← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 8296–8335 · переход к 8301.

стр. 8296

الدولة بإزائه، وورد عليه تأهُّبُ الطَّائعِ والأتراكِ للقائه، فَعبَّأ عَسْكَرَه، وجعلَ موكبَ خاصَّته في القَلْب، وفي مَيمنته أبا الفتح بن العَميد في جيش الريّ، وفي ميسرته عُمدة الدولة وأبا إسحاق وابن بقية مع طائفة من عسكر عز الدولة، ونزل بإزاء المَدائن. وكان انحدار الطائع والأتراك ليلة السبت لأربع عشرة خلت من جمادى الأولى، ووصلوا إلى دَيالى، والتَقَوْا على أرضٍ مُستويةٍ قريبة من ديالى، وكانوا قد عَقدوا عليه جُسورًا، واقتتلوا فكانت الدَّبْرَةُ أولًا على عَسْكَرِ عَضُد الدولة من ناحية المَيسرة، وكان فيها عسكر عز الدولة، فاستَجَرَّهم الأتراك، وقتلوا منهم جماعة نحو المئتين، وزحف عليهم عضد الدولة فانهزموا، وقتل من أكابرهم عِدَّة، وجاؤوا إلى جسور دَيالى فازدحموا عليها، وغَرِقَ منهم خلقٌ كثير، وركبهم الدَّيلَم، وكان معهم من العَيَّارِين خلقٌ كثير، فأفناهم الدَّيلَمُ بالقَتْلِ والغَرَق، واستباحوا عَسكرَهم، وأحوقوا خيامَهم، وجاءهم الليلُ فحال بينهم، وكان عز الدولة في الجانب العْربي فكتب إلى عَضُد الدولة بخطِّ يده: ولكنَّ الجوادَ أبا شُجاعٍ … وفِيُّ العَهْدِ مأمونُ المَغيبِ بَطيءٌ عنك ما استغنيتَ عنه … وطَلَّاعٌ عليكَ مع الخُطوبِ (١) ودخل التُّرك بغداد مُقَطَّعين، ومضى الطائع إلى عُكْبَرا، وأصبح الأتراك فأخذوا معهم مَن أمكن أخذه من عيالاتهم وأولادهم، وتَبِعَهم العددُ الكثير ممن يَخاف من المقام بعدهم، وساروا نحو الشام. وسار عَضُد الدولة من الجانب الشَّرقي، وعزُّ الدولة من الجانب الغربي، ودخل ابن بَقيَّةَ بغداد، ونادى في الناس فسكنوا، ونزل عضد الدولة بباب الشمَّاسيّة وعز الدولة بإزائه من الجانب الغربي، وأظهروا أنهم يتَّبعون الأتراك، فلما وصل الخبر أنهم وصلوا تكريت مُمزَّقين مَسْلوبِين دخل عضد الدولة إلى دار سبكتكين فنزلها، وعز الدولة في دار المتّقي لله.

стр. 8297

وكان الطائع قد راسَلَ عَضُد الدولة لما كان بدير العاقول، فأجابَه إلى ما يُريد، وبعث إليه من عُكْبرا القاضي ابن مَعْروف، فحَلَّفه، واستَوْثَق منه. ثم أقبل الطائع في طَيَّارِه يوم الخميس لتسعٍ خَلَوْن من الشهر، وخرج عَضُد الدّولة في طياره، فتلقَّاه من قَطيعة أم جعفر، وصَعِد معه، وقَبَّل البِساط الذي تحته ويدَه، وطُرِحَ له كُرسي فجلس عليه بين يديه، وكان على عضد الدولة قَباء أسود، وعِمامة سوداء، وسيف ومِنطَقة ذهب، وأحدقت الطَيَّارات والزَّبازِبُ بطيَّار الخليفة مملوءةً من الدَّيلَم وغيرهم، وانحدر كذلك إلى دار الخلافة، وبعث إليه عضد الدولة بمالٍ وَفُرُش وطيب، وخطب له يوم الجمعة لعشرٍ بقينَ من جُمادى الأولى، وإلى هذه الغاية لم يُخْطَب في هذه المدة لأحد. وأمر الطَّائعُ بأن يُكتَب إلى الآفاق بعَوْدِه إلى داره، واستقامةِ الأمور والأحوال، فكتب أبو إسحاق إبراهيم بن الصابئ كتابًا بليغًا في ذلك. ذكر ما جرى لعز الدولة مع عضد الدولة: لما استقرَّ عَضُد الدولة ببغداد، وانهزم الأتراك، اجتمع أصحابُ عزِّ الدولة من الدَّيلَم والترك، وشَغَبوا عليه بالزَّاهِر، وطالبوه بالعطاء، واشتَطُّوا عليه، فغضب، وتبرَّأ منهم، وقال لعضد الدولة: تولَّ أمورهم. ووجد عضد الدولة ذلك طريقًا إلى ما نازعتْه نفسُه إليه. وقيل: لما رأى عضد الدولة مُلْكَ العراق أعجبه، وحَسَد عزَّ الدولة، فوضع الدَّيلَم فشغبوا عليه، فأرسل إليه عضد الدولة في المصير إليه؛ ليَجتمعا على ما فيه المصلحة من تدبير الأمور، فجاء عز الدولة إليه ومعه أخواه عمدة الدولة وأبو طاهر، فلما صاروا عنده اعتقلهم، ووكَّل بهم، وذلك في يوم الجمعة لخمس بقينَ من جُمادى الآخرة، ولم يَعرِض لابن بَقيَّة، ووعده بالجميل، وأنه يَستخدمه ويجريه على رسمه ومنزلته، وأمره أن يَمضي إلى دار عز الدولة، وبعث معه جماعة من الدَّيلَم والحاشية، فختم على أمواله وخزائنه، ووَكَّل بإصطبلاته، ومضى إلى داره. وقبض عَضُد الدولة على خَواصِّ عز الدولة، فلما كان من الغد جمع عضد الدولة القُضاةَ والشُّهودَ والأشرافَ والعلماء، وقرأ عليهم كتابًا مَضمونُه: أن عزَّ الدولة استَثْقَل

