السنة الرابعة والخمسون وثلاث مئة (١)
فيها عُمل يوم عاشوراء ببغداد ما جرى به الرسم من النوح ونحوه، ومُنع الناس من البيع والشراء.
وفيها وثب غِلمان سيف الدولة على غلامه نجا بحضرة مولاهم، وضربوه بالسيوف حتى برد، ولحقت سيفَ الدولة غَشية مقدار ساعة، فأمرت زوجته وهي ابنة [أبي العلاء] سعيد بن حمدان بأن يُجَرَّ برِجل نجا، ففُعل به ذلك إلى أن اخرج من قصرها [وفيه كانت الحادثة]، وطُرح في مَصبِّ الأقذار (٢) والمياه النجِسة طول ليلته ومن الغد إلى وقت العصر، ثم أُخرج وكُفِّن بشقة (٣)، ودُفن عند سور مَيافارِقين، [وقد ذكرنا غزواته وعصيانه على مولاه.] وكان قد عزم على هلاك بيت مواليه، واتَّفق مع معز الدولة، وقال غلمان سيف الدولة لسيف الدولة: نقتله، فنهاهم عنه، فما انتَهوا حتى قتلوه.
وقيل (٤): إنه جرى بينه وبين سيف الدولة كلامٌ على الشَراب، فأفحش له نجا، فقام نَجاح غلامُ سيف الدولة فقتله.
وسار سيف الدولة إلى خِلاط فملَكها وكانت لنجا.
وفيها قلَّدَ المطيعُ أبا أحمد خَلَفَ بن أبي جعفر سِجِسْتان، وخلَع عليه، ووصل إليه بسفارة معز الدولة.
وفيها مُطر العراق في نيسان بَرَدًا؛ وزن البَرَدة مئةُ درهم.
وفي جُمادى الأولى (٥) تقَلَّد الحسين بن موسى الموسوي نقابة الطالبيين بأسرهم سوى أبي الحسين بن أبي الطيب وولده؛ فإنهم استَعْفَوا منه، ورَدَّ أمرَهم إلى أبي الحسين علي بن موسى الحمولي (٦).
стр. 8192
وفي جمادى الأولى توفيت (١) أخت معز الدولة، ودُفنت بمقابر قريش، ونزل الخليفة في طياره إلى دار معز الدولة ليُعزّيه، فنزل معز الدولة إليه، ولم يُكلّفه الصعود، وعَزَّاه الخليفة، فقَبَّل معز الدولة الأرضَ [بين يدي الخليفة] دَفَعات، ورجع الخليفة إلى داره.
وفيها بني نقفور ملك الروم قَيسارِيَّة قريبة من بلاد الإِسلام، وأقام بها، ونقل إليها أهلَه وعياله؛ ليقرب من بلاد الإِسلام فيغير عليها، [فخيَّبَ الله سَعيه وأمله، وترك أباه بالقسطنطينية، وبعث إلى نقفور أهلُ المَصِّيصة وطَرَسوس رسولًا يسألونه أن يَقبل منهم إتاوة، ويؤدُّونها إليه كل سنة، على أن يُنفذ إليهم صاحبًا من عنده يقيم عندهم، فأجابهم.
ثم بلغه أن أهل البُلدان قد ضعفوا جدًّا، وأنه لا ناصر لهم، ولا دافع له عنها، وأنه لم يبق لهم أقوات، وقد أكلوا الكلاب والميتات، وأنه يَخرج من طَرَسوس كلَّ يوم ثلاث مئة جنازة، فانصرف رأيه عما كان أجابهم إليه، وأحضر رسولهم وقال له: مَثَلُكم كمثل الحيَّة في الشتاء؛ إذا لَحِقها البَرد ضَعُفت وذَبُلَت حتى يُقَدِّر مَن رآها أنها ميتة، فإن أخذها إنسان وأحسن إليها انتَعشَت ولَدَغَتْه فقتلته، فإن أنا تركتُكم حتى تستقيم أحوالكم تأذَّيتُ بكم.
وأخذ الكتاب الذي أورده، فأحرقه على رأس الرسول، فاحترقَتْ لحيته ووَجْهُه فقال له (٢): ارجع إليهم، وعَرِّفهم أن ما لهم عندي غير السيف، فانصرف.
فأقام ملك الروم على عَزْم أن يقسم جيوشَه ثلاثَ فِرق؛ فرقة إلى مَيَّافارِقين، وأخرى إلى الشام، وأخرى إلى الثُّغور.
وكان بميافارقين ستة آلاف كُرّ حِنطة، فمزَّقها سيف الدولة وفرَّقها؛ لئلا يأخذها الروم (٣).
стр. 8193
وسار ملك الروم (١) بنفسه إلى المَصِّيصَة، ففتحها بالسيف في رجب، وقتل من أهلها خلقًا عظيمًا (٢)، وأمر بأن يُساق الباقون من الرجال والنساء والصبيان إلى بلد الروم، ففعل بهم ذلك، وكانوا نحوًا من مئتي ألف إنسان.
ثم صار (٣) منها إلى طَرَسُوس فحاصرها، فطلب أهلُها أمانًا فأعطاهم، ففتحوا له أبوابَها فدخلها، ولقيَ أهلَها بالجميل، ودعا رؤساءهم إلى طعامه فأكلوا معه، وأمرهم بالانتقال عنها، وأن يَحمل كلّ واحد منهم من ماله وسلاحه ما أطاق، ويدع لهم الباقي، ففعلوا، وبعث معهم من بَطارقته نفرًا يَحمونهم من الأرمن إلى أنطاكية، فتعرَّض لهم طائفةٌ من الأرمن، فقطع الملك آنافهم، وعاقبهم، وحمل بعضهم في البحر حتى وصلوا إلى أنطاكية سالمين، وجعل جامعها إصطَبلًا لدوابّه، ونقل ما كان فيه من القناديل إلى بلده، وقَلَّدها بطريقًا من بَطارقته في خمسة آلاف، وكذا فعل بالمَصِّيصة، وأمر بعمارة البَلَدين، وعمل على أن يجعلهما (٤) معقلًا؛ لقربهما من ديار الإِسلام فيغير منهما، ويتمكن من البلاد، وجلب (٥) المِيرَة إلى البلدين من كل مكان.
وقيل: إن المصيصة رجع إليها بعض أهلها وتَنصَّروا.
وفيها في يوم الغَدير عُمل ما جرى به الرسْم من ضَرب الدبادِب والبوقات، وزيارة قبر موسى بن جعفر ﵄.
وفيها أنفذ أبو تغلب بن ناصر الدولة إلى معز الدولة ما كان بقي من الأتراك الذين أُسروا بالمَوصل، وحمل ما كان أخذه من المال والثياب الذي خَلَّفها معز الدولة بالموصل، فأما المال فأخذه، وأما الثياب فإن نفسه شَرُفت عنها وقال: لعل أبا تغلب أعجبه شيء منها، فردَّها، وكان لها قيمة (٦).
стр. 8194
وفي هذه السنة سار بالحاج أبو أحمد الحسين بن موسى النَّقيب.
[فصل:] وفيها توفي
أحمد بن الحسين
ابن الحسن بن عبد الصَّمد، أبو الطَّيِّب، الجُعْفيّ، الشاعر، المعروف بالمتنبي، وكان أبوه يعرف بعِيدَان (١).
[قال الخطيب: ولد المتني] بالكوفة بكِنْدَة سنة ثلاث وثلاث مئة، ونشأ بالشام فأكثر المقام بالبادية، وطلب الأدب وعلم العربية، وفاق أهلَ عصره في الشعر، واتصل بالأمير سيف الدولة أبي الحسن علي بن حمدان فانقطع إليه، وأكثر القولَ في مديحه، ثم مضى إلى مصر فمدح بها كافورًا الخادم، ثم ورد بغداد.
وقال [الخطيب: حدثنا علي بن المحَسِّن التَّنوخي، عن أبيه قال: حدثني] أبو الحسن محمَّد بن يحيى العَلَويّ قال: كان المتنبي وهو صبيّ ينزل في جواري بالكوفة، وكان أبوه يُعرف بعِيدان السَّقَّاء يستقي لنا الماء ولأهل المحلَّة، ونشأ وهو محبًّا للعلم والأدب، وصحب الأعراب، فجاءنا بعد سنين بدويًّا، وكان (٢) قد تعلم العربية والكتابة والقراءة، وأكثر مُلازمةَ الورَّاقين، فأخبرني وَرَّاقٌ كان يجلس إليه قال:
ما رأيتُ أحفظَ من هذا الفتى ابن عيدان، قلت له: وكيف؟ قال: كان اليوم عندي وقد أحضر رجل كتابًا من كتب الأصمعي نحو ثلاثين ورقة، فأخذه فنظر فيه طويلًا، فقال له الرجل: يا هذا، أُريد بيعه وقد قَطَعْتَني عن ذلك، فإن كنتَ تُريد حفظَه فهذا يكون بعد شهر إن شاء الله، فقال له: فإن كنتُ قد حفظتُه في هذه الساعة فمالي عليك؟ قال: أَهَبه لك، قال: فأخذتُ الدفترَ من يده، فأقبل يتلوه عليّ إلى آخره، ثم استلَبه (٣) فجعله في كُمِّه، فقام صاحبه وتعلَّق به، وطالبه بالثمن فقال: قد وهبتَه لي، فمنعناه منه وقلنا: قد شرطْتَ شَرطًا على نفسك، هذا للغلام فتركه.
стр. 8195
وقال المحسِّن عن أبيه: سألتُ المتنبي عن نسبه، فما أقرَّ لي به، وقال: أنا رجل أَخْبِط القبائل وأطوي البوادي وحدي، ومتى انتسبتُ لم آمَن أن يَأخُذني بعض العرب بطائلة بيننا وبين القبيلة التي انتسبتُ إليها، وما دمت غير مُنتَسِبٍ إلى أحد فأنا أسلم على جميعهم.
قال: واجتمعتُ بعد وفاته [بسنين مع القاضي أبي الحسن ابن] أمِّ شَيبان (١)، وجرى ذكره فقال: كنتُ أعرف أباه بالكوفة شيخًا يُسمّى عِيدان؛ يستقي الماء على بعير له، وكان جُعفيّا صحيحَ النَّسب.
قال التّنوخي: وكان المتنبي لما خرج إلى كَلْب أقام فيهم، وادَّعى أنه عَلَويّ حَسَني، ثم ادَّعى بعد ذلك النبوة، ثم عاد يدَّعي أنه علَويّ؛ إلى أن شهدوا عليه بالشام أنه كاذب في الدَّعوَتين، وحُبس دهرًا طويلًا، وأشرف على القتل، ثم استُتيب [وأشهد عليه بالتوبة] فأطلق.
[قال المحَسِّن: وحدثني] أبو علي بن أبي حامد قال: سمعتُ خلقًا كثيرًا بحلب يحكون والمتنبي بها إذ ذاكٍ أنه تنبأ (٢) في بادية السَّماوة ونواحيها إلى أن خرج إليه لؤلؤ أمير حمص، فقاتله وأسره، وشَرَّد مَن كان قد اجتمع إليه (٣) من كلب وكلاب وغيرهما [من قبائل العرب]، وحبسه دهرًا طويلًا، فاعتلَّ وكاد يَتلف، فسئل في أمره، فاستتابه، وكتب عليه كتابًا ببُطلان ما ادَّعاه، ورجوعِه إلى الإِسلام.
