← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 8016–8055 · переход к 8021.

стр. 8016

يوم الجمعة، وآخر خليفة جالس النُّدَماء وأوصلهم إليه، وآخر خليفة كانت نفقته وجوائزه وعطاياه وخزائنه ومجالسه وأسبابه تجري على ترتيب المتقدِّمين من الخلفاء، ووقع حريقٌ بالكَرْخ فأطلق خمسين ألف دينار لعِمارة ما احترق. وقال الصولي: سئل الراضي أن يخطُبَ يوم الجمعة ويصلِّي بالناس، فصَعِد المِنْبَر بسُرَّ مَن رأى، فحضرتُ أنا وإسحاق بن المعتمد في المقصورة، فلمَّا خطب شَنَّف الأسماع، وبالغ في المَوْعظة، فوقعت عينُه علينا فأوجز في خطبته، ثم نزل فصلَّى بالناس، فما وصلتُ إلى داري إلا ورسوله قد سبقني، فدفع إليَّ رُقعة ففتحتُها، وإذا هي بخطِّه يقول فيها: أبقاك الله يا محمد، لقد لحَظَك طَرْفي وأنا أخطُبُ وإلى جانبك إسحاق، فَعرِّفني على تجريد (١) الصِّدق واتِّباعك الحق؛ هل تهجَّنَ الكلام بزيادةٍ فيه، أو اختَلَّ بنقصان منه، أو وقع ذلك في اللفظ، أو إحالة في المعنى، جاريًا على عادتك في حال الإمرة غير مقصِّر عنها للخلافة إن شاء الله تعالى. فكتبتُ إليه بعد الدعاء له: وأميرُ المؤمنين أجلُّ خَطَرًا وقَدرًا، وأسنى مَجْدًا وفَخْرًا، وأوسعُ خاطرًا وفِكْرًا، من أن يبلغَ خطيبٌ خطبتَه، أو يَروم بليغٌ بلاغتَه، وهو أدام الله دولته، وأطال في العزِّ مدَّتَه، كما قال حسان بن ثابت في وصف جدِّه عبد الله بن عباس: [من الطويل] إذا قال لم يَترُك مَقالًا لقائلٍ … بمُلْتَقَطاتٍ لا نرى بينها فَصْلا كفى وشفى ما في الصُّدور فلم يَدَع … لذي إرْبةٍ في القول جِدًّا ولا هزْلا يقول مقالًا لا يقولون مثلَه … كنَحْتِ الصَّفا لم يُبْقِ في غايةٍ فَضْلا (٢) وقال الخطيب: حدثنا علي بن المُحَسِّن التَّنوخي، عن أبيه قال: سمعت أبا بكر محمد بن يحيى الصولي يحكي أنه دخل على الراضي (٣) وهو يبني شيئًا [أو يهدم شيئًا]، وهو جالس على آجُرَّةٍ حيال الصُّنَّاع، وكنتُ أنا وجماعةٌ من الجُلَساء قيامًا،

стр. 8017

فأمَرَنا بالجلوس، فأخذ كلُّ واحدٍ منا آجُرَّة فجلس عليها، واتَّفق أن أخذتُ أنا آجُرَّتَين مُلتصقتَين [بشيءٍ من إسْفِيداج] فجلستُ عليهما، فلمَّا قُمنا أمر أن تُوزنَ كلُّ آجرَّةٍ، ويُدفع إلى الذي كان جالسًا عليها دراهم أو دنانير -الشك من الراوي- قال الصُّولي: فتضاعفَت جائزتي على جوائز الحاضرين بأني كنتُ جالسًا على آجرَّتَين. وجلس يومًا في بعض مُتَنَزَّهاته وهناك ألوانٌ من الزَّهر، فقال لجُلَسائه: هل رأيتم أحسنَ من هذا النهر؟ فأخذوا في مدحه، فقال: والله إنَّ لَعِبَ الصُّولي بالشِّطْرَنْج أحسنُ من لون هذا النهر ومن كلِّ ما تصفون (١) [، فعجب الحاضرون من كلامه]. وكان مُغْرى بنَقْض قصور دار الخلافة وتصييرها بساتين. وقال وقد تكلَّم الناسُ في إنفاقه للأموال: [من الكامل] لا تَعذِلي كَرَمي على الإسرافِ … رِبْحُ المَحامدِ مَتْجَرُ الأشراف أَجري كآبائي الخلائفِ سابقًا … وأَشيد ما قد أَسَّسَت أسلافي إنِّي من القوم الذين أكُفُّهم … مُعتادةُ الإتلافِ والإخلافِ (٢) وقال أيضًا: [من المنسرح] يَصْفَرُّ وجهي إذا تأمَّلَه … طرفي وَيحمَرُّ وجهُه خَجَلا حتى كأنَّ الذي بوَجْنَته … من دم جسمي إليه قد نُقِلا (٣) وقال الصُّولي: قلتُ أبياتًا وأنشدتُها للرَّاضي وهي هذه: [من الخفيف] نَطَق السُّقْمُ بالذي كان يَخفى … فسَلِ الجسمَ إن أردتَ سُؤالا قد أتاه في النوم منك خَيالٌ … فرآه كما اشتهيتَ خَيالا تَتحاماه للضنى ألْسُنُ العُذَّلِ … فأضحى لا يَعرفُ العُذَّالا فجذب الدواة وعمل بديهًا في وقته: [من مخلع البسيط] قلبيَ لا يَقبلُ المِحالا … وأنت لا تَبْذُلُ الوصالا

стр. 8018

ضَلَلْتُ في حُبِّكم فحَسْبي … حتى متى أتْبَعُ الضَّلالا قد زارني منكم خَيالٌ … فزدتُ إذ زارني خَبالا رأى خَيالًا على فِراشي … وما أُراه رأى خَيالا (١) وقال يخاطب ابن رائق: [من الطويل] أيَطلُبُ كَيدي مَن يَهونُ كيادُه … ويوقدُ نارًا مثلَ نارِ الحُباحِبِ لقد رام صَعْبًا لم يَرُمْه شَبيهُه … وراض شَموسًا لا يَذِلُّ لراكب وأظهر لي حُبًّا يَطيفُ به قِلى … كخُلَّبِ بَرقٍ في عِراض سَحائب أتَعْقِدُ لي كَيْدَ النِّساء بَمرَصدٍ … وإني فَتيُّ السِّنِّ شيخُ التَّجارِبِ ألا رُبَّما عَزَّتْ على الحازم الذي … تراها بكَفَّيه فريسةُ طالبِ (٢) ذكر وفاته ومرضه: [قد ذكرنا عن الصُّولي أنه قال: إن الراضي] قاء في يومين أربعة عشر رَطْلًا دمًا، وقيل: إنه استسقى وأصابه ذَرَبٌ عظيم، وكان من أعظم آفاته كَثرةُ الجِماع، وكانت وفاته ببغداد منتصف ربيع الآخر من هذه السنة وهو ابن إحدى وثلاثين سنة وستة أشهر. وكانت خلافته ست سنين وأحد عشر شهرًا [، وقال جدي في "التلقيح": توفي ليلة السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول سنة تسع وعشرين وثلاث مئة، فكانت خلافته ست سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام، وقيل: وتسعة أيام (٣). وقال الصُّولي:] (٤) وصلى عليه القاضي يوسف بن عمر، وغسله أبو الحسن محمد بن عبد الله الهاشمي القاضي، ولم يوجد له حَنوط لأن الخزائن أغلقت عند موته، فبعثوا إلى الكَرخ فاشتروا له حَنوطًا من بعض الدَّكاكين، وحُمل إلى الرُّصافة في طَيَّار

стр. 8019

فدُفِن بها (١)، وكان له بها تربةٌ عظيمة، أُنفقت عليها أموال كثيرة، والآن فقد عُمل موضعها سور، ودَرَست التُّربة فلا عَين ولا أَثَر، ودُفنت عنده أمه ظَلوم. وأنشد في مرضه وهي له: [من مجزوء الخفيف] كلُّ صَفْوٍ إلى كَدَرْ … كلُّ أمْنٍ إلى حَذَر ومَصيرُ الشَّبابِ للـ … ـــموتِ فيه أو الكِبر دَرَّ دَرُّ المَشيبِ من … واعظ يُنْذِرُ البَشَرْ أيُّها الآمِلُ الذي … تاه في لُجَّةِ الغَرر أين مَن كان قبلَنا … دَرَسَ الشَّخصُ والأثَر ربِّ إني ذَخرتُ عنـ … ـدك أرجوكَ مُدَّخَر إنني مؤمنٌ بما … بَيَّنَ الوَحيُ في السُّوَر ربِّ فاغفر لي الخَطيـ … ــــــــئةَ يا خيرَ مَن غَفَر (٢) ذكر أولاده ووزرائه وحُجَّابه: كان له من الولد أحمد وعبد الله، ووَزَر له أبو علي بن مُقْلَة، وعلي بن عيسى، وأخوه عبد الرَّحمن، وأبو جعفر الكَرْخي، وسليمان بن مخلد، والفضل بن الفُرات، وأبو عبد الله البَريدي، وقاضيه يوسف بن عمر وقبله أبوه (٣). وقال ثابت بن سنان: مات بعِلَّة الاستسقاء والسَّحَح ليلة الأحد (٤) لمضيِّ خمس ساعات لأربع عشرة خلَت -أو بقيت- من ربيع الأول، وغسَّله [لوقوع الإجماع على اختياره] القاضي أبو نصر يوسف بن عمر. وكان الراضي حسَنَ البيان، أديبًا، جيد العبارة [والفصاحة، مختارًا للشعر، وكان] يُعاشِر الرجال، ويُحبُّ محادثةَ الأدباء والعلماء، ولا يفارقه الجلساء، وهدم أبنيةً

стр. 8020

كثيرةً، وأراد أن يعملَ بستانًا يكون المجلسُ الأربعيني في وَسَطه، فحالت المَنيَّة بينه وبين ذلك ﵀ (١). [وفيها توفي] يوسف بن يعقوب ابن إسحاق بن البُهْلُول، أبو بكر، التَّنوخي، ويعرف بالأزرق الكاتب (٢). وُلد بالأنبار سنة ثمان وثلاثين ومئتين، وكان أزرق العينين، فاضلًا زاهدًا. [قال الخطيب:] تصدَّق بمئة ألف دينار، وكان آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، توفي في ذي الحجة ببغداد وله اثنان وتسعون سنة، ودفن بمقابر باب الكوفة. [سمع جدَّه إسحاق، والزبير بن بَكَّار، والحسن بن عَرَفَة وغيرهم، وكتب كثيرًا من النحو واللغة والأخبار] وكان صدوقًا ثقة ورِعًا، رحمة الله عليه.

