← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 8121–8160 · переход к 8126.

стр. 8121

السنة الثانية والأربعون وثلاث مئة (١) فيها عاد سيف الدولة من الرُّوم سالمًا غانمًا، وأسر قُسْطَنطين بن الدُّمُسْتُق، وقتل خلقًا عظيمًا وسبى، وعاد إلى حلب. وفيها جاء صاحبُ خراسان -ويقال له: ابن مُحتاج- إلى الرَّي، فحارب ركن الدولة، وجرت بينهما وقائعُ، وعاد إلى خُراسان على غير صُلْح. وفيها وُلد العزيز بن المنصور خامس الخلفاء المصريين. وحجَّ بالناس أبو محمد العَلَوي، وجرى بينه وبين المصريين حربٌ فظهر عليهم، وسببُه: أنَّ المصريين طلبوا أن يخطب لابن طُغْج، فخطب لمعز الدولة (٢). وفيها توفي الحسن بن طُغْج بن جُف أبو المُظَفَّر، الفَرْغاني (٣). ولي إمرةَ دمشق خلافةً عن أخيه أبي بكر محمد [بن طغج] في أيام القاهر، ثم عزله أخوه وولَّى دمشق أخاه عبيد الله، ثم وليها الحسنُ مرةً أخرى في أيام المطيع في سنة سبع وثلاثين وثلاث مئة، ثم رُدَّ إلى الرَّمْلَة فمات بها [في هذه السنة]، وحُمل في تابوت إلى القدس فدُفن بها، وكان شُجاعًا [جَوادًا كريمًا]. عثمان بن محمد بن علي أبو الحسين، الذَّهبي، البغدادي (٤).

стр. 8122

سكن مصر، وحدَّث بها وبدمشق، وكانت وفاته بها، وقيل: بحلب. ومن شعره (١): [من المنسرح] المُلْكُ والعِزُّ والمُروءةُ والسْـ … ؤْدد والنُّبْلُ واليَسار معا مُجتمعاتٌ في طاعة العبد … لله إذا العبدُ أعملَ الوَرَعا والفقرُ والذُّلُّ والضَّراعَةُ والـ … ـفاقَةُ في أصل أُذنِ مَن طَمِعا وآثَرَ الفانيَ الخَسيسَ من الدُّ … نيا وأمسى لأهلها تَبَعا علي بن محمد ابن أبي الفَهْم داود بن إبراهيم بن تَميمٍ، أبو القاسم، التَّنوخي (٢). وأصله من ملوك تَنوخ الأقدمين من ولد قُضاعة، وهم حيٌّ من اليمن. وأبو القاسم مصنِّف كتاب "الفرج بعد الشدة" (٣). وُلد بأنطاكية سنة ثمان وسبعين ومئتين في ذي الحجة، وقدم بغداد في حداثته، وتفقَّه على مذهب أبي حنيفة، وبرع في علوم الأصول والنجوم، وقال الشِّعرَ الجيد، وله ديوان، وولي قضاء الأهواز وأعمالها، وولي جُنْدَ حِمصَ من قبل المطيع، وكان فاضلًا نبيلًا. قال: سمعتُ أبي يُنشد يومًا ولي إذ ذاك خمسة عشر سنة بعضَ قصيدة دِعْبِل التي يَفخر فيها باليمن ويُعدِّد مَناقِبَهم، ويَرُدُّ على الكُميت فيها فَخْرَهُ بنزار، وأوّلها: [من الوافر] أفيقي من مَلامِكِ يا ظَعينا … كفاك اللَّومَ مَرُّ الأربعينا

стр. 8123

وهي ستُّ مئة بيت، فاشتهيتُ أن أحفَظَها لما فيها من مفاخر اليمن أهلي، فقلتُ: يا سيدي، ادفَعها إليَّ حتَّى أحفظَها، فدافَعَني، فألحَحْتُ عليه فقال: كأني بك تأخذُها فتحفَظُ منها خمسين بيتًا أو مئة بيتٍ ثم تَرمي بالكتاب فتُخْلِقَه عليَّ، فقلتُ: ادفعها إليَّ فدفعها، فدخلتُ الحُجْرَةَ فحفظتُها يومي وليلتي، ثم خرجتُ إليه غُدوةً فقال: كم حفظتَ منها؟ فقلتُ: الكلَّ، فقد رآني كذبتُه فقال: أنشدها من هاهنا، فأنشدتُه الجميع، فهاله حِفْظي، وضمَّني إليه، وقبَّل ما بين عينَيَّ وقال: بالله لا تُخبر بهذا أحدًا؛ فإنِّي أخاف عليك العين. قال: وحفظتُ من شعر القدماء والمُحْدَثين مئتي قصيدة، [وكان أبي وشيوخنا بالشام يقولون: من حفظ للطائيين أربعين قصيدةً و] لم يقل الشِّعر فهو حمار في مِسْلاخ إنسان، فقلتُ الشعرَ وسنِّي دون العشرين سنة (١). ذكر وفاته: خرج إلى البصرة في ربيع الأول فتوفي بها، ودُفن في شارع المِرْبَد، وكان صَدوقًا ثقةً. [القاسم بن] القاسم بن مَهْدي أبو العباس، السَّيَّاري (٢). من أهل مرو، كتب الحديثَ الكثير، وتفقَّه، وكان شيخَ أهل مرو، وأولَ مَن تكلَّم عندهم في حقائق الأحوال. قال: مَن حفظ قلبَه مع الله تعالى بالصِّدق أجرى الله الحكمةَ على لسانه. وقال: ظلمُ الأطماع يَحجب أنوار المشاهدات. وسئل عن قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] فقال: إظهار غائبٍ وتغييبُ ظاهر.

стр. 8124

وقال: لو جاز أن يُصَلَّى ببيتٍ من الشعر لكان قولُ القائل: [من الخفيف] أتمنَّى على الزَّمان مُحالًا … أن ترى مُقْلَتايَ طَلْعةَ حُرِّ محمد بن داود ابن سليمان بن جعفر، أبو بكر، الزَّاهد، النَّيسابوري (١). قدم بغداد، وأقام بها مدةً طويلة، وكتب الحديث الكثير، ودخل الشام والحجاز والعراق، وكان شيخ الصوفية في عصره بخُراسان والعراق، ومن المقبولين بالعراق والحجاز والشام ومصر وخُراسان، وصنَّف المسندَ والأبواب، وجمع أخبار الصُّوفية والزُّهَّاد، وتوفي بنيسابور عند رجوعه إليها في ربيع الأول. وكان ثقةً، فَهْمًا، ثَبْتًا، صالحًا، من الأولياء. محمد بن موسى ابن يعقوب بن عبد الله المأمون بن هارون الرشيد، أبو بكر، الهاشمي (٢). ولي مكة سنة ثمانٍ وستين ومئتين، وقدم مصر فحدَّث بها عن علي بن عبد العزيز بالموطَّأ عن القَعْنَبيّ عن مالك، وتوفي بمصر في ذي الحجة، وكان ثقةً.

стр. 8125

السنة الثالثة والأربعون وثلاث مئة (١) فيها كانت وقعة عظيمة بين سيف الدولة والدُّمُسْتُق على الحَدَث، وكان الدُّمُسْتُق قد جمع جمعًا لم يجمع قبله مثله من التُّرك والرُّوس والبُلغار والخَزَر، فكانت الدَّبَرة على الدمستق، قُتل فيها معظمُ البَطاركة والرُّوس والتُّرك، وهرب الدُّمستق، واستؤسر صِهرُه وجماعة من أعيان البطارقة، فأما القتلى فلا يُحصَون، وغنم سيف الدولة عسكرَهم بما فيه من الخزائن والسلاح والدواب وغيرها. وفيها خطب أبو علي بن مُحْتاج صاحبُ خراسان للمطيع، ولم يكن خُطب له قبل ذلك، ووصل رسوله إلى بغداد، فأوصله معزُّ الدولة إلى المطيع، فعقد لابن مُحتاج على خُراسان، وخَلَع عليه، وبعث له لواءً، وأرسل معه معزُّ الدولة جيشًا يساعده على مُحاربة ابن نَصْر، وكان يحارب صاحب خراسان (٢). وفيها مرض معز الدولة بعلَّة الإنعاظ الدائم، وأُرجف بموته، واضطربت بغداد، فاضطر إلى الركوب، فلمَّا رآه الناس سكنوا، وحجَّ بالناس أبو محمد العَلَوي. وفيها توفي إبراهيم بن أحمد ابن محمد بن المُوَلَّد، أبو إسحاق، الصُّوفي، الرَّقِّي [الواعظ (٣). ذكره أبو عبد الرَّحمن السُّلَمي في "الطبقات" وأثنى عليه وقال:] كان من كبار مشايخ القوم وأفتاهم وأحسنهم سيرة. قال: مَن توَلَّتْه رعاية الحقّ كان خيرًا ممَّن تولته سياسة العلم. وقال: حلاوةُ الطَّاعة بالإخلاص تَذهب بوَحْشَة العُجْب.

стр. 8126

وقال: جُبلت الأرواح في الأفراح فهي أبدًا تعلو إلى مَحَل القَرَح، وجُبلَت الأجساد في الكَمَد فلا تزال تَسْتَفل حتَّى ترجع إلى كَمَدها. وقال: الفترة بعد المُجاهدة من فساد الابتداء، والحَجْب بعد الكَشْف من السكون إلى الأحوال (١). وقال: نفسُك سائرةٌ بك وقلبك طائرٌ، فكن مع أسرعهما وصولًا. وأنشد يقول: [من البسيط] لولا مَدامعُ عُشَاقٍ ولَوْعتُهم … لَبان في الناس عزُّ الماء والنارِ فكلُّ نارٍ فمن أنفاسهم قُدِحَت … وكلُّ ماءٍ فمن أجقانهم جاري وأنشد أيضًا: [من الخفيف] لك منِّي على البِعادِ نَصيبُ … لم يَنَلْه على الدُّنوِّ حَبيبُ وعلى الطَّرْفِ من سِواكَ حِجابٌ … وعلى القلب من هَواك رقيبُ (٢) إبراهيم بن جعفر المُتَّقي بالله أمير المؤمنين، قد ذكرناه في سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مئة، وعاش بعد خَلْعه إحدى عشرة سنة (٣). [وفيها توفي] خَيْثَمَة بن سُليمان أبو الحسن، الأطْرابُلُسي، ويعرف بابن الحُرِّ، وبحَيدرة (٤). أحد الرَّحَّالين المُكثرين، عُمِّر طويلًا فيقال: إنَّه وُلد سنة سبع عشرة ومئتين (٥)، وعاش عشرين ومئة [سنة، وطاف الدنيا في طلب الحديث، وسمع الكثير.

