← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

قال وهب: الذي أخذ بثأر يحيى ملك بابل، يقال له: خردوش بعد بُخْتَ نَصَّر بأربع مئة ونيف وستين سنة، وسنذكره فيما بعد، ولم يقم لبني إسرائيل بعد خردوش راية. وذكر الحافظ في "تاريخ دمشق" عن ابن المبارك قال: رئي لقمان الحكيم يعدو خلف بُخْتَ نَصَّر فراسخ، فقيل له: يا وليَّ الله، تعدو خلف هذا الكافر؟ قال: لعلِّي أسأله في مؤمن فيجيبني. قلت: وأين لقمان الحكيم من بُخْتَ نَصَّر بينهما قبل خراب بيت المقدس أربعة آلاف سنة وتسع مئة وثماني عشرة سنة. قال علماء السِّير: ولما عاد بنو إسرائيل إلى الشام كثروا وأثروا، فبطروا وعَتَوْا، وعادوا إلى شرِّ ما كانوا عليه، وكثرت فيهم الأحداث فسلَّط الله عليهم مَلِك الروم واسمه ططوس بن اسبانوس فأخرب بلادهم وسباهم وعفى آثارهم، حتى إن المرأة كانت لتبعث بخِرَق حيضها فتلقيها على الصخرة (١). وملك بُخْتَ نَصَّر خمسًا وأربعين سنة، منها تسع عشرة قبل خراب البيت المقدَّس، وستًا وعشرين بعده. وحكى الهيثم بن عَدي: أنَّ بُخْتَ نَصَّر لما عاد إلى بَابِل بالسبايا بنى حبسًا أعلى النَّجف، وجمع فيه بني إسرائيل، ووكل بهم من يحفظهم، وكانت العرب قد قصدته لتحاربه ورئيسهم معدُّ بن عدنان، فصالح العرب، ونقل بني إسرائيل إلى جانب الفرات موضع الأَنْبار اليوم فأنزلهم هناك، فبنوا المدينة، فقال الناس: أَنبار بني إسرائيل. قال الجوهري: وأنبار اسم بلد، واصله من نَبَرْتُ الشيء أي رفعته، ومنه المِنْبَر (٢). وقال ابن إسحاق: كانت الحِيرة منزل بُخْتَ نَصَّر، فلمَّا مات انتقل إلى الأَنْبَار. ومات عدنان في آخر أيام بُخْتَ نَصَّر، فجاء ولده معدُّ من أرض بَابِل إلى مَكَّة، فطرد من كان بها من جُرْهُم، وتزوَّج معانة بنت جوسم فولدت له نزارًا، وولد لنزار مُضَر وإياد وربيعة وأَنمار. وتفرقت اليهود فنزل بعضهم الحجاز وَيثْرِب ووادي القرى وغيرها، والله أعلم بالصواب.

стр. 842

فصل في عمارة بيت المقدس وقصة العزير (١) قال الله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]. واختلفوا في هذا المارِّ على أقوال: أحدها: أنه إرْمِيَا، قال جدي في "فضائل القدس": روى عبد الصمد بن معقل عن وهب بن منبه وزاد غيره قال: أقام إِرْمِيا بعد خراب البيت بأرض مصر مدة، فأوحى الله إليه: أن الْحَقْ بأرض إيلياء، فإن هذه ليست لك بأرض، فقام فركب حماره وأخذ معه سلةً من عنب وسقاءً جديدًا فيه ماء وخرج (٢). وفي رواية: فأوحى الله إليه: يا إرميا الْحَقْ بأرض الشام، فإن هذه الأرض ليست للأنبياء بمقام، وإني عامر بيت المقدس، فخرج على حمار ومعه سلة فيها عنب وتين وسقاء من عصير. فلما بدا له شخصُ بيت المقدس وما حوله من القرى نظر إلى خرابٍ لا يوصف، فقال: أَنَّى يُحصي هذه الله بعد موتها، ونزل عن حماره وربطه، وألقى الله عليه السُّباتَ ونزع روحه، فنام مئة عام، فلما انقضت سبعون منها أرسل الله مَلَكًا إلى مَلِكٍ من ملوك فارس عظيم. واختلفوا في اسمه فقال وهب: كوشك (٣)، وقال أبو جعفر الطبري: بشتاسِب (٤)، وقال مجاهد: كورش، فقال له المَلَك: إن اللهَ يأمُرُكَ أن تَنْفِرَ بقومك فتعمر بيت المقدس حتى يعود أعمرَ ما كان، فانتدب الملك ألف قَهرَمان (٥)، مع كلِّ قهْرَمان ثلاثة آلاف عامل، فشرع في عمارته، فتمَّ في ثلاثين سنة. وجمع كوشك من كان إليه في البلاد من بني إسرائيل، فكثروا وعادوا أحسن ما كانوا. ولما مضى من منام إرْمِيا سبعون سنة دبَّت الروح في عينيه، فجعل ينظر إليهم وهم يبنون

стр. 843

فلما انقضت المئة سنة أحياه الله، فقام ينظر إلى عظام حماره وهي بيض تبرق، فسمع صوتًا من السماء: أيتها العظام المتمزقة إنَّ الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمعت واكتست لحمًا وجلدًا، وقام الحمار ينهق، ونودي من السماء: يا إرْمِيا، كم لبثت؟ قال: يومًا أو بعضَ يوم، وكان قد مات وقت الضحى وعاش قبل مغيب الشمس، فالتفت فرأى بقية الشمس، فقال: أو بعض يوم، فكان يظن أنها قد غربت، فلهذا قال: يومًا، فلما رآها لم تغرب قال كذلك، فقيل: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩] أي: لم يتغيَّر، فلم يحمض العِنَب والتين ولم يتغيَّر العصير. وقال الجوهري: التسنُّهُ: التَّكَرُّجُ الذي يقع على الطعام والشراب والخبز (١). ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ [البقرة: ٢٥٩] كيف تمزَّقت أوصاله فأعادها الله. فإن قيل: فلم بلي الحمار ولم يتغيَّر الشراب والطعام، ولم يحمض العصير، قلنا: لو تغيَّر الطعام لتلاشى وانعدم ولم يبق له أثر، وأما الحمار فاستدلَّ بإحيائه على إحياء بيت المقدس وعوده إلى ما كان عليه. فإن قيل: فهلا قال: وانظر إلى نفسك، ولم يقل: إلى حمارك، قلنا: معناه: انظر إلى حمارك الذي ربطته واقفًا على هيئته. ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٥٩] أي: عبرة ودلالة على البعث. قال ابن عباس: مات وهو ابن أربعين سنة، وقال أبو جعفر الطبري: إنَّ إرْمِيا لبث في نومه إلى أن هلك بُخْتَ نَصَّر، وكان قد عاش ثلاث مئة سنة - يعني بُخْتَ نَصَّر - وبعث الله عليه بعوضةً فقتلته، وهلك المَلِك الذي كان قبله وهو لُهراسب، وقام ولده بشتاسب، فبلغه خراب البيت المقدس، فجمع بني إسرائيل وملَّك عليهم رجلًا من آل داود ﵇ وأمره بعمارة بيت المقدس أحسن ما كان، فعمره، وردَّ الله روح إرميا إليه. وقال وهب: عُمِّرَ إرميا، وهو الذي يُرى في الفلوات، ويقال إنه الخضر (٢). والثاني: أنَّ الذي مرَّ على بيت المقدس العُزَير ﵇، وعليه الأكثرون، وهو

стр. 844

قول عليٍّ ﵇ وقتادة وعكرمة والضحَّاك والسُّدي في آخرين، وحكاه جدي في "فضائل القدس" عن ابن عباس (١). وروى ناجية بن كعب عن عليٍّ ﵇ قال: لما فعل بُخْتَ نَصَّر ببيت المقدس ما فعل، وقَدِم بالسبي إلى بَابِل، كان فيهم عُزَير، وكان من علماء بني إسرائيل، فلما عاد بقاياهم إلى الشام عاد عُزَير معهم فمرَّ على بيت المقدس وهو شابٌّ راكب على حمار، فأَماته الله مئة عام. وقال وهب وابن عباس: لما أحياه الله أتى منزله فأنكر المنازل، وهناك عجوز عمياء مقعدة قد أتت عليها مئة وعشرون سنة، وكانت تعرفه قبل ذلك، فقال لها عُزَير: هذا منزل عُزَير؟ فبكت وقالت: نعم ما سمعنا أحدًا يذكر عُزَيرًا منذ مئة سنة، وقد نسيته الناس، فقال: أنا عُزَير أماتني الله مئة عام ثم بعثني، فقالت: كان عُزَير مستجاب الدعوة فادعُ لي حتى يردَّ الله عليَّ بصري، فدعا لها ومسحَ على عينيها وجسدها فأبصرت وقامت تمشي، فكأنما نشطت من عقال، ونادت في بني إسرائيل: إن الله قد أحيا عُزَيرًا، وهناك ابنٌ لعزير قد أتمت عليه مئة وعشرون سنة، وبنوه شيوخ، فقال ابنه: كان لأبي شامة سوداء بين كتفيه، فكشف ثوبه فلاحت، فتعانقا وبكيا (٢). وذكر الثعلبي أنهم كذَّبوه، فقرأ لهم التوراة على ظهر قلبه، وكانت التوراة قد فُقِدت، فقال بعضهم: حدثني أبي عن جدي أنَّ التوراة دفنت يوم سُبينا في خابية في كرم فلان، فنبشوا الكرم وأخرجوها وعارضوها بما أملى عُزَير فما اختلفا في حرف واحد، فحينئذٍ قالوا: عُزَير ابن الله (٣). والثالث: أنَّ الذي مرَّ على القرية لا إرْمِيا ولا عُزَير بل رجل كافر بالبعث، قاله مجاهد، والأول أصح. واختلفوا في القرية: عامة العلماء أنها بيت المقدس، وقيل: قرية العنب غربي بيت

стр. 845

المقدس على فرسخين، قاله مقاتل. وقال الرَّبيع: هي دَاوَرْدان التي خرج منها الألوف، وقيل: دير هِزقِل (١)، والأول أصح. والخاوية: الساقطة بعضها على بعض، والعروش: السقوف، ومعنى ﴿أَنَّى﴾ أي: كيف ومتى، وليس المراد به الشكُّ بل التعجُّب ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ استفهام عن مبلغ العدد، وعامة القراء على إظهار لبثت لأنه أظهر (٢). فإن قيل: فقد كان عُزَير نبيًا فلمَ لم يُذْكَر في القرآن باسمه، فالجواب من وجوه: أحدها: أنَّ الله ذكر قصص جماعة في القرآن من الأنبياء، ولمْ يذكر أساميهم كشَعيا ويوشَع وإرْمِيا ونبيِّ أصحاب الرسِّ وعُزَير في آخرين لحكمة رآها. والثاني: لأنّ عزيرًا قال: ﴿أَنَّى يُحْيِي﴾ وفيه نوع شك وإن كان تعجُّبًا. والثالث: لأنه سأل ربه عن القَدَر فأوحى الله إليه: سألتني عن غامض علمي فعاقبتك بأن لا أذكر اسمك مع الأنبياء، قاله داود بن أبي هِند. فإن قيل: وما الذي سأل ربه؟ قلنا: روى الضحاك عن ابن عباس قال: قال عُزَير: يا رب، لو شئتَ أن تطاع لأُطعتَ، ولو شئتَ أن لا تُعصى لما عُصِيتَ، وأنت تحبُّ أن تطاع، ومع ذلك فأنت تُعْصَى. فأوحى الله إليه: أنا لا أُسْالُ عما أفعل وهم يُسألون. فقال: يا إلهي، خلقت الشر وقدَّرته فلمَ تعاقبُ عليه؟ فأوحى الله إليه: أعرضْ عن هذا، فلم يَنْزجِر، فقال الله: يا عُزَير، أتريدُ أنْ تسألَنَي عن أصل علمي؟ لأمحوَنَّ اسمك من ديوان النبوَّة. وقال ابن عباس: لم يَكن في أولاد الأنبياء مثل عُزَير، ولا أَحْكَم للتوراة منه، فعوقب لما سأَل عن القَدَر.