стр. 8021

السنة الثلاثون وثلاث مئة (١) فيها في يوم الأحد لثلاثٍ خلَون من المُحرَّم وُجد كورتكين الدَّيلَمي في درب سليمان، فحُمل إلى دار ابن رائق، فحمله إلى دار السلطان، فحُبس هناك. وفيها استوحش محمد بن رائق من البريديِّين لأنَّهم ما حملوا إليه شيئًا من مال البَصرة وواسِط، فانحدر إلى واسط في المُحرَّم، وانحدر البريديون إلى البصرة، وانحدر أبو عبد الله الكوفي إلى واسط، وسَفَرَ بين ابن رائق والبريدي، ووقع الصُّلح على مال، وعاد ابن رائق إلى بغداد في ربيع الأول (٢). وفي المُحرَّم صُرِف بدر الخَرشني عن الحِجْبة، وولاها المتقي لسَلامة الطُّولوني. وفي يوم الثلاثاء لستٍّ بَقِين من المُحرَّم ظهر كوكبٌ مُذَنَّبٌ في أول بُرج القوس أو آخر برج العقرب فيما بين الغرب والشمال، رأسُه في المغرب وذنبه في المشرق، وكان عظيمًا مُنْتَشِرَ الذَّنَب، وسار في القوس والجَدي حتى حاذى المشتري، واضمَحَلَّ بعد ثلاثة عشر يومًا من ظهوره. وفي ربيع الأول بلغ الكُرُّ ببغداد من الحِنْطَة مئتي دينار وعشرة دنانير، والكُرُّ الشَّعير بمئة وعشرين دينارًا، وأكل الناس المَيتةَ، ودام الغَلاء، وكَثُر الأموات على الطُّرق، وشُغل الناس عن المَلاهي بالمَرض والفقر. وفي يوم الجمعة لسبعٍ (٣) خلَون من ربيع الآخر قام رجلٌ من [العامة] في جامع الرُّصافَة والإمام يخطب، فلمَّا دعا للمتقي قال العامي للإمام: كذبتَ ما هو بالمتقي لله، فأُخذ وحُمل إلى دار الخليفة. وفي هذا اليوم خرج الحُرَم من قصر الرُّصافة يَستغيثون في الطُّرُقات: الجوعَ الجوعَ. وخرج توزون والأتراك إلى المصلَّى، وشَغَبوا على ابن رائق وقالوا: قد أخذ في التدبير علينا، ومَضَوا إلى البريدي بواسِط.

стр. 8022

وفي ربيع الآخر وصلَت الرومُ إلى بلد حَلَب إلى [مكان يقال له:] حموص، وهو على ستِّ فراسخ من حلب، فأخربوا وأحرقوا وقتلوا [من كان بها] وسَبَوا، فبلغ السَّبْي عشرة آلاف إنسان، واستوزر المتَّقي أبا عبد الله البريدي وسببه: لمَّا سار الأتراك إليه وقوي جانبه احتاج ابن رائق إلى مُداراته، فكاتبه بالوزارة في نصف ربيع الآخر، وبعث إليه بالخِلَع السُّلْطانية، فاستخلف له بالحَضْرة أبا جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد، وأوصله ابن رائق إلى المتقي، وكان المدبِّر للمملكة أبو عبد الله الكوفي. وفيها توفي المَحامِلي، وتقلَّد القضاء أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن إسحاق الخِرَقي في جانبي مدينة السلام ومدينة أبي جعفر والسَّواد، مُضافًا إلى أعماله الأولى، وتَعجَّب الناسُ من تقليد مثله. وفيها استوزر المتَّقي أبا إسحاق القَراريطي مرةً ثانية، وسببه أنَّ الأخبار وَرَدت بإصعاد البريدي إلى بغداد، فعزَّ على المتقي وابن رائق، فعزله عن الوزارة، فكانت مدةُ وقوع اسم الوزارة عليه خمسةً وعشرين يومًا، وخُلِع على القراريطي لعشرٍ خلَون من جُمادى الأولى، واستتر ابن شيرزاد في منزله (١). [وفيها] في يوم الثلاثاء لإحدى عشرة خلَت من جُمادى الأولى ركب المتقي على الظَّهر، ومعه ابنه الأمير أبو منصور ومحمد بن رائق [والوزير] القراريطي والجيش، وساروا على الظَّهر وبين أيديهم المصاحفُ المُنَشَّرة والقُرَّاء، واستنفروا العامة لقتال البريديين، ثم انحدر من الشَّمَّاسِيّة إلى داره في دجلة، واجتمع الناسُ من كل مكان على كُرسيّ الجِسر، فثَقُل بهم وانكسر، فغرِق خلقٌ كثير ممَّن كان عليه وتحته، وأمر ابن رائق بلَعْن البريديين على المَنابر. وفيها أصعد أبو الحسين علي بن محمد البريدي إلى بغداد، وحارب المتقي وابن رائق فهزَمَهما، وكان خروجه من واسط يوم الأربعاء لأربعٍ بقين من جُمادى الأولى في الجيش، ومعه غلمان أخيه أبي عبد الله والأتراكُ والدَّيلَم والقرامطة إلى ابن رائق، واستعد ابن رائق للقتال، وعمل على أن يتحصن في دار السلطان، وسدَّ أكثرَ أبوابها

стр. 8023

والثُّلَم في سورها، ونصَب عليها وعلى شاطئ دجلة المَجانيق، وطرح حولها الحَسَك، واستصرخ العامةَ ونهضوا، ووقعت الفتنة بين العامة ليلًا ونهارًا، ووقعت الكبسات على أصحاب الأموال، وفُتِحت الحبوس، وزحف البريدي إلى الدار، وقابله ابن رائق والعامة والجيش على الظَّهر وفي الماء، وقوي الحرب يوم السبت لسبعٍ بقين من جمادى الآخرة، ودخل جماعةٌ من الدَّيلَم دارَ الخليفة، وقتلوا جماعة، فخرج المُتَّقي ومعه ابنُه هاربَين إلى الموصل، ومعهما ابنُ رائق، واستتر القَراريطي ببغداد فكانت وزارته أربعين يومًا، ومدةُ إمارة ابن رائق ستة أشهر وعشرة أيام. ونهب الدَّيلَم وأصحاب البريدي دار الخلافة نَهْبًا عظيمًا، ودخلوا إلى دار الحُرَم، ووُجِد في جيش السَّلطان كورتكين الدَّيلَمي وأبو الحسن بن سنجلا وعلي بن يعقوب، فجيء بهم إلى أبي الحسين البريدي فقيَّد كورتكين وبعث به إلى أخيه أبي عبد الله إلى البصرة، فكان آخرَ العهد به، وأما الاثنان الآخران فأطلقهما، ووجدوا القاهر أعمى في مَحْبَسه، فأمر بإبقائه مكانه. ونزل أبو الحسين في دار مؤنس التي كان ابن رائق نازلًا بها، وقلَّد توزون الشرطة ببغداد في الجانب الشرقي، وأبا منصور تورتكين (١) في الجانب الغربي، ونُهبَت بغداد، ونُزلت الدورُ، وأُخرج منها أهلها، ولقوا شدَّةً، ولمَّا تقلَّد توزون وتورتكين الشرطة سكن الأمر، وكفَّ بعضُ الجند، وأخذ أبو الحسين البريدي حُرَم توزون وغيره من الأتراك والدَّيْلَم، فأحدرهم إلى أخيه أبي عبد الله رهائن في يده (٢). وبلغ الكُرُّ الحِنْطة ببغداد ثلاث مئة وستة عشر دينارًا، وظَلَم البريدي وأخذ الأموال، وجرت حربٌ بين الأتراك والقرامطة، فانهزم القرامطة وخرجوا من بغداد. وفيها زادت دجلة في نيسان تسعة عشر ذراعًا ونصفَ ذراع، وبلغت عشرينَ ذراعًا وأكثر. وزاد البلاء بأهل بغداد من البريدي والدَّيلَم، وكَبْس المنازل، والنَّهْب، والتعرُّض للحريم، ووقع الحرب بين أهل بغداد والدَّيلَم، واتَّفق توزون وتورتكين والأتراك على

стр. 8024

كَبْس البريدي والإيقاع به، فغدر تورتكين وبَلَّغ الخبر البريدي، فاحترز بالدَّيلَم، وقصد توزون إلى دار أبي الحسين البريدي ليلة الثلاثاء لخمسٍ خلَون من رمضان، فغلَّق الأبواب دونه، ووقعت الحرب، وخذله تورتكين فلعنه توزون. وانصرف توزون يوم الثلاثاء ومعه جماعة وافرة من الأتراك إلى المَوْصل، وبعث البريدي وراءه جيشًا فلم يَظفَر به، وكان أبو عبد الله البريدي يُكاتب القواد الذين مع أخيه أبي الحسين ببغداد، فانحدر إليه منهم أعيانُهم، وخفَّ عسكرُ أبي الحسين. ولما وصل توزون إلى المَوْصل قَوي قلبُ الحسن بن عبد الله بن حمْدان، وعزم على أنْ يَنحَدر إلى بغداد بالمتقي، وبلغ أبو الحسين فكاتب أخاه أبا عبد الله بذلك، فبعث إليه جماعةً من الدَّيلَم. ذكر مقتل أبي بكر محمد بن رائق: لمَّا وصل المُتَّقي وابن رائق إلى تكريت وَجَدا هناك أبا الحَسن علي بن عبد الله بن حَمْدان سيف الدولة؛ لأنَّ محمد بن رائق كان قد كتب إلى أبي محمد الحسن بن عبد الله بن حمْدان لمَّا قَرُب البريدي من بغداد أنْ يَبعثَ إليه بمَن يُعاونه على قتاله، فأنفذ أخاه أبا الحسن فالتقوا بتَكريت، ومع علي ابن حَمْدان الإقاماتُ والمِيرَة والفُرُش والثياب والمال، فحَمل إلى المُتَّقي وابن رائق والقُوَّاد على أقدارهم ما يحتاجون إليه، وساروا جميعًا إلى الموصل، فلمَّا وصلوا إليها حاد الحسن بن عبد الله بن حمدان عنها، وعبر إلى الجانب الشرقي منها، ومضى إلى نواحي مَغلَثايا. وما زالت الرسائل تتردد بينه وبين محمد بن رائق [إلى أن توثَّق] (١) بعضهم من بعض بالأيمان والعُهود، حتى أنِسَ الحسن، وعاد فنزل بإزاء المَوْصل بالجانب الشرقي، فعبر إليه الأمير أبو منصور بن المتقي ومحمد بن رائق يوم الاثنين لسبعٍ بقين من رجب، فسلَّما عليه، فأظهر السُّرور، ونثر على الأمير أبي منصور الدنانير والدراهم. فلما أرادا أن يَنصرفا قُدِّم فرسُ الأمير أبي منصور فركبه، وقُدِّم فرس ابن رائق ليركب من داخل المِضْرَب، فتعلَّق به الحسن وقال: تُقيم عندي اليوم حتى نُدبِّر ما فيه

стр. 8025

المصْلَحة، فقال ابن رائق: ما يَحسُن بي أنْ أتأخَّر عن الأمير أبي منصور، فألحَّ عليه الحسن إلحاحًا لم تَجْرِ به عادة، فاستراب، وجذب كُمَّه من يده فَتخَرَّق، [فصاح الحسن] بغلمانه: لا يفوتكم اقتلوه (١)، فضربوه بالسيوف حتى بَرَد، واضطرب أصحابُه خارج المضرب، وجاء مطرٌ فتفرَّقوا، وحُمل ابن رائق إلى قرية بإزاء الموصل تُعرف بالكار، فدُفن بها وعُفّي قبره. وبلغ المتقي فخاف وقال: وأين الأيمان والعهود؟ فبعث إليه الحسن يُعرّفه بأنَّ ابن رائق أراد أن يغتاله [ويوقع به، فجرى من أمره ما جرى]، فردَّ الجوابَ يُعرِّفه أنَّه المَوثوقُ به، وأنَّه لا يَشك فيه، ويأمره بالمصير إليه، فعبر إليه، فخَلَع عليه ولقَّبه ناصر الدولة، وجعل أمير الأمراء، وخلع على أخيه سيف الدولة، وعلى الحسين بن سعيد بن حمْدان، وعاد إلى بغداد ومعه ابن حَمْدان، وهرب البريدي إلى واسِط، فكانت مدَّة إقامته ببغداد ثلاثةَ أشهر وعشرين يومًا. ولمَّا دخل المتقي بغداد كان بين يديه ناصر الدولة وأخوه أبو الحسن وجميع الجيش، وعُقِدت القِباب، وأعاد القَراريطي إلى الوزارة، وبدرًا الخَرشَني إلى الحِجابة، [ثم صرف الحسن بدرًا الخرشني] وتقلَّدها أحمد بن خاقان (٢)، فكان دخولُ المتقي بغداد يوم الاثنين لثلاث عشرة بقيت من شَوَّال. وفي شوال خلَع المُتَّقي على ناصر الدولة وعلى أخيه سيف الدولة، كلّ واحد طوقَين وأربعةَ أَسْورة ذهبًا، وخلع على الحسين بن سعيد، وطُوِّق بطوقٍ واحد وسوارَين، وقَلَّد بدرًا الخَرشَني طريق الفُرات، فخرج إليها من يومه، وسار إلى مصر، فقبله الإخشيد أحسَنَ قَبول، وقلَّده أعمال المعاون بدمشق، فلما كان بعد قليل حُمَّ بدرٌ حمَّى حادةً ومات بدمشق.