стр. 8127

وقال الحافظ ابن عساكر: أملى بجامع دمشق عن شيوخ الشام، وحكى عنه أنَّه] قال: خرجتُ في غزاة فاستؤسرتُ أنا وجماعة، فرأيتُ في المنام جماعةً من الحور العين، فقالت لي واحدةٌ منهنَّ: إيش فاتَك يا مَحروم؟ فقالت أخرى: إيش فاته؟ قالت: الشهادة، لو قُتل مع أصحابه لكان عندنا في الجنّة، فقالت لها: يا فلانة لئن [رزقه الله الشهادة في عزٍّ من الإسلام وذُلٍّ من الكفر خيرٌ من أن] يرزقَه الله الشهادةَ في ذلٍّ من الإسلام وعزٍّ من الكفر، فما مضَت إلا أيام حتَّى خلصتُ من الأسر، مات بدمشق. حدَّث عن عبد الله بن الإمام أحمد ﵀ وغيره، وروى عنه خلق كثير، وكان ثقه. وفيها توفي علي بن [محمد بن] محمد ابن عُقْبة بن هَمَّام، أبو الحسن، الشَّيباني، الكوفي (١). قدم بغداد وحدَّث بها عن جماعة. وقال الخطيب: كان ثقةً، أمينًا، مقبول القول عند القضاة، وأقام يَشهد ثلاثًا وسبعين سنة، قال: وأذَّنتُ في مسجدي نيِّفًا وسبعين سنة، وأذَّن أبي نيِّفًا وسبعين سنة، وهو مسجد حَمزة بن حبيب الزَّيَّات بالكوفة. قال: وولي قضاء الكوفة، وتوفي بها في رمضان، وكان صالحًا ثقةً مأمون الغَوائل (٢). محمد بن العباس بن الوليد أبو الحسين، البغدادي (٣).

стр. 8128

كان قاضيًا بكَلْواذى، كتب إليه ابن لَمحة يَسْتَزيره، فكتب إليه محمد: [من مجزوء الرمل] أَنِسَتْ نفسي بنفسي … فهي في الوَحْدَة أُنْسي وإذا آنَسْتُ غيري … فأحقُّ الناس نفسي فسَدَ الناسُ فأضحى … جِنسُهم من شرِّ جِنْسِ فلزمتُ البيتَ إلا … عند تأذيني لخَمْس وكانت وفاته ببغداد في شوال، وكان ثقةً صدوقًا.

стр. 8129

السنة الرابعة والأربعون وثلاث مئة (١) فيها في يوم الجمعة لثمان خلَون من المحرم عقَدَ معزُّ الدولة إمرةَ الأمراء لولده أبي منصور بُختيار بسبب مرضه. وفيها تحرَّك صاحب خُراسان على ركن الدولة، فبعث إليه جماعةُ معز الدولة الحاجبَ الكبير في جيشِ نَجْدةَ لأخيه. وفي صفر دخل ابن ما كان الدَّيْلَمي صاحبُ خُراسان إلى أصبهان، وخرج منها أبو منصور بُوَيْه بنُ ركن الدولة، وانصرف عنها ولم يَجْرِ قتال، فتبعه ابن ما كان، وأخذ خزائنه وسوادَه. وعارضه أبو الفضل بن العَميد وزير ركن الدولة ومعه القرامطة في مكان يُعرَف بالخان، فأوقعوا به، وأسروه وبه ضَرَبات مُثْخِنَة، وأسروا قوَّاده، وقتلوا أصحابه قتلًا ذَريعًا، وحملوه إلى القلعة، وصار ابن العميد إلى أصبهان فأوقع بمَن فيها من أصحاب ابن ماكان، ورجع الأمير بويه (٢). وفيها وقع وباءٌ شديد بالرَّي ونواحيها، وكان أبو علي بن مُحتاج قد أتى إلى الرَّي فمات في هذا الوباء، وكان قد صالحه ركن الدولة على مال يحملُه إليه إلى خراسان كلَّ سنة، وتكون الرَّي والجبال بيد ركن الدولة، فاتفق موتُ ابن محتاج. وفيها فُلج أبو الحسين علي بن محمد بن مُقْلَة في ذي القعدة، وعَرضَت له لَقْوَة، ومُسك لسانه، وعُمُره تسع وثلاثون سنة. وفيها ورد أبو الفضل القاساني صاحبُ ركن الدولة بطلب تقليد خُراسان لأبي الفَوارس عبد الملك بن نوح صاحبِ خُراسان، فبعث المطيع إليه بالخِلَع واللواء والعَهْد. وحجَّ الناس من غير أن يبعث معهم السلطان مَن يُبَذْرِقُهم.

стр. 8130

وفيها توفي الحسن بن زيد ابن الحسن بن محمد بن حَمْزة بن إسحاق بن علي بن عبد الله بن جَعْفر بن أبي طالب، أبو محمد، الجَعْفري، من أهل وادى القُرى (١). ولد سنة إحدى وخمسين ومئتين، وتوفي في طريق الرَّي في ربيع الآخر، وكان ثقةً صَدوقًا جَوادًا. وأخرج له الخطيب حديثًا حسنًا عن ابن عباس، عن عثمان بن عَفَّان ﵁ أنَّه سأل رسولَ الله ﷺ عن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فقال: "اسمُ الله الأعظم، ما بينه وبين اسم الله الأكبر إلا كما بين سَوادِ العَين وبَياضِها" (٢). شُعْلَة بن بدر أبو العباس، الإخشيدي. ولي إمرةَ دمشق سنة ثمان وثلاثين وثلاث مئة من قبل أبي القاسم وأبي الحسن علي بن محمد بن طُغْج في أيام المطيع، وكان شجاعًا بطلًا، قُتل في هذه السنة بطبرية (٣) في حربٍ كان بينه وبين مُلْهَم العُقيلي (٤). [وفيها توفي عبد الله بن إبراهيم ابن محمد بن عمر بن هَرْثَمة، أبو محمد، الهَرَويّ (٥).

стр. 8131

نزل بغداد بسوق العَطَش من الجانب الشرقي، وتوفي بها في صفر، وحدَّث عن الحارث بن أبي أسامة وغيره، وكان ثقة. وفيها توفي عثمان بن أحمد بن عبد الله أبو عَمرو الدَّقَّاق، ويعرف بابن السَّمَّاك، البغدادي (١). كان زاهدًا، صالحًا، سمع الكثير، وكتب الكثير، وكان كل ما عنده من الكتب بخطه. توفي ببغداد في ربيع الأوَّل، ودُفن بمقبرة الدَّير عند مَعْروف الكَرْخي، وحُزر الذين صَلَّوا عليه فكانوا خمسين ألفًا، وكان يومًا مَشْهودًا. سمع حَنْبل بن إسحاق وطبقتَه وخَلْقًا كثيرًا، وروى عنه جماعة. وفيها توفي] محمد بن علي ابن أحمد بن رُسْتم أبو بكر، المادَرائي، الكاتب، نزيل مصر (٢). ولد بالعراق سنة سبع وخمسين ومئتين، وقدم مصر هو وأخوه أحمد بن علي مع أبيهما، وكان أبوهما عاملًا على خراج مصر لخُمارَوَيه بن أحمد [بن طولون]، ووزر محمد له، وقدم معه دمشق. وكان فاضلًا جليلَ القدر، يفتقد أربابَ البيوت ويَصِلُهم بالأموال. وتوفي بمصر في شوال عن نَيِّفٍ وتسعين سنة. [قال الخطيب: كتب محمد الحديث ببغداد عن أحمد بن عبد الجَبَّار العُطاردي وطبقته، وحدَّث عنه بمصر، واحترقت دار محمد بمصر وكتبُه فيها، وبقي عند أصحابه أجزاءً من سماعه عن العُطاردي فكانت تُسمَع عليه.

стр. 8132

وحكى عنه الخطيب حكايةً تدلّ على مكارم أخلاقه، قال: كان ببابي شيخٌ من مَشيخة الكُتَّاب قد طالت عطلتُه، فأغفلتُ أمره، فرأيتُ أبي في منامي يَعتبني فيه ويقول: يا بُنَي، أما تستحي من الله، تتشاغل عن أرباب البيوت، هذا فلان قد أفضى به الحال إلى أن تقطع سراويلُه، وهو يموت جوعًا، وأنت لا تنظر في أمره! قال: فانتبهتُ مَذعورًا، فلما طلَع الصباح ركبتُ إلى دار خُمارويه، وإذا بالشيخ [راكب] على دابّة ضعيفة، فأومأ إليَّ بالتَّرَجُّل، فانكشف فخذه، وإذا به لابس خُفًّا بغير سَراويل، فذكرتُ المنام، فقامَت عليَّ القيامة، ثم استدعيتُه وأنا واقفٌ في مَوضعي وقلت له: يا سبحان الله، أما كان في الدنيا مَن يوصل لك إليَّ رُقعةً؟ قد قلَّدتُك المكان الفُلاني، وأجريتُ لك رزقًا في كل شهر مئتي دينار، وأطلقتُ لك من خزانتي ألفَ دينار وثيابًا وكسوةً وطيبًا (١). [وفيها توفي] محمد بن يوسف بن الحَجَّاج أبو النَّضْر، الطُّوسي، الزَّاهد، العابد (٢). كان يصوم النهار ويقوم الليل، ويتصدَّق بالفاضل من قُوته، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ورحل في طلب الحديث إلى العراق والشام ومصر والحجاز، وسمع الكثير. وكان قد جزَّأ الليل ثلاثة أجزاء، جزءًا لقراءة القرآن، وجزءًا لتصنيف الكتب، وجزءًا يستريح فيه، وكانت وفاته في شعبان. [ذكره الحاكم أبو عبد الله في "تاريخ نيسابور" وأثنى عليه، قال:] ورآه بعض أصحابه في النوم فقال له: وصلتَ إلى ما تطلبه؟ فقال: إي والله، أنا عند رسول الله ﷺ ، وبشر بن الحارث يَحْجُبنا بين يديه ويرافقنا، وقد عَرَضتُ مُصَنَّفاتي كلها على رسول الله ﷺ فرضيها وقَبِلها، وسررتُ بذلك سرورًا عظيمًا (٣).

