← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 8156–8195 · переход к 8161.

стр. 8156

قال حسان وهذه قد تمَّت لي اثنتان وسبعون سنة. قال الحاكم: فعاش بعد هذه الحكاية أربعة أيام، وتوفي ليلة الجمعة خامس ربيع الأول. الحسين بن علي ابن يزيد بن داود، أبو علي، الصَّائغ، النَّيسابوري (١). ولد سنة سبع وسبعين ومئتين، وكان أوحدَ دهره في الحفظ والإتقان والوَرَع، مُقَدَّمًا في مذاكرته الأئمة، كثيرَ التصانيف، ذِكْرُه في المَشْرق والمَغْرب بالحفظ والزُّهد والصِّدق والأمانة والثّقة. رحل إلى الآفاق البعيدة في طلب الحديث، وكانت وفاته بنيسابور في جُمادى الأولى. حَمْدان بن إبراهيم بن الخَطَّاب وبعضهم يقول: حُميد (٢). الإِمام الفاضل، سمع الكثير، وصنَّف التصانيف الحِسان، منها: "مَعالم السُّنن" شرح فيها سنن أبي داود، و"الأعلام" شرح فيها البخاري، و"غريب الحديث". وكان عارفًا بكلِّ فَنٍّ، فصيحًا، وله أشعار كثيرة منها: [من البسيط] ما دمتَ حيًّا فدارِ الناسَ كلَّهم … فإنَّما أنت في دار المُداراة مَن يَدْرِ دارى ومَن لم يَدْرِ سوف يُرى … عمَّا قليلٍ نَديمًا للنَّداماتِ

стр. 8157

علي بن المؤمَّل ابن الحسن بن عيسى، أبو القاسم بن ماسَرْجِس (١). قال الحاكم: كان يُضرب المَثَل بعقله، وكان من أوْرَع مشايخنا، حَدَّث سنين، وحججتُ معه سنة إحدى وأربعين، فكان أكثر الليل يقرأ في العَمَّارِّيَة (٢)، فإذا نزل قام إلى الصلاة لا يشتغل بغير ذلك، وما أعلم أني دخلتُ الطواف إلا وجدتُه يطوف، وسمعتُ ابنه أبا عبد الله يقول: ضَعُفَ بصرُ أبي ثلاث سنين ولم يخبرنا به، حتى ضعفت العين الأخرى، فحينئذٍ أخبرنا. وكانت وفاته في صَفَر، وأجمعوا على صِدقه وفضله. محمَّد بن أحمد بن يوسف أبو الطَّيِّب، المُقرئ، ويُعرف بغلام ابن شَنَبوذ (٣). قال: قرأتُ على إدريس بن عبد الكريم: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١] فقال لي: ضَعْ يدَك على رأسك فإنَّ شيخي أمرني بهذا، وسَلْسَل الحديث إلى ابن مسعود، وأنَّ النبي ﷺ لمَّا قرأها ابن مسعود قال له: "ضَعْ يدك على رأسك؛ فإنَّ جبريل أمرني بهذا، قال: وفيها شِفاءٌ من كلِّ داءٍ إلا السَّام، والسَّام الموت" (٤).

стр. 8158

السنة الخمسون وثلاث مئة (١) فيها بني مُعزّ الدولة داره المعروفة بالمعزِّية شرقي بغداد، وسببه أن [مُعزَّ الدولة] مرض في أول المحرم بعُسْر البول، فأقام ليلةً فكاد يَتْلَف، فبال آخر الليل رملًا كثيرًا وحصًى صغارًا، فخَفَّ ألمُه، فلما أصبح سلَّم داره وأمواله وأسبابه إلى ولده الأمير عِزّ الدولة بُخْتيار، وخرج في عدَّة يسيرةٍ من غلمانه ليمضيَ إلى الأهواز، فأشار عليه وزيرُه أبو محمَّد المُهَلَّبي بالمُقام إلى أن يَتماثَل، فأقام بكَلْواذى، ثم تنقّل إلى قُطْرَبُّل، فعَزم على أن يبنيَ قصرًا من قُطْرَبُّل إلى باب حَرْب، وأقام يتروَّى، وأمر بضَرْب اللِّبْن وطَبْخ الآجُرّ، ثم انثنى رأيُه إلى الجانب الشرقي، فشَرَع في بناء القصر من البِيعَة التي يقال لها: دار الروم إلى دجلة وبستان [الصَّيمري، وأخذ يهدم ما يلي البستان من العقارات والدور المجاورة له، وعمل ميدانًا من باب بستان] الصَّيمَري وإلى حدود داره عند البِيعة، وبنى الإصْطَبْلات على نهر مهدي، وقَلَع الأبواب الحديد التي على باب مدينة [أبي جعفر] المنصور، والتي بالرُّصافة، ونقض قصورَ الخلافة بسُرَّ مَن رأى. ووكَّل بابتياع كلِّ العَقارات من الناس العَدْلَين أبا العباس بن مكرم وأبا القاسم بن حَسَّان، ونزل في الأساسات ستةً وثلاثين ذراعًا، وأحكم البناء بالكِلْس والآجُرّ، ولزمه من الغَرامات إلى أن مات ثلاثة عشر ألف ألف درهم، وكان المُشرف على العمارة أبو الفرج محمَّد بن العباس بن فَسانْجِس. وكان معزُّ الدولة مُقيمًا في بستان الصَّيمَري، وانتقل إلى الدار في ذي القعدة قبل أن يَكْمل بناؤها، ولحق الناسَ في هذا الصُّقْع شدائدُ من الجُند ونزوَلهم دور الناس. وصادر معزُّ الدولة الكُتَاب أبا علي الخازن (٢)، وأبا الفرج محمَّد بن العباس صاحب الديوان، وأبا الفَضْل الشِّيرازي وغيرَهم، على ألف ألف درهم وست مئة ألف درهم، وجعل ما يُؤخذ منهم (٣) مَصروفًا إلى عِمارة الدار المَذْكورة.

стр. 8159

قال المصنف ﵀: وقد درسَت (١) هذه الدار فلم يبقَ لها أثرٌ، وبقي مكانها دَحْلَة (٢) تأوي إليها الوحوش، والبِيعة قائمةٌ بحالها، ولم يبقَ من آثار الدار سوى قطعةٍ يسيرة من المُسَنَّاة (٣)، أبقاها الله ليَعْتَبر بها مَن يأتي على مَمَرِّ الأيام، والحَجَرُ المغصوب في البناء أساسُ الخراب والانعدام، فليت الحلال سلم فكيف بالحرام. وفيها مات أبو علي الخازن فوُجد في بيته ثمانيةٌ وتسعون ألف دينار، وجواهر وحُليٌّ وفُرُش وغيرها تساوي مئة ألف دينار، وقُلد الخُزُن مكانه محمَّد بن العباس بن فَسانْجِس. وفي شعبان تقلَّد القاضي أبو العباس عبد الله بن الحسن بن أبي الشَّوارب القضاء في جانبي بغداد ومدينة المنصور وقضاء القُضاة، وخُلع عليه من دار معزّ الدولة، وركب في الخِلَع وبين يديه الدَّبادِب والبُوقات، وفي خدمته الجيش والأتراك، وكان سفيرُه أرسلان جامدار (٤) مُعزّ الدولة، وشرط على نفسه أن يحمل في كلِّ سنةٍ إلى خزانة معز الدولة مئتي ألف درهم، وكتب عليه بها كتابًا، وجعلها نجومًا معروفة، وامتنع الخليفةُ من تقليده ومن الوصول إليه، وأمر أن لا يدخل عليه يوم موكبٍ ولا غيره، وضمن معز الدولة الحسبةَ ببغداد والشرطةَ وغيرها (٥). وفي شعبان مات أبو بكر محمَّد بن علي بن مقاتل بمصر، فوجدوا في داره ثلاث مئة ألف دينار مَدفونة، وكان يتقلَّد أمر الضّياع الخَراجية بمصر (٦).

стр. 8160

وفيها دخل نجا غلامُ سيفِ الدولة إلى الرُّوم، فسبى ألفَ فارس، وأسر جماعة، وغَنِم ما مقداره ثلاثين ألف دينار. وفيها مات عبد الملك بن نوح صاحب خُراسان، تَقَنْطَرَ به فرسُه، ونُصِّب مكانه أخوه منصور، ودخل بُخْتيار على الخليفة، فأخذ المنصور تقليدًا بالولاية، وقيل: إنما أخذ تقليدًا لسالار صاحب أَذْرَبيجان، وبَذْرَق العَلَويّ الحُجَّاج. وفيها توفي أحمد بن محمَّد ابن عبد الله بن زياد، أبو سَهْل، القَطَّان (١). كان يُكثرُ تلاوةَ القرآن، فصار نَصْبَ عينيه يَنتزع منه ما شاء من غير تَعَب، وكان يقوم الليلَ ويصوم النهار، زاهدًا في الدنيا. توفي ببغداد في شعبان، ودُفن عند مَعْروف الكَرْخي، وكان ثقةً. إسماعيل بن علي ابن إسماعيل بن بَيان، أبو محمَّد، الخُطَبي، كان يرتجل الخُطَب (٢). ولد سنة تسع وستين ومئتين، وكان فاضلًا، نبيلًا، عارفًا بأيام الناس وأخبار الخلفاء والملوك، فصيحًا، يتحرَّى الصِّدق والتواضع. وقال: وجَّه إليَّ الراضي بالله ليلة عيد، فحُملتُ إليه راكبًا على بغلة، فدخلتُ عليه وهو جالس في الشُّموع، فقال لي: يا إسماعيل، إنّي قد عزمتُ على الصلاة بالناس في المُصلَّى، فماذا أقول إذا انتهيتُ في الخطبة إلى الدعاء لنفسي؟ فأطرقتُ ثم قلتُ: يا أمير المؤمنين،

стр. 8161

تقول: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ الآية [١٩: النمل] فقال لي: حسبك، وأمرني بالانصراف، واتَّبعني خادمٌ فدفع إليَّ خريطة فيها أربع مئة دينار. توفي الخُطَبي في جُمادى الآخرة، وقيل: في المحرَّم، واتَّفقوا على صدقه، وثقته، وأمانته، وفضله. الحُسين بن القاسم أبو علي، الطَّبري، الفقيه الشافعي (١). صنّف كتبًا كثيرةً منها "المُحَرَّر"، وهو أول كتاب صُنِّف في الخلاف، وكتاب "الإفصاح" في المذهب وغيره، وتوفي في جمادى الأولى. عبد الله بن إسماعيل ابن إبراهيم بن عيسى بن أبي جَعْفر، أبو جعفر، الهاشمي (٢). ولد سنة ستين ومئتين، وكان جليلًا، نَبيلًا، خَطيبًا بجامع المنصور، وكان يفتخر به ويقول: رَقي هذا المِنْبَر -يعني منبر جامع المنصور- الواثقُ بالله سنة ثلاثين ومئتين، ورَقيتُ هذا المنبر سنة ثلاثين وثلاث مئة، وبين الرَّقيتين مئة سنة، وأنا وهو في القُعْدُد (٣) إلى المنصور سواء، هو الواثق بن المُعْتَصم بن الرَّشيد بن المَهْدي بن المنصور، وأنا عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم بن عيسى بن المنصور. وكانت وفاتُه في صقر، وقيل: في سنة اثنتين وخمسين وثلاث مئة، وكان ثقةً. عبد الرَّحمن بن محمد ابن عبد الله [بن محمَّد] بن عبد الرَّحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرَّحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، أبو المُطَرِّف، والي الأندلس (٤).

