمة الله عليه.
следующие страницы →