الغنى، فكتب المعزُّ إلى جَوهر باستئصالهم، وأخذ أموالهم، وأن يبعث بهم إليه، ففعل جوهر، فحبسهم مع الحسن، فكان آخر العهد بهم.
[قال عبد الجبار:] ولما دخل المعزُّ إلى القاهرة احتجب في القصر، وبثَّ عيونه (١) ينقلون إليه أخبار الناس، وهو متوفر على التنعُّم (٢)، والأغذية المسمّنة، والأطلية التي تُنقّي البشرة وتحسِّن اللون، ثم ظهر للناس بعد مدة وقد لبس الحريرَ الأخضر، وجعل على وجهه اليواقيت والجواهر تلمع كالكواكب، وزعم أنه كان غائبًا في السماء، وأن الله رفعه إليه، فامتلأت قلوب العامَّة والجُهّال منه رُعبًا وخوفًا، وقطع ما كان على ابن الإخشيد كل سنة من الأتاوة للقرامطة، وهو ثلاث مئة ألف دينار.
وفيها ضاق الأمر على عزّ الدولة، فبعث إلى الخليفة يطلب إسعافه، فباع المطيع له ثيابَه وأنقاضَ داره من ساجٍ ورصاص، وجمع من ذلك أربع مئة ألف درهم، وبعث بها إليه، ثم ازدادت ضائقتُه، فقبض على وزيره [أبي الفضل] العباس [بن الحسين الشيرازي]، وصادره على ألفي ألف درهم، واستوزر أبا طاهر محمد بن [محمد بن] بَقيَّة.
والسبب في ذلك: أن عز الدولة لما عاد من واسِط، وصالح عمران صاحب البَطيحَة؛ طلب من وزيره الشِّيرازي المال ليدفعه إلى الرجال، فعدل إلى المصادرات حتى لأهل الذِّمَّة، فكثر الدعاءُ عليه في الجوامع والبِيَع والكنائس، واتفق أنه أحرق الكَرْخ، وطالب المطيع بمال وقال: إن مساعدةَ الغُزاة تجب على الإمام، فقال له المطيع: إنما يلزم الإمام ذلك إذا كانت الدنيا في يده، فأما وليس في يدي منها إلا القوت القاصر عن كفايتي، وهي في يد غيري، ما يَلزمني غَزوٌ ولا حجٌّ ولا شيءٌ مما تنظر الأئمة فيه، وإنما لكم مني هذا الاسم الذي يُخطَب به على المنابر، فإن أحببتم أن أعتَزِل.
стр. 8262
وقويت الشَّناعات على الشِّيرازي، واجتمع جماعةٌ إلى سبكتكين وقالوا: هذا عدوُّك، وهذا وقتُك، وأشاروا بأبي طاهر محمد بن بَقيَّة -ولم يكن من بيت الوزارة- فأجابهم إلى ذلك (١).
[شرح حال ابن بقية قبل وزارته:
قال ابن الصابئ:] كان ابن بقية أحدَ أربعة أخوة من أهل أَوانا، وكلهم يُسمَّى محمدًا، وكان أبوهم أحد المُزارعين، ويسمَّى محمدًا أيضًا [، وبقيّة جدهم، وإنما نسبوا إليه اختصارًا].
وخدم محمدًا وكنيته أبو الحسن أخو أبي طاهر (٢). وكان أوجه أولاد بقية محمد بن جعفر الأصبهاني، ويلقب بنَمْلة (٣).
وكان صاحبَ مطبخ معزّ الدولة، وكان ضامنَ تكريت وأعمالها، وتدرَّج أبو الحسن محمد بن بقية معه من حال إلى حال حتى استعمله على ذلك كله، واستخلف أبو الحسن محمد أخاه أبا طاهر في المطبخ، وفسد حال مهله (٤) عند معز الدولة، ولحقته علَّةٌ منعته من الخدمة، فضمن أبو طاهر تلك الأعمال، وترقَّى قليلًا قليلًا حتى مات معزُّ الدولة وولي عزُّ الدولة، فأقام على المطبخ إلى يوم ولي الوزارة.
وكان يقدِّم لعزّ الدولة الطعامَ بنفسه، ويذوق الألوان لونًا لونًا، فلما وَزَر شرع يفعل ذلك، فنهاه عزُّ الدولة، فقال الناس: انتقل ابن بقية من الغضارة إلى الوزارة.
وكان ابن بقيّة كريمًا يُغطِّي كرمُه عيوبَه، وزر أربع سنين وأيامًا، وكان واسعَ النَّفس، وكانت وظيفته من الثَّلج في كل يوم ألف رطل، وراتبه من الشَّمْع في كل شهر ألفا رطل، ثم آل أمره إلى أن سمَله عَضُد الدولة، وصَلَبه وهو ابن نيِّفٍ وخمسين سنة -وسنذكره في ترجمته- وقيل: إنما سَمَله عزُّ الدولة (٥).
стр. 8263
وفيها سار القرمطي إلى مصر، وسنذكره إن شاء الله في ترجمته في سنة ست وستين وثلاث مئة.
وحج بالناس أبو أحمد النَّقيب العَلَوي [الذي حجَّ بهم في السنة الماضية.
فصل: وفيها توفي
إبراهيم بن محمد بن سَخْتَويه
أبو إسحاق، المُزَكّي، النَّيسابوري.
طاف البلاد، وأنفق على الحديث أموالًا كثيرة. حكى الخطيب عنه أنه قال: أنفقتُ على الحديث بِدَرًا من الدَّنانير، وقدمتُ بغداد في سنة ست عشرة وثلاث مئة لأسمع من ابن صاعد ومعي خمسون ألف درهم بضاعة، فرجعتُ إلى نيسابور ومعي أقلّ من ثُلثها، أنفقتُ ما ذهب منها على أصحاب الحديث.
وقال الخطيب بإسناده عن محمد بن عبد الله الحافظ قال: كان ابن سختويه من العبَّاد المجتهدين الحجَّاجين، المُنفقين على العلماء والمستورين. عُقِد له الإملاء بنيسابور سنة ست وثلاثين وثلاث مئة، وهو أسود الرأس واللحية، وزُكِّي في تلك السنة، وكان يُعدُّ في مجلسه أربعة عشر مُحَدِّثًا منهم أبو العباس الأصَمّ.
وتوفي بسوسنقين في شعبان، وحُمل في تابوت إلى نَيْسابور فصلَّينا عليه، ودُفن في داره وهو ابن سبع وستين سنة.
وسوسنقين منزل بين هَمذان وساوة.
سمع بنيسابور من محمد بن إسحاق بن خُزيمة وغيره، وببغداد من أبي حامد الحَضْرمي وطبقته، وبسَرْخَس من محمد بن عبد الرحمن الدَّغولي وغيره.
وكان ثَبْتًا، حُجَّة، مُكثرًا، مواصِلًا للحج، روى كُتبًا كبارًا، وكان ثقةً] (١).
стр. 8264
وفيها توفي
السَرِيُّ بن أحمد بن السَّرِيِّ
أبو الحسن، المَوْصِليّ، الرَّفَّاء.
شاعر، فصيحٌ، مُجَوِّد.
فمن شعره يمدح أبا المُرَجَّى بن ناصر الدولة وقد رَمِدت عينُه: [من الكامل]
شَكتِ العُلى لما شَكَتْه جُفونُه … فشَكاتُه مقرونةٌ بشَكاتها
قد قلتُ للأعداء مَهْلًا إنها … نُوَبٌ تَجلَّى الصبحُ من ظُلُماتِها
قالوا اشتكى رَمدًا حَمى أجفانَه … سِنَة الرُّقادِ وغَضَّ من لَحَظاتها
فأجبتُهُم لم تَرْمَد العينُ التي … تَحمَرُّ بأسًا يومَ حَرْبِ عِداتها
لكنْ رأتْه مُحاربًا أموالُه … بنَوالِه فجَرتْ على عاداتها
وقال يمدح أبا الهيجاء حَرْب بن سعيد بن حَمْدان (١): [من الوافر]
بَلاني الحبُّ فيكَ بما بَلاني … فشَأْني أن تَفيضَ غُروبُ شاني
أبيتُ الليلَ مُرْتَفقًا أُناجي … بصِدْقِ الوَجْدِ كاذِبةَ الأماني
فتَشهَدُ لي على الأَرَقِ الثُّريَّا … ويَعلَمُ ما أُجِنُّ الفَرْقدانِ
إذا دَنَتِ الخيامُ بهم فأهْلًا … بذاك الخِيمِ والخِيَمِ الدَّواني
فيا وَلَعَ العَواذِلِ خَلِّ عنِّي … ويا كَفَّ الغَرامِ خُذي عِناني
وقال يمدح حَمدان بن ناصر الدولة ويُهَنِّيه بمولود سمّاه تَغْلِب، وكَناه أبا السرايا:
غدًا تُبدي مدامِعُنا الخفايا … إذا زُمَّت لِطيَّتها المَطايا
وَقفْنا نَحْمَدُ العَبَراتِ لما … رأينا البَينَ مَذْمُومَ السَّجايا
كأن خُدودَهنَّ إذا استَهَلَّت … شقائقُ فيه من طَلِّ بقايا
وقد فَوَّقْنَ بالألْحاظِ نَبْلًا … قلوبُ العاشقين له رَمايا
تمنَّينا اللقاءَ فكان حَتْفًا … وكم أُمنيَّةٍ جَلبتْ مَنايا
أرى الآفاقَ قد مُلئتْ سُرورًا … بتَغْلِبٍ الأميرِ أبي السَّرايا
стр. 8265
بمولودٍ براه الله ليثًا … وغَيثًا يَستهلُّ على البَرايا
نَجيبًا نَجَّبَتْهُ كرامُ قومٍ … فجاء شَبيهَهم حَزْمًا ورايا
ثَنايَ عليهمُ ما دمتُ حيًّا … ثناءَ المُسْتهامِ على الثنايا
حياةُ المجدِ أن يَحيى وتُفني … أعادِيه الحوادثُ والرَّزايا
فقُلْ لأبي المُظَفَّر قد ظَفِرْنا … بما نَرجو لديكَ من العَطايا
ومَن يَهْدِ الحَيا لرِياضِ مَدْحٍ … يَفُزْ منها بأطرافِ الهدايا
كما جادَ السَّحابُ الجُودُ أرضًا … فأبْرزَ من مَحاسنها الخَفايا
وقد جاءت مَدائحُنا نُقودًا … فلا تَجعلْ جوائزَها نَسايا
وقال يمدح أهل البيت والحسين ﵈ دائمًا أبدًا: [من البسيط]
إذا عَدَدْنا قُريشًا في أباطِحها … كانوا الذَّوائبَ منها والعَرانينا
أغنَتْهُمُ عن صفاتِ المادحينَ لهم … مدائحُ الله في طه وياسينا
أقامَ رَوْحٌ ورَيحان على جَدَثٍ … ثوى الحُسين به آمين آمينا
كأن أحشاءنا من ذِكرِه أبدًا … تُطوى على الجَمْر أو تُحشى السَّكاكينا
مَهْلًا فما نَقَضوا أوتارَ والدِه … وإنما نَقَضوا في قتله الدِّينا
آلَ النبيِّ وَجَدْنا حُبَّكم سَببًا … يَرضى الإلهُ به عنّا ويُرضينا
فما نُخاطبُكم إلا بسادَتِنا … ولا نُناديكمُ إلا مَوالينا
إن أَجْرِ في حُبِّكم جَرْيَ الجَواد فقد … أضحَتْ رِحابُ مَساعيكم مَيادينا
وكيف يَعدوكُمُ شِعري وذِكرُكُمُ … يَزيدُ مُسْتَحْسَنَ الأشعار تَحسينا
من أبيات.
وكان بين السَّرِيّ وبين الخالِدِيَّين الشاعرين مُهاجاة، فبالغا في أذاه عند سيف الدولة حتى قطع رُسومه، فانحدر إلى بغداد، ومدح الوزير أبا محمد المُهَلَّبيّ بمدائح، منها قوله: [من الكامل]
أصبحتَ أعلا الناسِ قِمَّةَ سُؤددٍ … والناسُ بعدك كلُّهم أكفاءُ
أيمينُك البحرُ الخِضَمُّ وقد طَمَتْ … أمواجُه أم صَدْرُكَ الدَّهْناءُ
стр. 8266
أذكَرْتَنا شِيَمَ المُهَلَّبِ في النَّدى … والبأسِ إذ هي شِدَّةٌ ورَخاءُ
وشَمائلٌ شهِدَ العدوُّ بفضلها … والفَضْلُ ما شَهِدَت به الأعداءُ
وبلغ الخالديَّين، فانحدرا خلفه، وتوصَّلا إلى المهلَّبي حتى صارا من نُدمائه، وجعلا هِجِّيراهُما ثَلْبَه، فأعرض عنه ولم يُعطه شيئًّا، فآل أمرُه إلى أن عَدِم القُوتَ، ومات ببغداد (١).
العباس بن الحسين
أبو الفَضْل، الشِّيرازي، الوزير.
كان جبَّارًا، فاتكًا، ظالمًا، قُتل بالكوفة بسقية الذَّراريح، ودُفن بمشهد علي ﵇ وهو ابن تسع وخمسين سنة.