стр. 8298

النَّظَرَ في الأمر فاعتزله، واستعفى منه، وسأل توفيره على ما هو أرْوَحُ له منه، فأُجيب إلى ذلك، وأن للخاصَّة والعامَّة عندنا كلَّ ما يَسُرُّ من حُسنِ السِّيرةِ والحِراسَةِ والصِّيانةِ والعَدْلِ وإزالةِ الظُّلْمِ والإحسان، وأخَذ جماعةً من العَيَّارين فقتلَهم وصَلَبهم في عدَّةِ مواضع، وهرب المفسدون. ثم كتب عَضُد الدولة إلى أبيه في معنى عزِّ الدَّولة، وكتب عن الطَّائع كتابًا في هذا المعنى، وبعث بالكتابَين مع أبي الفتح ابن العَميد على الجَمَّازات (١)، فمن كتاب الطَّائع: قد عرفتَ أطال الله بقاءك ما انعقَدتْ به البيعةُ لأمير المؤمنين في أيام المطيع لله رحمة الله عليه، وما اكتنَفَه في تلك الحال من غَواشي فَسادِ جِهات، فأصبح أميرُ المؤمنين بينها مُشْتَرَك (٢) الرَّأي، مَغلوبًا على الاختيار، حتى استَنْقَذه الله بنَجْلِك الكريم، وسَليلك النَّجيبِ عَضُدِ الدولة، أدام الله به الإمتاعَ، فأخلَصَ في نُصْرةِ أمير المؤمنين نيَّتَه، وأرْهَف ليُثبِتَ أمرَه عَزيمتَه، وتَحَمَّل باستطاعته طاعتَه … إلى أن قال: ورأيُ أمير المؤمنين في عَضُد الدولة أن يُقيمَ بقُربِه، ولا يتغيَّر من دار السَّلام … وذكر فصولًا في هذا المعنى. وأما كتاب عضد الدولة فمَضْمونُه: إن الأمورَ كانت قد اضطَرَبَتْ، وهَذَّبْتُ مَملكةَ العراق، وخاطَرْتُ بنفسي ومالي وجُندي، ورَدَدْتُ الخليفةَ إلى داره، وإن بختيار لا يُحسِنُ أن يُقيمَ دولةً، ومتى خرجتُ عن العراق اضطَرَبَت الممالك. ثم إن عضد الدولة ساس الأمورَ، وبعث بالشَّريف أبي أحمد الموسَوي إلى أبي تَغْلب بإسقاطِ ما عليه من مال، وبعث كذلك إلى عمران بن شاهين وغيرهما. وفيها قَدِمت أمُّ عزِّ الدولة من واسِط ومعها أولادُه وحُرَمُه، فخَيَّرها عَضُدُ الدولة بين أن يَجمع بينها وبين ولدها أو المُقام في دارها، فاختارت المقام عندهم، فأقامت، ونزل الحرم والأولاد في الدار الغربية، وأقام لهم الوظائف والرَّواتب.

стр. 8299

ذكر قصة الأتراك: ساروا من بغداد إلى عُكْبَرا وسامُرّاء وتكريت، وتَفَرَّق بعضُهم، ولم يبق مع الهَفْتَكين سوى ثلاث مئة غُلام، فسار إلى الشَّام، وأقام بحمص أيامًا، ثم سار إلى دمشق والعَيَّارون قد مَلَكوها، فنزل بظاهرها، وخرج إليه أشرافُها وشيوخُها، وخدموه، وأظهروا السُّرورَ به، وسألوه المقامَ عندهم، ودَفعَ أذى العَيَّارِين عنهم، فأجابهم إلى ذلك، وتَوثَّق منهم بالأيمان والعُهود، ودخلها فأحسن السّيرة، وقَمَعَ أهلَ الفساد، وقامت له الهَيبَةُ في قلوبهم، فأحَبُّوه، وأطاعته العرب المتغلِّبون على ضواحي دمشق، وكتب إلى المعزِّ بالطاعة، فاستدعاه إلى حَضْرَتِه ليُحْسِنَ إليه وَيرُدَّه إلى دمشق، فخاف منه، فتعَلَّل عليه، ومات المُعزُّ، وقام ابنُه العزيز، فجَهَّز إليه جيشًا مع القائد جَوْهَر، وسنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. وقيل: إنه كان بدمشق قائدٌ من قُوَّاد المصريين يقال له: رَيَّان قد آذى أهلَها، فأخرجوه، ووَلَّوا الهفتكين -وهو الأصحّ- فدخلها في شعبان، وأقام الدَّعوةَ للمُطيع. وخرج ابن الشَّمْشَقيق (١) الرُّومي في هذه السنة إلى الثُّغور، فمَلَكها، واستولى على أكثرها، فدَعَتِ الضَّرورةُ أبا بكر بن الزَّيَّات صاحبَ طَرَسوس إلى مُصالحتِه، فصالحه، وخرج إليه في عِدَّةٍ من أهل طَرَسوس، فأحسَنَ إليهم وأمَّنَهم، وسار إلى حمص وافتتحها، وقصد بَعْلَبك فافتتحها، فكتب ابن الزيات إلى الهَفْتَكين وأهلِ دمشق يقول: لا طاقةَ لكم بصاحب الروم، والمصلحة أن تَدخلوا في طاعته، وتُقَرِّروا عليكم مالًا. فأجابه الهفتكين، ورَدَّ الأمرَ إليه فيما يفعلُه، فدخلَ ابنُ الزيَّات على ابن الشمشقيق وحادثه، فأعطاهم الأمانَ على نفوسهم وأموالهم، وأن يؤدُّوا إليه في كل سنةٍ ثلاث مئة ألف درهم. فكتب ابنُ الزيَّات إلى الهفتكين وشيوخ دمشق بأن يَخرجوا للقائه، فتلقَّوه من الزَّبَداني في أحسَنِ زِيّ، فأقبل عليه، وقَرَّبه، وأكرَمَه، وخاطب الدِّمشقيين بأحسنِ خِطاب، وأكرَمهم.