стр. 846

قلت: وذكر الحافظ في "تاريخ دمشق" وقال: جاء في الأثر أنَّ قبر عُزَير بدمشق. قال: وروى ابن عباس. عن النبي ﷺ أنه قال: "لا أَدْري أَكَان عُزَيرٌ نبيًّا أمْ لا". قال: وقال أنس: جاء عُزَير إلى باب موسى بن عِمران بعدما محي اسمه من ديوان النبوَّة فحجب، فرجع وهو يقول مئة موتة أهونُ من ذلِّ ساعة (١). قلت: إن كان جاء إلى باب موسى في النَّوم فيمكن، أما في اليقظة فبينهما أكثر من ألف سنة، فلله درُّ التاريخ. وقال يحيى بن أبي كَثِير: دبَّر عُزَير أمرَ بني إسرائيل بعدما عاش أربعين سنة، فكمُل له ثمانون ومئة سنة، ثم مات. وقال الهيثم بن عدي: وفي أيام عُزَير كان يَزْدَجِرْد بن بَهرام الملقب بالأثيم، وهو الذي بنى الخَوَرْنَقَ (٢) والسَّدِير (٣)، وقيل: إنما كان في أيام إرِمْيَا. وقال ابن الكلبي: وفي أيام عُزَير كان يَزْدَجِرْد بن بَهرام، وزال مُلْك الفرس عن الشام وصار إلى الروم، وكان مَلَك مُلْك فارس بشتاسب وقيل: أشتاسب بن لهراسب، وكان لما قتل شعيا، قد آل أمر الشام والقدس إليه. قال جدي في "فضائل القدس"، وكان بُخْت نَصَّر عامله على ذلك كله (٤). وفي أيام عُزَير ظهر زَرادِشت المجوسي لما نذكر. وحكى جدِّي في "فضائل بيت المقدس" عن وهب، قال: كان عُزَير من السبايا التي سباها بُخْت نَصَّر من القدس، فرجع إلى الشام، وبكى على فقد التوراة فنبِّئ، وكان بُخت نَصَّر قد أحرق التوراة فتلاها عُزَير من حفظه فافتتنوا به، وقالوا: هو ابن الله، ثم

стр. 847

دفعها إلى تلميذ له اسمه ميخائيل، فبدَّلها وزاد فيها ونقص منها، والدليلُ عليه أن فيها أحاديث أسفار موسى وموته وما جرى له، وليس هذا من كلام الله تعالى. وقال جدي في "فضائل بيت المقدس"، أنبأنا أبو المعمر المبارك بن أحمد الأنصاري بإسناده عن حُذيفة بن اليَمان عن النبي ﷺ قال: "غَزَا طاطري بن اسمانوس بني إسرائيل فَسَباهم وسَبَى حُليَّ بيتِ المقدس وأَحرقَهُ بالنَّارِ، وحمَّل منه في البحر ألفًا وتسع مئة سفينة حُليًّا، وأورده رُوْمِيةَ". قال حذيفة: فسمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لَيُخرِجَنَّ المهدِيُّ ذلك حتى يؤدِّيه إلى بيت المقدس". وقال جدي ﵀ أيضًا: أنبأنا محمد بن ناصر بإسناده عن سعيد بن عبد العزيز قال: أخربت أهل رُومِيَة بيت المقدس واتخذته مَزْبَلة، حتى كانت المرأة لتبعث بخرقٍ من دمها حتى تلقى في المسجد، فلما قرأ قيصر كتاب رسول الله ﷺ يدعوه إلى الإسلام قرأه على بَطَارقة الرُّوم ببيت المقدس ثم قال لهم: ويلكم ما ترون وقد أَخربتم هذا البيت - أو هذا المسجد - واتخذتموه مزبلة؟ توبوا مما صنعتم وإلا قتلتم عليه كما قتل (١) بنو إسرائيل على دم يَحْيَي بن زَكَريا، فأخذوا في كَنْسِه وهو يومئذٍ مَزْبلة، وقد حاذت مِحْراب داود، فما كنسوا إلا الثلث، حتى قدم المسلمون، وحضر عمر بن الخطاب ﵁ فَتْحَهُ، ووليَ كَنْسَهُ بنفسه وبمن معه من المسلمين (٢). * * *

стр. 848

فصل في ذكر دانيال الأصغر (١) قد ذكرنا أنه كان محبوسًا في جُبٍّ بأرض بابِل ومعه أسدان، وقيل: أَسد ولبؤة. وقال ابن الكلبي: كان محبوسًا بفلاة من الأرض، وعلى رأس الجُبِّ صخرة، فأوحى الله إلى بعض أنبياء بني إسرائيل: انطلق فاستخرجْ دانيالَ من الجُبِّ فقال: يا ربِّ، ومن يدلُّني عليه؟ قال: أتانك، فركب أتانه وجاء إلى موضع الجُبِّ فوقفت فقال: يا صاحبَ الجُبِّ، فقال دانيال: قد أسمعت فما تريد؟ فقال: إن الله أمرني أنْ أُخْرِجَكَ، فقال دانيال: الحمد لله الذي لا ينسى مَن ذكَره، والحمد لله الذي لا يَكِلُ من توكَّلَ عليه إلى غيره، والحمد لله الذي يجازي بالإحسان إحسانًا وبالإساءة غفرانًا. فرفع الصخرة واستخرجه، وقام الأسد واللبؤة يمشيان معه، فعزم عليهما دانيال فرجعا إلى الغَيْضَة. وقال ابن الكلبي: فنقش دانيال على خاتمه أسدًا ولبؤة، فكان كل وقت ينظر إليهما لئلا ينسى نعم الله عليه ويشكره على إحسانه إليه. ثم إن دانيال عاد إلى القدس فأقام مدة فعصوا وأفسدوا وعادوا إلى شرٍّ مما كانوا عليه، فسلط الله عليهم أنطياخوس الرومي، ففعل بهم كما فعل بُخْت نَصَّر، وهي آخر مرة في قوله تعالى: ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: ٤]. قاله وهب بن منبه. قال: وعاد دانيال إلى العراق فمات بالسُّوس، ولما فتحها أبو موسى الأشعري في سنة سبع عشرة من الهجرة في زمان عمر ﵁ على يد أبي سَبْرَة بن أبي رُهْم، دخل أبو موسى إلى قبره فإذا ركبته تحاذي رأس أبي موسى وأنفه ذراع وكانوا يستسقون به فيسقون، وكتب أبو موسى إلى عمر يخبره به، فكتب إليه بمواراته ودفنه، ووجدوا في إصبعه خاتمًا من فضة عليه صورة الأسد واللبؤة. قال وهب: وهذا دانيال الأصغر، فأما الأكبر فكان بين نوح وإبراهيم وهو الذي حفر دجلة والفرات وقد ذكرناه. * * *

стр. 849

فَصلْ في ذِكر يُونس ﵇ (١) وقال مقاتل: ذكره الله في أربعة مواضع، وهو اسم أعجمي، وأبوه متَّى في قول مجاهد، ومتَّى من ولد بنيامين بن يعقوب، وقال مقاتل: متَّى اسم أمه، ولم ينسب أحد من الأنبياء إلى أمه غير يونس وعيسى بن مريم ﵉، قال: وهو من ولد بنيامين بن يعقوب، وفيه ثلاث لغات: ضم النون وفتحها وكسرها والهمز في اللغات الثلاث، وضم النون أجود. وذكر أبو حنيفة ابن النُّوبي: أن أم يونس كانت من ولد هارون ﵇، ومات أبوه وهي حامل، فوضعته ولم يكن لها لبن، فأتت إلى الرِّعاء فسألتهم اللبن فمنعوها إياه، فلما منعوها وضعته في غار، فقيَّض الله له شاة تأتيه كل يوم فيرضع منها، فأقام على ذلك أربع سنين، وفطن له الرعاة، فآمن به سبعون نبيًا، ثم أكرمه الله بالنبوة. واختلفوا في زمان كونه على قولين: أحدهما: بعد شعيا، والثانى: بعد سليمان. والأول أشهر. وكان يونس رجلًا صالحًا من عبَّاد بني إسرائيل وأنبيائهم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩)﴾ [الصافات: ١٣٩]. وقد أثنى عليه نبيُّنا ﷺ ، قال أحمد بن حنبل بإسناده عن ابن مسعود قال رسول الله ﷺ : "لا يَنْبَغي لأحَدٍ أنْ يكونَ خيرًا من يُونُسَ بن متَّى" (٢). ونسبه إلى أبيه متفق عليه، وفي المتفق عليه عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يَنْبَغي لعبدٍ أنْ يقول: أنا خَيرٌ مِن يُونُسَ بن متَّى" ونسبه إلى أبيه (٣).

стр. 850

وكذا في المتفق عليه عن أبي هريرة: "ومَن قال غيرَ ذلك فقد كَذَب" (١). وأخرجه أحمد بن حنبل في "المسند" عن عبد الله بن جعفر، وفيه: "ما ينبغي لنبي" وذكره (٢). وهذا دليل على تواضع رسول الله ﷺ لأن يونس كان قليل الصبر. وقيل: إن هذا الحديث منسوخ بقوله ﵇: "أنا سيِّدُ ولدِ آدَمَ" (٣). ذكر قصته قال الله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ الآيات [الأنبياء: ٨٧]. اختلف أرباب السير في قصة يونس: قرأت على شيخنا الموفق المقدسي ﵀ قال: حدثنا أحمد بن المبارك بإسناده، عن قتادة، عن الحسن: أن يونس ﵇ كان مع نبي من الأنبياء، فأوحى الله إليه أن ابعث يونس إلى [أهل] نِينَوى يُحذِّرهم عقوبتي، قال: فمضى يونس ﵇ على كُرهٍ منه، وكان رجلًا صالحًا حديدًا شديد الغضب، فأتاهم فحذرهم وأنذرهم، فكذَّبوه وردوا عليه نصيحته، ورموه بالحجارة، وأخرجوه، فانصرف عنهم، فقال له نبي من بني إسرائيل: ارجع إلى قومك. فرجع إليهم فرموه بالحجارة، فقال له النبي: ارجع إليهم فرجع، فكذَّبوه، فواعدهم العذاب، فكذَّبوه وكفروا بالله وجحدوا كتابه، فدعا عليهم عند ذلك فقال: يا ربِّ، إن قومي أبَوْا إلا الكفر، فأَنْزِلْ عليهم نِقمتك. فأوحى الله إليه: إني أُنزلُ بقومك العذاب. فخرج عليهم يونس وأوعدهم العذاب بعد ثلاثة أيام. فأخرج أهله وانطلق، فصعد الجبل ينظر إلى أهل نِينَوى ويترقب العذاب، فجاءهم العذاب، وعاينوه، فتابوا إلى الله، فكشف عنهم العذاب. فلما رأى ذلك جاءه إبليس فقال له: يا يونس، إنك إن رجعت إلى قومك اتهموك وكذبوك، فذهب مغاضبًا لقومه، فانطلق، حتى أتى شاطئ دِجلة فركب سفينة، فلما توسَّطت