وكان قد تلا على أهل البراري كلامًا زعم أنه قرآن نزل عليه، فمنه: والنَّجْم السَّيَّار، والفَلَك الدَّوَّار، والليل والنهار؛ إن الكافر لفي أخطار، امض على سُنّتك، واقْفُ أثرَ مَن كان قبلك من المرسلين، فإن الله قامِعٌ بك زَيغَ مَن ألحد في دينه، فضَلَّ عن سبيله.
[قال المحَسِّن:] وكان المتنبي إذا شُوغِب في مجلس سيف الدولة، وذكر له هذا القرآن (٤) وأمثاله يَجْحَده.
стр. 8196
قال المُحَسِّن: [فأما أنا فإني] سألتُه (١) بالأهواز في سنة أربع وخمسين عن معنى المتنبي، فأجابني بجواب مُغالِط وقال: هذا شيء كان في الحَداثة أوجبَتْه الصُّورة (٢)، فاستحييتُ أن أستقصي عليه فسكتُّ.
وهذا قول المحسن، وأما أبو القاسم عبد الله بن عبد الرَّحمن الأصفهاني فإنه ذكر في كتابه المسمى بـ "الواضح" أن الذي حبس المتنبي بحمص ابنُ كيغلغ، وكان أمير حمص، وأراد قتلَه (٣)، وكان خروجه ببلد اللاذقية بين النُّصَيريّة، ثم انتقل إلى جبل جَوْشَن من بلاد الشام (٤).
[وقال أبو القاسم الأصفهاني:] وقد هجاه الضَّبِّي فقال: [من الكامل]
الزم مَقال الشّعرِ تَحْظَ برُتْبةٍ … وعن النُّبُوَّةِ لا أبا لك فانتَزِحْ
تَرْبَحْ دمًا قد كنتَ توجب سَفْكَه … إن الممتَّعَ بالحيا لم يَسْتَرِحْ (٥)
[وقال الأصفهاني:] قال المتنبي لكافور: وَلِّني صَيدا، فقال: كيف أُوَلّيك صيدا وفي رأسك ما فيه؟! من كان يُطيقك بعد هذا؟ (٦)
ذكره مقتله:
[روى الخطيب عن علي بن أيوب قال:] خرج المتنبي من بغداد إلى فارس، فمدح عضد الدولة [، وأقام عنده مدةً، ثم رجع من شيراز إلى بغداد، فقُتل في الطريق قريبًا من النُّعْمانية في رمضان (٧)، وقيل: في شعبان.
стр. 8197
وفي سبب قتله أقوال؛ أحدها أنه كان معه مال كثير، فقتله العرب لأجل مالِه؛ وكان قد وصل له من عضد الدولة] أكثر من مئتي ألف درهم (١)، وارتحل من شِيراز بغير خَفير، فخرج عليه الأعراب فقتلوه وابنه مُحَسَّدًا بمكان يقال له: الصَّافية، واسم قاتله: فاتك بن أبي الجَهْل الأسدي.
[والثاني: أن سبب قتله كلمة قالها عن عَضد الدولة، فدس إليه مَن قتله؛ وذلك] أنه لما وَفَد (٢) على عَضُد الدولة أكرمه ووصله بثلاثة آلاف دينار وثلاث خِلَع، في كل يوم خِلْعَة سبع قِطَع، وثلاثة أفراس بسروج مُحَلاة، ثم دس عليه مَن مسألة: أين هذا [العطاء] من عطاء سيف الدولة؟ فقال [المتنبي]: هذا أجزل إلا أنه عطاءُ متَكَلِّف، وسيف الدولة معطي طَبْعًا، فغضب عَضد الدولة، وأذن لقوم (٣) من بني ضَبة فقتلوه.
وقال المُظَفَّر بن علي الكاتب (٤): اجتمعتُ برجلٍ من بني ضَبَّة يُكنى أبا راشد (٥) فقال: إنا حضرت قتل المتنبي؛ أذن لنا عضد الدولة في قتله، فخرجتُ مع أبي وكنا ستين راكبًا، فكَمَنَّا في وادٍ، فمرّ بنا في الليل ولم نعلم به، فلما أصبحنا تبعناه (٦)، فلحقناه وقد نزل تحت شجرة كُمَّثْرى وعندها عَين، وبين يديه سُفْرة فيها طعام، فلما رآنا قام ونادى: هلمُّوا يا وجوهَ العرب، فلم يُجِبْه منا أحدٌ، فأحسَّ بالدَّاهية، وركب ومعه ولده وخمسة عشر غلامًا، وجمعوا الجماهل والبغال، فلو ثبت مع (٧) الرجالة لم يقدَر (٨) عليه، ولكنه بَرَز إلينا فتَطارَدْنا، فقتل ولده وغلمانه، وانهزم شيئًا يسيرًا، فقال غلام له: أين قولك [يا مولاي بالأمس]:
стр. 8198
الخَيلُ والليلُ والبَيداءُ تعرِفُني … والضَّربُ والطَّعنُ والقِرْطاسُ والقَلَمُ؟!
فقال له: قتلتَني قتلك الله، والله لا انهزمتُ أبدًا
ثم رجع كارًّا علينا، فطَعَن زعيمَنا في عنقه فقتله، واختلفت عليه الرّماحُ فقُتل، فرجعنا إلى الغنائم -وكنت جائعًا- فلم يكن لي همّ إلا السُّفرة، وأنا يومئذ صبيّ حين راهَقْتُ، فأخذتُ آكل منها، فجاء أبي وضَربني بالسَّوط وقال: الناسُ في الغنائم وأنت مع بطنك، اكفُ ما في الصُّحَيفة وأعطني إياها، فأكفأتُها ودفعتُها إليه وكانت فضَّة، ورميتُ الدَّجاج والفِراخ في حجري.
وكان المتنبي قد هجا ضَبَّةَ الأسَديَ بقوله: [من الرجز]
ما أَنصفَ القومُ ضَبَّه … وأمُّه الطرطبَّه (١)
وقال الأصفهاني: كان قد هرب من كافور إلى أرَّجان، ومدح بها ابن العَميد وزيرَ ركن الدولة بن بُويه [وكنيته أبو الفضل] فأعطاه في دفعات [ثلاثين] ألف درهم، ثم مضى [من عنده] إلى عَضُد الدولة، فأعطاه ما قيمته ثلاثين ألف دينار، وقال له: امضِ وأحضر عيالك -وكانوا بالكوفة- فلما سار إلى بَنُورا قرية عند النُعمانية، وجد هناك خيلًا قد كَمَنوا له، فحملوا عليه، فطُعن فوقع، فنزل رجل فحَزَّ رأسَه وقتل ابنَه مُحَسَّد وبعضَ غلمانه.
والقول الثالث: أن (٢) الذي قتله كَثْرة ماله وبخله، فكان يحمل معه أمواله ولا يعطي خَفيرًا درهمًا، فلما رحل من شيراز سأله الخُفَراء أن يعطيهم خمسين درهمًا ويخفروه، فلم يفعل.
وكان آخرَ ما مدح به عَضُد الدولة قصيدته التي يقول فيها (٣): [من الوافر]
ولو أني استطعتُ غَضَضتُ طَرفي … فلم أُبصر به حتى أراكا
[وأنَّى شئتِ يا طُرُقي فكوني … أذاةً أونَجاة أوهَلاكا
وجعل قافية البيت الهلاك فهلك] (٤).
стр. 8199
وكان مقتلُه يوم الأربعاء لثلاثٍ بقين من شعبان، وقيل: من رمضان [في هذه السنة] وله ثلاثٌ وخمسون سنة.
وقد رثاه [أبو القاسم] المُظَفَّر الزَّوْزَنيّ فقال: [من الرمل]
لا رعا الله صَرْفَ (١) هذا الزمانِ … إذ دَهانا في مثل ذاك اللسانِ
ما رأى الناسُ ثانيَ المتنبي … أيُّ ثانٍ يُرى لبِكْرِ الزَّمانِ
كان في شعره نبيًّا ولكن … ظَهرتْ مُعجزاتُه في المعاني
فصل مما يتعلق بشعره:
قال أبو الفتح بن جني: أسقط المتنبي من شعره الكثير، وبقي ما يتداوله الناس فكان يُنْشَد.
[وكان قد أُحصي ما أخذ من] سيف الدولة في مدة أربع سنين فكان خمسةً وثلاثين ألف دينار.
ولما هجا كافورًا أراد قتلَه فهرب في البَرِّيَّة إلى الشام؛ ولهذا عَدد المنازلَ في قصيدته التي يقول فيها: [من المتقارب]
ألا كلُّ ماشِيةِ الخَيزَلى (٢)
لأنه وقع في تنيه بني إسرائيل، ومر على الحَسا والمفاوز (٣) وحِسْمى وغيرها (٤).
ولما قُتل وُجد في رَحْله دواوين أبي تَمّام وأبي نُواس والبُحتريّ وغيرهم.
وقد شرح ديوان المتنبي أبو الفتح بن جنّي، فيقال: إنه أعطاه ألف دينار، ثم أبو الحسن الواحدي، ثم أبو العلاء المَعَرِّي، ثم جاء أبو زكريا التَّبريزي فجمع بين كلام ابن جنّي والمعري.
стр. 8200
قلت: وقد أثبت المصنّف ﵀ في هذه الترجمة جملةً وافرةً من شعر المتنبي، وشرح ما فيها من الغريب، وهي على حروف المعجم، فأضربتُ عن ذكر شيءٍ منها؛ وذلك لاشتهار شعر المتنبي بين الناس، والله أعلم.
علي بن محمَّد
ابن [أحمد بن] إسحاق [بن] البُهلول، أبو الحسن (١).
تفقَّه على مذهب أبي حنيفة، وتقلَّد قَضاءَ الأنبار وهِيت وغيرها، وكانت وفاته في بغداد في ربيع الأول.
[وفيها توفي]
محمَّد بن حِبّان
[بكسر الحاء] ابن أحمد بن حِبّان، أبو حاتم، البستي، الحافظ.
[رحل إلى العراق والبصرة والأهواز والكوفة وبغداد والجزيرة والشام ومصر والحجاز، وكتب بنيسابور وبُخارى.
وأثنى عليه الأئمة؛ فقال الحاكم في "تاريخ نيسابور": كان حافظًا، عالمًا، حجة، توفي بداره ببُسْت] (٢)، وهي اليوم مدرسةٌ لأصحاب الحديث والفقه، وعليهم الجِرايات، وفيها خزائن كُتبه.
وكان عارفًا بالحديث والفقه والطب والفلسفة والهندسة والوَعْظ.
وله التصانيف الحِسان، [والمسند وهو الصحيح، والتاريخ، وغير ذلك.
وكان قد] ولي القضاء بسَمَرْقَند مدّةً طويلة [، ثم انتقل إلى بسْت وتوفيها كما ذكر الحاكم.
стр. 8201
وقال غيره: توفي بسجستان. وقول الحاكم أصح.