стр. 8133

السنة الخامسة والأربعون وثلاث مئة (١) فيها وزر أبو محمد المُهَلَّبي لمُعزِّ الدولة، وزاد في إقطاعه. وفيها أوقع الروم بأهل طَرَسوس في البحر، وقتلوا منهم ألفًا وثمان مئة رجل، وأحرقوا القرى التي من حولها، وسَبَوا، أهلها. وفيها خرج رُوزْيَهان الدَّيلَمي على معز الدولة، وكاشفه بالعصيان، وكان بالبَطيحَة يقاتل عمران بن شاهين الخارجي، فسار أبي الأهواز، وكان أخوه بلكا بشيراز، فجاهروا كلهم بالعصيان، وكانت القلاع بأيديهم. وجهَّز معز الدولة إلى الأهواز الوزير المُهَلَّبي لقتاله، فلما وصل إليه استأمن رجال الوزير إلى روزبهان، فانحاز الوزير بمن معه، وأظهروا ما كان في نفوسهم عليه من العَتْب، وكاشفوه، وشرعوا يستأمنون إلى روزبهان. فخرج معز الدولة يوم الخميس لسبع خلون من شعبان من بغداد متوجِّهًا إلى قتال روزبهان، ولم يبق مع الوزير المُهَلَّبي من الدَّيلَم أحد، فانصرف إلى الأُبُلَّة، وخرج المطيع إلى معز الدولة [لأن ناصر الدولة] بن حَمْدان [لما بلغه] خروج معز الدولة (٢) والخليفة من بغداد حَدَّث نفسَه بقَصْدها، فبعث المطيع الحاجب الكبير من واسط إلى بغداد بين يديه، ووصل إلى تكريت ومعه أخ له، وشَغَب الدَّيْلَم ببغداد، وأسرع الحاجب في استقراض أموال التُّجَّار. وفي يوم الخميس لثلاثٍ خَلَوْن من شَوَّال وصل كتابُ معز الدولة إلى بغداد بأنه واقَعَ روزبهان بقَنْطَرة أرْبُق من الأهواز يوم الاثنين سَلْخَ رمضان، وأنه أسر روزبهان وبه ضَربات، وأسر قُوَّاده، وفعل وفعل، فاشتد على الدَّيلم وقالوا: نَعَم، دَجاجٌ كالكواكب عليهم مِكَبَّة (٣)! فلما تَيقَّنوا الخبر ضَعُفت نفوسهم. وكان معزّ الدولة قبل الحرب منعهم من عبور القَنْطَرة، فما عبر معه إلا القليل ممَّن يَثق به، وكان اعتماده على غلمانه الأتراك، وقاتل طول النهار بنفسه، فلما كان في آخر النهار صَدق الحملةَ بنفسه فرزقه الله الظَّفَر، فأسروا رُوْزبهان وقُوَّاده، وقتلهم قتلًا

стр. 8134

ذَريعًا، وعزم على المقام بالأهواز، فبلغه خبر ناصر الدولة، فعاد إلى بغداد في شوال وبين يديه روزبهان على جَمل. ووصل أبو المُرَجّى وأخوه عُكْبَرا، وخرج معز الدولة، وروزبهان في بيت، على بابه داره وعنده جماعةٌ يحفظونه، فحَدَّثت الدَّيلَم نفوسها بأن يَكبِسوا المكان الذي هو فيه ويُخرجوه، فأشار جماعة: على معزّ الدولة بإتلافه، فامتنع كَراهيةَ سَفْك الدَّم، فقاتلوا وزالت الدولة، فأخرج بالليل في سُمارَيَّة وغرِّق، ونفى معز الدولة الدَّيالمة الروزبهارية من بغداد، وقبض على جماعةٍ عن قُوَّادهم، فسكنت الفتنة، وكتب الخليفة إلى الأطراف يخبرهم بالظَّفر بروزبهان جرى (١). وفيها غزا سيف الدولة بلاد الروم، فبلغ إلى خَرْشَنة، وفتح حصونًا كثيرة وسبى وأسر، وعاد إلى حلب سالمًا. وفي ذي القعدة عاد الخليفة إلى بغداد، ومات أبو عُمر غُلام ثعلب، وماتت أم المطيع بعلَّة الاستسقاء، ودُفنت بالرُّصافة. وفيها وصلت الروم إلى مَيَّافارِقين، قتلوا أهل الضِّياع وسَبَوا، وبَذْرَقوا بالحاجّ في هذه السنة. وفيها توفي محمد بن جعفر ابن محمد بن جعفر بن الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، أبو الحسن العَلَوي، نقيب الطَّالبيين ببغداد، وكانت وفاته بها في ذي الحجّة (٢). [وفيها توفي] محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم أبو عمر، الزَّاهد [ويعرف بغُلام ثَعْلب] (٣).

стр. 8135

ولد سنة إحدى وستين ومئتين، وبَرع في علم العربية والنحو واللغة، وكان غزيرَ العلم، زاهدًا، وَرِعًا، وكان إبراهيم بن أيوب يبعث إليه بنَفَقته كفايته، فقَطع عنه ذلك مدَّةً لعُذر، ثم أنفذ إليه ما قطعه عنه، وكتب إليه يعتذر من تأخيره [، فردَّه]، وأمر (١) مَن بين يديه أن يكتب على ورقته: أكرَمْتَنا فمَلَكْتنا، ثم أعرضتَ عنا فأرحتَنا. وكان هو في الحَمَّام فكتب (٢) على بابه: [من المتقارب] وأعجَبُ شيءٍ سَمِعْنا به … مريضٌ يُعادُ فلا يوجَدُ [وروي عن محمد بن عبد الباقي، عن علي بن أبي علي، عن أبيه قال: أملى أبو عمر غلام ثعلب من حفظه ثلاثين ألف ورقة لغة، ولسَعَة علمه اتُّهم بالكذب. ذكر وفاته: قال الخطيب:] توفي أبو عمر يوم الأحد، ودفن يوم الإثنين لثلاث عشرة خَلَت من ذي القعدة، ودُفن في الصُّفَّة المقابلة لمعروف الكَرْخي [، ودفن فيها بعده أبو بكر الأدَمي وعبد الصَّمد بن علي الطَّسْتي، بينهم وبين معروف عرض الطريق، وكان واسع العلم في العربية. وفيها توفي محمد بن محمد ابن عبد الله بن حمزة، البغدادي، أبو جعفر، نزيل سَمَرْقَند (٣). ذكره الحاكم في "تاريخه" وأثنى عليه وقال: كان محمد بن محمد محدّث خُراسان في عصره، وسافر إلى العراق والشام ومصر، وعَبر ما وراء النَّهر، وسمعنا عليه، وحدَّث عن ابن أبي الدنيا، وأبي زُرْعَة الدِّمَشْقي، وخلق كثير. وكان حافظًا، فاضلًا، صَدوقًا، ثِقةً، مأمونًا، كثيرَ العبادة والوَرَع].

стр. 8136

السنة السادسة والأربعون وثلاث مئة (١) فيها في يوم الخميس ثاني عشر المُحَرَّم توفي أبو الحسين علي بن محمد بن مُقْلَة، وفي هذا اليوم عاد معز الدولة من قُطْرُبُّل إلى داره ببغداد. وفيها في تشرين كثر الوَباء ببغداد، وأورام الحَلْق، والماشَرا، وكثر الموت، ومَن افْتَصَد انْصَبَّ إلى ذِراعه (٢) مادَّةٌ حادة فتلف منها، ونقص البحر ثمانين ذراعًا، وقيل: ثمانين باعًا، فظهر فيه جبال وجَزائر لم يعرفوها قط، وكانت السنة قليلةَ المطر جدًّا. ووَرَد قوم من الثَّغْر إلى بغداد يشكرون سيف الدولة ابن حمدان على جهاده، فكتب إليه المطيع كتابًا يشكره، يقول في أوله بعد البسملة: من عبد الله الفضل الإمام المطيع لله أمير المؤمنين إلى سيف الدولة أبي الحسن علي، سلامٌ عليك، فإن أمير المؤمنين يحمد إليك الله الَّذي لا إله إلا هو، ويسأله أن يُصلي على محمد عبده ورسوله ﷺ ، وأمتع أمير المؤمنين بالنِّعمة فيك وعندك، فإن أحقَّ الآثار بالإبهاج والاستبشار إعزاز الإسلام ونَصْره، وإذلال الشّرك ودَحْره، وإنه وإن كان حقًّا لله عليك؛ فقد صار حقًّا بتوفيق الله إياك أوجبتَه ووكَّدْتَه، ولذلك لا يزال أمير المؤمنين يتحدَّث به ويَشْهَرُه، ويُثْني بما أُتيح لك منه ويَنْشُره، حتَّى يَخْلُص لكم مَخايل الصَّدَقة، ويجتمع على مَوَدَّتك والاعتداد بك جميع الجمهور، واللهَ يسأل أمير المؤمنين أن يُديم بك الإمتاع، ويُحسن عنك الدِّفاع، ويُجْزِل حَظَّك من الثواب، ويَصون مَوقعَك في ذوي الألباب، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جَدير (٣). وفيها كان بالرَّي ونواحيها زلازل كثيرة أتت على كثير من الناس.

