← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 8086–8125 · переход к 8091.

стр. 8086

[قال:] فأخبرتُ الوزير فقال: ويْحَك، ما رأيتُ أعجبَ منك، رأيتَ الخَضِرَ ثلاثَ مَرَّات وأنت لا تعرفُه، فلمَّا كان بعد أيام قدم حاجب الخليفة، ومعه خمسُ مئة راحلة وكتاب إلى علي بن عيسى يستدعيه، فما رؤي بعد ذلك في المسجد. [قلت: وهذه الحكاية تدلّ على فضل الوزير لا على ذَمِّه؛ لأنه عرف الخضر والرجل لم يعرفه، وقول الخضر: ما فيه شيء لله؛ أراد مرتبة الكمال وترك الدنيا، ولا خلاف في دين الوزير وصلاحه، وكذا قول الخضر: وجد مناه، أراد له الدنيا.] وكان الوزير مُمَدَّحًا، وفيه يقول الشاعر: [من الطويل] وَحَسبُك أنِّي لا أرى لك عائبًا … سِوى حاسدٍ والحاسدون كثيرُ وأنَّك مثل الغيث أمَّا سَحابُه … فمُزْنٌ وأمَّا ماؤه فطَهورُ (١) [قال الخطيب:] وكان الوزير فَصيحًا أديبًا (٢) ومن شعره: [من الطويل] فمَن كان [عنِّي] سائلًا بشماتة … لما نابني أو شامتًا غير سائلِ فقد أبرَزَتْ منِّي الخطوبُ ابنَ حُرَّةٍ … صَبورًا على أهوال تلك الزَّلازل [ذكر حكايته مع الأسارى: حكى القاضي مُكْرَم بن بكر قال: دخلتُ على علي بن عيسى ذات يوم وهو مَهْموم، فقلتُ: ما الذي بالوزير؟ فقال: كتب إليَّ عاملُ الثَّغْر يقول: إنَّ الأُسارى الذين عند الرُّوم من المسلمين كانوا في رِفْقٍ حتى وَلِي ملك الروم آنفًا، فعَسَفَهم وأجاعهم [وأعراهم] وعاقبهم، وأنهم في ضُرٍّ شديد وعذابٍ أليم، ولا حيلة لي في هذا، والخليفة لا يُساعدني على إنفاق الأموال وإنفاذ الجيوش إلى القُسْطنطينية، فقلتُ: هاهنا أمرٌ أسهل من هذا، قال: وما هو؟ قلتُ: بأنطاكية عظيمٌ لهم يُقال له: البَطْرك، وبالقدس آخر يُقال له: الجاثليق، وأمرُهما نافذٌ على ملك الروم، وهما في ذِمَّتنا،

стр. 8087

فيأمر الوزير بإحضارهما، ويأمرهما بإزالة ما تَجدَّد على الأسارى، فإن لم يُزَل لم يَطلُب بتلك الجريرة غيرهما (١)، فكتب يستدعيهما. فلمَّا كان بعد شهرين دخلتُ عليه وهو مَسرورٌ، فقال: جزاك الله خيرًا عن الإسلام وعن دينك وعنِّي [وعن المسلمين]، هذا رسول العامل قد ورد، ثم قال له: أخبِرْه بما جرى، فقال: نَدَبَني العامل مع رسول (٢) البَطْرك والجاثليق إلى القُسْطنطينية، وكتبا معي كتابًا إلى الملك: إنَّك قد خرجتَ بما فعلتَ من مِلَّة المَسيح، وليس لك الإضرارُ بالأسارى، فإن أزلتَ ما فعلتَ وإلا أخرجناك من دين المسيح، ولَعنَّاك على [هذين] الكُرسيين. قال الرسول: فلمَّا وَرَدْنا على الملك دفعنا إليه الكتابَين، فأخذهما وأنزلَنا وأكْرَمَنا، فلمَّا كان بعد أيام استدعانا، وأحضر الأُسارى وقد صَلُحَت أحوالُهم وكساهم، وكانوا قبل ذلك موتى، كأنَّهم قد نُبِشوا من القبور. [قال:] فسألني واحدٌ من الأسارى عن السَّبب، فأخبرتُهم أنَّ الوزير علي بن عيسى بلغه ما أنتم فيه، فكتب وفعل [ما فعل]، فضجُّوا بالدُّعاء له، وقالت امرأةٌ: قِرَّ يا علي (٣) ابن عيسى، لا نسي الله لك هذا الفعل. وسجد الوزيرُ شكرًا لله وجعل يبكي، فقلتُ: أيُّها الوزير، سمعتُك وأنت تتبَرَّم بالوزارة، فهل كنتَ تقدر على تحصيل هذه المَثوبة لولا الوزارة، فشكرني وانصرفتُ. [ذكر حكايته مع العَطَّار: حكاها القاضي التَّنوخي، عن أبيه قال: حدثني جماعة أنه] كان (٤) بالكَرْخ عَطَّارٌ، فركبه دَينٌ وكان مَستورًا، فقام من دُكَّانه، ولزم المسجد والصلاة والدُّعاء، فنام ليلةً، فرأى النبيَّ ﷺ في منامه وكانت ليلةَ الجمعة، فقال له: يا فلان اقصِد علي بن عيسى فقد أمرتُه أن يُعطيَك أربع مئة دينار، فخُذْها وأصلحْ بها حالك -قال: وكان عليَّ ستُّ

стр. 8088

مئة دينار- فانتبهتُ وقلتُ: منام هو، ثم قلتُ: فقد قال النبي ﷺ : "من رآني في المنام فقد رآني، فإنَّ الشيطان لا يَتَمثَّل بي" (١). فقصدتُ باب الوزير فمُنعتُ منه، فقعدتُ حتى ضاق صدري، وهَمَمتُ بالانصراف، وإذا بحاجبه قد خرج فقال: أين كنتَ والوزير من وقت السَّحر إلى الساعة ينتظرك، وقد جدَّ في طلبك [وبثَّ الرسل]. ثم أدخلني على الوزير فقال: أنت فلان من أهل الكَرْخ؟ قلتُ: نعم، فقال: جائني البارحةَ رسولُ الله ﷺ في المنام وقال: أعط فلانًا العَطَّار أربعَ مئة دينار، وهذه أربعُ مئة دينار امتثالًا لأمر رسول الله ﷺ ، وستُّ مئة دينار منِّي لك، فقلتُ: أيُّها الوزير، ما أُحبُّ أن أزيدَ على عطاء (٢) رسول الله ﷺ شيئًا، فقال: هذا هو اليقين (٣)، وأخذتُ الأربع مئة دينار وخرجتُ، واصطلحْتُ [مع] غُرمائي بالبعض وأبقَوا البعض، وفرَّقت فيهم مئتي دينار، وأخلوني ثلاث سنين، وفتحتُ دُكَّاني بمئتي دينار، فما حال عليَّ الحول إلا ومعي ألف دينار، فقضيتُ دَيني، وصَلُحَت حالي. وقال عيسى بن علي بن عيسى: كان لأبي بكر الصُّولي على أبي في كل سنة شيءٌ يعطيه، فشُغل عنه، وتَردَّد إليه مرارًا فلم يصل إليه، فكتب إليه: [من الطويل] خَلُقْتُ (٤) على باب ابن عيسى كأنَّني … قِفا نَبْكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ إذا جئتُ أشكو طولَ فَقْرٍ وحاجةٍ … يقولون لا تَهْلِك أسىً وتَجَمَّلِ وفاضَتْ دموعُ العين من قُبْح رَدِّهم … على النَّحْرِ حتى بَلَّ دَمْعي محْملي لقد طال تَرْدادي وقَصْدي إليهم … فهل عند رَسْمٍ دارِسٍ من مُعَوَّلِ قال الصُّولي: فنَمَّ الخبر، فاستدعاني وقال: فهل عند رَسْمٍ دارسٍ من مُعَوَّل؟ فاستحييتُ وقلتُ: أصلح الله الوزير، ما بقي عندي شيءٌ، وأنا كما ترى، فأمر لي بخمسة آلاف درهم، فأخذتُها وانصرفتُ.

стр. 8089

واختلفوا في وفاته على قولين؛ أحدهما: في هذه السنة، والثاني: في السنة الماضية، مات هو والشبلي في يومٍ واحد. أسند الحديث عن خَلْقٍ كثير، وكان يسمع عليهم في داره، وسمع شيوخ الشام بدمشق في سنة ثلاث عشرة وثلاث مئة، وقدم الشام مرَّتين (١). ومن رواياته عن ابن عباس قال: ما رأيتُ قومًا خيرًا من أصحاب رسول الله ﷺ ، ما سألوا إلا بضعة عشر مسألة كلُّهن في القرآن: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة: ٢٢٠]، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ما كانوا يسألون إلا عمَّا ينفعُهم (٢). [وفيها توفي] محمد بن أحمد ابن الربيع بن سليمان، أبو رجاء، الشافعي، الفقيه، الشاعر. [ذكره جدي في "المنتظم (٣) " وقال:] له قصيدةٌ ضَمَّنها أخبار العالم، وذَكَرَ قصَصَ الأنبياء [نبيًّا نبيًّا] وسئل قبل موته بنحوٍ من سنتين: كم بلغت قصيدتُك إلى الآن؟ فقال: ثلاثين ومئة ألف بيت، وقد بقي الطبُّ والفلسفة. [قلتُ: وهذه القصيدة من جنس "أخبار الزمان" للمسعودي.] وكانت وفاته في ذي الحجة ببغداد [، وكتب عن علي بن عبد العزيز وغيره]. هارون بن محمد ابن هارون بن علي [بن عيسى] بن موسى، أبو جعفر، الضَّبِّي (٤).