стр. 8162

ولي سنة ثلاث مئة لمَّا مات جدُّه لأبيه عبد الله بن محمَّد بن عبد الرَّحمن، وله ألقابٌ منها: النَّاصر لدين الله، أمير المؤمنين، وهو أول من لقَّب نفسه بالناصر، وبأمير المؤمنين بالأندلس، وكانوا قبله يُسمَّون بني الخلائف ويُسلَّم عليهم بالإمرة، فلمَّا ضعُف أمرُ الخلافة ببغداد في أيام المقتدر وغيرها تلقَّب بنو أمية بإمرة المؤمنين، وكذا بنو عُبيد الله بالقَيْروان والمَهْدية، وتلقَّب عبد الرَّحمن بالقَمر الأزْهَر، والأسد الغَضَنْفَر، وأمُّه أمُّ ولد يقال لها: مُزْنَة. وكان شُجاعًا، شَهمًا، محمودَ السّيرة، مَيمونَ النَّقيبة، لم يزل يستأصل المُتَغلِّبين حتى تمَّ أمرُه بالأندلس، فأقام واليًا خمسين سنة، ولم يبلغ أحدٌ من بني أمية هذه المدة. وأخذ المُلك عن جدِّه وهو شابٌّ وبالحَضْرة أكابرُ أعمامه وأعمام أبيه، وذوو القُعْدُد في النسب من أهل بيته فلم يتعرَّض له أحدٌ، واجتمع في دولته من العلماء والفُضَلاء ما لم يجتمع في دولة غيره، وله غزوات عظيمة. قال ابن عبد ربِّه: وقد نظمتُ أرجوزةً ذكرتُ فيها غزواته من سنة إحدى وثلاث مئة إلى سنة اثنتين وعشرين وثلاث مئة (١). قال: وافتتح سبعين حصنًا من أعظم الحصون، ومدحه بقصائدَ كثيرةٍ منها قوله: [من البسيط] قد أوضح الله للإسلام منهاجا … والناسُ قد دخلوا في الدِّين أفواجا وقد تَزيَّنَت الدنيا لساكنها … كأنَّما أُلبسَت وَشْيًا وديباجا يا بن الخَلائف إن المُزْنَ لو علمت … نَداك ما كان منها الماء ثَجَّاجا مات النِّفاق وأخطأ الكفرُ رَمْيتَه (٢) … وذَلَّت الخيلُ إلْجامًا وإسراجا وأصبح النَّصْرُ مَعْقودًا بألويةٍ … تَطْوي المَراحِلَ تَمهْجيرًا وإدلاجًا غادرْتَ في عَقْوَتَي جَيَّان مَلْحَمةً … أبكيتَ منها بأرض الكفر أعلاجا

стр. 8163

تُمْلا بك الأرضُ عَدْلًا مثل ما مُلئت … جَوْرًا وتُوضِحُ للمعروف مِنْهاجا إنَّ الإمارةَ لا تَرضى ولا رضيت … حتى عَقَدتَ لها في رأسها تاجا (١) وكانت وفاة أبي المُطَرِّف في رمضان، وكان له من الولد: الحكم وعبد الجبار وسليمان وعبيد الله وعبد الملك وغيرهم، فقام بعده ولده الحكم بعهدٍ من أبيه. عُتْبة بن عُبيد الله ابن موسى بن عُبيد الله، أبو السَّائب، من أهل هَمَذان (٢). ولد سنة أربع وستين ومئتين، وكان أبوه تاجرًا موسرًا، أديبًا، يؤمُّ الناس في مسجدٍ بهَمَذان فوق ثلاثين سنة، ونشأ أبو السَّائب يطلب العلم، وغلب عليه في ابتداء عُمُره علمُ التَّصوف، والميلُ إلى الزُّهد، ثم خرج عن بلده، واتَّصلت أسفارُه، ولقي العلماء، وقرأ القرآن، وكتب الحديث، وتفقَّه على مذهب الشافعي، وعرف الأمير أبو القاسم بن أبي السَّاج خبرَه وما هو عليه، فقلَّده الحكمَ بأذْرَبيجان، وعَظُمَت حالُه، وقُبِض على ابن أبي السَّاج، فعاد إلى الجبل، وتقلَّد هَمَذان، ثم دخل بغداد، وتقلَّد أعمالًا جليلةً بالكوفة، وديار مُضَر، والأهواز، وعامة الجبل، وقطعة من السواد، ثم تقلَّد مدينة أبي جعفر، ثم تقلَّد قضاء القُضاة. وكانت وفاتُه في ربيع الآخر، ودفن بداره في سوق يحيى. وقال ابن القَطَّان: رأيتُ أبا السَّائب في منامي بعد موته فقلتُ: ما فعل الله بك مع تخليطك؟ فقال: غفر لي، فقلتُ: وكيف ذاك؟ فقال: إنَّ الله عرض عليَّ أفعالي القبيحةَ، ثم أمر بي إلى الجنة، وقال: لولا أني كتبتُ على نفسي أنِّي لا أُعَذِّب من جاوز الثمانين لعَذَّبْتُك. فاتِك بن عبد الله أبو شُجاع، الإخشيدي، ويعرف بالمجنون (٣).

стр. 8164

وكان من أكبر غلمان الإخشيد، وهو الذي رثاه المتنبي بقوله: الحُزْنُ يُقلقُ والتَّجَمُّلُ يَرْدَعُ (١) الأبيات. ولي إمرة دمشق وغيرها (٢)، وكان صارمًا شجاعًا.

стр. 8165

السنة الحادية والخمسون وثلاث مئة (١) فيها نُقلَت سنةُ خمسين وثلاث مئة [من حيث المُغِلات] إلى سنة إحدى وخمسين الخَراجية، وكتب الصابئ كتابًا عن المطيع في المعنى منه (٢): ففضل الله تعالى بين الشمس والقمر، وأنبأنا أنَّ لكلِّ منهما طريقًا سُخِّر فيها، وطبيعةً جُبل عليها، وأنَّ تلك المُخالفة والمُبايَنة في المَسير يؤدِّيان إلى مؤالفة ومُوافَقة في التدبير، فمن هناك زادت السنة الشمسية فصارت ثلاث مئة وخمسةً وستين يومًا ورُبعًا بالتقريب المُعَوَّل عليه، وهي المدة التي تقطع فيها الشمس الفَلَك مرةً واحدة، ونَقَصت السنة الهِلالية فصارت ثلاثَ مئة وأربعةً وخمسين يومًا وكَسْرًا، وما زالت الأمم السالفة تَكْبِس زيادات السنين على اختلاف مذاهبها، وفي كتاب الله شهادةٌ بذلك، قال الله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: ٢٥] فكانت هذه الزيادة بإزاء ذلك. فأما الفُرس فإنَّهم أجْرَوا معاملاتهم على السَّنة المُعْتَدِلة التي شهورُها اثنا عشر شهرًا، وأيامها ثلاث مئة وستُّون، ولقَّبوا المشهور اثني عشر لَقبًا، وسمَّوا الأيام بأسامي، وأفردوا الأيام الخمسة الزَّائدة وسَمَّوها المُسْتَرقَةَ، وكَبسوا الرُّبُع في كلٍّ مئةٍ وعشرين [سنة] (٣) شهرًا، فلمَّا انقرض مُلكهم بَطَل ذلك. وأما الرُّوم فرتَّبوا شهورَ السنة على ما عُرف، وساقوا الخمسةَ أيام معها، وكبسوا الرُّبع في كلِّ أربع سنين يومًا، واقتدى المعتضد بالله بهم، وذكر كلامًا طويلًا حاصلُه تعجيلُ الخَراج وحساب أيام الكَبيس. ذكر دخول الروم زَرْبَة: قال ثابت: دخلوها مع الدُّمُسْتُق في مئة وستين ألفًا، وهي في سفح جبل مُطِلٍّ عليها، فصعد بعضُ جيشه الجبل، ونزل هو على بابها، وشرع الروم في نَقْب السور،

стр. 8166

فأرسلوا يطلبون الأمان، فأمَّنهم وفتحوا له أبواب المدينة فدخلها، وندم حيث أمَّنهم، ونادى بأن يخرجَ جميعُ مَن في البلد إلى الجامع، فلمَّا أصبح بث رَجَّالته وكانوا ستين ألفًا، فكلُّ مَن وجدوه في منزله قتلوه، فقتلوا عالمًا لا يُحصى، وأخذوا جميع ما كان فيها، وكان في الجملة سبعون ألف رُمْح، وقطع من حوالي البلد أربعين ألف نَخْلة، وهدم المنازل وأحرقها. ونادى: مَن كان في الجامع فليذهب حيث شاء، ومَن أمسى فيه قُتل، فازدحم الناس في أبوابه حتى مات منهم خلقٌ عظيم، ومرُّوا على وجوههم حُفاةً عُراة لا يدرون أين يأخذون، فماتوا في الطُّرُقات عَطَشًا وجوعًا. وأخرب أسوار البلد، وأحرقَ الجامع والمِنْبَر، وهدم حولها أربعةً وخمسين حِصْنًا، منها بالأمان ومنها بالسيف، كذا ذكر ثابت بن سنان، وأقام في بلاد الإسلام عشرين يومًا، وأخذ من أهل بَغْراس مئة ألف درهم وأقرَّهم، ولمَّا عاد إلى بلاده أعاد سيف الدولة عين زَرْبة إلى بعض ما كانت عليه بعد مدة. ذكر دخول الروم حلب: وهي حادثةٌ لم يَجْر في الإسلام مثلُها، كان سيف الدولة قد ظنَّ أنَّ الدُّمُسْتُق لا يعود إلى بلاد الإسلام في هذه السنة، فأقام بحلب غير مُسْتعدٍّ، فبينا هو غافلٌ وإذا بالدُّمُسْتُق قد أقبل ومعه ابنُ أخت الملك، ولم يعلم سيفُ الدولة به حتى بَغَتَه، فخرج إليه، وحاربه الدمستق في مئتي ألف، منهم ثلاثون ألف راجل بالجَواشِن (١)، وثلاثون ألف فاعل للهَدْم بطريق البلخ، فلم يثبت له سيف الدولة، فانهزم في نفرٍ يسير، وكانت دارُه بظاهر البلد، فجاء الدمستق إليها، فوجد فيها ثلاث مئة وتسعين بَدْرة دراهم، وألفًا وأربع مئة بغل، ومن السلاح ما لا يُحصى، فأخذ الجميع، وأحرق الدار، وملك الرَّبَض. وقاتله أهل حلب من وراء السُّور، فقتلوا [جماعةً من الروم، فسقطت ثُلمةٌ من السُّور على جماعة] من أهل حلب، فطمع الروم في تلك الثُّلْمَة فأكبُّوا عليها، ودافع

