وهي كلُّها على توزون، والصَّرَع يعتريه، فقَطَع الجسر الذي على ديالى بينه وبين أحمد بن بويه، وضاق بابن بويه الحال، وتعذَّر عليه الطَّعام والعَلَف، فرجع إلى الأهواز، وصُرع توزون في ذلك اليوم، فعاد إلى بغداد مَشغولًا بنفسه.
واستقام أمرُ المستكفي ظاهرًا، وهو في الباطن مقهور، واستوزر أبا الفرج محمد بن علي السَّامَرِّي لستٍّ بقين من صفر، فأقام أربعين يومًا، ثم صرفه توزون بعد أن صادره على ثلاث مئة ألف دينار، فكانت وزارته أربعين يومًا، ثم استوزر أبا جعفر بن شيرزاد بإشارة توزون، وأطلق توزون الوزيرَ ابن مُقْلَة بعد أن صادره بثلاثين ألف دينار.
وفيها سار سيف الدولة ابن حَمْدان إلى حلب فمَلَكَها، وكان أميرُها يانس المؤنسي، فخرج منها إلى مصر، وجهَّز الإخشيد جيشًا إلى سيف الدولة، فالتقوا على الرَّسْتَن، ثم سار إلى دمشق فملكها، وجاء الإخشيد فنزل طَبَرَيَّة، فتسلَّل أكثرُ أصحاب سيف الدولة إلى الإخشيد، فخرج سيف الدولة إلى حلب، فجمع القبائل من العرب وحَشد، وسار إليه الإخشيد، والتقَوا على قِنَّسْرِين، واقتتلوا، فهزمه الإخشيد، فهرب إلى الرَّقَّة، ودخل الإخشيد حلب.
ولم يحجَّ أحدٌ من العراق، ووقف بالناس عمر بن الحسن بن عبد العزيز الهاشمي.
واشتدَّ الغَلاء ببغداد، فهرب الرجال إلى البلاد وبقي النساء، فكُنَّ المُخَدَّرات يَخرُجْنَ عشرين عشرين من بيوتهن، مُعْتَمِداتٍ بعضُهن على البعض يصِحْن: الجوعَ الجوعَ، فإذا سقطَت واحدةٌ منهنَّ سقطت الباقيات موتى.
وفيها توفي
أحمد بن محمد
أبو عبد الله، البَريدي، المُتَغَلِّب على الأهواز والبصرة وغيرها (١).
وهو الذي قتل أخاه لأنَّه طلب منه مالًا فلم يُعطه، فقتله.
стр. 8052
وَزَرَ البريدي للمُتَّقي، واستولى على واسِط، ولم يُمَتَّع بالحياة بعد أخيه، وأخذته الحُمَّى في الدار التي قتله فيها، فدامت به سبعة أيام مُطْبِقةً، ومات في اليوم الثامن من شَوَّال.
وقام أخوه أبو الحسين مُقامَه، وكان له جيشٌ بنهر الأمير مقابلًا لأحمد بن بُوَيه، وعسكرٌ آخر بمَطارا، وكان المُقَدَّم على العساكر يانس مولى البريدي، وكان بينه وبين أبي الحُسين مُبايَنةٌ في الباطن، والجُندُ يميلون إلى يانس، فلمَّا تمكَّن أبو الحسين استطال على الدَّيلَم والتُّرْك، وحَطَّ من أقدارهم، فشَكَوه إلى يانس، فقال يانس لأبي القاسم بن أبي عبد الله البريدي: إنْ كان عندك مالٌ عَقَدْتُ الرئاسة لك، وأزَلْتُ عمَّك عنها، فقال: عندي ثلاثُ مئة ألف دينار، فأخذها يانس، فأصلح بها قلوبَ العَسْكر، وعقد لأبي القاسم.
وقصدوا أبا الحسين ليقتلوه فهرب ليلًا من تحت الكِلَّة ماشيًا مُتَنكِّرًا إلى هَجَر، فاستجار بالقَرامِطة فأجاروه، وبعثوا معه جيشًا إلى البصرة، واحترز أبو القاسم منهم، فأقاموا مدَّةً فضَجِروا، فأصلحوا بين أبي الحسين وابن أخيه على أنْ يدخلَ أبو الحسين البصرة، ثم أصعد إلى بغداد.
وطمع يانس في الملك، فواطأ الدَّيلَم على قتل أبي القاسم، وعلم أبو القاسم، فاحتال حتى قبض على يانس، فقتله، وأخذ منه مئة ألف دينار، واستقام الأمر لأبي القاسم.
[وفيها توفي]
عَمرو بن جامع بن عمرو
أبو الحسن، الكوفي (١).
سكن دمشق [وحدَّث بها، قال الحافظ ابن عساكر: كان ينزل] بباب البريد، ومات بدمشق في شوال.
[حدَّث عن عمران بن موسى الطَّرَسوسي، وروى عنه أبو الحسين الرازي وغيره.]
стр. 8053
روى عنه ابن عساكر حكايةً أسندها قال: كان في زمن عمر بن الخطاب ﵁ شابٌّ مُتَعبِّدٌ، قد لزم المسجد، وكان عمر مُعْجَبًا به، وكان له أبٌ شيخ كبير، وكان إذا صلى العتمة انصرف إلى أبيه، وكان على طريقه امرأة، فافتُتِنت به، فكانت تتعرَّضُ له، فما زالت تُغويه حتى تَبِعها ليلةً، فلمَّا أتت باب بيتها دخلت، فذهب ليدخل خلفها فذكر الله، ومرَّت على لسانه ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ الآية [الأعراف: ٢٠١] فوقع مَغْشيًّا عليه على بابها، فتعاونت المرأة وجاريتها عليه، فحَملاه إلى باب بيته، وخرج أبوه فرآه، فلمَّا أفاق سأله عن حاله فأخبره، فلمَّا أفاق قال: يا أبت، تذكَّرتُ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ ثم غُشي عليه مرةً ثانية، فحرَّكوه فإذا به مَيِّت.
وبلغ عمر رضوان الله عليه، فجاء إلى أبيه يُعزِّيه وقال: هلَّا آذَنْتَني به، فقال: يا أمير المؤمنين كان الليل، فذهب عمر إلى قبره ومعه أبوه، فناداه: يا فلان ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦] فأجابه الفتى من القبر: يا عمر، قد أعطانيهما ربِّي في الجنة مرَّتين (١).
стр. 8054
السنة الرابعة والثلاثون وثلاث مئة (١)
فيها توفِّي توزون التُّركي بهِيْت، وكان معه كاتبُه أبو جعفر بن شيرزاد، فطمع في المملكة، وحَلَّف العساكر لنفسه، فنزل باب حَرْب، وخرج إليه الدَّيلَم وباقي الجُند، وبعث إليه المستكفي بالإقامات وخِلَعٍ بيض، ولم يكن معه مال، وضاق ما بيده، فشَرَع في مُصادرات الناس، وأخذ من الكُتَّاب والتُّجَّار الأموال، وسلَّط الدَّيلَم والتُّرْكَ على الناس، وتجرَّد لإيذاء الخلق، وهرب أعيان أهل بغداد، وانقطعَ الجَلَب عنها فخَرِبَت.
وفيها تمَّ الصُّلْح بين سيف الدولة والإخشيد، على أن تكون حمص وحلب وأنطاكية لسيف الدولة، ومصر والشام للإخشيد، وتزوَّج سيف الدولة بنتًا لعُبيد الله بن طُغْج أخي الإخشيد.
وفيها لقَّب المُسْتَكفي نفسَه إمام الحقِّ، وضرب ذلك على الدَّراهم والدَّنانير (٢).
وفيها قصد مُعزُّ الدولة أحمد بن بُوَيه بغداد، فلمَّا نزل باجِسْرى استتر المستكفي وابن شيرزاد، وسار التُّرك إلى المَوْصل، وبقي الدَّيلَم ببغداد، ثم ظهر الخليفة وعاد إلى داره، ونزل أحمد بن بُوَيه بباب الشَّمَّاسِيَّة، وبعث إليه الخليفة بالهدايا والإقامات، وأقام ابن شيرزاد على استتاره -وكان الخليفة يكرهه- فبعث معزُّ الدولة إلى الخليفة يسألُه فيه، وأن يأذن له في استكتابه، فلمَّا ألحَّ عليه أجابه.
وفي يوم الخميس لأربع عشرة بقيت من جُمادى الأولى دخل أحمد بن بُوَيه من باب الشماسيَّة إلى دار الخلافة، ووقف بين يدي الخليفة طويلًا، وأُخِذَت عليه البيعةُ، واستُحلف بالأيمان المُغَلَّظة، وأُدخِلَت القهرمانةُ في اليمين، وجماعةٌ من الخواص، وكُتبت نُسَخُ الأيمان، وشهد القضاة والعدول والأشراف في النسخ.
ثم خَلَع الخليفة على أحمد بن بُوَيه خِلَع السَّلْطَنة (٣)، ولُقِّب مُعِزَّ الدولة، ولُقِّب أخوه أبو الحسن علي عمادَ الدولة، وأخوه أبو علي الحسن رُكْنَ الدولة، وضُربت
стр. 8055
ألقابُهم على الدنانير والدراهم، ونزل مُعزّ الدولة دارَ مؤنس، [ونزل] الدَّيلَم في دور الناس وأخرجوهم من منازلهم.
وظهر ابن شيرزاد، واجتمع بمعزِّ الدولة، وقرَّر معه أشياء، وقَرَّر للخليفة كلَّ يوم برَسْم النَّفَقَة خمسةَ آلاف درهم، وكتب مُعزُّ الدولة إلى ناصر الدولة بأن يحمل إليه من المَوْصل ما كان يحمله إلى مَن تقدمه من المال.
وأحمد بن بويه أولُ مَن ملك العراق من الدَّيلَم، [وحكى القاضي علي بن المُحَسِّن عن أبيه: أنَّ مُعِزَّ الدولة] أولُ مَن أظهر ببغداد السُّعاة والصِّراع؛ وذلك لأنَّه احتاج إلى السُّعاة ليجعلهم فُيُوْجًا بينه وبين أخيه رُكْن الدولة إلى الرَّي، فيقطعون تلك المسافةَ البعيدة في مدَّةٍ قريبة، وأعطى على ذلك الأموال، فانْهَمَك أحداثُ بغداد وصغارهم على ذلك، أسلمهم آباؤهم، ونشأ لمعزِّ الدولة ركابيان: فَضْل ومَرْعوش، كلُّ واحد يمشي في كلِّ يوم [ستة وثلاثين فَرْسَخًا من طلوع الشمس إلى غروبها، يتردَّدون] ما بين عُكبَرا وبغداد.
وكان يجمع (١) المُصارِعين في المَيدان بحضرته، ويُقيم خَشَبة يُعلِّق عليها الثِّيابَ الدِّيباجَ والعَتَّابي (٢) وغيرهما، وأكياس الدَّراهم، ويجمع على سُور المَيدان المخانيث بالطُّبول والزُّمور والدَّبادِب، ويأذن للعامة فيدخلون الميدان، فمَن غَلَب أعطاه الدراهم والثياب.
وشرع في تعليم السِّباحة، فكان السَّابحُ يَسبح قائمًا وبيده كانونٌ فوقه حطَبٌ وعليه قِدْر، فيوقَدُ وهو يسبح حتى يَنْضَج اللحمُ، ويأكل منه إلى أن يصل إلى دار السُّلطان.