стр. 8090

كان أسلافُه ملوكَ عُمان من قديم الزمان، وأول مَن انتقل منهم إلى بغداد هارون بن محمد، فأقام بها، وارتفع قدرُه عند السلطان، وانتشرت مكارمُه وعطاياه، وانتابه الشعراء من كلِّ مكان وامتدحوه، وأجزل صِلاتهم، وأنفق أموالًا عظيمةً في العلماء والأشراف من الطَّالبيِّين والعباسيِّين وغيرهم، واقتنى الكتبَ المَنسوبة. وكان مُبرِّزًا في اللغة والنحو والشعر ومعاني القرآن والكلام، وكانت داره مَجمعًا لأهل العلم حتَّى توفي بها، رحمة الله عليه.

стр. 8091

السنة السادسة والثلاثون وثلاث مئة (١) فيها خرج معزُّ الدولة والمُطيع من بغداد إلى البصرة لمحاربة أبي القاسم عبد الله بن أبي عبد الله البريدي، فسلكوا طريقَ البَرِّيَّة، فجاءهم رسولُ القَرامطة من هَجَر يلومهم على سلوك البرية بغير أمرهم، فسبَّ معزُّ الدولة الرسول والقِرمطي وقال: مَن أنتم حتَّى تُستَأذنوا، إذا فرغنا من البصرة عُدنا إليكم فاستأصلناكم، ومزَّق كتابهم ولم يقرأه، وطرَدَ الرسول. ولمَّا قارب البصرةَ استأمَن إليه جيش البريدي، وهرب البريدي إلى القرامطة، واستولَى معزُّ الدولة على البصرة وعلى أموال البريدي، وأقطع المطيعَ ضياعًا عِوَضَ ما كان يُعطيه وهو ألفا درهم كلَّ يوم، وكان مَغلُّ الضياع كلَّ سنة مئة ألف دينار، ثم تناقصت إلى خمسين ألف دينار. وفيها وصل عمادُ الدولة أبو الحسن علي بن بُوَيه إلى الأهواز، فسار أخوه معزُّ الدولة لتلقِّيه، وتأخَّر المُطيع بالبصرة ومعه الصَّيمَري، ووصل معزُّ الدولة إلى أَرَّجان في شعبان وقد نزل بها عماد الدولة، فقبَّل معزُّ الدولة الأرض بين يديه، ووقف قائمًا، فأمره بالقعود فلم يقعد، وكان يأتي كلَّ يوم إلى خدمة أخيه بُكرةً وعشيًّا فيقف ولا يجلس، وأرجَفَ الناسُ: وإنَّما جاء عماد الدولة ليسترجعَ الأهواز من مُعزّ الدولة، وبلغ عماد الدولة فقال لبعض أصحاب معزِّ الدولة: قد بلغني كذا وكذا، وضرب بيده إلى لحيته وقال: سَوْءةً لي إن اتَّضَعْتُ إلى هذه الحالة، هذا معزُّ الدولة وركن الدولة أخواي وابناي (٢) في المَرْتبة، وما أُريد الدنيا إلا لهما، ووالله ما جئتُ إلى هنا إلا لأعقِدَ بينهما الرئاسة حتَّى لا يختلفا إن حدث بي حادث؛ فإنِّي مريضٌ، وأسألُه تقديمَ أخيه الكبير على نفسه على ما جرت به العادة، فأخبَرَ الرجلُ معزَّ الدولة، فحضر عند عماد الدولة وبكيا، واتَّفقا ثم ودَّعه.

стр. 8092

وعاد معزُّ الدولة والمُطيع إلى بغداد وقد استولى على البصرة وواسط وتلك النَّواحي. ولمَّا وصل معزُّ الدولة والمُطيع إلى بغداد أطلق هبةَ الله بن ناصر الدولة وردَّه إلى أبيه، واصطلحا على مال، ولم يحجَّ أحدٌ من بغداد. وفيها توفي أحمد بن جعفر ابن محمد بن عُبيد الله بن يزيد، أبو الحسين، المعروف بابن المُنادي البغدادي (١). ولد سنة سبع وخمسين ومئتين لثمان عشرة خلت من ربيع الأول، وسمع الكثير، وصنَّف كتبًا كثيرة، وجمع علومًا جَمَّة. قال أبو يوسف القَزْويني: صنَّف في علوم القرآن أربع مئة ونيِّفًا وأربعين كتابًا، ليس فيها شيءٌ من الحَشْو، جمع فيها بين حُسن العبارة، وعلوِّ الرِّواية، والدِّراية. ولم يسمع الناس منه إلا الشيء اليَسير لشَراسة أخلاقه، وقال أبو الحسن بن الصَّلْت: كنا نَمضي إلى بابه لنسمعَ منه، فتخرج إلينا جاريةٌ فتقول: كم أنتم؟ فقالت لنا مرةً: كم أنتم؟ فقلنا: ثلاثةَ عشر، وكان قد تبعنا رجلٌ عَلَويٌّ، وما كنا حَسَبناه ولا غلامه، فأذن لنا فدخلنا، فلمَّا رآنا خمسة عشر قال: انصرفوا اليوم فلستُ أحدّثكم، فانصرفنا، وظننَّا أنَّه قد عرض له شغل، ثم عدنا إليه وجلسنا ثانيًا ولم يحدثنا، فقلنا: ما السبب؟ فقال: لأنكم كذبتُم في عددكم، ومَن يكذب في هذا المقدار لا يؤمَن أن يكذب فيما هو أكبر منه، فاعتذرنا إليه وقلنا: نحن نتحفَّظ فيما بعد إن شاء الله تعالى. وكانت وفاته في المحرَّم ببغداد، ودُفن في مقابر الخَيزُران. محمد بن علي بن إسماعيل أبو بكرٍ، الشَّاشي، ويعرف بالقَفَّال، أحد أئمة الشافعية.

стр. 8093

كان إمامًا فاضلًا، وهو أول مَن صنَّف في الجَدَل، وتوفي في صفر (١). ومن شعره: [من المتقارب] أُوَسِّع رَحْلي على مَن نَزَلْ … وزادي مُباحٌ على مَن أكلْ نُقدِّمُ حاضرَ ما عندنا … وإن لم يكن غيرَ خُبزٍ وخَلّ فأمّا الكريمُ فيرضى به … وأمَّا اللئيمُ فمَن لا أُبَلْ (٢) [وفيها توفي] محمد بن يحيى ابن عبد الله بن العبَّاس بن محمد بن صُول، أبو بكر، الصُّوليّ (٣). [وكان جدُّه] صُول من ملوك خُراسان وجُرْجان. وكان محمد أحدَ العلماء بفنون الأدب، حسنَ المَعرفة بأيام الناس، وأخبار الملوك والخلفاء، ومآثِر الأشراف، وطبقات الشعراء، واسعَ الرواية، كثيرَ الحفظ، حسنَ الشعر، جميلَ الطَّريقة، صنَّف كتاب "الأوراق" وكتاب "الوزراء" وغيرهما، وانتهى إليه علم الهندسة والشِّطْرَنْج، ونادم جماعةً من الخلفاء [ذكرهم في "الأوراق"، وذكرنا طرفًا من سيرته مفرَّقًا في الكتاب. وحكى الخطيب عن أبي بكر محمد بن شاذان قال: رأيت للصُّولي بيتًا عظيمًا مملوءًا كتبًا، وجلودها حُمْرٌ وصُفر وخُضر وسود، فقال: هذا البيت كلّ ما فيه سَماعي.

стр. 8094

وقال الخطيب: أنشدني أبو القاسم الأزهري، أنشدني عبيد الله بن محمد المقرئ قال: أنشدني الصُّولي لنفسه:] (١) [من البسيط] أحببتُ من أجله مَن كان يُشبِهُه … وكل شيء من المعشوق مَعشوقُ حتَّى حَكَيتُ بجسمي ما بمُقْلَته … كأنَّ سُقْميَ من جَفْنَيه مَسروقُ وله (٢): [من مجزوء الكامل] شكا إليك ما وَجَدْ … مَن خانَه فيك الجَلَدْ لَهْفَان إن شئتَ اشتكى … ظَمْآن إن شئتَ وَرَدْ صَبٌّ إذا رامَ الكَرى … نَبَّهَهُ لَذْعُ الكَمَدْ يا أيُّها الظَّبْيُ الَّذي … تَصْرَعُ عَيناه الأَسَدْ أما لأَسْراكَ فِدًى … أما لقَتْلاك قَوَدْ ماذا على مَن جار في … أحكامه لو اقْتَصَدْ ما ضَرَّه لو أنَّه … أنْجَزَ ما كان وَعَدْ هان عليه سَهَري … في حُبِّه لمَّا رَقَدْ [من أبيات عديدة.] ذكر وفاته: لحقته إضافةٌ شديدة (٣) ببغداد؛ لأنَّ مَوادّ الخلفاء انقطعت عنه، فخرج إلى البصرة، فمات بها في هذه السنة، وقيل: في سنة خمس وثلاثين [وثلاث مئة، والله أعلم. واتّفقوا على صدقه وثقته وحفظه.