وذكره ابن ماكولا فقال: العالم الجليل كثير التصانيف، سمع خلقًا كثيرًا من أهل الأمصار منهم: الحسن بن سفيان وطبقته، ومن أهل الشام: مَكْحولًا البَيروتي، وأبي الحسن بن جَوصا، وأبي يَعلى المَوْصلي وغيرهم.
وروى عنه الحاكم أبو عبد الله، وأبو بكر النُّوقاني، والدارقطني، وشيوخ الخطيب وغيرهم، واتفقوا عليه. والله أعلم بالصواب].
محمَّد بن الحسن
ابن يعقوب بن الحسن بن الحسين بن مِقْسَم، أبو بكر، العَطَّار، المُقرئ.
ولد سنة خمس وستين ومئتين ببغداد، سمع الحديث الكثير، ولم يكن له ما يُعاب به؛ إلا أنه قرأ بحروفٍ خالف فيها الإجماع، ولما شاع عنه ذلك أنكر عليه العلماء، وارتفع أمرُه إلى السلطان، فأحضره، واستتابه بحضرة الفقهاء فتاب، وقيل: إنه لم يرجع.
وقال أبو أحمد الفَرضي: رأيتُ في المنام غير مرة كأني في المسجد الجامع أصلي مع الناس، ورأيتُ ابنَ مِقْسم يَستدبر القبلة وظهرُه إليها، فأوَّلْتُ ذلك مخالفتَه الإجماع فيما اختار لنفسه من القراءات.
وكانت وفاتُه في ربيع الآخر ببغداد، وكان ثقةً في الحديث، جاهلًا فيما ابتدع من القراءات (١).
محمَّد بن عبد الله
ابن إبراهيم بن عَبدويه، أبو بكر الشافعي.
وُلد سنة ستين ومئتين، وسكن بغداد.
وكان إمامًا، عالمًا، نبيلًا، عاقلًا، صَنَّف كتبًا كثيرة فأحسن التصنيف.
стр. 8202
ولما مَنعت الدَّيلَمُ الناسَ أن يذكروا فضائل الصحابة ﵃، وكتبوا بسبِّ السَّلف على المساجد كان أبو بكر يتعمَّد في ذلك الوقت إملاءَ فضائل الصحابة في الجامع ومسجدٍ قُرْبَه (١).
وكانت وفاته في ذي الحجّة، ودُفن قريبًا من الإِمام أحمد رحمة الله عليه.
وأجمعوا على صدقه، وثقته، وديانته، وزَهادته (٢).
стр. 8203
السنة الخامسة والخمسون وثلاث مئة
وفيها في يوم عاشوراء عُمل مثل ما عُمل في السنة الماضية ببغداد من النَّوْح وغيره، وورد الخبر بأن بني سليم قطعوا الطريق على قافلة الحاج من المغرب ومصر والشام في سنة أربع وخمسين وثلاث مئة، وكانت قافلةً عظيمة فيها عشرة آلاف جمل من دق مصر (١)، ومن متاع المغرب اثنا عشر ألف جمل، وكانت الأموال في الأعدال، [قال ثابت بن سنان:] وكان لقاضي طَرَسوس -ويعرف بالخواتيمي- فيها مئةٌ وعشرون ألف دينار، وأخذ بنو سليم الجِمال بأحمالها، وتلف أكثر الناس بالمشي والجوع والعطش كما جرى في نَوبة القِرمطي، ومن الناس من عاد (٢) إلى مصر، ومنهم من قصد الشام، والغالب على أكثرهم التلف.
وفيها فتح مُعِزُّ الدولة عُمان؛ جَهَّز إليها جيشًا فقتل من أهلها مَقتلةً عظيمة، وكان صاحبها عمران بن شاهين، فانهزم منها، وكان مُعزُّ الدولة مُقيمًا بواسط، فرجع إلى بغداد، وخلف غلمانه وعسكره بواسط على أن يعود، وكان عَليلًا.
وفيها عاد سيف الدولة من مَيّافارِقين إلى حَرّان، وجرى من عُمَّاله على أهل حَرَّان جَورٌ شديد، وظُلمٌ وعَسْف.
وفي رجب تمَّ الفداءُ بين سيف الدولة والروم، وتَسَلَّم سيف الدولة أبا فراس بن حمدان [واسمه: الحارث بن أبي العلاء سعيد بن حمدان]، والقاضي أبا الهيثم بن أبي الحُصَين.
وفيها أمر معزُّ الدولة أن يُبنى موضعُ السِّجن المعروف بالجديد ببغداد مارَسْتانًا، وأمر أن يوقف عليه الأوقاف، وشرعوا في بناء المُسَنّاة، وأن يكون مَغَلُّ الضياع الموقوفة عليه في كل سنة خمسة آلاف دينار، فمات قبل أن تتم.
وفيها وَرَد جيشٌ عظيم إلى الرّيِّ من خُراسان، فيه بضعة عشر ألف رجل من التُّرك وغيرهم يريدون غزو الروم، فحمل إليهم ركن الدولة من الأطعمة والدواب والثياب شيئًا كثيرًا، ثم إن هؤلاء الغُزاة ركبوا يومًا ودخلوا الرَّي، فقتلوا من وجوه قوَّاد ركن
стр. 8204
الدولة جماعةً، ونهبوا دار أبي الفضل بن العَميد وزير ركن الدولة، فحاربهم ركن الدولة، فقتل منهم نحوًا من خمسة آلاف، وقيل: ألفًا وخمس مئة، وتفرَّقوا في النَّواحي فلم يجتمعوا.
وفيها ردَّ مُعزُّ الدولة مَواريثَ ذوي الأرحام، وقيل: في أول ولايته.
وفيها وصلت الروم إلى آمِد، فأقاموا عليها أيامًا، فلم يقدروا على فتحها، فنهبوا ضياعها وضياع مَيّافارِقين، وجاؤوا إلى نَصيبين، فأخرَبوا وسَبَوا وقتلوا، وعادوا إلى بلادهم.
وفيها حاصر ملك الروم أنطاكية، فقاتله أهلها، فلم يَقدر على فتحها، فانصرف عنها إلى طَرَسوس بعد أن أخرجه ما حول أنطاكية.
وملك أبو الفضل بن العميد وزير ركن الدولة أذْرَبيجان، وأقام بها.
وحج بالناس أبو أحمد الحسن بن موسى نقيب الطالبيين.
[فصل وفيها توفي
أحمد بن عبد الرحمن بن الفضل
أبو بكر، العِجْليّ، البغدادي، الدَّقَّاق، ويعرف بالوليّ.
سمع الحديث وتوفي ببغداد في رجب، سمع عبد الله بن محمَّد بن ناجية وغيره.
وروى عنه أبو إسحاق الطبري وغيره.
وأخرج له الخطيب حديثًا عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "إذا أُتي أحدكم بهدية فجُلساؤه شُركاؤه فيها"، والله أعلم.] (١)
وفيها توفي
الحسين بن داود
ابن علي بن عيسى بن محمَّد بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵈.
стр. 8205
[ذكره الحاكم أبو عبد الله في "تاريخه" وقال: كان الحسين بن داود] شيخ آل رسول الله ﷺ في عصره بخراسان، وسيد العَلَوية في أيامه، وكان من أكثر الناس صلاةً وصدقةً ومحبَّةً لأصحاب (١) رسول الله ﷺ ، [صحبتُه بُرْهة من الدهر، فما سمعتُه] ذكر عثمان إلا قال: أمير المؤمنين الشهيد ﵁ وبكى، وما سمعته يذكر (٢) عائشة ﵂ إلا وقال: الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول الله ﷺ وبكى.
وما زال آباؤه محترمين مُعَظَّمين، فكان أبوه داود بن علي المُنْعِم على آل رسول الله ﷺ في عصره، وكان علي بن عيسى زاهد العلوية في عصره، ويلقب بالفَيَّاض لكثرة عطاياه (٣)، وجدُّه محمَّد بن القاسم نادم المأمون، ويقال للقاسم: راهب ال محمَّد ﷺ في عصره، وكان الحسن بن زيد أميرَ المدينة في عصره، وشيخَ مالك بن أنس وأستاذَه، وروى عنه في "الموطأ".
وقال الحاكم أبو عبد الله: سمعتُ الحسين بن داود يقول في ربيع الآخر من هذه السنة: رأيتُ رؤيا عجيبة، فسألته عنها فقال: رأيتُ في المنام كأني على شطِّ بحر، وإذا بَزورقٍ كأنه البرق يمرّ، فقالوا: هذا رسول الله ﷺ فقلت: السلام عليك يا رسول الله، [فقال: وعليك السلام، فما كان بأسرع من أن رأيت زورقًا آخر قد أقبل، فقالوا: هذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فقلت: السلام عليك يا أبه، فقال: وعليك السلام، فما كان بأسرع من أن جاء زورق آخر، فقالوا: هذا الحسن بن علي، فقلت: السلام عليك يا أبه، فقال: وعليك السلام، فما كان بأسرع من أن جاء زورق آخر ليس فيه أحد، فقلت: لمن هذا الزورق؟ فقالوا: لك.
قال الحاكم: فما أتى عليه بعد هذه المدة أو الرؤيا أقل من شهر حتى توفي (٤).
стр. 8206
وكانت وفاته يوم الاثنين ثاني عشر جمادى الآخرة بين الظهر والعصر [في هذه السنة.
سمع من جعفر بن أحمد الحافظ، وعبد الله بن محمَّد بن شيرويه، وأبي العباس الثَّقَفي وغيرهم.
وروى عنه الحاكم وغيره.]
محمَّد بن الحسين
ابن علي بن الحسن بن يحيى بن حسَّان بن الوضَّاح، الأنباريّ الشاعر.
انتقل إلى نيسابور فسكنها، وكانت وفاته بها في رمضان.
ومن شعره: [من الطويل]
سقى الله بابَ الكَرْخِ رَبْعًا ومَنزلًا … ومَن حَلَّه صَوْبَ السَّحابِ المُجَلْجِلِ
رأى عَرَصاتِ الكَرْخ أو حَلَّ أرضَها … لأَمْسَكَ عن ذكرِ الدَّخولِ فحَوْمَلِ (١)
[وفيها توفي]
محمد بن عمر
ابن سالم بن البراء بن سَبْرة، أبو بكر، ابن الجِعابي، قاضي المَوْصل.
ولد في صفر سنة أربع وثمانين ومئتين، وكان أحدَ الحُفَّاظ المجَوِّدين [، صحب أبا العباس بن عُقْدة، وأخذ عنه الحفظ]، وله تصانيف كثيرة في علوم الحديث.
[وحكى الخطيب عنه أنه] دخل الرقّة، فقال لغلامه: لي عند فلان قِمَطْران من كتب، فاذهب فأتني بهما، فعاد الغلام مَغْمومًا وقال: ضاعت الكتب، قال: فقلتُ له: لا تَغتمّ فإن فيها مئتي ألف حديث لا يُشْكِل عليَّ منها إسناد ولا متن.
وكان أحفظَ أهل بغداد، وأعرفَهم بعلل الحديث، وأسماء الرجال وأنسابهم وكُناهم وضعفائهم، وانتهى إليه العلم حتى لم يبق في زمانه مَن يتقدَّمه فيه في الدنيا.