عبد الصمد بن محمد القاهر بالله
كان القاهر بالله قد رشَّحه للخلافة لأنه أكبر ولده، فلما ولي الراضي بالله قطع لسانَه، فنبت بعد أربع سنين، فكتمه، فخَلَت به عمَّتُه أم سلمة بنت المُعْتَضد -وكانت عاقلةً فَاضلة- فقالت له: قد تحدَّث بنبات لسانك الخدمُ، وتسهيلِ الكلام عليك، فأنكر، فألحَّت عليه، فقال لها بلسانٍ ثقيل: يا عمتي، إن اعترفتُ ذهب رأسي، فلما كلَّمها سجدت لله شكرًا وقالت: اكتم حالَك، وأرى لك من المصلحة الخروج من هذا البلد، فربَّما شاع خبرُك فتهلك.
فخرج إلى مصر، فاستقبله كافور وأعظمه، وذلك في سنة أربع وثلاثين وثلاث مئة، ثم إن عبد الصمد قصَّر في حقِّ كافور، فغاظه، فأعرض عنه، فأُشير عليه بقصد كافور، والاعتذارِ إليه واستنزال ما عنده،، فقَصده في داره، فرجع إلى ما كان عليه من الإحسان إلى عبد الصمد، وواصل برَّه، وقام بأمره أحسنَ قيام، فكان يركب بالقباء، ويَحضر دارَ كافور في المواسم والأعياد وأيام المواكب، فيُعظّمه الناس ويخدمونه.
стр. 8267
واستدعى أخاه أبا الفضل محمد بن القاهر، فخرج إليه، وأقاما وأمرُهما على السَّداد حتى مات كافور، ودخل جوهر مصر سنة سبع أو ثمان وخمسين، فخرجا إلى الشام، وعرف المطيع خبرَهما فقال: ما أعجب أمرَ هذين الرجلين، أتُراهما يخافان مني أكثر مما يخافانه من المغاربة والقرامطة! وأعطاهما أمانًا أكَّده على نفسه، وكُتب عنه بأمره، وقال: ما أرى التَّعَرُّضَ لأحد من أهلي، ولا الإساءة إلى أولاد الخلفاء، فقد كان لحقني من المُسْتكفي ما أحسن الله لي العاقبةَ فيه، وعاد بسوء العاقبة عليه.
وكوتب عبد الصمد وأخوه محمد بذلك، فوردا بغداد في سنة ثمان وخمسين وثلاث مئة، وأقاما ببغداد على حالِ صِيانةٍ وحراسة، ومات عبد الصمد في هذه السنة (١).
стр. 8268
السنة الثالثة والستون والثلاث مئة
فيها أعاد عزّ الدولة النَّوحَ يوم عاشوراء إلى ما كان عليه.
وأظهر الوزير أبو طاهر بن بقيَّة العَدْلَ والإنصافَ والإحسان، فشكره الناس، وذَمّوا الشّيرازي، وشَهر ابنُ بقية السُّعاةَ بالناس على الجِمال بجانبَي بغداد، وحَبَسهم، ثم نفاهم.
وخلع عليه المطيع الخِلَعَ السُّلطانية، وكَناه، ولَقَّبه النَّاصح للدَّولة، وسعى في إصلاح الحال بين الحاجب سُبُكْتِكين وعزِّ الدولة، وتحالفا على التَّصافي، وركب الحاجب إلى عز الدولة، وخَدَمه، ولم يعد بعدها اجتمع به إلا في المواكب، وعلى حالة الاحتراز.
وفي المحرَّم تقلَّد القضاء أبو الحسن محمدُ بن صالح ابن أم شَيبان الهاشميّ قضاءَ القُضاة، صارِفًا لأبي محمد عُبيد الله بن أحمد بن مَعروف، وركب معه أبو طاهر بن بقية، ووجوه الناس إلى داره بباب البصرة.
وسببه: أن ابن معروف طولب ببيع دار أبي منصور بن أبي عَمرو الشِّيرازي من أبي بكر الأصبهاني صاحب سُبكتكين، فامتنع، فقيل له: إن الوكيل الذي يبيع نَصَبه الخليفةُ، وليس يُراد منك إلا سماع الشهادة والإسجال، فأقام على الامتناع، وأغلق بابَه، وسأل الإعفاءَ من القضاء، فأُعفي، وطولب ابنُ أم شَيبان بأن يُقَلَّد القضاء فامتنع، فألَحّوا عليه، فأجاب بعد أن شرط لنفسه شروطًا؛ منها: أنه لا يَرتزق على القضاء، ولا يُخلَع عليه، ولا يُشْفَع إليه في تغيير حقٍّ، ولا يُنْقَض ما يوجبه الشَّرع، ويُجعل لحاجبه وللفارض على بابه، ولخازن ديوان الحكم، ولكاتبه، وللأعوان ما يكفيهم.
فأجيب إلى ذلك، وكُتب عهدُه على بغداد من الجانبين، وشقّ الفرات، وواسط، ودجلة، وطريق خُراسان، وحُلْوان، وديار بكر وربيعة، والمَوصل، والحَرَمَين، واليمن، ودمشق، وحمص، وجُنْد قِنَّسْرين، والعواصم، ومصر، والإسكندرية وغيرها، وكُتب عهدُه على ما جرت به العادة في العهود، وكان العهد من إنشاء أبي منصور أحمد بن عُبيد الله
стр. 8269
الشّيرازي صاحب ديوان الرسائل، وحضر أبو طاهر مع ابن أمِّ شَيبان إلى المطيع، وسلّم العهد إليه.
وفي ربيع الأول لعشرٍ بقين منه سار عزُّ الدولة إلى الموصل، وسُبُكتكين الحاجب في مُقدّمته، وسببه: أن أبا الفضل الشيرازي حَسَّن لعزِّ الدولة الاستيلاءَ على المَوْصل، وأطمعه في تلك البلاد ليَشْغَلَه عنه، وقوَّى تلك المشورة أبو طاهر بن بقية، ووردت على ابنِ بقيَّة كتبُ أبي الحسن علي بن عُمر (١) كاتب أبي تَغْلب، يُخاطبه فيها بدون ما كان يخاطبه قبل ذلك، فغاظه، وشتم كاتب أبي تغلب في مجالسه، وبلغ الكاتب فكتب إليه بالكتابة المستوفاة، فلم يرُدَّه ذلك.
وانضاف إلى هذا أن حَمْدان وأبا طاهر إبراهيم ابنَي ناصر الدولة كانا عند عزّ الدولة، فكاتب أبو تغلب أخاه أبا طاهر، ووَعده بكلِّ خير، وأراد أن يَقتطعه عن حَمْدان، فأجابه، وطلب منه خيلًا تقف له في مكان عَيَّنه، فأرسل بها إليه، وهرب أبو طاهر من بغداد إلى الموصل، فعزَّ ذلك على عز الدولة وقال: هذا غَدْر.
وصغَّر حَمدان أبا تغلب في عين عزّ الدولة، وأطمعه في البلاد، وحَلَف على الوفاء له، وسار إلى الموصل وسُبكتكين في المقدمة؛ بينه وبين عزّ الدولة مرحلة من الجانب الغربي، واستمر سُبكتكين في الجانب الشرقي، ووصل عز الدولة إلى الموصل وقد انصرف عنها أبو تغلب إلى سِنْجار بجيوشه، وقد أخلى الموصل من كل شيء، ثم عطف من سِنجار يُريد بغداد، وعلم به عزُّ الدولة.
وكان سُبكتكين قد تأخَّر بحَديثة الموصل، فكتب إليه عز الدولة بالعبور إلى الجانب الغربي، والمسير في إثر أبي تغلب، ورد إليه حَمدان وجماهيرَ القُوَّاد، ورد أبا طاهر بن بقية في الزَّبازب (٢) إلى بغداد.
وسبق أبو تغلب، ونزل القرية المعروفة بالفارسية على نهر الرُّفَيل، وبينها وبين بغداد فرسخان، وعامَلَ أهلَ السَّواد بالجميل، وأحسن إليهم، وضربت طلائعُه إلى باب بغداد، وخرج إليه جماعةٌ من العَيَّارِين والشُّطَّار مَسرورين به.
стр. 8270
وبرز عمدة الدولة أبو إسحاق بن مُعزّ الدولة -وكان يَخْلُف أخاه عز الدولة- إلى باب الشَّمَّاسِيَّة، وانتقل المطيع وأهلُه وجميع أسبابه إلى قصر معز الدولة، وعبر عمدة الدولة بطائفة من الجيش إلى الجانب الغربي لقتال أبي تغلب، ووصل ابنُ بقية فشدَّ من عمدة الدولة، وجاء الحاجب سُبكتكين إلى أَوانا، ورجع أبو تغلب إلى أوانا، ووقع الطِّراد بين العَسكَرَين، ثم تكافَّا وتراسلا في الصُّلح.
وأصعد أبو طاهر بن بقية من بغداد، واجتمع بسبكتكين، وحضرهما رسل أبي تغلب، واستقرَّ العقد على ما كان عليه في الأول وزيادة ألف كُرٍّ في كل سنة، وزيادة مال.
وسار أبو تغلب يريد الموصل، وعز الدولة في خفَّةٍ من العَسْكر، وتحدَّث الناس بأن المواطأة كانت من سبكتكين على عز الدولة؛ ولهذا لم يقاتل أبا تغلب، ولا جَرَّد العَزْم في قتاله مع القدرة، ودخل سُبكتكين بغداد، وأسلم عزَّ الدولة، وقامت القيامة على ابن بقية، وطالب سبكتكين بالعود إلى الموصل فتَثَقَّل.
وقيل: إنه همَّ في ذلك الوقت بالقبض على ابن بقية وعُمدة الدولة ووالدة عز الدولة وأولاده وأسبابه، فتوقَّف، ثم سار بالعسكر وبابن بقية إلى الموصل.
ولما عرف عزُّ الدولة رجوعَ أبي تغلب إلى الموصل جمع أطرافَه، وردَّ قُوَّادَه من النواحي التي كان فرَّقهم فيها، ونزل الدَّير الأعلى من الموصل، وعبَّى مَصافّه واستعدَّ.
وجاء أبو تغلب فنزل الحَصباء مستعدًّا للقتال، ولم يبق بينهما من المسافة إلا طول قَصبة الموصل، وأحجَمَ كلُّ واحدٍ منهما عن مُناجَزة صاحبه تَجنُّبًا لركوب الخطَر، إلا أن أبا تغلب كان الأظهر لكثرة عَدده، وكون أهل الموصل معه.
وكان الدَّيْلَم قد آذَوا الناس، وخاض الناس بينهما في إتمام الصُّلح الذي تقدَّم ذِكرُه، فاشتطَّ أبو تغلب، واستام النَّقيصَةَ من المال الذي قُرِّر عليه، وطلب من عزِّ الدولة أن يُسلِمَ إليه ابنتَه، وأن يُلَقَّب لَقبًا سُلطانيًّا، فأجابه عز الدولة إلى ذلك.
وطلب عز الدولة من أبي تغلب إزالةَ الاعتراض عن ضياع حمدان وأسبابه، وإعادةَ ما أخذ منها، وتسليمَ قلعة ماردين إلى حمدان فإنّ أباه أعطاه إياها، فامتنع أبو تغلب من ذلك كلِّه، ولم يَلتزم في الصُّلح شيئًا من ذلك، فسكت عن ذلك.
стр. 8271
واتفق غيبة حمدان ببغداد، وجرت الأيمانُ بينهما على يد الشَّريف أبي أحمد الحسين بن موسى الموسَويّ.
وانحدر عزُّ الدولة إلى الحَديثة، ودخل أبو تغلب الموصل، وكَحَل جماعة من أهلها تصرَّفوا مع عز الدولة، وقتل رجلًا من بني عَقيل يُعرف بأبي العجاج وكان قد استأمن إلى عز الدولة، ووصل سبكتكين وابن بقية بالجيش إلى الخدمة، واجتمعوا بعزّ الدولة.
وعلم حَمدان بالصُّلح، فعزَّ عليه كونُه لم يدخل في الصُّلح، وأَنِفَ أبو طاهر بن بقية من انصراف عز الدولة على الحالة التي انصرف عليها، وجعلوا كَحْل الجماعة الذين كَحلهم أبو تغلب وقَتْلَ العُقيليّ سببًا للرجوع إلى الموصل، فعادوا.
وهرب أبو تغلب إلى تل أعْفَر، وبعث بأبي الحسن بن عمرو كاتبه (١) إلى عزّ الدولة يُعاتبه على النَّقْضِ والغَدْر، فقبض ابن بقية عليه، وأهانه، وأذلَّه، وأنكر عليه كحْلَ الجماعة وقتلَ العُقيليّ، فاعتذر بأن أبا تغلب لم يَعلم بشيء من ذلك، وأن بعضَ غلمانه فعله.
ثم تقرَّر الصُّلح على أن يُفرِج عن ضياع حَمْدان دون قلعة ماردين، وأن يُنفِذ إلى عز الدولة القوم الذين كحلوا العمال وقاتلَ العقيلي، فبعث بهم أبو تغلب إلى عز الدولة، فعفى عنهم لعلمه بأنهم لا صُنْعَ لهم في ذلك.
وعاد عز الدولة إلى بغداد، وبعث الخِلَع السُّلْطانية لأبي تغلب مع كاتبه علي بن عمر، ولُقِّب بعدَّة الدولة، وحُملت إليه ابنةُ عزِّ الدولة مع بدر الحرمي في رمضان (٢).
وفي شعبان توفي أبو الحسن محمد بن بقية أخو أبي طاهر، وكان أبو الحسن هو الأكبر، فمشى أخوه أبو طاهر في جنازته، وجلس للعزاء، وجاءه عزُّ الدولة معزِّيًا.
وفيها في شعبان خرج عز الدولة من بغداد إلى الأهواز، ووقعت فتنة الأتراك، ولحق أبو طاهر بن بقية به.