стр. 851

الماءَ أوحى الله إليها أن اركدي فركدت؛ والسفنُ تمرُّ يمينًا وشمالًا، فقالوا: ما بال سفينتكم؟ قالوا: لا ندري، قال يونس: أنا أدري، إنَّ فيها عبدًا أبق من ربه، فلا تسير حتى تلقوه في الماء، قالوا: ومن هو؟ قال: أنا، وعرفوه، قالوا: أمَّا أنت فليس نلقيك؛ والله ما نرجو النجاةَ إلَّا بك. قال: فاقترعُوا، فمن وقعت عليه القرعة فألقوه في الماء، فاقترعوا، فقرعهم يونس ﵇، فأَبَوْا أن يلقوه، وأقرع القومَ ثانيًا وثالثًا، فقرعهم يونس، فقال: يا قوم، اطرحوني في الماء وانجوا، فقام القوم فاحتملوه شبه المشفقين عليه، فقال: ايتوا بي صَدْرَ السفينة، ففعلوا، وإذا بالحوت فاتح فاه، فقال: ردُّوني إلى مؤخَّر السفينة، ففعلوا، واستقبله الحوت فاتحًا فاه، فلما رأى جوفه وهوله قال: يا قوم، ردُّوني إلى وسط السفينة، فردُّوه، فاستقبله الحوت، فقال: ردُّوني إلى الجانب الآخر، فاستقبله الحوت فاتحًا فاه ليأخذه، فقال: ألقوني وانجوا؛ فلا منجى من الله إلا إليه. فطرحوه، فالتقمه الحوت قبل أن يبلغ الماء، وانطلق به الحوت إلى مسكنه من البحر، ثم انطلق به إلى قرار الأرض، فطاف به أربعين يومًا، فسمع يونس تسبيح الحصى والحيتان، فجعل يسبِّح ويهلِّل ويقدِّس، وكان يقول في دعائه: إلهي وسيدي ومولاي، في السماء مسكنك، وفي الأرض قدرتك وعجائبك، سيدي، من الجبال أهبطتني، وفي البلاد سيَّرتني، وفي الظلمات الثلاث حبستني. إلهي، سجنتني بسجن لم يسكن به أحد قبلي. إلهي، عاقبتني بعقوبة لم يُعاقب بها أحد قبلي. فلما تم له أربعين يومًا وأصابه الغمُّ ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. قال: فسمعَتْ الملائكة بكاءه، وعرفوا صوته، فبكت الملائكة وبكت السماوات والأرض والحيتان لبكائه، فقال الجبَّار: يا ملائكتي، ما لي أراكم تبكون؟ قالوا: ربَّنا، صوتٌ حزين ضعيف نعرفه في مكان غريب، قال: ذاك عبدي يونس، عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر، فقالوا: يا ربَّنا، العبد الصالح الذي كان يصعدُ له في كلِّ يومٍ وليلة العمل الصالح الكثير؟ وقال ابن عباس: قال الله تعالى: نعم. قال: فشفعت له الملائكة والسماوات والأرض، فبعث الله جبريل ﵇، فقال: انطلق إلى الحوت الذي حبستُ يونسَ في بطنه، فقل له: إنَّ لي في عبدي حاجةً،

стр. 852

فانطلقْ به إلى الموضع الذي بلعته فيه، فاقْذِفْه فيه. فانطلق جبريل ﵇ إلى الحوت فأخبره، فانطلق الحوت بيونس ﵇ وهو يقول: يا ربِّ، استأنستُ في البحر بتسبيح عبدك يونس، واستأنَستْ به دوابُّ البحر، وكنتُ أزكى شيء به، وجعلتُ بطني له مصلىَّ يقدسك فيه، فقُدِّسْتُ به وما حولي من البحار، أفتخرجه عني بعد أُنسٍ كان لي به؟ فقال الله تعالى: إني أَقَلْتُ عثرته ورَحِمْتُه، فأَلقِه. قال: فجاء به إلى حيث ابتلعه ببلد على شاطئ دِجلة، فدنا جبريل من الحوت، وقرَّب فاه من فِي الحوت، وقال: السلام عليك يا يونس، ربُّ العزةِ يُقرئك السلام، فقال يونس: مرحبًا بصوت كنتُ خشيتُ أن لا أسمعه أبدًا. فقذفه الحوت مثل الفرخ الممعوط (١) الذي ليس عليه ريش، فاحتضنه جبريل. قال الحسن: فأنبت الله عليه شجرة من يقطين؛ وهي الدُّبَّاء فكان لها ظلٌّ واسع يستظل به، وأُمِرَتْ أن ترضعه أغصانَها، فكان يرضع منها كما يرضع الصبي. وقال الحسن: بعث الله إليه وَعْلَةً من وُعُلِ الجبل يدرُّ ضرعها لبنًا، فجاءت إليه وهو مثل الفرخ، فجعلت ثديها في فيه وهو يمصُّه مصَّ الصبيِّ، فإذا شبع انصرفت، فكانت تختلف إليه حتى اشتدَّ ونبت شعره خلقًا جديدًا، ورجع إلى حاله قبل أن يقع في بطن الحوت، فمرَّتْ به مارَّةٌ فكَسَوهُ كساء. فبينما هو ذات يوم نائم إذ أوحى الله إلى الشمس أن احرقي شجرة يونس، فأحرقتها، فأصابت الشمس جلده فأحرقته، فقال: يا ربِّ، نجيتني من الظلمات، ورزقتني ظلَّ شجرة كنت أستظل بها، فأحرقتَها، أفتحرقني يا ربِّ؟ وبكى، فأتاه جبريل، فقال له: يا يونس، إن الله يقول لك: أنت زرعتها أم أنا؟ أنت أنبتَّها أم أنا؟ فقال: بل الله، قال: فبكاؤك لماذا؟ فكيف دعوت على مئة ألف أو يزيدون أردت هلاكهم؟ وقال ابن عباس: قال له جبريل: أتبكي على شجرة أنبتها الله تعالى لك، ولا تبكي على مئة ألف أو يزيدون أردتَ هلاكهم في غداة واحدة؟ فعند ذلك عرف يونس ذنبه، فاستغفر ربه، فغفر له. وعن الزُّهري: لما قوي يونس كان يخرج من الشجرة يمينًا وشمالًا، فأتى على رجل

стр. 853

يصنع الجِوار، فقال له يونس: يا عبد الله، ما تصنع؟ قال: الجِرار، فأبيعها أطلب فيها فضلَ الله. فأوحى الله إلى يونس: قل له يكسر جراره، فقال له يونس ذلك، قال: فغضب، وقال: إنك رجل سوء تأمرني بالفساد؛ تأمرني أن أكسر شيئًا عملته وصنعته ورجوتُ خيره. فأوحى الله إليه: يا يونس، ألا ترى إلى هذا الجرَّار كيف غضب لمَّا أمرته بكسر ما صنع، وأنت تأمرني بهلاك قومك؟! فما الذي يشقُّ عليك أن يَصلح من قومك مئة ألف أو يزيدون؟ قال الله : ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣] يعني من المصلِّين من قبل أن تنزل البليَّة ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٤]. قال ابن عباس: من كان ذاكرًا لله في الرخاء ذكره الله في الشدَّة واستجاب له، ومن يغفل عن الله في الرخاء وذكره في الشدة لم يستجب له. قال الله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ [الأنبياء: ٨٧]، فقال الله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٨]، يقول الله تعالى: كذلك نفعل بالصالحين إذا وقعوا في الخطيئة ثم تابوا إليَّ قبلتُ توبتهم. روى ابن عباس، قال: قال رسول ﷺ : "دعا أخي يونس بهذه الدعوات في الظلمات، فأنجاه الله بها؛ فلا يدعو بها مؤمن مكروبٌ إلا كشف الله ذلك عنه، إنَّ بها عدة من الله لا خلف لها". هذه صورة ما ذكره الشيخ الموفق في "التوابين" (١). وروى مجاهد عن ابن عباس، قال: كان يونس وقومه يسكنون أرض فلسطين، فغزاهم ملك، فسبى منهم تسعة أسباط ونصف سبط، فأوحى الله إلى شعيا بن أمصيا أن سرْ إلى حزقيا الملك، وقل له حتى يبعثَ نبيًا قويًّا أمينًا، فإني أُلقي في قلوب أولئك أن يرسلوا معه بني إسرائيل، فقال له الملك: من ترى؟ وكان قد بقي في مملكته خمسة أولاد من أولاد الأنبياء، فقال: يونس، فإنه قوي أمين. فدعاه الملك، فأمره بالخروج،

стр. 854

فقال له يونس: هل أمرك الله أن تخرجني؟ قال: لا قال: فهل شماني لك؟ قال: لا، قال: فإنَّ ها هنا أنبياء أقوياء أمناء، فألحوا عليه، فخرج مغاضبًا للمَلِك حزقيا والنبي شَعْيا وقومه، فأتى بحر الروم فإذا سفينةٌ مشحونةٌ فركبها، فوقفت أو تكفَّأَتْ حتى كادوا أن يغرقوا، فقال الملاحون: ها هنا ها هنا عبد عاصٍ أو آبق، ومِنْ رَسْمِنَا أن نقترع في مثل هذا، فمن وقعت عليه القرعة ألقيناه في البحر ومضينا، ولأن يغرقَ واحدٌ خير من أن تغرق السفينة ومن فيها. ثم اقترعوا ثلاثًا وفي كلِّ مرة تقعُ القرعةُ على يونس، فقال يونس: أنا ذلك الآبق العاصي. وألقى نفسه في البحر فالتقمه حوت، وجاء حوت آخر فالتهم الحوت الأول. فأوحى الله إلى الحوت: لا تؤذِ منه شعرةً، فإني جعلت بطنك له مسجدًا وسجنًا، ولم أجعله طعامًا لك (١). وقد رواه العَوفي عن ابن عباس. وقال مقاتل: التقمه الحوت بدِجلَة ثم نزل به إلى الأبُلَّة، ودخل به إلى البحر، فلم يُبقِ بحرًا حتى طاف به. وقال وهب: كان يونس رجلًا فيه حدة وضيق خلق، فلما حملت عليه أثقال النبوَّة تفسَّخ تحتها تفسُّخ الرُّبَع تحت الحِملِ الثقيل - يعني بالربع: الفصيل - فلهذا أخرجه الله من أُولي العزم من الرسل بقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨] أي: لا تتلقَّ أمره كما تلقَّاه (٢). وقال السُّدي ومقاتل: كان يونس قبل النبوة من عُبَّاد بني إسرائيل في جبل يفرُّ بدينه من شاهق إلى شاهق، فبعثه الله إلى أهل نِينوَى من أرض الموصِل، وهو ابن أربعين سنة، وكانوا يعبدون الأصنام، فضاق بالرسالة ذرعًا ودعا إلى الله وشكا، فأوحى الله إليه. بلِّغهم الرسالة فإن لم يستجيبوا لك عذَّبتهم، وإن لم تبلِّغهم أصابك ما يصيبهم من العذاب، وقد أجلتهم أربعين يومًا، فقام فأنذَرهم وكان صوته بالقراءة مثل صوت داود