وفيها ولَّى الخليفةُ القاضي أبا السائب عُتْبَة بن عُبيد الله القضاءَ في الجانب الشرقي، وأقرَّ القاضي أبا طاهر على الجانب الغربي.
стр. 8056
وفيها خُلع المُستكفي وسُمِل، وسببُ ذلك: أنَّ عَلَمَ القَهْرَمانة عَملت دعوةً عظيمة حضرها خرشيد الكوهي الدَّيلَمي، وكان مُقَدَّم الدَّيلَم، وجماعة من القواد، فاتَّهمها معزُّ الدولة، وخاف أنْ تفعل كما فعلَت مع توزون، وتُحلِّف الدَّيلَمَ للمستكفي، وتَزول رئاستُه.
وكان أصفهدوست الدَّيلَمي من كبارهم قد شَفَع إلى الخليفة في رجل شيعي من أهل باب الطَّاق يقال له: الشافعي، كان يُثير الفِتَن، فلم يقبل الخليفةُ شفاعتَه، فحقد على الخليفة، وقال لمعز الدولة: إنَّ الخليفةَ راسلني في أمرك، وأن ألقاه في الليل مُتنكِّرًا، فزاد ذلك مُعزّ الدولة سوءَ ظنٍّ.
فلما كان يوم الخميس لثمان بقين من جُمادى الآخرة -أو لثلاث بقين منه- دخل معزُّ الدولة على الخليفة وهو جالسٌ على سريره، فوقف على عادته، والناس وقوف على مَراتبهم، فتقدَّم رجلان من الدَّيلَم، وطلبا من الخليفة الرِّزقَ، فمدَّ يده إليهما ظنًّا منه أنَّهما يريدان تقبيلها، فجذباه من السَّرير، وطرحاه إلى الأرض، ووضعا عِمامتَه في عُنقه وجرَّاه.
ونهض معزُّ الدولة، واضطرب الناسُ، وهجم الدَّيلَم دارَ الخليفة، ودخلوا على الحُرَم ونهبوها، وقبضوا على القَهْرَمانة وخواصِّ الخليفة، ومضى مُعزُّ الدولة إلى دار مؤنس، وساقوا المستكفي ماشيًا من قصره إلى دار مؤنس، ولم يبق في دار الخليفة شيءٌ، وخُلع المستكفي من الخلافة، وسُمِلَت عيناه يوم خَلْعه، فكانت خلافتُه سنة وأربعة أشهر ويومين، وتوفي بعد خَلْعه في ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين وسنُّه ستٌّ وأربعون سنة وشهران.
وقال المسعودي: لمَّا وَلي المستكفي الخلافةَ اجتهد في تحصيل الفَضْل بن المُقْتَدر، فلم يقدر عليه، وكان قد استتر، فهدم دارَه، وأخرب جميع ما كان فيها، وقطع أشجار بساتينه، وكان بينهما عَداوةٌ شديدة، وكان المستكفي خائفًا منه أن يَلي الخلافة ويُسلَّم إليه ليحكم فيه بما يريد، فما نفعه حَذَرٌ، وسُلِّم إليه، فسَمَله وفعل به ما أراد (١).
стр. 8057
الباب الثالث والعشرون في خلافة المطيع لله أبو القاسم الفضل بن جعفر المقتدر
وأمُّه مَشْعلة (١)، وقيل: ضرار، أمُّ ولد، أدركت خلافتَه.
بويع في اليوم الذي خُلِع فيه المستكفي، وهو يوم الخميس لثمان بقين من جُمادى الآخرة، وسنُّه يومئذ ثلاثٌ وثلاثون سنة وخمسةُ أشهر وأيام؛ لأنَّ مولده لستٍّ بقين من المحرَّم سنة إحدى وثلاث مئة، وهو ابن عمِّ المستكفي لَحًّا (٢).
وأُحضر المستكفي، فسلَّم عليه بالخلافة، وأشهد على نفسه بالخَلْع، ثم سُمِل واعتُقِل في دار الخلافة، وصادر المطيعُ خواصَّه، وأخذ منه ألوفًا كثيرة، ووصل العباسيين والعلويين في يوم واحد بنيِّفٍ وثلاثين ألف دينار، واستبدَّ بالأمور ابن شيرزاد (٣).
وفيها اشتدَّ الغَلاء ببغداد في شعبان، وأكل الناس الجِيَف والرَّوْث، وماتوا على الطُّرُقات، فكانت الكلاب تأكلُ لحومهم، وبيع العقار بالرُّغْفان (٤)، ووُجِدت امرأةٌ عَلَويَّة قد سَرَقت صبيًّا، وشَوَته في تَنُّور وهو حَيّ، وأكلت بعضَه، فقُتلت، ووجدت امرأة علوية قد شقَّت صَبيةً نصفين، وطَبخت نصفَها سِكْباجًا، والنِّصف الآخر بماء وملح، فذَبحها الدَّيلَم، وخرج الناس هاربين إلى البصرة [وواسط]، فمات أكثرهم في الطريق.
وكثر القَمْلُ في الغِلال والثِّمار، فيئس الناس من غِلالهم وثمارهم، فأرسل الله تعالى طَيرًا على جِرْم العصفور أصفر، فكان يلتقط القَمْل من الزَّرع والثِّمار حتى أفناه، واشتدَّ الحصار من جانبي بغداد، فاشتُري لمعز الدولة [كُرُّ] حِنْطَةٍ بعشرة آلاف درهم، وقيل: بعشرين ألفًا.
стр. 8058
وسبب الحِصار [ببغداد] أنَّ الحال تغيَّرت بين معزِّ الدولة وناصر الدولة، فجمع ناصرُ الدولة، وكان قد انضمَّ إليه جماعة من الأتراك، وجاء فنزل سُرَّ مَن رأى، وخرج إليه معزُّ الدولة ومعه المُطيع في شعبان، وابتدأت الحرب بينهم بعُكبَرا.
وكان معزُّ الدولة قد تغيَّر على ابن شيرزاد، واستخانه في الأموال، فأحْفَظَه ذلك، ووقع القتال بين الفريقين، واندفع معزُّ الدولة والمطيع بين يديه (١).
وجاء ناصر الدولة فنزل بغداد من الجانب الشرقي ومَلَكها، وجاء مُعزُّ الدولة ومعه المُطيع في الاعتقال، فنزل الجانب الغربي، وكان قد وكَّل به جماعة خوفًا لا يمضي إلى ناصر الدولة، [وكان الطعام والمِيرة كثيرة في عسكر ناصر الدولة] ومعزُّ الدولة في ضِيقٍ وشِدّة، فعزم على المَسير إلى الأهواز، فقال: رُوزوا لنا الشَّطَّ، فإن قَدَرْنا على العبور كان أهون علينا، فعبر من الدَّيلَم جماعةٌ منهم أصفهدوست والصَّيمَري، وكان حافظَ الشَّطِّ في تلك الليلة [لناصر الدولة رجلٌ تركي يقال له: ينال كوشاه، وكان قد شرب تلك الليلة] وسَكِر هو وأصحابه وناموا، فلمَّا عَبرت الدَّيالمة اضطرب عسكرُ ناصر الدولة وانهزموا، وهرب ناصر الدولة.
وعبر معزُّ الدولة إلى الجانب الشرقي، وأحرق الدَّيلَم سوقَ يحيى، ووضعوا السَّيف في الناس، وسبَوا الحَريم، وخرج النساء مُشاةً إلى عُكبَرا، ومات منهنَّ خَلْق كثير من العَطَش، فروي أنَّ امرأةً حسناء كان عليها حُليٌّ وجواهر تساوي ألف دينار، فجعلت تصيح: مَن يأخذ ما معي ويَسقيني شربةَ ماء؟ فما التفت إليها أحدٌ، فوقعت ميتة، وما تعرَّض أحدٌ لما معها.
وفي تلك الليالي التي أقام ناصر الدولة في الجانب الشرقي [من بغداد] عَبر رجلٌ من الشُّطَّار من عسكر مُعزِّ الدولة [إلى خيمة ناصر الدولة] (٢)، فرآه نائمًا والشَّمْعَة عند
стр. 8059
رأسه وقد نام الحُرَّاس والغلمان، فعرف موضع رأسه من المِخَدّة، فعاد وأطفأ الشمعة، واتَّفق أنَّ ناصر الدولة انقلب عن المخدة، فجاء الرجل فوضع السّكّين في المخدَّة ظنًّا منه أنَّها رأسُ ناصر الدولة، وخرج من تحت أطناب الخيمة، وجاء في ليلته إلى معزِّ الدولة فقال للغلمان: قد جئتُ في أمرٍ عظيم، فقالوا: الملك نائم، فقال: أيقظوه فأيقظوه، وحضر الرجل فقال: قد قتلتُ ناصر الدولة، فقال: نعتقلُك إلى الصَّباح، فإن صدقتَ أغنيناك وإن كذبتَ قتلناك، فاعتقله.
فأصبح ناصر الدولة، فرأى السكين في المِخَدَّة، فشكر الله على السَّلامة، وشاع ذلك في العسكر، وبلغ الخبر معز الدولة فقال: مثلُ هذا لا يؤمَن، فغرَّقه.
ولم يحجَّ من العراق أحدٌ، ووقف بأهل مكة عمر بن الحسن بن عبد العزيز الهاشمي.
وفيها توفي
أحمد بن عبد الله بن إسحاق
أبو الحسن (١) القاضي، الخِرَقي، التاجر، كان من العدول، لم يكن له اشتغالٌ بغير التجارة، وكان يَخدمُ المُتَّقي في حياة أبيه، فلمَّا ولي الخلافة نوَّه باسمه، وخَلَع عليه سنة ثلاثين وثلاث مئة، وولَّاه قضاء بغداد من الجانبين، وواسِط، والبَصرة، والشام، ومصر، والمَغرب، والدنيا، فعجب الناس وقالوا: ما قرأ العلم، ولا جالس الأدباء والعلماء، فلمَّا جلس للحُكم ظهر من رئاسته ونَزاهته وعِفَّته وأحكامه ما حيَّر أهل الفضل، فلم يتعلَّقوا عليه بزلَّة، ولا لَحقه عيبٌ، وذلك من توفيق الله تعالى، ثم خرج إلى الشام فمات به.
توزون التُّركي
كان من خواصِّ أصحاب بَجْكم، وقد ذكرنا غَدْرَه بالمُتَّقي وسَمْلَه إياه، وكان يَعتريه عِلَّةُ الصَّرَع، ولم يَحُل عليه الحول بعد ما فعل ذلك.
стр. 8060
وكان جبانًا، ظالمًا فاسقًا، فاتكًا، أخذ وقتل خلقًا كثيرًا، وأخذ الأموال، وظَلم الناس، فلا جَرَم أخذه الله أخْذَ عَزيزٍ مُقتدر، وهلك لثمانٍ بقين من المُحرَّم (١).
[فصل: وفيها توفي]
عمر بن الحُسين بن عبد الله
أبو القاسم، الخِرَقي، الحَنْبليّ، مصنِّف "المختصر" على مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه (٢).
ذكره الخطيب، وأثنى عليه بالفضل والدين، قال: وكان حسن العبارة بليغًا، وله المُصَنَّفاتُ الكثيرة، وتخريجات على مذهب الإمام رحمة الله عليه لم تظهر؛ لأنَّه خرج من بغداد لمَّا ظهر سبُّ الصحابة، فأودع كتُبَه في دَرْب سليمان، فاحترقت الدَّار التي كانت فيها الكتب، وقيل: لم تحترق الكتب.