стр. 8095

وفيها توفيت ابنة أبي الحسن المَكّي الزَّاهد حدثنا غير واحد، عن محمد بن أبي طاهر البزاز، عن القاضي علي بن المُحَسّن التنوخي، عن أبيه قال: حدثني عبيد الله بن أحمد ابن بُكَير قال (١):] كان لأبي الحسن المكي ابنةٌ مقيمة بمكة، وكانت أشدَّ وَرَعًا من أبيها، وكانت تقتاتُ في كل سنة بثلاثين درهمًا يبعثُها أبوها إليها من سَفِّ الخُوص، فأخبرني ابن الرَّوَّاس (٢) وكان جارًا لأبي الحسن [المكي] قال: عَزَمْتُ على الحجِّ، فأتيتُه أستعرِضُ حَوائجَه، فدفع إليَّ قِرْطاسًا فيه دراهم وقال: تُوصِلُه إلى ابنتي بمكَّة في المَوْضع الفلاني، فأخذتُه، فلمَّا وصلتُ إلى مكة سألتُ عنها، فوجدتُها بالزُّهد والعبادة أشهر من أبيها، ففتحتُ القرطاسَ، وجعلتُ الثلاثين خمسين، وأتيتُ إليها فسلَّمتُ عليها وقلتُ: أبوكِ يُسلِّم عليك، وقد بعث لك هذه الدَّراهم، فلما حَصل القرطاسُ في يدها قالت: إيش خبرُ أبي؟ قلتُ: على خيرٍ وسَلامة، قالت: هل خالطَ أبناء الدنيا وترك الانقطاعَ إلى العبادة؟ قلتُ: لا، قالت: فأسألك بمَن حجَجْتَ إلى بيته هل خلطْتَ هذه الدراهمَ بشيءٍ من مالك؟ قلتُ: ومن أين علمتِ؟ فقالت: ما كان أبي يزيدُني على الثلاثين شيئًا؛ لأنَّ حاله لا يحتمل أكثر من ذلك، إلا أن يكون خالطَ أهلَ الدنيا، ثم رمت إليَّ بالقرطاس وقالت: خُذْه فقد عَقَقْتَني وأجعْتَني طولَ السنة، وأحوَجْتَني أن أقتات من المَزابل إلى الموسم الآخر؛ لأنَّ هذه كانت قُوتي طول السنة، ولولا أنك ما قصدتَ أذاتي لدعوتُ عليك، فقلتُ لها: خذي الثلاثين ورُدِّي الباقي، فقالت: ما أعرفُها بعينها، وقد اختلطَت، ولا آخذُ مالًا لا أدري من أين هو، فاغتَمَمْتُ وعُدتُ إلى أبيها، فأخبرتُه واعتذرتُ إليه فقال: لا آخذُها وقد اختلطَت بغير مالي، وقد عققتني وإياها، قلتُ: فما أصنع بها؟ قال: تصدَّق بها، وكانت وفاتها بمكة.

стр. 8096

السنة السابعة والثلاثون وثلاث مئة (١) فيها زادَت دجلة إحدى وعشرين ذراعًا، وغرقَت بغدادُ غَرَقًا شنيعًا، ووقعَت الدُّورُ، وهرب الناس من الجانب الشرقي، ومات تحت الهَدْم خلقٌ كثير. ودخل أبو القاسم البَريدي بغداد بأمان معزِّ الدولة، فأنزله [دار] الموزه بمَشْرَعة السَّاج، وأقطعه ضياعًا. وفيها اختلف معزُّ الدولة وناصر الدولة، وخرج معزُّ الدولة إلى المَوْصل، وسار ناصر الدولة إلى نَصِيبِين، ودخل بينهما أبو بكر بن قَرابة، فصالحه ناصر الدولة على مال مَبْلَغه في كلِّ سنة ثمانيةُ آلاف ألف درهم، وعاد مُعزُّ الدولة إلى بغداد في ذي الحجَّة وكان قد خرج منها في رمضان. وفيها لقي سيف الدولة الرومَ على مَرْعَش، فهزموه وأخذوا مَرْعَش، وأوقعوا باهل طَرَسُوس (٢)، ولم يحجَّ في هذه السنة أحدٌ [خوفًا من الخوارج]. وفيها توفي إبراهيم بن شَيبان أبو إسحاق، القِرْمِيسينيّ الصُّوفي (٣). صحب أبا عبد الله المَغْربي [في طريق الحِجاز، فلما وصل إلى مَعان اشتهى العَدَس بالخَلِّ، وقد ذكرناه في ترجمة أبي عبد الله المغربي] وغيره. وكان يُسمَّى حجة الله على الفقراء وأرباب المُعاملات. وكان من أورع مشايخ الجَبَل وأحسنهم حالًا.

стр. 8097

نزل قِرْمِيسين وماته بها، وقبره ظاهرٌ يُزار. ومن كلامه: علمُ الفَناء والبقاء يدور على إخلاص الوَحْدانية، وصِحَّة العبودية، وما كان غير هذا فهو من شدَّة المَغاليط والزَّنْدَقة. وقال: الخلقُ محلُّ الآفات، وأكثر منهم آفةً مَن أَنِسَ بهم أو سكن إليهم. [وفي المشايخ آخر يقال له: القِرْميسيني، نذكره في سنة ثمان وخمسين وثلاث مئة. وفيها توفي] عبد الله بن محمد ابن حَمْدويه بن نُعيم بن الحَكَم، أبو محمد البَيِّع، والد الحاكم [أبي عبد الله] النَّيسابوري (١). أذَّن بمسجده ثلاثًا وثلاثين سنةً، وغزا اثنتين وعشرين غَزاة، وأنفق على العلماء والزهَّاد مئةَ ألف درهم، وكان كثيرَ العبادة. روى عن مسلم بن الحَجَّاج وغيره، وكانت وفاته في هذه السنة بنَيسابور عن ثلاث وتسعين سنة، وكان ثقة. قُدامة بن جَعْفر أبو الفَرَج، الكاتب، صاحب المصنَّفات الحِسان؛ ككتاب "البلدان" و "الخراج" وكتاب "صناعة الكتابة" وغيرها. وكان عالمًا، فَطِنًا، ثقةً، جالس العلماء كالمُبرِّد وثعلب وغيرهما، وأخذ عنهم (٢).

стр. 8098

السنة الثامنة والثلاثون وثلاث مئة (١) فيها تقلَّد القاضي أبو السَّائب عُتبة بن عُبيد الله الهَمَذاني قضاء القُضاة ببغداد. وورد رسولُ أنوجور بن الإخشيد من مصر بالأموال والهدايا، وسأل معزَّ الدولة يَدخل أخوه عليّ في الضمان، ويكون من بعده فأجابه، وتحرَّكت القرامطةُ، ولم يحجَّ أحدٌ بسببهم، وقيل: حجَّ الناس. وفيها توفي أحمد بن محمد ابن إسماعيل بن يونس، أبو جعفر، النَّحوي، المعروف بابن النَّحَّاس (٢). كان فاضلًا، وصنَّف التصانيف الحِسان، وله كتاب "إعراب القرآن"، وكانت وفاته ببغداد في ذي الحجة. أحمد بن محمد بن علي أبو بكر، المَراغي. سافر إلى مصر وأقام بها، وروى عن الرَّبيع بن سليمان أبياتًا سمعها من الشافعي وهي هذه: [من الطويل] شهدْتُ بأنَّ الله لا ربَّ غيره … وأشهدُ أنَّ البعثَ حقٌّ وأخلص وأنَّ عُرى الإيمان قولٌ مُحَسّنٌ … وفعلٌ زَكيٌّ قد يَزيد ويَنقُصُ وأنَّ أبا بكرٍ خليفةُ ربِّه … وكان أبو حَفْصٍ على الخير يَحْرَصُ وأُشْهِدُ ربِّي أنَّ عثمان فاضِلٌ … وأنَّ عليًّا فضْلُهُ مُتَخَصِّصُ (٣)

стр. 8099

[وفيها توفي الحسن بن حَبيب بن عبد الملك الفقيه، الدِّمَشْقي، ويُعرَف بالحَصائري (١). ولد في سنة اثنتين وأربعين ومئتين، ورحل إلى العراق ومصر والحجاز، وسمع الشيوخ وأكثر، وكان إمام مسجد باب الجابية بمدينة دمشق، وتوفي بدمشق في هذه السنة.] عبد الله المستكفي بالله أميرُ المؤمنين بن علي المُكتفي (٢). كان معتَقَلًا في دار مُعزِّ الدولة، فمات بها بنَفْثِ الدَّم، وعمره ستٌّ وأربعون سنة وشهران. علي بن بُوَيه أبو الحسن، عماد الدولة. أولُ من ظهَرَ من الدَّيلَم، قد ذكرنا مبدأ أمرهم في سنة اثنتين وعشرين وثلاث مئة. وكان عاقلًا، شجاعًا، وكانت به قَرْحَةٌ في الكُلَى طالت مدَّتُها فأنهكت جسمه، وتوفي بشِيراز وعمُره تسعٌ وخمسون سنة. وكانت إمارتُه ستَّ عشرة سنة، وهو أكبر أولاد بُوَيه، وأقام المطيع أخاه أبا علي ركن الدولة مقامَه، وجعله أميرَ الأمراء. ولمَّا مات اضطرب الجيش لموته، فكتب معز الدولة إلى أبي جعفر الصَّيمَري وهو بالأهواز، فشخص إلى شِيراز، ولم يَعُد إلى العراق (٣).

стр. 8100

[وفيها توفي] علي بن حَمْشاذ ابن سَخْتَويه (١) بن نَصْر، أبو الحسن، العدل (٢). مُحدِّث عصره بنيسابور، سافر إلى البلدان والبر، وجمع "المسند الكبير" في أربع مئة جزء و "الأنوار" (٣) في مئتين وستين جزءًا، و"التفسير" في مئتين وثلاثين جزءًا. وكان من الصالحين، قال أبو بكر بن إسحاق: صحبتُه سَفَرًا وحَضرًا، فما أعلمُ أنَّ الملائكة كتبت عليه خَطيئةً، وكان صائمًا قائمًا، وروى عن خَلْقٍ كثير. مات فجأةً وقد خرج من الحمَّام في شوال بنيسابور [في هذه السنة، وكان ثقة. وفيها توفي علي بن محمد ابن أحمد بن الحسن، أبو الحسن (٤)، الواعظ، البغدادي، المصري. ولد في المحرَّم سنة إحدى وخمسين ومئتين، ثم سافر إلى مصر فأقام بها مدة طويلة، ثم رجع إلى بغداد فقيل له: المصري. وقد أثنى عليه الخطيب فقال: كان ثقةً أمينًا عارفًا، جمع حديث اللَّيث بن سعد، وابن لَهِيعة، وصنَّف كتبًا كثيرة في الزُّهد وغيره، وكان له مجلسٌ يتكلَّم فيه بلسان الوَعْظ؛ قال: فحدثني الأزهري: أن أبا الحسن المصري كان يحضر مجالسَ وَعْظه رجالٌ ونساء، وكان يجعل على وجهه بُرْقُعًا خوفًا أنْ تُفْتَتَنَ النِّساء به من حُسن وجهه.

