← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 8226–8265 · переход к 8231.

стр. 8226

مَعاذَ الهوى ما ذقت طارِقَةَ النَّوى … ولا خَطَرَتْ منكِ الهُمومُ ببالي أيَحملُ مَحزونُ الفؤادِ فُؤادَه … إلى مَرْقَبٍ نائي المَحَلّةِ عالي تعالي تَرَي روحًا لَدَيَّ ضَعيفةً … على بَدَنٍ مُضْنًى يُعَذِّبُ بالي أيَضْحَكُ مأسورٌ وتبكي طَليقةٌ … ويسكُتُ مَحزونٌ ويَنْدُبُ سالي لقد كنتُ أولى منكِ بالدَّمع مُقلَةً … ولكنَّ دَمْعي في الحوادثِ غالي وقال أيضًا: [من البسيط] ما كنتُ مُذْ كنتُ إلا طَوعَ خِلّاني … ليست مؤاخَذَةُ الإخوان من شاني إذا خليلِيَ لم تَكْثُرْ إساءتُه … فأين مَوقعُ إحساني وغُفراني يَجْني الليالي وأستحلي جِنايتَه … حتى أَدُلَّ على عَفوي وإحساني يَجني عليَّ وأَحْنو دائمًا أبدًا … لا شيءَ أحسن من حانٍ على جاني وقال أيضًا وأحسن فيه: [من المجتث] قَلبي يَحِنُّ إليه … نعم ويَحنو عليه وما جَنى أو تَجَنَّى … إلا اعتَذَرْتُ إليه وكيف أَملِكُ أمري … والقَلْبُ رَهْنٌ لديه وكيف أدعوه عَبدي … وعُهدتي في يديه ذكر مقتله: ذكر ثابت بن سنان وقال: في سنة سبع وخمسين وثلاث مئة في يوم السبت لليلتين خلتا من جمادى الآخرة أو الأولى ورد الخبر بأن وَحْشَةً جرت بين أبي فراس الحارث بن أبي العلاء سعيد بن حَمْدان وبين أبي المعالي شريف الدولة بن حَمْدان، وخرج أبو المعالي يَطلبه، وكان أبو فراس بحمص، فانحاز (١) أبو فراس إلى قريةٍ في طَرَف البَرِّيَّة تُعرف بصَدَد، وأنفذ أبو المعالي غِلمانه ليجمعوا له الأعراب، وكان ظالم العُقَيليّ في جملته، فاستدعاه فتقاعد عليه، فخرج أبو المعالي من حلب، فنزل سَلَمْية بأرض حمص، وجمع بني كلاب، وقَدَّمَهم على مُقَدمته مع قَرَغويه غلام أبيه سيف الدولة، وقطعة من الجيش، فكبسوا أبا فراس على صَدَد، فناوشَهَم ساعة، واستأمن من

стр. 8227

أصحابه إلى قَرَغويه واختلط بمَن استأمَن، فقال قَرَغويه -لا عفا الله عنه- لبعض غلمانه الأتراك: اقتلْه، فضَرَبَه بدَبُّوس فسقط، فنزل الغلامُ فاحتز رأسَه، وبقيت جُثته في البريَّة مُلقاةً، حتى مَرَّ به بعض الأعراب، فكفَّنه ودفنه، وعاد ابنُ سيف الدولة، وقلَّد دكا غلام قرغويه حمص. وهذا قول ثابت بن سنان. وقال الحافظ ابن عساكر ولما بلغ أمه قتله -واسمها سَخينة- قَلعت عينَها حُزنًا عليه، وقتل وهو ابن سبع وثلاثين سنة. واختلفوا في مقتله، فذكر ثابت بن سنان أنه قتل في هذه السنة وهي سنة سبع وخمسين وثلاث مئة، وقال قوم: في سنة خمسين وثلاث مئة (١). وفيها توفي محمَّد بن أحمد ابن علي بن مَخْلَد، أبو عبد الله، الجَوهري، المُحْتَسِب، ويعرف بابن المُحْرِم، أحد تلامذة أبي جعفر الطَّبري. حكى عنه الخطيب أنه قال: تَزَوَّجتُ امرأةً، وجلستُ على العادة أكتب، فجاءت أمُّها، فأخذت المِحْبَرة وضربت بها الأرض فكسرتها، وقالت: هذه أشدُّ علي بنتي من ثلاث مئة ضَرَّة. قال: وقال محمَّد بن أبي الفَوارس: وُلد في سنة أربع وستين ومئتين، ومات في ربيع الآخر في هذه السنة. وحدَّث عن الكُدَيميّ وغيره، وروى عنه ابن رِزْقويه وغيره، وضعَّفه ابنُ أبي الفوارس وقال: في كُتبه مَناكير (٢).

стр. 8228

السنة الثامنة والخمسون وثلاث مئة وفي يوم عاشوراء فُعل ما جَرت به العادةُ من النَّوحِ وغيره. وفيها سَعَّر السُّلطان ببغداد، فازداد الغَلاء، وبيع الكُرّ بتسعين دينارًا، فأسقط التسعير، فعاد الأمر كما كان عليه. وفيها وصلت الروم إلى الجزيرة، ودخلوا كَفَرْتُوثا، فقتلوا من أهلها ثمان مئة، ومضوا إلى حمص وقد انتقلوا عنها فأحرقوها. وفيها توفي أبو أحمد الفضل بن عبد الرَّحمن الشيرازي بحُمَّى حادة ووَرَم الحَلْق في المحرَّم. وفيها نزل ملك الروم أنطاكية، وسرت سراياه في الشام، وأحرق ربَضَ طَرابُلس، وحاصر مدينة عِرْقَة، وفتح حصنها وهدمه، وأخذ منه خلقًا كثيرًا كانوا قد التجؤوا إليه من طرابلس وغيرها، وأخرج أرباض الساحل، ثم قصد حمص وأحرقها ولم يجد فيها أحدًا، ثم قصد حَلبًا، فوجد قرغويه قد حَصَّنها، ويقال: إنه أسر من المسلمين في هذه السنة مئة ألف رأس، ولم يكن يأخذ إلا الشباب والصبايا، ويقتل الشيوخ والكهول والعجائز، ويقال: إنه فتح في هذه السنة ثمانية عشر مِنبرًا للإسلام، فأما القرى فما يُحصى ما أخرجه وأحرق منها، وعبرت خيلُه الفُرات، ووصلت إلى كَفَرْتوثا على ما ذكرنا، وكانت إقامتُه ببلاد الإِسلام شَهرين يفعل هذه الأفاعيل، لا يلقاه أحدٌ من المسلمين، ولا يدفعه دافع، فوقع الوَباءُ في عسكره والفناء، فرجع بالأسارى والغنائم إلى بلده. ذكر ما جرى بين أولاد ناصر الدولة (١): بعث أبو تَغْلِب أخاه أبا البركات إلى قتال أخيه أبي المظفَّر حَمدان صاحب الرَّحْبة، فخرج حمدان بأمواله وعياله إلى بغداد، فأكرمه عز الدولة، وأهدى له هدايا كثيرة

стр. 8229

وألطافًا، وسَفَر بينه وبين أخيه أبي تَغْلب في الصُّلح فأجابه، وعاد حمدان إلى الرَّحْبة، وخَلَّف أهلَه وأسبابه ببغداد، فراسله أخوه أبو تَغْلب بالمسير إليه ليتَّفقا على أمر، فامتنع وقال: ما وقع الصُّلح على هذا، فبعث إليه أبو تغلب أخاه أبا البركات، فخافه حَمدان، فخرج من الرَّحْبة يريد بغداد، فأخذ عليه أبو البركات المخاض، فدخل بَرّيَّة تدمر، فكاد يَهلك من العطش، فأرسل إلى أخيه أبي البركات يُقَبِّح فِعلَه ويقول: إن أقمتَ على ما أنت عليه قصدتُ دمشق، فرجع أبو البركات إلى عَرَبان، ورجع حَمْدان إلى الرحبة، فراسله أبو البركات واجتمعا، فقال له: المصلحةُ أن تجتمع بأخيك أبي تغلب لتزولَ الوَحْشة، فامتنع حمدان وافترقا. وسار أبو البركات إلى ماكِسين، ووصل إلى حمدان مئتا فارس من بني نُمير، فقَوي قَلبُه، وسار خلف أبي البركات واقتتلا، فاتفق أنه وقعت من يد حَمدان في رأس أخيه أبي البركات ضَربة ولم يقصده فقتله، فحَزِن عليه، وبعث به إلى أخيه أبي تغلب في تابوت، وحلف أنه ما قصده، فبكى أبو تغلب وقال: والله لأُلْحِقَنَّه به ولو خرجْتُ من الملك. وجَهَّز أخاه أبا عبد الله في خمس مئة فارس إلى حَمْدان، وقال: سِرْ فإنّا على إثرك، ثم أردفه بأخيه محمَّد بن ناصر الدولة، فبلغه أن محمدًا واطأ حَمدان على الفَتْك بأبي تَغْلب، فرَدَّه وقَيَّده، وبعث به إلى قلعة تُعرف بمليصا (١)، وبعث إلى أخيه الحسين -وكان مُقيمًا بالحَديثة- يُخبره بما كان في عَزْم أخيه محمَّد من الفَتْك، وأرسل إلى إخوته أبي القاسم وإبراهيم -وكان بعضهم بسِنْجار- فأخبرهم، فصَوَّبوا رأيَه، ثم كاشفوه بعد ذلك، واتفقوا مع حَمدان على قتاله، فجمع وسار إليهم إلى ديار ربيعة، فلم يكن لهم به طاقة، فراسله أخواه الحسين وإبراهيم أن الذي أوحَشَهما ما فعل بأخيهما محمَّد، ودخلا في طاعته، وإنما قصدا الحيلة عليه، وسارا من سِنجار إلى المَوْصل، فقصد إبراهيم بالِس، ومضى أبو الحسين إلى أبي تغلب، ثم سار إبراهيم إلى بغداد، فتلقاه نائب عز الدولة، وأنزله بباب البستان.

стр. 8230

وقصد أبو تغلب أخاه حَمْدان إلى الرَّحْبة، وبعث في مُقَدّمته أخاه هبة الله، فدخل حمدان البرية، وأقام أبو تغلب بَقْرقيسيا، ثم دخل حمدان بغداد، فنزل في الدار التي فيها عِيالُه، وتعرف بدار زُريق الكاتب (١)، وكان عزُّ الدولة غائب أبو اسِط، فلما قدم بغداد أكرمَهَما وأحسن إليهما إحسانًا كثيرًا. وقال ثابت بن سنان: لما وقع الخلاف بين أبي تغلب وأخيه حمدان -وكان حمدان بالرقَّة- كتب إلى أخيه أبي تغلب يَحلف له بالإيمان المُغَلَّظة، وبطلاق زوجته بنت سعيد بن حَمدان؛ أنه إن أحوجه ليستعينَنَّ عليه بعزِّ الدولة والدَّيلَم، فإن بلغ ما يريد وإلَّا استعان عليه بالقرامطة الهَجَرِيِّين، فإن بلغ ما يريد وإلا استعان عليه بملك الروم، فلما وقف أبو تغلب على كتابه استشاط، وقبض ضِياعَه، وطرد غِلمانه، وبعث إليه أخاه أبا البركات لقتاله، فوصل إلى الرحبة في شعبان، فاستأمن أكثرُ أصحاب حمدان، فصار حمدان إلى مكان يعرف بالدَّالية في مئة رجل، وأخذ عياله وماله، وانحدر إلى بغداد فدخلها في شهر رمضان، فتلقَّاه عز الدولة والحاجب الكبير والجيش، وأنزله في دار قريبة منه وأكرمه. وكان عزُّ الدولة قد بعث سُبُكْتِكين العَجميّ مولى مُعزّ الدولة للقاء حَمدان من البرية، فلقيه عند هِيت، وانفصل عنه ومضى يتصيَّد، فعَنَّ له حَمير وَحْش، فركض يطلبها، فصرع منها ثلاثة، وصَدَمه غلام له وهو يركض، فوقع على رأسه فأسكت، ومات يوم الجمعة في رمضان ببغداد، وكان قد حُمل إلى منزله، فدفن بمقابر قريش لإحدى عشرة ليلة خلت من رمضان. وحمل بختيار إلى حمدان مئة وخمسين ألف درهم، وثلاث مئة ثوب من ألوان الخزِّ، والدِّيباج، والعتابيّ، والقَصَب، والدَّبيقي، وعشرة أفراس، وعشرة أبغُل، وأطواق الذهب والفضة، وغير ذلك من الفُرش والمتاع والأثاث، وسفر بينه وبين أخيه في الصُّلح، وقد ذكرناه.