وكانت وفاته بدمشق، ودُفن بالباب الصغير، وقبره أول المقابر إذا خرج الإنسان من الباب الصغير (٣).
وفيها توفي
محمد بن طُغْج بن جُفّ
المُلقَّب بالإخشيد، أبو بكر، الفَرْغاني (٤).
стр. 8061
لقَّبه الرَّاضي بالإخشيد (١) لأنه ابن ملك فَرْغانة، وكلُّ مَن مَلَك فَرْغانة يقال له: الإخشيد، أي: ملك الملوك، كما أنَّ الأصبهبذ ملك [أذربيجان، وسالار ملك] طَبَرِسْتان (٢)، وصول ملك جُرْجان، وخاقان ملك التُّرْك، والأفشين ملك أُشْرُوْسَنَة، وسامان ملك سَمَرْقَنْد ونواحيها، ونحو ذلك.
ولد محمد ببغداد، وكان شُجاعًا، مَهيبًا، شديدَ اليَقَظَة (٣) في حروبه.
[وذكره ابن عساكر فقال:] ولِيَ دمشق سنة ثمان عشرة وثلاث مئة [في أيام المقتدر]، ووَلي مصر من قبل القاهر سنة أحدى وعشرين [وثلاث مئة] في رمضان، وكانت ولايتُه بدمشق اثنين وثلاثين يومًا، ولم يدخلها، ثم ولَّاه الراضي إياها سنة ثلاث وعشرين [وثلاث مئة]، فاستقرَّ له الشام ومصر.
[واجتمع بالمتقي في الرقَّة، وأعطى سيفَ الدولة ابن حَمْدان حلبَ، وقد ذكرنا جميع ذلك.]
وكانت وفاته بدمشق في ذي الحجة بحُمَّى حادَّة وله ستون سنة، وحُمل في تابوت إلى القدس (٤).
[وقال جدِّي في "المنتظم" (٥):] كان جيشه قد احتوى على أربع مئة ألف رجل، وكان له ثمانيةُ آلاف مَمْلوكٍ يحرُسونه بالنَّوبة، كلَّ يوم ألفُ مملوك، ويُوكِل الخَدَم بجوانب خيمته، ثم لا يَثِقُ بأحدٍ حتى يمضي إلى خِيَم الفرَّاشين فينام فيها.
فقام بعده ولده أنوجور، وكنيتُه أبو القاسم، وكان قد عهد إليه أبوه وهو بمصر، ثم غَلَبَ كافور على الأمر، [وسنذكره في موضعه مرتبًا إن شاء الله تعالى].
стр. 8062
محمد بن عُبيد الله
صاحب المَغْرب، ويُلقَّب بالقائم بأمر الله (١).
ولد بسَلَمْيَة سنة ثمان وسبعين ومئتين، وأمُّه أمُّ ولد، ودخل مع أبيه إلى المغرب، وبُويع له يوم مات أبوه عُبيد الله في السنة الثانية والعشرين وثلاث مئة.
[وقد خرج عليه في سنة اثنتين وثلاثين وثلاث مئة أبو يزيد مَخْلَد بن كَيداد،] وكانت بينهما وقائع مشهورةٌ، وحَصَره بالمَهْديَّة وضَيَّق عليه، واستولى على بلاده، فعرض للقائم وهو محصورٌ وَسواسٌ، فاختلَط عقلُه لما رأى من الذُلِّ والهَوان، فمات في تلك الحال.
وقال القاضي عبد الجبَّار (٢): كان شرًّا من أبيه بأضعافٍ مُضاعفة، أظهرَ سبَّ الأنبياء صلوات الله عليهم، وكان مُناديه يُنادي: العنوا الغار وما حوى، وسبَّ عائشة رضوان الله عليها وبعلَها صلوات الله وسلامه عليه، وقتل خَلْقًا كثيرًا من العلماء، وكان يُراسل أبا طاهر القِرْمِطي بالبحرين، ويأمرُه بإحراق المساجد والمصاحف، وأبوه وهو جرَّأا أبا طاهر على ما فعل بالحاج بمكة.
ولمَّا كثُر فِسقُه وفُجوره اجتمع أهل الجبال على رجلٍ من الإباضِيَّة يقال له: أبو يزيد مَخْلَد بن كَيْداد، وكان شيخًا ضعيفًا لا يقدرُ على ركوب الخيل، فركب حمارًا، وكان وزيرُه أعمى، فسار إلى المَهْدية فحَصَر محمدًا بها حتى مات كما ذكرنا، وخلَّف من الولد سبعةَ ذكور وأربع بنات، وأقام بعده ولده إسماعيل المنصور.
والإباضية فرقةٌ من الخوارج، وهم أصحاب عبد الله بن يحيى بن إباض، خرج في أيام مروان بن محمد، وانتشر مذهبُه بالمغرب والجبال، ومذهبه أنَّ أفعال العباد مَخْلوقةٌ لهم، ويُكفِّر بالكبائر، وليس في القرآن خصوص، ومَن خالفه من أهل القبلة كفارٌ، وغنيمةُ أموالهم حلالٌ، وغير ذلك.
стр. 8063
وفيها توفي
أبو بكر الشِّبْلي (١)
واختلفوا في اسمه ونسبه على أقوال؛ أحدها: جَحْدر بن دُلَف، والثاني: دُلَف بن جَحْدر، والثالث جعفر بن يونس، حكى هذه الأقوال الثلاثة أبو عبد الرَّحمن السُّلَمي، قال: وعلى قبره ببغداد مكتوب: جعفر بن يونس. والرابع: دُلَف بن جبغويه (٢)، والخامس: دُلَف بن جعفر (٣).
وأصله من أُشْرُوْسَنَة، من قرية يقال لها: شِبْليَّة.
وكان خالُه أميرَ الأمراء بالإسكندرية.
ولد الشِّبلي بسُرَّ مَن رأى، وكان صاحبَ الموفَّق أبي أحمد، فجعل طُعمته دُماوَنْد، وكان أبوه حاجبَ الحجَّاب للموفق.
[وذكره الخطيب وابن خَميس والسُّلمي وأثنَوا عليه، وذكره الحافظ ابن عساكر وقال:] كان فقيهًا على مذهب مالك بن أنس، وكتب الحديث الكثير، ثم صَدَف عن ذلك، ولزم العبادة حتى صار رأسًا في المُتَعَبِّدين، ورئيسًا في المجتهدين.
[ذكر طَرَفٍ من أخباره:]
قال السُّلَمي (٤): ولَّاه الموفَّق دُماوَنْد، فحضر يومًا مجلس خَير النَّسَّاج، فوقع كلامُه في قلبه فتاب، ومضى إلى دماوند فقال لأهلها: إنَّ الموفَّق ولَّاني بلدكم، وقد تُبت من الولاية، فاجعلوني في حِلٍّ، فبكوا وجعلوه في حِلٍّ.
стр. 8064
وخرج عن الدنيا، وصحب الفقراء، وصار أوحدَ زمانه حالًا ومَقالًا، فكان الجُنَيد يقول: [لا] تنظروا إلى الشِّبلي بالعين التي ينظرُ بها بعضُكم إلى بعض، فإنَّه عين من عيون الله.
ولكلِّ قومٍ تاجٌ، وتاج [هؤلاء] القوم الشِّبلي.
وقال القُشَيري (١): كان الشِّعبلي نسيجَ وَحْده حالًا وظَرْفًا وعلمًا، ومُجاهداتُه فوق الحدِّ.
وقال [: سمعت الأستاذ أبا علي] الدَّقَّاق [يقول]: بلغني أنَّه اكتحل بالمِلح ليَعتادَ السَّهَر.
وكان إذا دخل رمضان جَدَّ في الطَّاعات ويقول: هذا شهرٌ عظيمٌ، يجب على الناس تعظيمُه.
وقال الشِّبلي: خَلَّف أبي ستين ألف دينار سوى الضِّياع والعَقار، فأنفقتُها كلَّها، وقعدتُ مع الفقراء، حتى لا أرجع إلى مادّي، ولا أستَظْهِر بمعلوم.
وكتبتُ الحديث عشرين سنةً، وحفظتُ الموطَّأ، فلمَّا دخلتُ في الطريق غرَّقتُ الكلَّ في دجلة، وكانت كتبُه سبعين قِمَطْرًا فألقاها في الماء.
[وحكى عنه في "المناقب" أنه] رأى الحقَّ تعالى في منامه وهو مقبلٌ عليه، وقال له: مَن نام غَفَل، ومَن غَفَل حُجِب، فكان لا ينام.
وقال: اكتحلتُ بمِيلٍ مُحَمًّى لئلَّا أنام، ثم تمنَّيتُ النوم بعد ذلك، وأنشد: [من الوافر]
رأيتُ سرورَ قلبي في مَنامي … فأحببتُ التَّنَعُّسَ والمَناما (٢)
стр. 8065
ودخل أبو بكر بن مجاهد عليه (١) فسأله الشبلي عن حاله فقال: أختمُ كلَّ يومٍ خَتمتَين، فقال له الشِّبلي: أيُّها الشيخ، قد ختمتُ في تلك الزاوية ثلاثة عشر ألف خَتْمة، إن كان فيها شيءٌ قد قُبل فهو لك، وإنِّي لفي خَتْمَةٍ منذ ثلاث وأربعين سنةً ما انتهيتُ إلى رُبعها.
وأعرف رجلًا (٢) ما دخل في هذا الشأن حتى أنفق جميع ما يَملكه، وغَرَّق في دِجلة سبعين قِمَطْرًا بخطِّة، وجالس الفقهاء عشرين سنةً، يعني نفسَه.
[وحكى عنه في "المناقب" أنه] قال: اعتقدتُ أن لا آكلَ إلا من الحلال، فخرجتُ أدور في البَرِّيَّة، فإذا شجرةُ رُمَّان، فمددتُ يدي لآخذَ منها رُمَّانةً، فنادتني الشجرةُ: احفظ عَقدك فإنِّي ليهودي.
وقال: رأيتُ رجلًا في السَّاحل عليه عَباءةٌ قد خَلَّها في عُنقه بخلال، فقلت: ما اسمُك؟ فقال: أبو مُدافِع الأوقات.
قال: وكنتُ جالسًا في الزَّاوية، فخطر في خاطري أنِّي بخيل، فقلتُ: مهما فُتِح عليَّ اليوم دفعتُه لأول فقير يلقاني، فبينا أنا في هذا الخاطر إذ دخل عليَّ رجلٌ من أصحاب مؤنس الخادم ومعه خمسون دينارًا، فقال: استَنْفق هذه في مَصالحك، فأخذتُها وخرجتُ، وإذا بفقير مَكفوفٍ في عَباءة بين يدي مُزَيِّن يحلق رأسَه، فناولتُه الصُّرَّة فقال: ناولْها للمُزَيِّن، فقلتُ: إنَّها دنانير، فقال: أوليس قد قيل لك إنك بخيل؟ فناولتُها للمزين، فقال [المزيِّن]: أنا إذا قعَد بين يديَّ فقيرٌ لا آخذُ منه أُجرةً، فأخذتُ الصُّرَّةَ، ورميتُ بها في دجلة وقلت: ما أَعزَّك أحدٌ إلا أذلَّه الله تعالى (٣).