стр. 855

﵇، وأخبرهم بالأجل فقالوا: إذا رأينا أسباب العذاب آمنَّا. فلما مضى من الأجل خمسة وثلاثون يومًا غامت السماء غيمًا أسود فاسودَّت سطوحاتهم، فأيقنوا بالعذاب، فأوحى الله إليه: أخبرهم بأن العذاب مصبِّحَهم بعد ثلاث، فأخبرهم فقالوا: لم نجرِّب عليه كذبًا قط، فانظروا فإن بات فيكم الليلة فليس بشيء، وإن لم يبتْ وإلا صبَّحكم العذاب كما قال. فلما كان في جوف الليل خرج يونس من بين أظهرهم، فلما أصبحوا تغشَّاهم العذاب كما يُغَشِّي الثَّوبُ (١)، وصار على رؤوسهم قدر ميل، فلما رأوا ذلك أيقنوا بالهلاك، وطلبوا نبيَّهم يونس فلم يجدوه، فقذف الله في قلوبهم التوبة، فخرجوا إلى الصعيد بأهاليهم وصبيانهم ومواشيهم، ولبسوا المُسوحَ وأظهروا الإيمان وأخلصوا النيَّة في التوبة، وفرَّقوا بين كل والدة وولدها من الناس والدَّواب، فَحَنَّ بعضها إلى بعض، وعَلت الأصوات واختلطوا وعجُّوا إلى الله تعالى وبكوا وتضرعوا، وقالوا: آمنا بما جاء به يونس. وقال ابن مسعود: ترادُّوا المظالم فيما بينهم، حتى إن الرجل كان يأتي إلى أساس داره فيقلع الحجر الذي غصبه ويرده إلى صاحبه وصاحوا: يا حيُّ حين لا حيٌّ، يا محيي الموتى، لا إله إلا أنت، فكشف الله عنهم العذاب (٢). قال ابن عباس: فذلك قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ الآية [يونس: ٩٨]، ومعناه: فهلا، وكذا هو في مصحف ابن مسعود وأُبيٍّ. وقال الربيع: معناه: لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتَّعناهم إلى حين، وهو وقت انقضاء آجالهم. وقال مجاهد: إنما نفعهم إيمانهم في وقت اليأس لأن آجالهم بقيت منهم بقية فنجوا بما بقي من آجالهم، فأما إيمان من قد انقضى أجله فغير نافع عند حضور الأجل. وهذا الكلام في غاية الجودة. وقال ابن عباس: غشيهم العذاب كما يغشى التُّرب (٣) القبر إذا دخل صاحبه فيه.

стр. 856

وقال: وكان العذاب على رؤوسهم قدر ثلثي ميل (١). وثار عليهم دخان أسود، فعاينوا الموت، ثم كشفه الله عنهم. فإن قيل: فلم كشف الله العذاب عن قوم يونس دون غيرهم من الأمم ولم يقبل توبة فرعون؟ فالجواب من وجوه: أحدها: لأن الله علمَ منهم صدقَ النيَّات. ألا ترى إلى فرعون لما عاين الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠] فلم يخلص النيَّة وقد باشره العذاب، وهؤلاء لم يباشرهم، ذكره الزجاج. والثاني: لأنَّ الله تعالى خصَّ قوم يونس بذلك لما أقنطهم يونس من رحمة الله تعالى وكما قال: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس: ٩٨]، ذكره ابن الأنباري (٢). والثالث: لأنَّ القوم افترقوا ثلاث فرق: الشيوخ، والشباب، والصبيان والنساء، فجاء العذاب فوقف على رؤوس الشيوخ فقالوا: اللهم إنك أموتنا أن نعتق أرقاءنا، ونحن أرقاؤك فأعتقنا. فانتقل إلى رؤوس الشباب فقالوا: اللهم إنك أموتنا أن نعفو عمن ظلمنا، وقد ظلمنا أنفسنا فاعفُ عنا. فانتقل إلى رؤوس الصبيان والنساء فقالوا: اللهم إنك قد علمتَ ضعفنا وعجزنا فأنت أولى من رحمنا. وتضرَّع الأطفال فرحمهم الله تعالى. والرابع: أنه بقيت من آجالهم بقية كما قال مجاهد، وهو الأصحُّ، فإنَّ من انقضى أجله لم ينقعه إيمانه. والدليل عليه ما رواه أبو حنيفة ابن النُّوبي في كتاب "الأسولة" قال: قال بعض الأنبياء: إلهي، لم رفعت العذاب عن قوم يونس وأهلكت قومي؟ فقال الله تعالى: لأن آجال قومك فنيت، وقوم يونس لم تفن آجالهم. وأنبأنا شيخنا الموفق ﵀ بإسناده الماضي في أول الفصل إلى إسحاق بن بشر قال: حدثنا جُوَيبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال: لما أيس يونس من إيمان قومه دعا ربَّه عليهم فقال: اللهم أنزل عليهم نقمتك. وخرج ومعه ابنان صغيران، فصعد

стр. 857

جبلًا ينظر إلى أهل نِينَوَى ويترقب العذاب، وبعث الله تعالى جبريل فقال: انطلق إلى مالكٍ خازن النار فقل له يُخرج من سَموم جهنم بمقدار مثقال شعيرة. ففعل جبريل ما أمره ربه. قال ابن عباس: فخرجوا إلى موضع يقال له: تل الرماد وتل التوبة، وإنما سُمي به لأنهم وضعوا الرماد على رؤوسهم والشوك تحت أرجلهم. فلما رفعوا أصواتهم بالبكاء قالت الملائكة: يا رب، رحمتك وسعتْ كلَّ شيء، فهؤلاء الأكابر من ولد آدم تعذبهم، فما بال الأصاغر والبهائم؟ فقال الله تعالى جلت عظمته وقدرته قد رحمتهم، وأمر جبريل ﵇ أن يكشف عنهم العذاب (١). وروى الموفَّق أيضًا بإسناده إلى أبي الجَلْد: أنَّ العذاب لما هبط على قوم يونس فجعل يحوم على رؤوسهم مثل قطع الليل المظلم، مشى ذوو العقول منهم إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا: قد نزل بنا ما ترى، فعلِّمنا دعواتٍ ندعو بها عسى أن يرفع الله عنا العذاب، قال: قولوا: يا حيُّ حين لا حي (٢). وقد ذكرناه. وروى الموفق عن الحسن: أنَّ يونس بعدما أنجاه الله من بطن الحوت مَرَّ في برية براعٍ من رعاة قومه، فقال له يونس: ممن أنت؟ فقال: من قوم يونس بن متى، قال: فما فعل يونس؟ قال: لا أدري إلا أنه كان من خيار الناس وأصدق الناس، أخبَرَنا عن العذاب فجاءنا كما قال، فتُبنا إلى الله فرحمنا، ونحن نطلبه فلا نجده ولا نسمع له ذكرًا، قال يونس: فهل عندك من لبن؟ قال: لا، والذي أكرم يونس ما مطرت السماء ولا أعشبت الأرض منذ فارقنا يونس. قال: ألا أراكم تحلفون بإله يونس؟ قال: لا نحلف بغير إله يونس، من حلف بغير إله يونس في مدينتنا نُزعَ لسانه من قفاه. فقال له يونس: متى استحدثتم هذا؟ قال: منذ كشف الله عنا العذاب. قال يونس: ايتني بنعجةٍ، فأتاه بنعجة مسلوبة (٣) فمسح على بطنها وقال: دُرِّي لي بإذن الله، فدرَّت فاحتلبها يونس، فشرب يونس وسقى الراعي، فقال الراعي: إن كان يونس حيًّا فأنت هو. قال: أنا هو، فأتِ قومك فأقرئهم مني السلام. قال: فإن الملك قال: من أتاني به أو ذكر أنه

стр. 858

رأى يونس وجاء على ذلك ببرهان خلعتُ له مُلكي وجعلته مكاني ولحقتُ بيونس. ولا أقدرُ أن أبلغه ذلك إلا بحجَّة، فإني أخاف أن يقول الملك: إنما قلت هذا طمعًا في ملكي، وليس أحد يكذب كذبة إلا قتلوه. فقال يونس: تشهد لك الشاة وهذه الصخرة التي كان مستندًا إليها. وقال يونس: تشهدا له. فانطلق إليهم الراعي فأخبرهم فكذبوه، فقال: الشاة تشهد لي والصخرة، فشهدتا له فصدقوه وقالوا: أنت خيرنا وسيدنا حيث رأيت يونس، وملَّكوه عليهم فدبّر أمرهم أربعين سنة وقيل: سبعين سنة، وكان آخر العهد بيونس ﵇ (١). وفي رواية: أن الغلام أتى الملك فأخبره فأمر بقتله فقال: إنَّ لي بيِّنة فأَرسلوا معي فأَرسَلوا معه فشهدت له الشاة والصخرة. قال ابن مسعود: فقال له الملك: أنت أحقُّ بهذا الملك مني. وقام وأخذه بيده وأقعده موضعه، فأقام لهم الغلام أمرهم سبعين سنة (٢). فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ [الأنبياء: ٨٧] والمغاضبة إنما تكون بين اثنين، لأنها مفاعلة كالمناظرة والمجادلة والمقاتلة، والله تعالى لا مفاعلة بينه وبين عباده؟ والجواب من وجوه: أحدها: ما قاله الضحاك: أنه ذهب مغاضبًا لقومه. وهي رواية العوفي عن إبن عباس (٣). وهو ما ذكرنا أنَّ الله أمر شَعْيا أن يأمر حِزقيا أن يبعث نبيًا ليخلص بني إسرائيل، وأنَّ يونس خرج على كرهٍ منه، وأنه ألقى نفسه في بحر الروم. والثاني: أنه إنما ذهب مغاضبًا لربِّه حين كُشِفَ عنهم العذاب بعدما أوعدهم به، لأنه كَرِه أن يكون بين قوم قد جرَّبوا عليه الخلف فيما وعدهم به، واستحيا منهم ولم يعلم السبب الذي رفع الله به عنهم العذاب والهلاك، فخرج مغاضبًا لربه وقال: والله لا أرجع إليهم كذَّابًا أَبدًا. وفي بعض الأخبار: أنهما كانوا يقتلون من جرَّبوا عليه الكذب، فلما لم يأتهم العذاب في الموعد الذى وعدهم خشي أن يقتلوه، قاله وهب (٤).

стр. 859

والثالث: ذكره الحسن وقال: إنما غاضب ربه من أجل أنه أمره بالمسير إلى قوم لينذرهم بأسه ويدعوهم إليه، فسأل الله أن ينظره ليتأهب للشخوص إليهم، فقيل له: الأمرُ أسرعُ من ذلك، فلم يُنظر، حتى سأل أن يُنظرَ حتى يأخذ نعليه فيلبسهما، فقيل له نحو القول الأول، وكان رجلًا في خلقه ضيق، فقال: أعجلني ربي أن آخذ نعليَّ فخرج مغاضبًا (١). وأما قولهم: إن المفاعلة إنما تكون بين اثنين، فقد تكون من واحد، فإن العرب تقول: طارقت النعل، وعاقبت اللص، وشارفت الأمر. ومعنى قوله: ﴿مُغَاضِبًا﴾ أي: غضبان. وقال مقاتل: إنما غضب لأنه وعد قومه العذابَ في يوم بعينه، فلما فات الأجل (٢) ولم يعذبوا أَنف أن يعود إليهم، فمضى إلى السفينة كالعبد الآبق. فإن قيل: فما معنى قوله: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]؟ فالجواب من وجوه: أحدها: أنَّ معناه: فظن أن لن نقضيَ عليه العقوبة. قاله مجاهد في آخرين (٣). وقد قرأ عمر بن عبد العزيز: "فظنَّ أن لن نُقَدِّر عليه" بتشديد الدال (٤). والثاني: أنَّ معناه: لن نضيِّقَ عليه الحبس من قوله: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أي: ضُيِّقَ، رواه العوفي عن ابن عباس. وقيل: إنَّ معناه: فظن أنه يعجز ربه فلا يقدر عليه. قاله الحسن البصري: قلت: ما نقل الحسن البصري ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ معناه: فظن أنه يعجز ربه فلا يقدر عليه، هذا كلام فاسد لا نظن مثله في آحاد المؤمنين، فكيف بيونس ﵇، ومثل هذا لا يقوله الحسن ﵀، والله أعلم.