стр. 8101

قال الأزهري: وكان أبو بكر النَّقَّاش قد حضر مجلسَه مُسْتَخفيًا، فلما سمع كلامه قام قائمًا، وشهر نفسه وقال: يا أبا الحسن، القَصَص بعدك حَرام. وكانت وفاته ببغداد في ذي القعدة، سمع مشايخ مصر وبغداد، وروى عنه الأئمة، وكان صدوقًا ثقةً صالحًا. وفيها توفي] محمد بن عبد الله بن دينار أبو عبد الله، الفقيه، الزاهد، [الحنَفي] العَدْل (١)، النَّيسابوري. رغب عن الفتوى لاشتغاله بالعبادة. وكان صائمًا [قائمًا] صالحًا؛ مع صبره على الفقر وكَسْب الحلال من يده، وكان يحجُّ دائمًا ويغزو، وتوفي عند مُنصرَفه من الحج في صفر [في هذه السنة]، ودُفن بقرب أبي حنيفة [وكان صالحًا ثقة] (٢).

стр. 8102

السنة التاسعة والثلاثون وثلاث مئة (١) فيها استولَى قراتكين على الرَّي والجبال، ودفع عنها عسكر ركن الدولة ابن بويه. وفي جُمادى الآخرة غزا سيفُ الدولة بلادَ الروم في ثلاثين ألفًا، ففتح حُصونًا كثيرةً، وغنم غنائمَ كثيرة (٢)، وقتل وسَبى خلقًا كثيرًا، فأخذ عليه الروم الدُّروبَ عند خروجه، فاستولَوا على أصحابه قَتْلًا وأسْرًا، واستردُّوا جميعَ ما أخذ المسلمون منهم، وأخذوا خزائنَه وسلاحَه وجميعَ ماله، وأفلَتَ سيف الدولة في عدد يَسير. وفيها رُدَّ الحجر الأسود إلى موضعه إلى مكة من البيت، بعث به أخو أبي طاهر الجَنَّابي مع محمد بن سَنْبر إلى المطيع، وكان بَجكم قد دفع فيه خمسين ألف دينار وما أجابوا، وقالوا: أخذناه بأمر وما نردُّه إلا بأمر، فلما كان في هذه السنة ردُّوه وقالوا: ردَدْناه بأمرِ مَن أخذناه بأمره، وقد ذكرناه في سنة سبع عشرة وثلاث مئة، فأقام عندهم اثنتَين وعشرين سنة، فأعطاهم المطيع مالًا، وبعث به إلى مكة، وحُجَّ بالناس، وتمَّت مناسكهم [برجوع الحجر إلى مكانه، وأمن الناس، وفرحوا بعود الحجر إلى مكة] (٣). وفيها توفي الحسين بن أحمد النَّاصر ابن يحيى الهادي بن الحسين بن إبراهيم بن إسماعيل بن الحسين بن الحسن (٤) علي بن أبي طالب، أبو عبد الله الكوفي. أحد وجوه بني هاشم وساداتهم وعُظمائهم وَرَعًا وفَضْلًا، فقيهًا ثقةً صدوقًا.

стр. 8103

عبد الرَّحمن بن إسحاق أبو القاسم، الزَّجَّاجي، النَّحوي. من أهل بغداد، سكن طَبَريَّة، وأملى وحدَّث بدمشق، وصنَّف في النحو مختصرًا وسماه "الجُمَل"، وكانت وفاته في رمضان بطَبَرَيَّة، وقيل: مات سنة أربعين وثلاث مئة (١). محمد القاهر بن أحمد المعتضد كان مَحبوسًا في دار الخليفة، فأُخرج إلى داره بالحريم الطاهري، فمات ودُفن إلى جانب قبر أبيه وعمُره ثمان وخمسون سنة، وقيل: اثنان وخمسون (٢). محمد بن عبد الله بن أحمد أبو عبد الله، الصَّفَّار، الأصْبَهاني (٣). محدِّثُ عصره بخُراسان، كان مُجابَ الدعوة، أقام أربعين سنةً لم يرفع رأسه إلى السَّماء حياءً من الله، وكان يقول: اسمي اسمُ رسول الله ﷺ ، واسمُ أبي اسمُ أبيه، واسمُ أمي آمنة، وكانت وفاته في ذي القَعدة. أبو جعفر الصَّيمَريّ كاتب مُعزِّ الدولة. لمَّا توجه من الأهواز إلى فارس حُمَّ في طريقه، وتقدَّم على الجيوش، وكان بالأهواز يُحارب عمران بن شاهين الخارجي، ولمَّا مات ركن الدولة اختلف العَسْكَرُ والرسل إلى معزِّ الدولة بالمُضيّ إلى فارس ليُدبِّرَ الأمور، فسار إلى فارس، فمرض بقرية الجامدة.

стр. 8104

ولما مات اشرأب لكتابة معزّ الدولة جماعةٌ، منهم أبو علي الطَّبري وأبو محمد المُهَلَّبي وغيرهما، وبَذَل الطبريُّ مالًا لخزانة معزِّ الدولة، وسَفَرَت له أختُ معز الدولة، فقال: يُحضر المال، فاستقرضه من أخت معز الدولة، فلمَّا حصل في الخزانة عَدَل معزُّ الدولة إلى المُهَلَّبي؛ لأنَّه كان صاحب رأيٍ جَوادًا، وكان الطَّبري أمينًا لا يعرف شيئًا، وكان أولًا نَخَّاسًا يبيع الرَّقيق. وخلع معزُّ الدولة على المُهَلَّبي، وأحْدَرَه إلى الأهواز، فاستخلف على كتابته ببغداد أبا الحسن علي بن الأنباري، وكان جيشُ ركن الدولة قد اضطرب، فأرسل إليهم عمادُ الدولة بمال، فاتَّفقُوا وزال الشَّغَب (١).

стр. 8105

السنة الأربعون وثلاث مئة (١) فيها قصد صاحب عُمان البصرةَ، وساعده أبو يعقوب الهَجَري القِرْمِطي، فسار إليهم أبو محمد المُهَلَّبي في الدَّيلَم والجيوش فاقتتلوا، فهزمهم المُهَلَّبي، وأخذ مراكبَهم، وغَنم أموالهم وعساكرهم، وانهزم صاحبُ عُمان إلى عُمان، والهَجَري إلى هَجَر، وعاد المُهَلَّبي إلى بغداد بالأسارى والمراكب. وفيها جمع سيف الدولة العساكر من الموصل والجزيرة والشام ومصر والقبائل، ودخل بلاد الروم فأوغل فيها، وجعل على كلِّ مَضيق جُندًا، وقتل وسبى شيئًا كثيرًا، وخرج إلى حلب سالمًا غانمًا، وحج الناس في هذه السنة. وفيها توفي عُبيد (٢) الله بن الحسين ابن دَلَّال (٣) بن دَلْهم، أبو الحسن، الكَرْخي، وهو منسوب إلى كَرْخ جُدَّان، رئيس أصحاب أبي حنيفة (٤). ولد في سنة ستين ومئتين [واشتغل بالفقه على مذهب أبي حنيفة]، وسكن بغداد، ودَرس بها وبَرَع [، وانتهت إليه رئاسة أصحاب أبي حنيفة، وانتشر أصحابه في البلاد. وذكره جدي في "المنتظم" فقال:] كان متعبِّدًا كثيرَ الصلاة والصوم، صَبورًا على الفقر، عَفيفًا عمَّا في أيدي الناس، إلا أنَّه كان رأسًا في الاعتزال. [قلت: هذا قول الخطيب، فإنهم لما أجمعوا على فضله ودينه وزهده وتعبُّده وورعه حار بأيِّ شيءٍ يَعيبه، فرماه بالاعتزال، ثم إنَّ الخطيب قد أثنى عليه فقال:] أصابه

стр. 8106

الفالجُ في آخر عُمره [، فاتَّفق أصحابه: أبو بكر الدَّامَغاني، وأبو علي الشَّاشي، وأبو عبد الله البَصْري فقالوا:] (١) هذا رجلٌ عَفيف عمَّا في أيدي الناس، وقد أصابه هذا المرض (٢)، ويحتاج إلى نَفَقة، ولا ينبغي أنْ نكلِّمَ له الناس، فنكتب إلى سيف الدولة علي بن حَمْدان نطلب له نَفَقةً، فكتبوا [له]، وعلم [أبو الحسن] فبكى وقال: اللهم لا تجعل رزقي إلا من حيث عوَّدتَني، فمات قبل أن يَحمل إليه سيف الدولة شيئًا، ثم ورد كتابُ سيف الدولة ومعه عشرةُ آلاف درهم، ووَعَد أن يَمُدَّه بأمثالها، فتصدَّقوا بها. وصنَّف كتاب "المختصر" وغيره. [وقال الدَّامَغاني:] كان شديدَ المَقْت لمَن يَلي القضاء، فوَليَه من أصحابه علي بن محمد التَّنوخي، فهجره الكَرْخي، فعُوتِبَ فيه فقال: إنه كان يُعاشرني وهو فقير، ويتعذَّر عليه القوتُ، وقد بلغني أنَّه يُنفق كلَّ يوم على مائدته دينارًا، وما علمتُه وَرِث مالًا، ولا اتَّجر فرَبِح، ولا أعرفُ لهذه النفقة وجهًا إلا من الجهة التي تَولَّاها، لا حاجة لي فيه، فمات ولم يُكَلِّمه. [ذكر وفاته:] مات الكَرْخي (٣) ليلة النّصف من شعبان ببغداد، وصلى عليه القاضي أبو تَمَّام الحسن بن محمد الزَّينبي الهاشمي، [وكان من أصحابه، ودُفن بِحذاء مسجده في دَرْب أبي زيد على نهر الواسِطيِّين، وقد دثر هذا المكان فلا عين ولا أثر] وقيل: مات سنة تسع (٤) وثلاثين، وقيل: سنة ثلاث وأربعين. واتفقوا على صدقه وأمانته، ومن شعره (٥): [من البسيط] كم لَوعةٍ في الحَشا أبقَتْ به سَقَمًا … خَوْفًا لهَجْرِك أو خوفًا من النَّائي