стр. 8066
[وقال الخطيب:] كان للشبلي في كلِّ جُمعةٍ [في الجامع] نظرةٌ وبعدها صَيحة، فصاح يومًا فتشوَّش مَن حوله، وكانت حَلْقتُه إلى جانب أبي عمران الأَشْيب، فقال الشّبلي: ما للناس؟ فقيل له: قد تَشوَّشوا من صَيحتك وحَرِد أبو عمران، فقام الشبلي وجاء إلى حَلْقة أبي عمران، فقام إليه وأجلسه إلى جانبه، فأراد بعضُ أصحاب أبي عمران أنْ يُسكِتَ الشبلي [ويبين للناس أنه جاهل]، فقال له: يا أبا بكر إذا اشتبه على المرأة دمُ الحيض بدم الاستحاضة كيف تصنع؟ فأجاب [الشبلي] بثمانية عشر جوابًا، فقام أبو عمران فقبَّل رأسَه وقال: يا أبا بكر أعرفُ اثني عشر جوابًا، وستةً ما سمعتُها قطُّ (١).
وقال الشبلي (٢): مررتُ بالشام براهبٍ، فقلتُ: لمن تعبد؟ فقال: لعيسى، قلت: ولم؟ قال: لأنَّه أقام أربعين يومًا لم يأكل ولم يشرب [ولم ينم]، فقلت: استوفها مني (٣)، وأقمتُ تحت صومعته أربعين يومًا لم آكل ولم أشرب ولم أنم، فنزل وأسلم.
وقال: [قال الشبلي:] خرجتُ إلى الشام في قافلة، فخرج علينا قُطَّاع الطريق، فأخذوا المال، وقعدوا يأكلون السكر باللوز، ورئيسُهم جالس لا يأكل، فقلتُ له: لم لا تأكل؟ فقال: إنِّي صائمٌ، فقلتُ: تقطعُ الطريق، وتُخِيف السبيل، وتَسفِكُ الدَّم الحرام، وتأخذ المال، وتقول: إنِّي صائم؟ فقال: نعم، أجعلُ للصُّلح مَوضعًا.
ومضى زمانٌ، فحججتُ [سنةً]، فبينا أنا في الطَّواف إذا به يطوف مُحْرِمًا مُلَبيًا، فتأملتُه وقلتُ: أنت صاحبي في يوم كذا وكذا [وفي مكان كذا وكذا]؟، قال: نعم، قلتُ: ما الذي أوصلك إلى ها هنا؟ قال: ذاك الصَّوم الذي رأيت (٤).
وحكى الحافظ ابن عساكر عن محمد بن عمر قال (٥): كنتُ عند أبي بكر بن مُجاهد المقرئ، فجاء الشِّبلي، فقام إليه واعتنقه وقبَّل ما بين عينيه فقلت له: تفعل هذا وأنت وجميعُ أهل البلد يقولون: إنَّه مجنون، وأنت لا تقوم لعلي بن عيسى الوزير وتقوم
стр. 8067
لهذا؟! فقال: أفعلُ كما رأيتُ رسول الله ﷺ [يفعل، رأيت رسول الله ﷺ ] في المنام وقد أقبل الشبلي، فقام إليه واعتنقه، وقبَّل ما بين عينيه، ثم التفتَ إليَّ وقال: يا أبا بكر، هذا رجلٌ من أهل الجنة فأكرِمْه، فقلتُ: يا رسول الله، بم استحقَّ الشبلي منك هذا؟ فقال: منذ ثمانين سنةً يقرأ عقيب صلاته: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيكُمْ﴾ الآية [التوبة: ١٢٨].
وقال الشبلي (١): رأيتُ مَعتوهًا يوم جُمعةٍ عند جامع الرُّصافة قائمًا عُريانًا وهو يقول: أنا مجنون، فقلتُ له: لِمَ لا تدخل الجامع وتتوارى وتُصلِّي؟ فقال: [من الطويل]
يقولون زُرْنا واقْضِ واجبَ حَقِّنا … وقد أسقَطتْ حالي حقوقَهمُ عنِّي
إذا ما رأوا حالي ولم يأنَفوا لها … ولم يأْنَفوا منها أنِفْتُ لهم منِّي
وحكى الخطيب عن عيسى بن علي بن عيسى الوزير قال (٢): كان ابن مجاهد يومًا عند أبي إذ دخل الشبلي، فقال ابن مجاهد لأبي: الساعةَ أُسكتُه، وكان من عادة الشبلي إذا لبس شيئًا خرَّق فيه موضعًا، فقال له ابن مجاهد: يا أبا بكر، أين في العلم إفسادُ ما يُنتَفَع به؟ فقال: يا أبا بكر، فأين في العلم ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص: ٣٣]؟ فسكت ابن مجاهد، فقال له أبي: أردتَ أن تُسكتَه فأسكتك، ثم قال له الشبلي: قد أجمع الناس على أنَّك مُقرئ الوقت، فأين في القرآن أنَّ المحبَّ لا يُعذِّب حبيبه؟ فقال: ما أدري، فقال: في قوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة: ١٨] لمَّا ادَّعت اليهود والنصارى أنهم أبناء الله وأحباؤه ردَّ عليهم، وهذا دليلٌ على أنَّه لا يعذِّب أحباءه، فقال ابن مجاهد: ما كأنِّي سمعتُها قط.
[وحكى الخطيب: أنَّ الشبلي مرَّ بطنجير الحَلاوي وهو يفور، فأدخل يده فيه، وأخرج منه ما ملأ رُقاقتَين، في حكاية طويلة (٣).
стр. 8068
وحكى الحافظ ابن عساكر عن أبي الحسين بن سَمْعون قال:] اعتلَّ الشبلي (١)، فبعث إليه المقتدر أو علي بن عيسى الوزير طبيبًا نصرانيًّا، فتردَّد إليه أيامًا، فقال له الطبيب: والله لو علمتُ أنَّ شفاءك في قَرْض لحمي لقرضتُه، فقال: شفائي في قَطْع زُنَّارك، فقطع زنَّاره وأسلم، [فبرئ الشبلي] وقام يمشي، فبلغ المقتدر فقال: أَنفَذْنا طبيبًا إلى مريضٍ، وما علمنا أنَّنا أنفذنا مريضًا إلى طبيب.
نبذة من كلامه (٢):
[قال الخطيب: حدثنا محمد بن أحمد بن أبي الفوارس، حدثنا الحسين بن أحمد الصفَّار قال:] سئل الشبلي [وأنا حاضر] أيُّ شيءٍ أعجبُ؟ فقال: قلبٌ عرف ربَّه ثم عصا (٣).
[وحكى أبو نعيم عن الشبلي أنه] قال: ليس للأعمى من الجوهر إلا مسُّه، وليس للجاهل من الله إلا ذكرُه باللسان.
[وحكى عنه ابن باكويه أنه] قال (٤): يا مَن باع كلَّ شيء بلا شيء، واشترى لا شيء بكلِّ شيء.
وقال: ليس مَن استأنس بالذِّكر كمَن استأنس بالمذكور.
وقال: أفلا سَخاءٌ بحنين، أفلا رنَّةٌ بأنين من قلب حَزين، أفلا شاربٌ بكأس العارفين، أفلا مُستيقظٌ من سِنة الغافلين، يا مسكين ستَقدَمُ فتعلم، وينكشف الغطاء فتندم.
وقال: أمهلك فتناسَيت، وأسقطك من عينه فما باليت، وللحقوق ما أدَّيت، وكم أراك عبرةً وتعامَيت.
وكان يقول: ليتَ شعري ما اسمي عندك يا علَّامَ الغيوب؟ وما أنت صانعٌ في ذنوبي يا غفار الذنوب؟ وبم تَختِمُ عملي يا مقلِّبَ القلوب.
стр. 8069
وقال: إذا وجدتَ قلبك مع الله فاحذَرْ من نفسك، وإذا وجدتَ قلبك مع نفسك فاحذر من الله.
[وقال ابن باكويه: كان الشبلي يقول: أحبَّكَ الناس لنعمائك، وأنا أُحبُّك لبلائك.]
وقال الخطيب: حدثنا علي بن محمود الزُّوزني قال: سمعتُ عليَّ بن المُثَنَّى التَّميمي يقول: دخلتُ (١) على الشبلي في دارِه يومًا وهو يهيج ينشد: [من الهزج]
على بُعْدِكَ لا يصبـ … ـــــــــــــرُ مَن عادَتُه القُرْبُ
ولا يَقْوى على حَجْبِـ … ــــــــكَ مَن تيَّمَه الحبُّ
فمَهْلًا أيُّها السَّاقي … فقد أسكرني الشُّربُ
فإن لم تَرَك العينُ … فقد يُبصرُكَ (٢) القلبُ
وقال الشبلي (٣): إذا أردتَ أن تنظرَ إلى الدُّنيا بحَذافيرها فانظر إلى مَزْبَلَة، وإذا أردتَ أن تنظر إلى نفسك فخُذْ كفًّا من تُراب وقل: أنا هذا، [وفي رواية:] إذا أردتَ أن تنظُرَ إلى مَن أنت فانظر إلى ما يخرج منك.
[وحكى ابن خميس عن الشبلي في "المناقب" قال:] قيل له: إنَّ أبا تراب النَّخْشَبي جاع يومًا في البادية، فرأى البريَّةَ كلَّها طعامًا بين يديه، فقال الشبلي: عبد رُفِقَ به، ولو بلغ إلى مَحَلِّ التحقيق لكان كما قال ﷺ : "أظلُّ عند ربي فيُطْعمُني ويَسقيني" (٤).
وقال: تلطَّفت الأرواحُ فتعلَّقت بلَذَعات الحقائق، فلم تَرَ غيرَ الحقِّ معبودًا يستحقُّ العبادة، وتيقَّنت أنَّ المُحدَث لا يُدرك القديمَ بصفاتٍ مَعلولة.
وقال عبد الله بن محمد الدِّمشقي: كنت واقفًا على حَلْقة الشبلي وهو يبكى ولا يتكلَّم، فناداه بعضُ الحاضرين: ما هذا البكاء كلُّه؟ فأنشد الشبلي: [من الوافر]
стр. 8070
إذا عاتَبْتُه أو عاتَبوه … شَكا فِعْلي وعَدَّد سيِّئاتي
أيا مَن دهرُه غضَبٌ وسُخْطٌ … أما أحسنتُ يومًا في حياتي
[وقال في "المناقب":] وسئل عن الزُّهد فقال: تحويلُ القلب من الأشياء إلى ربِّ الأشياء.
وقال: مَن عَرف الله خَضَع له كلُّ شيء؛ لأنَّه عاين آثار صُنعه فيه.
وقال: ليس يَخْطُر الكونُ وما فيه ببال مَن عَرَف المُكَوِّن.
وقال له رجل: ادعُ لي، فقال: [من الطويل]
مضى زمنٌ والناس يَسْتَشفعون بي (١)
وقيل له: نراك جَسيمًا والمَحبَّة تقتضي الضَّنى؟! فقال: [من المنسرح]
أحَبَّ قلبي وما دَرى بَدَني … ولو دَرى ما أقام في السِّمَنِ
وكان يقول: أعمى الله بَصَرًا لا يراني، ولا يرى آثارَ القُدرة فيَّ، فأنا أحدُ آثار القُدرة، وأحدُ شواهد العَظَمة والعِزَّة، لقد ذَلَلْتُ حتى عزَّ فيَّ كلُّ ذليل، وعَزَزْتُ حتى ذَلَّ (٢) فيَّ كلُّ عَزيز (٣).
وقال له الجُنَيد يومًا: يا أبا بكر، لو رَدَدْتَ أمرَك إلى الله لاسترحتَ، [فقال له: يا أبا القاسم، لو ردَّ الله إليك حالك لاسترحتَ] فقال الجنيد: سيوفُ الشبلي تَقْطُرُ الدَّم.