стр. 860

والمراد بالظلمات: ظلمة البحر، وظلمة الليل، وظلمة [بطن] الحوت الذي بلعه، وظلمة بطن الحوت [الذي ابتلع الحوتَ الأول] (١)، وظلمة الذَّنبِ. ومعنى ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] حين أغضبتك. وأنبأنا أبو القاسم بن مسلم الصفار الموصلي بإسناده عن أبي هريرة ﵁ عَن رسول الله ﷺ قال: "لمَّا نَزَلَ يُونسُ إلى قرارِ البحرِ سَمِعَ تَسبيحَ الملائكةِ والحِيتانِ فسبَّحَ هو في بطن الحوتِ، فسمعَتِ الملائكةُ تسبيحَه فقالت: يا ربَّنا، نسمعُ صوتًا ضعيفًا بأرضٍ غريبةٍ، فقال الله: ذاكَ عَبْدِي يُونسَ عصاني فحبستُه في بطنِ الحوتِ، قالوا: العبدُ الصالِحُ؟! قال: نَعَم، فشفعُوا له فشفَّعَهم الله فيهِ" (٢). فإن قيل: فلم عاقبه بحوت؟ فالجواب من وجوه: أحدها: أن عقوبة الله تعالى لا تشبه عقوبات خلقه فيُظهِر قدرته بما يعجز عنه البشر. والثاني: لأن الله تعالى له سجون كثيرة وقد كان آيسَ قومَهُ من رحمة الله وقال: لا يغفر الله لكم أبدًا. والثالث: أنه لما ظنَّ أن لن نقدر عليه حبسناه في أضيق السجون. وقال مقاتل: واسم الحوت زالوخا. قال السُّدي: رأى في البحر ملكًا قائمًا على كرسي من قرار البحر إلى رأس الماء فقال: يا رب، من هذا؟ قال: ملك البحر. وقد وكله الله به، وبين يديه رجل وهو يبصق في وجهه وبقول: ويحك، أما استحييت تقول: أنا ربكم الأعلى؟ فقال: من هذا؟ قال: فرعون. قال: ورأى رجلًا يُخسف به كل يوم فقال: من هذا؟ قال: قارون. وذكر أبو حنيفة بن النُّوبي: أنه صار بطن الحوت كالقوارير حتى رأى عجائب البحر كلَّها، وسمع أنين قارون، وسمع قارون تسبيح الملائكة، فقال قارون للملك الموكل به: ما هذا التسبيح؟ قال: تسبيح يونس. فناداه: يا يونس، ما فعل ابن عمي موسى؟ قال: مات. قال: واويلاه. ثم قال: وأخوه هارون؟ قال: مات. فقال: واانقطاع ظهراه.

стр. 861

فقال له يونس: ألا تتوب إلى الله تعالى؟ فقال: توبتي إلى موسى. فأوحى الله إلى يونس قد خفَّفت عذابه بحزنه على قرابته. وفي رواية فقال: وما فعلت أختهما كلثم؟ قال: ماتت. قال: وانَقْصَ قرابتاه. قال: ورأى هامان وغيره. فإن قيل: فكم لبث في بطن الحوت؟ قلنا: فيه أقوال: أحدها: أربعون يومًا، قاله أنس وغيره. والثاني: سبعة أيام، قاله سعيد بن جبير. والثالث: ثلاثة أيام، قاله مجاهد. والرابع: عشرون يومًا، قاله الضحاك. والخامس: بعض يوم، التقمه وقت الضحى وقذفه قبل الغروب، قاله الشعبي (١). والأول أصحُّ. ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ وهو المكان الذي لا يُتوارى فيه بشجر ولا غيره ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥] أي: مريض. ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)﴾ [الصافات: ١٤٧] واختلفوا في "أو" على أقوال: أحدها: أنها بمعنى "بل"، قاله ابن عباس والفراء. والثاني: أنها بمعنى الواو، أي: ويزيدون (٢). والثالث: أنها بمعنى الشك في عددهم، لأنهم قد اختلفوا في الزيادة، فروى أُبي ابن كعب عن رسول الله ﷺ : "كانوا عشرين ألفًا" (٣). وقال ابن عباس: ثلاثون ألفًا. وقال ابن جبير: سبعون ألفًا (٤). فإن قيل: فما معنى: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠)﴾ [الصافات: ١٤٠] الآيات؟

стр. 862

فالجواب: أنَّ معنى: أبقَ، أي: هرب، والفلك: السفينة، والمشحون: المملوء، وساهم، أي: قارع، وهي إلقاء السهام على وجه القرعة، والمدحض: المغلوب، والتَقَمَه: ابتلعه، والمليم: المذنب الذي يُلام على ما أتى به، والمسبِّحين: المصلِّين العابدين. وقال الحسن: لم يكن له صلاة في بطن الحوت، وإنما قدَّم عملًا صالحًا، ولولا ذلك العمل ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾ [الصافات: ١٤٤] أي: صار بطن الحوت له قبرًا (١). قال ابن عباس: إنما كانت رسالة يونس بعدما نبذه الحوت، قال: ودليله أنَّ الله ذكر قصَّة يونس في سورة الصافات ثم عقبها بقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (٢). قلت: والأصح أنَّ قصة الحوت كانت بعدما أرسله إلى قومه، لأن الله قد ذكره في سورة يونس وهي مقدمة على الصافات، وأيضًا فإن الواو للجمع وعليه عامة المفسرين. وقوله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٨] إذا استغاثوا بنا ودعونا. فإن قيل: فما معنى قوله: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٦]؟ قلنا: قد اختلفوا في اليقطين: قال ابن مسعود: وهو القَرْع. وقال ابن عباس: هو كل نبت يمتدُّ وينبسط على وجه الأرض ولا يبقى على الشتاء، وليس له ساق، نحو: القَرْع، والقِثَّاء والبِطِّيخ، ونحوه. وقيل: إنما خص اليَقطِين لأنه لا تقربُه الذباب. وقال مقاتل: ثم عاد يونس إلى الشام، فتوفي بأرض فلسطين. ويقال: إن قبره بقرية مشهورة يقال لها: حَلحُول من أعمال (٣) الخليل ﵇. ورأيت في بعض التاريخ أن قبره بالكوفة، وفيه بُعد، والله أعلم (٤).

стр. 863

فصلِّ في قِصَّة زكريَّا وَيَحيى ﵉ (١) ذكر أبو منصور الجواليقي في "المعرب" عن ابن دريد أنه قال: زكريا اسم أعجمي (٢). واختلفوا في نسبه: فقال الثعلبي: هو زكريا بن أدن (٣) بن مسلم بن صدوق بن نحشان (٤) بن داود بن سليمان بن صديقة بن برخيا بن ناحور بن شلوم بن يهعاياط (٥) بن أُسا بن أبيا، أو أسا بن رُحُبْعم بن سليمان بن داود ﵇ (٦). وقيل: زكريا بن أدن بن يوحنا بن رحيا من ولد سليمان ﵇. وفي الصحيح: أنه كان نجارًا. قال أحمد بن حنبل: حدثنا يزيد بن هارون بإسناده عن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : "كان زكريا نجارًا". انفرد بإخراجه مسلم (٧). وقال وهب: وكان زكريا قد تزوج أشياع بنت فاقود أخت حنَّة أم مريم. وقال السُّدِّي: أشيع هي بنت عمران أخت مريم. وهو وهم منه، والأول أصح، ذكره الثعلبي وغيره. وقال مقاتل: وحنة هي التي قال الله في حقها: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرً﴾ [آل عمران: ٣٥].

стр. 864

وعمران: هو ابن ماثان، وليس بعمران أبي موسى. وقال ابن عباس: بينهما ألف وثمان مئة سنة، وكان بنو ماثان ملوك بني إسرائيل وأحبارهم (١). ويقال: ماثان من ولد داود. وقال مقاتل: ذكر الله عمران في ثمانية مواضع. وقال ابن إسحاق: هو من ولد رُحُبْعُم بن سليمان ﵇. وقال وهب: وكانت حنة قد نذرت حملها لله محررًا، أي: خالصًا، لخدمة بيت المقدس، وكان المحرر لا يفارق الكنيسة حتى يحتلم، ثم يُخيَّر، فإن أحبَّ المقام أقام، وإن أراد الخروج بعد التحرير لم يكن له ذلك، ولم يكن يُحرَّر إلا الغلمان دون الجواري، لما يصيبهن من الحيض والبلاء والأذى، فحرَّرت أم مريم ما في بطنها. هذا قول وهب (٢). وقال الكلبي: كانت حنَّة قد أسنَّت ويئست من الولد، وكانوا أهل بيت من الله بمكان، فبينا هي يومًا في ظل شجرةٍ رأت طائرًا يزقُّ فرخًا له، فتحركت نفسها للولد، وسألت الله ذلك، وقالت: هو لبيت المقدس. ولم تعلم بما في بطنها، فقال لها زوجها: ما تصنعين إن كان الحمل أنثى؟ يعني: أنها لا تصلح للتحرير. ومات عمران وهي حاملٌ بمريم، فلما وضعتها انكسر قلبها واعتذرت إلى الله تعالى بقولها: ﴿إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ يعني النذيرة ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ أي في خدمة الكنيسة، فإن قيل: فقد علم الله أنها أثثى. قلنا: إنما قالت ذلك من باب الاعتذار، ولأن الأنثى لا تصلح للخدمة. ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٣٦] وهي بلغتهم: الجارية (٣) العابدة (٤). وقد شهد لها رسول الله ﷺ بالخيرية، فقال أحمد: حدثنا عبد الله بن نُمير بإسناده عن عبد الله بن جعفر عن علي ﵇ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خَيرُ