стр. 8107

لا تَهجروني فإنِّي لستُ ذا جَلَدٍ … ولا اصْطبارٍ على هَجْرِ الأحبَّاءِ لو أنَّ أعضاءَ صبٍّ خاطبت بشَرًا … لخاطبتْك بوَجْدي كلُّ أعضائي وما هَمَمْتُ بشُرْب الماء من عَطَشٍ … إلا رأيتُ خَيالًا منك في الماء [واتَّفقوا على أنَّه إمام وقته في العلم، والزُّهد، والوَرَع، والصِّدق، والأمانة.]

стр. 8108

السنة الحادية والأربعون وثلاث مئة (١) فيها اطَّلَعَ أبو محمد المُهَلَّبي على جماعة من التَّناسُخِيَّة، فيهم غلامٌ شاب يَزْعم أنَّ روح علي بن أبي طالب رضوان الله عليه انتقلت إليه، وفيهم امرأة يقال لها: فاطمة تزعم أنَّ روح فاطمة ﵍ انتقلت إليها، وفيهم فتًى من بني بسطام يدَّعي أنَّه جبريل ﵇، فضُربوا وقُرِّروا، فتعزَّزوا بالانتماء إلى أهل البيت، فأمر معز الدولة بإطلاقهم لميله إلى أهل البيت (٢). وفيها دخلت الرّوم مدينة سَروج من ديار ربيعة، فقتلوا وأسروا وسَبَوا، وأحرقوا المساجد، وأخربوا البلد. وحج بالناس أبو محمد العَلَوي، وقيل: كنيتُه أبو عبد الله أحمد بن عمر بن يحيى العَلَويّ. وجرت بينه وبين المصريين وَقْعةٌ قُتل فيها جماعة، وكان الظَّفَر للعلوي، فأقام الحجَّ، ودعا لمُعزّ الدولة [على منبر مكة والمدينة وفي الموسم]. وفيها توفي أحمد بن محمد ابن زياد بن بِشر بن دِرْهَم، أبو سعيد، ابن الأعرابي (٣). بصري الأصل، نزل مكة، وجمع علوم الصوفية، وصنَّف الكتب. وكان زاهدًا، عابدًا، ورعًا، وصار شيخَ الحرم، وصحب الجُنَيدَ، والنُّوري، والمُسوحي وغيرهم، ومات بمكة في ذي القعدة، وأسند الحديث.

стр. 8109

وقال: الوَعْد والوَعيد من الله، فإذا كان الوعد [قبل الوعيد] فالوعيد تهديدٌ، وإذا كان الوعيد قبل الوعد، [فالوعيد] منسوخ، وإذا اجتمعا فالغَلَبةُ للوَعْد لأنه حقُّ العبد، والوعيدُ حقُّ الله تعالى، والكريم يتغافلُ عن حقِّه (١). وقال: إنَّ الله تعالى جعل نعمتَه سببًا لمعرفته، وتوفيقَه سببًا لطاعته، ورحمتَه سببًا للتوبة. وقال: إنَّ الله طيَّب الدنيا للعارفين بالخروج منها، وطيَّب الجنَّةَ لأهل الجنَّة بالخلود فيها، فلو قيل للعارف: إنَّك تبقى في الدنيا لمات كَمَدًا، ولو قيل لأهل الجنّة: إنكم تخرجون منها لماتوا كمدًا، فطابَت الدنيا بذكر الخروج منها، وطابَت الجنّةُ بذكر الدُّخول فيها. وقال: مَدارجُ العلوم بالوسائط، ومدارج الحقائق بالمُكاشفة. وسئل عن أخلاق الفقراء فقال: أخلاقُهم السُّكوت عند الفقد، والاضطراب عند الوجود، [والأنس] بالهموم (٢)، والوحشة عند الأفراح. وقيل: إنه مات في السنة الماضية (٣). [وفيها توفي] أحمد بن محمد الواعظ، أبو العباس، الدِّينَوَري (٤). ورد نَيسابور، وأقام بها مدة، وكان من أفتى المشايخ وأحسنهم طريقةً، وكان [يعظ الناس] ويتكلَّم على لسان أهل المعرفة بأحسن كلامٍ، ثم دخل إلى سَمَرقَنْد فأقام بها إلى أن توفي.

стр. 8110

[حكى عنه ابن خميس في "المناقب" أنَّه] تكلّم يومًا، فصاحت عجوزٌ في مجلسه، فقال لها أبو العباس: موتي، فقامت وخَطَت خُطُواتٍ، ثم التفتت إليه وقالت: ها قد متُّ، ووقعت ميتةً (١). وقال: مُكاشَفات الأعيان بالأبصار، ومُكاشَفات القلوب بالاتّصال. وقال: العلمُ علمان: علمُ قيام العبد مع الله تعالى، وعلمُ الله في العبد، وهو المُغَيَّب عن العباد، إلا مَن كُشِف له عن طُرُقٍ منه مثل نبيٍّ أو وَليٍّ. ولما أراد الخروج من نَيسابور قيل له: ما الَّذي يَحملُك على الخروج منها مع محبَّة أهلها لك؟ فقال: [من الكامل] إذا عَقَدَ القضاءُ عليك عَقْدًا … فليس يَحُلُّه إلا القَضاءُ فما لك قد أَقمْتَ بدار ذُلٍّ … وأرضُ الله واسِعةٌ فَضاءُ وكان ينشد (٢): [من الطويل] رأيتُكَ يُدنيني إليك تَباعُدي … فباعَدْتُ نفسي لابتغاء التقرُّبِ وكان يقول: نَقَضوا أركان التصوُّف، وهَدموا سبُلَها، وغيَّروا معانيها بأسامي أحدثوها، فسَمَّوا الطمعَ زيادةً، وسوءَ الأدب إخلاصًا، والخروجَ عن الحقِّ شَطْحًا، والتلذُّذَ بالمَذْموم طِيبةً، واتِّباعَ الهوى بَلْوى، والرُّجوعَ إلى الدنيا وصولًا، وسوءَ الخُلُق صَولةً، والبخلَ جَلادةً، والسؤال عَملًا، وبذاءةَ اللسان ملامةً، وما كان هذا طريق القوم. ثالث الخلفاء المصريين إسماعيلُ بن محمد بن عُبَيد ويُلقَّب بالمنصور (٣).

стр. 8111

ولد بالمَهْدِيَّة من أرض المغرب سنة اثنتين وثلاث مئة أو إحدى وثلاث مئة. وكان فاضِلًا، فَصيحًا يخترعُ الخُطَبَ ويَرْتَجلُها لوقته، ونزل المنصورة مدينةً بناها واستوطنها. ولما مات أبوه بالمَهْدِيَّة في حصار أبي يزيد بن كَيداد كلَّمه الناس في حُسن السيرة، وشكوا إليه ما كان عليه أبوه، فضَمِن لهم أن يغيِّر سيرة أبيه وجدِّه، وحلف على ذلك. وكان ابن كيداد قد أظهر مذهب الإباضِيَّة، فكَرِهَه الناس، وأقام خمس سنين مُستوليًا على البلاد، فخرج إليه إسماعيل من المَهْدِيَّة فحاربه، فلم يزل حتَّى أخذه أسيرًا، فحبسه في سنة ستٍّ وثلاثين، فمات في حبسه، فسلخ جلده وحشاه تِبْنًا، ثم صلبه وحَرَّقه بالنار، ثم وفي للناس بما حلف عليه، وبَقَّى ولاة أبيه، وأقام التَّراويح والسُّنن. ثم مات يوم الجمعة وعمرُه تسعٌ وثلاثون سنة، فكانت ولايتُه سبعَ سنين، وقام بعده ولدُه المُعزّ، فسار في الناس بسيرة أبيه، فأحبَّه الناس، وصفَت له المغرب، وهو الَّذي خرج إلى مصر، وسنذكره إن شاء الله تعالى في سنة خمس وستين وثلاث مئة (١). [وفيها توفي إسماعيل بن محمد بن إسماعيل أبو علي، الصَّفَّار، النَّحْوي (٢). قال الدَّارقطني: صام إسماعيل أربعةً وثمانين رمضانًا، وكان من أهل السنة. وتوفي في المحرَّم، ودفن عند قبر مَعْروف الكَرْخي بينهما عرض الطريق، وكان صالحًا، ثقةً، مأمونًا، ورِعًا.