стр. 8231

وخرج حمدان من بغداد لخمسٍ بقين بن جمادى الآخرة إلى الرَّحبة، وحمل إليه عز الدولة مثل ما حمل إليه أولًا، وشيَّعه إلى ظاهر بغداد، وخلَّف زوجتَه وأمواله ببغداد، وأفرج أبو تغلب عن الرَّحبة فدخلها، وذكر بمعنى ما ذكرنا من قبل عن أبي البركات، وعودِ إبراهيم وحمدان إلى بغداد، وحمل إليهما عز الدولة الأموال والثياب والهدايا. وفي رمضان قدم الوزير أبو الفضل العباس بن الحسين من الأهواز، وتلقاه الأمير عزُّ الدولة بالوادي والجيشُ والقواد. وفيها لما قدم عز الدولة بغداد نقل أباه معز الدولة من داره إلى تربة بُنيت له بمقابر قريش، مجاورة لقبر موسى بن جعفر ﵇، وهي قائمة إلى هلمَّ جَرا، ومشى بختيار بين يدي تابوته، ولم يتخلَّف أحد من الدولة إلا المطيع. وفيها استولى القائد أبو الحسن جَوْهر غلام المنصور بن القائم بن عبيد الله المهدي على مصر، وكان أرسله إليها المعز لدين الله أبو تميم مَعَدُّ بن المنصور، وبعث معه الجيوش والقبائل والبربر والخزائن، فدخلها في شعبان يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت منه، وخطب للمعزّ بها على جميع المنابر، وكان الخطيب عبد السَّميع بن عمر العباسي، وانقطعت دعوة بني العباس في هذه السنة من مصر والحجاز واليمن ونواحيها والشام، وصارت للمصريين، وهربت الإخشيدية من مصر إلى الشام، ولم تزل الدعوة للمصريين بهذه الأماكن من هذه السنة إلى سنة خمس وستين وخمس مئة، مئتي سنة وثمان سنين، ومضى بعد المطيع سبعة من الخلفاء، حتى عادت الدعوة في زمن المستضيء لما نذكر إن شاء الله تعالى. ولما وصل القائد جوهر إلى مصر كان الحسن بن عبيد الله بن طُغْج بالرَّمْلة، والشام بيده، فبعث إليه القائد جوهر قائدًا يقال له: جَعفر بن فلاح، فقاتلهم فأخذوه أسيرًا، وبعث به جعفر إلى مصر، فبعث به جوهر إلى المُعِزّ إلى المغرب، فكان آخر العهد به، وهذا الحسن -وكنيته أبو محمَّد- هو الذي مدحه المتنبي بقوله: [من الطويل] أيا لائمي إن كنتَ وقْتَ اللوائمِ … علمتَ بما بي بين تلك المَعالِمِ (١)

стр. 8232

القصيدة. ثم سافر ابن فلاح إلى دمشق، فدخلها في المحرم سنة تسع وخمسين وثلاث مئة، وخطب بها للمعز يوم الجمعة بالجامع، وهي أول خطبة خطب بها للمعزيين بدمشق، وبطلت خطبة بني العباس، وعاد ابن فلاح إلى الرَّملَة. قال ابن عساكر: وقام الشريف أبو القاسم إسماعيل بن أبي يعلى بدمشق، وقام معه الأحداث، ولبس السَّواد، ودعا للمطيع، وأخرج إقبالًا والي المصريين. وبلغ ابن فلاح، فعاد إلى دمشق في ذي الحجة، فنازلها، فقاتله أهلُها، فظهر عليهم ودخلها، وهرب الشريف أبو القاسم إلى بغداد على البَرِّيَّة، فقال ابن فلاح: مَن جاء به فله مئة ألف درهم، فلقيه ابن عليان العَدَويّ في البرية، فجاء به إلى ابن فلاح، فشَهره على جَمل، وعلى رأسه قَلَنْسوة من لُبود، وفي لحيته ريشٌ مَغروز، ومن ورائه رجل من المغاربة يوقع به الفعل، ثم حبسه، وبعث إليه ابن فلاح بطعام، فامتنع من أكله، فقال له: كُل فالذي تَحذرُ منه وقعتَ فيه. ثم استدعاه ليلًا وقال له: ما حَملَك على ما صنعتَ وقطعتَ دعوة مولانا، ومن وَثَّبَكَ على هذا الأمر؟ ووَبّخه فقال: ما وَثَّبني عليه أحد، وإنما هو رأي سَبَّحَ لي، وأوقَعَني فيه القضاء والقدر، وأنا في يديك فاصنع بي ما شئتَ، والتَعييرُ أشدُّ من القتل، فرَقَّ له ابن فلاح وقال: لا بأس عليك، ووعده أن يُكاتب فيه جوهرًا ويُخَلِّصَه، ثم قال للذين أَتَوْا به: لا جَزاكم الله خيرًا، غَدَرْتُم بالرجل؟! واسترجع منهم المئة ألف درهم، ولم يَنَلْه بسوء لشرفه وكرمه وحسن سيرته، وكان ابنُ فَلاح يحبُّ العَلويين (١). [فصل:] وفيها مات أحمد بن الراضي بالله بمرض البواسير، وطالت عليه، ودُفن عند أبيه بالرُّصافة، وكان في عَزْم ملك الروم أن يَقْصِد البيت المقدس فصرفه الله عنه. وفي ذي الحجة كتب المطيع لأبي شُجاع عضد الدولة عَهْدَه على كِرْمان، وأنفذ إليه الخِلَع واللواء وطَوْقًا وسِوارَيْن.

стр. 8233

وفيها توفي سابور بن أبي طاهر القِرْمُطي في ذي الحجة، كان قد طالب عُمومته بتسليم الأمرِ إليه، فحَبَسوه، فأقام أيامًا، وأخرج مَيتًا من الحبس (١). وعمل في ذي الحجة ببغداد غَديرُ خُمّ على ما جرت به العادة. وفيها قصد هبة الله بن ناصر الدولة مَيافارِقين وبها زوجة سيف الدولة بنت أبي العلاء سعيد بن حَمدان، فأغلقت الأبواب في وجهه، فأظهر أنه يُريدُ الغَزْوَ، وطلب مالًا، وكان قَصْدُه البلد، فراسلت مَن كان معه من غلمان سيف الدولة واستمالَتْهم، فتقاعدوا عنه، فرحل على أقبح حال (٢). وحج بالناس أبو محمَّد نَقيبُ الطَّالبيين من بغداد، وحج من مصر قائدٌ معه أموالٌ عظيمة، ففرَّقها في أهل الحَرَمين، وخُطب للمعز بمكة والمدينة واليمن، وبَطلت الخطبةُ لبني العباس. وفيها توفي إبراهيم بن أحمد بن الحسن أبو إسحاق، القِرْمِيسينيّ، الصوفي. شيخُ الجبال (٣) في وقته، وله مقامات في الوَرَع، صحب المشايخ، وكان مُتَمَسِّكًا بالكتاب والسنة. وقال (٤): بقيتُ أربعين سنة ما بتُّ في مَوضع فيه سَقْف، وبقيتُ مدَّةً أشتهي شَبعة (٥) عَدَس، فخرجتُ يومًا، فرأيتُ قواريرَ مُعَلَّقة، فقيل: هذه خَمر وعندها دِنان، فكسرتُ

стр. 8234

الجميع، فحملوني إلى ابن طولون، فضربني مئتي (١) خَشَبة وحَبَسني، وبلغ أستاذي أبا عبد الله المغربي فخلصَني، ولما وقعت عينُه على قال: أيش فعلت؟ قلت: شبعة عدس ومئتي خشبة، فقال: لقد نجوتَ مَجَّانًا. وقال: أتيتُ الرقَّة لأَعْبُرَ الفرات إلى الشام ومعي جماعة، فنزلنا في سفينة، وفيهم غلامٌ حَدَث، فقال: بالله لا تُعبروني في الفرات، فوالله إني لأفزع من ساقية، فشدَدْنا عينيه، وأمسك (٢) بيدي حتى عبر، فلما صرنا إلى ذلك الجانب قمتُ أُصلّي، ومعنا مقرئ، فقرأ شيئًا من القرآن، فتواجد الغلام، وألقى نفسَه في الفرات، فقطعها يَشُقّها شَقأوما ابتلَّ ثوبُه، فلما صار في ذلك الجانب وقف باهتًا، فأرسلتُ إليه السفينة فعبر فيها. استوطن إبراهيم المَوْصِل، وكان صالحًا ثقة (٣). أحمد بن رُمَيح بن وَكيع أبو سعيد، النَّخَعيّ (٤). ولد بالشَّرْمَقان، ونشأ بمَرْو، ومضى إلى اليمن فأقام عند الزيديّة. وقال الحاكم: سألتُه المقامَ بنَيسابور فقال: عند مَن أُقيم، ما الناس اليوم بخُراسان إلا كما أنشدني بعضُ أشياخنا: [من الطويل] (٢)

стр. 8235

كفى حَزَنًا أن المروءةَ عُطِّلَتْ … وأنّ ذوي الألبابِ في الناس ضُيَّعُ وأن ملوكًا ليس يَحظى لديهمُ … من النَّاسِ إلا مَن يُغَنِّي ويُصْفَعُ [وفيها توفي] كافور بن عبد الله الخادم الإخشيدي، أبو المِسْك، صاحبُ مصر. اشتراه سيّده أبو بكر محمَّد بن طُغْج بثمانية عشر دينارًا -وقيل: بخمسة عشر- من الزَّيَّاتين، فاستولى على مصر والشام، وتوفي الإخشيد سنة أربع -أو خمس- وثلاثين وثلاث مئة، فأُقعِد ابنُه أبو القاسم أنوجور، وأبو الحسن علي مكانه، ودخلا مع الخليفة في ضَمان البلاد، وكان المُدَبِّر لأمرهما كافور، وسار إلى مصر فقتل غَلْبون ومَلَكها- وكان غَلْبون قد تَغلَّب عليها. وكان كافور شجاعًا، مِقدامًا، جَوادًا، يُفَضَّل على الفحول، وقصده المتنبِّي ومَدَحه، فأعطاه أموالًا كثيرة، ثم فارقه إلى العراق. وقال أبو الحسن بن آذِن النَّحْوي (١): حضرتُ مع أبي مَجلسَ كافور وهو غاصٌّ بالناس، فقام رجل فدعا له وقال في دعائه: أدام الله أيامِ مَولانا، بكسر الميم من أيام، فأنكر كافور والحاضرون ذلك، فقام رجلٌ من أوساط الناس فقال: لا غَرْوَ أن لَحَن الدَّاعي لسيِّدنا … أو غَصَّ من بَهَرٍ (٢) بالرِّيق أو بَهَرِ فمِثلُ هَيبَته حالت جَلالتُها … بين الأديب وبين القَوْلِ بالحَصَرِ وإن يكن خَفَض الأيامَ من غَلَطٍ … في موضعِ النَّصْبِ لا عن قِلةِ البَصَرِ فقد تفاءلْتُ من هذا لسيِّدنا … والفَألُ مَأثَرة عن سيِّدِ البَشَرِ بأنَّ أيَّامَه خَفْضٌ بلا نَصَبٍ … وأنَّ أوقاتَه صَفْوٌ بلا كَدَرِ فعجب (٣) الحاضرون وكافور، ووصَلَه وأحسن جائزتَه.