وقال الشِّبلي: ليس مَنِ احتَجَب بالخَلْق عن الحقِّ كمَن احتجَبَ بالحقِّ عن الخلق، وليس مَن جذَبَتْه أنوارُ قُدْسِه إلى أُنسه كمَن جَذبتْه أنوارُ رَحمته إلى مَغفرته.
وكان كلَّ ساعةٍ يُنشد (٤): [من المتقارب]
ولي فيك يا حَسرتي حَسْرةٌ … تَقَضَّى حياتي وما تَنقضي
стр. 8071
ووقف عليه رجلٌ وقال: يا جَواد، فتأوَّه الشبلي وقال: نعم، يا جواد يعلو على كلِّ جواد، وبه جاد مَن جاد، كيف أصِفُه بالجود ومَخلوقٌ يقال في حقِّه مثلُه: [من الطويل]
تعوَّدَ بَسْطَ الكفِّ حتى لوانَّه … ثَناها لقَبْضٍ لم تُطِعْهُ أناملُهْ (١)
وأخَّر يومًا صلاةَ العصر إلى غروب الشمس، فقيل له: كادت الشمسُ أن تَغْرُب فأنشد: [من الوافر]
نَسيتُ اليومَ من عشقي صَلاتي … فما أدري عشائي من غدائي
وذِكْرُك سيدي أكلي وشُرْبي … ووجهُك إنْ رأيتُ شفاءُ دائي
وقال: كيف يصِحُّ لك التوحيد وكلَّما مَلَكتَ شيئًا مَلَكَك، وكلَّما أبصرتَ شيئًا أسرك؟
وقيل له: إلى ماذا تستريحُ قلوبُ المُشتاقين؟ فقال: إلى مُشاهدة من اشتاقوا إليه.
وقال: ما أحْوجَ الناس إلى سَكْرة تُفنيهم عن مُلاحظة (٢) نفوسهم وأحوالهم، ثم أنشد: [من الطويل]
وتَحسبُني حيًّا وإنِّي لَميِّت … وبعضي من الهِجْران يَبكي على بعضِ
فحتَّى متى روح الحَيا لا تَنالُني … وحتَّى متى أيَّامُ سُخْطِك لا تَمْضي
وتشَوَّش مِزاجُه فأُدخل دار المَرضى ليُعالج، فدخل عليه علي بن عيسى الوزير عائدًا، فقال له الشبلي: ما فعل ربُّك؟ فقال: في السَّماء يَقْضي ويُمضي، فقال: ما سألتُك عن الربِّ الذي لا تعبدُه، وإنَّما سالتُك عن الربِّ الذي تعبده، يُريد المُقتدر.
ودخل عليه أصحابه فقال: مَن أنتم؟ فقالوا: أحبابك، فأخذ يَرميهم بالحصا فهربوا فقال: لو كنتُم أحبابي لصبرتم على عَذابي [، وفي رواية: لو كنتم أحبابي لرضيتم ببلائي].
стр. 8072
وقال خير النَّسَّاج: كنَّا في المسجد، فجاء الشبلي وهو في سُكْره، فنظر إلينا ولم يُكلِّمنا، ثم هجم على الجُنَيد في بيته وهو جالس مع زوجته وهي مكشوفة الرأس، فهمَّت أن تُغطِّيَ رأسَها، فقال لها الجنيد: لا عليك أن تُغَطِّيه فإنَّ الشبلي ليس ها هنا، فصفَّق بيديه على رأس الجنيد وقال: [من الخفيف]
عَوَّدوني الوصال والوَصْلُ عَذبٌ … ورَمَوني بالصَّدِّ والصَّدُّ صَعْبُ
زعموا حين أَعْتَبوا أنَّ جُرْمي … فَرْطُ حبِّي لهم وما ذاك ذَنْبُ
لا وحُسْن (١) الخضوع عند التَّلاقي … ما جَزا مَن يُحِبُّ ألا يُحَبُّ
فقال الجنيد: هو ذاك يا أَبا بكر، ثم بكى الشبلي بكاءً شديدًا، فقال الجنيد لزوجته: غَطِّي رأسك فقد أفاق.
وسئل عن قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] فقال: ادعوني بلا غَفْلَة، أَستجِبْ لكم بلا مُهْلَة.
وقال: ليس القبورُ قبورَ الأموات بل القبورُ أنتم؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منكم مقبورٌ في قَبْر شَهَواته، مَدْفونٌ في لَحْد إرادته وأنشد: [من الطويل]
قبورُ الوَرى تحت التُّراب وللهوى … رجالٌ لهم تحت الثِّياب قبورُ
وعندي دموعٌ لو بَكَيتُ ببعضها … لفاضَتْ بحورٌ دونَهنَّ بحورُ
وسئل: لِمَ تَصْفَرُّ الشمس عند الغروب؟ فقال: لأنَّها عُزِلَت عن مَقام التَّمام، فاصفرَّت لخَوْف المَقام، وكذا المؤمن إذا قارَبَت روحُه الخروجَ يَصفرُّ، فإذا بُعث خرج من قبره ووجهُه يُشرِقُ كما تُشرق الشمس إذا طَلَعت.
وقال له رجلٌ: أشكو إلى الله وإليك كثرةَ العيال، فقال: اذهب إلى بيتك وانظر مَن كان رزقُه عليك فأخرجه.
وقال أليس الحقُّ سبحانه يقول: "أنا جَليسُ مَن ذَكَرني" (٢)؟ فما الذي استفدتُم من مُجالسته؟
стр. 8073
وقال: الغَيرةُ غيرتان، غَيرةُ البشرية على النفوس، وغَيرة الإلهية على القلوب.
ودخل مسجدًا ليصلِّي، فقرأ الإمام: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ﴾ [الإسراء: ٨٦] فزَعَق الشبلي زَعْقةً كادت روحه أن تطير من بدنه، وقال: أبمثل هذا تُخاطب الأحباب.
وسمع مناديًا ينادي [على الخيار]: الخيار عشرةٌ بدانِق، فصاح وقال: إذا كان الخيار [كذا] فكيف الأشرار؟.
وقال: المحبُّ إذا سكت هلك، والعارف إذا سكت مَلَك.
وكان يقول لأصحابه: إنْ خطَرَ ببالكم من اليوم الذي أتكلَّم عليكم فيه إلى اليوم الآتي مثلُه غَير الله فحرامٌ عليكم سماعُ كلامي.
وكان أبو الحسن بن بشار ينهى الناسَ عن مجلس الشبلي، فالتقاه يومًا فقال له: يا أبا بكر، كم في خمسٍ من الابل؟ فقال: عندكم أو عندنا؟ فقال: وكيف؟ فقال: أمَّا عندكم فشاةٌ، وأما عندنا فالكُلُّ، قال: ومن أين أخذتَ هذا؟ قال: من أبي بكر الصديق رضوان الله عليه، خرج عن ماله كلِّه، فقال له النبي ﷺ : ما أبقيتَ لعيالك؟ فقال: اللهَ ورسولَه. فكان ابن بشار بعد ذلك يَحْضُر مجلسه.
وسئل عن قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] فقال: أبصارُ الرؤوس عمّا حرَّم الله، وأبصارُ القلوب عمّا سوى الله.
وسمع قارئًا يقرأ (١): ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] فقال: يا سيدي، املأها من الشبلي واعفُ عن عَبيدك.
وخرج يومًا وعليه ثيابٌ مُخَرَّقة، فقيل له: ما هذا (٢)؟ فأنشد: [من الطويل]
ويومًا ترانا في الثَّريد نَبُسُّه … ويومًا ترانا نأكلُ الخُبْزَ يابِسا
стр. 8074
ويومًا ترانا في الخُزوز نَجُرُّها … ويومًا ترانا في الحديد عَوابِسا (١)
وحضر ليلةً سماعًا فتحرَّك، ففيل له: ما بال هؤلاء [لا] يتحرَّكون؟ فأنشد: [من الكامل]
لو يَسمعون كما سمعتُ كلامَها (٢)
وقال: المَعارف تبدو فتُطْمِع، ثم تخفى فتؤنس الطَّامع، وتُطمع الآيس، وأنشد يقول. [من الطويل]
أظلَّتْ علينا منك يومًا سحابةٌ … أضاءتْ لنا بَرْقًا وأَبطا رَشاشُها
فلا غيمُها يَجلو فييأسَ طامعٌ … ولا غَيثُها يأتي فيُروى عِطاشُها (٣)
وكان إذا دخل عليه خادم يقول: هل عندك خَبَر، هل عندك أَثَر؟ ثم ينشد: [من الطويل]
أُسائلُكمْ عنها فهل من مُخَبِّرٍ … بأنَّ له علمًا بها أين تنزلُ
ثم يقول: لا وعِزَّتك ما في الدارَين عنك مُخَبِّرٌ.
وكان ينشد: [من الطويل]
أُسائلُكمْ عنها فهل من مُخَبِّرٍ … فما لي بنُعْمٍ بعد مُكْثَتنا علمُ
فلو كنتُ أدري أين خَيَّم أهلُها … وأيَّ بلاد الله إذْ ظَعَنوا أَمُّوا
إذًا لسَلَكْنا مَسْلَكَ الرِّيح خلفَها … ولو أصبحتْ نُعْمٌ ومن دونها النَّجمُ (٤)
وقال ما ظَنُّك بمَعانٍ هي شموس، بل الشُّموس فيها ظُلْمة (٥)، وأنشد: [من الطويل]
إذا ما دَجاها الليلُ كنا كواكبًا … جُلوسًا حواليها وكانت هي البَدْرُ
стр. 8075
وقيل له: هل يُعرَفُ المُحبُّ أنَّه مُحب؟ فقال: نعم، إذا كَتَمَ حُبَّه فظهرت شواهُده عليه، وأنشد: [من البسيط]
قد سَحَّب الناسُ أذيال الظُّنون بنا … وفرَّق الناس فينا قولَهم فِرَقا
فكاذبٌ قد رَمى بالظنِّ غيرَكم … وصادقٌ ليس يَدري أنَّه صَدقا (١)
وقال يومًا لأصحابه: أليس أنا عندكم مجنون وأنتم أصِحَّاء، زاد الله في جنوني، وزاد [الله] في صِحَّتكم، وأنشد يقول: [من البسيط]
قالوا جُنِنْتَ بمَن تَهوى فقلتُ لهم … ما لَذَّةُ العيشِ إلا للمجانين (٢)
وقيل له [يوما]: ما الحِيلة؟ فقال: تركُ الحيلة، وأنشد: [من الطويل]
تداويتُ من ليلى بليلى من الهوى (٣)
وسئل عن معنى قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] فوصَفَ أوصافًا لم يَضْبِطْها أهلُ المَجلس، وأنشد: [من الخفيف]
لستُ من جُملة المُحبِّين إن لم … أَدَعِ القلبَ بيتَه والمَقاما
وطَوافي إجالةُ السرِّ فيهِ … وهو رُكْني إذا أردتُ استلاما
وقيل له: مات بعضُ أصحابك وَجْدًا، فأنشد: [من الطويل]
قضى الله في القَتْلى قِصاصَ دمائهم … ولكنْ دِماءُ العاشقين جُبارُ
وقال: ضاقت عليَّ أوقاتي ببغداد، فخطر في خاطري النُّزول إلى البصرة، فنزلتُ في سُماريّة، فلمَّا حاذينا تاج (٤) الخليفة إذا بجارية تُغَنِّي وتقول: [من الطويل]
أيا قادمًا من سَفْرة الهَجْر مرحبًا … أنا ذاك لا أنساك ما هَبَّت الصَّبا
قَدِمتَ على قلبي كما قد تركتَه … كئيبًا حزينًا بالصَّبابة مُتْعَبا
стр. 8076
فطرحتُ نفسي في دجلة والمقتدر يراني، فقال: أدركوه، فأخرجوني في آخر رَمَقٍ، فأحضرني عنده وقال: يا أبا بكر، يبلُغنا عنك أعاجيبُ؟! فحدَّثتُه بما خَطَر لي (١).