стр. 8207
[وحكى الخطيب عنه أنه] قال: أحفظ أربع مئة ألف حديث، وأُذاكر بست مئة ألف وكانت وفاته في رجب ببغداد (١).
وقد تكلموا فيه: قال البرقاني: ما علمتُ فيه إلا خيرًا، وقال الخطيب: كان يسكن باب البصرة ويَتشيَّع، وصُلِّي عليه بجامع المنصور، وحُمل إلى مقابر قريش فدُفن بها. وكانت سُكينة نائحة الرَّافضة تنوحُ عليه في جنازته، وكان أوصى أن تُحرق كتبُه بعد موته، فأحرقت جميعها [، وأحرقت معها كتب الناس، منها مئة وخمسون جزءًا لأبي الحسين بن البوَّاب.
وحكى الخطيب أيضًا عن البرقاني أنه قال: كان له علم بمعرفة الشيوخ والإِخوة والأخوات وتواريخ الأمصار، وكان كثير الغرائب، ومذهبه مذهب الشيعة معروف.
وحدّث ببغداد وأصفهان ودمشق وحلب والعواصم وغيرها، وسمع خلقًا كثيرًا، وروى عنه جمٌّ غَفير، إلا أنه] تغير في آخر عمره، [وأمر بإحراق كتبه لأنه] عاشر المتكلّمين، وترك الصلاة والصوم فسقط من عيون البغداديين، فخرج من بغداد إلى دمشق، فأخرجه أهلُها، فرجع إلى بغداد [فمات بها في هذه السنة.
وقال الخطيب:] كان يشرب الخمر مع [الرئيس أبي الفضل بن] العَميد.
وقال الدارقطني: كان يكتُب على رجله بالمِداد وهو نائم، وكان يبقى أيامًا لا يغسلها.
[وحكى الحاكم أن البرقاني قال وقد سئل عنه: خلط، وكذا قال الدارقطني.
وقد ذكر له الخطيب معظمًا (٢) من شعره، منها أنه قال:] (٣) [من الخفيف]
يا خليلي جَنِّباني الرَّحيقا … إنني لستُ للرَّحيقِ مُطيقا
стр. 8208
غير أني وَجَدتُ للكأس نارًا … تُلهِبُ الجسمَ والمِزاجَ الرَّقيقا
ومنه أيضًا (١): [من الخفيف]
وإذا جُدتَ للصَّديقِ بوَعْدٍ … فصِلِ الوَعْدَ بالفَعالِ الجَميلِ
ليس في وَعْدِ ذي السَّماحةِ مَطْلٌ … إنما المَطْلُ (٢) في وعود البخيلِ
قال المصنف ﵀: يا سبحان الله (٣)، أما كان في محاسنه ما يُغَطِّي بعضَ مساوئه، ولله در الشّبلي حيث يقول: [من الوافر]
إذا عاتبتُه أو عاتبوه … شكا جُرْمي وعَدَّد سَيئاتي
أيا مَن دَهرُه غَضَبٌ وسُخْطٌ … أما أَحْسَنْتُ يومًا في حياتي (٤)
стр. 8209
السنة السادسة والخمسون وثلاث مئة
فيها عُمل يوم عاشوراء ما عُمل في السنين الماضية، ومات سيف الدولة بن حَمْدان في صفر، ومات مُعزُّ الدولة في ربيع الآخر، وقبض أبو تَغْلب الغَضنْفَر على أبيه ناصر الدولة في جُمادى الأولى، وكان قد ساءت أخلاقُه، وتَغَيَّرت أحوالُه، فقبضه وهو نائم في فراشه، وبعث به إلى القلعة المعروفة بكواشى، وأنفذ معه أخاه أبا البركات بن ناصر الدولة مُوَكَّلًا به -وهو أمرد- وطريف الخادم، فانتبه وهو محمولٌ على فراشه، ورآهم متوجّهين به إلى ناحية دجلة فقال: أتريدون أن تُغرقوني؟ فقالوا: لا، ولكن نَمضي بك إلى القلعة، فقال: غَطوني حتى أنام.
ولما وصل إلى أسفل القلعة حملوه وأصعدوه، وكانت عادته إذا جاء إلى هذه القلعة، وأصعَدَه إليها أهلُها؛ أعطى كلَّ واحد خمسةَ دنانير، فلما رَقوه في هذه النَّوبة وقفوا ينتظرون ما جرت به العادة، ولم يعلموا أنه مَقبوضٌ عليه، فقال لهم: أي شيءٍ تريدون؟! فوالله لقد أصبحت لا أملك لا صَفراء ولا بيضاء، فانصرفوا عنه.
وكان الغَضَنْفَر قد طالب أباه بميراثه من أمه الكردية -وهي فاطمة بنت أحمد بن علي الكردي- فتهدَّد بمكروه، وخاف منه.
ولما بعث به إلى القلعة أمر مَن يَحفظُه أن لا يُجيبه عن شيءٍ يسأله عنه البتّة، وكان قد وَكَّل به في القلعة رجلًا من الأكراد شديدَ البُغْضِ له، وخادمًا كان بهذا الوصف له طَرَده دفعات، وكان إذا سألهما عن خبر أولاده وخبر أبي تَغْلب، وأين هو، وأي شيء يعمل؛ يُجيباه بغير هذا فيقولان: تريد أن تأكل، تريد أن تشرب!؟ فيقول: ليس عن هذا سألتُكم، فيقولون: بهذا أمِرْنا أن نُخاطبك لا غير، فكان هذا أمرَّ عليه من الحبس.
وفي شعبان خُلع على القاضي أبي محمَّد عُبيد الله بن أحمد بن مَعروف، وقُلّد القضاء بالجانب الغربيِّ من مدينة السلام، ومدينة أبي جعفر، وحَريم دار السلطان، وقُلّد القاضي أبو بكر أحمد بن سيار القضاءَ مما بقي من الجانب الشرقي من بغداد، وبعد مُدَيدة قُلد القاضي ابن مَعروف الإشرافَ على الحكماء (١) على ما ذكرنا أنه قُلّده من القضاء (٢).
стр. 8210
وفي شعبان مات الأمير هارون بن المعتضد.
وفيها (١) ورد الخبر بأن غلمان سيف الدولة نَصَّبوا ابنَه أبا المعالي شريف مكان أبيه، ومَضَوا إلى مَيَّافارِقين حتى يسيروا به إلى حلب، واجتازوا بديار مُضَر، وأقطع بها ضياع هبة الله بن ناصر الدولة لبني نهر (٢)، ثم سار إلى حلب.
وسار أبو المُظَفَّر حَمْدان بن ناصر الدولة من الرَّحْبَة إلى الرقَّة فأقام بها، وكان قد قلَّد حربَها وخراجَها أبا الهيثم بن القاضي أبي حُصين، فأوقع بأهلها المَكاره، وأخذ منهم ثلاث مئة ألف درهم فدفعها إلى حَمْدان، ومن جُملة من صادر قاضيها ابن حبيب من أهلها.
وكان مسير حمدان إلى الرقة مُقارَبةً لأخيه أبي تغلب حيث قبض أباه، واستوحش من أخيه، وبعث إليه، وطلب أباه، فسار إليه أبو تغلب بعسكر حلب، فتحصّن حمدان بالرَّافقة، وأغلق أبوابها.
وبعث أبو تغلب أخاه أبا البركات إلى الرَّحْبَة ليَنزعها من نائب حمدان أخيه، فأغلقت زوجتُه -وهي بنت أبي العلاء سعيد بن حمدان- أبواب الرَّحْبة. واتفق إخوة أبي تغلب على رئاسته عليهم، وكتب أبو تغلب إلى عزّ الدولة بختيار يسأله أن يقومَ مقام أبيه في ضمان البلاد بما كان في زمن معزّ الدولة؛ وهو ألف ألف ومئتا ألف درهم في كل سنة، فدخل عز الدولة على الخليفة في ذي القعدة -وهو أول يوم دخل عليه فيه بعد موت أبيه- فقرَّر أمر أبي تغلب، وأخذ له الخِلَع واللواء والعهد، وأضاف إلى الجزيرة قِنَّسْرين (٣) والعواصم وما كان بيد سيف الدولة، وقرَّر عليه مالًا آخر عن هذه البلاد.
وحج بالناس أبو أحمد النَّقيب.
стр. 8211
وفيها توفي
أحمد بن بُوَيه
أبو الحُسين، الدَّيلَميّ، الملقب مُعزُّ الدولة.
كان يَحتطب على رأسه، ثم ملك البلاد، وقدم بغداد سنة أربع وثلاثين وثلاث مئة، ودخل على المستكفي، وسَمَلَه، ونهبَ دار الخلافة، وقد ذكر ذلك في السنين.
ذكر وفاته:
أصْعَدَ من واسط وهو عَليل من تَنْعيظةٍ لحقته في ذلك اليوم؛ وهو يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من شهر ربيع الأول، وعرض له قَذْفٌ مُتَّصل (١)، وخَلّف عَسكرَه وغلمانَه وجميعَ جيشه بواسط مع الحاجب سُبُكْتِكين، على أن يُقيم ببغداد عشرين يومًا، ثم يعود لاستتمام ما شرع فيه من أمر العُمران، ووصل إلى بغداد يوم السبت لليلة خلت من شهر ربيع الآخر، وزادت علَّته، ولحقه شخٌّ عظيم، ولم يكن يبيت الغداءُ في معدته، فمات يوم الاثنين لثلاث عشرة بقيت من ربيع الآخر بعد المغرب؛ وهو أول يوم من نيسان، ودُفن بداره التي بناها من الغد بعد أن أظهر التَّوبةَ من ذنوبه، ورفع ضمان الشّرط والحِسْبة والقَبّان ببغداد، ورَدَّ على القاضي أبي تمام الحسن بن محمَّد الهاشمي ما أخذ من ضِياعه، واعتقد أنه بردِّ المظالم يُمَدُّ له في العمر.
وكانت إمارته إحدى وعشرين سنة واحد عشر شهرًا ويومين.
وقال الخطيب (٢): لما نزل به الموت أمر بأن يُحْمَل إلى بيت الذَّهب، وطلب القاضي أبا تَمَّام؛ وكان قد صادره وأخذ ماله وضياعه فردها عليه، وبكى وتاب، وحضر وقتُ الصلاة، فقام القاضي ليخرج، فقال له: إلى أين؟ قال: أصلي، قال: صل ها هنا، قال: هذه دار مَغصوبة لا تصحُّ الصلاةُ فيها (٣).
стр. 8212
وكان معزُّ الدولة أوَّلَ مَن أحدث ببغداد سبَّ الصحابة، ويوم عاشوراء، ويوم الغَدير، ونحو ذلك، وسأل القاضي عن الصحابة ﵃، فذكر سَوابقَهم، وأن عليًّا رضوان الله عليه زَوَّج عمر رضوان الله عليه ابنتَه أم كلثوم، فاستعظم ذلك وقال: والله ما علمتُ بهذا، وتصدَّق بأموالٍ كثيرة، وأعتق مماليكه، وردَّ كثيرًا من المظالم، وبكى حتى غُشي عليه.