стр. 8167

أهلُ البلد عنها، فلمَّا جاء الليل بنَوها، ولمَّا أصبحوا صَعِدُوا عليها وكبُّروا، فعدل الروم عنها إلى جبل جَوْشَن فنزلوا به، ومضى رَجَّالةُ الشُرَط بحلب إلى منازل الناس (١) فنهبوها، وإلى خانات التجار، فقيل لمَن على السُّور: اِلحقوا منازلكم، فنزلوا وأخلَوا السور، وتسوَّروه الروم، ونزلوا ففتحوا الأبواب، ودخلوا فوضعوا السيف في الناس. وكان في البلد ألفٌ ومئة من الروم أُسارى، فتخلَّصوا وحَملوا السِّلاح، وعادوا الروم فما زالوا يقتلون حتى كَلُّوا ومَلُّوا، وسَبَوا من الرجال والنساء بضعة عشر ألف صبي وصَبية، وأخذوا من الأموال والأمتعة والأسلحة وأموال التجار ما حَمل الدُّمُسْتُق بعضَها على البغال التي أخذها لسيف الدولة، فلمَّا لم يبقَ معه شيء أحرق الباقي، وعمد إلى الحُبابِ التي فيها الزيت فصبَّ فيها الماء حتى فاضَ الزيتُ على وجه الأرض فشربَتْه، وأخرب الجامع والمساجد، وأقام فيها تسعة أيام، وكان معه أربعة آلاف بغل عليها حَسَكُ حديدٍ مُطرَّحةً حول العسكر بالليل إلى غير ذلك، وما نجا منه إلا مَن صَعِد قلعة حلب بنفسه. ولمَّا كان اليوم التاسع أراد أن ينصرفَ بما معه، فقال له ابنُ أخت الملك: هذا بلدٌ قد حصل في أيدينا، وليس ثَمَّ مَن يدفعنا عنه، والوزراء والقُوَّاد والأعيان والكُتَّاب والأموال والجواهر في القلعة، فبأيِّ سبب ننصرفُ وما فتحناها؟ فقال الدُّمُسْتق: قد وصلنا إلى ما لم يَكن في الحساب من القتل والسَّبْي والأسر وأَخْذ المال والسلاح والكُراع، وغنمنا غنيمةً ما غنمها أحدٌ ولا سمع بمثلها، والذي في القلعة ما عندهم غيرُ نفوسهم، وإذا نزلوا هلكوا؛ لأنَّهم لا يجدون قوتًا، والرأي أن ننصرف فإن طلب الغايات رَديء، فقال ابنُ أخت الملك: لا بدَّ لي من القلعة، فقال: انْزِل عليها وقاتلها وحاصرها، ولا تُلِحَّ في قتالها، فإنْ حصَرْتَها أيامًا أخذْتَها، فقال: لا آخذُها إلا بالسيف، فقال الدمستق: أنا مقيمٌ على باب البلد في عسكري. فأصبح ابنُ أخت الملك، وأخذ تُرْسًا وسيفًا، وأتى القلعة ومَسْلَكُها ضَيِّقٌ لا يحمل أكثرَ من واحد، فصَعِد وصعد خلفه جماعةٌ من أصحابه، واحدٌ بعد واحد، فكان في

стр. 8168

القلعة جماعةٌ من الدَّيلَم، فتركوه حتى قَرُب من الباب، وأرسلوا عليه حَجَرًا، فوقع عليه فانقلب، ثم وثب وهو مَشْدوخ، فرماه واحدٌ من الدَّيلَم بخِشْت (١) في صدره فقتله، وأخذه أصحابُه وانصرفوا به إلى الدُّمُسْتق. وكان الدمستق قد أسر من أعيان المسلمين ألفًا ومئتي رجل، فضرب أعناقهم بأسرهم، وسار إلى بلد الروم، ولم يتعرَّض لقرى حلب، وقال لأهلها: ازرعوا واعمُروا فإذا البلد قد صار لنا، وبعد قليل نعود إليكم. وفيها ملك ركنُ الدولة بن بُوَيه جُرْجان، ومضى وَشْمَكير أَبِي الجبل (٢)، وفيها كتبت العامةُ ببغداد على حيطان المساجد لعنةَ معاوية بن أبي سفيان، ولعنة مَن غصب فاطمة ﵍ حقَّها من فَدَك، ومَن منع الحسن رضوان الله عليه أن يُدفَن مع جده رسول الله ﷺ ، ولعنة مَن نفى أبا ذر الغفاري، ولعنة مَن أخرج العباس بن عبد المطّلب من الشُّورى [ولم يمنعهم السلطان من ذلك] ثم إنَّ ذلك مُحي في أول الليل، فأراد معزُّ الدولة إعادته، فأشار عليه [أبو محمَّد] المُهَلَّبي الوزيرُ أن يكتب مكان ما مُحي: لعن الله الظَّالمين لآل رسولًا الله ﷺ من الأوَّلين والآخرين، وصرَّحوا بلعنة معاوية لا غير. وفيها أسرت الروم أبا فراس بن أبي العلاء سعيد بن حَمْدان من مَنْبج وكان واليها. [وفي هذه السنة] وقع بالعراق بأرض الجامدة بَرَد، كلُّ بَوَدَةٍ رَطْل ونصف بالعراقي ورطلان. وفيها توفي الحسن بن محمَّد بن هارون أبو محمَّد، المُهَلَّبي، من ولد المُهَلَّب بن أبي صُفْرة، وزير مُعزِّ الدولة (٣).

стр. 8169

أقام في وزارته ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر، وكان فاضلًا، شاعرًا، فصيحًا، حليمًا، أديبًا، نبيلًا، كثيرَ المعروف، جَوادًا، سَمْحًا، ذا مروءةٍ وأناة واصطناعٍ للرجال. قال أبو إسحاق الصَّاغاني (١): صاغ الوزير دواةً ومَرْفَعًا (٢)، وحلَّاهما حِليةً ثقيلة، وكانت طولَ ذِراع وكسر في عرض شبر، فأُحضرت بين يديه، وكان الفضل بن عبد الرَّحمن الشِّيرازي جالسًا عن يمينه، وأنا على جانب الشيرازي، فاستحسنها الشيرازي وقال لي فيما بيننا: ما كان أحوجني إلى ثمنها لأنتفع به، قلتُ: وما يصنع الوزير؟ فقال: يدخل في حِر أُمِّه. وسمع الوزير ما جرى بيننا، فلمَّا كان من الغد دخلتُ على الشيرازي فقال: عرفتَ خبرَ الدواة؟ قلتُ: لا، قال: جاءني بها البارحة رسولُه بمَرْفَعها ومعها خمسة آلاف درهم، ومِنديل فيه عشرُ قطع ثياب، وقال: الوزيرُ يقول: أنا عارفٌ بانقطاع الموادِّ عنك، وكثرةِ المؤن وتضاعفها عليك، وقد آثرتُك بهذه الدواة لما رأيتُ من استحسانك لها، وأضفتُ إليها ما تكتسي به، وما تَصرفُه في بعض نَفَقتك، فعجبتُ في اتِّفاق ما تجارَينا فيه وجاء هذا على أثَره. وتقدَّم الوزير بصياغة دواةٍ أخرى فصِيغَت، ودخلنا مجلسه وهي بين يديه، وهو يوقع منها، فنظر إلينا ونحن نلحظها فقال: هي، مَن منكما يُريدها على الإعفاء من الدخول، فاستحيينا منه، وعلمنا أنَّه قد سمع قولَنا، وقلنا: بل يُمتِّع الله الوزيرَ بها ويُبقيه حتى يَهَب لنا ألفًا مثلَها. وكانت وفاتُه ببغداد عن أربع وستين سنة، ودُفن بمقابر قريش، وقيل: إنَّه كان توجّه إلى عُمان فمات بها في الطريق، فحُمل في تابوت إلى بغداد، وقبض معزّ الدولة على أولاده، وكتَّابه، وأسبابه، وصادرهم، ثم استوزر أبا الفَضْل العباس بن الحسن الشِّيرازي.

стр. 8170

[وفيها توفي] دَعْلَج (١) بن أحمد ابن دَعْلَج بن عبد الرَّحمن، أبو محمَّد، السِّجِسْتاني، الفقيه، المُعَدَّل، نزيل بغداد. سمع الحديث بخُراسان، والرَّي، وحُلْوان، وبغداد، ومصر، والكوفة، ومكة وغيرها، وكان من ذوي اليَسار، والمشهورين بالبِرِّ والإفضال، وله صدقات جاريةٌ، ووقوف على أهل الحديث ببغداد ومكة وسِجِسْتان. وأثنى عليه الأئمة (٢)، وقدم نَيسابور مرَّتين [وسمع المصنَّفات من أبي بكر بن خُزَيمة]، وكان يُفتي على مذهبه، ثم جاور بمكة وعاد إلى بغداد. وسبب عوده -[وقد حكاه الخطيب، عن القاضي أبي العلاء الواسطي، عن دَعْلَج]- قال: خرجتُ ليلةً من الليالي بمكة أريد المسجد، وإذا بثلاثة من الأعراب قد لزموني وقالوا: لك أخ من أهل خُراسان [قتل أخانا، فنحن نقتلك به، قال: فقلتُ: يا قوم، اتقوا الله فإنَّ خُراسان] ليست بمدينة واحدة، ولم أزل أُداريهم حتى اجتمع الناس علينا، فخَلَّوا عني، فانتقلتُ إلى بغداد. وحكى الخطيب، عن الأزهري عن ابن حَيُّويه أبي عمر قال: أدخلني داره -يعني دَعْلَج (٣) - فأراني بِدَرًا من المال مُعَبأة في منزله، فقال: خذ منها ما شئت، فقلتُ: أنا عنها في كفاية وغنى، ولا حاجة لي فيها، وشكرتُه ودعوتُ له. [ذكر حكايته مع الرجل المديون: قال الخطيب: حدثني] محمَّد بن علي [بن عبد الله] الحَدَّاد (٤)، عن شيخ سمَّاه قال: حضرتُ يوم جمعةٍ في الجامع بمدينة المنصور، فرأيتُ رجلًا بين يديَّ في الصف

стр. 8171

حسنَ الوَقار، ظاهرَ الخشوع، دائمَ الصلاة، ولم يزل يتنفَّل منذ دخل المسجد إلى قريب قيام الصلاة، ثم جلس، ودخلت قلبي مَحبَّتُه. ثم أقيمت الصلاة فلم يصلِّ مع الناس الجمعة، فكَبُر عليَّ ذلك، وغاظني فعلُه، فلما قضيتُ الصلاة تقدَّمتُ إليه وقلتُ له: أيها الرجل، ما رأيتُ أعجبَ منك، أطلتَ صلاةَ النافلة وأحسنتَها، ثم تركتَ الفريضةَ وضيَّعتَها؟! فقال: لي عذرٌ مَنعني من الصلاة، قلتُ: وما هو؟ قال: أنا مَديون اختفيتُ في منزلي مدَّة بسبب الدَّين، ثم حضرتُ اليوم الجامع، فقبل أن تُقامَ الصلاة التفتُّ فرأيتُ صاحب الدين ورائي، فمن خوفي منه أحدثتُ في ثيابي، قلتُ: ومَن صاحبُ الدين؟ فأشار إلى دَعْلَج، وكان صاحبٌ لدعلج إلى جانبه، فسمع ما نقول وهو لا يعرفه، فقام ومضى إلى دَعلج فأخبره بالقصة، فقال دعلج للرجل: خذه واذهب به إلى الحمَّام، واطرح عليه خِلْعةً من ثيابي، وأجلسه في منزلي حتى أنصرف من الجامع، ففعل الرجل ذلك. فلما انصرف دعلج إلى منزله أمر بالطعام وأُحضر، وأكل هو والرجل، ثم أخرج حسابه، فإذا عليه خمسةُ آلاف درهم، فقال له دعلج: انظر لا يكون عليك في الحساب غلط، فقال الرجل: لا والله، فكتب دعلج تحته بالوفاء، ثم دفع إليه خمسة آلاف درهم وقال: أما الحساب الأول فقد أحلَلْتُك منه، وأسألك أن تقبلَ هذه وتجعلَني في حلٍّ من الروعة التي دخلت قلبك في الجامع لمَّا رأيتَني، فقال: أنت في حلٍّ، وانصرف الرجل شاكرًا داعيًا. [ذكر قصته مع ابن أبي موسى الهاشمي: قال الخطيب: حدثني أبو منصور محمَّد بن أحمد العُكْبَري قال: حدثني] أبو الحسين أحمد بن الحسين الواعظ قال: أُودِعَ أبو عبد الله بن أبي موسى الهاشمي عشرة آلاف دينار [ليتيم] فضاقت يدُه، وامتدَّت إليها فأنفقها، فلما بلغ الغلام [مبلغ الرجال] أمر السلطان بفكِّ الحَجْر عنه، وتسليم المال إليه. قال ابن أبي موسى: فضاقت عليَّ الأرضُ بما رَحُبَت، وتحيَّرتُ في أمري لا أدري من أيِّ وجهٍ أغرَم المال، فركبتُ من داري بُكرةً وقصدتُ الكَرْخ، ولا أدري أين أتوجَّه، وانتهت بي البغلةُ إلى دَرْب السَّلولي، فوقفتْ على باب مسجد دَعْلَج [بن