стр. 8236

وذكر له جدي في "المنتظم" حكاية من أحسن ما يُخَلَّد في بطون الأوراق مما يدلُّ على مكارم الأخلاق فقال: حكى أبو جعفر المسلم بن عُبيد الله بن طاهر العَلويّ النَّسابة قال: ما رأيتُ (١) أكرمَ من كافور، كنتُ أُسايره يومًا وهو في مَوكب خفيف يُريد التَّنَزُّه، وبين يديه عِدَّةُ جَنائب بمراكبِ ذهب وفضَّة، وخلفَه بِغالُ الموكب، فسقطت مِقْرَعَتُه من يده ولم يرها ركابيته، فنزلتُ عن دابتي، وأخذتُها من الأرض، ودفعتُها إليه، فقال: أيها الشَّريف، أعوذ بالله من بلوغ الغاية، ما ظننتُ أن الزمان يُبلّغني حتى تفعل بي أنت هذا، وكاد يبكي، فقلت: أنا صنيعة الأستاذ ووليّه، فلما بلغ باب داره وَدَّعني، فلما سرتُ التفتُّ فإذا بالجنائب والبغال كلها خلفي، فقلت: ما هذا؟ قالوا: أمر الأستاذ أن يُحمل مركبه كله إليك، فأدخلتُه داري، فكانت قيمتُه تزيد عن خمسة عشر ألف دينار (٢). وقال المصنف ﵀: كان (٣) المسلم [بن عبيد الله بن طاهر بن يحيى النَّسَّابة] من صالحي العَلويين وساداتهم. [ذكر حكاية له: ذكرها أبو العباس النَّسابة مصنف كتاب "ترجمة المشتاقين" فقال:] كان له غلام قد ربّاه، وكان من أحسن الغِلمان، فرآه بعضُ القُوَّاد، فبعث إليه ألف دينار مع رجل وقال: [اذهب إلى الشريف و] اشتر لي منه الغلام. [قال الرجل: فوافيتُه وهو في الحمَّام، ورأيتُ الغلام عريانًا، فرأيتُ منظرًا حسنًا] فقلتُ في نفسي: لا شكَّ أن الشريفَ لا يَفوتُه هذا الغلام، [وظننتُ ظنَّ السُّوء] وأدَّيتُ الرسالة، فقال: ما دفع فيه هذا الثَّمن إلا وهو يُريد أن يعصي الله، ارجع إليه بماله فلا أبيعُه، [قال الرجل: فعُدتُ] إليه فأخبرتُه.

стр. 8237

ونمتُ تلك الليلة، فرأيتُ النبي ﷺ في المنام، فسلَّمتُ عليه فما رَدَّ، وقال: ظَنَنْتَ في ولدي مُسلم الخَنا مع الغلام، امض إليه واسأله أن يجعلك في حِلّ. [قال الرجل:] فلما طلع الفجر مضيتُ إليه، وأخبرتُه بالمنام، وبكيتُ، وقَبَّلتُ يديه ورجليه، وسألتُه أن يَجعلني في حِلّ، فبكى وقال: أنت في حِلّ والغلام حرٌّ لوجه الله تعالى. ذكر وفاته: مات كافور سنة ثمان وخمسين، وقيل: سنة ست وخمسين، وقيل: سنة سبع وخمسين وثلاث مئة، في جمادى الأولى، قبل وصول القائد جوهر إلى مصر بيسير، وكتب على قبره، وحمل تابوته إلى القدس (١): [من البسيط] ما بالُ قبرِك يا كافورُ مُنْفَردًا … بالصَّحْصَح المَرْتِ بعد العَسْكَرِ اللَّجِب يَدوسُ قبرَك آحاد الرجال وقد … كانت أُسودُ الشَّرى تَخشاك من كَثَبِ وقال الوليد بن بكر الغَمْري: وَجَدْتُ على قبر كافور مكتوبًا: [من البسيط] انظُرْ إلى عِبَر الأيام ما صَنعتْ … أفنتْ أُناسًا بها كانوا وما فَنِيَتْ دُنياهم ضَحكتْ أيامَ دولتهم … حتى إذا فَنِيتْ ناحَتْ لهم وبَكَتْ وكانت إمارته اثنتين وعشرين سنة. وقيل: لما دخل جوهر مصر خرج كافور إلى الشام فمات به، والأصح أن جوهرًا دخل بعد موت كافور، والله أعلم. [وفيها توفي] محمَّد بن أحمد بن جعفر أبو بكر، الشَّبَهِيّ (٢)، النيسابوري.

стр. 8238

[قال ابن خميس:] كان من أفتى مشايخ نَيْسابور في زمانه [، صحب أبا عثمان الحِيري]. سئل عن الفتوة فقال: هي حسنُ الخُلُق، وبَذْلُ المعروف. وقال له بعض أصحابه: إنني إذا دخلتُ السُّوق يقول الناس: انظروا إلى خشوعِ هذا المُنافق، فقال له: فخف الله على نفسك؛ فإن النبي ﷺ قال: "المسلمون شهداء الله في الأرض". مات قبل الستين وثلاث مئة (١).

стр. 8239

السنة التاسعة والخمسون وثلاث مئة فيها عُمل ببغداد يوم عاشوراء ما جرت به العادة. وفيها في صفر أخذت الروم أنطاكية، نزلت الروم على حصنٍ قريب منها يُعرف بحصن لوقا (١) وأهله نصارى، فوافقوهم على أن ينتقلوا منه إلى أنطاكية، ويُظهروا أنهم إنما انتقلوا منه خوفًا من الروم، حتى إذا حصلوا بأنطاكية وجاءت الروم فنازلتها عاونوهم على فتحها، وانصرفوا عنهم على ذلك، فانتقل النصارى إلى أنطاكية، وفي أحد جوانبها جبل، فنزلت النصارى فيه، واستوطنوه، ولم يعلم أهل أنطاكية بما كان بين النصارى والروم. ثم جاء الروم بعد شهرين مع أخي نقفور الملك، فحصروا أنطاكية، فصَعِد أهلها على الأسوار، وجاءت طائفة فقصدوا الجبل الذي فيه النصارى، ففتحوا لهم الأبواب فدخلوا، ووضعوا السيف في أهلها، وسَبَوا وقتلوا خلقًا عظيمًا، وساقوا من النساء والصبيان ما أرادوا وقيل: سَبَوا عشرين ألفًا، وبعثوا بهم إلى بلادهم، وقالوا للشيوخ والعجائز والأطفال: اذهبوا حيث شئتم. ثم أنفذ الملك جيشًا إلى حلب في عشرة آلاف، فملكوا الرَّبض، وكان شريف بن سيف الدولة يحاصرها وفيها قَرغويه، فانحاز شريف إلى خُناصِرة طرف البرية ليبعد عن الروم، وبقي قرغويه وأهل حلب في القلعة. فخرج إلى الروم رجلٌ هاشميٌّ من أهل حلب يقال له: طاهر، ومعه جماعة من الأعيان، فتوسَّط (٢) بين قرغويه وبين الروم، وترَدَّدت الرسائل حتى تقرَّر الأمرُ بينهم على صُلحٍ وهُدنةٍ مؤبَّدة، وكتبوا بينهم كتابًا مضمونه: أن الصلح تقرر بين قرغويه الحاجب السَّيفي الدمشقي وفتاه بَكجور وجماعة من أعيان الحلبيين وبين الخادم الطربادي صاحب مائدة نَقفور -وكان هذا الخادم يقود الجيوش ولم يكن له منزلة الدُّمُسْتق- وتاريخ الكتاب في صفر سنة تسع وخمسين وثلاث مئة على أن يدفعوا لهم كل سنة وزن ثلاثة قناطير من الذهب، وقيل: من الفضة، على أن يؤمنوهم على

стр. 8240

أموالهم وأنفسهم وأهاليهم وجميع المسلمين، وتدخل في الصُّلح حلب وأعمالها، وحمص وأعمالها، وسَلَمية، وجُوسِيَة، وشَيزر، وكَفَرْطاب، وأفامية، ومَعرّة النُّعمان، وجبل السُّمَّاق، ومَعَرّة مَصْرِين، وقِنَّسْرِين، والعَمْق، والزَّرَّاعة. وذكروا الأماكن المختصَّة بهذه البلاد، ولم يذكروا حماة، والظاهر أنها لم تكن عامرة يومئذ، وجعلوا الحدَّ الفاصل من الشرق الفرات، ومن الغرب البحر وأنطاكية، ومن الشمال أَعْزاز، وجعلوا ما يأخذونه في أقساط مُقسَّطة في ثلاث دفعات، ففي كانون الأول قنطار، وفي أواخر حزيران قنطار، والثالث في أواخر تشرين الثاني، ووزن كل قنطار سبعة آلاف ومئتي مثقال بالرومي، وزن كل مثقال درهم ونصف إسلامي. وشرطوا على المسلمين شروطًا منها: أن المسلمين من سُكَّان حلب والبلاد التي ذكرنا والقرى يُؤدّون عن كل إنسان يَتمُّ له خمسة عشر سنة ستة عشر درهمًا، سوى العِميان والزَّمْنى، وأن لا يؤخذ من النصارى جِزية، وأن لا يكون للمسلمين سلطان إلا مَن يُنَصّبه ملك الروم، ومتى غزا الملك بلادَ الإسلام يكون عَسكرُ هذه البلاد في خدمته، ومتى ورد جاسوسٌ يريد بلاد الروم حَمله مُقَدَّم حلب إليهم، وأن لا يَعْمُرَ المسلمون حصنًا، ويمكِّنوا النصارى من عِمارة (١) البِيَع والكنائس والصَّوامع، وأن يعطوهم رهائنَ من حلب ممن يختارونه ويسمُّونه من الأشراف، وذكروا أشياءَ أُخَر. فأعطاهم قرغويه ما طلبوا، ورجعوا عن البلاد إلى بلادهم ومعهم رهائن من أهل حلب: أبو الحسن بن أسامة، وأبو طالب الهاشمي، وأبو الفرج العطار وغيرهم. وسببُ هذا اختلاف المسلمين، أما بغداد فكان الخُلفاء من بني بُوَيه مثل الأسرى، وأما الجزيرة فكان الخلاف بين أولاد حَمْدان واقعٌ، وأمورُهم مُخْتَلَّة، وأما مصر فكانت فتوحًا متجددة، ولم يتمكَّن جَوْهر بعدُ من البلاد. [فصل:] وفيها قُتل نقفور ملك الروم، وبسبب قتله صالح الروم ورجعوا إلى بلادهم.