стр. 8112

وفيها توفي] الحسن بن أحمد أبو علي المقرئ [، ويعرف بابن الكاتب المصري] (١). من كبار مشايخ مصر [له الكلام الحَسَن، والعبارة الحُلوة، والإشارة اللَّطيفة. حكى أبو نعيم الأصبهاني عنه أنَّه] قال: إذا انقطع العبدُ إلى الله بالكلِّية فأول ما يفيده الاستغناء به عن مَن سواه. وقال: يقول الله تعالى في بعض الكتب: مَن صبر علينا وصل إلينا. وقال: إذا سكن القلبَ الخوفُ لم يَنطق اللسانُ إلا بما يَعنيه. [وحكى السُّلَمي عن ابن الكاتب أنَّه] قال: روائحُ المحبَّة تفوح من المُحبِّين وإنْ كتموها، وتظهرُ دلائلُها عليهم وإنْ سَتَروها [وتبدو عليهم وإن أخفَوها، فهذه إشارة الأحباب، وأنشد: [من الطويل] إذا ما أسرَّتْ أنْفُسُ (٢) القوم ذكرَه … تبيَّنْتَهُ فيهم ولم يَتكلَّموا تطيبُ به أنفاسُهم فيُذيعُها … وهل سِرُّ مِسْكٍ أُودِعَ الرِّيحَ يُكتَمُ وقيل: إنَّه مات سنة ثلاث وأربعين وثلاث مئة (٣) [، صحب أبا علي الرُّوْذَباري، وأبا عثمان المغربي، وكان المغربي يُعظِّمه ويُوَقِّره. وفيها توفي محمد بن النَّضْر ابن مُرّ بن الحُرّ، أبو الحسن، المقرئ، الدمشقي، ويعرف بالأخْرَم (٤).

стр. 8113

قرأ القرآن على هارون بن موسى الأخفش وغيره، وقرأ عليه علي بن داود الداراني، وكان صالحًا. وقال الحافظ ابن عساكر: مات في يوم صائف بدمشق، فلما أخرجت جَنازته جاءت سحابة فأظلَّت الجنازة حتَّى دُفن. وفيها توفي] أبو الخَيْر التِّيْناتي [ولا يعرف اسم له] وقيل: اسمُه حَمّاد بن عبد الله (١). أصلُه من المغرب، وسكن تينات قرية من قرى أنطاكية. [كذا ذكر ابن خَميس، وقال الصُّولي: قرية على] أميال (٢) من المِصِّيصَة، وأقام بلبنان مُدَّةً. [كان صاحب كرامات وآيات وإشارات، وكانت السِّباع والوحوش تأنَس به، وأثنى عليه الأئمة، وذكر كراماته السُّلَمي، وابن خَميس، وابن جَهْضَم، وأبو نُعيم، والحافظ بن عساكر، حتَّى قال في "تاريخه": كان أبو الخير من العبَّاد المشهوربن، والأولياء المذكورين. وقال القُشَيري: كان كبير الشأن، وكان يُسمَّى الأقْطَع لأنَّ يده كانت مقطوعةً. ذكر سبب قطع يده: كان إذا سئل عنها يقول: هذه يدٌ جَنَت فقُطعِت، وذكر سبب قطعها السُّلَمي وابن جَهْضَم وأبو نُعيم وابن خَميس في "المناقب" وابن عساكر، وغيرهم.

стр. 8114

حدثنا غير واحد عن أبي الفَضْل محمد بن ناصر بإسناده، عن بكر بن محمد قال: كُنْتُ عند أبي الخير بالتِّينات، فباسَطَني] فحادثتُه (١)، فذكر بدايتَه، فهَجَمتُ (٢) عليه وسألتُه عن سبب قَطْع يده، فقال: يدٌ جنَت فقُطِعَت، ثم سكت، واجتمعتُ به بعد ذلك بسنين مع جماعة من الشيوخ، فتذاكروا مواهبَ الله تعالى لأوليائه، وأكثروا ذكرَ الكرامات وقَطْعَ المسافات (٣)، فتَبَرَّم الشيخ وقال: كم تقولون: فلان مشى في ليلة إلى مكة، وفلان مشى في يوم، وأنا أعرفُ عبدًا [حَبَشيًّا] من عبيد الله كان جالسًا في جامع طَرابُلُس ورأسُه في مُرَقَّعَته، فخطر بباله طِيب الحَرَم، فقال في سرِّه: يا ليتني فيه، فأخرج رأسه وإذا به فيه. وأمسك عن الكلام، وتغامَزَ الجماعةُ، وأجمعوا على أنَّه ذلك الرجلُ، فسأله واحدٌ عن سبب قطع يده فقال: خرجتُ من المغرب، فأقمتُ بالإسكندرية اثنتي عشرة سنة [، ثم انقلبتُ (٤) إلى مكان بين شَطا ودِمْياط، فأقمتُ فيه اثنتي عشرة سنة] أتقوَّتُ بعُروق البَرْدي، أَنبُشُه من تحت التراب، فآكلُ العِرْقَ الأبيض وأرمي بالباقي، وفي رواية: وكنتُ قد بَنيتُ لي كُوخًا، فكنتُ أجيءُ من ليل إلى ليل، وأفطر على ما نَفَضه المُرابطون، وأُزاحم الكلابَ على قُمامة السُّفَر، فنُوديتُ في سرِّي: يا أبا الخير، تَزعُم أنك لا تُزاحم الخلقَ في أقواتهم، وتُشيرُ إلى التوكُّل، وأنت في وسط المعلوم جالس؟ فقلتُ: إلهي، وعِزَّتك لا مَدَدتُ يدي إلى شيءٍ مما تُنبتُه الأرضُ حتَّى تكونَ أنت الَّذي توصل إليَّ رزقي من عندك [من حيث لا أكون أنا فيه]. فأقمتُ اثني عشر يومًا أُصلِّي الفَرْض [، وأتَنَفَّل، ثم عجزتُ عن النَّافلة، فأقمتُ أُصلِّي الفرضَ والسُّنة اثني عشر يومًا، ثم عجزت عن السنة، فأقمتُ اثني عشر يومًا

стр. 8115

أصلي الفَرْض] لا غير، ثم عجزتُ عن القيام، فأقمتُ اثني عشر يومًا أُصلِّي الفرضَ قاعدًا، فعجزتُ عن الجلوس، فلجأتُ بسرِّي إلى الله تعالى وقلتُ: إلهي، ضَمِنتَ لي رزقًا، وافترضْتَ عليَّ فرضًا تسألني عنه، فتفضَّل عليَّ برزقي لأقومَ بفرضك [حتى لا أعجز]، فوَعِزَّتك لأجتهدَنَّ أن لا أَحُلَّ عَقْدًا عَقَدْتُه معك، وإذا بين يدَيَّ [قُرْصان أو] رَغيفان بينهما شيءٌ، فكنت آخذهما دائمًا من ليل إلى ليل. ثم طُولبتُ بالمَسير إلى ثَغْر الشام (١)، فسرتُ حتَّى دخلتُ الفَرَما، فوجدتُ في جامعها قاصًّا يذكرُ قصةَ زكريا ﵇ والمِنْشار، ودخولَه إلى الشجرة، وأنَّ الله أوحى إليه حين نُشِر: لئن تأوَّهْتَ أو صَعِدَت إليّ منك أنَّةٌ لأَمْحُوَنَّك من ديوان النبوة، فصبر حتَّى قُطع نصفين، فقلت [: لقد كان زكريا صابرًا، ثم قلت] في نفسي: إلهي لئن ابتليتَني لأَصبِرَنَّ. وسِرتُ فدخلتُ أنطاكية (٢)، فرآني بعضُ إخواني وعلم أنِّي أريد الثَّغْرَ، فدفع إليَّ سيفًا وتُرْسًا وحَرْبةً للسَّبيل، وكنتُ أحتشمُ من الله أن أُرى وراء سور خِيفةً من العدوّ، فخرجتُ إلى غابةٍ هناك، فكنتُ أكون فيها بالنَّهار، وأخرجُ بالليل إلى ساحل البحر، فأَغْرِزُ الحَرْبَة في الأرض، وأُسند التُّرْسَ إليها، وأتقلَّد السيف وأُصلِّي إلى الغَداة، فإذا صليتُ الصُّبحَ غَدوتُ إلى الغابة فكنتُ فيها نهاري، والقُرْصان يَحضُران عندي كلَّ ليلة. فخرجتُ يومًا أمشي في الغابة، وإذا بشجرة بُطْم، [بعضه] قد بلغ، وبعضُه أخضر، وبعضه أحمر، وقد وقع عليه النَّدى وهو يَبْرُق، فاستحسنتُه، وأُنسيتُ عهدي مع الله تعالى، فمَدَدتُ يدي فقطعتُ منها عُنقودًا، وجعلتُ بعضَه في فمي، فبينا أنا أمْضُغُه ذكرتُ العَقْد، فرميتُ به من فمي وقلتُ: جاءت المِحْنةُ، ورميتُ التُّرْسَ والحَرْبةَ، وجَلَسْتُ ويدي على رأسي، فما استقرَّ بي جُلوسي حتَّى استدار بي فُرْسان ورَجَّالة وقالوا: قم إلى الأمير.