стр. 8137

[وذكر القاضي علي بن المحُسِّن، عن أبيه قال: حدثني] أبو الفرج الأصفهاني (١) أن لصًا نَقَب حائطًا ببغداد في هذه السنة في زمن الطاعون، فمات مكانه على النَّقْب، وأن إسماعيل القاضي لبس سَواده ليَخرج إلى الجامع ليَحكم، ولبس أحد خُفَّيه وأخذ الآخر ليَلْبسَه، فمات قبل أن يَلبسه. [وذكر أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن أبي خالد، ويعرف بابن الجَزَّار القَيرواني في "تاريخه" قال: وفي سنة ستٍّ وأربعين وثلاث مئة في خلافة المطيع] خُسِف بيلد الطَّالقان ورَساتيقها في ذي الحجة يوم الأربعاء لثلاث بقين منه على ساعتين من النهار، ولم يفلت منهم إلا نحو من ثلاثين رجلًا، وصارت كلها رَمادًا، وخُسِف بالباقين، وعين بعضهم تنظر إلى بعض، وخُسِف بخمسين ومئة قرية من قرى الرَّي، واتصل الأمر إلى حُلْوان فخسف بأكثرها، وخُسِف [بمكان يقال له: قصر شيرين، وبموضع يقال له: مرج القلعة، وبمكان يقال له: طَفْر، وقذفت] الأرض ما فيها، وألقت عظام الموتى، وتفجَّرت منها المياه، وتقطَّع بالرَّي جبل يقال له: طَبَرَك وبجبال حلوان حتَّى كان يقال: ها هنا جبال، وعُلِّقت قريةٌ بين السماء والأرض بمن فيها من غُدوةَ إلى الظُّهر، ثم خسف بها وبمن كان فيها، وانخرقت الأرض خُروقًا عظيمة، الخَرْق منها أكثر من ثلاث مئة ذِراع، وخرجت منها مياه مُنْتنة ودُخان عظيم. وفيها انهدم بيت بمدينة جَيّ من أعمال أصبهان، فظهر في البيت خمسون عِدْلًا من جلود، فيها خطوط مختلفة مكتوبة في لحاء الشَّجَر لم ير الناس مثلَها، فبحثوا عنها فإذا هي علوم الفُرْس في النجوم والأفلاك والهندسة وما يحدث في العالم، ويقال لهذه البَنيَّة: سارويه، وكانت قائمة من عجائب الدنيا كالأهرام [التي عليها الأعلام، وكانت الكتب مُودعة فيها، وحكي عن أبي جعفر أنَّه قال:] المأمون بناها، وأودعها هذه الكتب [، والدفائن، وليس بصحيح] (٢).

стр. 8138

وفيها توفي علي بن محمد بن مُقْلَة أبو الحسين، الوزير. وكان فُلج وأقام مَفْلوجًا، وعولج فبرأ، ثم عاوده الفالج لتخليط جرى منه في تدبيره، وكان قد خرج إلى الحائر لزيارة قبر الحسين ﵁ لنَذْرٍ كان عليه، فتوفي هناك، وحمل في تابوت إلى بغدإد، ودفن في داره بمُرَبَّعَة أبي عُبيد الله (١). محمد بن يعقوب ابن يوسف بن مَعْقِل بن سِنان، أبو العباس، الأموى مولاهم، النَّيسابوري (٢). ولد سنة سبع وأربعين ومئتين، ورحل به أبوه إلى الآفاق، وظهر منه الصَّمَم بعد انصرافه من الرِّحلة، ثم استحكم. أذَّن في مسجده سبعين سنة، وحَدَّث ستًّا وسبعين سنة، فألحق الصغار بالكبار، وكان يُوَرِّق ويأكل من كَسْب يده، وكانت الرحلة إليه من الدنيا مُتَّصلة. وقال أبو عبد الله الحاكم: خرج علينا الأصَمُّ ونحن في مسجده وقد امتلأت السِّكَّة من الناس، فقام الناس يحملونه على أعناقهم ويُطَرِّقون له إلى المسجد (٣)، فلما بلغ إليه جلس على جداره، وبكى طويلًا ثم قال: كأني بهذه السِّكة ولا يدخلها أحدٌ منكم، فإني لا أسمع، وقد ضَعُف البَصَر، وقَرُب الرَّحيل، وانقضى الأجَل. فما كان إلا نحو شهر حتَّى كُفَّ بَصرُه، وانقطعت الرِّحلة، وآل أمرُه إلى أنَّه كان يُناوَل قلمًا، فيعلم بذلك أنهم يطلبون الرواية، فيقرأ أحاديث كان يَحفظها أربعة عشر حديثًا وسبع حكايات. وكانت وفاته في ربيع الأول في نَيسابور، ولم يُختَلَف في صدقه، وصِحَّة سماعه، وثقته، ودينه، ووَرَعه، وعبادته.

стр. 8139

السنة السابعة والأربعون وثلاث مئة (١) فيها في المحرَّم استأمن أبو الحسن النَّصْراني كاتب ناصر الدولة إلى مُعزّ الدولة، وقدم بغداد فخرج الوزير المهلبي إلى لقائه، وأمرمه معز الدولة، وأنزله في دار الحسن بن هارون، وحمل إليه مالًا وثيابًا وطيبًا، وأقطعه أقطاعًا بعشرة آلاف دينار في السنة. وعادت الزَّلازل بحُلْوان وقُم وقاشان والجبال، فأتلفت خلقًا عظيمًا، وهدمت الحصون والأبنية، وظهر جَرادٌ فطَبَّق الدنيا من المشرق إلى المغرب، فأتى على جميع الغَلَّات والرِّطاب والمباطِخ والشَّجَر (٢). وفي ربيع الأول خرجت الروم إلى آمِد وأَرْزَن ومَيَّافارِقين وديار ربيعة، ففتحوا حصونًا كثيرة، وقتلوا خلقًا عظيمًا، وآخر ما فتحوا سُمَيساط، وأخربوها وقتلوا مَن كان بها. وفي ربيع الآخر شَغَب الأتراك والدَّيلَم بالمَوْصِل على ناصر الدولة، وزحفوا إلى داره وأحاطوا بها، وتَسوَّروا عليه وأرادوا قتلَه، فحاربهم بغلمانه وبالعامة، وظفر بهم، فقتل منهم جماعةً في الوَقْعة، وقبض بعدها على الآخرين، وهربوا إلى بغداد (٣). وفيها في جُمادى الآخرة زُفَّت بنت مُعزِّ الدولة على أبي منصور بُوَيه بن ركن الدولة، وحملها معه إلى أصبهان. وفي شعبان كانت وقعة عظيمة بين الروم وسيف الدولة بنواحي حَلَب، كانت على سيف الدولة، فقتلوا مُعظمَ رجاله وغلمانه، وأسروا أهلَه، وأفلت في عَددٍ يسير، ثم مالوا على سُمَيساط فأخربوها. وفي جُمادى الآخرة خرج معز الدولة من بغداد يريد الموصل لتأخر حمل المال إليه، وبلغ ناصر الدولة فسار إلى نَصِيبين (٤).

стр. 8140

قال ثابت: ولليلتين بقيتا من جُمادى الآخرة ظهر لنا بالجَوِّ ونحن بنواحي السّنّ في ناحية المشرق والشمال أعمدة كبيرة (١)، بينها حمرة شديدة، والأعمدة مُضيئة. ودخل مُعزّ الدولة المَوْصل لليلة بقيت منه، وبعث رسولًا إلى مصر وهو أبو الحسن بن حسمويه الكاتب يطلب من كافور المال الذي تقرَّر بين المطيع وبين الإخشيد، فاعتقل الرسول. وفي منتصف رجب خرج معز الدولة من المَوْصِل يريد نَصِيبين، وخلَّف بالموصل سُبُكْتكين الحاجب الكبير، ووصل إلى بَرْقَعيد، وأنفذ منها سَرِيَّةً إلى سِنجار؛ لأنه بلغه أن أبا المُرَجَّى وأخاه بها، فانصرفا منها، فنزلا بالخابور، وجاء الدَّيلَم فأعجلوهما، فتركا خيمتهما ومتاعَ عسكرهما بحاله، فنزل الدَّيلَم في الخيام، واشتغلوا بالنَّهْب، فرجع أبو المُرَجَّى وأخوه عليهم، فقتلوا وأسروا، وقتلوا ابن مالك الدَّيلَم قتله هبة الله وأبو المرجى، وأسروا من أعيان الدَّيلَم خمس مئة رجل، وبقي مُعزّ الدولة ببَرْقَعيد في عدد يسير، فأرسل إلى بغداد فجاءته العساكر، فسار إلى نصيبين فدخلها في شعبان. وسار ناصر الدولة منها إلى مَيَّافارِقين، واستأمن مُعظَم عسكره إلى مُعزّ الدولة، ورحل إلى حلب مُستجيرًا بأخيه سيف الدولة، فتلقاه وخدمه بنفسه؛ حتى تولَّى نَزْع خُفَّيه بيده، وما زال طريف خادم ناصر الدولة وهو أمْرَد وغلامه يتلطَّفان في الجانب الشرقي من الموصل عُمَّال معز الدولة، ويمنعان الغَلَّة أن تدخل الموصل والميرة، فكانت كأنها مُحاصرة (٢). وورد عمر النَّقيب في ذي القَعدة إلى نَصيبين من ناصر الدولة، وسَفَر في الصُّلح فلم يَتمّ، وطال الخَطْب، فاستأمن النَّقيب إلى معز الدولة، وأقام عنده ولم يعد إلى ناصر الدولة. ثم سفر سيف الدولة بينهما، فأجاب معز الدولة، ورحل من نَصيبين طالبًا الموصل لليلتين خلتا من ذي الحجة، فلما صار قريبًا من المُوْنِسَة هَبَّت ريحٌ باردة، ووقع