стр. 8241

وفيها في ربيع الأول انتظم الصُّلْحُ بين أبي المعالي بن سيف الدولة وبين قرغويه، وأقاما الخطبة بحلب للمُعزّ، وبعث إليهما جوهر القائد بالأموال والخِلَع. وفي رجب جاء أبو تَغْلب بن ناصر الدولة من الموصل، فحَصر حَرَّان شهرًا فلم يقدر عليها، وأفسد أصحابُه ثمارَها وزَرْعَها، وقَلَّت المِيرةُ عنده، فخرج إليه المحسن بن أبي عبيد الله العلوي والحسن بن صغير من حيث لم يعلم أهل البلد، فأخذا لهم أمانًا، ودخل أبو تغلب وإخوته يوم الجمعة إلى حَرَّان، فصلَّوا الجمعة وخرجوا إلى العسكر، وجعل أبو تغلب الخيار إلى أهل حَرّان فيمَن يولّي عليهم، فاختاروا سَلامة البَرْقَعيديّ لحُسن سيرته فولاه، ثم رجع أبو تغلب إلى الموصل، وأخذ معه أربعين من أحداث حران (١). وفي ربيع الآخر نادى الهَجَريّون: لا يخرجْ من البصرة قافِلة، ولا من الكوفة، ولا إلى مكة، ومَن خالف فلا ذِمامَ له. وفيها صُرف القاضي أبو بكر أحمد بن سيَّار عن القضاء في حَريم دار السلطان، ورُدَّ القضاء إلى أبي محمد بن مَعروف، وتقلَّد ابن سَيّار القضاء بطريق خُراسان مضافًا إلى ما كان بيده. وفيها كتب جماعة من أهل مَيّافارِقين إلى أبي تغلب بتسليم ميافارقين إليه، وعلمت والدةُ أبي المعالي، فجمعت أهلَ البلد عندها، واعتقلت منهم جماعة، وجدَّدت الأيمانَ عليهم لولدها، وكان بالشام يُصلح الحال. وفيها استوزر بختيار أبا الفرج محمد بن العباس بن فَسَانْجس الشِّيرازي، وخلع عليه، وسلم إليه الكتاب والدواوين، وكان قد ضمن له سبعة آلاف ألف درهم، فأخذها من الكُتّاب، منهم أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الصَّابئ، أخذ منه مئتي ألف درهم، ومن الحاشية بأسرهم، ثم انحدر إلى واسط والبصرة والأهواز على تسع مئة ألف درهم، وصادر عامل واسط والبصرة، وأخذ خطوطهم بستة آلاف ألف درهم، وجمع أموالًا عظيمة، وكتب إلى بختيار أنه قد خان، فقبض عليه وعلى أهله وأسبابه، واعتقل في البصرة (٢).

стр. 8242

[قال ثابث بن سنان:] وفيها وصلت هدية إسحاق بن إبراهيم بن زياد صاحب اليمن من البصرة، وفيها فيل، ودَقَل من عودٍ قَماري، طوله عشرة أذرع، ووزنه ثلاثون منًّا. قال ثابت: وكان فيه قشر بيضة ذكروا أنها بيضة حية، فكانت تسع من الماء على التقدير خمسة عشر رطلًا بالعاقي. [قال: وظننت أنها بيضة نَعامة إلا أن قشرها كان أغلظ، ولونها مُخالف للون النَّعام. وكان فيها ببغاء بيضاء وسوداء المِنقار والرجلين، وعلى رأسها ذؤابة. وأظرف ما كان في الهدية: حمارة كبيرة عظيمة الخَلْق في قدر البغل الصغير، مُخطَّطة أحسن تخطيط، وذكروا أن هذه الأتان من بلدة من بلاد الحَبَش تملكها امرأة، وبينها وبين اليمن ألف وثمان مئة فرسخ (١). وفيها انقض كوكب عظيم ثلث الليل الأول أشرقت الدنيا به، حتى صار كأنه شعاع الشمس قد طلعت، وسُمع بعد انقضاضه صوتٌ عظيم كالرعد الشديد؛ من غير أن يكون في السماء غَيمٌ. وحج بالناس أبو أحمد [النقيب، واسمه] الحسين بن موسى، نقيبُ الطَّالبيين، وجاء كتابه إلى بغداد في أول سنة ستين وثلاث مئة أنه لم يَرِد أحدٌ من مصر، وأنه أقام الخطبة للمُطيع والهَجَريّين بعده، وعَلَّق القناديل التي بعثها المطيع معه في البيت، وكان فيها قنديل من ذهب فيه ست مئة مثقال والباقي فضة، وأنه نصب الأعلام الجُدد التي كانت معه وعليها اسمُ الخليفة. وفيها توفي صالح بن عُمير العُقَيليّ ولي إمرة دمشق خلافةً عن الحسن بن عُبيد الله بن طُغْج سنة سبع وخمسين وثلاث مئة لما انهزم فاتك الكافوري، وكان صالح يتولّى الجَيْدور، فأرسل إليه شيوخ البلد، فجاء فسلَّموا إليه دمشق، وغلب القُرمطيّ على الشام، فخرج صالح إلى الرَّمْلَة، فلما عاد القرمطيّ إلى الأحساء عاد صالح إلى دمشق فمات بها، وكان شجاعًا جوادًا (٢).

стр. 8243

فاتِك أبو شُجاع، الخازن، الإخشيديّ. ولي إمرة دمشق سنة خمس وأربعين وثلاث مئة من قبل ابنَي الإخشيد، وكان شجاعًا، وهو غير فاتك الذي رثاه المتنبي، ذاك مات سنة خمسين وثلاث مئة بمصر، وهذا مات بدمشق (١). [فصل: وفيها توفي] نقفور ملك الرُّوم لم يكن من بيت المُلك، وذكر مَن زعم أنه يعرف أمره أنه وَلَدُ رجلٍ مسلم من أهل طرسوس يعرف بابن الفَقَّاس (٢) تَنَصَّر. وكان نقفور رجلًا شُجاعًا، شَهمًا، مُدَبِّرًا سائسًا، لم يُرَ مثلُه منذ عهد الإسكندر ذي القَرْنَين، وهو الذي فتح حلب ولم يفتحها أحدٌ قبله، فعَظُم في عين الروم، وجَلّت منزلتُه، وارتفع قَدرُه، فوثب على الملك الذي كان في زمانه، فقتله، وجلس مكانه، وتزوج امرأته على كُرْهٍ منها، وكان لها ولدان (٣) من المقتول. وصرف نقفور هِمَّته إلى بلدان الإسلام، وحيازة الأول فالأول منها، حتى ملك طَرَسوس، وأنطاكية، وعين زَرْبى، وأَذَنة، والمِصّيصة، وما يُجاورها من الحصون، وأحرق رَساتيقَ كثيرة [، وفعل ما شرحناه]. وكان يَرْصُد البلاد، فإذا جاء استواء الغِلال (٤) خرج فأحرقها، فيموت أهلُ البلاد جوعًا، وقتل من أهلها ما لا يُحصى، وسبى من النساء والغلمان والشباب ما لا يُحصيه حَدّ، ولم يلْقَه أحد، وساعدته المقادير بما وقع بين المسلمين من الخُلف، وشُغل بعضهم ببعض، ولم يَشُكَّ أحدٌ في أنه يأخذ بلاد الشام وديار ربيعة ومُضَر (٥).

стр. 8244

فلما استوثق له الأمر، وانتظم له التدبير؛ انقضت مدَّتُه، وأتاه الله من حيث لا يحتسب، فقُتل بأضعف سبب وأهونه؛ وذلك لأنه عمل على أن يَخصي ابني زوجته من الملك الذي قتله، ويَهديهما إلى البِيعة ليستريح منهما ومن أن يكون لهما نَسلٌ يَصلُح للملك، فيَأمَن بذلك على نفسه ومُلكه ومُلك مَن بعده من ولده وعقبه. وبلغ زوجتَه فقَلِقت (١) لذلك، واحتالت في أن أرسلت إلى الدّمُسْتق -وهو ابن الشَّمشق، واتفقا على أن يصل إليها في زي النساء ومعه جماعة ممن يثق بهم في مثل زيه، وكان ابن الشمشق شديد الخوف من نقفور لعظم هيبته، فاستجاب للمرأة ليستريح منه ويأمن على نفسه، فاحتالت حتى أدخلتهم الكنيسة التي تتصل بدار الملك في ليلة الميلاد من سنة تسع وخمسين وثلاث مئة في شهر ربيع الأول، وقد صلَّى نقفور ونام واستثقل في نومه، ففتحت المرأة الباب الذي بين الكنيسة والدار، فدخلوا عليه فقتلوه، وثار جماعة من أصحابه، فقتلوا منهم سبعين رجلًا، وأجلسوا في الملك الأكبر من وَلَدي المرأة، وصار المدبِّر له ابن الشمشق. وكان نقفور يبات في الحديد (٢)، إلا تلك الليلة فإنه نام عُريانا للأمر المقدور، وعجل الله بروحه الخبيثة إلى النار، وأراح المسلمين منه، وكانت قِتلته بالقسطنطينية (٣).

стр. 8245

السنة الستون وثلاث مئة فيها في يوم عاشوراء فعل ببغداد ما جرت به العادة من النَّوح وغيره. وفي صفر لحقت الخليفة سَكتةٌ، فاسترخى جانبُه الأيمن، وثَقُل لسانُه. ومات أبو الفضل محمد بن الحسين بن العَميد وزير رُكن الدولة بن بُوَيه، واستكتب ركن الدولة أبا الفتح علي بن محمد بن الحسين. وفيها في ربيع الأول زَوَّج عزُّ الدولة ابنتَه [واسمها] بلكندر وعمرها ثلاث سنين من أبي تَغْلب [بن ناصر الدولة] على صداق مبلغه مئة ألف دينار، وكان العقد في دار عز الدولة ولم يحضره، وقبل العقد عن أبي تغلب صاحبه علي بن عمرو بن مَيمون. وفيها تقَلَّد القاضي أبو محمد بن مَعروف قضاء القُضاة، وقضاء الجانب الشَّرقي من مدينة السلام، مُضافًا إلى القضاء بالجانب الغربي ومدينة المنصور، وخُلع عليه بين يدي المطيع، وركب معه الوزير أبو الفضل العباس بن الحسن الشِّيرازي إلى جامع الرُّصافة، وقُرئ عهده، وصُرف أبو بكر بن سَيَّار من الجانب الشرقي، وقبل ابن معروف شهادة أبي سعيد الحسن بن عبد اللَّه السِّيرافي، واستخلفه على الحُكم في الجانب الشرقي، وقبل أيضًا شهادة أبي الحسن علي بن عيسى الرُّمَّاني النَّحْويّ. وفيها قبض أبو تغلب على أخيه محمد في شعبان وحمله إلى القلعة (١). قال المصنف ﵀ (٢): وإلى هذه السنة انتهى تاريخ أبي الحسن ثابت بن سنان، وقيل (٣): إلى سنة ثلاث وستين، وهذا أصح، [ذكره ابن الصابئ وغيره، وختم ثابت كتابه في هذه السنة، انتهى بذكر بعضها. والدليل أن تاريخ ثابت بن سنان انتهى إلى سنة ستين وثلاث مئة قولُ أبي الحسن هلال بن المُحَسِّن بن إبراهيم الصَّابئ في تاريخه الذي ذيَّله على تاريخ ثابت بن سنان، قال: وآخره سنة ستين وثلاث مئة لما نذكر.