стр. 8300

ولما رأى دمشقَ أعجبته، فأمر أصحابَه ألا يتَعرَّضوا لها، وأقام أيامًا بظاهرها والهفتكين يخرج إليه كلَّ يوم، ويُسايره، ويَلعَبُ بين يديه بآلة الحرب، فقال ابن الشمشقيق لابن الزَّيَّات: ما رأيتُ أحسنَ من هذا الغلام، وقد أعجَبَني وأحببْتُه، وكان يركب في المماليك في الزّيّ الإسلامي، ويتطاعنون بين يديه، وَيرْمون بالنُّشَّاب، فعرَّفَ ابنُ الزَّيَّات الهفتكين قولَ الروميّ، فتَرجَّل وقَبَّلَ الأرضَ بين يديه، فقال الرومي لابن الزيات: عَرِّفْه أنني قد وَهَبْتُ له الخَراجَ، فترجَّل ثانيًا وقبَّلَ الأرضَ بين يديه. ثم إن الهفتكين بعث إليه بالفرس الذي كان تحته والسلاح -وكان قد طلَبه من ابن الزيَّات- وبعث معه عشرين فَرَسًا بتَجافيفها (١)، وعِدَّةً ورِماحًا، وشيئًا كثيرًا من أصناف الثِّياب والطِّيب والطُّرَف، فردَّ الجميع، وأخذ الفَرَس والسِّلاح، وبعث له مُكافأةً على الهديَّة أثوابَ دِيباج كثيرة، وبغلات وغيرها، وسار إلى السَّاحل، ووَدَّعه الهفتكين ورجع إلى دمشق. ونزل الروميُّ على صَيدا، فخرج إليه أبو الفتح بن الشَّيخ -وكان رجلًا جَليلَ القَدْر- ومعه شيوخ البلد، وطلبوا الأمان فأعطاهم، وقَرَّروا على نفوسهم مالًا، وأهْدَوا له هَدِيَّةً، فرحل عنهم على موادَعةٍ، ونزل على بيروت فقاتلوه، ففتحها عَنوةً، ونهبها وسبى أهلَها، وفعل بجُبيل كذلك، ثم نازل طرابلس فأقام عليها نيفًا وأربعين يومًا يُقاتل أهلَها ويقاتلونه، فبينا هو كذلك إذ دسَّ إليه بسيل وقسطنطين سُمًّا في شرابٍ فاعتَلَّ، ونزل على أنطاكية فقطع أشجارَها، ورحل عنها، واستخلف على حصارها بِطريقًا يقال له: البرجي، وسار إلى القُسْطَنْطينية فمات بها، وفتح البرجي أنطاكية. ذكر ما جرى لابن بَقيَّة: لما أقام عضد الدولة ببغداد ينتظر جواب أبيه استمال ابنَ بَقيَّة، وقَرَّبه، وجعله برسْم وزارة الأمير أحمد بن عضد الدولة، وخيَّره فيما يريد من الأعمال، فاختار واسِطًا وتكريت وأَوانا، فأعطاه ذلك، وخلع عليه الخِلَع السُّلطانية، وحمله على فَرَسٍ بمركب ذهب، وأعطاه في كل سنة خمسَ مئة ألف درهم إقطاعًا، وضمَّ إليه جماعةً من الدَّيْلَم والقُوَّاد.

стр. 8301

وانحدر، فلما صار بواسِط أظهر الخلاف على عضد الدولة، والإنكار لما جرى على عزِّ الدولة، وقَبَض على القُوَّاد الذين ضَمَّهم إليه -وذلك في شعبان- وكاتبَ عمران بن شاهين وغيرَه، فأجابوه لما يريد. وكان أبو كاليجار بن عز الدولة بالبصرة، فكاتبه، وجعل في نفسه متى قصده عضد الدولة صار إلى البصرة، ثم لم ير أن يذهب إلى البصرة خوفًا من عامله، فعوَّل على قصد عمران بن شاهين متى دَهَمه أمر. وتبيَّن لعضد الدولة فسادُ الرأي في ابن بقية، وتخلية سبيله، فراسله بأبي الفَضْل أحمد الشِّيرازي وأبي طاهر المقنعي الشاهد يقول: قد عرفتَ ما عاملناك به، وأسْدَينا الصَّنيعةَ إليك فيه، ولم يَتجدَّد بعد انحدارِك من حَضرتنا ما يُوحِشُك ويَحملُك على ما بدا منك، فإن كان بلغَك شيءٌ فعَرِّفْنا حتى نُبْطِلَه، ونُعطيك من الوَثيقةِ ما يَتكامل لك السُّكونُ به، وإن كنتَ تُريد زيادةً على ما أعطيناك زِدناك. فلم يلتفت إلى رسالته، وكان جوابُه لعضد الدولة: وَقَفْتُ على الرسالة والأمان، فوَجدْتُ معانيهما مبنيَّةً على المَخْرَقَة (١) المستمِرَّة، والزَّخْرفَة المُستحيلة، وما زال الله يَلْطُفُ بي عند وقوعي في تلك الوَرْطة التي لا أرانا الله في مولانا عزِّ الدولة شِبْهَهَا، حتى تَخَلَّصْتُ منها خلاصَ المَظْلوم (٢)، وأفلتُّ منها إفلاتَ المَكْلوم، وقد جَعلتُ دوني سيوفًا حِدادًا، وسواعدَ سِدادًا، وقد أعطيتَ قبلي أُناسًا أمانًا قولًا، وأسقطْتَهُ فعلًا، فلم تَفِ بشيءٍ منه، بل صَدَفْتَ عنه، فيا ليتَ شِعري أيَّ أمانٍ تُعطيني وقد حلفتَ أيمانًا ونكثتَها، ومنها قصَّةُ مولانا عز الدولة: لما اطمأنَّ إليك انتهَزْتَ فُرْصَتَه، واستَلَبْتَ غُرَّتَه، وفرَّقْتَ بين ولده وبينه، واستَولَيتَ على ممالكه وأَنْشَبْتَ مَخالِبَك فيها، والله يأخذُ الباغي، ويُهلِكُ الظَّالم، وكتب إليه: [من الطويل] إذا المَرْءُ لم يَحْتَلْ وقد جَدَّ جَدَّه … أضاعَ وقاسى أمرَه وهو مُدبِرُ ولكنْ أخو الحَزْمِ الذي ليس نازِلا … به الخَطْبُ إلا وهو للقَصْدِ مُبْصِرُ