стр. 8141

نُداف (١) فهلك في ساعة واحدة ثمان مئة رجل غير الدواب ومَن لم يُعْرَف، ودخل مُعزّ الدولهُ الموصل لعشرٍ خَلَون من ذي الحجة يوم الثلاثاء، فنزل دار تغلب بن ناصر الدولة. وفي يوم السبت لعشر بقين من المحرم وافى أبو محمَّد القاضي كاتب سيف الدولة إلى الموصل، فقرر الأمر على أن تكون المَوْصِل وديار ربيعة والرَّحْبَة على سيف الدولة بألفي ألف درهم وتسع مئة ألف درهم في السنة، وإنما عقدها سيف الدولة لأن معز الدولة لم يشق بناصر الدولة، فإنه غدر به مرارًا، فقال معز الدولة لسيف الدولة: أنت عندي الثقة، وأنْ يُقدِّم ألف ألف درهم، ويطلقوا الذين أُسروا بسِنْجار. وانحدر معز الدولة إلى بغداد فدخلها سَلْخ المحرَّم سنة ثمان وأربعين، وتأخَّر الوزير المُهَلَّبي والحاجب الكبير بالموصل إلى أن يُحمل مال التعجيل والأسرى، ثم قدم المهلبي والحاجب الكبير وكاتب سيف الدولة بعد ذلك بغداد (٢). وفيها توفي أحمد بن سليمان ابن أيوب بن داود بن عبد الله بن حَذْلَم، أبو الحسن، الأسَدي، قاضي دمشق (٣). ولد سنة تسع وخمسين ومئتين، وكان ثقة، ثبتًا، مأمونًا، فقيهًا على مذهب الأوزاعي. [ولي قضاء دمشق نيابةً عن الحسين بن عيسى بن هَرَوَان.] وكانت حلقته بجامع دمشق. وكان حَذْلَم نصرانيًّا، أسلم على يد الحسين بن عمران صاحب خراج دمشق [، ومات في ربيع الأول في هذه السنة.

стр. 8142

أسند عن أبيه، وأبي زُرْعَة الدمشقي، وبَكَّار بن قُتَيبة وغيرهم]. وقال تَمَّام بن محمَّد: دخلنا على أحمد مجلسه بداره بعد الجمعة فقال: رأيتُ النبي ﷺ في المنام وعن يمينه أبو بكر وعمر، وعن يساره عثمان وعلي، فجئتُ فجلستُ بين يديه في هذا المجلس، فقال: يا أبا الحسن، قد اشتقنا إليك أنهما اشتقت أنت إلينا؟ [قال تمام:] فما مضت جمعة حتى مات في ربيع الأول، وقيل: في النِّصف من شوال. إسماعيل بن الحسين ابن أحمد بن إسماعيل بن محمَّد بن إسماعيل بن جعفر بن محمَّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو محمَّد. ولي النِّقابة بدمشق من قبل المقتدر بالله، وكان زاهدًا، عَفيفًا، عالمًا. توفي يوم السبت لثمان خَلَون من رجب، وكانت له جنازة عظيمة لم يتخلَّف عنها أحد، وصلى عليه الأمير فاتِك في المصلّى (١). [وفيها توفي عبد الوهَّاب بن محمَّد ابن موسى، أبو أحمد، الغُنْدِجاني (٢). ولد سنة ستٍّ وستين ومئتين، وسمع الحديث بالأهواز وببغداد، وتوفي بالمبارك قرية من قرى بغداد، ودفن بالنُّعْمانية. حدَّث عن أحمد بن عَبْدان سمع منه بالأهواز، وغيره، وكان ثقةً صالحًا وَرِعًا.] (٣)

стр. 8143

علي بن أحمد ابن سَهْل، أبو الحسن، البُوشَنْجي (١). شيخ وقته في العلوم والحقائق، كان أعلم الناس بعلوم التَّوحيد والمعاملات، وأحسنهم طريقةً في الفُتُوَّة والتَّجريد، دَيِّنًا، عفيفًا، كريم الأخلاق، مُتَعاهِدًا للفقراء، سافر إلى الأقطار، ولقي المشايخ، وبنى دار التَّصوف بنَيسابور وانقطع إليها. وقال: الناس على ثلاث مَنازِل: الأولياء وهم الذين باطِنُهم أفضل من ظاهرهم، والعلماء وهم الذين سِرُّهم وعَلانيتُهم سواء، والجُهَّال وهم الذين عَلانيتهم تُخالف سَريرتهم، لا يُنصفون من أنفسهم، ويطلبون الإنصاف من غيرهم. وسُئل عن التَّوحيد فقال: قريبٌ من الظُّنون، بعيد عن الحقائق، وأنشد: [من الطويل] فقلتُ لأصحابي هي الشَّمسُ ضوؤها … قريبٌ ولكن في تَناوُلها بُعْدُ وسئل عن التوبة فقال: إذا ذكرتَ الذَّنْبَ ولم تجد حَلاوته عند ذكره فهو التوبة. وسئل عن التصوف فقال: اسم ولا حقيقة، وقد كان قبلُ حقيقةً ولا اسم. محمَّد بن الحسن ابن عبد الله بن علي بن محمَّد بن عبد الملك بن أبي الشَّوارِب، أبو الحسن، القُرَشي، الأُموي (٢). ولد سنة اثنتين وتسعين ومئتين، وكان واسعَ الأخلاق، كريمًا، جَوادًا. ولي القضاء بمدينة السلام في أيام المُسْتَكفي، ثم قُبض عليه، ثم قَلَّده المطيع الشَّرقيَّة، والحَرَمَين، واليمن، ومصر، وسُرَّ مَن رأى، وقطعةً من أعمال السَّواد، وبعض أعمال الشام، وسَقْي الفُرات، وواسِطًا، ثم صُرِف عن جميع ذلك في رجب سنة خمس وثلاثين.

стр. 8144

وقد ذَمَّه الخطيب فقال: كان قبيحَ الذِّكر فيما يتولَّاه، مَنسوبًا إلى الارتشاء في الأحكام، والعمل فيها بما لا يجوز، وقد شاع ذلك عنه وكَثُر الحديث به، وكانت وفاته في رمضان. محمَّد بن عبد الله ابن جعفر بن عبد الله بن الجُنَيد، أبو الحُسين، الرَّازي. رحل في طلب الحديث، ولقي الشّيوخ، وصنَّف الكتب، وكان عالمًا، فاضلًا، زاهدًا، عابدًا، ورعًا، واتَّفقوا على فضله ودينه وصدقه وورعه (١).

стр. 8145

السنة الثامنة والأربعون وثلاث مئة (١) فيها خلع المطيع على بُخْتيار بن مُعزّ الدولة خِلَع السَّلْطنة، وعقد له لواءً، ولقَّبه عِزّ الدولة وأمير الأُمراء، وتزوَّج بُختيار بنت أبي علي محمَّد بن إلياس صاحب كَرْمان، بسِفارة القاضي أبي بكر أحمد بن سِنان الصَّيمَري. وفيها توفي عبد الرَّحمن بن عيسى بن داود بن الجَرَّاح. وفيها خرج محمَّد بن ناصر الدولة في سَرِيَّة نحو بلاد الروم، فأسرته الروم وغلمانَه ومَن كان معه (٢). وفيها وصلت الروم إلى الرُّها وحَرّان، فأسروا أبا الهيثم ابن القاضي أبي حُصَين من قريةِ بحَرَّان، وسَبَوا وقتلوا، ورجعوا إلى بلادهم. [وقال ثابت بن سنان:] وفي يوم الثلاثاء لسبعٍ خلون من ذي القعدة غرق من الحاج الواردين من المَوْصِل إلى بغداد في دجلة بضعة عشر زَوْرَقًا، فيها من الرجال والنساء والصبيان نحو ست مئة نَفْس [، وقد حكاه جدي في "المنتظم"] (٣). وفيها مات ملك الروم بالقُسْطَنْطينية، وأُقعد ابنُه مكانه، ثم قُتل ابنه ونُصِّب غيره. ووصلت الروم إلى طَرَسوس، فقتلوا جماعةَ من أهلها، وفتحوا حصن الهارونيَّة، وقتلوا مَن فيه وأخربوه. وانقطع الغَيث بأرض العراق، فخرج الناس يَسْتسقون فما سُقوا، وبَذْرَق بالحاج أبو علي بن محمَّد بن عُبيد الله العَلَوي. وفيها جاءت الروم مرةً ثانية إلى ديار بَكْر، ووصلوا مَيّافارِقين، فعمل عبد الرَّحيم بن نُباتَة الخُطَب النُّباتيّة الجهادية [، وحرض الناس على الجهاد]. وفيها هرب عبد الواحد بن المُطيع من بغداد إلى دمشق، فنزل بمَحَلَّة لؤلؤة من باب الجابية.

стр. 8146

وفيها توفي أحمد بن سلمان ابن الحسن بن إسرائيل، أبو بكر، النَّجَّاد، الحَنْبلي (١). ولد سنة ثلاث وخمسين ومئتين، وطلب الحديث، وكان يمشي حافيًا ويقول: لا أنْتَعِل في طلب العلم. وجمع "المسند" و"السنن" كتابًا كبيرًا، وكانت له في جامع المنصور حَلْقتان؛ قبل الصلاة وبعدها إحداها لإملاء الحديث، والثانية للفتوى والفقه أعلى مذهب أحمد بن حنبل. وقال الخطيب: حدثني الحسين بن علي الفقيه قال: سمعتُ أبا إسحاق الطَّبَري يقول:] كان أحمد بن سلمان يصوم الدَّهر، ويُفطر كلَّ ليلةٍ على رغيف، ويترك منه لُقمة، فإذا كانت ليلة الجمعة تصدَّق بذلك الرَّغيف، وأكل تلك اللُّقَم التي استفضلها. [وقال الخطيب:] توفي ليلة الجمعة لعشرٍ بقين من ذي الحجة عن خمس وتسعين سنة، ودُفن قريبًا من بشر الحافي، واتفقوا على صدقه وثقته وزُهده ووَرَعه. جعفر بن حَرْب الوزير كان يتقلَّد كبار الأعمال للسلطان، وكانت نعمتُه تُقارب نعمة الوزراء، فاجتاز يومًا في مَوْكبٍ عظيم، فسمع قارئًا يقرأ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦]؟ فصاح: بلى والله قد آن، يُكَرِّرها ويبكي، ونزل عن دابّته، ودخل الماء في دِجْلة، ولم يخرج منه حتى فرَّق جميع أمواله، وردَّ المظالم إلى أربابها، فاجتاز به رجلٌ فرآه في الماء، فوهب له قميصًا ومئزرًا، فلبسه وخرج إلى المسجد، فلزم العبادة حتى مات (٢).