стр. 8246

ذكر ما ختم به ثابت بن سنان تاريخه من العجائب: قال: ومنه ما شاهدته، ومنه ما أخبرني به مَن أثق به لصدق لهجته، من بني آدم والحيوان والنبات، فمن ذلك قال: رأيت امرأة في صدر خلافة المقتدر ببغداد بلا ذراعين ولا عَضُدَين، ولها كَفَّان وأصابع مُعَلَّقات في رأس كتفيها لا تعمل بهما شيئًا، وكانت تعمل أعمال اليدين برجليها، وتفعل بهما كل ما تريد حتى الغَزْل، وتسرِّح رأس امرأة غيرها، و] منها (١) أن مَلَّاحًا كان يَنْقُط اللَّبَنُ من ثديه، وأنه كان يُرضع ابنًا له (٢) من ذلك اللبن، وعاش مدة. ومنها أن امرأةً كان لها قَرْنان في جانبَي رأسها. ومنها أن رجلًا قدِم من مصر إلى بغداد وله قَرْنان، فقطعهما وكواهما، وكانا يَضربان عليه، فبرئ. ومنها سِنَّورٌ أحمر لونه كلون العُنَّاب، وله أَلْيَةٌ عِوضُ ذَنَبِه [، وذكر أشياء من هذا الجنس]، ومَبدأُ كتابه من خلافة المقتدر في سنة خمس وتسعين ومئتين إلى هذه السنة، وهي سنة ستين وثلاث مئة، خمس وستون سنة. وفيها سار أبو محمد الحسن بن أحمد القرمطي من هَجَر والأحساء إلى الشام ومعه محمد بن عَضودا وظالم بن مَوهوب العُقَيلي في قبائل العرب، فحاصر دمشق في ذي الحجَّة، فخرج إليه القائد جعفر بن فَلاح، فاقتتلوا أيامًا، فلما كان في آخرها حَمل القِرمطيُّ بنفسه على جعفر فقتله، وقتل عامَّة عسكره، وملك دمشق، وولّاها ظالم العُقيلي، وأقام القرمطيُّ بها أيامًا ثم عاد إلى هجر، وخرج بعده ظالم من دمشق (٣). وحج بالناس أبو أحمد النَّقيب.

стр. 8247

[فصل: وفيها توفي إبراهيم بن محمد ابن صالح بن سِنان بن يحيى بن الأركون، أبو إسحاق، الدِّمَشْقيّ. قال الحافظ ابن عساكر: هو مولى خالد بن الوليد؛ لأن خالدًا سبى الأركون حين فتح دمشق، فأسلم على يده، قال: وإلى جده سنان تُنسب قَنْطَرة سنان بنواحي باب توما. سمع إبراهيم الكثير، وتوفي بدمشق وقد جاوز الثمانين. حدَّث عن أبي زُرْعَة الدِّمَشْقي وطبقته، وروى عنه ابن مَنْده وغيره، وكان ثقة.] (١) وفيها توفي جعفر بن فلاح أحد قُوَّاد المِصريين، وأول أمير ولي لهم دمشق، وكان فيمن خرج مع جَوْهر من المغرب، وشهد معه فتوحَ مصر، ثم بعثه جوهر فغلب على الرَّمْلَة سنة ثمان وخمسين وثلاث مئة، وأقام بدمشق. ولخمس (٢) خلون من صفر من هذه السنة أمر المؤذنين بجامع دمشق أن يؤذنوا بحي على خير العمل، وكذا بالمساجد، وأن يُثَنُّوا الإقامة [كما هو مذهب أبي حنيفة]. وكان ينزل بمكان يقال له: الدّكّة، بين نهر يزيد وتورا، وقيل: هي فوق يزيد قريبًا من دير مُرَّان، فجاء أبو محمد الحسن بن أحمد القرمطي إلى دمشق ويُلقَّب بالأعصم، وكان جعفر مريضًا، فخرج فقاتله، فقتله القرمطي في ذي القعدة، وقيل: في شوال، ولما علم بقتله بكاه ورثاه؛ لأنهما وإن كانا عَدوَّين غير أن التشيع يجمعهما (٣). وكان جعفر شاعرًا، كتب إلى الوزير يعقوب ويقال: إنها له، وهي هذه الأبيات:

стр. 8248

ولي صديقٌ ما مَسَّني عَدَمٌ … مُذْ نَظَرتْ عينُه إلى عَدَمي أعطى وأقنى ولم يُكَلِّفني … تَقبيلَ كفٍّ له ولا قَدَم قام بأمري لما قَعَدْتُ به … ونِمتُ عن حاجتي ولم يَنَمِ (١) سليمان بن أحمد بن أيُّوب أبو القاسم، الطَّبَراني، اللَّخْمِيّ. ولَخْم قبيلة من المغرب، قدموا الشام من اليمن، فنزلوا بيت المقدس، بالمكان الذي وُلد فيه عيسى ﵊، وبينه وبين بيت المقدس فرسخان، والعامة تقول: بيت لَحْم بالحاء المهملة وهو خطأ. ولد سليمان سنة ستين ومئتين، وكان أحدَ الحُفَّاظ المكثِرين الرحَّالين، فاضلًا، كبيرًا، نبيلًا، وله التصانيف الحسان "المعجم الكبير" في أسامي الصحابة، و"الأوسط" في غرائب شيوخه، و"الأصغر" في أسامي شيوخه. أقام بأصبهان محدّثًا ستين سنة، وتوفي بها ليلة الثلاثاء لليلتين بقيتا من ذي القعدة، فبلغ مئة سنة، ودُفن إلى جانب قبر حُمَمَة الدَّوْسي صاحب رسول ﷺ بباب مدينة جَيّ، وروى عنه الأكابر والأعلام ما لا يُعدُّ كثرةً، واتفقوا على صدقه وفضله وأمانته وورعه (٢). [فصل: وفيها توفي] محمد بن جعفر بن محمد أبو عمرو (٣)، الزَّاهد، البغدادي.

стр. 8249

[سافر إلى البلاد، فسمع ببلد نَيسابور إبراهيم بن أبي طالب وطبقته، وبالرَّي محمد بن أيوب البَجَليّ وأقرانه، وببغداد جعفر الفريابي وأمثاله، وبالكوفة عبد الله بن سوار ونُظرائه، وبالبصرة أبا خليفة القاضي، وبالأهواز عَبدان بن أحمد، وبالحجاز أحمد بن يزيد وأمثالهم، و] روى عنه حُفَّاظ نَيسابور وغيرهم. وكان صائمًا قائمًا،] وأثنى عليه الحاكم، وكان، قَنوعًا، يضرب اللَّبِن لقبور الفقراء، ويُفطر على رغيفٍ وجَزَرة ونحو ذلك، وكانت وفاتُه بنيسابور في جمادى الآخرة عن خمس وتسعين سنة، وأجمعوا عليه. [وفيها توفي] محمد بن الحسين بن عبد الله أبو بكر، الآجُرِّي، البغدادي. كان ديِّنًا، صالحًا، عَفيفًا، حدَّث ببغداد [سنة ثلاثين وثلاث مئة]، ثم انتقل إلى مكة فجاور بها، وصَنَّف الكتب الكثيرة منها: كتاب "العُزْلة" وغيره. [وروى محمد بن أبي طاهر البزَّاز قال:] لما دخل الحرم استطابه واستحسنه فقال: اللهم أحيني في هذا المكان سنة، فهتف به هاتف: يا أبا بكر لم سنة؟ بل ثلاثين سنة. [فأقام به ثلاثين سنة] فلما كان في آخر يوم من السنة الثلاثين هتف به هاتف: يا أبا بكر، قد وَفَينا بالوَعْد، فمات في المحرَّم. [أسند عن خلقٍ كثير، منهم أبو مسلم الكَجِّي وطبقته، وروى عنه محمد بن أبي الفوارس وغيره،] وأجمعوا عليه (١). محمد بن الحسين أبو الفضل، ابن العَميد، وزير ركن الدولة.

стр. 8250

كان شجاعًا، مُدَبِّرًا، فاضلًا، يلتقي الجيوش، ويفتح البلاد، ويُحبُّ العلماء، وكانت وفاتُه في صفر (١). محمد بن سليمان بن أحمد (٢) أبو طاهر، البَعْلَبَكّي، المؤدِّب. سكن صيدا، وقرأ القرآن على هارون الأخفش، وروى عنه أبو عبد الله بن مَنْدَه وغيره، وكان ثقةً رحمة الله عليه.

стр. 8251

السنة الحادية والستون وثلاث مئة فيها عُمل ببغداد يوم عاشوراء ما جرت به العادة من النَّوْحِ وغيره. وفيها استتر محمد بن العباس بن فَسانْجس ببغداد وأهله وأسبابه. وفيها مات أبو القاسم سعيد بن أبي سعيد الجَنَّابي في هَجَر، وقام بالأمر بعده أخوه أبو يعقوب يوسف، ولم يبق من أولاد أبي سعيد الجنابي غيره، وعقد القَرامطة الأمر بعد يوسف لستة نَفَرٍ من أولادهم شِركةً بينهم، وكانت وفاة سعيد في جمادى الأخرى. وفي رجب وُلد أبو القاسم عبد الله بن عزّ الدولة بُختيار بواسط (١). وفيها تواترت الأخبار أن ملك الروم عَزم على القصد إلى بلاد المسلمين في ست مئة ألف مقاتل، فانزعج أهل الشام والجزيرة، وأنه يريد العبور من عند مَلَطْيَة إلى ديار ربيعة؛ ليفعل فيها ما فعل بحلب، فدفعه الله تعالى. وفيها (٢) سلَّم أخو حَمْدان بن ناصر الدولة قلعةَ ماردين إلى أبي تَغْلب، وكانت أموالُ حمدان فيها وجواهرُه وحُرَمه، فنقل أبو تغلب الجميع إلى المَوْصِل، وكان حَمدان قد وثق بأخيه فخانه. ومن ها هنا نبتدئ بشيء مما ذكره أبو الحسن هلال بن المُحَسِّن بن إبراهيم الصَّابئ؛ فإنه ذكر تاريخًا من أول سنة إحدى وستين وثلاث مئة إلى سنة أربع وسبعين وأربع مئة (٣)، سلك فيه أسلوب خاله ثابت بن سنان وألحقه به. قال ابن الصابئ: في جمادى الأخرى ورد الخبر بأن أبا علي الحسن بن أبي منصور أحمد القِرمطيّ سار إلى مصر، ونزل بعَين شَمس، وجرت بينه وبين جَوهر القائد وقعة، وكان الاستظهار فيها لجوهر، وانهزم القرمطي. قال ابن الصابئ: لما دخل جوهر مصر سنة ثمان وخمسين وثلاث مئة، ووَطَّأ الأمور للمُعزّ، وأقام الخطبة له؛ سيَّر القائد جعفر بن فَلاح إلى الشام، فأسر الحسنَ بن