стр. 8302

وكتب أيضًا إلى عضد الدولة في جواب كتاب أُعيد عليه فيه بإطلاقه واستخدامه إياه: [من الوافر] وما بُقْيا عليَّ تَرَكْتُماني … ولكن خِفْتُما صَرَدَ النِّبَالِ فانظروا إلى هذا الجاهل الأحمق الذي أوقعه لسانُه فيما أوقعه؛ فإن عَضُدَ الدولة تمكَّن منه بعد ذلك، فقَتَله أقْبَحَ قِتْلَة، ومَثَّل به شَرَّ مُثْلَة. وعاد ابنُ بقية إلى بغداد، وزادت منزلتُه عند عز الدولة أضعافَ ما كانت. وكان عضد الدولة قد عَوَّل على إنفاذ عَسْكَرٍ في الماء إلى أبي كاليجار ليأخذَ البَصْرةَ منه، فلما حَدَث من ابنِ بقيةَ ما حَدَث جعل ابتداءه به، فبعت إليه الجيشَ، وبعث ابنُ بقية إلى عمران، فأرسل إليه عَسْكرًا في السُّفُن مع أخيه أبي المعربان، وجاؤوا إلى واسِط، واقتتل الفريقان، وانتشرت الأمورُ على عضد الدولة من جميع الجوانب، وابنُ بقية مُتَحَصِّن بواسِط مُسْتَظْهِر، فبينا هم على ذلك والأمور قد اختفَت على عضد الدولة، وخاف أصحابُ الأطرافِ منه لما فعل بابن عمه عز الدولة، وجاءه جوابُ أبيه رُكن الدولة مع ابن العَميد يقول: أنا بعثتُكَ لتُنْجِدَ ابنَ أخي أو لِتَنْزِعَه من المُلْك؟! والله لئن لم تُفْرِج عنه، وتُسَلِّم إليه مُلْكَه، وتَخْرُج من العراق لأَسِيرَنَّ إليك بنفسي، وصاحَ في ابن العميد وشَتَمَه. ولما جاءت عَضُدَ الدولة هذه الرسالةُ لم يجد بُدًّا من طاعة أبيه، وكان وُرودُ الجواب في شعبان. وتَردَّدَتْ بين عز الدولة وعضد الدولة مُراسلات بأنه يكون نائبًا عنه، وأخذَ منه الأهواز، وشَهَّد فيه الشهود، وثبت على الحكام، ومضمونه: السَّمْعُ والطَّاعَةُ لعضد الدولة، وأن عز الدولة نائبُه في البلاد، وأنه سامِعٌ مطيعٌ، وأول الكتاب: هذا كتابٌ لمولانا الملك الجَليل عضد الدولة أبي شجاع بن ركن الدولة أبي علي مولى أمير المؤمنين، كتبه له عزُّ الدولة وعُمدة الدولة ابنا معز الدولة، وأشهدا جميعًا على أنفسهما وكلِّ واحد منهما بما يثبت على قاضي القُضاة أبي الحسن محمد بن صالح الهاشمي، والقاضي أبي تمَّام، والحسن بن محمد الهاشمي، والقاضي أبي محمد عبد الله بن مَعْروف وغيرهم، ومَن حَضَر من الأشراف والعلماء والشُّهود والخواصّ والقُوَّاد وغيرهم؛ أن عَضُدَ الدولة استَخْلَفَنا على مدينة السَّلام وواسِط

стр. 8303

والبَصْرة، وما يجري مُجراها من أعمال العراق خاصّة دون ما سواها من كُوَر الأهواز، فإنها خارجةٌ عن تدبيرنا، ومُفْرَدَةٌ لمولانا عضد الدولة، وعلى أنّا نَسمَعُ له ونُطيع، ونَنتهي إلى أوامره، من غير عُدولٍ عن ذلك ولا مُخالفة، وأننا نُطيع مولانا الطَّائعَ لله أمير المؤمنين، ونَحرُسُه حِراسةً تامة، ونَطوي ضَمائرَنا على خُلوصها له، حتى لا يَلْحَقَه نقصٌ في نفسِه وسُلطانِه وأسبابِه، ونُقيم له الدَّعوةَ على منابر الإسلام، ولمولانا عضد الدولة دائمًا ما عِشْنا. ثم ذكر كلامًا طويلًا إلى أن قال: والله وتالله وبالله، وذكر الحجَّ والصِّيامَ والعِتاقَ والطَّلاق، والبراءة من محمد سيِّد المرسلين، ومن وَلاء مولانا علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، ولَقيتُ اللهَ بدمه وبدم الحسين وأهل بيته صلوات الله عليهم أجمعين، وذكر ما جرت به العادة في الأيمان. ولما شَهد الشُّهود، وأثبتت النُّسخة على القضاة، وحُملت إليه؛ أطلق عزَّ الدولة وأخوَيه عُمدة الدولة وأبا طاهر في رمضان، وردَّ على عز الدولة جميعَ ما أَخَذ منه من الخزائن والأموال وغيرها. وركب عز الدولة، وارتفع ضَجيجُ العوامّ، وأكثروا من الدُّعاء له، وذكروا عضد الدولة بما لا يَليق، وصاحوا عليه من الجانب الغربيِّ بإزاء داره، فنَبا به المقام، فخرج إلى الزَّعْفَرانيَّة لخمسٍ مَضَينَ من شَوَّال، وزوَّج ابنَه أبا الفوارس ببنت عز الدولة، ووصل إلى واسط في النصف من شوَّال، فخرج ابنُ بقية عنها، ولمَّا أبعَدَ عضد الدولة رجع إليها. ذكر ما أخذ عضد الدولة من المُصادرات مُدَّةَ مُقامه ببغداد: ومَبلغُه خمسة آلاف ألف وتسع مئة وخمسين ألف درهم (١). وفي ذي القعدة خلع الخليفةُ على عزِّ الدولة خِلَع السَّلْطَنة، وتزوج ابنة عزّ الدولة (٢) على صداق مبلَغُه مئة ألف دينار، وكان العَقدُ بحضرة الطائع وعز الدولة، والخاطب القاضي أبو بكر محمد بن قُرَيعَة، واسم البنت شاه زنان.