وقال أبو الحسين العَلَويّ: بينا أنا في داري على دجلة بمَشْرَعة القَصَب؛ في ليلة ذات غَيمٍ ورَعدٍ وبَرقٍ ومَطر إذ سمعتُ هاتفًا يقول: [مجزوء الكامل]
لمَّا بَلغتَ أبا الحسين … مُرادَ نَفْسِك في الطَّلَبْ
وأَمِنْتَ من نُوَبِ اللّيالي … واحْتَجَبْتَ عن النُّوَبْ
مُدَّت إليك يدُ الرَّدى … فأُخِذْتَ من بيتِ الذَّهَبْ (١)
فمات في تلك الليلة.
وكان له هَناتٌ وحَسَنات، أما الحسنات فكان قد سَدَّ فُوَّهةَ نهر الرُّفَيْل، وشَقَّ النَّهْرَوانات، وعمل المغيض بالسندية، وردَّ مواريثَ ذوي الأرحام.
ولما توفي جلس مكانَه ولدُه بختيار بعهدٍ منه، وجاء في ذلك اليوم مطرٌ شديد، وبعث بختيار مَن حفظ شوارع بغداد، وبعث إلى الحاجب سُبُكْتِكين بأن يَقْدم من واسط بالعساكر، فقدم، وركب بختيار للقائهم -ويقال: إن المطيع أيضًا ركب- فلما أقبل عزُّ الدولة؛ وأذناب خيله مُهْلَبة (٢)، وسُروجه مُقْلَبة، ولم يره الناس في صدر الموَكب على عادته ارتفع الضجيجُ والصُّراخ، وبكا بختيار والمُطيع والرجال والنساء، فلم يُرَ ببغدادَ باكيًا مثل ذلك اليوم، واشتغل الناسُ بالحُزن عليه عن الحركة؛ حتى الشطار والجُند، ودفع بختيار للجُنْد رزقًا منه، وقام بالأمر أحسن قيام.
стр. 8213
أحمد بن عبد الله
ابن محمَّد المُزَنيّ، أبو محمَّد، الهَرَوي، المُغَفَّلي. منسوب إلى عبد الله بن مُغَفَّل الصحابي ﵁.
من أعيان أهل خُراسان، سافر إلى البلاد، وتوفّي ببُخارى في رمضان، وحمل الوزير أبو عبد الله البَلْعَمي بهَراة (١).
وكان قد جاور بمكة، وحجَ بالناس، وخطب بمكة، وقُدّم إليه المقام وهو قاعد في البيت جوفَ الكعبة، ولم يكن هذا لغيره.
وكان لما جاور بمكة جاءه كتاب من مصر بأن يُقيم الحج للناس، ويصلي بعرفات ومنى، ففعل، وأتمّ الصلاة بمنى، فأنكروا عليه فقال: أنتم سَفْر وأنا مُقيم.
أسند عن خلقٍ كثير، وأجمعوا على فضله ودينه وصدقه وأمانته.
ومن شعره: [من الوافر]
نَزلْنا كارهين بها فلما … ألِفْناها خَرَجْنا مُكْرَهينا
وما حُبُّ الدِّيارِ بنا ولكن … أَمَر العيشِ فُرْقَةُ مَن هَوينا
جعفر بن أحمد بن الحارث
أبو محمَّد، المَراغيّ.
مُحَدِّث مَشهور قال: أنشدني منصور بن إسماعيل الفقيه: [مجزوء الكامل]
الكَلْبُ أحسنُ عِشْرةً … وهو النِّهايةُ في الخَساسَهْ
ممَّن ينازع في الرئاسةِ … قبلَ أوقات الرّئاسهْ (٢)
قال: وأنشدني منصور أيضًا:
لي حِيلة فيمَن يَنُمُّ … وليس في الكذَّابِ حيلهْ
مَن كان يَخلُق مايقولُ … فحيلتي فيه قليلهْ (٣)
стр. 8214
عليّ بن الحسين
ابن محمَّد بن أحمد بن الهيثم بن عبد الرَّحمن بن مروان بن عبد الله بن مروان بن محمَّد بن مروان بن الحكم بن أبي العاص، أبو الفَرَج، الأصْبَهاني، الأُمويّ، الكاتب.
ولد سنة أربع وثمانين ومئتين، وكان عالمًا بأيام الناس، والأنساب، والسِّيَر، والآداب، والأخبار.
وكان شاعرًا مُحْسِنًا، وصنَّف كُتبًا كثيرة منها: "الأغاني الكبير"، و"مُجَرَّد الأغاني"، و"مقاتل الطالبيين"، و"الدِّيارات"، و"آداب الغُرباء"، و"أخبار الإماء الشواعر"، و"مرج البحرين" (١)، و"أيام العرب" ذكر فيه ألفًا وسبع مئة يوم، ووقع له بالأندلس مصنَّفات لم تصل إلى هذه البلاد، منها كتاب: "نسب بني عبد شمس"، وكتاب "التَّعديل"، و"نسب بني شيبان"، و"نسب المَهالبة"، و"بني ثعلب" و"بني كلاب"، وكتاب "الغلمان"، وغير ذلك.
ومات ببغداد في ذي الحجة هذه السنة، وقيل: سنة سبع وخمسين وثلاث مئة.
حدَّث عن خلق كثير، وكان الغالب عليه رواية الأخبار والآداب، وقد طُعن عليه من حيث الديانة لا من حيث الرواية، وكان يتشيّع.
قلت: وقد ذكره قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خَلِّكان ﵀ في كتابه المسمى بـ "وفيات الأعيان"، وقال: كان مُنقَطِعًا إلى الوزير المُهَلَّبي، وله فيه مدائح، فمن شعره فيه: [من الطويل]
ولما انْتَجَعْنا لائذين بظِلِّه … أعان وما عنَّى ومَنَّ وما منَّا
ورَدْنا عليه مُقتِرين فراشَنا … ورُدْنا نَداه مُجْدِبين فأَخْصَبْنا
قال: وله فيه من قصيدة يُهَنِّئه بمولودٍ جاءه من سُرِّيّة رومية: [من الكامل]
اسْعَد بمولودٍ أتاك مُباركًا … كالبَدْرِ أشرقَ جُنْحَ ليلٍ مُقْمِرِ
سَعْد لوقتِ سعادةٍ جاءت به … أمٌّ حَصانٌ من بناتِ الأصْفَرِ
стр. 8215
مُتَبَجِّحٌ في ذِرْوَتَي شَرَفِ الورى … بين المُهَلَّبِ مُنْتَماه وقيصرِ
شمسُ الضُّحى قُرِنتْ إلى بدرِ الدُّجى … حتى إذا اجتمعا أتتْ بالمُشْتري
وكتب إلى بعض الرؤساء وكان مريضًا: [من البسيط]
أبا محمدٍ المحمود يا حَسَنَ … الإحسان والجود يا بحرَ النَّدى الطَّامي
حاشاك من عَوْدِ عُوَّادٍ إليك ومن … دواءِ داءٍ ومن إلمام آلام (١)
[وفيها توفي]
سيف الدولة
علي بن عبد الله أبي الهيجاء بن حَمْدان بن حَمْدون، أبو الحسن (٢).
سيّدُ بني حمدان وصَدْرُهم ومَن يدور عليه أمرُهم.
[قال الحافظ ابن عساكر:] وُلد في ذي الحجة سنة إحدى وثلاث مئة، وقيل: سنة ثلاث وثلاث مئة، ونشأ في الجزيرة، وتعلَّم الفروسية وبَرَع فيها، وقدم الشام سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مئة، وجرت له مع الإخشيد وقائع، فلما مات الإخشيد بدمشق سنة أربع وثلاثين وثلاث مئة، وتوجَّه كافور مع أنوجور إلى مصر، جاء سيف الدولة فأخذ دمشق، وركب فسايره الشَّريف العَقيقي، فجَرت مُباحثة، فقال سيف الدولة: مُمازحًا للعقيقي: ما تصلح هذه الغوطة إلا لرجل واحد، فأخبر العقيقي أهلَ دمشق، فكتبوا إلى كافور وأنوجور بالقدوم عليهم ليساعدوهما على سيف الدولة، فجاءا فدفعاه عنها، وصالحاه على أن يكون بيده ما كان بيده زمن الإخشيد وهي: حمص وحلب وأنطاكية والثغور، فعاد إلى حلب وأقام يجاهد الروم إلى أن مات (٣).
وذكره أبو منصور الثعالبي في كتاب "يتيمة الدهر" فقال: كان بنو حَمْدان ملوكًا (٤)، أوجُههم للصَّباحة، وألسنتُهم للفصاحة، وأيديهم للسماحة، وعُقولهم للرَّجاحة،
стр. 8216
وسيف الدولة مَشهور بسيادتهم، كان غُرَّةَ الزمان، وعماد الإِسلام والإيمان، وبه سِدادُ الثُّغور، وقِوام الأمور، ووقعاتُه في طوائف العرب مشهورة، وصَرْعاته لهم مأثورة، ولم يزل يَفُلُّ أنيابها، ويُذِلُّ صِعابَها، وغزواته تُدرِك من طاغية الروم بالثار، ويُحسِن في الإِسلام الآثار، وحضرتُه مَقْصِدُ الوفود، ومَطْلَع السُّعود والجود، ومَحَطُّ الرِّحال، وقِبلةُ الآمال، ومواسم [الأدباء، ومراسم] العلماء والفضلاء والشعراء.
قال: ويقال: إنه لم يجتمع بباب أحد من الملوك ما اجتمع ببابه من أهل العلم وشيوخ العصر.
وكان شاعرًا، أديبًا، فصيحًا، شديدَ الاهتزاز عند المدائح (١)، أقام المتنبي عنده أربع سنين، فوَصَله بنيِّفٍ وثلاثين ألف دينار.
وقال عبد الله بن أحمد بن معروف: كنت بحلب عند الحسن بن محمَّد الصّلحي وأبي القاسم ابن المغربي كاتبَي سيف الدولة، فدخل شيخ ضرير، فسلَّم عليهما وقال: لي إلى الأمير سيف الدولة حاجةٌ، ومعي رُقعةٌ إليه، وأخرجها وإذا فيها طول، فقالا: هذه رقعة طويلة، وربّما لا يَنبسط الأمير لقراءتها فاختصِرْها، فقال: ما أريد [إلا] أن تعرضاها عليه، فدفعاه، فقام يَجُرُّ رجلَيه وهو مُنكسِرُ القلب، فتداخَلَتْني له رِقَّةٌ، ودخلتُ على سيف الدولة فجلستُ، وإذا بالحاجب قد عرض عليه رقعة وفيها: فلان ابن فلان المَوصليّ الضَّرير -وما كان يدخل عليه أحد حتى يُكتَب اسمُه ويعرَض عليه- فقال: وهذا يعيش؟! إئذن له، فما أظنُّه مع ما كنتُ أعرفُ من زُهده في الملوك، وتركه الدنيا، قَصَدني إلا من شِدَّةٍ شديدة.
فدخل الشيخ بعينه فسلَّم، فاستَدْناه ورحَّب به وقال: إليَّ إلى، أما سمعتَ بنا في الدنيا، أما آن أن تزورَنا مع مالك عندنا من الخِدمة والحُرْمَة والسبب الأكيد؟!