стр. 865

نِسائها مَريمُ بِنتُ عِمرانَ، وخَديجَةُ بنتُ خُويلدٍ" (١) متفق عليه. وقال أحمد بإسناده عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِن مَولُودٍ يُولَدُ إلا والشَّيطَانُ يَمسُّهُ حين يُولَدُ، فَيَستَهِلُّ صَارخًا مِن مسِّ الشَيطَان إيَّاهُ إلا مَريَمَ وابنَها" ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ متفق عليه (٢). وفي المتفق عليه: "كُلُّ ابنِ آدمَ يَطعُنُ الشَّيطَانُ في جنبيهِ حِينَ يُولدُ غير عيسى بنِ مَريمَ، ذهب يَطعُنُ فيه فَطعَنَ في الحِجَابِ" (٣) أي: في المشيمة، والاستهلالُ: رفع الصوت. ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] أي: رضيها للتحرير وأنبتها نباتًا حسنًا، فكانت تشبُّ في كل يوم كما يشب غيرها في شهر، وفي شهر كما يشب غيرها في سنة. وقال وهب: ولما وضعتها لفَّتها في خرقة وحملتها إلى المسجد، فوضعتها بين يدي الأحبار أبناء هارون، وهُم يومئذٍ يَلُونَ أمر بيت المقدس كحَجَبة بني شيبة للكعبة. وقالت: دونكم هذه النذيرة، فتنافسوا فيها، لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم، فقال لهم زكريا: أنا أحق بها، عندي خالتها. فقالوا: لا نفعل، ولكنا نقترع عليها فتكون عند من خرج سهمه. فانطلقوا وكانوا تسعة وعشرين إلى نهر الأردن قريبًا من أريحا، فألقوا أقلامهم التي يكتبون بها التوراة والزبور في الماء، وقال الزجاج: هي قداح عليها علامات يعرفون بها القرعة، وإن قيل لها أقلام لأنها تُقلم وتُبرى (٤). فأرن قلم زكريا، أي: صار له رنين، ووقف، فجرت أقلامهم مع الجرية وعال قلم زكريا الجرية، أي: ارتفع عليها. فقرعهم زكريا وكفلها، والكفالة: الضم، واسترضع لها زكريا، وقيل: إنما ضمها إلى خالتها أم يحيى. فلما بلغت مبالغ النساء بنى لها

стр. 866

محرابًا في المسجد، وجعل بابه في مكان لا يرقى إليها إلا بسلم مثل باب الكعبة. وما كان يصعد إليها سواه، ومعه المفتاح، وكانت إذا حاضت أخرجها من المسجد إلى منزله، تكون مع خالتها، فإذا طهرت ردَّها إلى المسجد. وقال ابن إسحاق: وإنما أدخلها المسجد من أجل نذر أمها. قال: وإنما اقترعوا عليها بعدما بلغت (١). وأصاب الناس سنة، فعجز زكريا عنها، فشكا إلى بني إسرائيل، فجعلوا يتدافعونها بالقرعة، فخرج السهم على يوسف بن يعقوب النجار، وكان ابن عمها، وكان فقيرًا، يأتيها باليسير، فرأت في وجهه شدة المؤونة عليه، فقالت: يا يوسف، أحسن الظنَّ بالله، فإنه سيرزقنا. فكان الله يثمِّرُ ما يأتي به. وهذه رواية ابن إسحاق. وعامة العلماء على أنَّ زكريا كفلها، ولم تزل عنده يأتيها بطعامها وشرابها، وكان إذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب على باب المحراب، وهو الغرفة، فإذا عاد وجد عندها رزقًا. قال ابن عباس: فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء من ثمار الجنة، فيقول: ﴿يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ فتقول: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٧]. وقال ابن عباس: تكلمت وهي صغيرة (٢). فإن قيل: فمريم بنت عمران يأتيها رزقها رغدًا، وفاطمة بنت محمد ﷺ تطحن حتى يؤثر الطحن في ذراعها؟ فالجواب: أن مريم كانت مفتقرة إلى وجود آية تستدل بها على براءتها من وجود ولد من غير أب كما في الفاكهة في غير أوانها، أما فاطمة فمنزهة عن مثل هذا، فلا تحتاج إلى آية تدل على براءة ساحتها. قال ابن إسحاق: ولما رأى زكريا هذا تحركت نفسه إلى طلب ولد، وكان قد كبِرَ وأسنَّ وانقرض أهله، فقال: الذي هو قادر على أن يأتي مريم بالفاكهة في غير أوانها من غير سبب، قادر على أن يرزقني الولد بأن يصلح لي زوجتي كذلك. فذلك قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ الآية [آل عمران: ٣٨] ﴿قَالَ رَبِّ﴾ معناه: يا ربي، ﴿وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤] أي: انتشر فيه الشيب كما ينتشر شعاع

стр. 867

النار في الحطب. قوله: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ وهم: بنو العم والعصبة، خاف أن يتولوا صحائف علومه ونبوته. وقيل: إنما سأل الولد، ليساعده على عبادة ربه، فإنه كان فردًا فطلب الولد. وذكر السُّدِّي: أنه خاف أن يتولوا ماله على وجه الميراث. وهو وهم منه، فإن الأنبياء لا يخلفون دينارًا ولا درهمًا بالحديث (١)، فسأل الولد لئلا ينقطع ذكره، ولا يموت العلم. وإنما قال: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ [مريم: ٥] ولم يقل: عاقرة، لأنه أجرى الكلام مجرى حائض وطالق، والعاقر من النساء والرجال مَن لا يولد له. قال ابن عباس: وكان ابن عشرين ومئة سنة، وامرأته بنت ثماني وتسعين سنة (٢). فإن قيل: وأين زكريا من يعقوب بينهما دهر طويل؟ قلنا: الجواب من وجهين: أحدهما: أن جميع بني إسرائيل من نساء يعقوب. والثاني: أن المراد به: يعقوب بن ماثان، وهو أخو زكريا، وفي الحديث عن النبي ﷺ قال لما قرأ هذه الآية: "يرحم الله زكريا، وما كان عليه من ورثة" (٣). قوله تعالى: ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ﴾ [مريم: ٧] فإن قيل: ففي مريم هذه الآية، وفي آل عمران [الآية: ٣٩]: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ فقد حصل المقصود بالبشارة الأولى، فما الفائدة في الثانية؟ قلنا: هو تأكيد للبشارة، وليعلم أن الله قد أجاب سؤاله فيفرح. وقال ابن عباس: دخل عليه المذبح شاب من أحسن الشباب، فخاف منه فقال له: لا تخف أنا جبريل وبشره.

стр. 868

و "يحيى" لا ينصرف للمعرفة. وقال ابن عباس: أحيا الله به عَقْر أبويه بين شيخ وعجوز. وقال الزجاج: لأن الله أحيا قلبه بالإيمان والتقوى والنبوة والحكمة. وقال مقاتل: بالعصمة، فلم يهمَّ بالمعصية. قال أحمد بن حنبل: حدثنا عبد الرزاق بإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِن أحدٍ يَلقَى الله يَومَ القِيامَةِ إلا وقَد همَّ بمعصيَةٍ أو عَمِلَها إلا يَحيى بنَ زكَرِيَّا، فَإنَّه لم يهمَّ ولم يَعملها" (١). وقال عمر بن عبد الله المقدسي: كان اسم سارة يسارة، فأوحى الله إلى الخليل ﵇ إني مخرج منكما عبدًا لا يموت بمعصيتي اسمه حيٌّ، فتهب له سارة من اسمها حرفًا، فوهبت له الياء من أول اسمها، فصار يحيى وصارت يسارة سارة (٢). قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ إن الله لم يُسمِّ أحدًا قبله بهذا الاسم تشريفًا له، ولم يكل تسميته إلى أبيه وأمه. وقيل: لم يجعل له مثلًا وشبهًا. وقال مقاتل في قوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٩] قال: هي عيسى، قال له: كن فكان (٣). واختلفوا في معنى: "الحصور": فقال قوم: هو الذي لا يأتي النساء، لأنه ما كان له آلة. قلت: وهذا ذم لا مدح، لأن الفضيلة أن لا يأتي النساء مع القدرة إلا أن يكون عِنِّينًا، وقد حكى الماوردي: أن الحصور: هو الذي يمنع نفسه عن شهواتها مع القدرة (٤). وهذا وجه حسن بخلاف الأول. وقيل: هو الحليم. وأصل "السيد" من ساد يسود إذا رأس وعلا، وهو اسم جامع للخصال المحمودة،

стр. 869

وقد ذكرنا في "التفسير" تمام الآيات. فإن قيل: فما معنى قوله: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أنه سأل آية أي: علامة على وجود الولد، فقيل له ذلك. والرمز بالشفتين والحاجبين والعينين، واعتقل لسانه. والثاني: ذلك عقوبة له بعد ما شافهته الملائكة بالبشارة. وقال قوم: لم يعتقل لسانه، وليس بشيء، لأن الله يقول: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)﴾ [مريم: ١١]. قال ابن عباس: كتب إليهم في كتاب. وقال مجاهد: أومأ برأسه. وقال مجاهد أيضًا: ولد يحيى قبل عيسى بستة أشهر، وكان ابن خالته. ويحيى أول من آمن بعيسى ﵇. وقال ابن وهب: كانت أم يحيى حاملًا به فاستقبلتها مريم وهي حامل بعيسى فقالت لها أم يحيى: أنت أم عيسى، أنت حامل، قالت: ولِم؟ قالت: لأني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك (١). قلت: لا ينبغي السجود إلا لله تعالى. وقال السُّدي: ولد يحيى ﵇ في أيام أردشير بن بابك. وقيل: في أيام سابور بن أردشير، والله أعلم. ذكر مقتل زكريا ﵇ ذكر وهب وغيره: أن مريم لما حملت بعيسى ﵉ اتهمت اليهودُ زكريا بها، فلما استبان حملها، طاف إبليس مجالس بني إسرائيل فقذف زكريا بمريم، وقال: ما كان يدخل عليها إلا هو، وهو الذي أحبلها، فطلبوه، فهرب، فأتى واديًا كثير الأشجار، فأتاه إبليس في صورة راعٍ فقال له: قد جاءك القوم، فادع ربَّك أن يفتح لك شجرة، فادخل فيها. ففعل. وجاء القوم، وقد بقي هدب ثوبه، وقيل: بل أخذ به إبليس. فقال لهم إبليس: ها هنا دخل، فركَّبوا عليه المنشار، وشقُّوه نصفين كما فعلوا بشعيا،

стр. 870

فأوحى الله إليه: لئن قلت آه محوتك من ديوان النبوَّة، هلا التجأت إلينا وقد وكلناك إليها، فقطعوه وهو ساكت. وأمر الله الملائكة فغسلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه بفَلَسْطِيَّة، وهي التي تسمَّى اليوم سَبْسَطية بأرض نابلس. وذكر ابن إسحاق عن بعض أهل العلم: أن زكريا مات على فراشه ولم ينشر، والذي نشر إنما هو شعيا وقد ذكرناه. والأول أصحُّ. وعامَّة المؤرخين على أن زكريا نشر قبل مقتل يحيى، إلا هارون بن المأمون فإنه قال: قُتِلَ يحيى وزكريا في الحياة، فهرب إلى بستان، فنادته شجرة: يا نبي الله، إلى هاهنا، وانفرجت له، فتبعوه فشقوه. والأول أصح، وقد نص عليه السدِّي والكلبي وابن إسحاق وقالوا: قتل زكريا وليحيى سبع سنين، وما نُبئ إلا بعد قتل أبيه (١). فصل يتعلق بيحيى ﵇ ذكر هارون بن المأمون في تاريخه: أنَّ يحيى ﵇ لما ولد رفع إلى السماء، فكان على باب الجنة حتى فُطِمَ، ثم أنزل إلى أبيه، فكان البيت يضيء بنوره، وكان حسن الصورة، قصيرًا، قليل الشعر، مقرون الحاجبين. قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] وفي سنه يومئذٍ قولان: أحدهما: ثلاث سنين، قاله قتادة. والثاني: سبع سنين، قاله ابن عباس (٢). فإن قيل: فما بعث الله نبيًا إلا بعد الأربعين، فكيف نُبِّئ يحيى وهو صغير؟ فالجواب: أنَّ الله يختص برحمته من يشاء، وكان ذلك من خصائصه، وهذا هو الجواب عن عيسى ﵇. وقوله: ﴿خُذِ الْكِتَابَ﴾ أي: التوراة ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجدِّ واجتهاد ﴿الْحُكْمَ﴾ الفهم. وقال ابن عباس: كان الصبيان يقولون له: هلم لنلعب، فيقول: ما خلقنا للَّعِب، وإنما خلقنا للْعَبِّ، يعني: النقل (٣).