стр. 8147

[وفيها توفي] جعفر بن محمَّد بن نُصَيْر أبو محمَّد، الخُلْدي، الخَوَّاص (١). بغدادي المولد والمنشأ، ولد سنة ثلاث وخمسين ومئتين، وقيل: سنة اثنتين وخمسين. صحب الجُنَيد وكان إليه يَنتمي، وكان المرجع إليه في علوم القوم وسِيَرهم. [واختلفوا لم سُمِّي الخُلْدي؛ فقال قوم: كان يسكن الخُلْد موضع ببغداد، وقيل: إنه سئل لم سُمِّيت الخُلْدي؟ فقال: كنت جالسًا يومًا عند الجُنَيد، فسئل عن مسائل، فقال: يا محمَّد، أجِبْهم، فأجبتُهم، فقال: من أين لك هذه المسائل (٢) يا خُلْدي؟ فجرى عليَّ هذا الاسم، والأول أصحّ؛ لأن قول الجنيد: يا خُلْدي؛ ليس له معنى. ذكر طرف من أخباره وحكاياته: ذكر طرفًا منها الخطيب والسُّلَمي وابن خَميس وابن باكَوَيه وغيرهم. قال ابن خَميس في "المناقب": كان الخُلْدي] (٣) أفتى المشايخ، وأحسنهم، وأكملهم خُلُقًا، حجَّ قريبًا من ستين حجة قال: وما حَجَجْتُ إلا على التوكُّل، وكنت أرى الأطعمةَ في البَرِّية حولي كثيرة. [وحكى الخطيب عن أبي القاسم القَصْري قال:] (٤) رأيت الخُلْدي في آخر عُمره وفي إحدى رجليه جَوْرب من جلود والأخرى مَكشوفة، فسألتُه عن السبب فقال: حَجَجْتُ آخر حجة، فجاز عليّ فقير فقال: ما عندك رُمَّانة؟ قلت: من أين في الرَّمْل رُمَّان؟ قال: أفتريد أنت رُمَّانة؟ قلت: نعم، فأخرج من كُمِّه رمانة فرمى بها إلى، ثم

стр. 8148

أخرج أخرى وأخرى حتى ملأ الدنيا، فأطعمتُ منه أهل القافلة، وحملتُ منه إلى بغداد، فلما كان بعد أيام اجتاز بي ذلك الففير، فرآني نائمًا ورجلي الواحدة مكشوفة فقال: أما يكفيك أن تنام بين يدي سَيِّدك حتى تَمُدَّ رجلَك؟ وضرب رجلي بكُمِّه، فوقع عليها مثل النار، فإذا غطَّيتُها ضَرَبت علي، وإذا كشَفْتُها سكن الضَّرَبان. [وحكى الخطيب عن جعفر الخُلْدي] قال: رأيت في منامي (١) قائلًا يقول: اذهب فاحفر موضع كذا، فحفرتُه فإذا صندوق فيه دفاتر وحُزمة، ففتحتها وقرأتها، فإذا فيها أسامي ستة آلاف شيني من الأولياء وأرباب الحقائق من لدن آدم ﵇ إلى وقتنا هذا، ونعوتُهم، وكلُّهم يدعو إلى مذاهب أهل الحقائق، وكان في تلك الكتب عجائب، فدفنتُها خوفًا أن تسألني المشايخ غدًا بين يدي الله تعالى ويقولون: لمَ أخرجتَ أسرارنا إلى الخلق. [وحكى عنه في "المناقب"] قال: بقيتُ أياما في البادية ما أكلت شيئًا، فجئت إلى كوخ، فرأيت شابًّا قائمًا يصلي، فقلت في نفسي: وقت المغرب يؤتى هذا بطعام فآكل معه، فأقمت ثلاثًا لم يؤت بطعام، فقلت: هذا شيطان، فانصرفتُ، فناداني: يا جعفر، أنت كما سُمِّيت: جاعَ فَرَّ (٢). [وحكى عنه أيضًا أنه] قال: رأيتُ ببيت المقدس رجلًا مُلتفَّا في عباءة طول الليل -أو النهار- ثم وثب ورفع رأسه إلى السماء وقال: أيُّما أحب إليك: تُطعمني مَضِيرَة وفالوذَج (٣) أو أكسر قناديلك؟ ثم نام، فقلت: إما أن يكون وليًّا لله تعالى أو به سَوداء، وإذا برجل دخل المسجد، فجعل ينظر يَمْنَةً وَيَسْرة وبيده زِنْبيل، فجاء فقعد عند رأس الرجل، فأيقظه، وأخرج من الزِّنْبيل مَضيرة وفالوذجًا حارًا، فأكل الفقير حتى شبع، ثم قال له: رُدَّ الباقي إلى صِبيانك، فقام الرجل من عنده، فتبعتُه وقلت له: بالله، هل بينك

стр. 8149

وبين هذا الرجل مَعرفة قبل هذا؟ فقال: لا والله، ولا رأيتُه قبل هذه الساعة، وإنما اشتهى عليَّ صبياني مَضيرة وفالوذجًا، وأنا رجل حَمَّال فقلت: ما يمكن اليوم، فإذا فتح الله علي بشيء اشتريتُ لكم، فكَسِبتُ اليوم دينارًا، فاشتريتُ حوائج المضيرة والفالوذج، ثم نمت فهتف بي هاتف: قم واحمل هذا إلى المسجد؛ ففيه فقير عليه عَباءة في الموضع الفلاني، فقَدِّمه بين يديه، وما فَضَل منه فأطعمه لعيالك [فجئت به إلى هذا الفقير النائم فأيقظته] فكان كما رأيت، فقلت له: لقد وُفِّقْتَ إن شاء الله تعالى. [وحكى في المناقب عن جعفر] قال: سمعت أبا يعقوب الأقطع البَصريّ يقول: جعتُ مرةً في المسجد الحرام، فبقيت أيامًا لم آكل شيئًا، فخرجت إلى الوادي، فإذا بسَلْجَمةٍ (١) مطَرْوحة، فقلت: آخذها فأُسكّن بها ما بي، فأخذتُها فوجدت في قلبي وَحْشة كأني زُجِرتُ وقيل في: كان حَظُّك من جوع أيام سَلْجَمَةٌ مُنْتِنَة؟! فرميتُ بها، وجلستُ في المسجد، وإذا برجل من نَواتيَّة البحر قد دخل ومعه قِمَطْر، فقال: خذ هذا فإنه لك، قلت: وكيف؟ قال: هاج علينا البحر منذ عشرة أيام، وأشرفْنا على الهلاك، فنَذَرتُ لئن سَلَّمنا الله لأُعطين هذا القِمَطْر لأول من أراه من المُجاورين، قال: ففتحتُه، وإذا بسَويق وسُكَّر، فقلت: إلهي، هذا رزقي يسير إلى من مسيرة عشرة أيام، وأنا أخرج إلى الوادي فأطلب منه ما آكله، فأخذتُ منه قَبضَتين، وقلت له: رُدَّ الباقي إلى صِبيانك فهو هَديَّةٌ مني إليهم ففعل. [وحكى في المناقب عن أبي] الحسن العَلَوي قال (٢): كنت ليلةً عند الخُلْدي، وكنتُ أمرتُ في بيتي أن يُعَلِّقوا طائرًا في تَنُّور، وتَعلَّق قلبي به، فقال الخُلْدي: أقم عندنا الليلة، فتعلَّلْتُ عليه، ورجَعتُ إلى منزلي، فأُخرج إليّ الطائر من التنور، ووضعته الجارية بين يدي وشَرعتُ آكل، وإذا كلبٌ قد هجم من باب الدار، فأخذه ومضى، وجاءت الجارية بالجوذاب (٣) الذي كان عليه الطائر، فتعلَّق بذيلها فتبدَّد، فتعجَّبتُ،

стр. 8150

فلما أصبحتُ دخلتُ على الخُلْدي، فلما رآني قال: مَن لم يَحفظ قلوب المشايخ سلَّط الله عليه كلبًا يُؤدِّبه (١). [ذكر نبذة من كلامه: حكى عنه في "المناقب" أنه قال لرجل: كن بعيد الهِمَّة -أو شريف الهمة (٢) - فإن الهِمَم تبلُغُ بالرِّجال لا المجاهدات. وقال: السِّياحة سياحتان: فسِياحة بالنَّفْس في الأرض ليُشاهد آثار قدرة الله تعالى وأوليائه، وسياحة بالقلب في الملكوت الأعلى، يجول فيه فيَرِد على صاحبه بركات المشاهدات في الغيوب (٣). وأنشد: [من المتقارب] يقولون ثَكْلى ومَن لم يَذُق … فِراقَ الأحبة لم يَثْكَلِ لقد جَرَّعَتني ليالي الفِراقِ … شَرابًا أمرَّ من الحَنْظَلِ (٤) [وقال الخطيب:] توفي الخُلْدي يوم الأحد لتسعٍ خَلَون من رمضان، ودُفن بمقبرة الشُّونيزية عند الجُنَيد وسَرِيٍّ السَّقَطي، وسمع الحديث الكثير، وسافر إلى البلاد، وروى علمًا كثيرًا [ولقي العلماء والمشايخ، وسمع الحارث بن أبي أسامة التَّميمي وغيره]، وكان يقول: لو تركني الصوفية لجئتكم بأسانيد الدنيا (٥).