стр. 8172

أحمد]، فنزلتُ ودخلتُ المسجد، وصليتُ خلفه صلاة الفجر، فلما فرغ قام ورحَّب بي، وأخذ بيدي وأدخلني منزله، فلمَّا جلسنا جاءت الجارية بمائدة لَطيفة وعليها هَرِيسة، فقال: يأكلُ الشريف، فأكلتُ وأنا لا أدري كيف آكل، فلما رأى تقصيري قال: أراك مُنْقَبضًا فما الخبر؟ فقصَصْتُ عليه القصة، فقال: كل فإنَّ حاجتك تقضى (١). ثم أحضر حَلْواء، فأكلنا وغسلنا أيدينا، فقال: يا جارية، افتحي لنا ذاك الباب، ففتحت وإذا بخزانة مملوءة زُبُلًا (٢) مُجَلَّدة، فأخرج بعضها وفتحها إلى أن أخرج النقد التي كانت الدنانير منه، فوَزَن عشرة آلاف دينار بالطيار وقال: يأخذُ الشريف هذه، فقلت: يُثبتُها الشيخ عليَّ، فقال: أفعل. فقمتُ فركبت بغلتي، وتركت الكيس على القَرَبوس، وقد كاد عقلي يطير فَرَحًا، وغَطَّيتُه بطَيْلَساني، وعدتُ إلى داري، وانحدرتُ إلى دار السلطان بقلبٍ قويٍّ وجنان ثابت، وحضر القضاةُ والشُّهود والنُّقباء ووُلاة العهود، وأُحضر الغلام ففَكَّ الحَجْر عنه، وسلم إليه المال، وعظُم الشُّكر والثناء عليَّ [وظنُّوا أني فرطتُ في المال]. فلمَّا عدتُ إلى منزلي دعاني أحدُ الأمراء من أولاد الخليفة -وكان كثير المال- فقال: [قد] رغبتُ في معاملتك، وأُضَمِّنك أملاكي [ببادوريا ونهر المَلِك]، فضَمنتُ ذلك بما تقرَّر بيني وبينه، وجاءت السَّنة، ووَفَّيتُه الضَّمان، وحصل في يدي من الرِّبح ما له قدرٌ كبير. وكان ضمانُ هذه الضياع [ثلاث] سنين، فلمَّا مضت حَسبتُ حسابي وقد حصل لي ثلاثون ألف دينار، فأخذتُ عشرةَ آلاف دينار ومضيتُ إلى مسجد دَعلج، وصلَّيتُ خلفه، ودخلنا منزله، فقدَّم المائدة والهَريسة والحَلْواء، وأكلنا، وعرَّفتُه حالي، ودعوتُ له وشكرتُه وقلتُ: قد حصل لي ببركتك ثلاثون ألف دينار، وقد أحضرتُ عشرة آلاف دينار عوض ما أخذت منك، فقال: يا سبحان الله، والله ما خرجت الدنانير من يدي ونويتُ أن آخذ منك عِوَضًا، حَلِّ بها أنت الصبيان، فقلتُ: يا شيخ، أيش أصلُ هذا الذي وهبتَ منه عشرة آلاف دينار؟!

стр. 8173

[فقال: اعلم] أني نَشأتُ في قراءة القرآن، وسمعتُ الحديث، وكنتُ أتَّجِر، فجاءني رجل من تُجَّار البحر فقال لي: أنت دَعلج بن أحمد؟ قلتُ: نعم، قال: قد رَغِبتُ في تسليم مالي إليك لتتَّجر به، فما سهَّل الله به من فائدة كانت بيننا، وما كان من جائحةٍ كانت في أصل المال. فسلَّم إلى بارنامجات بألف ألف درهم، وقال في: ابْسُط يدَك، ولا تعلم مكانًا يَنْفَقُ فيه هذا المتاع إلا حملتَه إليه، ولم يزل يتردَّد إليَّ سنةً بعد سنة والبضاعة تنمي، وهو يحمل إليَّ شيئًا بعد شيء، فلما كان في آخر السنة اجتمعنا قال: أنا كثيرُ الأسفار في البحر، فإن قضى الله عليَّ بما قضى على خلقه فإذا المال لك، تصدَّق منه، وابْنِ المساجد، وافعل الخير، وغاب عنِّي مدةً، والظاهرُ أنَّه هلك، فأنا أفعل بالمال ما أمرني به، فاكتُم عليَّ هذا الحديث أيام حياتي. وقال الدَّارَقُطني: استرجع مُعزّ الدولة من غلامه جاشتكين أموالًا، فطلب شهودًا يشهدون عليه أنَّه غيرُ مُكرَه، وجعلوه وراء سِتْر، وجُمع الشُّهود، وحضر دَعْلج، وشهدوا وقالوا له: اِشْهَد، فقال: وأين الذي أشهد عليه، لعلَّه مُكْرَه أو مُقَيَّد، أخرجوه لي حتى أراه، ولم يشهد، وبلغ معزَّ الدولة فقال: ما كان فيهم مسلمٌ غيره (١). ذكر وفاته: مات هذه السنة، وقيل: سنة ثلاث وخمسين يوم الجمعة (٢) حادي عشر ذي الحجة ببغداد، وله خمس وتسعون سنة. وأسند عن خلق كثير، وكان ثَبْتًا، صدوقًا، ثقة، قَبِل الحكَّام شهادته وأثنَوا عليه، وكان الدارقطني هو المُصنِّفَ له كتبه، والناظِرَ في أصوله، وصنَّف له "المسند"، ولمَّا تمَّ بعث به إلى أبي العباس بن عُقْدَة لينظر فيه، وجعل بين كلِّ ورقتين دينارًا.

стр. 8174

وقال الدارقطني: ما رأيتُ في مشايخنا أثبتَ منه، كان إذا شكَّ في حديث ضَرب عليه. وخلّف (١) ثلاث مئة ألف مِثقال ذهب، فأخذها معزُّ الدولة، وكان قبل ذلك لا يتعرَّض للتَّركات، لكنَّه لم يصبر عن أموال دَعلج حتى أخذها، ولم يتعرَّض لأوقافه، وكانت في جميع البلاد [والأماكن والأقطار كالمدينة ومكة وغيرهما]. محمَّد بن الحسن ابن محمَّد بن زياد بن هارون، أبو بكر، النقَّاش، مولى أبي دُجانة الأنصاري (٢). ولد سنة ستٍّ وستين ومئتين، وأصله من المَوْصل، وسكن بغداد، وكان عالمًا بالقراءات والتفسير، وصنَّف في التفسير كتابًا سماه "شفاء الصدور"، وله تصانيف، وسافر شرقًا وغربًا، وتوفي في بغداد يوم الثلاثاء ثاني شوال، ودفن يوم الأربعاء في داره، وكان يسكن دار القُطْن. وقال أبو الحسن بن الفَضْل القَطَّان: حضرتُه وهو يجود بنفسه، فجعل يُحرِّك شفتَيه بشيءٍ لا أعلمه، ثم نادى بأعلى صوته: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] يُردِّدها ثلاثًا، ثم خرجت روحه. وقد تكلَّموا فيه. [وفيها توفي] محمَّد بن داود أبو بكر، الدِّينَوري، ويعرف بالدُّقِّي (٣). من أجلِّ المشايخ وأحسنهم حالًا، وأقدمهم صحبةً للمشايخ.

стр. 8175

[أثنى عليه أبو عبد الرَّحمن السُّلَمي، وأبو نُعيم، والحافظ ابن عساكر، وابن خَميس وغيرهم، فقال السُّلَمي: كان من كبار المشايخ] أقام ببغداد مدة، ثم انتقل إلى دمشق فسكنها، [وله الكلام الحسن والحكايات الغريبة. حكاية الصورة: ذكرها الحافظ ابن عساكر في "تاريخه" قال:] اجتاز الدُّقِّي ببِيعَة النَّصارى بالشام، فقال له أصحابه: نريد أن ندخلَ هذه البِيعة، فنهاهم، فألحُّوا عليه فقال: ادخلوا، فدخلوا ثم خرجوا، فقال لهم: إيش استفدتُم من دخولكم؟ قالوا: لا شيء. فقام ودخل إليها، فرأى في الحائط صورة عيسى ﵇، فرفع عصاه عليه وقال: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَينِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] فرفعت الصورة يدها (١) وقالت بلسان فصيح: لا لا لا، وكان هناك جماعةٌ من الرُّهبان، فأسلموا كلُّهم على يده، وخرجوا من البِيعة وصاروا صوفية، فقال لأصحابه: إذا دخلتُم البِيَع فادخلوا هكذا، وإلا فلا تدخلوا. [وحكى عنه ابن جَهْضَم] قال: فُتح عليَّ بنصف دينار وأنا بالرَّمْلَة، وكان عليَّ بالقدس نصفُ دينار دين، وقدم عليَّ فقراءُ من الحجاز وبهم فاقةٌ، فجعلتُ أُميِّزُ هل أنفقه عليهم أو أقضي به دَيني؟ وبات الفُقراء جياعًا، فلما كان بالليل ضَرب عليَّ ضِرْسي فلم أنم، فقلعتُه، ثم ضرب [عليَّ] آخر [ثم آخر]، فهَمَمْتُ بقَلْعه، فأخرجتُ النِّصْف دينار قبل طلوع الفجر وقلتُ: هذا للفقراء، فهتف بي هاتف: لو لم تخرجه لقلعنا أضراسَك كلَّها (٢). وقال (٣): حدَّثني أبو الخير العَسْقلاني قال: كنتُ مارًّا ببغداد وبين يديَّ فقيرٌ يمشي، وإذا بقائل يقول: [من مخلع البسيط] أمدُّ كَفَّيَّ بالخُضوعِ … إلى الذي جاد بالصَّنيعِ فصاح الفقير ووقع ميتًا.