стр. 8304

وفي ليلة يوم الاثنين لتسعٍ بقين من ذي القعدة طلع كوكبُ الذُّؤابة من ناحية المشرق، وذؤابته مقدار رُمحين، ولم يزل يطلع إلى عشر بقين من ذي الحجة. وفي سَلْخ ذي القعدة صُرف أبو الحسن محمد بن صالح عن قضاء القُضاة، وتقلَّده أبو محمد عُبيد الله بن مَعروف، وخُلع عليه من دار الخلافة، وركب ابن بقية إلى داره. وفيها في ذي الحجة قُبض على أبي إسحاق إبراهيم بن هلال الصَّابئ بعد أن أُعطي الأمان، وظهر من الاستتار، وطالت مُدَّتُه في النَّكْبَة والحبس، ثم أُفرج عنه، ولولا عز الدولة لتَلفَ، وسبب نكبته الكتاب الذي كتبه للطائع، وقد ذكرناه. وفيها خُلع على الشريف أبي أحمد الحسين بن موسى الموسَوي، وقُلِّد نقابةَ الطالبيين. وفي آخر ذي الحجة دخل عضد الدولة إلى داره بشيراز. ولم يحج بالناس أحدٌ من العراق من قِبَل السلطان، وخرج جماعةٌ من أهل خُراسان فلَقُوا شدَّةً ورجعوا، وحجَّ أهل مصر، وأقيمت الخطبة للمعزّ متولّي مصر وحده (١). [فصل:] وفيها توفي سُبُكْتكين حاجبُ معزِّ الدولة ومولاه. [وقد ذكرنا أخباره، وعصيانه على عز الدولة، وأن الطائع طوَّقه وسَوَّره، ولقَّبه نصر الدولة. وكان قد] ركب يومًا، فوقع من على الفرس، فانكسر ضِلعُه، فاستدعى المُجَبِّر فردَّ ضلعَه على ما كان عليه، [وأدخلوه الحمَّام فأعطى المجبِّرَ] ألفَ دينار وخِلعةً وفرسًا. وكانت داره بالمُخَرَّم ولم يكن بالعراق مثلُها، يقال: إنه غَرِم علي بنائها خمسة آلاف ألف درهم، وكانت عند الزَّاهر، وقد دَثَرت فلا عينٌ ولا أثر.

стр. 8305

ذكر وفاته: قد ذكرنا أنه خرج مع الطائع لقتال عز الدولة في هذه السنة، فنزلا (١) بدير العاقول، فمرض، ولحقه ذَرَبٌ عظيم، فتوفي يوم الثلاثاء لسبع بقينَ من المحرَّم، فكانت مدَّةُ إمارته شهرين وثلاثة عشر يومًا، وحُمل تابوته إلى بغداد، فدُفن في تربة ابنته بالمُخَرَّم. [قال ابن الصَّابئ:] وخلَّفَ غير ما كان مُودَعًا عند أبي بكر الأصفهاني البَزَّاز صاحبِه ألفَ ألف دينار مُطِيعيَّة، وعشرة آلاف ألف درهم ورقًا، وستّين صُندوقًا منها صندوقان فيهما جواهر والباقيات مملوءات آنية ذهب وفضة، ومئة وثلاثين مركبًا ذهبًا، وزن كلِّ مَرْكب ألف مثقال، وست مئة مركب فضة، وأربعة آلاف ثوب ديباجًا، وعشرة آلاف ثوب دبيقيًّا وغير ذلك، وثلاث مئة غلام، وأربعين خادمًا، وثلاثة آلاف فرس وجمل وبغل، وثلاث مئة حِمل قماش. [وقال الخطيب:] كان يسكن دار السَّلْطَنة التي عند الزاهر، وجاء عضد الدولة فزاد فيها، وكلُّ مَن جاء بعده زاد فيها (٢). [قلت:] بقيت إلى زمن أبي العباس أحمد الناصر لدين الله فأخربها [، وسنذكرها هناك إن شاء الله تعالى. فصل: وفيها توفي] المُطيع لله واسمه الفضل بن جعفر المقتدر، وكنيته أبو القاسم. خلع نفسَه طائعًا لا مُكْرَهًا، وفوَّض الأمر إلى ولده عبد الكريم الطائع، وكانت ولايته إلى حين خَلَع نفسه تسعًا وعشرين سنة وأربعة أشهر وأحد عشر يومًا. وأقام يتعبَّد في داره -وكان قد أسنَّ- واحتجب عن الناس شُغلًا بمرضه [، وكان يُسمَّى بعد خلعه الشيخ الصالح أو الفاضل].

стр. 8306

وكان عاقلًا، سَمْحًا، قنوعًا من الدنيا، سالمًا مما كان فيه غيره من طلب الدنيا. وكان الطائع قد خرج إلى واسِط وحمله معه، فنزل دير العاقول، فاشتدَّ مرضُه، ومات في المحرَّم قبل سبكتكين بيوم واحد، وكان عمره ثلاثًا وستين سنة [لأنه ولد في سنة إحدى وثلاث مئة]، وحمُل إلى بغداد فدُفن بتربة جدَّته أم المقتدر بالرُّصافَة. وكانت وفاتُه ليلة الاثنين لثمانٍ بقينَ من المحرَّم، وصلَّى عليه أبو محمد عبيد الله بن مَعْروف القاضي. وكان له من الولد ثلاثة: عبد الكريم الطَّائع، وعبد العزيز، وجعفر. وقضى له أبو السَّائب عُتبة بن عُبيد الله الهَمَذاني، وأبو القاسم بن أبي الشَّوارب، وعبيد الله بن مَعروف، وأحمد ابن أم شَيبان على الجانب الشرقي، ولم يكن له وزير، كان الوزراء لبني بُوَيه. وقد أسند المطيع الحديث، وقال أبو الفضل بن عبد العزيز الهاشمي (١): سمعتُ المطيع يقول وقد أحدَقَ به خلقٌ كثير من الحنابلة حُزروا ثلاثين ألفًا فقال: سمعتُ شيخي ابنَ مَنيع يقول: سمعتُ أحمد بن حنبل (٢) يقول: إذا مات أصدقاء الرجل ذَلَّ (٣). محمد بن بدر أبو بكر الحَمامي. كان والده بدر مولى أحمد بن طولون، وكان يُسمَّى بدرًا الكبير، ويعرف بالحَمامي، كان أميرًا على فارس وتلك النَّواحي، وكان حسنَ السّيرة، فتوفي وقام ولده محمد في تلك الناحية مقامه، وأطاعه القُوَّاد والناس. قدم بغداد وحدَّث بها، قال أبو نُعَيم: وكان ثقةً، ومات ببغداد، وقال الخطيب: كان يتشيَّع، ولم يكن من أهل هذا الشأن، يعني الحديث (٤).