стр. 8026

وفيها ورد الخبر إلى بغداد [بأن البريدي يريد بغداد، فاضطرب الناس] (١) وعبر المُتَّقي إلى الزُّبَيديّة يوم الأربعاء لستٍّ بقين من ذي القعدة ليكون مع ناصر الدولة، وقَدَّم حُرَمه إلى سُرَّ مَن رأى، وخرج وجوه أهل بغداد هاربين. ولثلاث بقين منه عبر جيش ناصر الدولة من الجانب الشرقي من بغداد إلى الجانب الغربي، وفي يوم الأربعاء لليلة بقيت منه سار أبو الحسن بن حمْدان للقاء البريدي. وكان مع أبي الحسين البريدي لمَّا أصعد من واسِط الدَّيلَمُ وأبو بكر بن قَرابة وابن شيرزاد وجيش عظيم، ولم يحضره أبو عبد الله البريدي، وكانت الوقعة بالقرية المعروفة بالكال (٢) أسفل المدائن بفرسَخَين، والتقَوا: أبو الحسين البريدي في الدَّيلَم، وأبو الحسن بن حَمدان وتوزون والأتراك، وتخلَّف ناصر الدولة ابن حَمدان في المدائن، فاقتتلوا يوم الخميس شلْخ ذي القعدة يوم الجمعة، فكانت أولًا علي بني حمدان، وانهزم أصحابهم، فردَّهم ناصر الدولة من المدائن، ثم صارت على البريدي فانهزم، وقُتل جماعةٌ من قُوَّاده، وأسر جماعة. وعاد البريدي إلى واسِط، ولم يَتْبعه أحدٌ من أصحاب ناصر الدولة لضَعْفهم من الجِراح والإعياء، وعاد المتقي إلى الزُّبيدية إلى دار الخلافة، وعادَ من كان هرب إلى سُرَّ مَن رأى. ودخل ناصر الدولة يوم الخميس لثلاث عشرة بقيت من ذي الحِجَّة إلى بغداد، وبين يدَيه الأسرى: يانس غلام البريدي وغيره، وكتب أبو عبد الله بن ثوابه كتابًا إلى الآفاق عن المُتَّقي بالفتح، وبعث به إلى سيف الدولة ابن حمْدان، وبعث إليه بالخِلَع، وكان سيف الدولة قد انحدر إلى واسِط لطلب البريدي، فوجده قد انهزم إلى البصرة، فأقام بواسِط ومعه جميع الأتراك والدَّيلَمُ والجيش (٣). وحجَّ بالناس القِرمِطيُّ، وقيل: لم يحجَّ أحدٌ [في هذه السنة خوفًا من المتغلِّبين.

стр. 8027

فصل: وفيها توفي أحمد بن إبراهيم بن سَعد الخَير أبو عمر، الأَزْدي، الحمْصيّ (١). سكن دمشق وتوفي بها في شعبان. حدَّث عن عمِّه الخَطَّاب بن سعد الخير وغيره، وروى عنه أبو الحسين الرَّازي وغيره. ومن رواياته عن أبي هريرة ﵁ قال: ما كان أحدٌ منا يقول على عهد عمر بن الخطاب ﵁: قال رسول الله ﷺ إلا سِيلَ ظهرُه دمًا، أو يأتي على ذلك ببيِّنة. فصل:] وفيها توفي إسحاق بن محمد أبو يعقوب النَّهْرَجُوري (٢). من كبار مشايخ الصُّوفية وعُلمائهم، جاور بالحَرَم بمكة سنين كثيرةً، ومات بها [في هذه السنة (٣)، وكان ديِّنًا فاضلًا. ذكر طرف من أخباره: حكى عنه في "المناقب" أنه] قال: رأيتُ رجلًا في الطَّواف بفَرد عَينٍ وهو يقول: أعوذ بك منك، فقلتُ له: ما هذا الدعاء؟ فقال: نظرتُ يومًا إلى شخصٍ مُستَحسَن، فإذا بلَطْمَةٍ قد وقعت على عيني فسألت، وسمعتُ قائلًا يقول: نَظْرةٌ بلَطْمَة ولو زِدتَ لزِدناك. وقال [أبو يعقوب]: كنتُ بمكة، فجاءني فقيرٌ ومعه دينار فقال: إذا كان غدًا فأصلِح لي بنصفه قَبْرًا، وجَهِّزني بنصفه، فقلتُ في نفسي: أصابه يَبْسُ الحجاز، فلمَّا كان من

стр. 8028

الغد طاف بالبيت، ثم جاء وامتدَّ على وجه الأرض، فقلتُ: هو ذا يَتَماوَتُ، فذهبتُ إليه وحرَّكتُه فإذا هو ميتٌ، فدفنتُه كما أمر. ومن كلامه: مَفاوزُ الدُّنيا تُقطَع بالأقدام، ومَفاوزُ الآخرة بالقلوب. وقال: العابد (١) يَعبُد الله تحذيرًا، والعارف يَعبد الله تشريفًا. وقال: احتَرِزُوا من الناس بسوء الظنِّ بأنفسكم لا بالناس. وقال: مَن كان شَبَعُه بالطعام لم يزل جائعًا، ومَن كان غِناهُ بالمال لم يَزل فقيرًا، ومَن قَصَدَ بحاجته الخَلْق لم يزل مَحرومًا، ومَن استعان على أمره بغير الله كان مَخْذولًا. وقال: الدنيا بحرٌ والآخرة ساحل، والمَركبُ التَّقوى، والناس سَفْرٌ. وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠]: لو جعلوا ثمنَه الكونَين لكان بَخْسًا في جانب مُشاهدته (٢). ذكر وفاته: حكى في "المناقب" عن أبي الحسن المُزَيِّن قال: جلستُ عند رأس يعقوب (٣) وهو في النَّزْع، فقلتُ له: قل: لا إله إلا الله، فتبسَّم وقال: إيَّايَ تعني! وعِزَّةِ مَن لا يذوقُ الموتَ، ما بقي بيني وبينه إلا حجاب العِزَّة (٤)، ثم طَفئ من ساعته، فكان المُزَيِّن يقبضُ على لحيته ويقول: حَجَّام مثلي يُلَقِّن أولياءَ الله الشهادة، ثم يبكي ويقول: واخَجْلَتاه. صحب النَّهْرَجوري سَهْلَ بن عبد الله التُّسْتَري والجُنَيد وغيرهما.

стр. 8029

[وقول ابن خميس في "المناقب": إن المزين لقَّنه، هو وهمٌ، المزين تقدَّمَت وفاتُه، وقد ذكرناه، اللهم إلا أن يكون المزيّن الكبير فيحتمل] (١). الحسين بن إسماعيل ابن محمد بن إسماعيل بن سعيد بن أبان، أبو عبد الله، الضَّبِّي، القاضي، المَحامِليّ (٢). ولد في المُحرَّم سنة خمس وثلاثين ومئتين، وشهد عند القُضاة وله عشرون سنة، وسافر في طلب الحديث، ولقي المشايخ، وأثنى عليه العلماء، فقال الدارقطني: كان قاضيًا، نَبيلًا، مُقَدَّمًا في العلم والفقه والحديث، مَحمودًا في أموره كلِّها، ولي القضاء بالكوفة فحُمِدَت آثارُه في ولايته، وولي القضاء بفارس وأعمالها مُضافًا إلى الكوفة، ثم استعفى فأُعفي، وما زال مجلسُ العلم والمُناظرة بداره إلى أن تُوفّي ببغداد في ربيع الأول. وقال ابن شاهين: أقام المَحاملي قاضيًا على الكوفة ستِّين سنةً، وكان يَحضر مجلسَ إملائه عشرةُ آلاف رجل. وقال الخطيب: اجتمع المبرِّد وثعلب عند محمد بن طاهر في بغداد، فتناظرا في مسألةٍ في أصول النَّحْو، ودَقَّقا الكلامَ فيها، وكان المَحامِلي حاضرًا، فقالا: إن رأى القاضي أن يَحكُمَ بيننا؟ فقال: لا يَسَعُني ذلك، قال: لم؟ قال: لأنَّكما تجاوزتُما ما أعرفُه، ولا يجوز حُكمي إلا بعد مَعرفة (٣). وقال محمد بن الحسين بن الإسكاف: كنتُ أُفضِّل عبد الرَّحمن بن أبي حاتم على المَحاملي، فرأيتُ في النوم قائلًا يقول: استغفر الله في أمر المحاملي، فإنَّ الله يَدفعُ به عن أهل بغداد البلاءَ، فلا تستصغر أمرَه.

стр. 8030

واتَّفقوا على صِدقه وثقته ودينه وزُهْده وأمانته. وقال ثابت بن سِنان: مات عن ستٍّ وتسعين سنة. علي بن محمد بن سَهل أبو الحسن، الصَّائغ الدِّينَوَري، الزّاهد (١). قال [جدّي في "المنتظم": حدثنا أبو بكر العامري، حدثنا أبو سعد بن أبي صادق، حدثنا ابن باكويه قال: سمعت الحسين بن أحمد الدينوري يقول: سمعت] مَمشاذ الدِّينَوري [يقول:] خرجتُ يومًا إلى الصحراء، فإذا بنَسْرٍ قد فتح جناحَيه، فعَجِبتُ منه، فنظرتُ وإذا بأبي الحسن الصَّائغ الدينوري قائمٌ يصلِّي وكان يومًا حارًّا، والنَّسْرُ يُظِلُّه. [هذا صورة ما ذكر جدي، وكان الدينوري عظيمًا، وقد استقصيتُ أخباره.] كان الدينوري من كبار مشايخ مصر، وأصحاب الكرامات والإشارات؛ ساعةَ وُلد وسقط إلى الأرض قال: الله، أو قال: لا إله إلا الله، سمعها كلُّ مَن في البيت. وقال أبو عثمان المَغْرِبي: لم أرَ أكثرَ هيبةً من أبي الحسن الصائغ من دون مَن رأيتُ من المشايخ. وقال ممشاذ: أتى أبو الحسن إلى شيخنا ابن بشار (٢) وعمره خمس عشرة سنة، فسأله أن يَسألَ أُمَّه أن تَهبَه لله تعالى، قال: فصرنا معه إلى أُمِّه، فسألها الشيخُ ذلك، فقالت: كيف أهبُه لله تعالى، أخاف أن لا يَحصل لا لي ولا له، ولكن أبحتُه أنْ يَصعَدَ إلى الجبل، فإن وَجَد الله فقد وهبتُه له، وإن لم يجده كنتُ أنا خيرًا له مما دعاه (٣).