стр. 8176

[وحكى عنه ابن جَهْضم قال:] (١) نزلتُ على قبيلة من العرب في البادية، فأضافوني، فرأيتُ غلامًا أسودَ مُقيَّدًا، وجِمالًا مَيتة بفِناء البيت، فناداني الغلام: أنت ضيفٌ، ولك حقٌّ، فاشفع فيَّ إلى مولاي فإنَّه لا يَرُدُّك. فلما حضر الطعام قلتُ لصاحب البيت: لا آكلُ طعامَك حتى تُطلق هذا العبد، فقال: إنه أفقرني وأتلف مالي، قلتُ: وكيف؟ قال: كنتُ أعيشُ من هذه الجمال التي ترى، وصوته طَيِّبٌ، فحمَّلها أحمالًا ثقالًا وحَدا لها، فقطعت مسيرةَ ثلاثة أيام في يومٍ واحد، فلمَّا حطَّ عنها أحمالها وقعت ميتةً كما ترى، ولكن قد وهبتُه لك، وحَلَّ القيدَ من رجله، فقلت: أحبُّ أن أسمعَ صوتَه، فحَدا وهناك جملٌ يُستقى عليه الماء، فهام الجمل على وجهه وقطع حِباله، ووقعتُ مَغشيًّا عليَّ، وما سمعتُ صوتًا أطيبَ من صوته. وأنشد الدُّقِّي يقول: [من مجزوء الكامل] إنْ كنتَ تُنكر أنَّ للأصـ … ــــواتِ فائدةً ونَفْعا فانظُر إلى الإبل اللواتي … هنَّ أغلظُ منك طَبْعا تُصغي إلى حَدْو (٢) الحُدا … ةِ فتقطعُ الفَلَواتِ قَطْعا [ذكر نبذة من كلامه: حكى عنه السُّلَمي أنه] قال: كلامُ الله تعالى إذا أشرف على السَّرائر أزال عنها رُعونةَ البشرية (٣). وقال: بُني أمرُنا هذا على أربع: لا نأكلُ إلا عن فاقة، ولا ننامُ إلا عن غلبة، ولا نتكلَّم إلا عن وَجْد (٤)، ولا نسكت إلا عن خِيفة.

стр. 8177

وقال: كلُّ أحدٍ يُنسب إلى نسبٍ إلا الفقراء؛ فإنَّهم يُنسبون إلى الله، نَسَبُهم الصِّدق، وحسَبُهم الفقر. [وحكى عنه في "المناقب" أنه] قال (١): المعدة حَوْضُ البدَن، إذا وُضع فيها حلال صدر إلى الأعضاء بالصِّحَّة، وإذا وُضع فيها الحرام أو الشُّبَه صدر إلى الأعضاء بالسُّقْم، فصارَت بينه وبين الله حجابًا. وقال: كم مسرور سرورُه بلاؤه، وكم مغموم غمُّه نجاتُه (٢). وأنشد بين يديه قوَّال: بالله فارْدُد فؤادَ مُكْتَئبٍ … ليس له من حبيبه خَلَفُ فقام طوال الليل يبكي ويَسقط، والفقراء يبكون حوله. وقال: مَن ألِف الاتِّصال، ثم ظهر له عين الانفصال؛ تنغَّص عليه عيشُه، وانْمَحَق عليه وقتُه، وصار مُتلاشيًا في مَحَلِّ الوَحْشة، وأنشد: [من الطويل] لوَ أنَّ الليالي عُذِّبت بفراقنا … لأصبحتِ الأيام شُهْبَ الذَّوائب ولو جُرع الأيامُ كاسَ فراقنا … مَحا دمعُ عينِ الليل ضوءَ الكواكب (٣) وقال: سألتُ الزَّقَّاق: لمَن أصحب؟ فقال: لمَن تسقُط بينك وبينه مُؤنة التحفُّظ، وفي روايةٍ: لمَن يعلمُ منك ما يعلمُه الله منك فتأمنه على ذلك (٤). ذكر وفاته: [واختلفوا فيها؛ فقال السُّلَمي:] مات في هذه السنة وزاد على مئة سنة. [وحكى عنه في "المناقب" أنه مات سنة تسع وخمسين وثلاث مئة (٥).

стр. 8178

حدَّث عن ابن مجاهد وقرأ عليه القرآن، وسمع الخرائطي وغيره، وقال في "المناقب" (١): وكان ينتمي إلى أبي عبد الله بن الجَلَّاء، وكان من أقران أبي علي الرُّوْذَباري، وكان أوحد زمانه في وقته.] محمد بن سعيد أبو بكر، الحَرْبيّ، الزاهد (٢). توفي في ربيع الأول ببغداد، وكان صالحًا، عابدًا، ثقة، فقال: دافعتُ الشَّهَوات حتى صارت شهوتي المدافَعَةُ فحسب. [وفيها توفي] محمَّد بن محمَّد بن الحسن أبو عبد الله، التُّرُوْغْبَذيّ (٣). كان من جلَّة مشايخ طُوس، [ذكره في "المناقب" وقال: صحب أبا عثمان الحيري وطبقته] وصار أوحد زمانه، مُجَرّدًا، عالي الهِمَّة، كبيرَ الشأن، خرج يومًا من طُوس (٤)، وقال لصاحبٍ له: اشتر خبزًا كثيرًا، فلمَّا صاروا إلى الجبل إذا قومٌ قد قطع عليهم اللصوصُ الطريق، ولم يأكلوا منذ مدَّةٍ، فقدَّم إليهم الخبزَ، فأكلوا [حتى شبعوا]. وقال: ترك الدنيا للدنيا من علامات جمع الدنيا. وقال: مَن ضيَّع اللهَ في صغره أذلَّه اللهُ في كبره. وقال: الأسماء مكشوفةٌ والمعاني مستورةٌ. وقال: ليس في اجتماع الإخوان أنسٌ مع وَحْشَة الفِراق، [ومات في هذه السنة] (٥).

стр. 8179

السنة الثانية والخمسون وثلاث مئة (١) فيها: قال ثابت بن سنان: وفي يوم الأحد العاشر من المُحرَّم طالب [السلطان يعني] مُعزّ الدولة الناسَ بغَلْق الأسواق ببغداد، وتعطيل البيع والشراء، ومنع الهَرَّاسين والطباخين من الطبخ، ومنع القصَّابين من الذِّباحة، والسَّقّائين من إسقاء (٢) الماء، ونصبُوا القِباب في الأسواق، وعلَّقوا عليها المُسوح، وأخرجوا النساء مُنْشَرَات الشعور، مُسَوَّدات الوجوه، يَلطِمْنَ في الأسواق والشوارع [والطرقات]، ويُقِمن المآتم على الحسين بن علي ﵉، [ولم يمكن أهل السنّة مقاومة الشيعة، وكانت الشيعة أكثر، وقالوا:] هذا أولُ يوم نِيح على الحسين ﵁ ببغداد. وفي رجب (٣) قُلِّد القاضي أبو بشر عمر بن أكثم القضاء بمدينة السلام بأسرها، على أنْ يتولَّى ذلك بغير رزق، وأُعفي أبو العباس بن أبي الشَوارب مما كان تقرَّر أنْ يحملَه إلى خزانة معز الدولة، وأمر أنْ لا يُمضَى شيءٌ من أحكام ابن أبي الشَّوارب (٤). وفيها قُتل ملك الروم، وصار الدُّمُسْتُق [الذي فتح حلبًا] هو الملك، واسمُه نقفور (٥)، [وهذا قول ثابت بن سنان] (٦). وفيها أصاب سيفَ الدولة طرفُ فالجٍ في يده ورجله اليسرى، وكان قد دخل بلاد الروم [ولم يوغل]، ووصل قونِيَة، ثم عاد. وكان (٧) هبة الله بن ناصر الدولة الذي استأمن إلى معزِّ الدولة لم يستقم له ببغداد أمرٌ، فقَصَد سيفَ الدولة وأقام عنده، فبينا هبة الله يومًا راكب ظاهرَ حلب سايره أبو الحسين، وكان سيفُ الدولة مريضًا، فما زال هبة الله يحادثه حتى أخرجه إلى

стр. 8180

الصحراء، ورماه بخشبٍ (١) كان في يده، فوقع في لَبَّتة فسقط، فقال: لغلمانه حُزُّوا رأسَه فحزُّوه، وقيل: إنما فعل به ذلك لأنَّه تعرَّض لغلام من غلمانه. وبلغَ هبةَ الله أن عمَّه قد أفاق من مرضه، فاستوحش، وسار من فوره إلى حَرَّان، وتبعه نجا غلامُ سيف الدولة، فلحق سوادَه فأخذه، ورجع به إلى سيف الدولة، ودخل هبةُ الله حرَّان، فأوهم أهلَها أنَّ عمَّه مات، وأنَّه قد كتب إلى أبيه ليُنْجِدَه بالرجال ويقيم بحَرّان، وطلب من أهلها أنْ يَحلِفوا له، ويكونوا معه على مَن حاربه، فحلفوا واستثْنَوا في أيمانهم إلا أنْ يكون الذي يُحاربه عمُّه فإنَّهم لا يحاربونه، وكانوا قد أغلقوا أبواب البلد في وجهه قبل ذلك، فأرادوا أنْ يَغسلوا ما فعلوا. فلمَّا كان بعد أيامٍ وافى أخو نجا غلامُ سيف الدولة، فأغلقوا الأبواب في وجهه، فأظهر أنَّه قاصدٌ مَيَّافارِقين، وكتب إلى نجا يُخبره، فسار نجا بنفسه، فانهزم هبةُ الله إلى أبيه بالموصل، ونزل نجا بظاهر حَرَّان وذلك في شوال، وخرج إليه وجوه أهلها للسلام، فوكَّل بهم وتهدَّدهم بالقتل وقال: أغلقتُم الأبواب في وجه أخي؟ فاعتذروا، وطالبَهم بألف ألف درهم خيانةً، وتردَّدت الرسائل بينهم على ثلاث مئة ألف وعشرين ألف درهم، وقال: أُريد المال. وبعث معهم الفرسان والرَّجَّالة، وألزمهم الأجعال الثقيلة، فدخلوا البلد، وقسَّطوا المال عليهم، على الأغنياء والسُّوقة والنساء وغيرهم، فباع الناس ما يساوي درهمًا بدانِق، ولم يجدوا مَن يشتري، فاشتراه أصحاب نجا بأوكس ثمنٍ، وخرِبت حَرَّان، وافتقر أهلُها، واستوفى نجا المال، وسار إلى مَيّافارِقين عاصيًا على مولاه سيف الدولة، وبقي البلد شاغرًا بغير سلطان، وتسلَّط العيَّارون على أهله. وفي يوم الخميس ثامن عشر ذي الحجة -وهو يوم غدير خُمّ- أُشعلت النيرانُ ببغداد، وضُربت الدَّبادِبُ (٢) والبوقات، وأصبح الناس إلى مقابر قريش للصلاة هناك، وإلى مشهد الشيعة. قال ثابت بن سنان: وأنفذ بعض البطارقة الأرمن إلى ناصر الدولة (٣) رجلين

стр. 8181

مُلْتَصِقَين، سنهما خمس وعشرون سنة، مُلتحمَين (١)، ومعهما أبوهما، وأن الالتصاق كان في المعدة، ولهما بطنان وسرتان ومعدتان، وتختلف أوقات جوعهما وعطشهما وبرازهما (٢) وبولهما، ولكل واحد منهما صدر وكتفان وذراعان ويدان وفخذان وساقان وإحليل، وكان أحدهما يميل إلى النساء، والآخر يميل إلى الغلمان. وذكر القاضي علي بن المحسن التَّنوخي، عن أبيه، عن جماعة من شيوخ الموصل أنه أُحضر إلى ناصر الدولة رجلان من هذا النَّمط، وأن ناصر الدولة عجيب منهما، ومات (٣) أحدهما وبقي أيامًا، فأنتن وأخوه حي، ولا يمكن إلا دفن الحي مع الميت، وجمع ناصر الدولة الأطباء على أن يقدروا على الفصل بينهما فلم يكن لهم حيلة، فلحق الحيَّ من رائحة الميت ما كان سببًا لموته، فدُفنا جميعًا [، وكان لهما جوف واحد، ومعدة واحدة، فسبحان من جَلّت قدرته أن تُحدّ، كما عزّت نعمته أن تُعَدّ. فصل:] (٤) وفيها توفّيت خولة أخت سيف الدولة بحلب، وحُمل تابوتها إلى مَيّافارِقين، وهي التي رثاها المتنبي فقال (٥): [من البسيط] يا أختَ خيرِ أخٍ يا بنتَ خيرِ أبٍ … كنايةً بهما عن أشرفِ النَّسَبِ [وكانت صاحبة حِشْمَةٍ وحُرمة.] (٦) عُمر بن أَكْثَم ابن أحمد بن حيّان، أبو بِشْر الأسدي. ولد سنة أربع وثمانين ومئتين، وولي القضاء ببغداد (٧).