стр. 8272
ذكر السبب في ذلك: كان عز الدولة قد ضاق ما بيده من المال، وكَثُرت عليه المُطالبات من الجند وغيرهم، فأشار عليه ابنُ بقية بالانحدار إلى الأهواز لمُحاسبة أرادرويه (١)، وصَرْفِه عن البلاد، والنَّظر في المال وجمعه، وتفرقة الأتراك عن سبكتكين، والاحتيال عليه ليستريحا منه، ويتَّسعا بأمواله وإقطاعاته، فانحدر إلى الأهواز، فلقيهما أرادرويه بالمال والتَّقدمة، وخَدَمهما.
وأقام عز الدولة بالأهواز، فوقع بين غلامين من التُّرك والدَّيلَم مُنابذة على بناء مَعْلَفٍ على باب دار أحدهما، فمنعه الآخر، وثارت الفتنة بين التُّرْك والدَّيلَم، وكان لأرسلان التُّركي خيمةٌ على باب عز الدولة يقضي فيها الأشغال، فسمع أرسلان الضَّوْضاء، فركب، فعارضه بعضُ الدَّيلَم، فشتمه أرسلان، فضربه الدَّيلمي فقتله.
وثار الأتراك يطلبون بدم أرسلان، ورَمَوا الدَّيلمَ بالنُّشَّاب، فقتلوا منهم رجلًا، وجرحوا نفرًا، وخرجوا بأجمعهم إلى الصحراء.
واجتهد عز الدولة في كفّ الفريقين فلم يقدر، فاجتمع إليه رؤساء الدَّيلَم -وكانوا مُطَّلعين على اعتقاده في سُبُكْتِكين والأتراك- فقالوا له: هذا أمر قد انتشر، وفي نفسك من سبكتكين ما فيها، والوجه أن تَقبض رؤساءَ الأتراك الذين عندك، وتنزل إلى بغداد فَتقْلَعَ سبكتكين عنها، وتستريح منه ومن الأتراك، فقَبِل منهم ذلك، فبعث إلى رؤساء التُّرك: بختكين أرادرويه وغيره، فقبض عليهم، وقيَّدهم، واستولى على إقطاع سبكتكين بالأهواز وأسبابه، وكتب إلى البصرة بالنِّداء في الأتراك والإيقاع بهم، فنُهبت منازلهم وهربوا.
وكان عز الدولة قد عهد إلى والدته وإلى عمدة الدولة أخيه أنه إذا أرسل إليهما على جناح طائر من الأهواز أنه قد مات، فإذا جاء إليهما سبكتكين للعزاء قبضاه، فلما قَبض على رؤساء الأتراك كتب في تلك الساعة إليهما على جناح طائر بوفاته، وظن أن سبكتكين لا يتأخَّر عنهما، وكان أثبتَ وأعقلَ من ذلك، ولو حضر ما التفت؛ لأن غِلمان داره كانوا أربع مئة سوى الحُجَّاب والأتباع، وكان هذا الرأي ضعيفًا مع ما فيه
стр. 8273
من الطِّيَرة والإشاعةِ المكروهة، فأرسل سبكتكين إليهما يسألهما عن الخبر، وكيف وَرَد، وتوقَّف عن الركوب إلى أن جاءته كتب أصحابه بما جرى، فجمع الأموال إليه، وأخبرهم أن السّتر قد انخرق، وأن دماءهم قد استُحِلَّت، وعَرَّفهم ما جرى على أصحابهم، فسألوه أن يتأمَّر عليهم فتوقف، وأرسل إلى عُمدة الدولة يقول:
إن الأمر قد انتقض بين الأتراك وعز الدولة انتقاضًا لا يلتئم أبدًا، وإنهم قد أرادوه على الأمر فأبى أن يَخرج عن طاعة مواليه، وسأله أن يَعقد له الأمر، ويبقى عزّ الدولة مكانَه، ويَستميل له من بقي من الترك والدَّيلم، فأجابه، ووافقه على البكور في غدٍ ليَتِمَّ الأمر.
وبلغ والدته فخافت أن يؤول الأمر إلى هلاك أحد وَلَديها، فمنعته، وصار إليها مَن كان من الدَّيلم مُقيمًا ببغداد، وقَوَّوا عَزمها على مُحاربة سبكتكين ومَن معه من الأتراك، فانتقض ما قرَّره مع عمدة الدولة.
واجتمع الدَّيْلَم في دار مؤنس التي ينزلها عمدة الدولة، وركب سبكتكين إليهم، وناصبهم الحَرْبَ، وأحرق جوانب الدار فاستسلموا، وسألوا سبكتكين الإفراجَ عنهم لينحدروا إلى واسط، وأن لا يَفْضَح حَرمَ مولاه وأولادَه، فاستحيا منهم، وجمع عُمدةَ الدولة أبا إسحاق وأخاه أبا طاهر محمدًا ووالدتَهما والحرم وجميعَ مَن في الدار في زورق حديدي، وأحدرهم إلى واسط، وتفرَّق الدَّيلَم وضَعُفوا.
وكان المطيع عند هذه الفتنة انحدر مع المُنْحَدِرين في زورق، فبعث سبكتكين فرَدَّه.
وقيل: إنهم جاؤوا به فأوقفوه على باب سبكتكين ساعة حتى استؤذن في أمره، فأمر بردِّه إلى داره، ووَكل به فيها على الوجهِ الجميل، واستولى على ما كان لعز الدولة ببغداد من السِّلاح والكُراع والأثاث وغيره.
ونزل الأتراك إلى دور الدَّيلم بعد أن نهبوها، وتعَدَّوا إلى دور أهل بغداد، والتجار، وأرباب الأموال، ووافقوهم العوامّ على النَّهب، فهُتكت الحريم، وتفرَّقت الأموال، وافتقر كثيرٌ من الناس، فركب صاحب الشُّرطة، ونادى في الناس، وصَلب جماعةً من العَيَّارِين عند الجسر، فسكنت الفتنةُ قليلًا، وتضافرت الألسنةُ بطاعة سبكتكين ونُصرته، فعرَّف منهم العُرَفاء، ونَقَّب النُّقَباء، وقَوَّد القُوَّاد، وخَلَع عليهم، وحملهم على الدَّوابّ، وصار له منهم جندٌ استجاش بهم.
стр. 8274
وفيها أظهر المطيع ما كان يَسترُه من عِلَّته، وثِقَلِ لسانه، وتَعَذُّرِ الحركة عليه للفالج الذي ناله قديمًا، فانكشف ذلك لسبكتكين، فدعاه إلى خَلْعِ نفسه، وتسليم الأمر إلى ولده الطائع لله، ففعل ذلك، وعقد له الأمر يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من ذي القعدة، فكانت خلافتُه إلى أن خَلَع نفسَه تسعًا وعشرين سنة وأربعة أشهر وأربعة وعشرين يومًا، وصورة ما كتب:
هذا ما أشهد على مُتضمَّنه أميرُ المؤمنين الفضلُ المطيعُ لله بنُ المقتدر بالله حين نظر لدينه ورَعيَّته، وشُغل بالعلَّة الدائمة عما كان يُراعيه من الأمور الدينية اللازمة، وانقطع إفصاحه عما يَجب عليه لله في ذلك، فرأى اعتزال ما كان عليه من هذا الأمر، وتسليمَه إلى ناهِضٍ به، قائمٍ بحقّه، عَقده له، وأشهد بذلك طَوعًا. وذكر التاريخ المذكور، وفي آخره بخط القاضي أبي الحسن محمد بن صالح:
شهد عندي بذلك أحمد بن حامد بن أحمد (١)، وعمر بن محمد بن أحمد، وطلحة بن محمد بن جعفر، وتوفي المطيع سنة أربع وستين، وكان بعد خَلْعه يُسمَّى الشيخَ الصَّالح.
الباب الرابع والعشرون في خلافة الطائع لله
واسمه: عبد الكريم بن الفضل المطيع، وكنيته أبو بكر، وأمه أمُّ ولد يقال لها: عَتب، أدركت خلافته.
وبويع يوم خلع أبوه نفسَه طائعًا لا مُكرهًا، وذلك يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من ذي القَعدة سنة ثلاث وستين وثلاث مئة، وسِنُّه ثمانية وأربعون سنة، وقيل: خمسون، ولم يلِ الخلافة أكبرُ سنًّا منه، ولا مَن له أبٌّ حيٌّ غيره وغير أبي بكر الصديق رضوان الله عليه، وكلاهما كنيته أبو بكر.
стр. 8275
وكان الطائع أبيضَ، أشقر، حسنَ الجسم، شديدَ القُوى؛ كان في دار الخلافة أُيَّلٌ عظيم يقتل الدَّوابَّ بقَرْنَيه، ولا يتمكَّن منه أحد، فرآه الطائع يومًا وقد صال على بَغلٍ فشقَّ راويته، فحمل عليه، فأمسك بقَرْنَيه، فلم يقدر على الإفلات منه، ودعا بنجَّار وقال: انْشُر قَرْنَيه، فنشرهما، حتى إذا بقيا على شيءٍ يسير فقطعه بيده، وهرب الأيل على وجهه، وسقطت فَرَجِيَّةُ الطائع عن كتفه، فتطأطأ بعض الخدم ليأخذها، فغمزه الطائع، وأشار إليه: ادفعها إلى النجَّار -وكانت من الوَشْي- فأخذها النجَّار وباعها بمئة وسبعين دينارًا.
وركب الطائع يوم الثلاثاء تاسع عشر ذي القعدة في الجانب الشَّرقي من بغداد، وعليه البُردة، ومعه الجيش، وسُبكتكين بين يديه.
ومن غد هذا اليوم خَلَع على سبكتكين الخِلَع السُّلطانية، وعقد له لواء الإمارة، ولُقِّب نصر الدولة، وحضر عيد الأضحى، فركب إلى المصلَّى من الجانب الشَّرقي، وعليه السَّواد: قَباء وعمامة رُصافية، فصلَّى بالناس، ثم خطب فقال:
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر متقرِّبًا إليه، ومُعتمدًا عليه، ومتوسِّلًا بأكرم الخلائق لديه، الذي صيَّرني إمامًا مَنصوصًا عليه، ووهب لي حُسنَ الطَّاعة فيما فوَّضه إليَّ من أمر الخلافة على الجماعة، الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر مُقِرًّا بجميل آلائه فيما أسنده إليَّ من حِفظ الأمة وأموالها وذَراريها، وقَمع بي الأعداء في حَضَرها وبَواديها، وجعلني خير مُسْتَخْلَف على الأرض ومَن عليها.
الله أكبر الله أكبر تَقَرُّبًا بنَحْرِ البُدْنِ التي جعلها الله من شعائره، وذكرها في مُحكَم كتابه، واتّباعًا لسنَّة نبيه وخليله ﷺ في فدية أبينا إسماعيل وقد أُمر بذَبْحه، فاستسلم لإهراق دمه وسَفْحه، غيرَ جَزعٍ فيما يأتيه، ولا نَكَل عن ما أمر به فيه، فتقرَّبوا إلى الله في هذا اليوم العظيم بالذبائح فإنها من تقوى القلوب.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر، وصلى الله على محمد خِيرته من خلقه، وعلى أهل بيته وعِترته، وعلى آبائي الخُلفاء النُّجَباء، وأيَّدني بالتوفيق فيما أتوَلّى، وقمصني (١) من
стр. 8276
الخلافة فيما أعطى، وأنا أُخوِّفُكم معاشرَ المسلمين غُرورَ الدنيا، فلا تركَنوا إلى ما يَبيد ويَفْنى، ويَزول ويَبلى، فإني أخاف عليكم يوم الوقوفِ بين يدي الله غدًا وآدم ومحمد المصطفى، وصُحُفكم تُقرأ عليكم، فمَن أوتي كتابَه بيمينه فلا يَخاف ظُلمًا ولا هَضْمًا، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضَنْكا، ونحشره يوم القيامة أعمى، أعاذنا الله وإياكم من الرَّدى، واستعملَنا وإياكم بأعمال أهل التُّقى، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين. ثم نزل (١).
وفيها ازداد تَنشُّط (٢) العامة، وصاروا حِزبين، فالشيعةُ ينادون بشعار عزّ الدولة، والدَّيْلَم والسنة ينادون بشعار سُبكتكين، وكَثُرت الفتن، وكُبست المنازل، وأُحرق الكَرْخُ ثانيًا.
وكان حَمدان بن ناصر الدولة قد توجَّه إلى الرَّحْبَة، فراسله سُبكتكين، فعاد إلى بغداد في نصف ذي القعدة، وورد بدر الحرمي بغداد عائدًا من المَوْصِل بعد تسليم بيت معز الدولة إلى أبي تغلب، ولما عَرف في طريقه ما جرى استتر ورجع إلى أبي تغلب، وخلَّى ما كان معه من أمواله وأموال التجَّار، فنُهب جميعُه.
وأما عز الدولة فإنه أدخل يده في إقطاع الأتراك بأسرها، وانقسم الأتراك بالأهواز قسمين؛ فقسم لحق بسبكتكين، وقسم تلافاهم عزُّ الدولة، وقالت الدَّيلم: لا بد لنا في الحرب من أتراك (٣)، فأطلق بختكين أرادرويه، ورتَّبه موضع سُبكتكين، ولقَّبه حاجب الحُجَّاب، وقدَّر أن الأتراك يأنَسون به، ويعدلون عن سُبكتكين إليه، وردَّ الأتراك الذين نفاهم من البصرة إليها، وردَّ عليهم أموالهم، وأمَّنهم.