فقام الضرير قائمًا، وسلَّم إليه الرُّقعةَ بعينها، فقرأها كلَّها فقال: أين يونس بن بابا؟ -وكان خادمه (٢) -فحضر فأَسَرَّ له بشيء، وأسرَّ إلى جماعة بشيء، فأحضر بعضُهم دنانير، وبعضهم كسوة، وبعضهم فُرُشًا وطيبًا وفرسًا وبغلًا؛ يساوي البغل ثلاثة آلاف
стр. 8217
درهم، وترك الجميعَ بين يدي الشيخ وكان يساوي ألوفًا، ثم قال لهم: أخلوا له دارًا سَمَّاها، وكتب إلى الموصل بأن يُجرى على عياله ما يكفيهم.
ثم قال لكاتبه أبي إسحاق بن شهرام: اعتذر إليه، وعَرّفه أنه جاءنا في آخر السنة وقد اقتَسمت أموالنا الحقوقُ والزُّوَّار والجيوش.
فجاء ابن شهرام إلى الشيخ، فأخبره بما أطلق له والكلُّ حاضر، وكان يُعجبه إذا أطلق شيئًا لإنسان أن يُشاهده.
قال ابن معروف: فقلتُ لأبي إسحاق: لا تُورد على الشيخ هذا عَقيب اليأس العظيم الذي لحقه فتَنشقَّ مَرارتُه، فبكا بكاءًا شديدًا وقال: أيها الأمير، قد زدتَ على ما كان في ضميري بدرجات، فإن رأيتَ أن تأذنَ لي بتقبيل يدك؛ فإنه أعظم عندي من كلِّ عَطيَّة، فدنا الشيخُ منه فقبَّل يده، فسارَّه سيف الدولة بشيء. وانصرف الشيخ إلى الدار التي أُعِدَّت له، وقال له: أقم عندنا حتى نَنْظُرَ في أمرك.
قال ابن معروف: فسألتُ الخادم ما الذي أسرَّ إليه؟ فقال: أمر له بجاريةٍ وَصيفةٍ بِكْر من جواري أخته، ومعها حُليّ وجواهر تزيد على عشرة آلاف درهم، فحُملت إليه.
قال ابن مَعروف: فقلتُ، أيها الأمير، لم نسمع عن أحدٍ من أهل الأرض قديمًا ولا حديثًا بمثل هذا العطاء إلا عندك، فقال: دعني من هذا وأخبرني عن قولك: لا تورد على الشيخ هذا عَقيب الإياس فتَنشقَّ مَرارتُه! فقلت: كنتُ عند الصُّلحي وابن المغربي منذ ساعة، وجاء هذا الشيخ ومعه الرُّقْعَة، وقصصتُ عليه القصة، وقلتُ في آخرها: انصرف هذا الشيخ أخزى مُنْصَرف، وجاء إلى الأمير فعامله بمثل هذا، فخفتُ عليه.
فغضب غضبًا شديدًا وقال: عليَّ بالصّلحي وابن المغربي، فحضرا فقال: وَيحَكما، ألم أُحسن إليكما، ألم أَصطَنِعْكما وأُنوِّه بذكركما، وأُسني أرزاقكما وجوائزَكما، وعدَّد إحسانَه إليهما، وهما يشكرانه، فقال: ما أُريد هذا، وإنما أُريد أن تقولا: لا أو نعم، فقالا: بلى وزيادة، فقال: من حَقّي عليكما وشكري أن تقطعا رجاء مُؤَمِّلٍ مني، وتؤيسا قاصِدي من بِرّي، وتَنسباني إلى الضَّجَر والمَلَل؟! ما كان عليكما لو أخذتُما رُقعةَ الضَّرير، فإن أجرى الله على يدي شيئًا كنتما شَريكَي فيه، وإن ضجرتُ كان الضجَر منسوبًا إليّ وأنتما بريئان منه؛ وقد قضيتما حقَّ قاصِدِكما، فلا حَقه قضيتُما،
стр. 8218
ولا حقَّ الله فيما أخذه على ذي الجاه من بذل جاهه، ولا حقَّ إنعامي عليكما، وبالغ في ذَمّهما حتى كأنهما قد جَنيا جِناية، فأخذا يَحلفان: ما أرَدْنا إلا التَّخفيف عن الأمير بقراءة رقعةٍ طويلة، لينقلها إلى لطيفة (١)، وجعل الحاضرون يتعجَّبون أن هذا التَّأنيب لهما أحسن من عطائه للشيخ ما أعطاه.
ومن شعره: [من الطويل]
وساقٍ صَبوحٍ (٢) للصَّبوحِ دَعوتُه … فقام وفي أجفانه سِنَةُ الغَمْضِ
يَطوفُ بكاساتِ العُقارِ كأنْجُمٍ … فمن بين مُنْقَضٍّ علينا ومُنْفَضِّ
وقد نَشَرت أيدي الجَنوبِ مَطارِفًا … على الجَوّ دُكْنًا والحواشي على الأرضِ
يُطَرِّزها قوسُ السَّحابِ بأصفَرٍ … على أحمَرٍ في أخضَرٍ إثْرَ مُبْيَضِّ
كأذيال خَودٍ أقبلتْ في غَلائل … مُصَبَّغَةٍ والبعضُ أقصرُ من بعضِ
قلت: قال قاضي القضاة شمس الدين ﵀: وهذا من التَّشبيهات الملوكيَّة التي لا يكاد يَحضُر مثلها للسُّوقة (٣)، والبيت الأخير أخذ معناه أبو الفرج بن محمَّد ابن الإخوة، فقال في فَرَسٍ أدْهَم مُحَجَّل: [من الخفيف]
لَبِسَ الصُّبْحَ والدُّجُنَّةَ بُرْدَينِ … فأرخى بُرْدًا وقَلَّص بُرْدا
وقال: كان لسيف الدولة جاريةٌ من بنات ملوك الروم في غاية الجَمال، فحسدها بقيَّةُ الحَظايا لقُربها منه، ومَحَلِّها من قلبه، وعَزَمْنَ على إيقاع مَكروهٍ بها من سُمٍّ وغيره، فبلغه الخبر، فخاف عليها، فنقلها إلى بعض الحصون احتياطًا، وقال فيها: [من الخفيف]
راقَبَتْني العيونُ فيك فأشفقتُ … ولم أَخْلُ قطّ من إشفاقِ
ورأيتُ العدوَّ يَحْسُدني فيكِ … مُجِدًّا يا أَنْفَسَ الأعلاقِ
فتَمنَّيتُ أن تكوني بعيدًا … والذي بيننا من الوُدِّ باقِ
رُبَّ هَجْرٍ يكون من خوفِ هَجْرٍ … وفراقٍ يكون خوفَ فراقِ
стр. 8219
ومن شعره: [من مجزوء الوافر]
أُقَبِّلُه على جَزَعٍ … كشُرْبِ الطائرِ الفَزعِ
رأى ماءً فأطمعه … فخافَ عَواقِبَ الطَّمَعِ
وصادفَ خُلْسَةً فدنا … ولم يَلْتَذَّ بالجُرَعِ
ومن شعره: [من الطويل]
تَجَنَّى علي الذَّنْبَ والذَّنْبُ ذَنْبُه … وعاتبني ظُلمًا وفي شِقِّه العَتْبُ
إذا بَرِمَ المَولى بخِدْمةِ عَبْده … تَجَنَّى له ذَنْبًا وإن لم يكن ذَنْبُ
وأعْرضَ لما صار قلبي بكَفِّه … فهلّا جَفاني حين كان ليَ القَلْبُ
ويحكى أن سيف الدولة كان يومًا بمجلسه والشعراء يُنشدونه، فتقدَّم رجلٌ رَثُّ الهيئة وأنشد: [من المنسرح]
أنت عليٌّ وهذه حلبُ … قد نَفِد الزَّادُ وانتهى الطَّلَبُ
بهذه تَفخرُ البلاد وبالـ … أمير تُزهى على الوَرى العَربُ
وعبدُك الدهرُ قد أضرَّ بنا … إليك من جَور عبدك الهَرَبُ
فقال سيف الدولة: أحسنتَ والله، وأمر له بمئتي دينار.
وقال: لما وصل الخالديَّان إلى حضرة سيف الدولة ومدحاه؛ أنزلهما، وقام بواجب حقِّهما، وبعث لهما مرَّةً وَصيفًا ووصيفة، ومع كلِّ واحدٍ منهما بَدْرة، وتخت ثياب من عمل مصر، فقال أحدهما من قصيدة طويلة: [من الكامل]
لم يَغْدُ شُكرُك في الخلائق مُطلقًا … إلا ومالُك في النَّوال حَبيسُ
خَوَّلْتَنا شمسًا وبدرًا أشرقت … بهما لدينا الظُّلْمَةُ الحِنْديسُ
رَشَأٌ أتانا وهو حُسْنًا يوسفٌ … وغَزالة هي بهجةً بَلْقيسُ
هذا ولم تَقنَعْ بذاك وهذه … حتى بَعَثْتَ المال وهو نفيسُ
أتت الوَصيفةُ وهي تَحملُ بَدْرَةً … وأتى على ظَهر الوَصيفِ الكيسُ
وأَجَزْتَنا مما أجادت حَوْكَه … مصرٌ وزادت حُسْنَه تِنِّيسُ
فغدا لنا من جُودك المأكول والـ … مشروب والمَنْكوحُ والمَلْبوسُ
стр. 8220
فقال له سيف الدولة: أحسنتَ إلا في لفظة المنكوح؛ فليست مما يُخاطَب الملوك بها.
وكتب إلى أخيه ناصر الدولة: [من الطويل]
وَهَبْتُ لك العليا وقدكنتَ أهلَها … وقلتُ نعم بيني وبين أخي فَرْقُ
وما كان بي عنها نُكولٌ وإنما … تَجاوزْتُ عن حقِّي فتمَّ لك الحَقُّ
أما كنتَ ترضى أن أكون مُصَلِّيًا … إذا كنتُ أرضى أن يكون لك السَّبْقُ (١)
ذكر وفاته:
مرض بعلةِ الفالج قديمًا، ثم أخذه عُسْر البول.
[قال الحافظ ابن عساكر:] توفي بحلب يوم الجمعة عاشر صفر أو لخمس بقين منه (٢).
وتولى أمره القاضي أبو الهيثم بن أبي الحُصين، وغسله عبد الحميد بن سهل المالكي قاضي الكوفة، غسَّله تسع مرات أولًا بالماء والسِّدر، ثم بالصَّنْدَل، ثم بالذَّريرة، ثم بالعَنْبر، ثم بالكافور، ثم بماء الوَرْد، ثم بماء المِسك، ثم بماء القَراح أخيرًا، ثم غسله غُسلين، ونُشِّف بثوب دَبيقي ثمنه خمسون دينارًا، وكُفِّن في سبعة أثواب تساوي ألفي دينار فيها قميصُ قَصَب؛ بعد أن صُبر بمئة مثقال غالية، ومَنَوين كافور، وصلى عليه أبو عبد الله بن الأقساسي العلوي الكوفي، وكبَّر عليه خمسًا، وحُمل في تابوت إلى مَيَّافارِقين مع مملوكه تقي، فوصل إليها في ربيع الآخر، فلما وصل إلى التوبة التي بناها لنفسه أخرجه من التابوت بوصيَّةٍ منه، ووضعه في لَحْده، وجعل تحت خَدِّه لَبِنَةً صغيرة من تُرابٍ جَمعه من دِرْعه وقت لقائه للعدو ودخوله بلاد الروم، ودفن عند أمه وأخيه، وعمره ثلاث وخمسون سنة (٣) [على حسب ما ذكرنا من مولده].