стр. 8031

[قال: فصعد الجبل،] فغاب خمسين ليلةً، ثم عاد وهو كالخِلال (١) اليابس، فقلنا له: كيف حالُك؟ فقال: ما فيَّ جارحةٌ إلا وهي تشتهي (٢) المَزيد، ولا دَفَعني إلى فاقَةِ قطُّ. فقمنا إلى أُمِّه، فسألتْه عن حاله، فأخبرها كما أخبرنا، فاعتَنَقَتْه وبكَت وقالت: اللهم إنَّه وَديعتي عندك، فقد صَلُح لك ووَهبْتُه لك. فخرج من عندها فغاب سنتين، فلقيتُه بعد ذلك بمدَّة فذكَّرُته بالحكاية (٣)، فبكى بكاءً شديدًا، وجعل يَنوحُ على نفسه بالفارسية ويقول: واخَرابَ قلباه، ويُردِّدها ويبكي. وكان (٤) يقيمُ أربعين يومًا لا يأكل ولا يشرب ولا يتوضأ، ويُقيمُ أربعة أشهر كذلك، ويَصعد إلى جبل الدِّينَوَر فيقيم فيه، وفيه السباع والوحوش [مُنْهمِكَة]، لا يتجاسر شيءٌ منها أن يدنو منه، ثم ينزل بعد أربعين يومًا إلى الدِّينَوَر، فتُغلَقُ الأسواق، ويقوم الناس ينظرون إليه من بعيد تعظيمًا له. [وقال مَمشاذ الدِّينَوري:] كان يَضربُ بيده الأرضَ في أسفاره فيَنْبُع الماء، فيتوضَّأ ويَشرب، وكان يَقِدُ على رأسه قِنْديل من السماء طول الليل. وقال قاسم بن عمرو المَعافِري (٥): كنتُ ألزم مسجدَ الدِّينَوَري كلَّ جمعة، فخرجتُ في يوم جمعة، فرأيتُ الناس يَزدَحِمون على الخُبز، فقلتُ: أشتري رغيفًا أعِدُّه لإفطاري وكنتُ صائمًا، فاشتريتُه، وخبَّأتُه في مكان، ثم قصدتُ الجامع فجلستُ عند أبي الحسن، فلما تكلَّم سألتُه عن التوكل فقال: أن لا تهتمَّ لإفطارك قبل صلاة الجمعة.

стр. 8032

وكان أبو الحسن علي بن عثمان القَرافي يقول: لا ينبغي أن يتكلَّمَ على الناس إلا مَن يكون حالُه مثل حال أبي الحسن الدِّينَوري؛ كانت بَواطِنُ الخَلْق مُنْكَشفة بين يديه. ولقد خطَر لي خاطرٌ يومًا فالتفت إليَّ وقال: حَرامٌ على قلبٍ مأسورٍ بحُبِّ الدنيا أن يَسيح في عالم الغيب (١). [ذكر قصته مع تِكِين والي مصر:] كان الدينوري (٢) أنكر على تِكِين والي مصر أشياء [وكان ظالمًا]، فسيَّره إلى القُدس. قال محمد بن الليث: فحدَّثني جماعةٌ من الشيوخ الذين كانوا بالقدس قالوا: لمَّا وصل الدينوري إلى القدس خرجنا نتلقَّاه، فلمَّا وصل إلى باب سليمان ﵇ قال: كأنِّي بالبائس -يعني تِكين- وقد جيء به في تابوت إلى ها هنا، فإذا دنا من الباب عَثَر البغلُ، ووقع التابوت فبال عليه البغلُ. قال: وأقام الدِّينَوري بالقُدس مدةً يسيرة، وإذا بقائل يقول: قد وصل تِكِين وهو ميتٌ في تابوت، فلمَّا وصل إلى باب سليمان ﵇ عَثَر البغل في المكان الذي أشار إليه الدِّينَوري، فوقع التابوت، وغَفَل عنه المُكاري فبال عليه البَغْل، وخرج الدِّينَوري فقال للتابوت: جئتَ بالبائس إلى المكان الذي نفانا إليه، ثم ركب الدينوري ذلك البغلَ وعاد عليه إلى مصر. [قال محمد بن الليث: فحدثني المُكاري الذي حمل الدينوري إلى القدس قال: كان في مئة بغل، فلما مات تكين طلبوا مني بغلًا يحملونه عليه إلى القدس، فأحضرتُ البغال كلها، وجعلت كما وضعت التابوت على بغل عَرطَز فرماه، ووقع في خاطري أنه لا يحمله إلا البغل الذي حمل عليه الدينوري، فأتيته به، ووضعته عليه فحمله، فلما وصلنا به إلى القدس وقع التابوت به عند باب سليمان، فغفلنا عنه فبال عليه، ورددنا الدينوري على البغل.]

стр. 8033

وكانت وفاة الدينوري بمصر، ودُفن بالقَرافة، وقبرُه ظاهر يُزار. قال المصنف ﵀: وقد زرتُه مرارًا، ودعوتُ الله عنده، ورأيتُ أثر الإجابة. أسند الدينوري الحديث، وأخرج له أبو طاهر السَّلَفي حديثًا عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "انتظارُ الفَرَج عبادةٌ" (١). محمد بن أحمد ابن صالح بن الإمام أحمد -رحمة الله عليه- ابن حَنْبل الشَّيباني، أبو جعفر (٢). وحدَّث عن أبيه وعمه عبد الله (٣) وغيرهما، وروى عنه الدارقطني وغيره. محمد بن رائق أبو بكر الأمير (٤)، قد ذكرناه، وكان جوادًا مُمَدَحًا، وقد مدحه أبو عمار بن إسماعيل الأَسدي صاحب أَطرَابلس فقال: [من الوافر] حُسامٌ لابن رائقٍ المُرَجَّى … حُسامِ المُتَّقي أيامَ صالا (٥)

стр. 8034

[وفيها توفي] مُفلِح (١) بن عبد الله أبو صالح، الدِّمَشْقي، الزَّاهد، الذي يُنسب إليه مسجد أبي صالح خارج باب شرقي. كان من الأبدال، [حكى عنه الحافظ ابن عساكر أنَّه] قال: كنتُ أدورُ في جبل اللُّكَّام لطلب الزُّهَّاد والعُبَّاد، فرأيتُ رجلًا صالحًا [جالسًا] على حَجَرٍ، وعليه مُرَقَّعةٌ، وهو ينظر إلى الأرض، فقلتُ: ما تصنع ها هنا؟ فقال: أنظرُ وأرعى، قلتُ: ما أرى بين يديك إلا الحجارة، فما الذي تنظرُ وترعى؟ فتغيَّر لونُه وقال: أنظرُ خواطرَ قلبي، وأرعى أوامرَ ربي، فبالذي أظهرَك عليَّ إلا ما جُزْتَ عنِّي، فقلتُ: كلِّمني بكلمةٍ أنتفع بها، فقال: مَن لزم الباب أُثبِتَ في الخَدَم، ومَن أكثَر الذنوب أكثرَ الندم، ومَن استغنى بالله أَمِنَ العَدَم، ثم غاب عني. حدَّث أبو صالح عن حَمدَويه وغيره. وكان حَمدَويه من الأبدال أيضًا، واسمُه محمد بن أحمد بن سَيِّد، أبو بكر، التميمي، مولى بني هاشم، كان له كرامات، صحب قاسمًا الجُوعي وحدث عنه، ومات هو وأبو صالح في هذه السنة [بدمشق] (٢). وقال أبو صالح: أقمتُ أربعين يومًا ما شربتُ ماءً (٣)، فأخذ حمدويه بيدي، وأدخلني داره، وأتى بشربة ماءٍ وقال: اشرب، ثم التفَتَ إلى امرأته وقال: هذا له أربعون يومًا ما شرب، قال أبو صالح: وما اطَلع على حالي إلا الله تعالى. [روى عن أبي صالح أبو بكر محمد بن داود الدينوري، ومن كلام أبي صالح: الدنيا حَرام على القلوب، حلال على النفوس؛ لأن كلَّ شيءٍ] تنظر إليه بعين رأسك حرامٌ عليك أنْ تنظرَ إليه بعين قلبك.

стр. 8035

وقال: البَدَنُ لباس القلب، والقلبُ لباس الفؤاد، والفؤاد لباس الضمير، والضمير لباس السرِّ، والسرُّ لباس المعرفة. نصر بن أحمد أبو القاسم، البَصريّ، الخُبْزَأُرزي الشاعر (١). قدم بغداد وأقام بها دهرًا طويلًا [، وروى عنه كثيرًا من شعره المعافى بن زكريا وغيره، وذكره الخطيب أيضًا]. وله ديوانٌ مشهور. قال أبو محمد الأَكْفاني: خرجتُ مع عمي أبي عبد الله، وأبي الحسين بن لَنْكَك، وأبي عبد الله المُفَجَّع، وأبي الحسن السَّبَّاك في بطالة عيد، فانتهوا إلى الخُبْزَأُرزي وهو يَخْبِز على طابقه، فجلسوا يُهنِّؤنه، وهو يُوقد السَّعَف تحت الطَّابَق، فزاد في الوقود حتى خَنَقَهم الدُّخان، فقاموا، فقال الخُبْزَأُرزي لأبي الحسين بن لَنْكَك: متى أراك؟ فقال: إذا اتَّسَخَت ثيابي، وكانت ثيابُه يومئذٍ جُدَدًا على أنقى ما يكون من البياض، فلما انفصلوا دعا ابن لَنْكَك بدواة وبيضاء، ونَظَم في الحال وهم قعودٌ عنده: [من الوافر] لنصرٍ في فؤادي فَرطُ حُبٍّ … أُنيفُ به على كُلِّ الصِّحابِ أتيناه فبخَّرَنا بَخُورًا … من السَّعَفِ المُدَخِّن للثّياب فقمتُ مُبادِرًا وظننتُ نَصْرًا … أراد بذاك طَردي أو ذَهابي فقال متى أراك أبا حسين … فقلتُ له إذا اتَّسخَت ثيابي وبعث بها إلى الخُبزَأرزي، فأعاد جوابَها في الحال فقال: [من الوافر] مَنَحتُ أبا الحسين صَميمَ وُدِّي … فداعَبَني بألفاظٍ عِذابِ أتى وثيابُه كقَتيرِ شَيبٍ … فعُدنَ له كرَيعان الشَّباب ظننتُ جلوسه عندي لعُرسٍ … فجُدتُ له بتمسِيك الثِّيابِ فقلتُ متى أراك أبا حسينٍ … فجاوبني إذا اتَّسخت ثيابي