стр. 8307

السنة الخامسة والستون وثلاث مئة فيها في المحرَّم انحدر أبو طاهر بن بَقيَّة إلى واسِط والبَصْرة على اتِّفاقٍ بينه وبين عزِّ الدولة في أن يجمع الأموال، ويَسْتَظهرا بها من معاودة عَضُد الدولة، لما تحدِّثُه به نفسه من العَوْد إلى العراق، فلما وصل إلى واسِط جاهر عضدَ الدولة بالقَبيح قولًا وفعلًا، وخلع على الجند، ونَصب لهم المَوائد، وجدَّد العهدَ بينه وبين عمران بن شاهين، واستظهر بذلك على عزّ الدولة أيضًا. ثم أصعد إلى بغداد في شعبان، والتقاه عز الدولة، وخلع عليه بعد دخوله، وتجدَّدت بينهما وَحْشة لأن أبا طاهر كان يخافُه، ويُسيءُ به الظنَّ، وكان عزُّ الدولة معه كالمَحْجور عليه، فكان يرى القبيحَ فيه. وكان عز الدولة قد أشار عليه طائفة من العَسْكر بقَبْضِ أبي طاهر بالبصرة وواسط، ولم يتَّفِق له ذلك حينئذٍ، فلما عاد إلى بغداد علم باستمالته للدَّيلم والأتراك بالمال، وبما ملأ عيونهم حتى شَغَبوا بعضَ الشَّغَب، فعاتبه عز الدولة، فأنكر وأظهر له خلافَ ذلك، وأقام على هذه الوَحْشة، وكان رأس المشغبين سَهْلَ بنَ بِشر ضامنَ الأهواز، فاحتال عليه ابن بقية حتى حصل في يده فقتله. وفي جمادى الأولى اتفق الحال بين عز الدولة وأبي يعقوب الهَجَري، على أن يُقْطعه عز الدولة من سَقْي الفرات ما ارتفاعه أربع مئة ألف درهم، وكتب له عز الدولة كتابًا بذلك، وقصد أن يتألَّفه، ويؤمّن السُّبُل للحاج وغيرهم، واستفتى الفقهاء فأفتَوْه بذلك. وفيها كتب ركن الدولة كتابًا إلى عَضُد الدولة يُعَرِّفه فيه كِبَرَ سِنِّه، وقُرْبَ ما يتوقَّعُه من أمر الله تعالى الذي لا بُدَّ منه، وإيثاره قبل نزول ذلك مُشاهدتَه، والخروجَ بما في نفسه إليه، واتَّفقا على أن يجتمعا في أصبهان. وسار رُكنُ الدَّولة من الرَّيِّ، وعضد الدولة من شِيراز ومعه أبو الفوارس وأبو كاليجار ولده، ووزيره المطهر بن عبد الله، والتقَوا بأصبهان في ربيع الآخر، وحضر ركن الدولة وأولاده أبو منصور مؤيَّد الدولة، وأبو الحسن فخر الدولة، وأبو العباس

стр. 8308

خسروفيروز، وأبو الفتح بن العَميد، وخَدَم عضدُ الدولة أباه خدمةً أبان فيها عن بِرِّه، وأوسع الصلات على إخوته وأصحابِ ركن الدولة وحاشيته. واتفق ركن الدولة مع عضد الدولة، وقسم ركن الدولة البلاد والممالك بين أولاده، فجعل لعَضُدِ الدولة فارس وأرَّجان وكَرْمان، ولمؤيَّد الدولة الرَّيّ وأصبهان، ولفخر الدولة هَمَذان والدِّينَور، وجعل أبا العباس في كَنَف أخيه عضد الدولة، وأوصاه به، وكتب وصيَّته بما توافق عليه الإخوة، وكانت الوصيَّةُ بخطِّ أبي الفتح بن العميد إلى عضد الدولة، وأن يَنظُرَ في جميع الممالك، وأوصى كلَّ واحد منهم بأن لا يخرج عن طاعة الآخر، ومضمونها: هذا عهدٌ عَهِده ركن الدولة إلى عضد الدولة ولده، مُستخيرًا لله فيما يأتيه، راجعًا إليه فيما يُدَبِّرُه ويَقضيه، مُهتديًا به فيما يأمر به ويُمضيه، ومَن يَعتمد على الله يَهدِه ويَكفيه، حين رأى ولَدَه عضدَ الدولة أكفأ مَن استكفاه، وأوفر مَن استرعاه، وأولى مَن عَهِد إليه واعتمد في أموره عليه، وعَصَب برأيه نواصي أموره، وألقى إلى عَزْمِه أزِمَّة تدبيره، ارتضاه للنَّظر في أمور ممالكه ووُلاتها، وبلاده وحُماتها، مُشيرًا ومُستندًا، ومؤازرًا ومُنْفَردًا … وذكر الأماكن التي وقع عليها التَّعيين، وشَرط أن لا يُنازع أحدٌ صاحبَه فيما أُفرد به، ووقعت الشَّهادةُ على الإخوة بمَحْضَرٍ من القُضاة والعُلَماء والأشراف والقُوَّاد والأعيان، وفي آخر الكتاب: وكتب ذو الكِفايتَين أبو الفتح بن العَميد في رجب من هذه السنة. وفيها في رجب جلس قاضي القُضاة أبو محمد بن معروف في دار عزِّ الدولة، ونظر في الأحكام؛ لأن عز الدولة اقترح عليه ذلك ليُشاهد حُكمَه، وما يجري في مجلسه (١). وفيها مات ابن الشمشقيق ملك الروم. وفيها سار ركنُ الدولة إلى الرَّيّ، وعاد عضد الدولة إلى شِيراز فقدمها في شعبان. وفيها مات المعزُّ صاحبُ مصر، وسنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.