стр. 8151

[وحكى عنه في "المناقب" أنه قال:] عندي مئة ونَيِّفٌ وثلاثون ديوانًا من دواوين الصوفية، قيل: فهل عندك من كتب محمَّد بن علي التِّرْمِذيّ شيء؟ قال: ما عَددتُه من الصُّوفية (١). واتَّفقوا على صِدق الخُلْدي وثقته ووَرَعه وفضله ودينه. [وفيها توفي] محمَّد بن إبراهيم بن يوسف أبو عمرو، الزَّجَّاجي، النَّيسابوري (٢). أوحد المشايخ في وقته، صحب أبا عثمان، والجُنَيد، والنُّوري، والخَوَّاص، وغيرهم، وجاور بمكة، وصار شيخَ الحَرَم، وحجَّ ستين حجة، ولم يَبُلْ ولم يَتغَوَّط في الحرم [وهو مقيم به] أربعين سنة، وكان يخرج إلى الحِلّ فيقضي حاجته ثم يرجع. وكان [شيخ مكة في وقته، والمنظور إليه فيها، وكان يجتمع الخلق: للكتَّاني حَلْقة، وللنَّهْرَجُوري حلقة، وكذا للمُرْتَعِش وغيرهم،] وحلقته في صدر الكل، فإن اختلفوا في شيء رجعوا إلى قوله. [قال في "المناقب":] جاءه رجل أعجمي بعد فراغ الناس من الحج، فقال له: قد حججتُ وأريد منك براءة بقبول حجي، فإن أصحابي دلّوني عليك، فعلم سَلامةَ صدره فقال له: اذهب إلى الملتزم وقيل: يا رب، أعطني براءة، فجاء الرجل فوقف عند الملتزم ودعا، فوقع عليه قِرْطاس فيه مكتوب بالخُضرة: هذه براءة فلان بن فلان من النار باسم ذلك الرجل. [وحكى عنه في "المناقب" أيضًا] قال: ماتت أمي، فورثتُ منها دارًا بعتُها بخمسين دينارًا، وخرجت إلى الحج، وإذا برجل في البَرِّية راكبٌ على فَرَس، فقال: أيش معك؟ قلت: الصِّدق أنجى، معي خمسون دينارًا، فأخذها وعَدَّها فوجدها كما قلت،

стр. 8152

فرمى بها إلى وقال: قد أخذني صِدقُك، ثم نزل عن الدابة وقال: اركبها فأنا على أثرك، ولحقني إلى مكة فجاور بها حتى مات (١). وقال: المعرفة على ستة أوجه: معرفة الوَحْدانية، ومعرفة التَّعظيم، ومعرفة المِنَّة، ومعرفة القُدرة، ومعرفة الأَزَل، ومعرفة الأسرار [، وله الكلام المليح. وفيها توفي] محمد بن جعفر ابن محمَّد بن فَضالة، أبو بكر، الأدَميّ، القاري، صاحب الألحان (٢). ولد في رجب سنة ستين ومئتين، وكان من أحسن الناس صوتًا بالقرآن، يُسمع صوتُه من فَرْسَخ (٣). [ذكر حكايته مع الضرير: قال الخطيب: حدثنا علي بن المُحَسِّن، عن القاضي أبي محمَّد عبد الله بن محمَّد الأسدي، عن أبيه قال:] حَجَجْتُ أنا وأبو القاسم البَغَويّ وأبو بكر الأدَمي، فلما صرنا بمدينة النبي ﷺ رأينا رجلًا ضَريرًا قائمًا، يروي أحاديثَ موضوعة وأخبارًا مَعْلولة، فقال بعضنا لبعض: نُنكر عليه، فقال الأدَمي: ما ينفع، وتثور علينا العامة، ولكن اصبروا، وشَرع يقرأ، فما هو إلا أن أخذ في القراءة، فانفضَّت الحَلقةُ عن الضَّرير، ومال الناس إليه وتركوا الضرير وحده، فقال لقائده: خذ بيدي هكذا تزول النِّعَم عن الناس. [ذكر وفاته: حكى الخطيب أنه] توفي لليلتين بقيتا من ربيع الأول، ودُفن إلى جانب أبي عمر الزاهد في الصُّفَّة التي تقابل مَعروف الكَرْخي. [وحكى الخطيب أيضًا عن أبي] جعفر الإِمام قال: رأيت الأدَمي في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: قاسيتُ شدائد وأمورًا صعبة، قلت: فتلك الليالي والمواقف

стр. 8153

والقرآن؟ فقال: ما كان شيءٌ أضرَّ عليَّ منها؛ لأنها كانت للدنيا، قلت: إلى أي شيء انتهى أمرُك؟ فقال: أوقفَني بين يديه وقال: آلَيتُ على نفسي أن لا أُعذِّب أبناء الثمانين (١). [وفيها توفي محمد بن سيما أبو الحسن، النَّيسابوري، مولى محمَّد بن شُعيب القَطّان (٢). قدم بغداد، وكتب عن (٣) عبد الله بن محمَّد البَغَوي وطبقته، فروى عنه الحاكم أبو عبد الله وغيره، وذكر أنه مات ببغداد. قلت: وفي الرواة واحد آخر اسمه محمَّد بن سيم ابن الفتح، أبو بكر، الحَنْبلي، البغدادي. وروى عنه أبو نُعَيم الحافظ، وكان صدوقًا، لم يُذكر لنا تاريخ وفاته. وأخرج له الخطيب حديثًا مسندًا عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "ادْرَؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم للمسلمين فَرَجًا فخلُّوا سبيلهم، فلَأَن يُخطئ الإمامُ في العفو خيرٌ من أن يُخطئ في العقوبة" (٤).]

стр. 8154

السنة التاسعة والأربعون وثلاث مئة (١) فيها أوقع نجا غلام سيف الدولة بالروم بناحية حِصن ذي القَرْنَين، فقتل منهم وأسر. وفيها وقعت فتنةٌ عظيمة بناحية بغداد في شعبان بين السُّنة والشيعة عند القَنْطرة الجديدة بباب البصرة، وتعطَّلت آثار الصلوات في الجوامع (٢) من جانبي بغداد، سوى جامع بَراثا فإنَّ الجمعة أُقيمت فيه، وكان جماعة من بني هاشم أهم الذين، أثاروا الفتنة، فاعتقلهم معزُّ الدولة، فسَكنت [الفتنة]. وفي شعبان ظهر لعيسى بن المكتفي بأمر الله ابنٌ بناحية أرمينية، وتَلقَّب بالمستجير بالله، يدعو إلى الرِّضا من آل رسول الله ﷺ ، ولبس الصُّوف، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ومضى إلى جماعة الدَّيلَم بالجبال فاستنصر بهم؛ وهم طائفة يقال لهم: المَعْروفية والمُسَوِّدة، وهم المنتسبون إلى مذهب السنة، فخرج جماعةٌ منهم وساروا إلى أذربيجان، فاستولى على عدة بلدان بها مما كان في يد سالار الدَّيلَمي، فسار إليه سالار فهزمه، ويقال: إنَّه قتله، وقيل: بل أسره حيًّا. وفي رمضان توفي أحمد بن محمَّد بن ثوابة كاتب مُعزّ الدولة، وكان قد خرج عن بغداد للنظر في البلاد، فنعاه ابن بويه (٣)، وقُلِّد ديوان الرسائل مكانه أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الصَّابئ (٤). وفي شوال عرض لمعزِّ الدولة في كُلاه علَّةٌ، فبال الدَّم، ثم احتبس بولُه، ثم رمى حصًى صغارًا ورملًا، وأُرجف بموته، فلما بال سكن الناس. وفيها غزا سيف الدولة بلاد الروم في جَمْعٍ كثير، فأسر وقتل وسبى، فكَثُرت (٥) الروم عليه، فعاد في ثلاث مئة من غلمانه، وذهب جميع ما كان جمعه، وقُتل معه

стр. 8155

أعيان القُوَّاد والقاضي أبو حُصين بدر بن الهيثم، وكان خروجه من ناحية طَرَسوس [ولو خرج من الدرب ما رجع معه أحد]. وفي آخر هذه السنة مات أنوجور بن الإخشيد، وتقلَّد أخوه علي مكانه، والمُدَبِّر للدولة كافور الإخشيدي. وفيها أسلم من الأتراك مئتا ألف خَرْكاه (١). وفيها بَدَل القاضي الحَسَنُ بن محمَّد الهاشمي مئتي ألف درهم على أن يُقَلَّد قضاء البصرة، فأُخذ منه المال ولم يُقَلَّد، وحجَّ بالناس العَلَوي. وفيها توفي حَسَّان بن محمَّد ابن أحمد بن هارون، أبو الوليد، القُرَشي (٢). إمامُ أهل الحديث بخُراسان في عصره، وأكثرُهم اجتهادًا في العبادة والزُّهد. قرأ الفقه على أبي العباس بن سُرَيج، وسمع الحديث وصنَّف الكتب. وقال الحاكم: سمعتُه يقول في مرضه الذي توفي فيه: قالت لي والدتي: كنتُ حاملًا بك وكان للعباس بن حَمزة مجلسٌ، فاستأذنتُ أباك أن أحضره في أيام العشر، فأذن لي، فلما كان في آخر المجلس قال العباس بن حمزة: قوموا، فقاموا فقمتُ معهم، ودعا العباس، فقلتُ: اللهم ارزقني ولدًا صالحًا عالمًا، ثم رجعتُ إلى منزلي، فنمتُ في تلك الليلة، فرأيتُ فيما يرى النائم كأنَّ رجلًا أتاني فقال: أبشري، فإن الله قد استجاب لك، ورزقك ولدًا ذكرًا عالمًا، ويعيش كما عاش أبوكِ، قالت: وكان أبي قد عاش اثنتين وسبعين سنة.