стр. 8036

فإنْ كان التَّقَزُّزُ فيه فَخْرٌ … فلِم كُنِيَ الوصيُّ أبا تراب ومن شعره أيضًا: [من الطويل] تجافيتُ عنكم طاعةً لهواكُمُ … وإنِّي لأرضى أن أكونَ لكم أرضا فلا هجْرُكم يُغْني (١) ولا وَعدُكم يَفِي … ولا عَهْدُنا يُرعى ولا دَينُنا يُقْضى رَضيتُ بقَتْلي في هواكم لأنَّني … أرى حُبَّكم حَتْمًا وطاعَتَكم فَرضا حَبَسْت عِنانَ القَولِ فيكم صِيانةً … لكم وخُيولُ الشَّوق تركُضُ بي رَكْضا لقد ضاقَت الدُّنيا عليَّ بأسْرها … فلستُ أرى للأرض طُولًا ولا عَرضا وحقِّ الهوى إنِّي أُحِسُّ من الهوى … على كبدي جَمرًا وفي أعظُمي رَضَّا فإن لم تجُد بالعفو جُدْ بتَعَطُّفٍ … فمَن لم يَجِد كلَّ المُنا طلب البعضا وقال: [من المنسرح] كم شَهوةٍ مُسْتَقرَّةٍ فَرَحًا … قد انْجَلَتْ عن حُلولِ آفاتِ وكم جَهولٍ تَراه مُشْتَريًا … سُرورَ وقتٍ بغَمِّ أوقاتِ كم شَهواتٍ سَلَبْنَ صاحبَها … ثَوبَ الدِّياناتِ والمُروءاتِ وقال: [من الطويل] لسانُ الفتى حَتْفٌ له حين يَجْهلُ … وكلُّ امرئٍ ما بين فَكَّيه مَقْتَلُ إذا ما لسانُ المَرءِ أكثَرَ هذْرَه … فذاك لسانٌ بالبَلاء مُوَكَّلُ وكم فاتحٍ أبوابَ شرٍّ لنفسه … إذا لم يكن قُفْلٌ على فيه مُقْفَلُ كذا كلُّ مَن يَرمي شَراراتِ لَفْظِه … تلقَّتْه نيرانُ الجَوابات تُشْعَلُ ومَن لم يُقيِّد لفظه متجمِّلًا … سيُطلَقُ فيه كلُّ ما ليس يَجْمُلُ ومَن لم يكن في فيه ماءُ صِيانةٍ … ففي وجهه غُضنُ المَهابَةِ يَذْبُلُ إذا قلتَ (٢) قولًا كنتَ رَهْنَ جوابه … فحاذِرْ جوابَ السُّوء إن كنتَ تَعقِلُ أُعلِّمُكم ما علَّمتْني تجاربي … وقد قال قبلي قائلٌ مُتَمَثِّل إذا شئتَ أن تحيا سعيدًا مُسَلَّمًا … فدَبِّر ومَيِّز ما تقول وتفعلُ

стр. 8037

السنة الحادية والثلاثون وثلاث مئة (١) فيها في المُحرَّم زوَّج المتقي ابنه أبا منصور إسحاق بعَدويّة، وقيل: بعلوية، بنت ناصر الدولة [أبي محمد ابن] حَمدان على صَداق مبلغه (٢) مئتي ألف دينار، وحضر المُتَّقي العقد، ولم يحضُر ناصر الدولة، ووكَّل [في العقد] أبا عبد الله بن أبي موسى الهاشمي، وأمر المتقي ولده [أبا منصور] أن يمضي بعد العقد إلى دار ناصر الدولة فمضى [إليه بعد ما عقد العقد]. وفي صفر وصلت الرُّوم إلى أَرزَن وميَّافارِقِين ونَصِيبِين، ووصلوا إلى سرجَة وهي على فرسَخَين من نَصِيبين، وعاثوا في الجزيرة، وقتلوا وسَلَبوا، وطلبوا مِنديلًا في كنيسة الرُّها تَزْعم النصارى أن المسيح ﵇ مسح به وجهه فصارت صورتُه فيه، وأنَّهم يُطلقون ما عندهم من أسارى المسلمين ولو كانوا ألوفًا. فجمع المُتَّقي الفقهاء، وتكلَّموا في ذلك، فقال بعضهم: فيه غَضاضة على الإسلام، وإن صحَّ أنَّ سورة عيسى ﵇ فيه فالمسلمون أولى به، فقال علي بن عيسى: تخليصُ رجلٍ مسلم عند الله أحبُّ إليه مما طلَعت عليه الشمس، مما يُقاسونه من الضر والبلاء، ووافقه الجماعة، فأرسلوه وأطلقوه، وأطلقوا الأسارى. وفيها ضيَّق ناصر الدولة على المُتَّقي في نفقاته، وأخذ ضِياعَه وضياعَ والدته، وصادر الكُتَّاب ببغداد وعذَّبهم، واستَصْفى أموالًا كثيرةً، وكرهه الناس. وفيها وافى الأمير أحمد بن بويه من الأهواز بقَصْد قتال البريديّين، فاستأمن إليه جماعةٌ من الدَّيلَم. وفيها استوحش سيف الدَّولة بن حَمدان من التُّرك، وكان يقيم بواسِط يُعمِل الحيلة على البريدي بالبصرة، وفي عَزْمه أن يسير إليه بالأتراك وغيرهم، وضايقه أخوه ناصر الدولة في حَمْل المال، وكان توزون التُّركي [وجوجوخ] (٣) يُسيئان على سيف الدولة

стр. 8038

الأدب، ويُسمعانه ما يكره، ويتَحكَّما عليه حتى ضاق بهما ذَرعًا، فأرسل إليه ناصر الدولة بأبي عبد الله الكوفي وبألف ألف درهم في زَوْرَق. وكان سيف الدولة لمَّا رأى استطالتهما عليه أقطع توزون المَذار وجوجوخ الجامدة (١)، ولم يبق إلا أن يَخرجا، فوصل المال، وطمعوا فيه، وكَبسوا عسكر سيف الدولة ليلًا في شعبان، فهرب في البرية يُريد يغداد، ونهبوا عسكَره والمال. وبلغ ناصرَ الدولة وهو ببغداد، فضرب خيامَه بياب الشمَّاسية، وركب إليه المتقي في طيَّاره، وسأله التوقف، فلما كان يوم الجمعة لأربع خلَون من رمضان سار يُريد الموصلَ، ونُهِبَت داره. وأفلت يانس غلام البريدي إلى البصرة، واستتر الكوفي وأبو بكر بن مقاتل ببغداد، وضَبَط القراريطيُّ [الأمور] من غير اسم الوزارة، وكانت مدّة وزارة أحمد بن عبد الله الأصبهاني أحدًا وخمسين يومًا، ومدة إقامة ناصر الدولة ببغداد ثلاثة عشر شهرًا وأيامًا. ثم اختلف توزون وجوجوخ في الرئاسة، ثم اتَّفقا على أنَّ الرئاسة لتوزون وتقدِمَة الجيش لجوجوخ، ثم وثب توزون على جوجوخ فسمله بواسط، وسكنت الفتنة، واستوزر المتقي أبا الحسين علي بن محمد بن علي بن مُقْلَة. وفيها عاد سيف الدولة مُنهزمًا من واسط إلى بغداد، ونزل بباب الشماسية (٢)، وراسل المتقي يطلب مالًا يقاتل به توزون، فبعث إليه الضيافة أيامًا وأربعَ مئة ألف درهم وخمسين ألف درهم، فانهزم سيف الدولة إلى المَوْصل، وخلع المُتَّقي على توزون، ولقَّبه أميرَ الأُمراء، وصادر توزون الناس بسبب بني حَمدان. وفيها وقعت الوَحشَةُ بين المُتَّقي وتوزون، اتَّهمه بالمَيل إلى بني حمدان حتى فعل به ما فعل، وعاد توزون إلى واسط، وعزل الوزيرَ ابن مُقْلَة، وأخذ منْه مئة ألف دينار، فكانت وزارتُه ثلاثين يومًا، ثم أُعيد إلى الوزارة (٣).

стр. 8039

وفيها خرج خلقٌ كثير من بغداد مع الحاج إلى الشام ومصر خوفًا من اتِّصال الفتن ببغداد [وتواتر المِحَن عليهم. قال الصولي:] وفيها وُلد لأبي طاهر القِرمِطي ولدٌ، فأهدى إليه أبو عبد الله البريدي هدايا عظيمةً، فيها مَهْدُ ذهبٍ مُرَصَّعٌ بالجواهر (١). وكان المُتَّقي قد بعث بخِلَعٍ إلى أحمد بن بُوَيه، فلبسها وسُرَّ بها. وحجَّ بالناس القِرْمِطيّ بالخِفارة، وقيل: لم يحجَّ أحد. وفيها توفي بدرٌ الخَرْشَني كان أميرَ الأمراء ببغداد، فلمَّا تغلَّب ابن رائق عليها خرج إلى الشام، فولَّاه الإخشيدُ دمشقَ سنة ثلاثين، فوَليها شهرَين، وأقام حتى مات، وكان شجاعًا جوادًا. سِنان بن ثابت أبو سعيد، المُتَطَبِّب، والد ثابت الذي صنَّف التاريخ (٢). أسلم على يد القاهر بالله، وكان فاضلًا في الطبِّ وعلومٍ كثيرة، وطب كثيرًا من الخلفاء، وكانت وفاتُه ببغداد في ذي القَعْدة. علي بن إسماعيل ابن أبي بِشْر إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بُرْدَة بن أبي موسى الأشعري، أبو الحسن، البَصْري، المُتَكلِّم (٣). سكن بغداد إلى أن توفّي بها، ومولده سنة ستين ومئتين، تشاغل بعلم الكلام، وكان على مذهب المُعْتَزلة زمانًا طويلًا، ثم عنَّ له مخالفتُهم، وأظهر مقالةً خَبَطَت عقائدَ الناس، وأوجبَت الفتن المتّصلة، وكان الناس لا يختلفون في هذا المسموع أنَّه كلامُ

стр. 8040

الله تعالى، وأنَّ جبريل ينزل به على محمد ﷺ ، والأئمةُ المُعْتَمد عليهم قالوا: إنَّه قديمٌ، والمعتزلة قالوا: إنَّه مخلوقٌ، فوافق الأشعريُّ المعتزلةَ في أنَّه مخلوق، وقال: ليس هذا كلامُ الله، وإنَّما كلامُ الله صفةٌ أزلية قائمةٌ بذات المتكلّم، ما نزل، ولا هو مما يُسمَع، وما زال منذ أظهر هذه المقالة خائفًا على نفسه، حتى استجار بدار أبي الحَسن التميمي حَذَرًا من القتل، ثم تبعه أقوامٌ من السلاطين فتعصَّبوا لمذهبه، وكثُر أتباعُه، حتى تركت الشافعيةُ مُعْتَقدَ الشافعي رحمة الله عليه، ودانوا بقول الأشعري. وقال الأشعري: أقمتُ مُعْتَزلًا أربعين سنة، وكان تلميذَ الجُبَّائي لا يُفارقُه، ويدرُس عليه ويتعلَّم منه، ورجع عن مذهب المُعْتزلة، فطلع يوم الجمعة بعد الصلاة المنبر وبيده شريطٌ، فشدَّ به وَسَطَه، ثم قطعه وقال: اشهدوا أنِّي أتيتُ تائبًا مما كنتُ فيه من القول بالاعتزال. وتوفي ببغداد، ودُفن بمَشْرَعة الرَّوايا، وقبرُه عافٍ لا يُلتفَت إليه. وقال: لمَّا نفَت المعتزلةُ كلام الله وقالوا: إنَّه مخلوقٌ؛ وضعتُ هذه المقالة. وله مقالتان؛ صنَّف كتاب "الإبانة" في أول أمره، وقرَّر فيه مذاهبَ السَّلَف وأهلَ السُّنة، ثم صنَّف المقالة الثانية. وقال الحسن بن علي بن يَزداد: كان الأشعري جالسًا في سطح داره، فبال، فسال بولُه في المِيْزاب، فاجتاز والي البصرة فقطَرَ على ثيابه، فوقف وقال: اهدموا هذه الدار، فسمع أبو الحسن كلامَه، فنزل وفتح الباب وقال: أيها الأميرُ، أنا من ولد رجلٍ بال على الإسلام بسوء رأيه، فأنا أولى مَن عُذِر، فضَحِك الوالي ولم يتعرَّض له. وكان يأكلُ من غَلَّة ضيعةٍ أوقفها جدُّه بلال بن أبي بُرْدَة على عَقِبه، فكانت نفقتُه في كلِّ سنة سبعة عشر درهمًا، وله خمسٌ وخمسون مُصَنَّفًا. وحكي عنه العجائب والغَرائب مما يتعلَّق بالدّيانة، وليس له روايةٌ ولا سمع حديثًا، وتوفي في هذه السنة، وقيل: سنة أربعٍ وعشرين وثلاث مئة (١).