стр. 8309

وفيها عاد جوابُ ركن الدولة إلى عز الدولة بما يُطيِّب قلبَه، وكان لما بلغ عزَّ الدولة ما فعل ركن الدولة من قسمة البلاد بين أولاده كتب إليه يُخبره ما عليه عَضُد الدولة من سوء النية، وأن في قلبه من بغداد ما فيه، ويسألُه زَجْرَه عنه، وأن يُؤمِّنه مما يخاف من عائلته، وكانت الرسالة مع أبي سَهْل عيسى بن الفضل الروابي (١)، فخاطب ركنُ الدولة عضدَ الدولة في الكفِّ عنه، فشكا إليه ما عاملَه به، وما بدا من ابن بقية، فلم يزل به ركنُ الدولة حتى أجابه من غير نيَّةٍ صحيحة، وعاد عيسى إلى عزِّ الدولة، فعرَّفه ما وصَّى ركن الدولة عضدَ الدولة، ويبعثه على مُلاطفته وطاعته، ويأمرُه باجتناب ما يوحشه ويُنفِّره. وفيها توفي الأمير أبو صالح منصور بن نوح صاحب خُراسان، فقام أبو القاسم نوح بن منصور مقامه وسِنُّه ثلاث عشرة سنة. وفيها خُلع على أبي عبد الله أحمد بن محمد بن عبيد الله العلوي لإمارة الحاج من دار عز الدولة، وركب معه أبو طاهر بن بقية إلى داره (٢). [وفيها توفي أبو الحسن ثابت بن سنان بن ثابت بن قُرَّة صاحب التاريخ]. وحج بالناس من بغداد الموسوي، وحجَّ من مصر من جهة العزيز بن المُعزّ عَلَويّ، وأقيمت له الدعوة بمكة والمدينة بعد أن منع أهل مكة والمدينة من الميرة، ولاقوا شدائد من الغلاء، [وقطعت الميرة عنهم من مصر. فصل: وفيها توفي إبراهيم بن أحمد ابن محمد بن رَجاء، أبو إسحاق (٣)، النَّيسابوري، الأبْزاري، الوَرَّاق. قال الخطيب: رحل وطلب الحديث، وكان صالحًا زاهدًا ثقةً.

стр. 8310

قال بلال بن سعد: إبراهيم من المسلمين الذين سلم المسلمون من يده ولسانه. طلب الحديث على كِبَر السنّ، وعُمِّر حتى احتاج الناس إليه، وكان مزحًا فَكِهًا، يقال له: ما اغتسلْتَ من حرامٍ قط؟! فيقول: لا، ولا من حَلال؛ لأنه لم يتزوَّج. سمع الحسن بن سفيان، وأبا القاسم البغوي وغيرهما. وروى عنه أبو عبد الله الحاكم، وأبو عبد الرحمن السُّلَميّ، وأجمعوا عليه]. وفيها توفي ثابت بن سِنان ابن ثابت بن قُرَّة، أبو الحسن، صاحب التاريخ. كان طبيبًا فاضلًا، عاشر الخُلفاء والملوك، وكان فريدًا في فَنِّه، [وفي الطب، وذكره ابن الصابئ وقال: هو صابئ، وتوفي في هذه السنة،] وكان ثقةً (١). الحسين بن محمد ابن أحمد بن ماسَرْجِس، أبو علي، الماسَرْجِسيّ، النَّيسابوريّ، الحافظ. أسلم ماسَرْجِس على يد عبد الله بن المبارك وكان نصرانيًّا. صنَّف الحسين بن محمد على تراجم الرجال ألفَ جزء وثلاثَ مئة جزء، ولم يصنّف في الإسلام أكثر منه مُهذّبًا، وجمع حديثَ الزُّهري جمعًا لم يُسبَق إليه، وصنَّف المغازي، وكتاب القبائل، وخرَّج على كتاب البخاري ومسلم الصَّحيحين، وتوفي بنيسابور يوم الثلاثاء تاسع رجب، ودفن في داره وهو ابن ثمانٍ وستين سنة، وأجمعوا عليه (٢). عبد الله بن عَديّ بن عبد الله أبو أحمد، الحافظ، الجُرْجَانيّ.

стр. 8311

أحدُ أئمّة الحديث المُكْثِرين منه، ولد يوم السبت غُرَّةَ ذي القَعدة سنة سبع وسبعين ومئتين بجُرْجان، وصنَّف كتابَ الجرح والتعديل مِقدارَ ستين جزءًا، ذكر فيه ضُعَفاء المحدِّثين، وسماه "الكامل"، وسئل الدارقطني أن يُصنِّفَ كتاب الجرح والتعديل فقال: يكفي كتابُ ابن عدي، ولم يكن في زمانه مثلُه في الحفظ والثِّقة؛ إلا أنه كان يَلْحَن. وكانت وفاتُه بجُرْجان يوم السبت غُرَّةَ جُمادى الآخرة، ودُفن عند مسجد كُرْز بن وَبْرَة بجُرجان، وأجمعوا عليه (١). عبد السلام بن محمد بن أبي موسى أبو القاسم، الصُّوفي، البغدادي. سافر الكثير، ولقي الشُّيوخ من أهل الحديث والتصوُّف، وجمع بين علم الشريعة والحقيقة، والفُتُوَّة وحُسنِ الخُلُق، وجاور بمكةَ سنين، وتوفِّي بها، وكان شيخَ الحَرَم في وقته، زاهدًا عابدًا ثقة (٢). [وفيها توفي] عبد العزيز بن عبد الملك بن نَصْر أبو الأصْبَغ، الأموي، الأندلسي. [سمع بالأندلس والعراق والشام ومصر وخُراسان. وذكره الحاكم فقال:] ولد بقُرطبة، ثم [سافر إلى خراسان] فاستوطن بُخارى وتوفي بها. [أدرك بدمشق أصحاب هشام بن عمار، وسمع خَيثَمة بن سليمان وأبا سعيد بن الأعرابي، وخلقًا كثيرًا. وروى عنه الدارقطني والحاكم.]