стр. 8182

[السنة الثالثة والخمسون وثلاث مئة قال ثابت بن سنان: وفي يوم عاشوراء فعل ببغداد ما فعل عام أول من تعطيل الأسواق والنوح وغيره،] (١) فلما كان وقت الضحى وقعت فتنة عظيمة في قطيعة أم جعفر [قريبًا من مقابر قريش] بين السنة والشيعة، وجرت بينهم جراحات، ونهب الناس [بعضهم بعضًا] (٢). وفيها قدم رجل علوي من خراسان ثم إلى إرمينية ثم إلى مَيَّافارِقين، واجتمع بنجا غلام سيف الدولة، فأوقعا بأبي الوَرْد وهو من العرب، وكان بيده بعضُ بلدان إرمينية، فقُتل في الوقعة، وقيل: قتله نجا، ولم يحضر العلويّ، وأخذ نجا خِلاط وقلاعَها من يد أبي الورد، وسار العلوي إلى حران ثم إلى حلب، فلما اجتمع بسيف الدولة خرج معه إلى المَصِّيصَة. وفيها نزل الدُّمُسْتُق على المَصِّيصَة مع جيشٍ ضخم، وأقام عليها سبعةَ أيام، ونقب سورها نيّفًا وستين نَقْبًا، وقاتله أهلُها ودفعوه عنها، وضاق به الأمر، وعَدِم الميرة، وغلا السّعر، فرحل عنها بعد أن أقام في بلاد المسلمين خمسة عشرة يومًا، وأحرق رُسْتاق المَصِّيصة وأَذَنة وطَرَسوس، وخرج سيف الدولة والخُراساني إلى المَصيصَة، فوجد الدُّمُسْتُق قد انصرف، وتفرَّقت جُموع الخُراساني من شدة الغلاء في السواحل وحلب والشام، ورجعوا إلى بغداد، ثم مَضَوا إلى خراسان. وقيل: لما انصرف الدُّمُسْتُق عن المَصِّيصَة بعث إلى أهلها وقال: إني مُنصرفٌ عنكم لا لعَجزٍ عن فتح بلدكم ولكن لضيق العَلوفَة، وأنا عائدٌ إليكم بعد هذا الوقت، فمَن أراد منكم الانتقال إلى بلد آخر قبل رجوعي فلينتقل، فمَن وجدتُه بعد عَودي قتلتُه. وتفاقم الغَلاءُ بالشام والثُّغور حتى فقد الناس القوت (٣).

стр. 8183

وفيها كتب القرامطة إلى سيف الدولة يستهدونه (١) حديدًا، فقلع أبواب الرَّقَّة وهي من حديد وسدَّها (٢)، وأخذ كلَّ حديد وجد بديار مُضَر؛ حتى انتهى إلى أخذ مَوازين الباعة والبقَّالين، حتى كتب القرامطة إليه: قد استغنينا عنه، فأخذ القاضي أبو حُصين الأبواب فكسرها، وصاغ منها أبوابًا لداره، ثم طلب القرامطة حديدًا فبعث إليهم القاضي بأبواب داره، وكان الحديد يُحمل إليهم في الفرات إلى هِيت، ثم يُحمل في البَرِّيَّةِ إلى هَجَر (٣). وفيها (٤) خرج معزّ الدولة في ربيع الآخر إلى الموصل لأمرٍ جرى بينه وبين ناصر الدولة، وقيل: في جمادى الآخرة (٥)، فانحدر من داره إلى دار الخليفة مودِّعًا له، فودعه وخرج إلى مَضاربه بباب الشَّمَّاسِيِّة. قال أبو الحسن الخُراساني حاجب معزّ الدولة: كنت معه بحضرة المطيع، فلما تَقوَّض المجلس قال لي: قل للخليفة: إني أريد أن أطوفَ هذه الدار وأشاهدَ صُحونها وبساتينها، فتأمر مَن يمشي معي ويُريني ذلك، فقلت للخليفة، فتقدَّم إلى خادمه شاهك وحاجبه ابن أبي عمرو (٦)، فمشيا بين يديه وأنا وراءهما، وبَعُدْنا عن الحَضْرة، فقالا لمعز الدولة: لا يجوز أن نتَخَرَّق الدار في أكثر من اثنين أو ثلاثة، فاختر من تريد ورُدَّ الباقين، فاختار أبا جعفر الصَّيمَريّ وعشرة أنفس من غلمانه وحُجّابه، ووقف باقي الجند والحاشية في صحن السلام، ودخلنا، ومضى مُعزّ الدولة مُسرعًا، فجذبتُ قَباءه من خلفه، وقلت له بالفارسية: في أيِّ موضع أنت حتى تسترسل وتعدو من غير تَحفُّظٍ ولا استظهار؟! ألا تعلم أنه قد فُتك في هذه الدار بألف أمير وألف وزير؟! فلو وقف لنا عشرة في مضيق لأخذونا في هذه المَمَرَّات، فقال له الصَّيمَريّ: لقد صدقك، فقال:

стр. 8184

قد كان ذلك غَلَطًا، وإن رجعنا الساعة يقال: إنا فَزِعنا، وسقطنا من أعينهم، وقلَّت هيبتُنا في صدورهم، ولكن احتفوا بي فإن مئةً من هؤلاء لا يقاومونا. فسعينا سَعْيًا حثيثًا، وانتهينا إلى دار فيها صَنَم من صُفْر على صورة امرأة، وبين يديها أصنامٌ صغار كالوصائف، فتحيَّر معز الدولة، وسأل عن الصنم فقيل له: هذا حُمِل في أيام المقتدر من بلد الهند، فتح صاحب عمان بلدًا، وبعث به إلى الخليفة وقال: إنه كان يُعبد، فقال: قد استَحسنتُ هذا الصنم وشُغفت به، ولو كان مكانه جارية لاشتريتُها بمئة ألف دينار؛ على قلَّة رَغبتي في الجواري، وأريد أن أطلبَه من الخليفة، فقال له الصَّيمَريّ: لا تفعل فإنه يَنْسِبُك في ذلك إلى ما ترتفع عنه. وبادرنا بالخروج، فما رجعت إلينا عقولنا إلا بعد اجتماعنا بأصحابنا. وقال معز الدولة للصَّيمري: [قد ازدادت محبتي للمطيع لله وثقتي به؛ لأنه لو كان يُضْمِر لي سوءًا أو يُريده بي لكنا اليوم في قبضته، فقال الصَّيمَريّ:] (١) الأمر على ذلك. وصعد معز الدولة إلى داره، وبعث إلى نقيب الطالبيين بعشرة آلاف درهم ليفرِّقها في العلويين شكرًا لله على سلامته. قال المصنف ﵀: في هذه الحكاية تخليط؛ فإن الصيمري مات سنة تسع وثلاثين وثلاث مئة، وقول الخراساني: قد قُتل في هذه الدار ألفُ أمير وألف وزير! ما قتل فيها أحد، ثم إن معزَّ الدولة كان فَوَّض الأمور إلى ولده عز الدولة، وأخو معز الدولة ركنُ الدولة ملكُ المشرق، فكيف يُتصوَّر أن يبدو من المطيع في حقِّ معز الدولة ما يكره. قال ثابت: وكان ناصر الدولة قبل أن يَحمل مال التعجيل قد بذل زيادة عشرة آلاف دينار بأن يَعقد لولده أبي تغلب فَضْل الله الغَضَنْفَر مكان أبيه، فلم يُجِبْه معز الدولة، وقدم قتلة الحاجب الكبير وجماعة القوّاد، ثم خرج في رجب، وعبر دجلة، وسار إلى الموصل على الظَّهر، وجاءه أبو الحسين الباهلي رسول ناصر الدولة يضمن له ثلاث

стр. 8185

مئة ألف درهم عِوضًا عما لزمه من النفقة ويرجع عنه، فما أجاب، وسار إلى الموصل، ولما قرب منها خرج ناصر الدولة إلى نَصِيبين. ولما كان يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من شعبان وصل معز الدولة إلى بلده في الما (١)، وكان قد لحقه ذَرَبٌ شديد، وخلَّف بالمَوْصِل جماعة من الأتراك والدَّيلَم لحفظ البلد، وبلغ ناصر الدولة، فسار إلى مَيَّافارِقين من نَصِيبين، وترك معز الدولة نَصِيبين، وسار الحاجب الكبير وجماعة من القوّاد إلى مَيَّافارِقين، ولا يدري أين ذهب، فعاد الحاجب الكبير إلى معز الدولة يريد الموصل خوفًا عليها، وصار أبو تغلب وإخوته إلى الموصل، فوافقوا أصحاب معز الدولة، فكانت بينهم حروب في رمضان، فكانت على أولاد ناصر الدولة، فأحرقوا زَبازِبَ (٢) معز الدولة التي كانت ببلده، وزواريق الغِلال التي كانت بالموصل، ثم جاء ناصر الدولة واجتمع عليهم، واستأمن إليه الدَّيلَم، واستأمن جميع الترك، وأخذ ما كان لمعز الدولة من سلاح وكُراع وغيره مما يساوي مئتي ألف درهم، وبعث ناصر الدولة بالأسارى إلى القلعة. وسار معز الدولة يريد الموصل، وخرج منها ناصر الدولة وأولاده فصاروا إلى سِنْجار، ونزل معز الدولة بَرْقَعيد، ولم يعلم ما جرى على أصحابه، وكانت نفسه ساكنة إلى من فيها من عسكره وخواصّه، وبلغه أن ناصر الدولة عدل إلى الجزيرة، فسار من بَرْقَعيد خلفَه، فاعترضه في الطريق أبو لمُظَفَّر حمدان بن ناصر الدولة، فوقف معز الدولة مكانه طول نهاره، وفرَّق الجَواشِن (٣) والتَّخافيف على غلمانه، وجمع سَوادَه، ورتَّب رجاله، وبات ليلته مكانه، فسار من غدٍ على عقبه يريد الجزيرة، فدخلها فلم يجد بها ناصر الدولة، وبلغه ما جرى على أصحابه بالموصل، فكاتب الحاجب الكبير ومعظم العسكر معه بنَصِيبين، فكتب إليه معز الدولة أن يَلحق به، فلحق به إلى بَلَد لليلتين بقيتا من شهر رمضان (٤).