وكانت إمارته ثلاثًا وعشرين سنة.
стр. 8221
وملك أبو المعالي سعد الدولة وبين يديه قرغويه.
وقيل: لما حمل تقيّ تابوتَه إلى مَيَّافارِقين قدمها سعد الدولة، فأراد تقي أن يقبضه ويستولي على الأمر، وعلم به سعد الدولة، فقبض على تقي، واستأصله، وحبسه في حصن كيفا.
وقد مدح سيف الدولة خلق كثير (١)، واختصّ به المتنبي، وممن اختصَّ به الخالديّان، وهما شاعران مُجَوِّدان من قرية ببلد الموصل، وهما محمَّد وسعيد ابنا هاشم، وهما يشتركان في النظم، ولهما ديوان مشهور، وأنشد أحدهما يومًا سيف الدولة قصيدته التي يقول فيها: [من الهزج]
تَصُدُّ ودارُها صَدَدُ … وتُوعِدُه ولا تَعِد
إلى أن قال في المديح:
بوجهٍ كلّه قمرٌ … وسائرُ جِسْمِه أَسَدُ
فعجب سيف الدولة، وجعل يُرَدّد هذا البيت، وكان عنده الشَّيظَمي الشاعر، فقال لسيف الدولة: احْمَد ربَّك فقد جعلك من عجائب البحر (٢).
ومن شعر محمَّد بن هاشم الخالدي في دعي مُرَّان: [من البسيط]
يا ديرَ مُرَّان لا تَعْدَم دُجى وضُحى … سِجال غَيثٍ مُلِثِّ الوَدْقِ سَحَّاحِ (٣)
إن تُفْنِ كأسَك أكياسي فإن بها … يَفُلُّ جَيشُ هُمومي جيشَ أفراحي
يوسف بن عمر
ابن محمَّد بن يوسف بن يعقوب بن إسماعيل بن حمَّاد بن زيد بن دِرْهم، أبو نصر، الأزديّ، القاضي.
стр. 8222
ولد سنة خمس وثلاث مئة، وما زال منذ نشأ فتى، نبيلًا، عفيفًا، جميلًا، حاذقًا بصنعة القضاء، بارعًا في علم الأدب والكتابة، حسنَ الفصاحة، واسعَ العلم باللغة والشعر، تامَّ الهَيبة.
ولي القضاء بمدينة السلام في حياة أبيه وبعد وفاته.
قال الخطيب: ولا يُعرف في القضاء أعرف منه ومن أخيه الحسين، فإنهما وليا القضاء بالحيرة، وكذا أبوهما عمر، وجدُّهما محمَّد، وأبوه يوسف، فأما يعقوب فإنه وَلي قضاء مدينة النبي ﷺ ، ثم تقلَّد فارس.
وكان أبو نصر فصيحًا، وله شعر، فمنه: [من المجتث]
يا مِحْنةَ الله كُفِّي … إنْ لم تَكُفِّي فخِفِّي
ما آنَ أن تَرْحَمينا … من طولِ هذا التَّشَفِّي
خَرجتُ أطلبُ بَخْتي … فقيل لي قد تُوفّي (١)
стр. 8223
السنة السابعة والخمسون وثلاث مئة
فيها عمل بختيار يوم عاشوراء أعظم ما كان يعمله أبوه من تعطيل الأسواق، ولُبس المُسوح، وإنشاد الأشعار، والنياحة في الطُّرُقات ونحوه، وكذا فعل (١) في يوم غدير خُمّ.
وفيها توفي
وَشْمكير
المحارب لركن الدولة؛ خرج يريد الري في العسكر الوارد من خراسان، فأخذ يَتصيَّد، فاعترضه خنزير، فرماه وَشْمكير فأخطأه، فحمل عليه الخنزير، فعثرت به (٢) الفرس فرمت به، ووقعت فوقه فمات.
وفيها مات ناصر الدولة بن حَمْدان في قلعة كواشى (٣).
وفيها تزوّج بختيار بابنة عسكر الكردي على صَداقٍ مَبلغُه ثلاث مئة ألف دينار، وعقد العقد في داره.
وفيها قُتل أبو فراس بن حمدان الشاعر.
وفيها وصلت الروم إلى حلب، فخرج إليهم قَرَغويه فأسروه، ثم أفلت، وقتلوا وسَبَوا وعادوا.
وفيها مات كافور الإخشيدي صاحب مصر، ودُفن في داره.
وفيها مات المتقي لله.
وفيها ملك عضد الدولة كَرْمان، وهرب صاحبها اليَسَع إلى ما وراء النَّهر، وغَنِم خزائنَه وأمواله.
стр. 8224
وفيها هلك الحاجُّ وجِمالُهم من العَطَش، ولم يقف بعرفة إلا القليل.
وفيها توفي
المتَّقي لله
واسمه إبراهيم بن جعفر المقتدر.
قد ذكرنا خَلْعَه وسَمْلَه في ثلاث وثلاثين وثلاث مئة، وعاش إلى هذه السنة، توفي وله ستون سنة وأيام، فقد عاش بعد خَلْعه خمسًا وعشرين سنة.
وفيها توفي
أحمد بن مَحْبوب بن سليمان
أبو الحسن، البغدادي، ثم الرَّمْلي، الفقيه، ويعرف بغلام أبي الأديان.
سافر إلى الأمصار، وسمع الشيوخ، وجاور في آخر عمره في مدينة النبي ﷺ .
سمع بأطرابلس الشام أبا عقيل بن مسلم الخَولاني وطبقته من شيوخ الشام وغيرهم.
وروى عنه أبو الحسن علي بن جَهْضَم، والحاكم أبو عبد الله، وغيرهما. وكان ثقة صالحًا (١).
وفيها توفي
أبو فراس بن حَمدان
واسمه: الحارث بن أبي العلاء سعيد بن حَمْدان، التَّغْلبيّ، العَدَوي.
الأمير، الشجاع، الفاضل، الشاعر، الفصيح، وأبو العلاء كنية أبيه سعيد.
وكان مولده بمَنْبج، ونشأ بها.
ولد في سنة عشرين وثلاث مئة، وكان يتنقَّل في بلاد الشام في دولة ابن عمه سيف الدولة علي بن حمدان، وكان سيف الدولة قد ولّاه مَنْبج، ولما نزلت الروم حلب خرج يتصيَّد حوالي مَنْبج -ولم يعلم- في سبعين راكبًا، فتبعه ابن أخت ملك الروم فأسره،
стр. 8225
ولما وقعت عليه الروم قيل في: خذ لنفسك، فقال: لا والله، لا يراني الله مُوَلّيًا أبدًا، فحُمِل إلى القسطنطينية، فأقام في الأسر سنين، وكان يكاتب سيف الدولة بالأشعار وغيرها، فقال له ملك الروم: اشتر نفسَك دون أصحابك، فقال: لا والله، وقاطع على نفسه وعلى مَن معه بمئتي ألف دينار، فقال له ملك الروم: أبصِرْ كم يَنوبُك من هذا المال وأُطلِقُك، فقال: لا والله إلا أنا وأصحابي.
وحكى الحمصي: كان في زمان أبي فراس امرأةٌ جميلة، وكان مُغْزى بها، ويبعث إليها بالأموال والهدايا، ويسألُها أن يجتمع بها وهي تأبى عليه، فبينما هو جالس في بعض الأيام إذا بها قد جاءت إليه، فقال: أنا أبعث إليك بالأموال والهدايا وتمتنعين، فكيف جئتِ ابتداءً؟! فقالت: كنتُ أنا الساعةَ وزوجي نَذكرك، فأثنى عليك وقال: ومن أين في الدنيا مثل الأمير أبي فراس، الفاضل، الشجاع، الجواد، الفصيح؟ فلما أثنى عليك وقع في قلبي مثل النار، فقال: ويحك، ومَن يُثني عليَّ هذا الثناء أخونُه في زوجته؟! لقد خِبْتُ إذًا وخَسِرْتُ، قومي إليه، ودفع إليها مالًا، فأخذتْه وانصرفت.
ذكر طرف من أشعاره:
وله ديوان مشهور، فمن شعره: [من الوافر]
رأيتُ الشَّيبُ لاحَ فقلتُ أهْلًا … ووَدَّعْتُ الغِوايةَ والشَّبابا
وما إن شِبْتُ من كِبَرٍ ولكن … لَقيتُ من الأحبَّةِ ما أشابا
وقال أيضًا: [من الخفيف]
لم أُؤاخِذْك إذ جَنيتَ لأني … واثِق منك بالإخاء الصَّحيحِ
فجَميلُ العدوِّ غيرُ جميلٍ … وقَبيحُ الصَّديقِ غيرُ قبيحِ
وقال أيضًا: [من الهزج]
غِنى النَّفْسِ لمَن يَعْقلُ … خيرٌ من غِنى المالِ
وفَضْلُ الناسِ في الأنْفُسِ … ليس الفَضْلُ في الحالِ
وقال وقد سمع صوتَ حَمامةٍ وهو في الأسْر: [من الطويل]
أقولُ وقد ناحَتْ بقُربي حَمامةٌ … أيا جارتي ما فاقَ حالُك حالي
стр. 8226
مَعاذَ الهوى ما ذقت طارِقَةَ النَّوى … ولا خَطَرَتْ منكِ الهُمومُ ببالي
أيَحملُ مَحزونُ الفؤادِ فُؤادَه … إلى مَرْقَبٍ نائي المَحَلّةِ عالي
تعالي تَرَي روحًا لَدَيَّ ضَعيفةً … على بَدَنٍ مُضْنًى يُعَذِّبُ بالي
أيَضْحَكُ مأسورٌ وتبكي طَليقةٌ … ويسكُتُ مَحزونٌ ويَنْدُبُ سالي
لقد كنتُ أولى منكِ بالدَّمع مُقلَةً … ولكنَّ دَمْعي في الحوادثِ غالي
وقال أيضًا: [من البسيط]
ما كنتُ مُذْ كنتُ إلا طَوعَ خِلّاني … ليست مؤاخَذَةُ الإخوان من شاني
إذا خليلِيَ لم تَكْثُرْ إساءتُه … فأين مَوقعُ إحساني وغُفراني
يَجْني الليالي وأستحلي جِنايتَه … حتى أَدُلَّ على عَفوي وإحساني
يَجني عليَّ وأَحْنو دائمًا أبدًا … لا شيءَ أحسن من حانٍ على جاني
وقال أيضًا وأحسن فيه: [من المجتث]
قَلبي يَحِنُّ إليه … نعم ويَحنو عليه
وما جَنى أو تَجَنَّى … إلا اعتَذَرْتُ إليه
وكيف أَملِكُ أمري … والقَلْبُ رَهْنٌ لديه
وكيف أدعوه عَبدي … وعُهدتي في يديه
ذكر مقتله:
ذكر ثابت بن سنان وقال: في سنة سبع وخمسين وثلاث مئة في يوم السبت لليلتين خلتا من جمادى الآخرة أو الأولى ورد الخبر بأن وَحْشَةً جرت بين أبي فراس الحارث بن أبي العلاء سعيد بن حَمْدان وبين أبي المعالي شريف الدولة بن حَمْدان، وخرج أبو المعالي يَطلبه، وكان أبو فراس بحمص، فانحاز (١) أبو فراس إلى قريةٍ في طَرَف البَرِّيَّة تُعرف بصَدَد، وأنفذ أبو المعالي غِلمانه ليجمعوا له الأعراب، وكان ظالم العُقَيليّ في جملته، فاستدعاه فتقاعد عليه، فخرج أبو المعالي من حلب، فنزل سَلَمْية بأرض حمص، وجمع بني كلاب، وقَدَّمَهم على مُقَدمته مع قَرَغويه غلام أبيه سيف الدولة، وقطعة من الجيش، فكبسوا أبا فراس على صَدَد، فناوشَهَم ساعة، واستأمن من
стр. 8227
أصحابه إلى قَرَغويه واختلط بمَن استأمَن، فقال قَرَغويه -لا عفا الله عنه- لبعض غلمانه الأتراك: اقتلْه، فضَرَبَه بدَبُّوس فسقط، فنزل الغلامُ فاحتز رأسَه، وبقيت جُثته في البريَّة مُلقاةً، حتى مَرَّ به بعض الأعراب، فكفَّنه ودفنه، وعاد ابنُ سيف الدولة، وقلَّد دكا غلام قرغويه حمص. وهذا قول ثابت بن سنان.