وبلغه خبر والدته وإخوته ووصولهم إلى واسط، فسار إليهم، واجتمع بهم، وكتب إلى رُكن الدولة يُعرِّفه حاله، ويَستصرخ به، وتابع إليه المكاتبة، وكتب إلى أبي تَغلب يَستنجد به، ويعده بإسقاط ما عليه من المال إن جاء بنفسه وعسكره، وراسل عمران بن شاهين صاحب البَطيحَة، وأنفذ له خِلَعًا وفرسًا بمركب ذهب، وتوقيعًا بإسقاط ما عليه
стр. 8277
من مال الصُّلح الذي كان صالحه عليه مع إبراهيم حاجبه، وسأله المصاهرةَ على إحدى بناته، وطلب منه عسكرًا يُنفذه في السُّفن ليَستعين به على قتال الأتراك.
ولما صار عزُّ الدولة بين واسِط والأهواز هرب من الأتراك أربعُ مئة غُلامٍ من أنْجادهِم إلى بغداد، وبقي عزُّ الدولة في الدَّيلَم.
وأما رُكن الدولة فأجابه، وعَظَّم عليه الخَرْقَ الذي خَرَقَه، وقال: هذا يحتاج إلى رجالٍ وأموالٍ وسِلاح وتَثَبُّت وتدبير، وأنه يَضعُف عن الحركة، وقد عَوَّل على عَضُد الدَّولة في المَسير إليه ومعونته، وكتب إليه عضد الدولة يقول: الواجبُ أن لا تُفارقَ واسِطًا حتى نَلْحقَ بك، ونتَّفقَ على ما فيه الرَّأيُ.
وأما أبو تغلب فإنه احتاط في أمره، وبعث إليه رسولًا فأخذ خَطَّه، وأشهد عليه القُضاةَ والشُّهود والقُوَّادَ، واتفقا على أنه متى سار من واسِط سار أبو تغلب من المَوْصِل.
وأما عِمران بن شاهين فقال لرسوله إبراهيم: قد جئتنا في أمورٍ غير مُتَوجِّهة عندنا، أما المال المتروك فالتَّحَمُّدُ به علينا مع العلم بأنه باطل غير واقع موقعه، لكنا نَقْبَله، وأما الوُصْلَةُ فقد خطب إلينا الطالبيُّون وهم موالي فما أجبناهم، ولي أولاد أخ هم أكْفَاءُ لبناتي، ومع هذا فما زوَّجْتُهم لأني لا أَطيبُ نَفْسًا بتسليم بناتي إلى الرِّجال، وأما الفَرَس والخِلْعَة فلستُ ممن يَلْبَس ثيابَكم ولا أركَبُ مَراكبكم، مراكبي هذه السفن، لكن ابني أبو محمد يَقْبَل ذلك ولا يَرُدُّه، وأما إنفاذُ عَسكري إليكم فإن رجالي لا يَسكنون إلى رجالكم لكثرة مَن قتلوا منهم، وبعد هذا فقل له: ينبغي أن تَثْبُتَ وتَتدبَّر وقل له: قد قَصَدْتَ مُحارَبتي فرجعتَ خائبًا، وقصدتَ ابنَ حمدان فانصرفتَ كذلك، وقَصَدْتَ الأهواز وعُدْتَ على مثل هذه الصُّورة من الفِتنة، وإني أعلم أن أمرَك سَيَتأدى، وتجيء إلى عندي، وسأُذَكِّرُك هذا القول، وأُعامِلُك من الجميل بخلاف ما عامَلْتَني به.
وصار إلى عزِّ الدولة أبو أحمد الحسين بن موسى الموسوي مُفارقًا لسُبكتكين، وصار إليه أيضًا أبو الحسن محمد بن عمر بن يحيى العَلَوي من الكوفة مُقاطعًا لسبكتكين.
стр. 8278
ذكر رسالة سبكتكين إلى عزّ الدولة:
بعث إليه فوهيار الدَّيلَميّ -وكان قد اختار المقام عند سبكتكين- يقول لعز الدولة: قد جنيتَ على نفسك جِنايةً عظيمة بما دبَّرْتَه، وإني لك على ما عاملتَني به خيرٌ لك ممن تَسْتَجيش به علي، هؤلاء الغلمان قد نَفروا عنك نُفورًا لا يَسكنون إليك أبدًا، فاقبل منّي، وأفرج عن واسط لتكون هي وبغداد في يدي بإزاء أموالهم، وخذِ البَصرة والأهواز بإزاء مالِ الدَّيلَم، واجعل أمري وأمرَك واحدًا، ولا تفتح بابًا للحرب فلستَ من أهلها ورجالها، واعلم بأنني ناصِحٌ لك، ومُشفِق عليك من عُقبى المخالفة، حافظٌ به لك وصيَّةَ مولاي ﵀ فيك -يعني معزّ الدولة- التي ما حفظتَها أنت فيّ، والسلام.
فعرض عزُّ الدولة هذه الرسالة على الدَّيْلَم فأكبروها، ورَدُّوا فوهيار أقبحَ ردّ، فلما أُخبر سُبكتكين بذلك شرع في الاستعداد للحرب، وعَمل على المسير إلى واسط، وقدَّم أمامَه كتابًا من الطائع إلى عزِّ الدولة مع رجلٍ عَلَوي فيه:
من عبد الله عبد الكريم الإمام الطائع لله أمير المؤمنين إلى عزِّ الدولة أبي منصور مولى أمير المؤمنين: سلامٌ عليك، أما بعد، فإن أميرَ المؤمنين يَحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ويسأله أن يُصلِّي على محمدٍ عبده ورسوله ﷺ . وذكر الإسلامَ وفضلَه، والخلفاءَ المتقدِّمين، وحذَّر فيه من الفتنة، ووَعَد وأوعد، ثم قال: فإن انتقَلْتَ إلى حيث تُقلَّد من الأصقاع، وتَعدل في أهله، وتَصْدِفُ عن سَنن الجَوْرِ في معاملتهم؛ قابلناك بما تستحقُّ من الإكرام، وإن أبيتَ وأقمتَ على ما لا يَسوغُ الصَّبْرُ عليه في الدِّين والسِّياسَة؛ قَصدْناك بجيوشنا، ونَفَرنا إليك كالنُّفور إلى الثغور، وهذا كتابُ الإنذار قبل بادِرَةِ القَصْد، فاخترِ الأَعْوَدَ والأجدى، وعَجِّل بالإجابة فإنا نتَوَكَّفُها (١)، وإن كنَّا غيرَ لابِثينَ إلا رَيثَ وصول الجواب، والسلام.
فلما وقف عزُّ الدولة وأبو طاهر بن بَقية على الكتاب استَفْحَشا ألفاظَه لما فيه من التَّقصير في خطاب عز الدولة، والتَّحَكُّمِ عليه ونسبته إلى الجَوْرِ والظُّلْم، وما فيه من
стр. 8279
الوَعْدِ والوَعيد، ولم يَريا إجابةَ الطَّائع بالاعتراف له بالخلافة، لئلا يُلْزِمَهما لوازم الطَّاعة، ولم يَريا تَرْكَ الجواب فيكون ذلك ممولًا عن الحُجَّة، فأمر أبا إسحاق إبراهيم بن هِلال الصَّابئ أن يُجيب عنه بجوابٍ يُخاطبه فيه بالإمرة، وأن يُغْلِظَ له فيه، فكتب إليه جوابًا منه:
للأمير أبي بكر عبد الكريم بن أمير المؤمنين المطيع لله من عز الدولة أبي منصور بن مُعزّ الدولة أبي الحسين مولى أمير المؤمنين المطيع: سَلامٌ على الأمير، أما بعد: فإنه وصل كتابُه أحسن الله توفيقَه وتسديدَه، وهدايتَه ورُشْدَه، مُفْتتحًا بالاعْتزاء إلى إمرة أمير المؤمنين، والتَّقَلُّد لأمور المسلمين، وقد علم أن الخلافة تحتاجُ إلى إجماعٍ لا يَختلِفُ فيه رأيان، ولا يَختصم فيه اثنان، فإن تَعذَّر اجتماعُ الكُل لانبساطهم في الأرض ذات الطُّول والعَرْض؛ فلا بدَّ من اتفاق أشرافِ كل قُطرٍ وأفاضلِه، وأعيانِ كل صُقْعٍ وأماثله، ليَحصل الإجماعُ حينئذٍ حُصولًا لا يَعْتَلّ، ويَنْتَظِمَ انتظامًا لا يَخْتَلّ، أو من عهدِ إمامٍ جائزٍ أمرُه وحُكمُه، أصيلٍ رأيُه وفَهْمُه مُمَكَّنٍ مما يُورِدُ ويُصْدِر، مُخَيَّرٍ فيما يأتي ويَذَر، غيرِ مَحجوبٍ عن الإرادة، ولا مَحْمولٍ على الكَراهة، ولا مُضْطَهَدٍ بالإخافة، ومع ذلك فليس له أن يُمضِيَ ذلك على المسلمين إلا بعد عَرْضِه على صُلَحائهم وخيارِهم، وكُبَرائهم وعُظَمائهم؛ ليَرجعَ الأمرُ إلى الاتفاق الذي هو القُطْبُ المُدارُ عليه، والعَمودُ المُشارُ إليه.
وقد علم الأمير أن الأئمةَ كانت إذا أرادت أن تَعْهَد عَهْدًا أحْكَمت له الأُصول، ومَهَّدت له السَّبيلَ، وهذا عمر بن الخطاب ﵁ هو القُدْوَة العُظْمى، وفيه الأُسْوَةُ الكُبرى، سُئل لمَّا احتُضِر عن الخليفة بعده فقال: لم أكن لأَتَحَمَّلها حيًّا وميتًا، وكيف أفعل ذلك وقد مضى رسول الله ﷺ ولم يَسْتَخْلِف؟ فلمَّا ألحَّ عليه المسلمون جعلها شُورى في الستَّة المعروفين، وفَوَّض إلى المسلمين أن يَختاروا لأنفسهم مَن يَرتَضونه ويختارونه ويوَلُّونه، فإذا لم يكن البِناءُ -أيَّد الله الأمير- موضوعًا على أحد هذين الاثنين، ولا مَعقودًا على أحد هذين الوَجْهَين، بل كان مَعدولًا عنهما، ومُخَالفًا فيه شرطهما فما أَخْلَقَ به أن تَتَقَوَّضَ أعاليه، ونَزِلَّ قدمُ بانيه.
стр. 8280
ومعلوم أن أمير المؤمنين المطيع لله -تَولَّاه الله بالحراسة حيًّا، وبالمغفرة مَيتًا- بَرزَ عن داره هاربًا خائفًا من الخَطَر الذي أُكرِه عليه، وإن هَرَبَه كان إلى جِهتي، وسُكونَه إلى جَنْبَتي، وأنه رُدَّ العُصاة، وحُصِرَ حَصْر العُتاة، وأقر في جيشه، وأُخيف على نفسه، ولم تُرْعَ له ذِمَّة ولا حُرْمَة، ولا وُقِّرَت له شَيْبة ولا كَبْرَة، فأصبح فريدًا وَحيدًا، مَسلوبًا مَغلوبًا، قد أُبعد عنه أنصارُ الدولة، وأحاط به غُواةُ الفتنة، لا يَملك لنفسه ضَرًّا ولا نَفْعًا، ولا يستطيع نَصْرًا ولا دَفْعًا، ولا يَصحُّ من مثله اختيار، ولا يثبت عليه بالإقرار، ولا تَقَدَّمت منه مُشاورةٌ لأحد، ولا مُكاتَبةٌ إلى طَرَف، بل أقدم عليه الطَّائفة النَّاشِزة التي لا تَتِمُّ بهم بَيعة، ولا أُقيمت لهم خُطبة (١)، ولا رضيت الأمة، ولا اجتمعت الكافَّة.
والأمير يعلم أنه لو أراد واحد من هؤلاء المماليك أن يَعقِدَ لنفسه عَقْدَ نكاح ما تمَّ إلا بأمري، ولا خرج عن حُكمي، ومَن فعل ذلك منهم بغير أمري فهو مَلْعون على لسان رسول الله ﷺ ، قال: "من تولَّى غيرَ مَواليه فعليه لعنةُ الله" الحديث (٢). وجميعهم بين مُسْتَرَقّ مُلكُه عائدٌ عليّ، وبين مُعْتَق وَلاؤه مَنسوبٌ إليّ، ولا يَنعقد بمثلهم أمرٌ، ولا يَنْفُذُ بقولهم حُكم، ولا يكون الأمرُ الذي انفرد به حُجَّةً على أعيان المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وأسافلها وأعاليها، وأقاصيها وأدانيها، وكيف يكون الأمرُ تامًّا بشِرْذِمةٍ من العبيد، مَحصورة العَدَد، مُنقطعة المَدَد، لم يخرج سُلطانهم ببغداد عن طَرَفها، ووراءها مني طالبٌ يَطلبها وينحوها، وقاصدٌ يَبتغيها ويَقفوها.
وقد علم الأميرُ أن من شرط وُلاةِ العهود تعريفَ اللُّقَطة، وردَّ الضَّالَّة، وحَبْسَ الأُبَّاق من أَرِقَّاء المسلمين والمعاهَدين عليهم، وإعادتهم إلى الانقياد إليهم، فما الحُجَّةُ عليَّ في الاشتمال على مَن هو في هؤلاء الغلمان من عَبيدي الذين لم يَخرجوا عن مِلْكي ببيعٍ ولا إعتاق، ولا إذنٍ ولا انطلاق، مع الدَّعوى أنه للبَرِيَّةِ سائس، وعليها رائس، وقد سمع اللهَ تعالى يقول: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] … وذكر فُصولًا أُخَر. وهذا الكتاب هو الذي أوجَبَ نكبةَ الصَّابئ.