стр. 8186

ووصل أبو لهَيجاء حَرْب بن أبي العلاء سعيد بن حَمدان إلى معزّ الدولة مستأمنًا، فأكرمه ووصلَه، ورجع معز الدولة إلى نَصِيبين، ثم إلى بَرْقَعِيد، ثم دخل الخابور، وسار مستأمنًا (١)، وعاد معز الدولة إلى المَوصل، ونزل شرقيّ دجلة، وجاء أبو تغلب إلى بَلَد، وكاتب معز الدولة، وتكررت بينهما الرسائل على أن يُضَمِّنه ما كان بيد أبيه، ويطلق الأسارى، فأجابه، وتعجَّل له ببعض المال وهو ست مئة ألف درهم، وبعث بالمال والأسارى، وعاد معز الدولة وعساكره إلى بغداد في ذي الحجة. وجاء الدُّمُسْتُق فنزل على طَرَسوس، ثم رحل عنها، وأهدى لسيف الدولة هدايا، فاحتفل للرسول، وجلس على سريره وعلى رأسه تاج. فيها (٢) سار سيف الدولة إلى مَيَّافارِقين يُريد غلامَه نَجا، وكان قد عصى عليه، وكاتب معزَّ الدولة أن يكون معه على مواليه، ويساعده عليهم، وعاد من القلعة التي أخذها من أبي الوَرْد (٣)، فنزل مَيَّافارِقين، وأحرق رَبَضَها، ووقعت عليه حِيلةٌ من أصحاب سيف الدولة، فأخذوا القلعة التي كان يحتمي بها، ولما وصل سيف الدولة إلى مَيَّافارِقين انحاز عنها، وحصل في يد سيف الدولة قلاعُه، وجماعةٌ من غلمانه وكُتَّابه، وأخٌ له، فقتلهم سيف الدولة، ولم يقتل أخا نجا، وكتب إليه يَعِدُه ويتوعَّدُه، وعُمل لسيف الدولة خيمةٌ ارتفاع عُمُدها خمسون ذراعًا؛ تَسَعُ خمس مئة إنسان، وصار نجا إلى سيف الدولة؛ فأعاده إلى مرتبته، وأحسن إليه، وعفا عنه.

стр. 8187

وفيها توفي إبراهيم بن أحمد ابن محمَّد بن موسى، أبو اليُسْر الأنصاري المَوْصِليّ. قدم بغداد حاجًّا، وحدَّث بها، وكان فقيهًا شاعرًا، كتب إليه أبو الطاهر الهاشمي (١): [من الخفيف] يا أخي يا عَديلَ روحي ونَفْسي … وصَفيِّي من بين أهلي وجِنسي وَحْشَتي بالبعاد منك على حَسْـ … ــــبِ سروري بالقرب منك وأُنْسي فابْقَ لي سالمًا على كلِّ حالٍ … ما دَجا الليل أو بدا ضوء شمسِ فكتب إليه بديهًا يقول: أنا أَفديكَ من رئيسٍ جَليلٍ … وقليل له الفداء بنفسي كنتَ بالقربِ مني في كلِّ وقت (٢) … في سرورٍ مُجَدّد لي وأُنسِ ونعيمٍ مُؤَبَّدٍ وحُبورٍ … كلَّ يومٍ لديه أُضحي وأُمسي فكأن الأيامَ أيامُ عيدٍ … وافقت باجتماعنا يومَ عُرسِ وكأن الظَّلامَ زاد ضَحاءً … حين ألقاه فيه أو ضوء شَمسِ فنأى واغْتَديتُ بعد تَنائيـ … ــــهِ كأني في ضِيقِ لَحْدٍ وحَبْسِ وتَبدَّلْتُ بعد طائرِ سَعْدٍ … لفراقي له بطائرِ نَحْسِ بي إليه على اقترابِ مَزارٍ … ظَمَأٌ فوق ما بَوارِدِ خِمْسِ يا رئيسًا آباؤه السَّادة الصِّيـ … ــدُ نَمَتْهُ من خير أصلٍ وغَرْسِ والأديب الذي أَبَرَّ على كُـ … ـــلِّ أديبٍ في كلِّ مَعنى وجِنسِ قد أتتني أبياتُك الغُرَرُ الزُّهْـ … ـــرُ اللواتي تحيى بها كلُّ نَفْسِ فأزالتْ عنّي هُمومي بفَقْدَيـ … ـــكَ وأَحْيَتْ مُوَسَّدًا تحت رَمْسِ وتَسَلَّيتُ عن بِعادك لا عنـ … ــــكَ بدُرٍّ أودعتُه بَطْنَ طِرْسِ

стр. 8188

من قَريضٍ حكى الَّلالئَ في جِيـ … ـــدِ فتونٍ لكلِّ جِنٍّ وإنْسِ فاسْلَمِ الدَّهرَ وابْقَ لي أبدًا أنـ … ــــتَ مُعافًى فأنت سَيفي وتُرْسي أحمد بن محمَّد بن سعيد أبو سعيد النَّيسابوري، له التصانيف في علوم الحديث وغيرها، و"التفسير الكبير"، وخرَّج على كتاب مسلم، وكان واعظَ أهل نيسابور، وشيخ الصُّوفية، وعظيمَ الشأن، خرج من نَيسابور بأموال عظيمة وعَسْكرٍ عظيم يريد القراءة، فاستُشهد بطَرَسوس. وكان صَدوقًا زاهدًا وَرِعًا (١). بُنْدار بن الحسين ابن محمَّد بن مُهَلَّب، أبو الحسين الشّيرازي. سكن أَرَّجان، وكان عالمًا بالأصول، وله لسانٌ في علوم الحقائق، وكان الشِّبليّ يُعَظِّمه. ومن كلامه: حروف الصُّوفي تحت كلِّ حرفٍ منها معنى؛ فالصاد دِلالة صِدقه وصبره وصفائه، والواو دِلالة ودِّه وورْده ووَفائه، والفاء دِلالة فَقْره وفَقْده وفَنائه، والياء للإضافة والنسبة. وقال: القلب مَحلُّ الأنوار، وموارد الفوائد، وقد جعله الله أميرًا بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]، وأسيرًا بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَينَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]. وقال: رؤي مجنون ليلى في النوم فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي وجعلني حُجَّةً على المحبِّين. قال المصنف ﵀: إذا كانت مَحبَّةُ مَخلوق أوصلتْه إلى هذا المقام الشَّاهق فكيف بمن شَغل قلبَه بمحبة الخالق!؟ وأنشد يقول: [من الطويل] أحبُّ حبيبًا لا أُعاب بحبِّه … وأحببتُمُ مَن في هواه عُيوبُ

стр. 8189

وقيل لبُنْدار: ما الدنيا؟ فقال: ما دنا من القلب، وشَغَل عن الحقّ. وقال: السماع على ثلاثة أوجه؛ سماعٌ بالطّباع، وسماعٌ بالحال، وسماع بالحق، فسماع الطَّبع يشترك فيه الخاص والعام، فإن جِبِلَّة البشرية تَستلذُّ الصوتَ الطيِّبَ، وسماع الحال هو الذي يتأمَّل ما يَرِد عليه من عِتابٍ، أو خِطاب، أو وَصْلٍ، أو هِجران، أو قُربٍ، أو بُعدٍ، أو تَأسُّفٍ على فائت، أو تَعَطُّشٍ إلى آتٍ، أو خوفِ فراقٍ، أو فرحٍ، أو وصالٍ، أو حِذارٍ واتصال، وما يجري مجراه، وأما سماعُ الحقّ فهو الذي يسمع بالله، ولله، ومع الله، ولا يتصف بهذه الأحوال التي هي مَمزوجة بالحظوظ البشرية (١). ثَوابة بن أحمد ابن ثوابة، أبو الحسن، الموصلي (٢)، مات بمصر في المحرَّم، وقيل: سنة ثمان وخمسين (٣)، وكان ثقة. وقال: حدثنا علي بن إسحاق الغَسَّاني، حدثنا عبد الله بن الهيثم، حدثنا الأصمعي قال: رأيتُ بالبصرة جاريةً كأنها الشمس، وهي تتكلَّم بكلامٍ ما سمعتُ مثلَه، ثم رفعت صوتَها وقالت: [من الطويل] أنوحُ على دهرٍ مضى بغَضارةٍ … إذ العيشُ غَضّ والزمانُ مواتي وأبكي زمانًا صالحًا قد فَقَدْتُه … يُقطِّع قلبي ذِكرُه حَسَراتِ فيا زَمنًا ولَّى على رَغْم أهله … ألا عُدْ كما قد كنتَ مُذْ سَنواتِ تَمطَّى علينا الدَّهرُ في مَتْنِ قوسِه … ففرَّقَنا منه بسَهمِ شَتاتِ عبد الله بن محمَّد ابن عبد الله الرَّازي، الشَّعْراني.

стр. 8190

ولد ونشأ بنيسابور، وكان من كبار مشايخها في وقته، قيل له: ما بالُ الناس يعرفون عيوبَهم ولا ينتقلون عنها إلى الصواب؟ فقال: لأنهم اشتغلوا بالعلم للمُباهاة به، ولم يشتغلوا به لاستعماله، وأصلحوا الظَّواهر دون البَواطن؛ فأعمى الله قلوبَهم عن النَّظَر في الصواب، وقيَّد جوارحَهم عن العبادة. وقال: إنما يَتَولَّد ضيقُ الصَّدر والهَمُّ من قلَّةِ المعرفة بالله تعالى (١). علي بن يعقوب ابن إبراهيم بن شاكر، أبو القاسم، المعروف بابن أبي العَقَب، محدِّث شامي مشهور، ثقة، زاهد، ثبت، ومن شعره: [من الوافر] أَنِسْتُ بوَحْدَتي ولَزِمتُ بيتي … قدام العيشُ لي ونما السُّرورُ وأدَّبَني الزمانُ فصِرْتُ فَرْدًا … وَحيدًا لا أُزارُ ولا أَزورُ ولستُ بقائلٍ ما عِشتُ يومًا … أسار الجيشُ أم ركب الأميرُ متى تَقنع تَعِشْ مَلِكًا عزيزًا … يَذِلُّ لعزِّك الملكُ الفَخورُ (٢)

стр. 8191

السنة الرابعة والخمسون وثلاث مئة (١) فيها عُمل يوم عاشوراء ببغداد ما جرى به الرسم من النوح ونحوه، ومُنع الناس من البيع والشراء. وفيها وثب غِلمان سيف الدولة على غلامه نجا بحضرة مولاهم، وضربوه بالسيوف حتى برد، ولحقت سيفَ الدولة غَشية مقدار ساعة، فأمرت زوجته وهي ابنة [أبي العلاء] سعيد بن حمدان بأن يُجَرَّ برِجل نجا، ففُعل به ذلك إلى أن اخرج من قصرها [وفيه كانت الحادثة]، وطُرح في مَصبِّ الأقذار (٢) والمياه النجِسة طول ليلته ومن الغد إلى وقت العصر، ثم أُخرج وكُفِّن بشقة (٣)، ودُفن عند سور مَيافارِقين، [وقد ذكرنا غزواته وعصيانه على مولاه.] وكان قد عزم على هلاك بيت مواليه، واتَّفق مع معز الدولة، وقال غلمان سيف الدولة لسيف الدولة: نقتله، فنهاهم عنه، فما انتَهوا حتى قتلوه. وقيل (٤): إنه جرى بينه وبين سيف الدولة كلامٌ على الشَراب، فأفحش له نجا، فقام نَجاح غلامُ سيف الدولة فقتله. وسار سيف الدولة إلى خِلاط فملَكها وكانت لنجا. وفيها قلَّدَ المطيعُ أبا أحمد خَلَفَ بن أبي جعفر سِجِسْتان، وخلَع عليه، ووصل إليه بسفارة معز الدولة. وفيها مُطر العراق في نيسان بَرَدًا؛ وزن البَرَدة مئةُ درهم. وفي جُمادى الأولى (٥) تقَلَّد الحسين بن موسى الموسوي نقابة الطالبيين بأسرهم سوى أبي الحسين بن أبي الطيب وولده؛ فإنهم استَعْفَوا منه، ورَدَّ أمرَهم إلى أبي الحسين علي بن موسى الحمولي (٦).