[وحكى السُّلميّ قال:] صنع ابنه أبو الحسن سماعًا للفقراء، فقالوا: لا يدخل علينا أبوك، فبينا هم كذلك إذ دخل الشبليُّ وبين أصابعه شَمْعٌ صغار، بين كلِّ أُصبعين شمعةٌ، ثمان شمعات، فاحتشموه، فقال: يا سادة مالكم؟ احسِبوني طِسْت شَمْعٍ، ثم قال للقَوَّال؟ قل، فقال: [من الهزج]
فلمَّا عاين الحِيرَ … ةَ حادي جَمَلي حارا
فقلتُ احْطُطْ بها رَحْلي … ولا تَعْبأ بمَن سارا
فتغيَّر وجهُه، ورمى الشَّمْعَ، وقام فخرج.
وخرج يوم عيد إلى المصلَّى، وعليه ثيابٌ زُرقٌ وسودٌ، وهو يبكي ويَنوح، فاجتمع الناس إليه، وسألوه عن حاله، فأنشد: [من البسيط]
تَزَيَّن النَّاسُ يوم العيد للعيد … وقد لَبِسْتُ ثيابَ الزُّرق والسُّودِ
والناس بالعيد قد سُرُّوا وقد فَرحوا … وما فرِحتُ وربّ العيدِ بالعيد
وأصبح الناسُ قد سُرُّوا بعيدهم … ورحتُ فيك إلى نَوْحٍ وتَعْديد
فالناسُ في فَرَحٍ والقلبُ في تَرَحٍ … شتَّان بيني وبين الناس في العيد
وأنشد أيضًا [في المعنى] يقول: [من المجتث]
للناس فِطْرٌ وعيدُ … إني فريدٌ وَحيدُ
يا غايتي وسُروري … إنْ تَمَّ لي ما أُريدُ
وأنشد أيضًا: [من الهزج]
إذا ما كنتَ لي عيدًا … فما أصنعُ بالعيد
جَرى حبُّكَ في قلبي … كَجَرْيِ الماء في العود
وأنشد أيضًا [في معناه]: [من البسيط]
الناسُ بالعيد قد سُرُّوا وقد فَرِحوا … وما فَرحتُ به والواحدِ الصَّمَدِ
لمَّا تيقَّنْتُ أنِّي لا أُعاينُكم … غَمَّضْتُ طَرْفي فلم أنظُر إلى أحدِ
стр. 8077
وأنشد أيضًا: [من البسيط]
عيدي مُقيمٌ وعيدُ الناس مُنصَرفُ … والقلب منِّي عن اللَّذات مُنْحَرفُ
ولي قَرينانِ ما لي منهما خَلَفٌ (١) … طولُ الحنين وعينٌ دَمعُها يَكِفُ
وأنشد أيضًا: [من الخفيف]
ليس عيدُ المحبِّ قَصْدَ المُصَلَّى … وانتظارَ الخطيبِ والسلطانِ
إنَّما العيدُ أن يكون لدى الحِبْـ … ــــــبِ سعيدًا مُقَرَّبًا في أمان
وخرج وقد غيَّر ثيابه في يوم عيد، فقيل له: الناسُ يتزيَّنون اليومَ وأنت قد غيَّرت مَلْبُوسَك؟ فقال: [من البسيط]
قالوا أتى العيدُ ماذا أنت لابِسُه … فقلتُ خِلْعَةُ ساق جُبّةُ جَزَعا
فَقْرٌ وصَبرٌ هما ثوباي تحتهما … قلبٌ يَرى إِلْفَهُ الأعيادَ والجُمَعا
الدهرُ لي مَأْتَمٌ إن غِبْتَ يا أمَلي … والعيدُ ما دُمتَ لي مَرْأى ومُستَمَعا
أحْرى الملابسِ أن تلقى الحبيبَ به … يومَ التَّزاورِ في الثَّوب الذي خَلَعا
واجتمع إليه الناسُ وسألوه الدعاء فقال: اضْرِبْهُم بسياط الخوف، أَقْبِلْ بهم بأَزِمَّة الشَّوق، أَغِثْهم بمُلاحظات الفُهوم، كُنْ لهم كما كنتَ لمَن لم تكن له بأنْ صِرتَ كُلًّا له (٢).
ذكر وفاته:
دخل قومٌ على الشِّبلي في مرض موته فقالوا: كيف تجدُك؟ فقال على البَديه هذه الأبيات: [من مجزوء الخفيف]
إنَّ سُلطانَ حُبِّه … قال لا أقبلُ الرِّشا
فسَلوه فَدَيتُهُ … لِمْ بقتلي تَحرَّشا (٣)
وحكى الخطيب عن جعفر بن نُصَير [أن بكران] (٤) الدِّينَوَري -وكان يخدمه- قيل له: ما الذي رأيت منه -يعني عند وفاته- فقال: قال لي: عليَّ درهمٌ مَظْلَمة، وقد
стр. 8078
تصدَّقتُ عن صاحبه بألوف، فما على قلبي شُغلٌ أعظمُ منه، ثم قال: وضِّئني للصلاة، ففعلتُ، ونسيتُ تخليلَ لحيته، وقد أُمسكَ على لسانه، فقبض على يدي وأدخلَها في لحيته، ثم مات [﵀]. وبكى جعفر وقال: ما تقولون في رجل لم يَفُتْه أدبٌ من آداب الشريعة في آخر عُمُره.
وقال [الخطيب: قال] أبو نَصْر الهَرَوي: كان الشبلي يقول: إنِّما يُحفَظ هذا الجانبُ من الدَّيالِمَة بي، يعني الجانب الشَّرقي من بغداد، فمات الشبلي يوم الجمعة، وعَبَرت الدَّيالمة يوم السبت إلى الجانب الشرقي.
وقال بُكير خادمه (١): وَجَد الشبلي خِفَّةً يوم الجمعة من وجعٍ كان به سَلْخ ذي الحجة [سنة أربع وثلاثين وثلاث مئة]، فقال لي: يا بُكير، تعز [إلى] الجامع؟ قلتُ: نعم، فخرجنا واتَّكأَ على يدي، فلمَّا حصلنا في الورَّاقين من الجانب الشرقي تلقَّانا رجلٌ شيخ، فقال الشبلي: غدًا يكونُ لي مع هذا الشيخ شأنٌ من الشأن، فقلتُ: يا سيدي مَن هو؟ فقال: هذا المُقبِل (٢)، وأومأ إليه بيده، وصلَّينا ورجعنا.
فلمَّا كانت ليلة السبت قضى، فقيل: في موضع كذا وكذا من درب السَّقَّائين شيخٌ صالح يغسل الموتى، فجئتُ إلى بابه فطرقتُه، فقال لي من داخل الدار: مات الشبلي، ثم خرج فإذا هو الشيخُ الذي لقيناه بالأمس، فقلتُ: لا إله إلا الله! فقال: ما لك؟ فقلت: بالله يا سيدي، من أين لك أنَّ الشبلي قد مات؟ فقال يا أبْلَه، فمن أين يكون لي مع الشبلي شأنٌ من الشأن إلا اليوم (٣)؟!
[وحدثنا غير واحد عن أبي القاسم الحَريري بإسناده، عن أبي القاسم النَّحاس قال: سمعتُ يوسف بن يعقوب الأصبهاني يقول: قال الأدمي القارئ: رأيتُ في المنام كأنَّ كلَّ مقبرة الخَيزُران أهلها جلوسٌ على قبورهم، فقلتُ: مَن تنتظرون؟ قالوا: قد وُعِدنا
стр. 8079
يَجيئنا رجلٌ يُدفَن عندنا، يَهَب الله مُحْسِنَنا ومُسيئنا له، فبَكَّرتُ وجلستُ في المقابر، وإذا بجنازة الشبلي، فدُفِن عندهم (١).
وكانت وفاته في ذي الحجَّة من هذه السنة، وقيل: في سنة خمس وثلاثين [وثلاث مئة]، مات هو وعلي بن عيسى الوزير في يوم واحد، وقيل: إنَّ عليًّا مات في السنة الآتية، وسنذكره هناك إن شاء الله تعالى.
ومات الشبليُّ وله سبعٌ وثمانون سنة، ودُفن بمقابر الخَيزُران قريبًا من مَشْهد أبي حنيفة، وعليه قُبَّةٌ، وقبره ظاهرٌ يُزار.
[وحكى ابن خَميس في "المناقب" أنه] رُئي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: لم يُطالبْني بالبَراهين على الدَّعاوى إلا على شيءٍ واحد، قال: قلتُ يومًا: لا خَسارةَ أعظم من خُسْران الجنَّة ودخول النار، [فقال:] وأيُّ خسارةٍ أعظمُ من خُسران لقائي (٢)؟!
وقد ذكرنا أنَّه كتب الحديث الكثير، ولكنه اشتغل بحاله عن الرِّواية، وقد أخرج له الخطيب حديثًا عن أبي سعيد الخُدْريّ قال: قال رسول الله ﷺ لبلال: "اِلْقَ اللهَ فقيرًا ولا تلْقَهُ غَنيًّا" قال: وكيف لي بذلك؟ فقال: "ما سُئلتَ فلا تَمنَع، وما رُزقتَ فلا تَجمع، أو لا تَخْبأ"، فقال: يا رسول الله، وكيف لي بذلك؟ فقال: "هو ذاك وإلا فالنار" (٣).
стр. 8080
فصل
وقد أثنى عليه العلماء والأئمة، [منهم أبو عبد الرَّحمن السُّلمي، والقُشيري، والخطيب، وابن خَميس في "المناقب"، وابن باكويه وغيرهم] وشَنَّع عليه أقوامٌ بألفاظ تقتضي الشَّطْح، منها أنَّهم قالوا عنه: إنَّه قال: كتبتُ الحديث والفقه أربعين سنةً حتى أسفَرَ الصُّبح، فجئتُ إلى كلِّ مَن كتبتُ عنه أُريد فِقْه الله فما كَلَّمني أحد.
وقال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي: وقف عليّ بن مَهْدي على حَلْقة الشبلي وبيده مِحْبَرةٌ، فلمَّا رآها الشبلي أنشد: [من المتقارب]
تَسَرْبَلْتُ للحُزنِ ثَوبَ الغَرَق … وهِمتُ (١) البلادَ لوَجْدِ القَلَقْ
وفيك هتكتُ قناعَ العزاء … وعنك نَطَقْتُ لدى مَن نَطَقْ
إذا خاطَبوني بعلم الوَرَقْ … بَرَزْتُ عليهم بعلم الخِرَقْ
وقال علي بن عَقيل: قال الشبلي: قال الله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ [الضحى: ٥] قال: يُشفِّع محمدًا ﷺ في أُمَّته، والله لا يرضى محمدٌ ﷺ وفي النار من أُمَّته أحد، ثم قال الشبلي: وأنا أشفَعُ بعده حتى لا يبقى في النار أحد (٢).