стр. 8116

وساقوني إلى أمير بين يديه جماعةٌ من السُّودان جماسين (١)، وكانوا يقطعون الطريق في ذلك المكان، فلمَّا رآني وبيدي الحَرْبة والسَّيف والتُّرْس وأنا أسودُ اللون قال لي: إيش أنت؟ قلتُ: عبدٌ من عبيد الله، فظنَّني منهم فقال: أتعرفونه؟ قالوا: لا والله ما رأيناه قبل اليوم، قال: بلى، هو رئيسكم وإنَّما تَفدونه بأنفسكم، لأُقَطِّعَنَّ أيديكم وأرجلكم. ثم قدَّم واحدًا واحدًا فقطع يدَه ورجلَه، حتَّى أتى على آخرهم، ثم قال لي: مُدَّ يدك، فمددتُها فقطعها، ثم قال لي: مُدَّ رجلك، فرفعتُ طَرْفي إلى السماء وقلتُ: إلهي يدي جَنَت فقُطعت، ورجلي إيش عملت؟ وإذا بفارس قد وقف على الحَلْقة، فلما رآني رمى بنفسه إلى الأرض وقال: وَيْحَكم، إيش تريدون أن تفعلوا؟ تريدون أن تنطبق الخضراء على الغَبْراء؟! هذا رجل صالح [يُعرف بأبي الخير المُناجي- قال: وكنتُ أُعرف يومئذٍ بالمناجي] فرمى الأميرُ نفسه عن الفرس، وأخذ يدي المقطوعة من الأرض، وجعل يُقبِّلُها ويبكي، وتعلَّق بي وقال: اجعلني في حِلٍّ، سألتُك بالله، فقلتُ: قد جعلتُك في حلٍّ من أوَّل ما قطعتَها، وأنا أعرف ذنبي، وهذه يدٌ جنَت فقُطعت، ثم بكى وقال: أيُّ ذنبٍ أعظمُ من ذنبي، قطعت يدي، وانقطعت عنِّي القرصان. [وذكر جدي في "الصَّفوة" (٢) وقال: إن أبا الخير كان قد عاهد الله أن لا يأكل من ثمار الجبال شيئًا إلا ما طرحتْه الريح، فخرج إلى جبال أنطاكية، فرأى شجرةَ كُمَّثْرى، فاشتهى منها شيئًا، فأمالتْها الريح، فأخذ منها واحدة فأكلها، وذكر قطع يده. وذكر جَدّي (٣) أبا الخير وعاب عليه فقال: انظروا رحمكم الله إلى عَدَم العلم كيف صنع بهذا الرجل، وقد كان من أهل الخير، ولو كان عنده علمٌ لعلم أنَّ ما فَعَلهُ حرامٌ عليه.

стр. 8117

قلت: والذي ذكره جدي صحيح، وقد كان قادرًا على أنْ يُعرِّفَهم بنفسه، ولو فعل ذلك ما قطعت يده، ثم هذا أمرٌ لا يوافقه الشَّرعُ عليه ولا العقل، أما الشرع فإنه لو سرق جميع فواكه الدنيا لم يجب عليه القَطْع، وأما العقل فالله تعالى أكرم من أن يُعذِّب عبدًا على تناول عنقود من البُطْم، وقد كان يكفيه التوبة والاستغفار، ولكن نرجع إلى الأقدار؛ فإنه يحتمل أنَّه لو عرَّفهم بنفسه لم يُطلقوه، وأنَّ الله طمس على أعينهم حتَّى أنفذ فيه أمرَه. وقد روى الحافظ ابن عساكر الحكاية وقال فيها: إنهم لما أخذوني وأنا ساكتٌ، وقد كانوا يعرفونني، ولكنْ طمس الله على قلوبهم حتَّى أنفذ أمره في يدي، قال: فلما أرادوا أن يقطعوا رجلي كشف الله لهم فعرفوني (١)، وكلُّ مَقدورٍ كائن لا مَحالة.] وقال ابن عساكر في تمام الحكاية: قال أبو الخير: ثم أغْلَوا الزَّيت ليدي فلم أفعل، ودخلتُ غارًا فبتُ فيه بليلةٍ عظيمة، فرأيتُ النبي ﷺ في المنام، فأخذ يدي المقطوعة فقبَّلها، فأصبحتُ ولا أجدُ للقطع ألَمًا وعوفيتُ (٢). [قلتُ: وقد عوَّضه الله، وكان يَسُفُّ الخُوصَ باليد المقطوعة، فذكر جدي في "المنتظم" عن محمد بن الفضل قال:] (٣) خرجتُ من أنطاكية إلى التِّينات، فدخلتُ على أبي الخير على غَفْلة [منه بغير إذن]، فإذا هو يسفُّ زنْبيلًا بيده (٤)، فعجبتُ، ونظر إليَّ وقال: يا عدوَّ نفسِه، ما الَّذي حملَك على هذا؟ قلتُ: هَيَجان الوَجْد لِمَا بي من الشَّوق إليك، فضحك ثم قال لي: اقعُد ولا تَعُد إلى مثلها، واستر عليَّ أيام حياتي. [وروى الحافظ ابن عساكر عن] إبراهيم بن عبد الله قال (٥): دخلت على أبي الخير مسجدَه وهو يحدِّث شخصًا، فقال: اخرج ورُدَّ الباب، فخرجتُ وجلستُ على الباب طويلًا، وكانت لي إليه حاجة فقلت: إنْ كانا في سرٍّ فقد فَرَغا، فدخلتُ فلم أجد عنده

стр. 8118

أحدًا، فقلتُ: وأين الشخصُ الَّذي كان عندك، ما رأيتُه خرج من الباب؟! فقال: مثل هذا لا يخرجُ من باب، قلتُ: لعلَّه الخَضِر؟ قال: نعم، فبكيتُ وقلتُ: يا ليتَني سلَّمتُ عليه وسألتُه الدعاء. ومضت مدةٌ وفُتح على الشيخ بشيء فقال: خُذه واذهب إلى أَذَنَة، واشتر لنا حوائجَ سمَّاها، فمضيتُ إلى أَذَنَة، واشتريتُ الحوائج، وحملتُها على ظهري في كساء، فتعبتُ، فجلستُ أستريح، وبيني وبين التِّينات ستةُ أميال، فوقف عليَّ شخصٌ وسلَّم علي وقال: يا أخي قد تعبتَ، فناولني لأحملَ عنك، فناولتُه، فحمله إلى قريب التينات وقال: الله معك، وسَلِّم على الشيخ عنِّي، قلتُ: من أقول؟ قال: هو يعرف، فلمَّا دخلتُ على أبي الخير قال: يا إبراهيم: أما استحيَيتَ حَمَّلْتَ الرجل ستة أميال، فما [حسدتك، و] (١) قد غَبَطْتني على كلامه واجتماعه بي، فقلتُ: الخضر هو؟ قال: نعم، فبكيتُ، فقال: تبكي إن لقيتَه وإن لم تلقَه؟! وقال أبو عبد الرَّحمن السُّلَمي (٢): قال أبو الخير: دخلتُ مدينة النبي ﷺ ولي خمسةُ أيام لم آكل شيئًا، فتقدَّمُت إلى القبر، وسلَّمتُ عليه وقلتُ: يا رسول الله أنا ضيفك الليلة (٣)، ونمتُ فرأيتُه في المنام، فناولني رغيفًا، فأكلتُ نصفَه، ثم انتبهتُ وفي يدي النصفُ الآخر. [وحكى عنه ابن باكويه] قال: أقمتُ بمكة سنةً فأصابتني فاقةٌ، فلما أردتُ الخروجَ إلى المسألة هتف بي هاتفٌ: أما تستحي، الوجهُ الَّذي تبذُلُه لي تبذله لغيري؟! وقال الأنصاري: دخلتُ (٤) على أبي الخير، فناولني تفاحتين وقال: أنا أعلمُ أنَّك ما تحمل مَعلومًا، ولكن احمل هذه، فجعلتهما في جيبي وقلتُ: أتبرَّك بهما، فأصابتني فاقةٌ، فأخرجتُ واحدةً فأكلتُها، ثم أدخلتُ يدي لأخرجَ الأخرى وإذا بالتفاحتين على حالهما، فما

стр. 8119

زلتُ آكلُ منهما إلى الموصل، فاجتزتُ بخَرابٍ، وإذا بعَليل يُنادي: يا قوم، اشتهيتُ على الله تفاحتين، ولم يكن وقت التفاح، فأخرجتُ التفاحتين ودفعتُهما إليه، فأكلهما ومات، فعلمتُ أنَّ الشيخ إنما أعطاني إياهما من أجله (١). [وحكى عنه في "المناقب" قال:] قال إبراهيم الرَّقِّي (٢): أتيتُ لزيارته، فصلَّيتُ خلفه المغرب، فما أقام [الفاتحة]، فقلتُ في نفسي: ضاعت سفرتي، ثم نمتُ فاحتلمتُ، فخرجتُ من البيت أريد النهر [لأغتسل]، وكان البردُ شديدًا، فلما نزلتُ النهر وخلعتُ ثيابي جاء السَّبُع فقعد عليها وأطال، وكدتُ أتلَفُ من البرد [ووجدتُ ألمه]، وإذا بأبي الخير قد خرج فصاح على الأسد وقال: أما قلتُ لك لا تتعرَّض لضيفاني، فقام يُهَرْول، فصعدتُ ولبستُ ثوبي، فقال لي: أنتم اشتغلتُم بتقويم الظواهر فخفتُم من الأسد، ونحن اشتغلنا بتقويم البواطن فخافنا الأسد. وقال إبراهيم: دخل عليه (٣) جماعة من البغداديين، فتكلَّموا في الشَّطْح والدَّعاوى، فضاق صدره، وقام فخرج، فجاء الأسد فدخل البيتَ، فسكتوا وانضمَّ بعضُهم إلى بعض، وخافوا وتغيَّرت ألوانُهم، فدخل عليهم أبوالخير وقال: أين تلك الدَّعاوى؟! ثم صاح على الأسد فخرج من البيت. وقال (٤): جاء إبليس إليَّ وأنا أُصلِّي في صورة حَيَّة، فتطوَّق عليَّ في سجودي (٥)، فقبضتُه وقلتُ: يا لَعين، لولا أنك نَجِسٌ لسجدتُ على ظهرك. [ذكر نبذة من كلامه ووعظه: حكى عنه في "المناقب" أنَّه] قال (٦): لن يَصفوَ قلبُك إلا بتصحيح النيَّة لله تعالى، ولن يصفو بدنُك إلا بخدمة أولياء الله.