стр. 8281
وكتب عزُّ الدولة إلى سُبكتكين كتابًا يَتضمَّن عِتابَه، فمنه: أما بعد؛ أطال الله يا أخانا على الطَّاعة اللائقةِ بك، والهداية المشاكِلة لفضلك بَقاك، وأدام عُلُوَّك وأبقاك، وأمتَعَنا بك في عَودِك إلى المَعْهود منك، وانصرافَ (١) عنا نَزْغَ الشيطان بك، إن أوْلى ما اعتمد عليه العاقلُ وأتاه، وذهب إليه وتَوخَّاه: أن يَعرف الحقَّ الذي عليه، فيُؤَدِّيَه كما يَنبغي له ويَقتضيه، وأن يَحتَرِز في مَجاري كَلِمِه، وَيَتَوَقَّى في مَساعي قَدَمِه، مما يوقع النَّقْصَ في الدِّين، ويُسْخِطُ ربَّ العالمين، وإذا نزلت به نعمةٌ قَراها بغاية شُكرِه وحَمدِه، وأحسنَ ضِيافتَها بوُسْعِه وجُهدِه، وصانها عن عَواقب إنكارِه وجَحْدِه، إذ كان المنعم شَرَط ألا يَريم (٢) ألا يَريم ما وجدته، ولا يُقيم ما فقدته، وكثيرًا ما يُسْكِر الواردين حِياضُها، ويُغْشي عُيونَ المُقْتَبِسين إيماضُها، فيَذْهَلون عن الامتراء لدِرَّتها، ويَعْمَهون عن الاستمتاعِ بنَضْرَتها، ويكونون كمَن أطار طائرَها لما وَقَع، ونَفَّر وَحْشِيَّها لما أنِس، ولا يَلبثون أن يَتَعَرَّوا من جِلبابها، ويَنْسَلخوا من إهابها، وَيتَعَوَّضوا منها بالحَسْرَةِ والغَليل، والأَسَفِ الطَّويل ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]، ونُعيذُك بالله من الاستمرار على ذلك، ونَسأله أن يَأخُذَ قبل التَّمادي فيه بيدك.
وأنت - أدام الله عِزَّك - الرجلُ الرَّاجِح، الذي قد حَلَبَ الدَّهْرَ أَشْطُرَه، وعَرف خَيرَه وشَرَّه، وتَحلَّى بحِلْيةِ الكُهول، وتَجَلَّل بملابس أرباب العقول، وقبيح بك أن تَهفُوَ هَفْوَة الجَذَعِ وقد قَرَحْتَ واحتَنكْتَ، وأن تَغْلَطَ وقد مارَسْتَ ودارَسْت، وقد أجرى الله لك على أيدينا، وعلى يد الأمير معزِّ الدولة نَضَّر الله وَجْهَه قِبَلَنا نِعمًا، ما ندَّعي عليك شيئًا منها إلا وأنت له مُسَلِّم، ولسانُ حالك به مُتَكَلِّم؛ لأن ذلك السيد الماضي غفر الله له أعطاك ما لم تَسْمُ لك إليه هِمَّة، وخَوَّلَك ما لم يَبْلُغ منك إليه أُمنيَّة، وفَضَّلك على كثير من عبيده وأوليائه، وأدانِيه وأقربائه، ولم يَدُرْ في خَلَدِه أنَّ مِثلَ إحسانه إليك يُكْفَر، ولا أن مِثلَ مَتْجَرِه فيك يَخْسَر، وقد جَذَب بضَبْعَيك من مَطارحِ الأرِقَّاء العَبيد، إلى مراتب الأحرارِ الصِّيد، وأوْطَأ الرِّجال عَقِبَك، وأكثر مالك ونَسَبك، وعَظَم خَطَرَك وقَدْرَك، وأبعَدَ صِيتَك وذِكْرَك.
стр. 8282
وكنتَ في أيامنا مُوَفَّرًا مَصونا، مُوَقَّرًا مأمونا، مُتَرَفِّعًا عن بَذْلِ الخِدْمَة، مَحمولًا على دالَّةِ الحُرْمَة، مُسامَحًا بما تَطلُبه، مُسَوَّغًا ما تَقْتَرِحُه، مُشَفَّعًا فيما تسألُه، مُجابًا إلى ما تَلْتَمِسه، نُقَرِّبُ مَن قَرَّبْتَ، ونُبعِدُ مَن أبعدْتَ، ونرضى ما رَضيتَ، ونَكره ما كَرِهت، إقطاعاتُك مُقَرَّةٌ عليك، ومَوادُّكَ مُنْصَبَّةٌ إليك، لا تَعرِفُ إلا الصَّبوحَ والغَبوق، ولا نُلزِمُك شيئًا من الحقوق المؤدِّية إلى العُقوق، وأنت مَشغولٌ باقتناء الذَّخائرِ النَفيسَة، وبناء الأبنية الرَّفيعة المَشِيدَة، ونحن في نَوائبَ تُلِمُّ بنا، وجَوائحَ تَرِدُ علينا، وعَدُوِّ نَهْدٍ نُساورُه، وأمرٍ مُضَيَّعٍ نُباشِرُه، وأنت مَشغولٌ بنفسك، لا ترى لنا ما يَراه الشَّريكُ لشَريكه، فَضْلًا عن المَولى لمَليكه.
وما زلتَ تَترقَّى في العُقوق؛ إلى أن صِرتَ لا تَحضُرُ عندنا في مَجلس، ولا تركبُ معنا في مَوكِب، ولا تهنِّئنا بعَطيَّة، ولا تُعَزِّينا عن رَزِيَّة، وتَدَّعي مع ذلك علينا أنا نَبْغيكَ بالغَوائل، ونَنْصُبُ لك الحَبائل، وما مُرادُك إلا أن تَتداولَ الناسُ دَعواك، ويَتفاوَضُوا شَكواك، فيتَخَمَّر في قلوبهم، ويَتقرَّر في نفوسهم أن ذلك رُخصةً في المَرْكِب الذي ارتكَبْتَه، وفُسْحَةً في الإثم الذي احْتَقَبْتَه.
وعَلَّامُ الغيوب المُطَّلِعُ على ضَمائر القلوب يَشهد عليك باستحالةِ ما تَذْكُره، ويَشهد لنا بصَفاء ما نُضمِرُه، وإنا بريئون من كل ما زَعَمْتَ وظَنَنْتَ واتَّهَمْتَ، ولو كنَّا نُريد بك سُوءًا لكان مَرامُه أسهلَ وأيسرَ، وطَريقُه أخصَرَ وأقصر، وكنا قادِرين على انتهازِ فُرَصٍ منك كثيرة، منها: شَغَبُ غِلمانِك عليك، وإحاطتُهم بك، وهَرَبُك منهم وَحيدًا، وخُروجُك من بينهم فَريدًا، وقد علمتَ أنا وَقَيناك منهم، وكفَيناك إيَّاهم، وأنْفَذْنا إليك مَن حَماك وحَرَسَك، وصانَك وحَفِظَك، وفَعلْنا في ذاك ضدَّ فِعلك في إفساد غِلماننا علينا، وتجرئتهم بالمكروه إلينا … وذكر فُرَصًا كثيرة وكلامًا طويلًا، فلم يلتفت سُبكتكين إلى ذلك، وأصرَّ على لقائه (١).
وحجَّ بالناس أبو منصور محمد بن عُمر العَلَوي، ولم يصلوا إلى مكة لعدم الماء، فعدلوا إلى المدينة، فلما وصلوا إليها بَرَكت الجمالُ مَيتةً من العَطَش، فوقفوا يومَ عَرفة عند رسول الله ﷺ ، وخُطب بمكة للمُعزّ ولم يُخْطَب للمُطيع.
стр. 8283
[فصل:] وفيها توفي
عبد العزيز بن أحمد بن جعفر (١)
[أبو بكر] الفقيه الحَنْبَليّ [، ويعرف بغُلام الخَلَّال].
ولد سنة اثنتين وثمانين ومئتين، وتَفَقَّه وصنَّف المصنَّفات في مذهب الإمام أحمد رحمة الله عليه، منها كتاب "المقنع" مئة جزء، وكتاب "الكافي" نحو مئتي جزء (٢)، و"الشَّافي "ثمانون جزءًا، و"زاد المسافر" و"التفسير" و "القولين"، وفي الأصول. وكان زاهدًا.
وحكى الخطيب عنه أنه مرض فقال لأهله (٣): أنا عندكم إلى يوم الجمعة، فقالوا: الله يعافيك، فقال: سمعتُ أستاذي أبا بكرٍ الخَلّال يقول: سمعتُ المَرُّوْذِيَّ يقول: عاش أحمد بن حنبل ثمانيًا وسبعين سنة، ومات يوم الجمعة، ودُفن بعد الصلاة، وعاش أبو بكر المَرُّوذِيُّ ثمانيًا وسبعين سنة، ومات يوم الجمعة، ودفن بعد الصلاة، وعاش الخلال ثمانيًا وسبعين سنة، ومات يوم الجمعة، ودفن بعد الصلاة، وأنا لي ثمان وسبعون سنة، وأنا عندكم إلى يوم الجمعة، وأموتُ وأُدفن بعد الصلاة.
فلما كان يوم الجمعة لسبعٍ بَقينَ من شَوَّال في هذه السنة مات، ودُفن بعد الصلاة بمقبرة باب الأَزَج عند دار الفيل.
[حدَّث عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة، وأبي خليفة الفضل بن الحُباب، والبغوي، وابن صاعد وغيرهم.
وروى عنه الدارقطني، وابن رزقويه].
وكان صدوقًا، وَرِعًا، ثقة، [صالحًا مأمونًا] ﵀ (٤).
стр. 8284
أبو الفتح علي
ابن محمد بن أبي الفَتح (١)، البُسْتي، الكاتب، الشاعر.