وقال المصنف ﵀: جاء في الحديث أنَّ لكلِّ مؤمنٍ شفاعةً (٣)، فإذا انتهت شفاعةُ الشافعين يقول الله: قد بقيت شفاعتي، لا يبقى في النار أحدٌ، يعني من المُوَحِّدين، وأدنى أحوال الشبلي أن يكونَ كآحاد المؤمنين.
وقال علي بن محمد بن أبي صابر الدَّلّال: وقفتُ على حَلْقة الشبلي في قُبَّة الشُّعراء بجامع المنصور والناسُ مُجتمعون عليه، فوقف في الحَلْقة غُلامٌ أمرد يُعرَف بابن مُسلم، لم يكن بالعراق أحسن وَجْهًا منه، فقال له الشبلي: تَنَحَّ، فلم يَبْرَح، فقال له:
стр. 8081
تَنَحَّ وإلا خَرَّقْتُ كلَّ ما عليك، وكان عليه ثيابٌ لها قيمة، فانصرف الغلام، فأنشد الشبلي: [من مجزوء الخفيف]
طَرَحوا اللَّحمَ للبُزا … ةِ على ذِرْوَتَي عَدَنْ
ثمَّ لاموا البُزاةَ إذْ … خَلَعوا فيهم الرَّسَنْ
لو أرادوا صَلاحَنا … سَتَروا وَجْهَك الحَسَنْ
قال ابن أبي صابر: فجعلتُ أُكرِّرُ الأبيات وكان أبي معي، فقال: ألا أُنشدك أحسنَ من هذا؟ قلتُ: بلى، قال: أنشدني أبو علي بن مُقْلَة الوزير: [من المتقارب]
أيا ربِّ تَخْلُق أقمارَ ليلٍ … وأغصانَ بانٍ وكُثبانَ رَمْلِ
وتُبدعُ في كلِّ طَرْفٍ بسِحْرٍ … وفي كلِّ عضوٍ رَشيقٍ بشَكْلِ
وتَنْهى عبادَك أن يَعْشَقوا … أيا حَكَمَ العَدْلِ ذا حُكْمُ عَدْلِ (١)
وهذا خطأ مَحْض (٢).
ومنها أنَّه أُنكِر عليه اكتحالُه بالمِلْح والمِيل المُحَمّى.
[قلت:] وهذا موضع الإنكار، [فإن الشرع لم يوجب غَسْل باطن العينين بالماء خوفًا من الإضرار، فكيف بالملح والنار؟!] غير أنَّ طريقة أرباب المُجاهَدات والرِّياضات غيرُ طريقة أرباب البَطالات، ولا خلاف أنَّ الشبلي كان من أرباب الكرامات، والأولى تسليمُ حاله إليه، ولا يُعْتَرَض عليه (٣)، رحمة الله عليه.
стр. 8082
السنة الخامسة والثلاثون وثلاث مئة (١)
فيها لما توجَّه ناصرُ الدولة إلى الموصل جَدَّد معزُّ الدولة الأيمان بينه وبين المُطيع، وأنَّه لا يُمالئ عليه، وأزال عنه التَّوكيل، وأعاده إلى دار الخلافة.
وصُرف القاضي محمد بن الحسن بن أبي الشَّوارب عن القضاء بالجانب الغربي من بغداد، وتقلَّد أبو الحسن محمد بن صالح ويعرف بابن أُمِّ شَيبان القضاء مضافًا إلى الجانب الشَّرقي من بغداد.
وفيها بعد موت الإخشيد سار سيفُ الدولة من حَلَب فمَلَك دمشق، واستأمن إليه يانس المؤنسي، ثم سار سيفُ الدولة فنزل الرَّمْلَةَ، وجاء أنوجور بن الإخشيد من مصر بالجيوش، والقَيِّم بأمره كافور الإخشيدي، فرجع سيفُ الدولة إلى دمشقَ، وسار خلفه أنوجور فانهزم إلى حلب، فسار خلفه فانهزم إلى الرَّقَّة، ثم اتفقا على أن يكون لسيف الدولة ما كان أوفى من الإخشيد (٢)، حلب وحمص وأنطاكية، وعاد أنوجور إلى مصر.
وفيها اتَّفق ناصرُ الدولة ومعزُّ الدولة على أن يكون لناصر الدولة من تَكْريت إلى الشام، وكان ناصر الدولة قد عاد من الموصل فنزل عُكبَرا، فلمَّا اتَّفقا وبلغ التُّركَ -وكانوا نازلين شرقي عُكبَرا- عبروا إلى ناصر الدولة ليقتلوه حيث صالح، فانهزم إلى المَوْصل، وكان السَّفيرُ في الصُّلح أبا بكر بن قَرابة، فقبضوا عليه، وقدَّموا عليهم تِكِين الشِّيرازي -وكانوا خمسةَ آلاف- فساروا يطلبون ناصر الدولة، واستأمن ينال كوشاه ولؤلؤ إلى معزِّ الدولة.
وسار ناصر الدولة سريعًا ومعه أبو جعفر بن شيرزاد، وكان قد هرب من معزِّ الدولة إلى ناصر الدولة، فلمَّا قَرُب من الموصل سمَلَه خوفًا منه، وحبسه في قلعة الموصل، وقيل: إنَّ ابن شيرزاد أشار على توزون بسَمْل المُتَّقي، فعوقب بمثل ما أشار به.
стр. 8083
وبعث ناصر الدولة إلى أخيه سيف الدولة بحلب يَستَمِدُّه على الأتراك، وبعث إلى معزِّ الدولة أيضًا، فأمدُّوه، وسار إلى سِنْجار والتُّرك خلفه، فنزل الحَديثة، وجاءته العساكر من بغداد وحلب، وكان مُقَدَّم العساكر البغدادية أبو جعفر الصَّيمَري وأصفهدوست الدَّيلَميَّان، والتَقَوا على الحَديثة، فانهزم تِكِين والتُّرْك، وقُتلوا وأُسروا، وهَلَك منهم خلقٌ عظيم.
ورجع ناصر الدولة إلى المَوْصل، وترك أصفهدوست بالجانب الشَّرقي، وعبر ناصر الدولة إلى خَيمة أصفهدوست، وخرج من عنده ولم يَعُد إليه، ونَدم على عُبوره إليه وقال: فَرَّطْتُ في نفسي، وقال أصفهدوست: ضَيَّعتُ الحَزْم حيث لم أقدر على ناصر الدولة.
وقيل: إنما كان القائل لهذا الصَّيمَري وكان قد قال لمعزِّ الدولة: أقبضُه؟ فنهاه عن ذلك وقال: هذا قبيحٌ بين الملوك.
وطلب الصَّيمَري من ناصر الدولة جماعةً كانوا عنده من أصحاب مُعزِّ الدولة والمال المُقَرَّر عليه، فأعطاه المال والجماعة، وفيهم ابن شيرزاد مَسْمولَ العينَين، وأخذ الصَّيمَري هبةَ الله بن ناصر الدولة رَهينةً.
وفيها دخل ركن الدولة الرَّي والجبال واستولى عليها.
ولم يحجَّ أحدٌ في هذه السنة.
وفيها توفي
الحسن بن حَمُّويه بن الحسين
أبو (١) محمد، [القاضي]، الأَسْتَراباذي.
كان على قَضاء أَسْتَراباذ مدةً طويلةً، وكان من قُوَّام الليل المتَهَجِّدين في الأسْحار، يُضرَب المثل به في قَضاء حوائج الناس، والقيامِ بأمورهم بنفسه وماله.
[وعقد مجلسَ الإملاء بأَسْتراباذ، وروى عنه أهلُها،] ومات فجأةً على بطن جاريته.
[حدَّث عن محمد بن إسحاق بن راهَوَيه، وخلقٍ كثير، وكان مشهورًا بالصلاح.]
стр. 8084
[وفيها توفي]
علي بن عيسى
ابن داود بن الجَرَّاح، أبو الحسن، الوزير، البغدادي (١).
ولد سنة خمس وأربعين ومئتين، وكان جدُّه داود من دَير قُنَّى ضَيعةٍ بالعراق، وكان أبوه عيسى من وجوه الكُتَّاب، وأصلُهم من الفُرْس.
[وذكره الخطيب فقال:] كان عالمًا (٢)، فاضِلًا، عاقِلًا، دَيِّنًا، عادِلًا، صالحًا، عَفيفًا في ولايته، محمودَ الأثرِ في وزارته، حسنَ الطريقة في سيرته، كثيرَ المعروف والبرِّ وقراءةِ القرآن والصَّلاة والصيام، مُحِبًّا لأهل العلم، كثيرَ المُجالسَة لهم.
وكان يقول: كَسَبتُ سبع مئة ألف دينارٍ أو ثمان مئة ألف دينار، أخرجتُ منها في وجوه البِرِّ ستَّ مئة ألف دينار وثمانين ألفًا.
[قال:] وكان مَعروفًا بالسِّتر والأمانة، والصَّلاح والدِّيانة، والعِفَّة والصِّيانة.
[قال:] ودخل عليه القاضي عمر بن أبي عمر وعليه ثوبٌ استحسنه الوزير، فأدخل يده فيه يَسْتَشِفُّه وقال: بكم أشترى القاضي هذا الثوبَ؟ فقال: بسبعين دينارًا، فقال الوزير. لكنِّي لم ألبَس ثوبًا قطُّ يرْيدُ ثَمَنُه على ستة دنانير أو سبعة، فقال له القاضي: الوزْيرُ يُجَمِّلُ الثياب، ونحن نتجَمَّلُ بالثياب.
[وحكى الصُّولي قال:] كان أبو بكر بن مُجاهد يأتي في كلِّ جُمعة إلى دار الوزير علي بن عيسى، فيُجلسُه في مَرْتبته، ويَقعدُ بين يديه، ويقرأ عليه القرآن، ويخاطبه بالأستاذ، ويقول للحاجب: لا تأذن لأحدٍ في ذلك الوقت.
[وحكى الحافظ ابن عساكر عن أبي عمر الأنماطي قال:] ركب (٣) علي بن عيسى يومًا، فقال الناس: مَن هذا [مَن هذا]؟ وامرأةٌ قائمةٌ على الطَّريق فقالت: كم تقولون:
стр. 8085
مَن هذا؟ هذا عبدٌ سقط من عين الله، فابتلاه بما تَرون، وسَمعها علي بن عيسى، فرجع واستعفى من الوزارة، وذهب إلى مكة فجاوَر بها.
وحكى الخطيب عن أبي سَهْل بن القَطَّان قال (١): كنتُ مع علي بن عيسى لما خرج من بغداد إلى مكة، فطُفنا في يومٍ شديد الحَرِّ، فوقع مثل الميت وقال: أشتهي شَربةً من ماءٍ بثَلْج، فقلت من أين هنا ثلج؟! هذا معدوم.
فبينما نحن كذلك إذ نشأت سحابةٌ عظيمة في الحال، فأمطرت بَرَدًا كثيرًا، بحيث جمع الناس منه ما ملؤوا به الحِباب والجِرار، فقلت له: أنت رجل موفَّق، وهذه علاماتُ الإقبال، وكان صائمًا، فلمَّا صَلَّينا المغرب قَدَّمْتُ الكاسات فيها الأسْوقَة والسُّكَّر مَخلوطًا بالماء والبَرَد، فقال: ليتني تمنَّيتُ المغفرة، فسقى كلَّ مَن في الحَرَم من الصُّوفية والمُجاورين وغيرهم، وشرب هو قليلًا.