стр. 8192

وفي جمادى الأولى توفيت (١) أخت معز الدولة، ودُفنت بمقابر قريش، ونزل الخليفة في طياره إلى دار معز الدولة ليُعزّيه، فنزل معز الدولة إليه، ولم يُكلّفه الصعود، وعَزَّاه الخليفة، فقَبَّل معز الدولة الأرضَ [بين يدي الخليفة] دَفَعات، ورجع الخليفة إلى داره. وفيها بني نقفور ملك الروم قَيسارِيَّة قريبة من بلاد الإِسلام، وأقام بها، ونقل إليها أهلَه وعياله؛ ليقرب من بلاد الإِسلام فيغير عليها، [فخيَّبَ الله سَعيه وأمله، وترك أباه بالقسطنطينية، وبعث إلى نقفور أهلُ المَصِّيصة وطَرَسوس رسولًا يسألونه أن يَقبل منهم إتاوة، ويؤدُّونها إليه كل سنة، على أن يُنفذ إليهم صاحبًا من عنده يقيم عندهم، فأجابهم. ثم بلغه أن أهل البُلدان قد ضعفوا جدًّا، وأنه لا ناصر لهم، ولا دافع له عنها، وأنه لم يبق لهم أقوات، وقد أكلوا الكلاب والميتات، وأنه يَخرج من طَرَسوس كلَّ يوم ثلاث مئة جنازة، فانصرف رأيه عما كان أجابهم إليه، وأحضر رسولهم وقال له: مَثَلُكم كمثل الحيَّة في الشتاء؛ إذا لَحِقها البَرد ضَعُفت وذَبُلَت حتى يُقَدِّر مَن رآها أنها ميتة، فإن أخذها إنسان وأحسن إليها انتَعشَت ولَدَغَتْه فقتلته، فإن أنا تركتُكم حتى تستقيم أحوالكم تأذَّيتُ بكم. وأخذ الكتاب الذي أورده، فأحرقه على رأس الرسول، فاحترقَتْ لحيته ووَجْهُه فقال له (٢): ارجع إليهم، وعَرِّفهم أن ما لهم عندي غير السيف، فانصرف. فأقام ملك الروم على عَزْم أن يقسم جيوشَه ثلاثَ فِرق؛ فرقة إلى مَيَّافارِقين، وأخرى إلى الشام، وأخرى إلى الثُّغور. وكان بميافارقين ستة آلاف كُرّ حِنطة، فمزَّقها سيف الدولة وفرَّقها؛ لئلا يأخذها الروم (٣).

стр. 8193

وسار ملك الروم (١) بنفسه إلى المَصِّيصَة، ففتحها بالسيف في رجب، وقتل من أهلها خلقًا عظيمًا (٢)، وأمر بأن يُساق الباقون من الرجال والنساء والصبيان إلى بلد الروم، ففعل بهم ذلك، وكانوا نحوًا من مئتي ألف إنسان. ثم صار (٣) منها إلى طَرَسُوس فحاصرها، فطلب أهلُها أمانًا فأعطاهم، ففتحوا له أبوابَها فدخلها، ولقيَ أهلَها بالجميل، ودعا رؤساءهم إلى طعامه فأكلوا معه، وأمرهم بالانتقال عنها، وأن يَحمل كلّ واحد منهم من ماله وسلاحه ما أطاق، ويدع لهم الباقي، ففعلوا، وبعث معهم من بَطارقته نفرًا يَحمونهم من الأرمن إلى أنطاكية، فتعرَّض لهم طائفةٌ من الأرمن، فقطع الملك آنافهم، وعاقبهم، وحمل بعضهم في البحر حتى وصلوا إلى أنطاكية سالمين، وجعل جامعها إصطَبلًا لدوابّه، ونقل ما كان فيه من القناديل إلى بلده، وقَلَّدها بطريقًا من بَطارقته في خمسة آلاف، وكذا فعل بالمَصِّيصة، وأمر بعمارة البَلَدين، وعمل على أن يجعلهما (٤) معقلًا؛ لقربهما من ديار الإِسلام فيغير منهما، ويتمكن من البلاد، وجلب (٥) المِيرَة إلى البلدين من كل مكان. وقيل: إن المصيصة رجع إليها بعض أهلها وتَنصَّروا. وفيها في يوم الغَدير عُمل ما جرى به الرسْم من ضَرب الدبادِب والبوقات، وزيارة قبر موسى بن جعفر ﵄. وفيها أنفذ أبو تغلب بن ناصر الدولة إلى معز الدولة ما كان بقي من الأتراك الذين أُسروا بالمَوصل، وحمل ما كان أخذه من المال والثياب الذي خَلَّفها معز الدولة بالموصل، فأما المال فأخذه، وأما الثياب فإن نفسه شَرُفت عنها وقال: لعل أبا تغلب أعجبه شيء منها، فردَّها، وكان لها قيمة (٦).

стр. 8194

وفي هذه السنة سار بالحاج أبو أحمد الحسين بن موسى النَّقيب. [فصل:] وفيها توفي أحمد بن الحسين ابن الحسن بن عبد الصَّمد، أبو الطَّيِّب، الجُعْفيّ، الشاعر، المعروف بالمتنبي، وكان أبوه يعرف بعِيدَان (١). [قال الخطيب: ولد المتني] بالكوفة بكِنْدَة سنة ثلاث وثلاث مئة، ونشأ بالشام فأكثر المقام بالبادية، وطلب الأدب وعلم العربية، وفاق أهلَ عصره في الشعر، واتصل بالأمير سيف الدولة أبي الحسن علي بن حمدان فانقطع إليه، وأكثر القولَ في مديحه، ثم مضى إلى مصر فمدح بها كافورًا الخادم، ثم ورد بغداد. وقال [الخطيب: حدثنا علي بن المحَسِّن التَّنوخي، عن أبيه قال: حدثني] أبو الحسن محمَّد بن يحيى العَلَويّ قال: كان المتنبي وهو صبيّ ينزل في جواري بالكوفة، وكان أبوه يُعرف بعِيدان السَّقَّاء يستقي لنا الماء ولأهل المحلَّة، ونشأ وهو محبًّا للعلم والأدب، وصحب الأعراب، فجاءنا بعد سنين بدويًّا، وكان (٢) قد تعلم العربية والكتابة والقراءة، وأكثر مُلازمةَ الورَّاقين، فأخبرني وَرَّاقٌ كان يجلس إليه قال: ما رأيتُ أحفظَ من هذا الفتى ابن عيدان، قلت له: وكيف؟ قال: كان اليوم عندي وقد أحضر رجل كتابًا من كتب الأصمعي نحو ثلاثين ورقة، فأخذه فنظر فيه طويلًا، فقال له الرجل: يا هذا، أُريد بيعه وقد قَطَعْتَني عن ذلك، فإن كنتَ تُريد حفظَه فهذا يكون بعد شهر إن شاء الله، فقال له: فإن كنتُ قد حفظتُه في هذه الساعة فمالي عليك؟ قال: أَهَبه لك، قال: فأخذتُ الدفترَ من يده، فأقبل يتلوه عليّ إلى آخره، ثم استلَبه (٣) فجعله في كُمِّه، فقام صاحبه وتعلَّق به، وطالبه بالثمن فقال: قد وهبتَه لي، فمنعناه منه وقلنا: قد شرطْتَ شَرطًا على نفسك، هذا للغلام فتركه.

стр. 8195

وقال المحسِّن عن أبيه: سألتُ المتنبي عن نسبه، فما أقرَّ لي به، وقال: أنا رجل أَخْبِط القبائل وأطوي البوادي وحدي، ومتى انتسبتُ لم آمَن أن يَأخُذني بعض العرب بطائلة بيننا وبين القبيلة التي انتسبتُ إليها، وما دمت غير مُنتَسِبٍ إلى أحد فأنا أسلم على جميعهم. قال: واجتمعتُ بعد وفاته [بسنين مع القاضي أبي الحسن ابن] أمِّ شَيبان (١)، وجرى ذكره فقال: كنتُ أعرف أباه بالكوفة شيخًا يُسمّى عِيدان؛ يستقي الماء على بعير له، وكان جُعفيّا صحيحَ النَّسب. قال التّنوخي: وكان المتنبي لما خرج إلى كَلْب أقام فيهم، وادَّعى أنه عَلَويّ حَسَني، ثم ادَّعى بعد ذلك النبوة، ثم عاد يدَّعي أنه علَويّ؛ إلى أن شهدوا عليه بالشام أنه كاذب في الدَّعوَتين، وحُبس دهرًا طويلًا، وأشرف على القتل، ثم استُتيب [وأشهد عليه بالتوبة] فأطلق. [قال المحَسِّن: وحدثني] أبو علي بن أبي حامد قال: سمعتُ خلقًا كثيرًا بحلب يحكون والمتنبي بها إذ ذاكٍ أنه تنبأ (٢) في بادية السَّماوة ونواحيها إلى أن خرج إليه لؤلؤ أمير حمص، فقاتله وأسره، وشَرَّد مَن كان قد اجتمع إليه (٣) من كلب وكلاب وغيرهما [من قبائل العرب]، وحبسه دهرًا طويلًا، فاعتلَّ وكاد يَتلف، فسئل في أمره، فاستتابه، وكتب عليه كتابًا ببُطلان ما ادَّعاه، ورجوعِه إلى الإِسلام. وكان قد تلا على أهل البراري كلامًا زعم أنه قرآن نزل عليه، فمنه: والنَّجْم السَّيَّار، والفَلَك الدَّوَّار، والليل والنهار؛ إن الكافر لفي أخطار، امض على سُنّتك، واقْفُ أثرَ مَن كان قبلك من المرسلين، فإن الله قامِعٌ بك زَيغَ مَن ألحد في دينه، فضَلَّ عن سبيله. [قال المحَسِّن:] وكان المتنبي إذا شُوغِب في مجلس سيف الدولة، وذكر له هذا القرآن (٤) وأمثاله يَجْحَده.
следующие страницы →