كان فاضلًا يُعاني التَّجانُس، فمن شعره: [من المتقارب]
تَرَحَّلْتُ عنكم لفَرْطِ الشَّقاءِ … وخَلَّفْتُ رُشْدي وَرائي وَرائي
فَنائي قريبٌ إذا غِبْتُ عنك … وإمَّا رَجَعْتُ فنَاءٍ فنائي
وقال: [من الوافر]
كتبتُ ولم تُجِبْني عن كتابي … فأهَّلَني لتَسْرِيح الجَوابِ
أرِحْني بالإجابةِ من هُمومٍ … أحاطَتْ من تَبارِيحِ الجَوى بي
وقال: [من الرمل]
إنما الجاهل إنْ لا يَنْتَه … فهو من غَفْلَتِه لا يَنْتَبِهْ
خُذْه بالغِلْظَة كي تَنفعَه … فلقد أضرَرْتَ أن لا تنتبه
وقال: [من المتقارب]
إذا مَلِكٌ لم يكن ذا هِبَهْ … فدَعْه فَدوْلَتُه ذاهِبَهْ
وقال: [من المتقارب]
إذا ما ظَفِرْتَ بوُدِّ امرِئٍ … قليلِ الخِلافِ على صاحِبِهْ
فلا تَغْبِطَنَّ به نِعمةً … وعَلِّق يَمينَك يا صاحِ به
وقال: [من السريع]
إذا أتى خَطْبٌ فآراؤه … تُغني عن الجَيشِ وتَسْريبِهِ
وإنْ دجا ليلٌ فأنوارُه … تُضيءُ للرَّكْب وتَسري بهِ
وقال: [من الطويل]
стр. 8285
مَواعيدُه بالوَصْلِ أحلامُ نائمٍ … أُشَبِّهُها بالقَفْرِ أو بسَرابِه
فمَن لي بوَجهٍ لو تَحَيَّر في الدُّجى … أخو سَفَرٍ في ليله لَسَرى بهِ
وقال: [من البسيط]
نَزَّهْتُ نَفسي عن الدُّنيا وزُخْرُفِها … لا فِضَّةً أبتغي فيها ولا ذهَبَا
نَفْسي التي تَملِكُ الأشياءَ ذاهِبَةٌ … فكيف آسَى على شيءٍ إذا ذَهَبا
وقال: [من السريع]
يا أيُّها الذَّاهِبُ في مَكْرِهِ … مَهْلًا فما المَكْرُ من المَكْرُماتْ
عليك بالصِّحَّة فهي المُنى … تحيي مُحَيَّاكَ إذا المَكْرُ ماتْ (١)
وقال: [من البسيط]
يا مَن يُؤَمِّلُ في دُنياه عافِيَةً … أبْعَدْتَ ما أنت في دار المُعافاةِ
دُنيا تَغُرُّ فكُنْ منها على حَذَرٍ … والدَّهْرُ يأتي بحالاتٍ وآفاتِ (٢)
وله من مُنكراته رحمة الله عليه: [من البسيط]
إذا عَلا مَلِكٌ باللَّهْو مُشْتَغِلًا … فاحْكُمْ على مُلْكِه بالوَيلِ والعَطَبِ (٣)
أما تَرى الشَّمسَ في الميزانِ هابِطَةً … لأنه بُرْجُ أهلِ اللَّهْو والطَّرَبِ
وقال: [من البسيط]
إذا رَضيتَ بمَيْسورٍ من القُوتِ … بَقيتَ في النّاسِ حيًّا غيرَ مَمْقُوْتِ (٤)
يا قُوتَ يَومي إذا ما دَرَّ خَلْفُك لي … فلَسْتُ آسَى على دُرٍّ وياقوتِ
وقال: [من السريع]
طُوبى لمن زالتْ مُهاجاتُه … وطال لله مُناجاتُه
يا ربِّ مَن أوْبَقَه ذَنْبُه … ففي مُناجاتك مَنْجاتُه
стр. 8286
وقال: [من السريع]
اُرْثوا لمَن ليس له إرْثُ … وأَبِّنُوْهُ وله فارْثُوا
يا باغِيَ الخُلْدِ ألسْتَ الذي … غُذِّي بما جاوَرَه فَرْثُ
ولأبي الفتح: [من البسيط]
لا تُغْبَنَنَّ ولا تَخْدَعْك بارِقَةٌ … من ذي ودادٍ [يُري] بِشْرًا وإلْطافا
فلو قَلَبْتَ جميعَ النَّاسِ قاطِبَةً … وسِرْتَ في الأرضِ أوْساطًا وأطرافًا
لم تَلْقَ فيها صَديقًا (١) صادِقًا أبدًا … ولا أخًا يَبْذُلُ الإنْصافَ إن صافى
وقال: [من الطويل]
بنفسيَ مَن أهدى إليَّ كتابَه … فأَهْدى ليَ الدُّنيا مع الدِّينِ في دُرْجِ
كتابٌ مَعانيه خِلال سُطورِه … لآلئُ في دُرْجٍ كواكبُ في بُرْجِ
وقال: [من الوافر]
لئن كَذَبَتْ ظُنوني في مَقامي … لديكَ وخانَني الأملُ الفَسيحُ
فإنِّي لا أُخالِفُ قولَ ربِّي … فأرضُ اللهِ واسِعَةٌ فسِيحوا
وقال (٢): [من الطويل]
وأشتاقُكُم يا أهلَ وُدِّي وبيننا … كما يَزْعُمُ البَين المُشِتّ فراسِخُ
فأمَّا الفَيافي بيننا فطَويلَةٌ … وأمَّا هَواكُم في فُؤادي فراسِخُ
وقال: [من البسيط]
يا آمِري باقتناءِ المالِ مُجْتَهِدًا … كيما أَعيشَ بمالي في غَدٍ رَغَدا
هَبْني بجُهديَ قد حَصَّلْتُ رِزْقَ غَدٍ … فمَن ضَمِيني بتَحصيلِ النَّجاةِ غَدا
وقال: [من الكامل]
يا مَن يُخاطِبُ قومَه ليَقودَهم … بخِطابِه نَحْوَ الأَسَدِّ الأنْفَعِ
قلْ ما تقولُ لهم بوَزْنِ عُقولِهم … وبوَزنِ عَقْلِكَ ما يُقالُ لك اسْمَعِ
стр. 8287
وقال: [من الطويل]
ومن هِمَّتي عِشْقُ السَّماحِ وليس لي … ثَراء على معنى السَّماحِ مُساعِدُ
وفي الكَفِّ قَبْضٌ للأمورِ وبَسْطَةٌ … ولكنْ إذا ما ساعَدَ الكفَّ ساعِدُ
وقال: [من الطويل]
دَعوني وأَمْري واخْتِياري فإنني … عَليمٌ بما أَفْري وأَخْلُقُ من أمري
إذا مرَّ بي يومٌ ولم أصْطَنِعْ يدًا … ولم أسْتَفِدْ عِلمًا فما ذاك من عُمْري
وقال: [من الوافر]
وأهوى من بني الأتراكِ ظَبْيًا … دَقيقَ الخَصْرِ سَمَّوه قَراجا
بعثْتُ إليه أسْتهدي وصالًا … بلا مَطْلٍ فلما أن قَرا جا
وقال: [من مجزوء الكامل]
كم مُذْنبٍ قد ضافَني … فَقَريتُه صَفْحًا وغُفْرا
كم حاسِدٍ صابَرْتُه … فقَتَلْتُه بالصَّبْرِ صَبْرا
وقال في ابن عَبَّاد الصّاحِب: [من البسيط]
يا من أعاد رَميمَ المُلْكِ مَنْشُورا … وضمَّ بالرَّأي أمْرًا كان مَنْشُورا
أنت الوزيرُ وإن لم تُؤتَ مَنْشُورا … والأمرُ بعدَكَ إن لم تُؤتَمَن شورى
وقال: [من مخلّع البسيط]
إذا خَدَمْتَ المُلوكَ فالْبَسْ … من التَّوَقِّي أعزَّ مَلْبَسْ
وادْخُلْ إذا ما دَخَلْتَ أعْمَى … واخْرُجْ إذا ما خَرَجْتَ أَخْرَسْ
وقال: [من الطويل]
فلو نَسيَ اللهُ العبادَ دَعَوْتُه … ليَذْكُرَني لكنَّه ليس بالنَّاسي
ولو كُنتُ أَدْري أين رِزْقي طَلَبْتُه … ولكنَّه عِلمٌ طَواه عن النَّاسِ
وقال: [من الوافر]
فلا مَثْوى أَحُطُّ به رِحالي … وأرْفَأُ فيه رَثًّا من مَعاشي (١)
ومَن يكُ من مَعاشٍ في ضَياعٍ … فإنِّي من مَعاشي في مَعاشِ
стр. 8288
وقال: [من البسيط]
إذا تَحَدَّثْتَ في قومٍ لتُؤْنِسَهم … بما تُحَدِّثُ من ماضٍ ومن آتِ
فلا تُعيدَنَّ قَولًا إنَّ طَبْعَهُمُ … مُوَكَّلٌ بمُعاداةِ المُعاداتِ
وقال: [من المديد]
أقولُ للحائكِ الظَّريفِ وفي … بَنانِه طاقةٌ يُخَلِّصُها
هلْ لك في ردِّ مُهْجَةٍ لفتى … ليس له طاقةٌ يُخَلِّصُها (١)
وقال: [من الطويل]
وقالوا رُضِ النَّفْسَ الحَرونَ وكُفَّها … تُطِعْكَ وأَلْزِمْها أداءَ الفَرائضِ
فإن لم تَرُضْها أنت وحدَك مُصْلِحًا … وَجَدْتَ لها من دَهرِها ألفَ رائضِ
وقال: [من الطويل]
لنا صاحِبٌ فيه انْخِنَاثٌ وإنَّه … يقول بأنِّي مُوْلَعٌ بلِواطِ
فتَبًا له من كاذِبٍ مُتَزَيِّدٍ … وشَيخِ لِواطٍ يَسْتَجيبُ لِواطِ
وقال: [من مجزوء الكامل]
يا قومُ إنّي جائعٌ … والجوعُ من إحدى الفَجائعْ
ولعلَّني قد كنتُ أُشْـ … بِعُ كلَّ يومٍ ألفَ جائعْ
وقال: [من السريع]
يا فَرْحَةَ القَلْبِ ونَيلَ المُنَى … وصَفْوَ عَيشِ الصَّبِّ إن صافَى
ومالِكًا يَظِلمُني عامِدًا … عن قُدْرَةٍ إن رُمْتُ إنْصافا
وقال: [من الطويل]
سقى البارقُ الغَوريُّ عَذْبًا من الحَيا … مَحَلَّتَنا بين العُذَيبِ وبارِقِ
وأَغنى مَغانيها وأَرْضى رِياضَها … وشَقَّ بلَطْمِ القَطْرِ خَدَّ الشَّقائقِ (٢)
стр. 8289
وقال: [من الطويل]
عَفاءٌ على هذا الزَّمانِ فإنه … زَمانُ عُقوقٍ لا زَمانُ حُقوقِ
فكُلُّ رَفيقٍ فيه غيرُ مُوافقٍ … وكل صَديقٍ فيه غيرُ صَدوقِ
وقال: [من الطويل]
يقولون ذِكْرُ المَرْءِ يَحْيَى بنَسْلِهِ … وليس له ذِكْرٌ إذا لم يكن نَسْلُ
فقلتُ لهم نَسْلي بدائعُ حِكْمَتي … فمَنْ سَرَّه نَسْلٌ فإنا بها نَسْلو
وقال: [من المنسرح]
مَنْ جَعلَ الصَّبْرَ في مقاصِدِه … وفي مَراقيه سُلَّمًا سَلِما
كم صَدْمَةٍ للزَّمانِ مُنْكَرَةٍ … لما رأى الصَّبْرَ صَدَّ ما صَدَما
فاصْبِرْ فإنَّ الزَّمانَ عن كَثَبٍ … يأْسُو على الرَّغْمِ كُلَّ ما كَلَما
وقال: [من الطويل]
رأيتُكَ تَكويني بِمِيسَمِ ذِلَّةٍ … كأنكَ قد أبْدَعْتَ عِلَّةَ تَكويني
وتَلْوينيَ الحَقَّ الذي أنا أهلُه … وتَذْهَبُ في أَمْري إلى كلِّ تَلْوينِ
فأَمْسِكْ ولا تَمْنُنْ عليَّ فبُلْغَةٌ … من العَيشِ تَكفيني إلى يومِ تَكفيني
وقال: [من الكامل]
يا مُغْرَمًا بوصالِ عَيشٍ ناعمٍ … سَتُصَدُّ عنه طائعًا أو كارِها
إن المَنِيَّةَ تُخرِجُ الآسادَ عن … غاباتها والطَّيرَ عن أَوْكارِها
وقال: [من الطويل]
أَنِسْتُ بأيَّامِ الشَّبابِ وظِلِّها … وآنسْتُ دَهْرًا في جِوارِي الجَواريا
فلمَّا رأيتُ الشَّيبَ يَبْسِمُ ضاحِكًا … بَكَيتُ فأخْجَلْتُ العيونَ الجَوارِيا
مات البُسْتيُّ بما وراء النَّهر، وقيل: بدمشق، والأوَّلُ أصحّ.
стр. 8290
[وفيها توفي]
عيسى بن موسى
ابن أبي محمد بن المتوكل على الله، أبو الفَضْل، الهاشميّ.
ولد سنة ثمانين ومئتين، وسمع الحديث [ورواه.
وروى الخطيب عنه أنه] قال: مَكَثْتُ ثلاثين سنة أشتهي أن أُشارِكَ العامَّةَ في أكل الهَرِيسة من السُّوق، فلم أقدِرْ على ذلك لأجل البُكور إلى سماع الحديث.
وكانت وفاته ببغداد في ربيع الأول.
[سمع محمد بن خَلَف بن المَرْزُبان، وأبا بكر بن أبي داود ولزمه نَيِّفًا وعشرين سنة، وروى عنه أبو علي بن شاذان وغيره،] وكان ثقة مأمونًا (١).
[وفيها توفي]
محمد بن أحمد بن سَهْل
أبو بكر، الرَّمْليّ النَّابُلسيّ، الزَّاهد.
[قال الحافظ ابن عساكر: كان مقامه بالرَّمْلَة] بعث إليه كافور الإخْشيدي بمالٍ، فردَّه وقال للرسول: قل لكافور: قال الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فالاستعانةُ بالله تكفي، فرَدَّ كافور الرسولَ بالمال إليه وقال: قل له: قال الله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ [طه: ٦] فأين ذكر كافور ها هنا؟ المُلْكُ والمالُ لله، فقال أبو بكر: صدق كافور، هو والله صوفي لا أنا، ثم قَبِل المال.
وكان هذا الشيخ (٢) ينزل أكواخَ بانياس تارةً، وتارةً الرَّمْلَة، فلما نزل المُعِزُّ مِصرَ كان يُفتي بقتالهم، وينال منهم، ثم عاد من الرَّمْلَة إلى دمشق خوفًا منهم، فلما ولي
стр. 8291
أبو محمد الكُتاميّ دمشق أخذه، فجعله في قَفَصٍ من خَشَب، وبعث به إلى المُعِزّ، فلما دخل عليه قال له: أنت القائل: لو كان معي عشرة أسهم لرميت بتسعة في المِصْرِيّين وواحدٍ في الروم؟ قال: نعم، قال: ولمَ؟ قال: لأنَّكم غَيَّرتُم المِلَّة، وقتلتُم العلماء والصالحين، وادَّعيتُم أن نورَ الإلهية فيكم، فامر أن يُشْهَر ثلاثة أيام، ويُضْرَبَ كلَّ يومٍ ألْفَ سَوْط، ثم يُسْلَخ في اليوم الثالث، ففُعل به ذلك، فقال في اليوم الأول وهو يُشْهَر: هذا امتحان، وفي اليوم الثاني: هذه كفَّارات، وفي اليوم الثالث: هذه درجات.
ثم سَلَخَه بعض اليهود من رأسه إلى قدمه وهو لا يتأوَّه، قال اليهوديُّ: فَرحِمْتُه، فطَعَنْتُه بالسكِّين في فؤاده فمات، فأرَحْتُه، وحُشي جِلدُه تِبنًا، وصُلِبَ.
ورُوي عنه أنه كان يقول: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء: ٥٨].
فرأى ابن الشَّعشاع المصريّ أبا بكرٍ في المنام وهو في هَيئةٍ حَسَنة فقال: ما فعل الله بك؟ فقال: [من الوافر]
حَباني مالكي بدَوامِ عِزٍّ … وواعَدَني بقُرْبِ الانتصارِ
وقَرَّبَني وأدْناني إليه … وقال انْعَمْ بعَيشٍ في جِواري
[قال ابن عساكر: حَدَّث الرَّمْليُّ عن أبي سعيد بن الأعرابي وغيره، وروى عنه تمَّام بن محمد، وعبد الوهَّاب المَيداني، و] روى عنه الدَّارقطنيُّ وقال: حدَّثني الشَّهيدُ بالرَّمْلَة، وكان يذكره ويبكي [عليه ويقول: نِعمَ الرجلُ الرَّمْلي الشَّهيد] رحمة الله عليه.