стр. 871

﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [مريم: ١٣] أي: ورحمة، وقال ابن عباس: ما أدري ما الحنان، إلا أن يرحم الله عباده ويتعطف عليهم. ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ [مريم: ١٥] أي: سلام له. وروى قتادة عن الحسن قال: التقى عيسى ويحيى، فقال له عيسى: استغفر لي فأنت خير مني. فقال له يحيى: وأنت كذلك. فقال عيسى: أنت سَلَّمَ الله عليك، وأنا سلمت على نفسي (١). يشير إلى قوله: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ﴾ [مريم: ٣٣]، وقيل ليحيى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ﴾. وقيل: كان بينهما ثلاث سنين، يحيى قبله. وهو وهم، بل كان في زمانه. وقال ابن عباس: كان طعام يحيى قلوب الشجر والعشب، ويخالط الوحش، ويلبس الشعر والوبر، ولا يأنس ببني آدم، ولم يكن له بيت، ولا عبد، ولا أمة، وما ضحك قط إلا متبسمًا. وذكر أبو نعيم في "الحلية" عن وهيب بن الورد قال: كان يحيى في وجهه خطان أسودان من البكاء، فكان أبوه إذا رآه يبكي يقول: يا إلهي، إنما سألت الولد لتقرَّ به عيني، وما أراني إلا وقعت في العناء. فيقول له يحيى: يا أبة، أنت أخبرتني عن جبريل أنه قال: إن بين الجنة والنار عقبة لا يقطعها إلا بكاء العين (٢). وفي رواية: فيبكي زكريا معه. وقال وهب بن منبه: بكى يحيى حتى بدت أضراس فيه فقالت أمه: يا بني، لو صنعتُ لك لِبْدًا. فقال: اصنعي ما بدا لك. فصنعت له لِبْدًا، فكان إذا قام إلى الصلاة يبكي حتى يبل اللِّبْد، فتقف أمه فتعصر اللِّبْد، فإذا رأى دموعه على ذراعيها رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم، هذه دموعي وهذه أمي وإنا عبيدك وأنت أرحم الراحمين (٣). وقال السُّدي: كان زكريا إذا تكلم على الناس نظر يمينًا وشمالًا، فإن رأى يحيى لم

стр. 872

يذكر جنة ولا نارًا (١). وقال ابن المسيب: كان يحيى ﵇ يضرب لبني إسرائيل الأمثال: مثل في التوحيد، قال: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، ومثله: كرجل اشترى عبيدًا من خالص ماله وأسكنهم دارًا له ودفع إليهم مالًا ليتجروا به ويأخذ كل واحد منهم ما يكفيه ويؤدي إليه فضل الربح، فدفعوه إلى عدوِّ سيدهم. مثلٌ في الصلاة والمصلي، قال: مثله كرجل استأذن على ملك فأذن له فدخل عليه، فأقبل الملك عليه بوجهه وجعل الرجل يلتفت يمينًا وشمالًا، فأعرض عنه الملك ولم يقض له حاجة. مثلٌ في الصيام، قال: مثله كرجل لبس جبة للقتال وأخذ سلاحه وخرج إلى عدوِّه فلم يصل إليه العدو ولم يعمل فيه السلاح. مثلٌ في الذكر، مثله: كقوم لهم حصن ولهم عدو، فإذا أقبل عدوُّهم دخلوا حصنهم فلم يقدر عليهم، فكذا الشيطان لا يقدر على ذاكر لله تعالى (٢). قلت: وقد أخرج الإمام أحمد بن حنبل في "المسند" حديثًا بمعناه فقال: حدثنا عفَّان بإسناده عن الحارث الأشعري أن نبيَّ الله ﷺ قال: "إنَّ الله أمرَ يَحيى بنَ زكَرِيَّا بِخَمسِ كَلِمات، أن يَعملَ بهِنَّ، ويأمُرَ بَنِي إسرائيلَ أن يعمَلُوا بِهِنَّ، فكادَ يُبطِئ، فَقالَ له عيسى بنُ مريمَ: إنَّك قد أُمِرتَ بِخَمسِ كَلِمات أن تَعملَ بِهِنَّ وتأمُرَ بَنِي إسرائيلَ أن يعملُوا بِهِنَّ، فإمَّا أن تُبلغَهُنَّ، وإمَّا أن أُبلِّغَهُنَّ. فقال: يا أخي، إنِّي أَخشَى إن سَبقتَنِي أن أُعذَّبَ أو يُخسفَ بي. قال: فَجمعَ يَحيى بنُ زكريا بَنِي إسرائيلَ في بَيتِ المقدِس، حتى امتلأ المسجدُ، فَقُعِدَ على الشُّرَفِ، فَحمدَ الله، وأثنى عليه، ثُمَّ قالَ: إنَّ الله أمَرَني بِخمسِ كَلماتٍ أن أعمَلَ بِهِنَّ وآمُرَكُم أن تَعملُوا بِهِنَّ. وأوَّلُهُنَّ: أن تعبُدوُا الله ولا تُشرِكُوا بِهِ شَيئًا، فإنَّ مَثَلَ ذلِك مَثَلُ رجلٍ اشتَرى عبدًا من خالصِ مالِهِ بوَرقٍ أو ذَهبٍ، فَجَعلَ يَعملُ ويُؤدِّي غَلَّتهُ إلى غَيرِ سيِّدِه، فأيكم يَسرُّه أن

стр. 873

يكُونَ عَبدُه كَذلِك، وإنَّ الله خَلَقكُم، ورزَقَكُم، فاعبُدُوه، ولا تُشرِكُوا به شَيئًا. وآمُرُكُم بالصَّلاةِ، فإنَّ الله يَنصِبُ وجهَهُ لِعبدِهِ ما لم يَلتَفِت، فإذا صَلَّيتُم فلا تَلتَفِتُوا. وآمُرُكُم بالصِّيامِ، ومَثَلُ ذَلِكَ كرجُلٍ مَعَهُ صُرَّةٌ مِن مِسكٍ في عِصَابةٍ، كُلُّهُم يَجِدُ رِيحَ المِسكِ، وإنَّ خُلُوفَ فَمِ الصَّاِئمِ عِندَ الله أَطيَبُ من رِيحِ المِسكِ. وآمُرُكُم بالصَّدقَةِ، فإنَّ مَثَلَ ذلِكَ كَمَثلِ رَجُلٍ أسرَهُ العَدُوُّ، فَشدُّوا يَدَيِهِ إلى عُنُقِهِ (١) وقدَّمُوهُ ليَضرِبُوا عُنُقَهُ، فَقالَ لَهُم: هَل لكُم أن أَفتَدِيَ نَفسِي مِنكُم؟ فَجَعلَ يَفتَدِي نَفسَهُ مِنهُم بالقَلِيلِ والكَثير حَتَّى فَكَّ نَفسَهُ. وآمُرُكُم بِذِكرِ اللهِ تعالى كَثيرًا، وإنَّ مَثلَ ذَلِكَ كَمَثلِ رَجُلٍ طَلَبَهُ العَدُوُّ سرَاعًا في أثرِهِ، فأتَى حصنًا حَصينًا، فَتَحصّنَ فيه، وإنَّ العَبدَ أحصَنُ ما يكُونُ مِن الشَّيطانِ إذا كَانَ في ذِكرِ الله. قال: وقال رسول الله ﷺ : "وأنَا آمُرُكُم بِخَمسٍ اللهُ أمَرني بِهِنَّ: الجَماعَة، والسَّمع، والطَّاعَة، والهِجرَة، والجِهاد في سَبيلِ الله، فإنَّهُ مَن خَرجَ مِن الجَماعَةِ قِيْدَ (٢) شِبرٍ فقد خَلَعَ رِبقَةَ الإسلامِ مِن عُنُقِهِ إلا أن يَرجعَ، ومَن دَعَا بِدَعوى جَاهِليَّةً، فَهُو مِن جُثَا جَهنَّمَ" قالوا: يا رسول الله، وإنْ صَامَ وصَلَّى؟ قَالَ: "وإن صَامَ وصَلَّى وزَعَمَ أنَّه مُسلِمٌ، فادعُوا المسلمِين بأسمائِهم بَل بِما سمَّاهُم الله تعالى المسلمين المُؤمنين عِبَادَ اللهِ" (٣). و"جُثَا" بجيم: من قوله تعالى: ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢]. وهذا الحارث بن الحارث أبو مالك الأشعري أخرج له أحمد في "المسند" هذا الحديث ولم يخرج له غيره. وقد ذكرنا وقائع يحيى مع الشيطان في صدر الكتاب. * * *

стр. 874

ذكر مقتل يحيى ﵇ واختلفوا فيه: قال وهب: بعث عيسى ﵇ يحيى ﵇ في نفرٍ من الحواريين يعلِّمون الناس الأحكام، وكان فيما نَهَوهم عنه نكاح الأخت، وابنة الأخت، وكان لملكهم ابنة أخ يُعجبُ بها، فأراد نكاحها، فمنعه يحيى ﵇، فسكر يومًا، وقال لها: اسألي حاجتك. وكان لها كل يوم حاجة مقضية. فقالت أمها: اسأليه رأس يحيى في طشت. فامتنع، فألحت عليه، وغاب عقله، فراودها فامتنعت، فأمر بذبحه، فذبح وجيء برأسه في طشت، والرأس يتكلم، ويقول: لا يحل لك نكاحها. فلما أصبحوا إذا الدم يغلي، فألقوا عليه التراب وهو يغلي حتى بلغ سور المدينة، فغزاهم ملك، فأقام مدة يحاصر بيت المقدس، فلم يقدر عليهم، فعزم على الرجوع، فخرجت إليه عجوز من بني إسرائيل، فقالت: أتحب أن تفتح المدينة؟ اقسم عسكرك أربعة أرباع (١) في كل ناحية ربعًا، وارفع يديك إلى السماء وقل: إنا سنفتحك بالله وبدم يحيى بن زكريا. فإذا فتحتها فاقتل على دمه حتى يَسكُن، فإن حيطان البلد تتساقط. ففعل، ففتح الله البلد ودخل (٢)، فجاءت بهم العجوز فأرتهم موضع الدم وهو يفور، فقتل عليه سبعين ألفًا حتى رقأ، فقالت له: ارفع يديك، فإنَّ الله إذا قُتِلَ نبيٌّ لم يرض حتى يقتُلَ من قتله ومن رضي بقتله (٣). وقال السُّدي: واسم الملك الذي أخذ بثأر يحيى: خردوس. وقيل: بخت نصر، وهو وهم. وقال الربيع بن أنس: كان للملك ابنة، فرأت يحيى فأحبته، فأرسلت إليه تراوده عن نفسه، فأبى، فراودته مرارًا وهو يمتنع، فخافت أن يشيع ذلك عنها، فقالت لها أمها: إذا سألك أبوك حاجة، فقولي: رأس يحيى. فقالت له: تذبح يحيى. وندمت، وجعلت