стр. 8156

قال حسان وهذه قد تمَّت لي اثنتان وسبعون سنة. قال الحاكم: فعاش بعد هذه الحكاية أربعة أيام، وتوفي ليلة الجمعة خامس ربيع الأول. الحسين بن علي ابن يزيد بن داود، أبو علي، الصَّائغ، النَّيسابوري (١). ولد سنة سبع وسبعين ومئتين، وكان أوحدَ دهره في الحفظ والإتقان والوَرَع، مُقَدَّمًا في مذاكرته الأئمة، كثيرَ التصانيف، ذِكْرُه في المَشْرق والمَغْرب بالحفظ والزُّهد والصِّدق والأمانة والثّقة. رحل إلى الآفاق البعيدة في طلب الحديث، وكانت وفاته بنيسابور في جُمادى الأولى. حَمْدان بن إبراهيم بن الخَطَّاب وبعضهم يقول: حُميد (٢). الإِمام الفاضل، سمع الكثير، وصنَّف التصانيف الحِسان، منها: "مَعالم السُّنن" شرح فيها سنن أبي داود، و"الأعلام" شرح فيها البخاري، و"غريب الحديث". وكان عارفًا بكلِّ فَنٍّ، فصيحًا، وله أشعار كثيرة منها: [من البسيط] ما دمتَ حيًّا فدارِ الناسَ كلَّهم … فإنَّما أنت في دار المُداراة مَن يَدْرِ دارى ومَن لم يَدْرِ سوف يُرى … عمَّا قليلٍ نَديمًا للنَّداماتِ

стр. 8157

علي بن المؤمَّل ابن الحسن بن عيسى، أبو القاسم بن ماسَرْجِس (١). قال الحاكم: كان يُضرب المَثَل بعقله، وكان من أوْرَع مشايخنا، حَدَّث سنين، وحججتُ معه سنة إحدى وأربعين، فكان أكثر الليل يقرأ في العَمَّارِّيَة (٢)، فإذا نزل قام إلى الصلاة لا يشتغل بغير ذلك، وما أعلم أني دخلتُ الطواف إلا وجدتُه يطوف، وسمعتُ ابنه أبا عبد الله يقول: ضَعُفَ بصرُ أبي ثلاث سنين ولم يخبرنا به، حتى ضعفت العين الأخرى، فحينئذٍ أخبرنا. وكانت وفاته في صَفَر، وأجمعوا على صِدقه وفضله. محمَّد بن أحمد بن يوسف أبو الطَّيِّب، المُقرئ، ويُعرف بغلام ابن شَنَبوذ (٣). قال: قرأتُ على إدريس بن عبد الكريم: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١] فقال لي: ضَعْ يدَك على رأسك فإنَّ شيخي أمرني بهذا، وسَلْسَل الحديث إلى ابن مسعود، وأنَّ النبي ﷺ لمَّا قرأها ابن مسعود قال له: "ضَعْ يدك على رأسك؛ فإنَّ جبريل أمرني بهذا، قال: وفيها شِفاءٌ من كلِّ داءٍ إلا السَّام، والسَّام الموت" (٤).

стр. 8158

السنة الخمسون وثلاث مئة (١) فيها بني مُعزّ الدولة داره المعروفة بالمعزِّية شرقي بغداد، وسببه أن [مُعزَّ الدولة] مرض في أول المحرم بعُسْر البول، فأقام ليلةً فكاد يَتْلَف، فبال آخر الليل رملًا كثيرًا وحصًى صغارًا، فخَفَّ ألمُه، فلما أصبح سلَّم داره وأمواله وأسبابه إلى ولده الأمير عِزّ الدولة بُخْتيار، وخرج في عدَّة يسيرةٍ من غلمانه ليمضيَ إلى الأهواز، فأشار عليه وزيرُه أبو محمَّد المُهَلَّبي بالمُقام إلى أن يَتماثَل، فأقام بكَلْواذى، ثم تنقّل إلى قُطْرَبُّل، فعَزم على أن يبنيَ قصرًا من قُطْرَبُّل إلى باب حَرْب، وأقام يتروَّى، وأمر بضَرْب اللِّبْن وطَبْخ الآجُرّ، ثم انثنى رأيُه إلى الجانب الشرقي، فشَرَع في بناء القصر من البِيعَة التي يقال لها: دار الروم إلى دجلة وبستان [الصَّيمري، وأخذ يهدم ما يلي البستان من العقارات والدور المجاورة له، وعمل ميدانًا من باب بستان] الصَّيمَري وإلى حدود داره عند البِيعة، وبنى الإصْطَبْلات على نهر مهدي، وقَلَع الأبواب الحديد التي على باب مدينة [أبي جعفر] المنصور، والتي بالرُّصافة، ونقض قصورَ الخلافة بسُرَّ مَن رأى. ووكَّل بابتياع كلِّ العَقارات من الناس العَدْلَين أبا العباس بن مكرم وأبا القاسم بن حَسَّان، ونزل في الأساسات ستةً وثلاثين ذراعًا، وأحكم البناء بالكِلْس والآجُرّ، ولزمه من الغَرامات إلى أن مات ثلاثة عشر ألف ألف درهم، وكان المُشرف على العمارة أبو الفرج محمَّد بن العباس بن فَسانْجِس. وكان معزُّ الدولة مُقيمًا في بستان الصَّيمَري، وانتقل إلى الدار في ذي القعدة قبل أن يَكْمل بناؤها، ولحق الناسَ في هذا الصُّقْع شدائدُ من الجُند ونزوَلهم دور الناس. وصادر معزُّ الدولة الكُتَاب أبا علي الخازن (٢)، وأبا الفرج محمَّد بن العباس صاحب الديوان، وأبا الفَضْل الشِّيرازي وغيرَهم، على ألف ألف درهم وست مئة ألف درهم، وجعل ما يُؤخذ منهم (٣) مَصروفًا إلى عِمارة الدار المَذْكورة.

стр. 8159

قال المصنف ﵀: وقد درسَت (١) هذه الدار فلم يبقَ لها أثرٌ، وبقي مكانها دَحْلَة (٢) تأوي إليها الوحوش، والبِيعة قائمةٌ بحالها، ولم يبقَ من آثار الدار سوى قطعةٍ يسيرة من المُسَنَّاة (٣)، أبقاها الله ليَعْتَبر بها مَن يأتي على مَمَرِّ الأيام، والحَجَرُ المغصوب في البناء أساسُ الخراب والانعدام، فليت الحلال سلم فكيف بالحرام. وفيها مات أبو علي الخازن فوُجد في بيته ثمانيةٌ وتسعون ألف دينار، وجواهر وحُليٌّ وفُرُش وغيرها تساوي مئة ألف دينار، وقُلد الخُزُن مكانه محمَّد بن العباس بن فَسانْجِس. وفي شعبان تقلَّد القاضي أبو العباس عبد الله بن الحسن بن أبي الشَّوارب القضاء في جانبي بغداد ومدينة المنصور وقضاء القُضاة، وخُلع عليه من دار معزّ الدولة، وركب في الخِلَع وبين يديه الدَّبادِب والبُوقات، وفي خدمته الجيش والأتراك، وكان سفيرُه أرسلان جامدار (٤) مُعزّ الدولة، وشرط على نفسه أن يحمل في كلِّ سنةٍ إلى خزانة معز الدولة مئتي ألف درهم، وكتب عليه بها كتابًا، وجعلها نجومًا معروفة، وامتنع الخليفةُ من تقليده ومن الوصول إليه، وأمر أن لا يدخل عليه يوم موكبٍ ولا غيره، وضمن معز الدولة الحسبةَ ببغداد والشرطةَ وغيرها (٥). وفي شعبان مات أبو بكر محمَّد بن علي بن مقاتل بمصر، فوجدوا في داره ثلاث مئة ألف دينار مَدفونة، وكان يتقلَّد أمر الضّياع الخَراجية بمصر (٦).

стр. 8160

وفيها دخل نجا غلامُ سيفِ الدولة إلى الرُّوم، فسبى ألفَ فارس، وأسر جماعة، وغَنِم ما مقداره ثلاثين ألف دينار. وفيها مات عبد الملك بن نوح صاحب خُراسان، تَقَنْطَرَ به فرسُه، ونُصِّب مكانه أخوه منصور، ودخل بُخْتيار على الخليفة، فأخذ المنصور تقليدًا بالولاية، وقيل: إنما أخذ تقليدًا لسالار صاحب أَذْرَبيجان، وبَذْرَق العَلَويّ الحُجَّاج. وفيها توفي أحمد بن محمَّد ابن عبد الله بن زياد، أبو سَهْل، القَطَّان (١). كان يُكثرُ تلاوةَ القرآن، فصار نَصْبَ عينيه يَنتزع منه ما شاء من غير تَعَب، وكان يقوم الليلَ ويصوم النهار، زاهدًا في الدنيا. توفي ببغداد في شعبان، ودُفن عند مَعْروف الكَرْخي، وكان ثقةً. إسماعيل بن علي ابن إسماعيل بن بَيان، أبو محمَّد، الخُطَبي، كان يرتجل الخُطَب (٢). ولد سنة تسع وستين ومئتين، وكان فاضلًا، نبيلًا، عارفًا بأيام الناس وأخبار الخلفاء والملوك، فصيحًا، يتحرَّى الصِّدق والتواضع. وقال: وجَّه إليَّ الراضي بالله ليلة عيد، فحُملتُ إليه راكبًا على بغلة، فدخلتُ عليه وهو جالس في الشُّموع، فقال لي: يا إسماعيل، إنّي قد عزمتُ على الصلاة بالناس في المُصلَّى، فماذا أقول إذا انتهيتُ في الخطبة إلى الدعاء لنفسي؟ فأطرقتُ ثم قلتُ: يا أمير المؤمنين،
следующие страницы →