стр. 8292
السنة الرابعة والستون وثلاث مئة
[وفي المحرَّم قدم الحاج إلى بغداد وأميرهم أبو منصور محمد بن عمر بن يحيى العَلَوي، وأخبروا أنهم ما لحقوا الوقفة، وأنهم وقفوا بالمدينة.]
وفيها خرج سُبكتكين والطَّائع من بغداد في أول المحرَّم، فوصلا دَير العاقول يُريدان واسطًا لقتال عز الدولة، فمات المطيع يوم الاثنين لثمانٍ بقين من المحرم، وكان قد انْحَدر مع ابنه الطَّائع، فحُمل إلى بغداد في تابوت، ثم مات سبكتكين بعده بيوم واحد، فحمل في تابوت إلى بغداد، وكان هذا من أعجب الحوادث.
ولما مات سُبكتكين تماسك الأتراك، وعَقدوا الرئاسةَ لهفتكين (١) التركي مولى معز الدولة، وأمَّروه وأطاعوه، وكان أعور، وعَرض عليه الطَّائعُ اللَّقَبَ فامتنع منه، واقتصر على الكُنية، وأقرَّ أصحابَ سُبكتكين على ما كانوا عليه، وعمل على لقاءِ عزِّ الدولة.
وكان حَمدان قد عاد من الرَّحْبَة إلى بغداد بكتاب سُبكتكين، وبلغه اتِّفاقُ أبي تَغْلب مع عزِّ الدولة، فسار على مُقدِّمة سبكتكين، فالتقى مقدمةَ عز الدولة وفيها دبيس بن عَفيف الأَسدي فأوقع بهم، وكان فيها جماعةٌ من الدَّيلَم، وكانت الوَقْعَةُ بين جَبُّل وفَمِ الصُّلح، فقتل وأسر منهم، وذلك في المحرَّم يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت منه.
فلما مات سُبكتكين كتب إليه هفتكين كتابًا يُعرِّفُه وفاتَه، وأنه قد صار موضعَه، ويستدعيه إليه ليتَّفِقا على ما يُدَبِّرانه، فاعتقد حَمدان عند ذلك الانحياز إلى عز الدولة، وأن الأتراك قد انحلَّ أمرُهم بوفاة سُبكتكين، فبعث بالكتاب إلى عزّ الدولة، وأخبره أنه صائر إلى هفتكين، واشترط عليه شروطًا، وكان عز الدولة قد عبر إلى الجانب الغربي من واسط، وأخلى الشَّرقي، وجمع السُّفن إليه، وأقام ينتظر عَضُد الدولة، وكان عضد الدولة قد خرج من شِيراز.
ولما ورد على عز الدولة كتابُ حَمدان استبشر، وهمَّ بالإصعاد إلى بغداد، وظنَّ أن أمر الأتراك قد انحلّ، فلما عرف ثُبوتَه، وأن هفتكين قد قام مقام سبكتكين؛ راسل هفتكين مع الشريف أبي أحمد الحسين بن موسى الموسوي بما يؤنسه، ودعاه إلى طاعته،
стр. 8293
وكانت الوَحْشَةُ قد تمكَّنتْ فلم تُغْنِ الرّسالةُ شيئًا، فقال حمدان لهفتكين: أنا أكون في مقدّمتك، فقال: افعل، فعبر من الجانب الشرقي إلى الغربي، ومعه ابنه وغلمانه وأسبابُه، فاستأمن إلى عزّ الدولة، فتلقَّاه، وأكرمه، وحمل إليه مالًا ودوابًا وثيابًا.
وبلغ ذلك الأتراك، فضَعُفَت قلوبُهم، وتوقَّفوا عن المسير أيامًا، ثم عَزموا عليه، ورجعوا، ونزلوا قريبًا من فَرْسَخ عن واسط، وعَقدوا جِسرًا من السُّفن التي كانت معهم، ولهم زَبازِب كثيرة فيها المقاتلة، وحَصَل في أيديهم الجانب الشرقي بأسره، وكانوا يَعبرون على الجسر فيُقاتلون الدَّيلَم، فأقاموا كذلك خمسين يومًا، وركب يومًا حَمدان يقاتل الأتراك، فعرفوه، فأكبُّوا عليه بالدَّبابيس حتى أثْخَنوه، وأخذوه أسيرًا، ووقع في وَرِكه دَبُّوسٌ فعرج منه إلى آخر عمره، وحملوه إلى الهفتكين، وأشرف الدَّيلَم على الهزيمة مرات، وكانت الأيام كلُّها للأتراك.
واشتدَّ الحِصار على عزِّ الدولة، وضاقت عليه المِيرَة، واستولى الأتراك على واسِط من الجانبين، وتواترت كتب عز الدولة إلى أبي تَغْلِب بالقدوم عليه، وإلى عَضُد الدولة بالإسراع إليه.
فأما أبو تَغْلب فبعث أخاه أبا عبد الله الحسين في طائفةٍ من الجيش، فنزل تكْريت، فأقام ينتظر ما تَنكشف الحربُ عنه، وانْحَدر بنفسه وبجميع جيشه إلى مدينة السَّلام، وأما عضد الدولة فقدم بغداد بعد هذا، وسنذكر قُدومَه في موضعه إن شاء الله تعالى.
وفيها في المحرَّم تُوفِّي أبو منصور إسحاق بن المتقي لله عن إحدى وخمسين سنة، وكان ممن تَرشَّح للخلافة، ودُفن بداره في دار ابن طاهر.
وفي المحرَّم توفّي أبو دُلَف كيخسرو بن عضد الدولة بشيراز (١).
وفي يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من المحرم أوقع العَيَّارون ببغداد حريقًا من الخَشَّابين إلى دَرْب الشَّعير، فاحترق شيءٌ كثير، ونهب العَيَّارون مالًا عظيمًا، وغلبوا على الأمور وتَلَقَّبوا بالقوَّاد، فأخذوا الخفائر عن الأسواق والدُّروب، ونُهب الناسُ في الجوامعُ يوم الجمعة من الجانبين.
стр. 8294
وكان في جُملة العَيَّارين (١) رجلٌ أسود يعرف بأسود الزُّبْد لأنه كان يأوي إلى قَنْطَرة الزُّبْد، ويَستطعم الناس وهو عريان ليس عليه ما يُواريه، فلمّا رأى مَن هو أضعفُ منه قد أخذ السيفَ ونَهب أخذ هو سيفًا، وانضاف إليه جماعة، فأخذ الأموال، واشترى جاريةً بألف دينار، فأرادها على نفسها فمنَعتْه، فقال: لِمَ تمنعيني؟ فقالت: أكرهُك، فقال: ما تكرهين مني؟ فقالت: كُلّك، قال: فما تُحبّين؟ قالت: تَبيعُني، قال: أو أفعل خيرًا من ذلك؟ فحملها إلى القاضي، وأعتقها، ووَهَب لها ألفَ دينار، فعجب الناس من مُروءته حيث لم يُجازِها على كراهيتها له إلا بالإحسان.
وفيها سار عَضُد الدولة من فارس، فنزل أرَّجان في غُرَّةِ ربيعٍ الأول، ووافتْه العساكر من الرَّيِّ والأهواز، وسار يَطلب العراق.
وفي ربيع الأول ورد أبو تغلب إلى بغداد، ونزل بدُرْتا في الخيم، فماج الناس ببغداد، وتحرَّك العيَّارون، وظهر من كان مُسْتَترًا من أصحاب عز الدولة، وقتل أبو تَغْلِب جماعةً من العَيَّارين، وأنفذ أخاه إبراهيم إلى النجمي (٢) فأنزله به، وسيَّر أبا السرايا بن سعيد بن حَمدان إلى واسط مَدَدًا لعزِّ الدولة، وعَقَد الجِسر بقطيعة أمّ جعفر، وعبر بنفسه إلى الجانب الشرقي فاخترقه، وعاد إلى عسكره، وقبض على أصحاب الأتراك، وتتبَّع أسبابهم (٣)، وأدخل يده في أموالهم.
ولما بلغ ذلك الأتراك ساروا بأجمعهم مع الطائع لله إلى بغداد، فوَرَد أوائلهم يوم الجمعة رابع عشر ربيع الآخر، ومعهم جمعٌ كثيرٌ من العامَّة والعَيَّارِين، وصاروا إلى قصر فرح بإزاء معسكر أبي تَغْلب، وهَتفوا به، وشتموه أقبحَ شَتْم.
ودخل الطَّائعُ والأتراك بغداد من الغد، ورحل أبو تغلب إلى الجَلْحاء، وخَلَّى عن الجانب الغربي، واستتر مَن كان ظَهرَ من أصحاب عزّ الدولة، وملك الأتراك الجانبين، وعسكروا بباب الشَّمَّاسِيَّة، ونزل الخليفة في داره، وخلع هفتكين على حَمدان، وجَدَّد الأيمان معه.
стр. 8295
ووصلت الأخبار بوصول عضد الدولة إلى واسِط، وانفصاله عنها إلى بغداد، فأحضر الطَّائعُ القُضاةَ والأشرافَ والقوَّادَ مُستهلّ جُمادى الأولى، وأخذ الأيمانَ على الأتراك بالطَّاعة، والمُناصحة في العِيال، وركب من غدٍ إلى باب الشَّمَّاسِيَّة، واستنفر الناسَ لقتال عضد الدولة، وعاد إلى داره.
ذكر حال عضد الدولة مع الأتراك حتى هزمهم:
كان عز الدولة لما مات سُبكتكين كتب إلى ركن الدولة بإيثاره بالمدد من العَسْكر، وأن لا يُقوِّي عَزْمَ عضد الدولة على المسير بنفسه إلى بغداد، وقناعته بالمَدَد الذي يُنفذه إليه مع بعض أصحابه، وكاتب عضدَ الدولة بمثل ذلك؛ لأن خواصَّه أشاروا عليه: لا يدع عضد الدولة يدخل مملكتَه، ويشاهد نِعمتَه، فأجابه ركن الدولة بأن الخَطْب الذي هو بإزائه مع بقاء الأتراك على حالهم مُحتاج إلى مِثْلِ عَضُدِ الدولة في كثرة ماله ورجاله، وقيام هَيبته، وحُسْنِ تدبيره، وأجابه عضد الدولة بأن المَدَد فيما يُراد له لا يفيدا حتى يتولَّى ذلك بنفسه، وكان غرضُ عضد الدولة ما أنف أصحابُ عزِّ الدولة منه (١).
وسار حتى نزل الأهواز، وتَلَوَّم تلوُّمًا طويلًا حتى دخل واسطًا تاسع عشر ربيع الآخر، ولما حصل بالأهواز وانحدر أبو تغلب إلى بغداد تماسك أمر عز الدولة، وأمَّلَه مَن كان آيسًا منه، واستأمنت إليه طائفة من الأتراك قَويت بهم نفسُه.
ولما قَرب عضد الدولة من واسِط تلقَّاه عزُّ الدولة وأخواه أبو إسحاق ومحمد وأبو طاهر بن بقية، فترَجَّلوا، وقَبَّلوا الأرض بين يديه، ما عدا عِزُّ الدولة فإنه لم يترجَّل، وأكبَّ عليه عَضُد الدولة وعانقه، وكان رُكن الدولة قد كتب إلى عز الدولة يُوصيه بتعظيمِ عَضُد الدَّولة وخدمته.
ونزل عضد الدولة بالجانب الشرقي من واسط ومعه أبو الفتح علي بن محمد بن العَميد -وكان قد قَدِم عليه بعسكر الرَّيّ- ورتَّبَ المسيرَ إلى بغداد على أن يكون عزُّ الدولة في الجانب الغربي، وهو في الجانب الشرقي، ورحل حتى نزل ديرَ العاقول وعز
стр. 8296
الدولة بإزائه، وورد عليه تأهُّبُ الطَّائعِ والأتراكِ للقائه، فَعبَّأ عَسْكَرَه، وجعلَ موكبَ خاصَّته في القَلْب، وفي مَيمنته أبا الفتح بن العَميد في جيش الريّ، وفي ميسرته عُمدة الدولة وأبا إسحاق وابن بقية مع طائفة من عسكر عز الدولة، ونزل بإزاء المَدائن.
وكان انحدار الطائع والأتراك ليلة السبت لأربع عشرة خلت من جمادى الأولى، ووصلوا إلى دَيالى، والتَقَوْا على أرضٍ مُستويةٍ قريبة من ديالى، وكانوا قد عَقدوا عليه جُسورًا، واقتتلوا فكانت الدَّبْرَةُ أولًا على عَسْكَرِ عَضُد الدولة من ناحية المَيسرة، وكان فيها عسكر عز الدولة، فاستَجَرَّهم الأتراك، وقتلوا منهم جماعة نحو المئتين، وزحف عليهم عضد الدولة فانهزموا، وقتل من أكابرهم عِدَّة، وجاؤوا إلى جسور دَيالى فازدحموا عليها، وغَرِقَ منهم خلقٌ كثير، وركبهم الدَّيلَم، وكان معهم من العَيَّارِين خلقٌ كثير، فأفناهم الدَّيلَمُ بالقَتْلِ والغَرَق، واستباحوا عَسكرَهم، وأحوقوا خيامَهم، وجاءهم الليلُ فحال بينهم، وكان عز الدولة في الجانب العْربي فكتب إلى عَضُد الدولة بخطِّ يده:
ولكنَّ الجوادَ أبا شُجاعٍ … وفِيُّ العَهْدِ مأمونُ المَغيبِ
بَطيءٌ عنك ما استغنيتَ عنه … وطَلَّاعٌ عليكَ مع الخُطوبِ (١)
ودخل التُّرك بغداد مُقَطَّعين، ومضى الطائع إلى عُكْبَرا، وأصبح الأتراك فأخذوا معهم مَن أمكن أخذه من عيالاتهم وأولادهم، وتَبِعَهم العددُ الكثير ممن يَخاف من المقام بعدهم، وساروا نحو الشام.