стр. 8041

[وفيها توفي] محمد بن أحمد بن يعقوب أبو بكر، السَّدوسِيّ مولاهم، ويعرف بابن عُصفور (١). بغداديٌّ، وُلد سنة أربع وخمسين ومئتين. [وحكى الخطيب عنه أنه] قال: لما وُلدت قال أبي لأمي: إنَّ المُنَجِّمين قد أخذوا مَولدَ هذا الغلام، وحسبوا أنَّه يعيش كذا وكذا سنة، وقد حسبتُها أيامًا، وقد عَزَمْتُ أن أُعِدَّ له لكلِّ يومٍ دينارًا مدَّةَ عمره، فإنَّ ذلك يكفي الرجل المتوسط ولعياله، فأَعِدِّي حُبًّا، فأعدَّتْه وتركته في الأرض، وملأه دنانير، ثم قال: أعدِّي حُبًّا آخر أملأه مثل هذا [يكون له] استظهارًا (٢)، فأعدَّته، فملأه ودفن الاثنين، فما نَفَعني ذلك من حوادث الزمان، وها أنا على ما ترون، وكان فقيرًا، فكانوا إذا سمعوا عليه يَبَرُّونه بشيء، وكان يأتيهم بغير إزار. وكانت وفاته في ربيع الآخر ببغداد، وكان ثقة [مأمونًا، صدوقًا]. محمد بن عبد الله أبو بكر، الفقيه، الشافعي. له تصانيف في أصول الفقه، روى عنه وَهْب بن مُنَبِّه أنَّه قال: الدَّراهِمُ خَواتيمُ الله في الأرض، فمَن ذهب بخاتم الله قُضِيت حاجتُه (٣). محمد بن عَبْدُوس ابن عبد الله، الجَهْشَيارى، مُصَنِّف كتاب "الوزراء" (٤).

стр. 8042

كان فاضلًا مداخلًا للدول، مات ببغداد في ذي الحجة مستترًا فاستتر أولادُه وحاشيتُه. [وفيها توفي محمد بن مَخْلَد] بن حَفْص أبو عبد الله، الدُّوري، العَطَّار، البغدادي (١). ولد سنة ثلاث وثلاثين ومئتين [، وكان ينزل الدُّور، مَحلَّة في آخر بغداد من الجانب الشرقي أعلى البلد، وقد دَثَرَت فلا عينٌ ولا أَثَر]. وكان عالمًا فاضلًا، واسعَ الرواية، مشهورًا بالديانة، مَذكورًا بالعبادة. [حكى الخطيب عنه أنه] قال: ماتت والدتي، فنزلتُ أَلحِدُها، فانْفَرَجت لي فُرْجَة عن قبرٍ بلزْقها، فإذا رجل عليه أكفان جُدُدٌ، وعلى صدره طاقة نرجس أو ياسمين طَريَّة، فأخذتُها وشَممتُها، فإذا هي أذكى من المِسْك، وشمَّها الجماعة الذين كانوا معي في الجنازة، ثم أعدتُها إلى موضعها، وسَدَدْتُ الفُرْجَة. مات ببغداد في جُمادى الآخرة، وقد أتت عليه ستٌّ وتسعون سنة وثمانية أشهر وأيام. [حدَّث عن يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقي، والحسن بن عَرَفَة، والزُّبير بن بَكَّار، ومسلم بن الحجَّاج، وخلق كثير]، واتَّفقوا على صدقه، وثقته، وزهده، ووَرَعه، وفَهْمه، وحِفْظه.

стр. 8043

السنة الثانية والثلاثون وثلاث مئة (١) فيها قدم أبو جعفر بن شيرزاد إلى بغداد من قبل توزون، وكان توزون بواسِط، فأمر ونهى وحكم على بغداد، فكاتب المُتَّقي بني حَمْدان [بالقدوم عليه، فقدم أبو عبد الله الحسين بن سعيد بن حَمْدان (٢)] في جيش كَثيفٍ، فنزل بباب حَرْب لليلتين خلتا من صفَر، فخرج إليه المُتَّقي وأولادُه وحُرَمُه، والوزير ابن مُقْلَة، وأبو نصر التَّرْجُمان، واستتر ابن شيرزاد، وسار المُتَّقي إلى تَكْريت ظنًّا منه أنَّ ناصر الدولة يَلقاه في بعض الطريق، ويعودون جميعًا إلى بغداد، وظهر ابنُ شيرزاد ببغداد فأمر ونهى، وقدم سيف الدولة ابن حَمْدان على المُتَّقي بتَكْريت، وأشار عليه بالإصعاد إلى الموصل ليتَّفقوا على رأي، فقال المتقي: ما على هذا عاهدتُموني، وتفَلَّل أصحاب المتقي إلى الموصل، وبقي في عدد يسيير مع الحُسين بن حَمْدان. وقدم توزون بغداد، واستعدَّ لقتال بني حَمْدان، وجمع ناصر الدولة جمعًا عظيمًا من بني نُمَير وبني قُشَير وبني كلاب وبني أسد، وانضم إليه ابن مسكويه الكُرْدي في جيش كثيف، وجاء ناصر الدولة إلى تكريت فقال للمتقي: ابعث حُرَمك إلى المَوْصل، فبعثهم في ربيع الأول. وفي يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلةً بقيت منه سار توزون بالأتراك من باب الشَّمَّاسِيَّة إلى عُكْبَرا، وسار سيف الدولة إلى لقائه فالتقوا بعُكْبَرا، واقتتلوا أيامًا، وانهزم بنو حَمْدان إلى الموصل والمتقي معهم، وراسل ناصر الدولة توزون في الصُّلح على يد [ابن] أبي موسى الهاشمي، وكان توزون قد نزل بتكريت، فأقام، وشَغَب أصحابُه، وتسلَّل بعضهم إلى ناصر الدولة بالموصل، وعاد توزون إلى بغداد. وجاء سيف الدولة إلى تكريت، وخرج إليه توزون فالتَقَوا على حَرْبى في شعبان، واقتتلوا، وانهزم سيف الدولة إلى الموصل، وتبعه توزون، فخرج ناصر الدولة وسيف

стр. 8044

الدولة والمُتَّقي وحُرَمه والوزير إلى نَصِيبِين، ودخل توزون إلى الموصل ومعه ابن شيرزاد، فاستخرج منها مئة ألف دينار، ورحل المُتَّقي وبنو حَمْدان إلى الرَّقَّة. وراسل المتقي توزون في الصُّلْح وقال: ما خرجتُ من بغداد وأهلي إلا بلغني أنك اتَّفقت مع البريدي عليَّ، والآن فإنْ آثرتَ رضائي فصالِحْ ناصر الدولة، وأنا أرجع إلى داري. وأشار ابن شيرزاد على توزون بالصُّلح، وتواترت الأخبار من بغداد أنَّ أحمد بن بويه نزل واسِطًا وهو يريد بغداد، فأجاب توزون إلى الصُّلح، ورجع إلى بغداد، وكان السَّفير بينهم يحيى بن سعيد السُّوسي، فحصل له مئة ألف دينار، وعقد توزون البلد على ناصر الدولة ثلاث سنين، بثلاثةِ آلاف ألف درهم وستِّ مئة ألف درهم. وفيها قَتَلَ أبو عبد الله البريدي أخاه أبا يوسف، ثم مات بعده بيسير. وفيها وَلَّى الإخشيدُ الحسين بن لؤلؤ إمرةَ دمشق، فأقام عليها سنةً وشهورًا، ثم نقله إلى حمص واليًا، وولَّى دمشق يانس المؤنسي. وفيها وصل الدُّمُسْتُق إلى رأس العين في ثمانين ألفًا، فقتل وسَبَى خلقًا كثيرًا، وقيل: كان ذلك في السنة الماضية، وقد ذكرناه. وفيها ولَّى ناصر الدولة الحسينَ بنَ سعيد بن حَمْدان قِنَّسرين والعواصم والشام، فسار إلى حلب. وفيها كتب المُتَّقي للإخشيد بمصر أن يَجْهَز إليه، فخرج من مصر، فلمَّا وصل الشام هرب الحُسين بن حَمْدان من حلب، وجاء إلى الرقة فلم يُمكِّنه المتقي من دخولها لأجل سيف الدولة. وفيها بان للمتقي من بني حَمْدان الضَّجَر والمَلَلُ بمقامه عندهم، فراسل توزون على يد محمد بن أبي موسى الهاشمي والحسن بن هارون، وأمرهما أنْ يَستوثقا منه، فأحضر توزون القضاةَ والشهود والعباسيين والطالبيِّين والقُوَّاد وجميع الأشراف والأعيان، وحلف للمتقي على ما اقترحه، وأكثر العُهود والمَواثيق المغلَّظة. وسار الإخشيد من حلب إلى الرَّقَّة، فلما قارَبَها خرج إليه المتقي، فلمَّا رآه الإخشيد ترجَّل، وقبَّل الأرض، ومشى بين يديه، فأمره بالركوب فلم يفعلْ حتى نزل المتقي،

стр. 8045

وحمل إليه الإخشيد من الأموال والهدايا شيئًا كثيرًا، وإلى جميع مَن معه، وبلغه ما يُقرَّر بينه وبين توزون فقال له: يا أمير المؤمنين، أنا عبدك وابن عبدك وربيبُ دولتك، وقد عرفتَ الأتراك وغَدْرَهم وفجورَهم، فالله الله في نفسك، سِرْ معي إلى الشام ثم إلى مصر فهي لك، والدنيا بين يديك، لتأمنَ على نفسك، فلم يقبل، فقال: أقم ها هنا وأُمِدُّك بالأموال والرجال، فلم يسمع منه، فعدل إلى الوزير وقال له: سِرْ معي، وضَمِن له ما أراد، فلم يُجبه مُراعاةً للمتقي، فلمَّا نُكب المتقي، كان ابن مُقْلَة الوزير يقول: يا ليتَني قَبِلتُ نصْحَ الإخشيد. وذكر المسعودي أنَّ الإخشيد لم يقطع الفرات، وإنما عبر المُتَّقي إليه، وجرَت بينهما أيمانٌ وخطوب، ورجع الإخشيد إلى الشام (١). وفيها قُتل حَمْدي (٢) اللّص، كان [لصًّا] فاتكًا، ضمنه ابن شيرزاد أموال الناس ببغداد في كل شهر بخمسة وعشرين ألف دينار، فكان يَكبس بيوت الناس بالشَّمع والمَشاعل، ويأخذ الأموال، ويَفتك بالناس، وكان أسكورَج الدَّيلَمي صاحب شُرطة بغداد، فأخذه، وضرب وَسَطه نصفَين، وأراح الناس منه. ودخل أحمد بن بُوَيه واسِطًا، وهرب أصحابُ البريدي إلى البصرة. وفي شوال قتلَ سيف الدولة محمد بنَ ينال التَّرْجُمان، وكان قد مضى إلى المَوصل من عند المتقي، فقال له: أنت عاملتَ العجم عليَّ، وأردتَ الإمرة لنفسك، فجَحَد وحَلَف، فلما خرج ليركبَ دابَّتَه ضربه غِلمان سيف الدولة بالسُّيوف حتى بَرَد. وفي شوال كان توزون جالسًا ببغداد على سرير الملك، والناس قيامٌ بين يديه، فعرض له صَرَعٌ، فوثب ابن شيرزاد فضرب بينه وبين الناس سِتارةً وقال: قد حدثت للأمير حُمَّى. ولم يحجَّ في هذه السنة أحدٌ لموت القِرْمِطي.