стр. 8252

عُبيد الله بن طُغْج، وبعث به إلى مصر، ولما نهب الرَّمْلَة قصده النَّابُلْسي الزَّاهد، واستكفَّ جعفرًا عن النهب فكفّ، ثم استخلف ابنَه على الرَّمْلَة، وسار إلى طَبَريّة، وبلغه أن ابن أبي يَعْلى الشريف قد أقام الدعوة بدمشق للمُطيع، فسار إلى دمشق، فعَصَوا عليه وقاتلوه، فظهر عليهم، وهرب ابنُ أبي يعلى إلى البَرْبر، وجيء به إليه، فأحسن إليه، وبعث به إلى مصر مع جماعة من الأحداث الذين قاموا معه. وعرف القرامطة استيلاءَ المغاربة على الشام، وأخذَهم ابنَ طُغْج، فانزعجوا من ذلك؛ لما يفوتهم من المال الذي كان قَرَّره ابنُ طُغْج لهم -وهو في كل سنة ثلاث مئة ألف دينار- فبعثوا أبا طَريف عَديّ بن محمد بن المعمّر صاحبهم إلى عز الدولة بختيار، والوزير يومئذ أبو الفرج محمد بن العباس، يطلبون المساعدة على المغاربة بالمال والرجال، فاستقر أن عزَّ الدولة يعطيهم ألف ألف درهم، وألف جَوْشَن (١)، وألف سيف، وألف رمح، وألف قوس، وألف جَعْبَة، وقال: إذا وصل أبو علي الجَنَّابي إلى الكوفة حمل إليه جميع ذلك، ولما وصل الجنابي إلى الكوفة كان في عَددٍ كثير من أصحابه ومن الأعراب، فبعثوا إليه بالمال والسِّلاح، وسار يُريد الشام، وبلغ جعفر بنَ فلاح خبرُهم، فاستهان بأمرهم، ثم لم يَشعر بهم حتى كَبسوه بدمشق بمكان يقال له: الدّكَّة، فقتلوه، واحتَوَوْا على سواده وأمواله وكُراعه. ومَلك أبو علي دمشق، وأمَّن أهلَها، وأحسن السِّيرةَ فيهم، وغلب على الشام، واجتمعت إليه العرب، وسار إلى الرَّمْلَة وبها سعادة بن حيَّان، فخرج إلى يافا، وتحصَّن بحصنها، ودخل أبو علي الرَّمْلَة، وقتل مَن وجد من المغاربة، ثم رحل طالبًا مصر، وخلَّف بالرَّمْلَة أبا محمد عبد الله بن عُبيد الله الحسني، ومعه دَغْفل بن الجراح الطَّائي، وجماعة من الإخشيدية والكافورية، وجاء فنزل عين شمس على باب مصر، واقتتلوا أيامًا، وظهر القرمطيُّ على المغاربة، وقتل منهم زهاء خمس مئة رجل، وغنم أموالهم وأسلحتَهم ودوابَّهم. فلما كان يوم الأحد لثلاث خلون من ربيع الأول وقف الهَجَريّ على الخندق والمغاربة من ورائه، ونَشِبت الحرب، واقتتلوا إلى العصر، فخرجت المغاربةُ من الخنادق، وحملوا على الهَجَريّ، فانْدَقَّ عَسكرُه لا يلوي على أحد، وجعل يَرُدُّهم

стр. 8253

وهم منهزمون، فما وقفوا إلى الرَّمْلَة، وظنَّ جوهر أن هزيمةَ القرمطيّ مَكيدةٌ، فلم يتعرَّض لما كان في عسكره إلى ثلاثة أيام، حتى تحقَّق الخبر، فاستولى على الجميع. ونادى جوهر في الإخشيدية فاجتمعوا، فعمل لهم طعامًا، وحلف لهم على المصافاة، ثم قبضهم وقيَّدهم وحبسهم، وكانوا ألفًا وثلاث مئة مقاتل. وقال القرمطي في هذه الوَقعة: [من الكامل] زعمت رجالُ الغَرْب أني هِبْتُها … فدمي إذًا ما بينهم مَطْلولُ يا مِصرُ إن لم أَسْقِ أرضَك من دمٍ … يَروي ثَراك فلا سَقاني النِّيلُ (١) وقال أيضًا: [من الخفيف] زعموا أنني قصيرٌ لَعَمْري … ما تُكالُ الرّجال بالقُفْزانِ إنما المَرْءُ باللسانِ وبالقلـ … ــبِ وهذا قلبي وهذا لساني ثم عاد الهَجَريُّ إلى بلده، وتَفرَّقت الأعراب في البريَّة. وفي جُمادى الآخرة اجتمعت الأتراك ببغداد، وتحالفوا على الاتّفاق والتَّعاضد، وفعلت الدَّيلَم بواسط مثل ذلك، وتجدَّدت منهم جُرأةٌ واستطالة لم يعهدوا فيه. وقلّد أبو طاهر ابن الوزير أبي الفضل العباس بن الحسين وزارة أبي العباس سلار بن عز الدولة بختيار والنظر في أموره. وفيها عاد الهَجَرِيُّ إلى الشام، فلما وصل الأردن انصرفت المغاربة إلى مصر، ونزل الهجري الرملة في آخر شعبان، وصرف عنه أهل البادية، وأقام في أصحابه الهجريين. وفيها وقع الصُّلح بين منصور بن نوح صاحب خُراسان وبين ركن الدولة بن بُويه وولده عَضُد الدولة أبي شُجاع؛ بأن يحمل ركن الدولة إلى ابن نوح في كل سنة مئة ألف دينار، ويحمل عَضُد الدولة خمسين ألفًا. وفيها وردت الأخبارُ أن بني هلال اعترضوا الحاجّ البصريين والذين جاؤوا من خُراسان، فنهبوهم، وقتلوا خلقًا كثيرًا، وبطل الحج، ولم يَسلم إلا مَن مضى من بغداد مع الشَّريف أبي أحمد الموسَوي (٢).

стр. 8254

وفيها توفّي سعيد بن أبي سعيد أبو القاسم، الجَنَّابيّ، القِرمطيّ، الهَجَريّ. ولم يكن بقي من أولاد أبي سعيد غيره، وغير أخيه يوسف، وقام مكانه أخوه يوسف، وعقد القرامطةُ الأمرَ بعد يوسف لستة نَفَرٍ من أولادهم على وجه الشّركة بينهم، لا يَستبدُّ أحدهم بشيءٍ دون الآخر. عبد الرحمن بن أحمد بن عمران أبو القاسم، الدِّينَوَرِيّ، الواعظ. مات بدمشق، وكان يُنشد: [من الكامل] يا أيُّها الرَّجلُ المُعَلِّمُ غيرَه … هلا لنفسك كان ذا التَّعليمُ تصف الدَّواءَ لذي السَّقام من الضَّنا … ومن الضَّنا يَصِفُ الدَّواءَ سَقيمُ لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وتأتيَ مثلَه … عار عليك إذا فعلْتَ عظيمُ وقال أيضًا: ابدأ بنفسك فانْهَهَا عن غَيِّها … فإذا انتهتْ عنه فأنت حكيمُ وهناك يُسْمَعُ ما تقولُ ويُقْتَفَى … منك المقالُ ويَنْفَعُ التَّعليمُ (١) عثمان بن عمر (٢) بن خَفيف أبو عمرو، المقرئ. كان من الأبدال، صاحب كرامات، من أهل القرآن، والفقه، والدّيانة، والصِّيانة. توفي ببغداد في رمضان. علي بن إسحاق بن خَلَف أبو الحسن، الزَّاهي، الشاعر، البغدادي.

стр. 8255

كان فصيحًا، ومن شعره: [من مجزوء الرمل] قُم نُهَنِّئ عاشقَين … أصبحا مُصْطَلِحَين جُمعا بعد فِراقٍ … فُجِعا منه ببَين ثم عادا في سُرورٍ … من صُدودٍ آمِنَين فهما روح ولكن … رُكِّبا في بَدَنَين (١) [فصل: وفيها توفي محمد بن فارس بن حَمْدان ويعرف بالمَعْبَدِيّ. كان يقول: إنه من ولد أم مَعْبَد الخُزاعية، ويعرف بالعَطَشيّ؛ لأنه كان يسكن سوق العطش ببغداد، ومات في ذي الحجة ببغداد. حدَّث عن جماعة منهم جعفر بن محمد القَلانِسيّ الرَّمْلي، وخَطَّاب بن عبد الدائم الأَرْسُوفيّ، ومَخْلد بن محمد الماحُوزي وغيرهم. وروى عنه الدارقطني في المتقدمين، وابن رزقويه في المتأخرين وغيرهما. وقال الخطيب: سألتُ أبا نُعيم الأصبهاني عنه فقال: كان ضعيفًا. روى أحاديث لا تثبت، منها عن ابن عباس قال: قلت: يا رسول الله، للنار جواز؟ قال: "نعم، حُبُّ علي بن أبي طالب". والثاني عن ابن عباس أيضًا قال: قال رسول ﷺ : "شفعت في أبي وعمي وأخي من الرضاعة -يعني ابن السَّعديَّة- ليكونوا بعد البعث هَباءً مَنثورًا". قال الخطيب: وهذان الحديثان باطلان، والله أعلم (٢).]

стр. 8256

السنة الثانية والستون وثلاث مئة فيها لم يُعمل في يوم عاشوراء ما جَرت به العادةُ من النَّوح وغيره، وسببُه ما جرى على المسلمين من الروم بالجزيرة ونَصِيبين وغيرهما مما سنذكره إن شاء الله تعالى، وكان الحاجب سُبُكْتِكين مقيمًا ببغداد، وبختيار بواسط، فمنعهم سبكتكتين، وكان يميل إلى السنة. [ذكر دخول الروم نصيبين: قال علماء السير:] وفي يوم السبت مُستَهلّ مُحرَّم دخل ملك الروم نصيبين، فقتل وسَبى، واستأسر عامَّة أهلها، وهدم وأحرق، ووصل الخبر إلى بغداد فاضطرب أهلُها، ووافق ذلك ورودُ خبر الحاج للسنة الماضية، وما فعل بهم بنو هلال، ومات أكثرُهم، وشَغَب العوام، وقامت (١) الفتن. وقال ابن الصَّابئ: خرج الدُّمُسْتُق في جموعٍ كثيرة إلى بلاد الإسلام، فوَطئها، وأثَّر آثارًا قبيحة، وغلَب على ديار ربيعة بأسرها، ودخل نَصِيبين فاستباحها، وقتل أكثرَ أهلها، وسبى السَّبْيَ العظيم من نسوانها وصبيانها، وأقام فيها نَيِّفًا وعشرين يومًا، ولم يكن من أبي تَغْلِب نَهْضَةٌ إليه؛ لكنه دفع إليه مالًا صانعه به عن نفسه. ووَرد مدينةَ السلام خَلْقٌ كثير من أهل تلك البلاد، فاستَنفروا الناس في المساجد الجامعة والأسواق، وكسروا المنابر، ومنعوا الخُطباء من الخطبة، وصاروا إلى دار المُطيع، وحاولوا الهجومَ عليه، واقتلعوا بعضَ شبابيكها، حتى غُلِّقت أبوابُها، ورماهم الغلمان بالنُّشَّاب من رَواشِنها وحيطانها، ونسبوه إلى العَجْزِ عما أوجبه الله على الأئمة، وتَعَدَّوا في القول إلى الغِلظة القبيحة، والسَّبِّ الفَظيع. ووافق ذلك شُخوص عزِّ الدولة من واسط إلى الكوفة للزيارة، فخرج إليه أهلُ السَّتر والدَّيانة من أهل بغداد، منهم أبو بكر الرَّازي الفقيه، وأبو الحسن علي بن عيسى النَّحْوي، وأبو القاسم الدَّارَكيّ، وابن الدَّقاق الفقيهَين، وشَكَوا إليه ما طرق المسلمين من هذه الحادثة العظيمة، وعاتبوه على أن شَغل نَفْسَه وجيشَه بصاحب البَطِيحة،