وحكى الحافظ ابن عساكر عن محمد بن خَفيف قال (٢): لمَّا عُزل علي بن عيسى من الوزارة وخرج مُجاورًا إلى مكة خرج معه الماذَرائي وابن زُنْبُور، فقال لهما: اعزِما على المُجاورة معي، فقال الماذرائي: أنا لا أصبر على (٣) حرِّ مكة، وقال ابن زنبور: أنا أُقيم معك.
وأخذ علي بن عيسى في العبادة العظيمة والمُجاهَدة القويَّة، وكان شيخ بالحرم ينظر إليه، فقال لي: مَن هذا؟ قلتُ: الوزير، قال: ليس لله فيه شيء، قال: فاستَجْهَلْتُه، ثم لقيتُه مرةً أُخرى فقال لي كذلك، واجتمعتُ بالوزير في منزله وأخبرتُه، فرمى باللُّقْمَة من يده، ثم أطرق ساعة، ثم قال: إنْ عاوَدَك فسَلْه.
[قال:] فلقيتُه، فسألني عنه وقال لي كذلك، فقلتُ له: بم ذا؟ قال: وَجَد مُناه لا بارك الله له فيه.
стр. 8086
[قال:] فأخبرتُ الوزير فقال: ويْحَك، ما رأيتُ أعجبَ منك، رأيتَ الخَضِرَ ثلاثَ مَرَّات وأنت لا تعرفُه، فلمَّا كان بعد أيام قدم حاجب الخليفة، ومعه خمسُ مئة راحلة وكتاب إلى علي بن عيسى يستدعيه، فما رؤي بعد ذلك في المسجد.
[قلت: وهذه الحكاية تدلّ على فضل الوزير لا على ذَمِّه؛ لأنه عرف الخضر والرجل لم يعرفه، وقول الخضر: ما فيه شيء لله؛ أراد مرتبة الكمال وترك الدنيا، ولا خلاف في دين الوزير وصلاحه، وكذا قول الخضر: وجد مناه، أراد له الدنيا.]
وكان الوزير مُمَدَّحًا، وفيه يقول الشاعر: [من الطويل]
وَحَسبُك أنِّي لا أرى لك عائبًا … سِوى حاسدٍ والحاسدون كثيرُ
وأنَّك مثل الغيث أمَّا سَحابُه … فمُزْنٌ وأمَّا ماؤه فطَهورُ (١)
[قال الخطيب:] وكان الوزير فَصيحًا أديبًا (٢) ومن شعره: [من الطويل]
فمَن كان [عنِّي] سائلًا بشماتة … لما نابني أو شامتًا غير سائلِ
فقد أبرَزَتْ منِّي الخطوبُ ابنَ حُرَّةٍ … صَبورًا على أهوال تلك الزَّلازل
[ذكر حكايته مع الأسارى:
حكى القاضي مُكْرَم بن بكر قال: دخلتُ على علي بن عيسى ذات يوم وهو مَهْموم، فقلتُ: ما الذي بالوزير؟ فقال: كتب إليَّ عاملُ الثَّغْر يقول: إنَّ الأُسارى الذين عند الرُّوم من المسلمين كانوا في رِفْقٍ حتى وَلِي ملك الروم آنفًا، فعَسَفَهم وأجاعهم [وأعراهم] وعاقبهم، وأنهم في ضُرٍّ شديد وعذابٍ أليم، ولا حيلة لي في هذا، والخليفة لا يُساعدني على إنفاق الأموال وإنفاذ الجيوش إلى القُسْطنطينية، فقلتُ: هاهنا أمرٌ أسهل من هذا، قال: وما هو؟ قلتُ: بأنطاكية عظيمٌ لهم يُقال له: البَطْرك، وبالقدس آخر يُقال له: الجاثليق، وأمرُهما نافذٌ على ملك الروم، وهما في ذِمَّتنا،
стр. 8087
فيأمر الوزير بإحضارهما، ويأمرهما بإزالة ما تَجدَّد على الأسارى، فإن لم يُزَل لم يَطلُب بتلك الجريرة غيرهما (١)، فكتب يستدعيهما.
فلمَّا كان بعد شهرين دخلتُ عليه وهو مَسرورٌ، فقال: جزاك الله خيرًا عن الإسلام وعن دينك وعنِّي [وعن المسلمين]، هذا رسول العامل قد ورد، ثم قال له: أخبِرْه بما جرى، فقال: نَدَبَني العامل مع رسول (٢) البَطْرك والجاثليق إلى القُسْطنطينية، وكتبا معي كتابًا إلى الملك: إنَّك قد خرجتَ بما فعلتَ من مِلَّة المَسيح، وليس لك الإضرارُ بالأسارى، فإن أزلتَ ما فعلتَ وإلا أخرجناك من دين المسيح، ولَعنَّاك على [هذين] الكُرسيين.
قال الرسول: فلمَّا وَرَدْنا على الملك دفعنا إليه الكتابَين، فأخذهما وأنزلَنا وأكْرَمَنا، فلمَّا كان بعد أيام استدعانا، وأحضر الأُسارى وقد صَلُحَت أحوالُهم وكساهم، وكانوا قبل ذلك موتى، كأنَّهم قد نُبِشوا من القبور.
[قال:] فسألني واحدٌ من الأسارى عن السَّبب، فأخبرتُهم أنَّ الوزير علي بن عيسى بلغه ما أنتم فيه، فكتب وفعل [ما فعل]، فضجُّوا بالدُّعاء له، وقالت امرأةٌ: قِرَّ يا علي (٣) ابن عيسى، لا نسي الله لك هذا الفعل.
وسجد الوزيرُ شكرًا لله وجعل يبكي، فقلتُ: أيُّها الوزير، سمعتُك وأنت تتبَرَّم بالوزارة، فهل كنتَ تقدر على تحصيل هذه المَثوبة لولا الوزارة، فشكرني وانصرفتُ.
[ذكر حكايته مع العَطَّار:
حكاها القاضي التَّنوخي، عن أبيه قال: حدثني جماعة أنه] كان (٤) بالكَرْخ عَطَّارٌ، فركبه دَينٌ وكان مَستورًا، فقام من دُكَّانه، ولزم المسجد والصلاة والدُّعاء، فنام ليلةً، فرأى النبيَّ ﷺ في منامه وكانت ليلةَ الجمعة، فقال له: يا فلان اقصِد علي بن عيسى فقد أمرتُه أن يُعطيَك أربع مئة دينار، فخُذْها وأصلحْ بها حالك -قال: وكان عليَّ ستُّ
стр. 8088
مئة دينار- فانتبهتُ وقلتُ: منام هو، ثم قلتُ: فقد قال النبي ﷺ : "من رآني في المنام فقد رآني، فإنَّ الشيطان لا يَتَمثَّل بي" (١).
فقصدتُ باب الوزير فمُنعتُ منه، فقعدتُ حتى ضاق صدري، وهَمَمتُ بالانصراف، وإذا بحاجبه قد خرج فقال: أين كنتَ والوزير من وقت السَّحر إلى الساعة ينتظرك، وقد جدَّ في طلبك [وبثَّ الرسل].
ثم أدخلني على الوزير فقال: أنت فلان من أهل الكَرْخ؟ قلتُ: نعم، فقال: جائني البارحةَ رسولُ الله ﷺ في المنام وقال: أعط فلانًا العَطَّار أربعَ مئة دينار، وهذه أربعُ مئة دينار امتثالًا لأمر رسول الله ﷺ ، وستُّ مئة دينار منِّي لك، فقلتُ: أيُّها الوزير، ما أُحبُّ أن أزيدَ على عطاء (٢) رسول الله ﷺ شيئًا، فقال: هذا هو اليقين (٣)، وأخذتُ الأربع مئة دينار وخرجتُ، واصطلحْتُ [مع] غُرمائي بالبعض وأبقَوا البعض، وفرَّقت فيهم مئتي دينار، وأخلوني ثلاث سنين، وفتحتُ دُكَّاني بمئتي دينار، فما حال عليَّ الحول إلا ومعي ألف دينار، فقضيتُ دَيني، وصَلُحَت حالي.
وقال عيسى بن علي بن عيسى: كان لأبي بكر الصُّولي على أبي في كل سنة شيءٌ يعطيه، فشُغل عنه، وتَردَّد إليه مرارًا فلم يصل إليه، فكتب إليه: [من الطويل]
خَلُقْتُ (٤) على باب ابن عيسى كأنَّني … قِفا نَبْكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ
إذا جئتُ أشكو طولَ فَقْرٍ وحاجةٍ … يقولون لا تَهْلِك أسىً وتَجَمَّلِ
وفاضَتْ دموعُ العين من قُبْح رَدِّهم … على النَّحْرِ حتى بَلَّ دَمْعي محْملي
لقد طال تَرْدادي وقَصْدي إليهم … فهل عند رَسْمٍ دارِسٍ من مُعَوَّلِ
قال الصُّولي: فنَمَّ الخبر، فاستدعاني وقال: فهل عند رَسْمٍ دارسٍ من مُعَوَّل؟ فاستحييتُ وقلتُ: أصلح الله الوزير، ما بقي عندي شيءٌ، وأنا كما ترى، فأمر لي بخمسة آلاف درهم، فأخذتُها وانصرفتُ.
стр. 8089
واختلفوا في وفاته على قولين؛ أحدهما: في هذه السنة، والثاني: في السنة الماضية، مات هو والشبلي في يومٍ واحد.
أسند الحديث عن خَلْقٍ كثير، وكان يسمع عليهم في داره، وسمع شيوخ الشام بدمشق في سنة ثلاث عشرة وثلاث مئة، وقدم الشام مرَّتين (١).
ومن رواياته عن ابن عباس قال: ما رأيتُ قومًا خيرًا من أصحاب رسول الله ﷺ ، ما سألوا إلا بضعة عشر مسألة كلُّهن في القرآن: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة: ٢٢٠]، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ما كانوا يسألون إلا عمَّا ينفعُهم (٢).
[وفيها توفي]
محمد بن أحمد
ابن الربيع بن سليمان، أبو رجاء، الشافعي، الفقيه، الشاعر.
[ذكره جدي في "المنتظم (٣) " وقال:] له قصيدةٌ ضَمَّنها أخبار العالم، وذَكَرَ قصَصَ الأنبياء [نبيًّا نبيًّا] وسئل قبل موته بنحوٍ من سنتين: كم بلغت قصيدتُك إلى الآن؟ فقال: ثلاثين ومئة ألف بيت، وقد بقي الطبُّ والفلسفة.
[قلتُ: وهذه القصيدة من جنس "أخبار الزمان" للمسعودي.]
وكانت وفاته في ذي الحجة ببغداد [، وكتب عن علي بن عبد العزيز وغيره].
هارون بن محمد
ابن هارون بن علي [بن عيسى] بن موسى، أبو جعفر، الضَّبِّي (٤).
стр. 8090
كان أسلافُه ملوكَ عُمان من قديم الزمان، وأول مَن انتقل منهم إلى بغداد هارون بن محمد، فأقام بها، وارتفع قدرُه عند السلطان، وانتشرت مكارمُه وعطاياه، وانتابه الشعراء من كلِّ مكان وامتدحوه، وأجزل صِلاتهم، وأنفق أموالًا عظيمةً في العلماء والأشراف من الطَّالبيِّين والعباسيِّين وغيرهم، واقتنى الكتبَ المَنسوبة.
وكان مُبرِّزًا في اللغة والنحو والشعر ومعاني القرآن والكلام، وكانت داره مَجمعًا لأهل العلم حتَّى توفي بها، رحمة الله عليه.