وقال الحافظ ابن عساكر ولما بلغ أمه قتله -واسمها سَخينة- قَلعت عينَها حُزنًا عليه، وقتل وهو ابن سبع وثلاثين سنة.
واختلفوا في مقتله، فذكر ثابت بن سنان أنه قتل في هذه السنة وهي سنة سبع وخمسين وثلاث مئة، وقال قوم: في سنة خمسين وثلاث مئة (١).
وفيها توفي
محمَّد بن أحمد
ابن علي بن مَخْلَد، أبو عبد الله، الجَوهري، المُحْتَسِب، ويعرف بابن المُحْرِم، أحد تلامذة أبي جعفر الطَّبري.
حكى عنه الخطيب أنه قال: تَزَوَّجتُ امرأةً، وجلستُ على العادة أكتب، فجاءت أمُّها، فأخذت المِحْبَرة وضربت بها الأرض فكسرتها، وقالت: هذه أشدُّ علي بنتي من ثلاث مئة ضَرَّة.
قال: وقال محمَّد بن أبي الفَوارس: وُلد في سنة أربع وستين ومئتين، ومات في ربيع الآخر في هذه السنة.
وحدَّث عن الكُدَيميّ وغيره، وروى عنه ابن رِزْقويه وغيره، وضعَّفه ابنُ أبي الفوارس وقال: في كُتبه مَناكير (٢).
стр. 8228
السنة الثامنة والخمسون وثلاث مئة
وفي يوم عاشوراء فُعل ما جَرت به العادةُ من النَّوحِ وغيره.
وفيها سَعَّر السُّلطان ببغداد، فازداد الغَلاء، وبيع الكُرّ بتسعين دينارًا، فأسقط التسعير، فعاد الأمر كما كان عليه.
وفيها وصلت الروم إلى الجزيرة، ودخلوا كَفَرْتُوثا، فقتلوا من أهلها ثمان مئة، ومضوا إلى حمص وقد انتقلوا عنها فأحرقوها.
وفيها توفي أبو أحمد الفضل بن عبد الرَّحمن الشيرازي بحُمَّى حادة ووَرَم الحَلْق في المحرَّم.
وفيها نزل ملك الروم أنطاكية، وسرت سراياه في الشام، وأحرق ربَضَ طَرابُلس، وحاصر مدينة عِرْقَة، وفتح حصنها وهدمه، وأخذ منه خلقًا كثيرًا كانوا قد التجؤوا إليه من طرابلس وغيرها، وأخرج أرباض الساحل، ثم قصد حمص وأحرقها ولم يجد فيها أحدًا، ثم قصد حَلبًا، فوجد قرغويه قد حَصَّنها، ويقال: إنه أسر من المسلمين في هذه السنة مئة ألف رأس، ولم يكن يأخذ إلا الشباب والصبايا، ويقتل الشيوخ والكهول والعجائز، ويقال: إنه فتح في هذه السنة ثمانية عشر مِنبرًا للإسلام، فأما القرى فما يُحصى ما أخرجه وأحرق منها، وعبرت خيلُه الفُرات، ووصلت إلى كَفَرْتوثا على ما ذكرنا، وكانت إقامتُه ببلاد الإِسلام شَهرين يفعل هذه الأفاعيل، لا يلقاه أحدٌ من المسلمين، ولا يدفعه دافع، فوقع الوَباءُ في عسكره والفناء، فرجع بالأسارى والغنائم إلى بلده.
ذكر ما جرى بين أولاد ناصر الدولة (١):
بعث أبو تَغْلِب أخاه أبا البركات إلى قتال أخيه أبي المظفَّر حَمدان صاحب الرَّحْبة، فخرج حمدان بأمواله وعياله إلى بغداد، فأكرمه عز الدولة، وأهدى له هدايا كثيرة
стр. 8229
وألطافًا، وسَفَر بينه وبين أخيه أبي تَغْلب في الصُّلح فأجابه، وعاد حمدان إلى الرَّحْبة، وخَلَّف أهلَه وأسبابه ببغداد، فراسله أخوه أبو تَغْلب بالمسير إليه ليتَّفقا على أمر، فامتنع وقال: ما وقع الصُّلح على هذا، فبعث إليه أبو تغلب أخاه أبا البركات، فخافه حَمدان، فخرج من الرَّحْبة يريد بغداد، فأخذ عليه أبو البركات المخاض، فدخل بَرّيَّة تدمر، فكاد يَهلك من العطش، فأرسل إلى أخيه أبي البركات يُقَبِّح فِعلَه ويقول: إن أقمتَ على ما أنت عليه قصدتُ دمشق، فرجع أبو البركات إلى عَرَبان، ورجع حَمْدان إلى الرحبة، فراسله أبو البركات واجتمعا، فقال له: المصلحةُ أن تجتمع بأخيك أبي تغلب لتزولَ الوَحْشة، فامتنع حمدان وافترقا.
وسار أبو البركات إلى ماكِسين، ووصل إلى حمدان مئتا فارس من بني نُمير، فقَوي قَلبُه، وسار خلف أبي البركات واقتتلا، فاتفق أنه وقعت من يد حَمدان في رأس أخيه أبي البركات ضَربة ولم يقصده فقتله، فحَزِن عليه، وبعث به إلى أخيه أبي تغلب في تابوت، وحلف أنه ما قصده، فبكى أبو تغلب وقال: والله لأُلْحِقَنَّه به ولو خرجْتُ من الملك.
وجَهَّز أخاه أبا عبد الله في خمس مئة فارس إلى حَمْدان، وقال: سِرْ فإنّا على إثرك، ثم أردفه بأخيه محمَّد بن ناصر الدولة، فبلغه أن محمدًا واطأ حَمدان على الفَتْك بأبي تَغْلب، فرَدَّه وقَيَّده، وبعث به إلى قلعة تُعرف بمليصا (١)، وبعث إلى أخيه الحسين -وكان مُقيمًا بالحَديثة- يُخبره بما كان في عَزْم أخيه محمَّد من الفَتْك، وأرسل إلى إخوته أبي القاسم وإبراهيم -وكان بعضهم بسِنْجار- فأخبرهم، فصَوَّبوا رأيَه، ثم كاشفوه بعد ذلك، واتفقوا مع حَمدان على قتاله، فجمع وسار إليهم إلى ديار ربيعة، فلم يكن لهم به طاقة، فراسله أخواه الحسين وإبراهيم أن الذي أوحَشَهما ما فعل بأخيهما محمَّد، ودخلا في طاعته، وإنما قصدا الحيلة عليه، وسارا من سِنجار إلى المَوْصل، فقصد إبراهيم بالِس، ومضى أبو الحسين إلى أبي تغلب، ثم سار إبراهيم إلى بغداد، فتلقاه نائب عز الدولة، وأنزله بباب البستان.
стр. 8230
وقصد أبو تغلب أخاه حَمْدان إلى الرَّحْبة، وبعث في مُقَدّمته أخاه هبة الله، فدخل حمدان البرية، وأقام أبو تغلب بَقْرقيسيا، ثم دخل حمدان بغداد، فنزل في الدار التي فيها عِيالُه، وتعرف بدار زُريق الكاتب (١)، وكان عزُّ الدولة غائب أبو اسِط، فلما قدم بغداد أكرمَهَما وأحسن إليهما إحسانًا كثيرًا.
وقال ثابت بن سنان: لما وقع الخلاف بين أبي تغلب وأخيه حمدان -وكان حمدان بالرقَّة- كتب إلى أخيه أبي تغلب يَحلف له بالإيمان المُغَلَّظة، وبطلاق زوجته بنت سعيد بن حَمدان؛ أنه إن أحوجه ليستعينَنَّ عليه بعزِّ الدولة والدَّيلَم، فإن بلغ ما يريد وإلَّا استعان عليه بالقرامطة الهَجَرِيِّين، فإن بلغ ما يريد وإلا استعان عليه بملك الروم، فلما وقف أبو تغلب على كتابه استشاط، وقبض ضِياعَه، وطرد غِلمانه، وبعث إليه أخاه أبا البركات لقتاله، فوصل إلى الرحبة في شعبان، فاستأمن أكثرُ أصحاب حمدان، فصار حمدان إلى مكان يعرف بالدَّالية في مئة رجل، وأخذ عياله وماله، وانحدر إلى بغداد فدخلها في شهر رمضان، فتلقَّاه عز الدولة والحاجب الكبير والجيش، وأنزله في دار قريبة منه وأكرمه.
وكان عزُّ الدولة قد بعث سُبُكْتِكين العَجميّ مولى مُعزّ الدولة للقاء حَمدان من البرية، فلقيه عند هِيت، وانفصل عنه ومضى يتصيَّد، فعَنَّ له حَمير وَحْش، فركض يطلبها، فصرع منها ثلاثة، وصَدَمه غلام له وهو يركض، فوقع على رأسه فأسكت، ومات يوم الجمعة في رمضان ببغداد، وكان قد حُمل إلى منزله، فدفن بمقابر قريش لإحدى عشرة ليلة خلت من رمضان.
وحمل بختيار إلى حمدان مئة وخمسين ألف درهم، وثلاث مئة ثوب من ألوان الخزِّ، والدِّيباج، والعتابيّ، والقَصَب، والدَّبيقي، وعشرة أفراس، وعشرة أبغُل، وأطواق الذهب والفضة، وغير ذلك من الفُرش والمتاع والأثاث، وسفر بينه وبين أخيه في الصُّلح، وقد ذكرناه.