стр. 875

المرأة تقول: ويل لها ويل لها. حتى ماتت (١). واختلفوا في اسمها: فقيل: أزبيل. وقيل: ربه. وقيل: هيردونا. وكانت بغيًّا. قال وهب: قتلت في يوم واحد سبعين نبيًا آخرهم يحيى ﵇ وهي مكتوبة في "التوراة": قتَّالة الأنبياء. ولها منبر في النار تعذَّب عليه ليسمع صراخها أهل النار. وقال جدي في "التبصرة": فهي أول من يدخل جهنم. وحكى ما ذكرناه (٢). وقال الهيثم: اسم الملك الذي أمر بذبح يحيى ﵇: هردوش. واختلفوا في أيِّ مكانٍ ذُبح يحيى: فعامَّةُ المؤرخين على أنه ذُبحَ بالقدس بصهيون. وقال مقاتل: على صخرة بيت المقدس في هوى زانية (٣). وقال وهب: كان قائمًا يصلي، فذُبح، فأخرب الله بيت المقدس، وسلَّطَ على بني إسرائيل الجبابرة، فأخربوا الشام كله. وقال قتادة: ذُبح يحيى بدمشق (٤). وقيل: في موضع المسجد الصغير عند باب جيرون (٥). وقال ابن سمعان: وكان ذلك قبل رفع عيسى ﵇ بسنة ونصف ثم رفع بعد ذلك. قال: وكان الدم يفور، فصعد الملك إلى درج جيرون عند الكنيسة، وجعل يجيء بعشرة عشرة، فيضرب رقابهم حتى قتل عليها سبعين ألفًا، فجاء بعضُ أنبياء بني إسرائيل، فقال: أيها الدم، أفنيت الناس. فسكن (٦). وكان الحسن يقول: من هوان الدنيا على الله أن يحيى قتلتهُ زانية (٧).

стр. 876

ولما حُوصِر عبد الله بن الزبير ﵄ قال ذلك (١). واختلفوا في موضع رأس يحيى ﵇ على أقوال: أحدها: أنه دفن مع جسده بالقدس. والثاني: أنه حُمل إلى عند أبيه فدفن بفلسطيَّة. والثالث: بجامع دمشق. فروي عن زيد بن واقد وكان الوليد قد وكَّله على عمارة جامع دمشق قال: وجدنا مغارة فعرَّفنا الوليد، فجاء في الليل وبين يديه الشمع، فنزلها فإذا هي كنيسة ثلاثة أذرع في مثلها، وإذا فيها صندوق، ففتحناه، وإذا بِسفْطٍ فيه رأسٌ مكتوب عليه: هذا رأس يحيى بن زكريا، والبشرة والشعر بحاله لم يتغيَّر، فردَّه الوليد إلى مكانه، وقال: اجعلوا عليه عمودًا مسفطًا. قال زيد بن واقد: فهو العمود المسفط (٢). الرابع: من ركن القُبَّة الشرقي. وقال ابن مسعود: كانت بنو إسرائيل قتلة الأنبياء؛ قتلوا في أول يومٍ من الأيام ثلاث مئةِ نبي، وقامت سوق بقلهم في آخر النهار (٣). وقال ابن عباس: ولهذا قال رسول الله ﷺ : "لقد كان بين موسى وعيسى خلق من الأنبياء لا يحصون، وما صُدِّق نبيٌّ ما صُدِّقْتُ؛ إنَّ من الأنبياء من لم يتْبعْهُ من أُمَّته إلَّا الرجل والرجلان" (٤). * * *

стр. 877

فصل في قصة مريم وعيسى ﵉ (١) قال مقاتل: ذكرهُ الله في ستةٍ وعشرين موضعًا، قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ١٦]. ومريمُ: اسم أعجمي، ومعناه بالعبرية: خادمة الكنيسة، وقيل: خادمة الله، ويقال: لأنها مرَّت في الطاعة مرور الحوت في اليم. ومن فضائلها: أنَّ الله سمَّاها في القرآن في قصةٍ واحدة في سبع مواضع، ولم يذكر في القرآن غيرها، وخاطبها كما يخاطب الأنبياء، فقال: ﴿يَامَرْيَمُ﴾. وقال لها: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ بواسطة جبريل؛ أي: اختارَكِ ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ من مَسيس الرجال والفواحش، وقيل: إنها ما كانت تحيض و ﴿نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ أراد نساء زمانها. ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ أي: أطيلي عبادته، ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣] (٢). فإن قيل: فلِمَ قدَّم السجود على الركوع، وهو مُؤَخَّر عنه في الحكم؟ فالجواب من وجوه: أحدها: أن الواو للجمع دون الترتيب؛ قاله أهل اللغة. والثاني: أنَّ فيه تقديمًا وتأخيرًا، ومعناه: اركعي واسجدي؛ ذكرهُ ابن الأنباري، ونظيرهُ قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]. والثالث: أن السجود كان مقدمًا على الركوع في شرعهم؛ ذكرهُ أبو سليمان الدمشقي. قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ أي: جبريل ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ وهو عيسى، وقيل: قوله: كن منه ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾، وقد سمَّاهُ الله روحًا وكلمة.

стр. 878

فأما المسيح فقد اختلفوا فيه على أقوال: أحدها: أن أصله مشيحًا، بالشين المعجمة، فعرَّبتهُ العرب، فقالت: مسيحًا؛ كما قالوا في موشى: موسى، قاله الزجَّاج. والثاني: لأنه ممسوح، فَعِيل بمعنى مفعول، أي: مُسح من الأقذار؛ قاله ابن عباس. والثالث: لم يكن لقدمه أَخمص، والأخمص ما يتجافى عن الأرض من باطن القدم. والرابع: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحًا بالدهن، قاله أبو سليمان الدمشقي. والخامس: لأنه ما مَسَحَ بيده على ذي عاهة إلا برئ، ولا على أعمى إلا أبصر، رُوي عن ابن عباس. والسادس: أنه كان لا يقيم في مكان بل يمسح الأرض بالسياحة، ذكرهُ ثعلب. والسابع: أنه الصديق بالعبرانية، قاله مجاهد. والثامن: أنه القاتل، فيقتل الدجَّال. فإن قيل: فلفظة المسيح مشتركة، فالدجَّال يقال له: المسيح، قلنا: قد فرَّق نبيُّنا ﷺ بينهما، فروى أحمد بن حنبل بإسناده عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: لا واللهِ ما قال النبي ﷺ لعيسى أحمر، ولكن قال: "بينا أنا نائمٌ - أو قائمٌ - أطوفُ بالبيتِ فإذا رجلٌ آدَمُ، سَبْطٌ، يُهادَى بين رجلَيْن، يَنْطِفُ رأسُه - أو يُهراق - ماءً، فقلت: مَن هذا؟ قالوا: ابنُ مريَمَ. فذهبتُ ألتفِتُ، فإذا رجلٌ أحمرُ جسيمٌ، جَعْدُ الرَّأسِ، أعورُ عينه اليُمنى، كأنَّ عينَهُ عِنبَةٌ طافية، قلتُ: مَن هذا؟ قالوا: الدَّجال، وأقرب الناسِ شبهًا به ابن قَطَنٍ"، قال الزهري: هو رجل من خزاعة هلك في الجاهلية. أخرجاه في "الصحيحين" (١). ولمسلم: عن جابر رفعه، قال ﷺ : "ورأيتُ عيسى فإذا هو يُشبهُ عُروةَ بن مسعودٍ" (٢).

стр. 879

وأما عيسى: فقال الجَوْهَري: هو اسم عِبْرَاني أو سُرياني (١)، وقال أبو حنيفة ابن النُّوبي: قد اختلفوا في عيسى، فقال قوم: لا اشتقاق له، وقال آخرون: هو الأبيض، ومنه العِيس، وهي البِيضُ. فإن قيل: فَلِم بدأ بلقبه ولم يبدأ باسمه في قوله: ﴿الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾؟ فالجواب: ما ذكره ابن الأنباري، فإنه قال: المسيح أشهر، وعيسى يقع على عددٍ كثيرٍ بخلاف المسيح، فقدَّمهُ لشهرته، ثم قال: ألا ترى أنَّ ألقاب الخلفاء أشهرُ من أسمائهم. وقال الزجَّاج: كانوا يسمُّون بعيسى ولا يعرفون المسيح، فلما سمعوا بقوا متحيِّرين. فإن قيل: فَلِمَ نسبهُ إلى أُمه بقوله: ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾؟ قلنا: لينفي عنه ما ادَّعت النصارى من النبوَّة حيث أضافوه إلى الله تعالى. و"الوجيه": الذي له جاهٌ ومنزلةٌ رفيعةٌ ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥]، عند الله في الدنيا والآخرة. ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ أي: طفلًا قبل أوانِ الكلام، والمهدُ مأخوذٌ من التمهيد وهو التوطئة. وقال ابن عباس: تكلم في المهد ساعةً ليُبرِّئ أُمَّه مما قُذفت به، ولم يتكلم بعد ذلك حتى بلغ مرتبة النطق. وحكى الثعلبي عن مجاهد، قال: قالت مريم: كنت إذا خلوتُ أنا وعيسى حدثته ويحدثني، فإذا شغلني عنه إنسان سبَّح في بطني وأنا أستمع. ﴿وَكَهْلًا﴾ [آل عمران: ٤٦]. قال الفرَّاء: الكهل عند العرب من جاوز الثلاثين لاجتماع قوته وشبابه، من قولهم: اكتهل النبات. أي: استوى. وقال ابن فارس: الكهل من وخَطَهُ الشيب، والعرب تمدح بالكهولة لأنها الحالة الوسطى في احتناك السن، واستحكام الرأي، وغزارة العقل والتجربة.

стр. 880

وقال ابن عباس: أرسلَهُ الله وهو ابن ثلاثين سنة، فأَقام في الرسالة ثلاثين شهرًا، ثم رفعهُ إليه. وقال وهب: أقام في الرسالة ثلاثَ سنين، ثم رُفع. فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم: ١٦]؟ فالجواب (١): ما حكاهُ علماء السِّير ممن سمينا، قالوا: معنى ﴿انْتَبَذَتْ﴾ انفردت وتنحَّت، وكانت قد خرجت عن أهلها، ومعنى ﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ أي: مما يلي الشرق، لأنه كان في الشتاء، وكان أقصر يومٍ في السنة، قال الحسن: فلهذا اتخذت النصارى الشرق قِبلةً. ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ أي: ضربت سترًا يمنع من ينظر إليها، وكانت إذا حاضت خرجت من المسجد، فتغتسل ثم تعود إليه. وقد اختلفوا في سنِّها يومئذٍ على أقوال: أحدها: أنه كان لها خمس عشرة سنة، قاله ابن عباس. والثاني: اثنتا عشرة سنة، قاله وهب. والثالث: ثلاثَ عشرة سنة، قاله مجاهد. والرابع: عشر سنين. والأول أصحُّ. قال مقاتل: بينما هي تغتسل، إذ عرض لها جبريل في صورة غلامٍ أَمرد وضيء الوجه، جَعْد، قَطَط، حين خطَّ (٢) شاربه، وهي تمتشط؛ وإنما جاءها في صورة البشر لتثبت ولا تخاف، فذلك قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧]. واختلفوا في معنى قوله تعالى: ﴿رُوحَنَا﴾ على قولين: أحدهما: أنَّ الروح جبريل. والثاني. عيسى. قال أُبيُّ بن كعب: كان روح عيسى من الأرواح التي أخذ الله عليها الميثاق في زمن
следующие страницы →