стр. 8120

وقال: حَرام على قلبٍ مأسور بحبِّ الدنيا أن يَسيح في روح الغيب. وقال: القلوب ظروفٌ، فقلبٌ مملوءٌ إيمانًا وعلامتُه الشَّفقةُ على خَلْق الله، وقلبٌ مملوءٌ نفاقًا وعلامته الغِلُّ والحقد والحَسد. وقال: مَن لم يكن [له] مع الله صحبةٌ دائمة اعترضَت عليه الأحزان، من ظهور المِحَن وتَغيُّر الزَّمان. وقال: الدَّعوى رُعونةٌ، لا يحتمل القلبُ إمساكَها، فيُلقيها إلى اللسان، فتنطقُ بها ألسنةُ الحَمْقى. ذكر وفاته: [حكى السُّلَمي أنَّه] توفي في هذه السنة، وحكى أيضًا أنَّه مات في سنة تسع وأربعين وثلاث مئة، وقيل: في نيِّفٍ وأربعين أو ثلاث وأربعين وثلاث مئة (١)، وعاش مئةً وعشرين سنة، وصحب أبا عبد الله بن الجَلَّاء وطبقته (٢).

стр. 8121

السنة الثانية والأربعون وثلاث مئة (١) فيها عاد سيف الدولة من الرُّوم سالمًا غانمًا، وأسر قُسْطَنطين بن الدُّمُسْتُق، وقتل خلقًا عظيمًا وسبى، وعاد إلى حلب. وفيها جاء صاحبُ خراسان -ويقال له: ابن مُحتاج- إلى الرَّي، فحارب ركن الدولة، وجرت بينهما وقائعُ، وعاد إلى خُراسان على غير صُلْح. وفيها وُلد العزيز بن المنصور خامس الخلفاء المصريين. وحجَّ بالناس أبو محمد العَلَوي، وجرى بينه وبين المصريين حربٌ فظهر عليهم، وسببُه: أنَّ المصريين طلبوا أن يخطب لابن طُغْج، فخطب لمعز الدولة (٢). وفيها توفي الحسن بن طُغْج بن جُف أبو المُظَفَّر، الفَرْغاني (٣). ولي إمرةَ دمشق خلافةً عن أخيه أبي بكر محمد [بن طغج] في أيام القاهر، ثم عزله أخوه وولَّى دمشق أخاه عبيد الله، ثم وليها الحسنُ مرةً أخرى في أيام المطيع في سنة سبع وثلاثين وثلاث مئة، ثم رُدَّ إلى الرَّمْلَة فمات بها [في هذه السنة]، وحُمل في تابوت إلى القدس فدُفن بها، وكان شُجاعًا [جَوادًا كريمًا]. عثمان بن محمد بن علي أبو الحسين، الذَّهبي، البغدادي (٤).

стр. 8122

سكن مصر، وحدَّث بها وبدمشق، وكانت وفاته بها، وقيل: بحلب. ومن شعره (١): [من المنسرح] المُلْكُ والعِزُّ والمُروءةُ والسْـ … ؤْدد والنُّبْلُ واليَسار معا مُجتمعاتٌ في طاعة العبد … لله إذا العبدُ أعملَ الوَرَعا والفقرُ والذُّلُّ والضَّراعَةُ والـ … ـفاقَةُ في أصل أُذنِ مَن طَمِعا وآثَرَ الفانيَ الخَسيسَ من الدُّ … نيا وأمسى لأهلها تَبَعا علي بن محمد ابن أبي الفَهْم داود بن إبراهيم بن تَميمٍ، أبو القاسم، التَّنوخي (٢). وأصله من ملوك تَنوخ الأقدمين من ولد قُضاعة، وهم حيٌّ من اليمن. وأبو القاسم مصنِّف كتاب "الفرج بعد الشدة" (٣). وُلد بأنطاكية سنة ثمان وسبعين ومئتين في ذي الحجة، وقدم بغداد في حداثته، وتفقَّه على مذهب أبي حنيفة، وبرع في علوم الأصول والنجوم، وقال الشِّعرَ الجيد، وله ديوان، وولي قضاء الأهواز وأعمالها، وولي جُنْدَ حِمصَ من قبل المطيع، وكان فاضلًا نبيلًا. قال: سمعتُ أبي يُنشد يومًا ولي إذ ذاك خمسة عشر سنة بعضَ قصيدة دِعْبِل التي يَفخر فيها باليمن ويُعدِّد مَناقِبَهم، ويَرُدُّ على الكُميت فيها فَخْرَهُ بنزار، وأوّلها: [من الوافر] أفيقي من مَلامِكِ يا ظَعينا … كفاك اللَّومَ مَرُّ الأربعينا

стр. 8123

وهي ستُّ مئة بيت، فاشتهيتُ أن أحفَظَها لما فيها من مفاخر اليمن أهلي، فقلتُ: يا سيدي، ادفَعها إليَّ حتَّى أحفظَها، فدافَعَني، فألحَحْتُ عليه فقال: كأني بك تأخذُها فتحفَظُ منها خمسين بيتًا أو مئة بيتٍ ثم تَرمي بالكتاب فتُخْلِقَه عليَّ، فقلتُ: ادفعها إليَّ فدفعها، فدخلتُ الحُجْرَةَ فحفظتُها يومي وليلتي، ثم خرجتُ إليه غُدوةً فقال: كم حفظتَ منها؟ فقلتُ: الكلَّ، فقد رآني كذبتُه فقال: أنشدها من هاهنا، فأنشدتُه الجميع، فهاله حِفْظي، وضمَّني إليه، وقبَّل ما بين عينَيَّ وقال: بالله لا تُخبر بهذا أحدًا؛ فإنِّي أخاف عليك العين. قال: وحفظتُ من شعر القدماء والمُحْدَثين مئتي قصيدة، [وكان أبي وشيوخنا بالشام يقولون: من حفظ للطائيين أربعين قصيدةً و] لم يقل الشِّعر فهو حمار في مِسْلاخ إنسان، فقلتُ الشعرَ وسنِّي دون العشرين سنة (١). ذكر وفاته: خرج إلى البصرة في ربيع الأول فتوفي بها، ودُفن في شارع المِرْبَد، وكان صَدوقًا ثقةً. [القاسم بن] القاسم بن مَهْدي أبو العباس، السَّيَّاري (٢). من أهل مرو، كتب الحديثَ الكثير، وتفقَّه، وكان شيخَ أهل مرو، وأولَ مَن تكلَّم عندهم في حقائق الأحوال. قال: مَن حفظ قلبَه مع الله تعالى بالصِّدق أجرى الله الحكمةَ على لسانه. وقال: ظلمُ الأطماع يَحجب أنوار المشاهدات. وسئل عن قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] فقال: إظهار غائبٍ وتغييبُ ظاهر.

стр. 8124

وقال: لو جاز أن يُصَلَّى ببيتٍ من الشعر لكان قولُ القائل: [من الخفيف] أتمنَّى على الزَّمان مُحالًا … أن ترى مُقْلَتايَ طَلْعةَ حُرِّ محمد بن داود ابن سليمان بن جعفر، أبو بكر، الزَّاهد، النَّيسابوري (١). قدم بغداد، وأقام بها مدةً طويلة، وكتب الحديث الكثير، ودخل الشام والحجاز والعراق، وكان شيخ الصوفية في عصره بخُراسان والعراق، ومن المقبولين بالعراق والحجاز والشام ومصر وخُراسان، وصنَّف المسندَ والأبواب، وجمع أخبار الصُّوفية والزُّهَّاد، وتوفي بنيسابور عند رجوعه إليها في ربيع الأول. وكان ثقةً، فَهْمًا، ثَبْتًا، صالحًا، من الأولياء. محمد بن موسى ابن يعقوب بن عبد الله المأمون بن هارون الرشيد، أبو بكر، الهاشمي (٢). ولي مكة سنة ثمانٍ وستين ومئتين، وقدم مصر فحدَّث بها عن علي بن عبد العزيز بالموطَّأ عن القَعْنَبيّ عن مالك، وتوفي بمصر في ذي الحجة، وكان ثقةً.

стр. 8125

السنة الثالثة والأربعون وثلاث مئة (١) فيها كانت وقعة عظيمة بين سيف الدولة والدُّمُسْتُق على الحَدَث، وكان الدُّمُسْتُق قد جمع جمعًا لم يجمع قبله مثله من التُّرك والرُّوس والبُلغار والخَزَر، فكانت الدَّبَرة على الدمستق، قُتل فيها معظمُ البَطاركة والرُّوس والتُّرك، وهرب الدُّمستق، واستؤسر صِهرُه وجماعة من أعيان البطارقة، فأما القتلى فلا يُحصَون، وغنم سيف الدولة عسكرَهم بما فيه من الخزائن والسلاح والدواب وغيرها. وفيها خطب أبو علي بن مُحْتاج صاحبُ خراسان للمطيع، ولم يكن خُطب له قبل ذلك، ووصل رسوله إلى بغداد، فأوصله معزُّ الدولة إلى المطيع، فعقد لابن مُحتاج على خُراسان، وخَلَع عليه، وبعث له لواءً، وأرسل معه معزُّ الدولة جيشًا يساعده على مُحاربة ابن نَصْر، وكان يحارب صاحب خراسان (٢). وفيها مرض معز الدولة بعلَّة الإنعاظ الدائم، وأُرجف بموته، واضطربت بغداد، فاضطر إلى الركوب، فلمَّا رآه الناس سكنوا، وحجَّ بالناس أبو محمد العَلَوي. وفيها توفي إبراهيم بن أحمد ابن محمد بن المُوَلَّد، أبو إسحاق، الصُّوفي، الرَّقِّي [الواعظ (٣). ذكره أبو عبد الرَّحمن السُّلَمي في "الطبقات" وأثنى عليه وقال:] كان من كبار مشايخ القوم وأفتاهم وأحسنهم سيرة. قال: مَن توَلَّتْه رعاية الحقّ كان خيرًا ممَّن تولته سياسة العلم. وقال: حلاوةُ الطَّاعة بالإخلاص تَذهب بوَحْشَة العُجْب.
следующие страницы →