стр. 8046

وفيها توفي أحمد بن محمد ابن سعيد بن عبد الرَّحمن، أبو العباس، الكوفيّ، ويعرَف بابن عُقْدَة، وهو لقبُ أبيه محمد (١). وكان عُقْدَةُ عالمًا فاضلًا وَرِعًا ناسِكًا، علَّم ابن هشام الخزَّاز الأدب، فوجَّه إليه أبوه دنانيرَ، فرَدَّها، فأضعَفَها له فردَّها وقال: ما رَدَدْتُها استقلالًا لها، ولكن سألني الصبيُّ أنْ أُعَلِّمَه القرآنَ، فاختلط تعليمُ النحو بتعليم القرآن، فلا أَستَحِلُّ أنْ آخذَ شيئًا، ولو أعطاني الدنيا بأسرها ما أخذتُها. وأما صاحب هذه الترجمة فوُلد في المحرَّم سنة اثنتين وثلاثين ومئتين (٢)، وكان من أكابر الحفَّاظ، أجمع أهل الكوفة على أنَّه لم يكن من زمن ابن مسعود أكثر منه وأحفظ منه، وكان يحفظ في فضائل أهل البيت خاصةً ثلاث مئة ألف حديث، وكان يقول: أقلُّ شيخ عندي سمعتُ منه مئة ألف حديث، وكانت كتبه ست مئة حِمْل، ومع هذا فقد ذمَّه الناس وتكلَّموا فيه، وكانت وفاته ببغداد في ذي القعدة (٣). [فصل: وفيها توفي] سليمان بن أبي سعيد الجَنَّابي أبو طاهر، القِرْمِطيّ الذي فعل بالحاجِّ ما فعل، واقتلَعَ الحجر الأسود من البيت وحمله إلى هَجَر، وأفنى الخلائق [وقد ذكرنا ذلك] (٤). وكانت وفاتُه بهَجَر في رمضان [بالجُدَرِي]، وبطل الحاج بموته [؛ لأنهم لم يكن لهم مَن يُبَذْرِق لهم].

стр. 8047

وكان الباقي من إخوته ثلاثة، أبو القاسم سعيد، وهو الرئيس الذي يُدبّر الأمورَ، وأبو العباس كان ضعيفًا كثيرَ الأمراض، مشغولًا بقراءة الكتب، وأبو يعقوب يوسف، كان مشغولًا باللَّعب، إلا أنَّهم كانوا متَّفقين على كلمة واحدةٍ ورأي واحد، وكان لهم سبعةُ وزراء من بني سَنْبَر (١). أبو يوسف البريدي (٢) كان يتكبَّر على أخيه أبي عبد الله ويُؤذيه، ويُطلق لسانه فيه، ويعامل أحمد بن بُوَيه وتوزون عليه، وينسبُه إلى الغَدْر والظُّلم، والبُخل والجُبن، فعزم على قَبْضه، فاستدعاه إلى داره بالبصرة، وكان قد أقعد له جماعةً من غلمانه في الدِّهْليز، وأمرهم بقتله، فلمَّا دخل قاموا إليه وضربوه بالسَّكاكين وهو يصيح: يا أخي قتلوني، وأخوه يقول: إلى لعنة الله، ولمَّا قُتِل شَغَب أصحابُه، فأخرجه إليهم مَلْفوفًا في كِساء فسكنوا، ودخل عليه بعضُ إخوته فقال: قتلتَه؟ فقال: اسكُت وإلا ألحقتُك به. ثم مات بعد ثمانية أشهر وثلاثة أيام، وأَخَذَ من ماله بعد قتله ألف ألف دينار عينًا، ومئتي ألف دينار وعشرة آلاف ألف درهم، ومن الكسوة والفُرُش والآلة ما قيمتُه ألفُ ألف دينار وألف رِطْل نَدًّا، وعشرين ألف رطل عود، منها ألفا رطل هنديٍّ، وصادر أصحابَه على ألف ألف دينار، وقيل: إنه قتله بالأُبُلَّة، ودفنه من غير غسل ولا تكفين.

стр. 8048

السنة الثالثة والثلاثون وثلاث مئة (١) فيها سُمِل المُتَّقي ووُلِّي المستكفي. قد ذكرنا أنَّ توزون حلف للمتقي على ما أراد منه، واستوثق بالأيمان، ولمَّا كان يوم الخميس رابع محرَّم توجَّه المتقي من الرَّقَّة إلى بغداد، فلمَّا وصل هِيت أقام بها، وبعث القاضي أبا الحسن بن عبد الله الخِرَقي إلى توزون، فأعاد الأيمان عليه، وخرج توزون فأقام ببَثْق السِّنْدية، وتقدَّمه ابن شيرزاد، فالتقى المُتَّقي على بَثْق السِّندية، ترجَّل وقبَّل الأرض، فأمرَه بالركوب فلم يفعل، ومشى بين يديه إلى المِضْرَب الذي ضربه له على بثق السِّندية، فلمَّا نزل قبض عليه وعلى ابن مُقْلَة ومَن كان معه، ثم كَحَلَه، فصاح المُتَّقي وصاح النساء، فأمر توزون بضَرْب الدَّبادِب حولَ المضرب فخَفِيَت الأصواتُ، وأُدخل بغداد مَسْمولَ العينين، وقد أخذ منه الخاتم والبُرْدَة والقَضيب، وبلغ القاهرَ فقال: صِرْنا اثنَين ونحتاجُ إلى ثالث، يُعَرِّض بالمُسْتكفي، فكان كما قال، سُمِل بعد قليل. وقال ثابت بن سنان: نزل توزون في نهر عيسى، وابن شيرزاد على شاطئ الفرات من الأنبار، وأقبلت خزائنُ المتقي والوزير والناس على طبقاتهم، فأقبلت غَبَرةٌ عظيمة من ناحية الأنبار، وإذا بتوزون قد أقبل، والمتقي قد نزل من مضربه، فركب فالتقاه، فلمَّا رآه توزون ترَجَّل وقَبَّل الأرض، ثم سار بين يديه، ووكَّل به جماعةً من الدَّيلَم والأتراك وبالوزير، حتى أنزلوهم في مِضرب المتقي ووالدته وحُرَمه، وأذن للجماعة في الانحدار إلى السِّنْدِيَّة، ونُهِبَت خزائنُ المتقي. وكان توزون قد بعث إلى بغداد فأحضر عبد الله بن المكتفي، وبايعه بالخلافة، ولُقِّب: المُسْتَكْفي بالله، وسلَّم توزونُ المتقي إلى المُستكفي، فبايعه المتقي، وأشهدَ على نفسه بالخَلْع، وذلك في يوم السبت لعشرٍ بقين من المحرَّم، ثم أُخرج المتقي إلى جزيرة مقابل السِّندية، فسُمل حتى سالت عيناه في يوم خلعه، وقيل: إنما خُلع لعشرٍ بقين من صفر، ولم يَحُل الحولُ على توزون حتى مات.

стр. 8049

الباب الثاني والعشرون في خلافة المستكفي عبد الله بن المكتفي وكنيته أبو القاسم، وأمه أمُّ وَلَدٍ يقال لها: عَبْدَة، مُوَلَّدة، وقيل: رُومية، وقيل: عربية، وقيل: اسمُها غُصْن، لم تُدرك خلافتَه، بويع في يوم خلع ابن عمه المتقي، وعمُره يومئذ إحدى وأربعون سنة وسبعةُ أيام، سنُّ أبي جعفر المنصور لمَّا ولي الخلافة؛ لأنَّه وُلد في صفر سنة ستٍّ وتسعين ومئتين، وقيل: سنة اثنتين وتسعين، وكانت له بيعتان، إحداهما هذه، والثانية ببغداد يوم الاثنين لسبعٍ بقين من صفر، نزل من السِّنْدِيَّة في طَيَّار إلى بغداد، وعلى رأسه توزون وابن شيرزاد، وبويع ببغداد البيعة العامة، وخَلَع على توزون وطَوَّقه وسوَّره، وجعل له كُرسيًّا يجلس عليه. وكان مَليحَ الوجه، رَبْعةً من الرجال، مُعْتَدِلَ الجسم، أبيضَ مُشربًا بحُمْرة، خفيفَ العارِضَين. وكان السبب في خلافته: أنَّ بعض الدَّيالمة تزوَّج امرأةً من أهل بغداد، وكان الدَّيلَميُّ خَصِيصًا بتوزون، فقالت له المرأة يومًا: هل لك بشيءٍ تَسْفِر فيه، يكون فيه صلاحُ الأمير وصلاحُك وصلاحُ الأمة، قال: وما هو؟ قالت: هذا الخليفة المتقي قد عاداكم، فتارةً يَستَنصرُ عليكم ببني حَمْدان، وتارةً ببني بُوَيه، وقد اجتهد في بَواركم فلم يتمَّ له ذلك، وها هنا رجلٌ من أولاد الخلفاء، عاقلٌ لَبيبٌ، ومن صفته كذا وكذا، فإن ولَّيتُموه الخلافَةَ يثير لكم أموالًا عظيمةً، وتخلُصون من عدوٍّ تخافونه، فقال لها: من أين لك هذا؟ فقالت: أعرفُ امرأةً تُدبِّر هذا الأمر. وجاءته بامرأةٍ من أهل شيراز، فكلَّمته بالفارسية والعربية، وعرَّفته أنَّه عبد الله بن المُكْتَفي، وأنَّه يُعطي توزون ستَّ مئة ألف دينار، يُعجِّل له منها بمئتي ألف دينار، ويعطي الرجل مالًا.

стр. 8050

فجاء الرجل فأخبر توزون، وجمع بينه وبين المستكفي سرًّا، وغيَّرت الشِّيرازِيَّةُ اسمَها وجعلته عَلَمًا، وصارت قَهْرَمانةَ الخليفة، واستولَت على أمره، ولمَّا سَمَله أحمد بن بُوَيه سَمَل القَهْرَمانة وقطع لسانَها (١). ذكر سيرة المتقي: كان كثيرَ العبادة والصيام والصَّلاة، وما شَرب مُسكِرًا قطُّ، وقطع دواوين النُّدَماء والمُغنِّين، وكسر المَلاهي ونفى أهلَها، واجتمعت في أيامه إسحاقات كثيرة سحقت الخلافة، منها وقوعُ رأس القُبَّة الخضراء، وكان يُكْنى أبا إسحاق، ووزيرُه القَراريطي يُكنى أبا إسحاق، وقاضيه الخِرَقي يُكنى أبا إسحاق (٢)، ومُحْتَسِبه ابن بَطْحاء يُكْنى أبا إسحاق، وصاحب شُرطته [أبو إسحاق بن أحمد، وكانت داره القديمة في دار إسحاق ابن] إبراهيم المُصْعَبي (٣) يُكنى أبا إسحاق، وكان يَسكن دار إسحاق بن كَنْداج، وكَفَّ عن كثيرٍ مما كان يَرتَكبه مَن تقدَّمه، وكان فيه وَفاءٌ وقَناعة. وكانت خلافتُه ثلاثَ سنين وأحد عشر شهرًا وعشرين يومًا، وعاش طويلًا بعد خَلْعه وسَمْله خمسًا وعشرين سنة، وقيل: أربعًا وعشرين سنةً؛ لأنَّه مات سنة سبع وخمسين وثلاث مئة وعمُره ستون سنة. ولمَّا ولي الخلافة أقرَّ سليمان بن الحسن بن مَخْلَد على الوزارة، ثم استوزر أحمد بن مَيمون، ثم القَراريطي، ثم أبا العباس أحمد بن عبد الله الأصبهاني (٤)، ثم البريدي، ثم أبا الحسين علي بن محمد بن مُقْلَة، قال المصنِّف ﵀: وزر للراضي، وتوفي في هذه السنة الماضية (٥). وفيها استولى أحمد بن بُوَيه على الأهواز والبصرة وواسِط في غيبة توزون، وخرج إليه توزون، وجاء أحمد فالتقَوا على دَيالى، وما زال الحرب بينهما تسعة أشهر،