стр. 8257

وأهمل أمر الرّوم، فوعدهم بالعَوْدِ إلى واسط، ومُصالحة عمران، والانكفاء إلى الثغور، فسكنوا وانصرفوا. ورجع إلى واسِط، وكتب إلى أبي تغْلب يُخبره أنه على نية الغزو، ويُلزِمه أن يُعِدَّ له الأزواد والعُلوفات، وبعث في ذلك أبي بكر محمد بن عبد الرحمن بن قُرَيعَة القاضي، وأخرج أبا طاهر بن بَقيَّة إلى سبكتكين ليُصلح ما تَشَعَّث بينه وبين العبَّاس الوزير، ويُعيده له إلى الصفاء والمَودَّة، ويُنهِضه معه إلى الغزو، ويأمره باستنفار المُطُّوِّعة ومَن يرغب في الجهاد من العامة. فأما أبو تَغْلب فأجاب جوابًا، ووعد في المُلتَمَس منه. وأما سبكتكين فأظهر صلاحَ النيَّةِ في الوزير، وأسرَّ خِلافَه، وركب مع الأمير أبي إسحاق ببغداد، واستنفر الناسَ والعوامَّ، فثار منهم عَددُ الرَّمل بأصناف السلاح، حتى بَهَره ما شاهد منهم، وكان ذلك من أقوى الأسباب في أن استَجاش على عزِّ الدولة أيامَ خَلْعِه طاعتَه بهم، وجرَّ هذا الاستنفار وقوعَ الفتن. وورد الخبرُ بمصير الدُّمُسْتُق (١) إلى آمِد، وكان بها هَزارمرد غلامُ أبي الهيجاء بن حمدان، فكاتب أبا تغلب مُستصرِخًا به، فبعث إليه أبا القاسم هبة الله أخاه في جيشٍ كَثيف، فأغَذَّ السَّيرَ حتى وصل إلى آمد ليلةَ الفِطر، وجاء الدُّمُستق فتلقّاه هبة الله وهزارمرد، وقاتلاه أشد قتال، فنصر الله الإسلام، وقتلوا من الرُّوم خلقًا كثيرًا، وأسروا الدُّمستق؛ فكان في عدَّةٍ كثيفة لكنه التقى هبة الله اتّفاقًا في مَضيق، وهو في أول عسكره، وعلى غير أُهْبَةٍ من أمره، فأخذه أسيرًا، وأسر جماعةً من البَطارِقة، وأُنفِذَت رؤوس القتلى إلى بغداد. وكتب أبو تَغْلب كتابًا إلى الخليفة بالفتح منه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، لعبد الله أبي القاسم الفَضل، الإمام، المطيع لله، أمير المؤمنين، من عبده وصنيعته ابن حَمْدان: سَلامٌ على أمير المؤمنين، فإني أحمد إليه الله الذي لا إله إلا هو، وأسألُه أن يُصلِّي على محمد عبده ورسوله ﷺ ، أما بعد: أطال الله بقاءَ سيِّدنا ومولانا أمير

стр. 8258

المؤمنين، أدام الله عزَّه وتأييده، وكرامتَه، وسعادتَه وحِراستَه، وأتمَّ نعمتَه عليه، وزاد في إحسانه لديه، والحمد لله الذي نصر أولياءه، وقهر أعداءه، وذكر الإسلام وفضلَه وأطال إلى أن قال: وقد عَلم سيدنا ومولانا ما كان من طاغية الروم في استحكام طَمَعِه، وتسلُّطه، واستيلائه، وتَبسُّطِه على الثُّغور الشامية عند تشاغل المسلمين عنها، وبُعدِ ذَوي الثَّبات والبَصائر منها، وأنه أتى إليها وإلى نَصيبين بَغتةً، وفعل بها ما فعل، وذكر أَسْرَ هبةِ الله له، وأنه في قَبْضَتهِ وبطارقته، وذكر كلامًا طويلًا. فأجابه المُطيع بكتابٍ يَشكوه فيه، ويُقوِّي عزيمتَه وهِمَّتَه (١). وحبس أبو تغلب الدُّمُستق عنده، وأحسن إليه إحسانًا كثيرًا رجاء أن يَبلُغ به من صاحب الروم ما يَرومُه، فخرج به خُراجٌ عظيم فمات منه. وفيها قدم بَخْتكين أرادرويه (٢) واسِطًا على عزّ الدولة، فأكرمه وأعظمه، وكان من الأتراك، فعقد له على الأهواز؛ وذلك برأي العبَّاس الوزير ليَجذبَ الأتراك إليه عن سبكتكين، وثبت عنده أن الوزير يُدبِّر الأمرَ عليه، وثبت عند الوزير أن سبكتكين يريد الخروج على عز الدولة، وأنه قد استمال الدَّيلَم إليه. ولما أحسن عز الدولة إلى بختكين فهم سبكتكين المراد، فانضاف إليه جماعة، فرأى عز الدولة إصلاحَه، فراسله واستصلحه، وأصلحه الوزير، فأظهر الانقياد إلى الطاعة، وفي القلب ما فيه، وخلع عليه عز الدولة الخِلَع الجليلة، وزاد في ألقابه الأسفَهْسَلار (٣). وفي صفر توفي عبد الصمد بن محمد القاهر [بالله. قال ابن الصابئ:] وفيها في شعبان احترقَت الكَرْخ؛ [وذكر كلامًا طويلًا حاصله (٤):] أن أهل الكَرْخ قتلوا رجلًا من أهل المَعونة، فبعث الوزير [أبو الفضل الشِّيرازي] مَن طرح النار من النَّخَّاسين إلى السَّمَّاكين، فاحترقت أموال عظيمة، من

стр. 8259

جملتها سبعة عشر ألف دُكَّان وثلاث مئة دكان، وثلاث مئة وعشرون دارًا، أجرة ذلك في الشهر ثلاثة وأربعون ألف دينارًا، واحترق ثلاثة وثلاثون مسجدًا. والتقى رجلٌ من الصالحين الشّيرازي فقال له: أيها الوزير، قد أريتنا قُدرتَك، ونحن نُؤمِّل أن يُرينا الله قدرتَه فيك، فلم يُجبه بشيء لتفاقُم الأمر [وكان الشيرازي يميل إلى السنة، وما فعل ذلك إلا لينتقم من أهل الكَرْخ،] وكَثُر الدُّعاءُ عليه، فسخط عليه عزُّ الدولة، وسَلَّمه إلى الشريف أبي الحسن محمد بن عمر العَلَوي، فأنفذه إلى الكوفة، وعذَّبه بأنواع العذاب، وسقاه ذَراريح (١) فتَقَرَّحَت مَثانتُه، فمات في ذي الحجة [من هذه السنة. وذكر غير ابن الصابئ] في حريق الكَرْخ وجهًا آخر [فقال:] (٢) لما أمر عزُّ الدولة سبكتكين الحاجب بأن يُنَفِّر الناس للغزاة، ونادى، وظهر ما ظهر من العُدَّة والسلاح؛ انقلب الأمر، فصار أهل بغداد قسمين سنة وشيعة، ثم إنهم وجدوا إلى القتال طريقًا بإشهار السلاح. ويقال: إن سبكتكين فرَّق فيهم سلاحًا كثيرًا ليصل ذلك إلى الروم، فلما حملوا السلاح وقعت الفتنة، وأظهر كلُّ فريقٍ ما كان في نفسه، فدخل سبكتكين بينهم، فأرادوا قتلَه، فكتب إلى عز الدولة، فقدم بغداد ليُسَكِّن الفتنة، فزاد الأمرُ وتفاقم، واستولى العَيَّارون والشُّطَّار على بغداد، وكبسوا الدُّور، وتعرَّضوا للحريم، فألجأت الضَّرورةُ إلى أن رمى السُّلطان النارَ في الجانب الغربي من بغداد؛ لأن الفتنة كانت فيه أقوى، فرمى النار من حدّ بِرْكةِ زَلْزَل إلى عند السمَّاكين، فأحرق الكَرْخَ كلَّه، ومنع الناس من إطفائها، فأخذت يمينًا وشمالًا، فأحرقت ألوفًا من الناس والبهائم، وكان يومًا عظيمًا لم يَجْرِ في الإسلام مثلُه، وأعطى السلطان العَيَّارين الأمان، فسكنت الفتنة. وفيها زُلزلت بلاد الشام، وهُدِمت الحصون، ووقع من أبراج أنطاكية عدَّة، ومات تحت الهَدْم خَلْقٌ كثير.

стр. 8260

[فصل في ذكر دخول أبي تميم المُعِزّ مصر:] قال ابن الصابئ: وفي يوم الجمعة الثامن من شهر رمضان دخل المعزُّ إلى مصر ومعه توابيتُ آبائه، وقد مهَّد له جوهر الأمور، وبنى له القاهرة، فكان نزوله فيها. [هذه صورة ما ذكر ابن الصابئ، وحكاه جدي في "المنتظم" (١). قلت: ولابدَّ من ذكر السبب في مجيء المعزِّ إلى مصر، وترك بلاد المغرب مع سَعَتها وكثرة مُدنها، فذكر القاضي] عبد الجبار البصري [وقال:] كان السبب في مجيئه إلى مصر أن الروم كانوا قد استولوا على الشام، والثُّغور، وطَرَسوس، وأنطاكية، وأَذَنة، وعين زَرْبَة، والمِصِّيصة وغيرها، ففرح بمُصاب المسلمين، وبلغه أن بني بُويه قد غَلَبوا علي بني العباس، وأنهم لا حُكْمَ لهم معهم، فاشتدَّ طَمَعُه في البلاد، وكان له بمصر شيعةٌ يكاتبونه ويقولون: إذا زال الحَجَر الأسود ملك مولانا المعزُّ الدنيا كلها، ويعنون بالحجر الأسود كافورًا، وكان كافور يومئذ أميرَ مصر نيابةً عن أبي محمد الحسن بن عُبيد الله بن طُغْج، وكان الحسن قد دخل مع الشيعة في الدَّعوة، وكان ضعيفًا رِخْوًا، قد طمع فيه الجند وكرهوه وكرههم، فقال له أبو جعفر بن نَصْر -وكان من دُعاة المعزّ: هؤلاء القوم قد طمعوا فيك، والمعزُّ لك مثلُ الوالد، فإن شئتَ كاتبتَه ليَشُدَّ منك، ويكونَ من وراء ظهرك، فقال: إي والله قد أحرقوا قلبي. فكتب إلى المعزّ فأخبره، فبعث القائد جوهرًا -وهو عبد روميّ- لهم في مئة ألف مقاتل، فدخل مصر في سنة ثمان وخمسين وثلاث مئة بغير حَرْب، فاستولى على الخزائن والأموال والذَّخائر، وخرج الحسن ابن طُغْج إلى الرَّمْلَة، فبعث إليه ابن فلاح فأسره، وبعث به إلى جوهر، فبعث به إلى المعزِّ، فلما دخل عليه قَرَّبه وأدناه وبَشّ به، وقال له: أنت ولدي، وإنما بعثتُ جوهرًا لينصرَك، وقد لحقني بتجهيز الجيوش أربعة آلاف ألف دينار وخمس مئة ألف دينار، فظنَّ الحسنُ أن الأمر كما قال، فسعى إليه بجماعةٍ من قُوَّاد مصر والأمراء وأرباب الأموال، وكان كلُّ واحدٍ منهم مثل قارون في