وسار عَضُد الدولة من الجانب الشَّرقي، وعزُّ الدولة من الجانب الغربي، ودخل ابن بَقيَّةَ بغداد، ونادى في الناس فسكنوا، ونزل عضد الدولة بباب الشمَّاسيّة وعز الدولة بإزائه من الجانب الغربي، وأظهروا أنهم يتَّبعون الأتراك، فلما وصل الخبر أنهم وصلوا تكريت مُمزَّقين مَسْلوبِين دخل عضد الدولة إلى دار سبكتكين فنزلها، وعز الدولة في دار المتّقي لله.
стр. 8297
وكان الطائع قد راسَلَ عَضُد الدولة لما كان بدير العاقول، فأجابَه إلى ما يُريد، وبعث إليه من عُكْبرا القاضي ابن مَعْروف، فحَلَّفه، واستَوْثَق منه.
ثم أقبل الطائع في طَيَّارِه يوم الخميس لتسعٍ خَلَوْن من الشهر، وخرج عَضُد الدّولة في طياره، فتلقَّاه من قَطيعة أم جعفر، وصَعِد معه، وقَبَّل البِساط الذي تحته ويدَه، وطُرِحَ له كُرسي فجلس عليه بين يديه، وكان على عضد الدولة قَباء أسود، وعِمامة سوداء، وسيف ومِنطَقة ذهب، وأحدقت الطَيَّارات والزَّبازِبُ بطيَّار الخليفة مملوءةً من الدَّيلَم وغيرهم، وانحدر كذلك إلى دار الخلافة، وبعث إليه عضد الدولة بمالٍ وَفُرُش وطيب، وخطب له يوم الجمعة لعشرٍ بقينَ من جُمادى الأولى، وإلى هذه الغاية لم يُخْطَب في هذه المدة لأحد.
وأمر الطَّائعُ بأن يُكتَب إلى الآفاق بعَوْدِه إلى داره، واستقامةِ الأمور والأحوال، فكتب أبو إسحاق إبراهيم بن الصابئ كتابًا بليغًا في ذلك.
ذكر ما جرى لعز الدولة مع عضد الدولة:
لما استقرَّ عَضُد الدولة ببغداد، وانهزم الأتراك، اجتمع أصحابُ عزِّ الدولة من الدَّيلَم والترك، وشَغَبوا عليه بالزَّاهِر، وطالبوه بالعطاء، واشتَطُّوا عليه، فغضب، وتبرَّأ منهم، وقال لعضد الدولة: تولَّ أمورهم. ووجد عضد الدولة ذلك طريقًا إلى ما نازعتْه نفسُه إليه.
وقيل: لما رأى عضد الدولة مُلْكَ العراق أعجبه، وحَسَد عزَّ الدولة، فوضع الدَّيلَم فشغبوا عليه، فأرسل إليه عضد الدولة في المصير إليه؛ ليَجتمعا على ما فيه المصلحة من تدبير الأمور، فجاء عز الدولة إليه ومعه أخواه عمدة الدولة وأبو طاهر، فلما صاروا عنده اعتقلهم، ووكَّل بهم، وذلك في يوم الجمعة لخمس بقينَ من جُمادى الآخرة، ولم يَعرِض لابن بَقيَّة، ووعده بالجميل، وأنه يَستخدمه ويجريه على رسمه ومنزلته، وأمره أن يَمضي إلى دار عز الدولة، وبعث معه جماعة من الدَّيلَم والحاشية، فختم على أمواله وخزائنه، ووَكَّل بإصطبلاته، ومضى إلى داره.
وقبض عَضُد الدولة على خَواصِّ عز الدولة، فلما كان من الغد جمع عضد الدولة القُضاةَ والشُّهودَ والأشرافَ والعلماء، وقرأ عليهم كتابًا مَضمونُه: أن عزَّ الدولة استَثْقَل
стр. 8298
النَّظَرَ في الأمر فاعتزله، واستعفى منه، وسأل توفيره على ما هو أرْوَحُ له منه، فأُجيب إلى ذلك، وأن للخاصَّة والعامَّة عندنا كلَّ ما يَسُرُّ من حُسنِ السِّيرةِ والحِراسَةِ والصِّيانةِ والعَدْلِ وإزالةِ الظُّلْمِ والإحسان، وأخَذ جماعةً من العَيَّارين فقتلَهم وصَلَبهم في عدَّةِ مواضع، وهرب المفسدون.
ثم كتب عَضُد الدولة إلى أبيه في معنى عزِّ الدَّولة، وكتب عن الطَّائع كتابًا في هذا المعنى، وبعث بالكتابَين مع أبي الفتح ابن العَميد على الجَمَّازات (١)، فمن كتاب الطَّائع: قد عرفتَ أطال الله بقاءك ما انعقَدتْ به البيعةُ لأمير المؤمنين في أيام المطيع لله رحمة الله عليه، وما اكتنَفَه في تلك الحال من غَواشي فَسادِ جِهات، فأصبح أميرُ المؤمنين بينها مُشْتَرَك (٢) الرَّأي، مَغلوبًا على الاختيار، حتى استَنْقَذه الله بنَجْلِك الكريم، وسَليلك النَّجيبِ عَضُدِ الدولة، أدام الله به الإمتاعَ، فأخلَصَ في نُصْرةِ أمير المؤمنين نيَّتَه، وأرْهَف ليُثبِتَ أمرَه عَزيمتَه، وتَحَمَّل باستطاعته طاعتَه … إلى أن قال: ورأيُ أمير المؤمنين في عَضُد الدولة أن يُقيمَ بقُربِه، ولا يتغيَّر من دار السَّلام … وذكر فصولًا في هذا المعنى.
وأما كتاب عضد الدولة فمَضْمونُه: إن الأمورَ كانت قد اضطَرَبَتْ، وهَذَّبْتُ مَملكةَ العراق، وخاطَرْتُ بنفسي ومالي وجُندي، ورَدَدْتُ الخليفةَ إلى داره، وإن بختيار لا يُحسِنُ أن يُقيمَ دولةً، ومتى خرجتُ عن العراق اضطَرَبَت الممالك.
ثم إن عضد الدولة ساس الأمورَ، وبعث بالشَّريف أبي أحمد الموسَوي إلى أبي تَغْلب بإسقاطِ ما عليه من مال، وبعث كذلك إلى عمران بن شاهين وغيرهما.
وفيها قَدِمت أمُّ عزِّ الدولة من واسِط ومعها أولادُه وحُرَمُه، فخَيَّرها عَضُدُ الدولة بين أن يَجمع بينها وبين ولدها أو المُقام في دارها، فاختارت المقام عندهم، فأقامت، ونزل الحرم والأولاد في الدار الغربية، وأقام لهم الوظائف والرَّواتب.
стр. 8299
ذكر قصة الأتراك:
ساروا من بغداد إلى عُكْبَرا وسامُرّاء وتكريت، وتَفَرَّق بعضُهم، ولم يبق مع الهَفْتَكين سوى ثلاث مئة غُلام، فسار إلى الشَّام، وأقام بحمص أيامًا، ثم سار إلى دمشق والعَيَّارون قد مَلَكوها، فنزل بظاهرها، وخرج إليه أشرافُها وشيوخُها، وخدموه، وأظهروا السُّرورَ به، وسألوه المقامَ عندهم، ودَفعَ أذى العَيَّارِين عنهم، فأجابهم إلى ذلك، وتَوثَّق منهم بالأيمان والعُهود، ودخلها فأحسن السّيرة، وقَمَعَ أهلَ الفساد، وقامت له الهَيبَةُ في قلوبهم، فأحَبُّوه، وأطاعته العرب المتغلِّبون على ضواحي دمشق، وكتب إلى المعزِّ بالطاعة، فاستدعاه إلى حَضْرَتِه ليُحْسِنَ إليه وَيرُدَّه إلى دمشق، فخاف منه، فتعَلَّل عليه، ومات المُعزُّ، وقام ابنُه العزيز، فجَهَّز إليه جيشًا مع القائد جَوْهَر، وسنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقيل: إنه كان بدمشق قائدٌ من قُوَّاد المصريين يقال له: رَيَّان قد آذى أهلَها، فأخرجوه، ووَلَّوا الهفتكين -وهو الأصحّ- فدخلها في شعبان، وأقام الدَّعوةَ للمُطيع.
وخرج ابن الشَّمْشَقيق (١) الرُّومي في هذه السنة إلى الثُّغور، فمَلَكها، واستولى على أكثرها، فدَعَتِ الضَّرورةُ أبا بكر بن الزَّيَّات صاحبَ طَرَسوس إلى مُصالحتِه، فصالحه، وخرج إليه في عِدَّةٍ من أهل طَرَسوس، فأحسَنَ إليهم وأمَّنَهم، وسار إلى حمص وافتتحها، وقصد بَعْلَبك فافتتحها، فكتب ابن الزيات إلى الهَفْتَكين وأهلِ دمشق يقول: لا طاقةَ لكم بصاحب الروم، والمصلحة أن تَدخلوا في طاعته، وتُقَرِّروا عليكم مالًا.
فأجابه الهفتكين، ورَدَّ الأمرَ إليه فيما يفعلُه، فدخلَ ابنُ الزيَّات على ابن الشمشقيق وحادثه، فأعطاهم الأمانَ على نفوسهم وأموالهم، وأن يؤدُّوا إليه في كل سنةٍ ثلاث مئة ألف درهم.
فكتب ابنُ الزيَّات إلى الهفتكين وشيوخ دمشق بأن يَخرجوا للقائه، فتلقَّوه من الزَّبَداني في أحسَنِ زِيّ، فأقبل عليه، وقَرَّبه، وأكرَمَه، وخاطب الدِّمشقيين بأحسنِ خِطاب، وأكرَمهم.
стр. 8300
ولما رأى دمشقَ أعجبته، فأمر أصحابَه ألا يتَعرَّضوا لها، وأقام أيامًا بظاهرها والهفتكين يخرج إليه كلَّ يوم، ويُسايره، ويَلعَبُ بين يديه بآلة الحرب، فقال ابن الشمشقيق لابن الزَّيَّات: ما رأيتُ أحسنَ من هذا الغلام، وقد أعجَبَني وأحببْتُه، وكان يركب في المماليك في الزّيّ الإسلامي، ويتطاعنون بين يديه، وَيرْمون بالنُّشَّاب، فعرَّفَ ابنُ الزَّيَّات الهفتكين قولَ الروميّ، فتَرجَّل وقَبَّلَ الأرضَ بين يديه، فقال الرومي لابن الزيات: عَرِّفْه أنني قد وَهَبْتُ له الخَراجَ، فترجَّل ثانيًا وقبَّلَ الأرضَ بين يديه.
ثم إن الهفتكين بعث إليه بالفرس الذي كان تحته والسلاح -وكان قد طلَبه من ابن الزيَّات- وبعث معه عشرين فَرَسًا بتَجافيفها (١)، وعِدَّةً ورِماحًا، وشيئًا كثيرًا من أصناف الثِّياب والطِّيب والطُّرَف، فردَّ الجميع، وأخذ الفَرَس والسِّلاح، وبعث له مُكافأةً على الهديَّة أثوابَ دِيباج كثيرة، وبغلات وغيرها، وسار إلى السَّاحل، ووَدَّعه الهفتكين ورجع إلى دمشق.
ونزل الروميُّ على صَيدا، فخرج إليه أبو الفتح بن الشَّيخ -وكان رجلًا جَليلَ القَدْر- ومعه شيوخ البلد، وطلبوا الأمان فأعطاهم، وقَرَّروا على نفوسهم مالًا، وأهْدَوا له هَدِيَّةً، فرحل عنهم على موادَعةٍ، ونزل على بيروت فقاتلوه، ففتحها عَنوةً، ونهبها وسبى أهلَها، وفعل بجُبيل كذلك، ثم نازل طرابلس فأقام عليها نيفًا وأربعين يومًا يُقاتل أهلَها ويقاتلونه، فبينا هو كذلك إذ دسَّ إليه بسيل وقسطنطين سُمًّا في شرابٍ فاعتَلَّ، ونزل على أنطاكية فقطع أشجارَها، ورحل عنها، واستخلف على حصارها بِطريقًا يقال له: البرجي، وسار إلى القُسْطَنْطينية فمات بها، وفتح البرجي أنطاكية.
ذكر ما جرى لابن بَقيَّة:
لما أقام عضد الدولة ببغداد ينتظر جواب أبيه استمال ابنَ بَقيَّة، وقَرَّبه، وجعله برسْم وزارة الأمير أحمد بن عضد الدولة، وخيَّره فيما يريد من الأعمال، فاختار واسِطًا وتكريت وأَوانا، فأعطاه ذلك، وخلع عليه الخِلَع السُّلطانية، وحمله على فَرَسٍ بمركب ذهب، وأعطاه في كل سنة خمسَ مئة ألف درهم إقطاعًا، وضمَّ إليه جماعةً من الدَّيْلَم والقُوَّاد.