стр. 8051

وهي كلُّها على توزون، والصَّرَع يعتريه، فقَطَع الجسر الذي على ديالى بينه وبين أحمد بن بويه، وضاق بابن بويه الحال، وتعذَّر عليه الطَّعام والعَلَف، فرجع إلى الأهواز، وصُرع توزون في ذلك اليوم، فعاد إلى بغداد مَشغولًا بنفسه. واستقام أمرُ المستكفي ظاهرًا، وهو في الباطن مقهور، واستوزر أبا الفرج محمد بن علي السَّامَرِّي لستٍّ بقين من صفر، فأقام أربعين يومًا، ثم صرفه توزون بعد أن صادره على ثلاث مئة ألف دينار، فكانت وزارته أربعين يومًا، ثم استوزر أبا جعفر بن شيرزاد بإشارة توزون، وأطلق توزون الوزيرَ ابن مُقْلَة بعد أن صادره بثلاثين ألف دينار. وفيها سار سيف الدولة ابن حَمْدان إلى حلب فمَلَكَها، وكان أميرُها يانس المؤنسي، فخرج منها إلى مصر، وجهَّز الإخشيد جيشًا إلى سيف الدولة، فالتقوا على الرَّسْتَن، ثم سار إلى دمشق فملكها، وجاء الإخشيد فنزل طَبَرَيَّة، فتسلَّل أكثرُ أصحاب سيف الدولة إلى الإخشيد، فخرج سيف الدولة إلى حلب، فجمع القبائل من العرب وحَشد، وسار إليه الإخشيد، والتقَوا على قِنَّسْرِين، واقتتلوا، فهزمه الإخشيد، فهرب إلى الرَّقَّة، ودخل الإخشيد حلب. ولم يحجَّ أحدٌ من العراق، ووقف بالناس عمر بن الحسن بن عبد العزيز الهاشمي. واشتدَّ الغَلاء ببغداد، فهرب الرجال إلى البلاد وبقي النساء، فكُنَّ المُخَدَّرات يَخرُجْنَ عشرين عشرين من بيوتهن، مُعْتَمِداتٍ بعضُهن على البعض يصِحْن: الجوعَ الجوعَ، فإذا سقطَت واحدةٌ منهنَّ سقطت الباقيات موتى. وفيها توفي أحمد بن محمد أبو عبد الله، البَريدي، المُتَغَلِّب على الأهواز والبصرة وغيرها (١). وهو الذي قتل أخاه لأنَّه طلب منه مالًا فلم يُعطه، فقتله.

стр. 8052

وَزَرَ البريدي للمُتَّقي، واستولى على واسِط، ولم يُمَتَّع بالحياة بعد أخيه، وأخذته الحُمَّى في الدار التي قتله فيها، فدامت به سبعة أيام مُطْبِقةً، ومات في اليوم الثامن من شَوَّال. وقام أخوه أبو الحسين مُقامَه، وكان له جيشٌ بنهر الأمير مقابلًا لأحمد بن بُوَيه، وعسكرٌ آخر بمَطارا، وكان المُقَدَّم على العساكر يانس مولى البريدي، وكان بينه وبين أبي الحُسين مُبايَنةٌ في الباطن، والجُندُ يميلون إلى يانس، فلمَّا تمكَّن أبو الحسين استطال على الدَّيلَم والتُّرْك، وحَطَّ من أقدارهم، فشَكَوه إلى يانس، فقال يانس لأبي القاسم بن أبي عبد الله البريدي: إنْ كان عندك مالٌ عَقَدْتُ الرئاسة لك، وأزَلْتُ عمَّك عنها، فقال: عندي ثلاثُ مئة ألف دينار، فأخذها يانس، فأصلح بها قلوبَ العَسْكر، وعقد لأبي القاسم. وقصدوا أبا الحسين ليقتلوه فهرب ليلًا من تحت الكِلَّة ماشيًا مُتَنكِّرًا إلى هَجَر، فاستجار بالقَرامِطة فأجاروه، وبعثوا معه جيشًا إلى البصرة، واحترز أبو القاسم منهم، فأقاموا مدَّةً فضَجِروا، فأصلحوا بين أبي الحسين وابن أخيه على أنْ يدخلَ أبو الحسين البصرة، ثم أصعد إلى بغداد. وطمع يانس في الملك، فواطأ الدَّيلَم على قتل أبي القاسم، وعلم أبو القاسم، فاحتال حتى قبض على يانس، فقتله، وأخذ منه مئة ألف دينار، واستقام الأمر لأبي القاسم. [وفيها توفي] عَمرو بن جامع بن عمرو أبو الحسن، الكوفي (١). سكن دمشق [وحدَّث بها، قال الحافظ ابن عساكر: كان ينزل] بباب البريد، ومات بدمشق في شوال. [حدَّث عن عمران بن موسى الطَّرَسوسي، وروى عنه أبو الحسين الرازي وغيره.]

стр. 8053

روى عنه ابن عساكر حكايةً أسندها قال: كان في زمن عمر بن الخطاب ﵁ شابٌّ مُتَعبِّدٌ، قد لزم المسجد، وكان عمر مُعْجَبًا به، وكان له أبٌ شيخ كبير، وكان إذا صلى العتمة انصرف إلى أبيه، وكان على طريقه امرأة، فافتُتِنت به، فكانت تتعرَّضُ له، فما زالت تُغويه حتى تَبِعها ليلةً، فلمَّا أتت باب بيتها دخلت، فذهب ليدخل خلفها فذكر الله، ومرَّت على لسانه ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ الآية [الأعراف: ٢٠١] فوقع مَغْشيًّا عليه على بابها، فتعاونت المرأة وجاريتها عليه، فحَملاه إلى باب بيته، وخرج أبوه فرآه، فلمَّا أفاق سأله عن حاله فأخبره، فلمَّا أفاق قال: يا أبت، تذكَّرتُ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ ثم غُشي عليه مرةً ثانية، فحرَّكوه فإذا به مَيِّت. وبلغ عمر رضوان الله عليه، فجاء إلى أبيه يُعزِّيه وقال: هلَّا آذَنْتَني به، فقال: يا أمير المؤمنين كان الليل، فذهب عمر إلى قبره ومعه أبوه، فناداه: يا فلان ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦] فأجابه الفتى من القبر: يا عمر، قد أعطانيهما ربِّي في الجنة مرَّتين (١).

стр. 8054

السنة الرابعة والثلاثون وثلاث مئة (١) فيها توفِّي توزون التُّركي بهِيْت، وكان معه كاتبُه أبو جعفر بن شيرزاد، فطمع في المملكة، وحَلَّف العساكر لنفسه، فنزل باب حَرْب، وخرج إليه الدَّيلَم وباقي الجُند، وبعث إليه المستكفي بالإقامات وخِلَعٍ بيض، ولم يكن معه مال، وضاق ما بيده، فشَرَع في مُصادرات الناس، وأخذ من الكُتَّاب والتُّجَّار الأموال، وسلَّط الدَّيلَم والتُّرْكَ على الناس، وتجرَّد لإيذاء الخلق، وهرب أعيان أهل بغداد، وانقطعَ الجَلَب عنها فخَرِبَت. وفيها تمَّ الصُّلْح بين سيف الدولة والإخشيد، على أن تكون حمص وحلب وأنطاكية لسيف الدولة، ومصر والشام للإخشيد، وتزوَّج سيف الدولة بنتًا لعُبيد الله بن طُغْج أخي الإخشيد. وفيها لقَّب المُسْتَكفي نفسَه إمام الحقِّ، وضرب ذلك على الدَّراهم والدَّنانير (٢). وفيها قصد مُعزُّ الدولة أحمد بن بُوَيه بغداد، فلمَّا نزل باجِسْرى استتر المستكفي وابن شيرزاد، وسار التُّرك إلى المَوْصل، وبقي الدَّيلَم ببغداد، ثم ظهر الخليفة وعاد إلى داره، ونزل أحمد بن بُوَيه بباب الشَّمَّاسِيَّة، وبعث إليه الخليفة بالهدايا والإقامات، وأقام ابن شيرزاد على استتاره -وكان الخليفة يكرهه- فبعث معزُّ الدولة إلى الخليفة يسألُه فيه، وأن يأذن له في استكتابه، فلمَّا ألحَّ عليه أجابه. وفي يوم الخميس لأربع عشرة بقيت من جُمادى الأولى دخل أحمد بن بُوَيه من باب الشماسيَّة إلى دار الخلافة، ووقف بين يدي الخليفة طويلًا، وأُخِذَت عليه البيعةُ، واستُحلف بالأيمان المُغَلَّظة، وأُدخِلَت القهرمانةُ في اليمين، وجماعةٌ من الخواص، وكُتبت نُسَخُ الأيمان، وشهد القضاة والعدول والأشراف في النسخ. ثم خَلَع الخليفة على أحمد بن بُوَيه خِلَع السَّلْطَنة (٣)، ولُقِّب مُعِزَّ الدولة، ولُقِّب أخوه أبو الحسن علي عمادَ الدولة، وأخوه أبو علي الحسن رُكْنَ الدولة، وضُربت

стр. 8055

ألقابُهم على الدنانير والدراهم، ونزل مُعزّ الدولة دارَ مؤنس، [ونزل] الدَّيلَم في دور الناس وأخرجوهم من منازلهم. وظهر ابن شيرزاد، واجتمع بمعزِّ الدولة، وقرَّر معه أشياء، وقَرَّر للخليفة كلَّ يوم برَسْم النَّفَقَة خمسةَ آلاف درهم، وكتب مُعزُّ الدولة إلى ناصر الدولة بأن يحمل إليه من المَوْصل ما كان يحمله إلى مَن تقدمه من المال. وأحمد بن بويه أولُ مَن ملك العراق من الدَّيلَم، [وحكى القاضي علي بن المُحَسِّن عن أبيه: أنَّ مُعِزَّ الدولة] أولُ مَن أظهر ببغداد السُّعاة والصِّراع؛ وذلك لأنَّه احتاج إلى السُّعاة ليجعلهم فُيُوْجًا بينه وبين أخيه رُكْن الدولة إلى الرَّي، فيقطعون تلك المسافةَ البعيدة في مدَّةٍ قريبة، وأعطى على ذلك الأموال، فانْهَمَك أحداثُ بغداد وصغارهم على ذلك، أسلمهم آباؤهم، ونشأ لمعزِّ الدولة ركابيان: فَضْل ومَرْعوش، كلُّ واحد يمشي في كلِّ يوم [ستة وثلاثين فَرْسَخًا من طلوع الشمس إلى غروبها، يتردَّدون] ما بين عُكبَرا وبغداد. وكان يجمع (١) المُصارِعين في المَيدان بحضرته، ويُقيم خَشَبة يُعلِّق عليها الثِّيابَ الدِّيباجَ والعَتَّابي (٢) وغيرهما، وأكياس الدَّراهم، ويجمع على سُور المَيدان المخانيث بالطُّبول والزُّمور والدَّبادِب، ويأذن للعامة فيدخلون الميدان، فمَن غَلَب أعطاه الدراهم والثياب. وشرع في تعليم السِّباحة، فكان السَّابحُ يَسبح قائمًا وبيده كانونٌ فوقه حطَبٌ وعليه قِدْر، فيوقَدُ وهو يسبح حتى يَنْضَج اللحمُ، ويأكل منه إلى أن يصل إلى دار السُّلطان. وفيها ولَّى الخليفةُ القاضي أبا السائب عُتْبَة بن عُبيد الله القضاءَ في الجانب الشرقي، وأقرَّ القاضي أبا طاهر على الجانب الغربي.
следующие страницы →