стр. 8261

الغنى، فكتب المعزُّ إلى جَوهر باستئصالهم، وأخذ أموالهم، وأن يبعث بهم إليه، ففعل جوهر، فحبسهم مع الحسن، فكان آخر العهد بهم. [قال عبد الجبار:] ولما دخل المعزُّ إلى القاهرة احتجب في القصر، وبثَّ عيونه (١) ينقلون إليه أخبار الناس، وهو متوفر على التنعُّم (٢)، والأغذية المسمّنة، والأطلية التي تُنقّي البشرة وتحسِّن اللون، ثم ظهر للناس بعد مدة وقد لبس الحريرَ الأخضر، وجعل على وجهه اليواقيت والجواهر تلمع كالكواكب، وزعم أنه كان غائبًا في السماء، وأن الله رفعه إليه، فامتلأت قلوب العامَّة والجُهّال منه رُعبًا وخوفًا، وقطع ما كان على ابن الإخشيد كل سنة من الأتاوة للقرامطة، وهو ثلاث مئة ألف دينار. وفيها ضاق الأمر على عزّ الدولة، فبعث إلى الخليفة يطلب إسعافه، فباع المطيع له ثيابَه وأنقاضَ داره من ساجٍ ورصاص، وجمع من ذلك أربع مئة ألف درهم، وبعث بها إليه، ثم ازدادت ضائقتُه، فقبض على وزيره [أبي الفضل] العباس [بن الحسين الشيرازي]، وصادره على ألفي ألف درهم، واستوزر أبا طاهر محمد بن [محمد بن] بَقيَّة. والسبب في ذلك: أن عز الدولة لما عاد من واسِط، وصالح عمران صاحب البَطيحَة؛ طلب من وزيره الشِّيرازي المال ليدفعه إلى الرجال، فعدل إلى المصادرات حتى لأهل الذِّمَّة، فكثر الدعاءُ عليه في الجوامع والبِيَع والكنائس، واتفق أنه أحرق الكَرْخ، وطالب المطيع بمال وقال: إن مساعدةَ الغُزاة تجب على الإمام، فقال له المطيع: إنما يلزم الإمام ذلك إذا كانت الدنيا في يده، فأما وليس في يدي منها إلا القوت القاصر عن كفايتي، وهي في يد غيري، ما يَلزمني غَزوٌ ولا حجٌّ ولا شيءٌ مما تنظر الأئمة فيه، وإنما لكم مني هذا الاسم الذي يُخطَب به على المنابر، فإن أحببتم أن أعتَزِل.

стр. 8262

وقويت الشَّناعات على الشِّيرازي، واجتمع جماعةٌ إلى سبكتكين وقالوا: هذا عدوُّك، وهذا وقتُك، وأشاروا بأبي طاهر محمد بن بَقيَّة -ولم يكن من بيت الوزارة- فأجابهم إلى ذلك (١). [شرح حال ابن بقية قبل وزارته: قال ابن الصابئ:] كان ابن بقية أحدَ أربعة أخوة من أهل أَوانا، وكلهم يُسمَّى محمدًا، وكان أبوهم أحد المُزارعين، ويسمَّى محمدًا أيضًا [، وبقيّة جدهم، وإنما نسبوا إليه اختصارًا]. وخدم محمدًا وكنيته أبو الحسن أخو أبي طاهر (٢). وكان أوجه أولاد بقية محمد بن جعفر الأصبهاني، ويلقب بنَمْلة (٣). وكان صاحبَ مطبخ معزّ الدولة، وكان ضامنَ تكريت وأعمالها، وتدرَّج أبو الحسن محمد بن بقية معه من حال إلى حال حتى استعمله على ذلك كله، واستخلف أبو الحسن محمد أخاه أبا طاهر في المطبخ، وفسد حال مهله (٤) عند معز الدولة، ولحقته علَّةٌ منعته من الخدمة، فضمن أبو طاهر تلك الأعمال، وترقَّى قليلًا قليلًا حتى مات معزُّ الدولة وولي عزُّ الدولة، فأقام على المطبخ إلى يوم ولي الوزارة. وكان يقدِّم لعزّ الدولة الطعامَ بنفسه، ويذوق الألوان لونًا لونًا، فلما وَزَر شرع يفعل ذلك، فنهاه عزُّ الدولة، فقال الناس: انتقل ابن بقية من الغضارة إلى الوزارة. وكان ابن بقيّة كريمًا يُغطِّي كرمُه عيوبَه، وزر أربع سنين وأيامًا، وكان واسعَ النَّفس، وكانت وظيفته من الثَّلج في كل يوم ألف رطل، وراتبه من الشَّمْع في كل شهر ألفا رطل، ثم آل أمره إلى أن سمَله عَضُد الدولة، وصَلَبه وهو ابن نيِّفٍ وخمسين سنة -وسنذكره في ترجمته- وقيل: إنما سَمَله عزُّ الدولة (٥).

стр. 8263

وفيها سار القرمطي إلى مصر، وسنذكره إن شاء الله في ترجمته في سنة ست وستين وثلاث مئة. وحج بالناس أبو أحمد النَّقيب العَلَوي [الذي حجَّ بهم في السنة الماضية. فصل: وفيها توفي إبراهيم بن محمد بن سَخْتَويه أبو إسحاق، المُزَكّي، النَّيسابوري. طاف البلاد، وأنفق على الحديث أموالًا كثيرة. حكى الخطيب عنه أنه قال: أنفقتُ على الحديث بِدَرًا من الدَّنانير، وقدمتُ بغداد في سنة ست عشرة وثلاث مئة لأسمع من ابن صاعد ومعي خمسون ألف درهم بضاعة، فرجعتُ إلى نيسابور ومعي أقلّ من ثُلثها، أنفقتُ ما ذهب منها على أصحاب الحديث. وقال الخطيب بإسناده عن محمد بن عبد الله الحافظ قال: كان ابن سختويه من العبَّاد المجتهدين الحجَّاجين، المُنفقين على العلماء والمستورين. عُقِد له الإملاء بنيسابور سنة ست وثلاثين وثلاث مئة، وهو أسود الرأس واللحية، وزُكِّي في تلك السنة، وكان يُعدُّ في مجلسه أربعة عشر مُحَدِّثًا منهم أبو العباس الأصَمّ. وتوفي بسوسنقين في شعبان، وحُمل في تابوت إلى نَيْسابور فصلَّينا عليه، ودُفن في داره وهو ابن سبع وستين سنة. وسوسنقين منزل بين هَمذان وساوة. سمع بنيسابور من محمد بن إسحاق بن خُزيمة وغيره، وببغداد من أبي حامد الحَضْرمي وطبقته، وبسَرْخَس من محمد بن عبد الرحمن الدَّغولي وغيره. وكان ثَبْتًا، حُجَّة، مُكثرًا، مواصِلًا للحج، روى كُتبًا كبارًا، وكان ثقةً] (١).

стр. 8264

وفيها توفي السَرِيُّ بن أحمد بن السَّرِيِّ أبو الحسن، المَوْصِليّ، الرَّفَّاء. شاعر، فصيحٌ، مُجَوِّد. فمن شعره يمدح أبا المُرَجَّى بن ناصر الدولة وقد رَمِدت عينُه: [من الكامل] شَكتِ العُلى لما شَكَتْه جُفونُه … فشَكاتُه مقرونةٌ بشَكاتها قد قلتُ للأعداء مَهْلًا إنها … نُوَبٌ تَجلَّى الصبحُ من ظُلُماتِها قالوا اشتكى رَمدًا حَمى أجفانَه … سِنَة الرُّقادِ وغَضَّ من لَحَظاتها فأجبتُهُم لم تَرْمَد العينُ التي … تَحمَرُّ بأسًا يومَ حَرْبِ عِداتها لكنْ رأتْه مُحاربًا أموالُه … بنَوالِه فجَرتْ على عاداتها وقال يمدح أبا الهيجاء حَرْب بن سعيد بن حَمْدان (١): [من الوافر] بَلاني الحبُّ فيكَ بما بَلاني … فشَأْني أن تَفيضَ غُروبُ شاني أبيتُ الليلَ مُرْتَفقًا أُناجي … بصِدْقِ الوَجْدِ كاذِبةَ الأماني فتَشهَدُ لي على الأَرَقِ الثُّريَّا … ويَعلَمُ ما أُجِنُّ الفَرْقدانِ إذا دَنَتِ الخيامُ بهم فأهْلًا … بذاك الخِيمِ والخِيَمِ الدَّواني فيا وَلَعَ العَواذِلِ خَلِّ عنِّي … ويا كَفَّ الغَرامِ خُذي عِناني وقال يمدح حَمدان بن ناصر الدولة ويُهَنِّيه بمولود سمّاه تَغْلِب، وكَناه أبا السرايا: غدًا تُبدي مدامِعُنا الخفايا … إذا زُمَّت لِطيَّتها المَطايا وَقفْنا نَحْمَدُ العَبَراتِ لما … رأينا البَينَ مَذْمُومَ السَّجايا كأن خُدودَهنَّ إذا استَهَلَّت … شقائقُ فيه من طَلِّ بقايا وقد فَوَّقْنَ بالألْحاظِ نَبْلًا … قلوبُ العاشقين له رَمايا تمنَّينا اللقاءَ فكان حَتْفًا … وكم أُمنيَّةٍ جَلبتْ مَنايا أرى الآفاقَ قد مُلئتْ سُرورًا … بتَغْلِبٍ الأميرِ أبي السَّرايا

стр. 8265

بمولودٍ براه الله ليثًا … وغَيثًا يَستهلُّ على البَرايا نَجيبًا نَجَّبَتْهُ كرامُ قومٍ … فجاء شَبيهَهم حَزْمًا ورايا ثَنايَ عليهمُ ما دمتُ حيًّا … ثناءَ المُسْتهامِ على الثنايا حياةُ المجدِ أن يَحيى وتُفني … أعادِيه الحوادثُ والرَّزايا فقُلْ لأبي المُظَفَّر قد ظَفِرْنا … بما نَرجو لديكَ من العَطايا ومَن يَهْدِ الحَيا لرِياضِ مَدْحٍ … يَفُزْ منها بأطرافِ الهدايا كما جادَ السَّحابُ الجُودُ أرضًا … فأبْرزَ من مَحاسنها الخَفايا وقد جاءت مَدائحُنا نُقودًا … فلا تَجعلْ جوائزَها نَسايا وقال يمدح أهل البيت والحسين ﵈ دائمًا أبدًا: [من البسيط] إذا عَدَدْنا قُريشًا في أباطِحها … كانوا الذَّوائبَ منها والعَرانينا أغنَتْهُمُ عن صفاتِ المادحينَ لهم … مدائحُ الله في طه وياسينا أقامَ رَوْحٌ ورَيحان على جَدَثٍ … ثوى الحُسين به آمين آمينا كأن أحشاءنا من ذِكرِه أبدًا … تُطوى على الجَمْر أو تُحشى السَّكاكينا مَهْلًا فما نَقَضوا أوتارَ والدِه … وإنما نَقَضوا في قتله الدِّينا آلَ النبيِّ وَجَدْنا حُبَّكم سَببًا … يَرضى الإلهُ به عنّا ويُرضينا فما نُخاطبُكم إلا بسادَتِنا … ولا نُناديكمُ إلا مَوالينا إن أَجْرِ في حُبِّكم جَرْيَ الجَواد فقد … أضحَتْ رِحابُ مَساعيكم مَيادينا وكيف يَعدوكُمُ شِعري وذِكرُكُمُ … يَزيدُ مُسْتَحْسَنَ الأشعار تَحسينا من أبيات. وكان بين السَّرِيّ وبين الخالِدِيَّين الشاعرين مُهاجاة، فبالغا في أذاه عند سيف الدولة حتى قطع رُسومه، فانحدر إلى بغداد، ومدح الوزير أبا محمد المُهَلَّبيّ بمدائح، منها قوله: [من الكامل] أصبحتَ أعلا الناسِ قِمَّةَ سُؤددٍ … والناسُ بعدك كلُّهم أكفاءُ أيمينُك البحرُ الخِضَمُّ وقد طَمَتْ … أمواجُه أم صَدْرُكَ الدَّهْناءُ
следующие страницы →