стр. 8312

قال الحاكم أبو عبد الله: سمعته ببُخارى يروي أن مالك بن أنس كان يحدِّث فجاءت عَقْرَبٌ فلَدَغَتْه [ستَّ عشرة مرة]، فتغيَّر لونُه ولم يتحرَّك، فقيل له في ذلك فقال: كَرهتُ أن أقطعَ حديثَ رسول الله ﷺ (١). [فصل: وفيها توفي] مَعَدّ بن إسماعيل بن عُبيد الله أبو تميم، المُلَقَّب بالمُعِزِّ لدين الله، صاحب مصر. ولد بالمَهديَّة يوم الاثنين حادي عشر رمضان سنة تسع عشرة وثلاث مئة، وبويع بالخلافة يوم الجمعة التاسع والعشرين من [رمضان، وقيل:] شوّال، سنة إحدى وأربعين وثلاث مئة. وهو أول خليفة ظهر بمصر من بني عُبيد، فأقام واليًا ثلاثًا وعشرين سنة وخمسة أشهر وسبعة وعشرين يومًا، منها بمصر ثلاث سنين [؛ لأنه دخل القاهرة سنة اثنتين وستين وثلاث مئة. وقال هلال بن المُحَسِّن الصَّابئ: كان المعز لدين الله مُغْرًى بالنجوم (٢)، والنظر فيما يقتضيه الطَّالع، فنظر يومًا في مَولده وطالعه فحكم له بقطع فيه، فاستشار مُنَجِّمه فيما يُزيله عنه، فأشار عليه أن يَعمل سِردابًا تحت الأرض ويَتوارى فيه إلى حين جواز الوقت، فعمل على ذلك، وأحضر قُوَّاده وكُتَّابه، وقال لهم: إن بيني وبين الله عهدًا في وَعْدٍ وَعَدَنيه، وقد قَرُبَ أوانُه، وقد جعلت نزارًا ولدي وليَّ عهدي بعدي، ولقَّبتُه العزيز بالله، واستخلفتُه عليكم وعلى تدبير أمورِكم مدّةَ غيبتي، فالزموا الطاعةَ، واتركوا المُخالفةَ، واسلكوا الطَّريق (٣) السَّديدة، فقالوا: الأمرُ أمرُك، ونحن عَبيدُك وخَدَمُك. ووصَّى العزيزَ بما أراد، وجعل القائد جوهرًا مُدَبِّرَه (٤)، والقائمَ بأمره بين يديه، ثم نزل إلى سِردابٍ اتَّخذه، وأقام فيه سنة.

стр. 8313

وكان المغاربةُ إذا رأَوْا غَمامًا سائرًا ترجَّل الفارسُ منهم إلى الأرض، وأومأ بالسلام إليه؛ يشير إلى أن المعزَّ فيه. ثم خرج بعد ذلك وجلس للناس، فدخلوا عليه على طَبقاتهم، ودَعَوا له، فأقام على ما كان عليه أولًا مُدَيدة، ثم مرض وتوفّي يوم الجمعة السابع عشر من شهر ربيعٍ الأول [سنة خمس وستين وثلاث مئة]، وقام ولدُه العَزيز بعده. وقال القاضي عبد الجبَّار البَصري: بثَّ دُعاتَه في الأرض، وزعم أنه المهديّ الذي يملك الدُّنيا، واحتجب عن الناس ثم ظهر، وكانت المغاربة في مُدَّة غَيبته إذا رأى أحدُهم طائرًا سَجَد له؛ يعتقد أن روح المعز فيه، وكان له جواسيسُ ينقلون إليه الأخبار، فيُخبرُ الناسَ بها، فامتلأت القلوبُ منه هَيبةً (١) [وهو الذي قتل فقيه الشام النابلسي الرَّمْليّ]. وكان له أولاد: نزار وعبد الله وعقيل، وسبع بنات، وقام بأمر العزيز ولدِه جوهرٌ القائد (٢).

стр. 8314

السنة السادسة والستون وثلاث مئة فيها في المحرَّم تُوفِّي رُكنُ الدولة أبو علي الحسن بن بُوَيه [والدُ عَضُد الدولة]، ومرض أبو طاهر بن بَقيَّة مرضًا أشرف منه على الموت، ثم عوفي، فلو أراد الله به خيرًا لقبضه قبل المُثْلَة. وأظهر عضد الدولة ما كان يُخفيه في قصد بغداد، وعلم عزُّ الدولة، فكاتب فخرَ الدولة بن بُوَيه، وأبا دُلَف سَهْلان، وأبا الفوارس صاحب الخيل، وصاحب البَطيحة، وأبا تَغْلب على أن يكونوا معه، ويساعدونه على عضد الدولة، وكلُّ ذلك بتدبير ابن بقية. وفيها في ربيع الآخر قُبض على ذي الكِفايتين أبي الفتح علي بن محمد بن العميد بالرَّيِّ، وكان قد تَبسَّط التّبَسُّطَ الشديد في أيام رُكن الدولة، واستمال الدَّيلَم إلى نفسه، وكان في نفس عضد الدولة عليه؛ لأنه هو الذي بعثه إلى ركن الدولة بتلك الرسالة في كون عزِّ الدولة لا يَصلح للعراق، وعاد برسالة ركن الدولة ينهاه عن عزّ الدولة، فاتَّهمه في الأمر، وقَوَّى تُهَمَتَه أن عضد الدولة لما فارق بغداد إلى شِيراز أقام ابنُ العميد بها، فأعطاه عز الدولة من الأموال والخِلَع السُّلطانية وغيرها شيئًا كثيرًا، فكان عَضُد الدولة يقول لما خرج من بغداد: خرجتُ من بغداد وأنا زريق الشارب، وخرج ابن العميد وهو ذو الكفايتين أبو الفتح (١). واتَّفق أن الصَّاحب إسماعيل بن عباد كان قريبًا من مؤيَّد الدولة بن ركن الدولة، فباعده ابنُ العميد، ووضع الدَّيلم على أن يطالبوا مؤيد الدولة بإبعاده عنه -وكان كاتِبَه- فأبعده إلى أصفهان، وكان ابن العميد إذا ركب إلى دار مؤيَّد الدولة مشى جميعُ الناس والدَّيلمُ بين يديه ومن خلفه، فإذا انصرف انصرفَ الكلُّ معه. واتَّفق أيضًا أنه زايد عَضُدَ الدولة في جاريةٍ كان عضد الدولة يميل إليها، فاشتراها بثمن زائد، فكاتب عضد الدولة مؤيَّدَ الدولة بالقبض عليه، فقبض عليه، وأعاد الصَّاحبَ أبا القاسم بن عَبَّاد إلى وزارته إلى حين وفاته، وقتل ابن العميد بعد ذلك.

стр. 8315

وفي جمادى الأولى نُقلت بنت عز الدولة إلى الطائع. وشَرَع عضد الدولة في الاستعداد لنزول العراق، والتأهُّبِ لقتال عز الدولة، وكاشفه عز الدولة، وقطع خُطبته، وجاهر ابنُ بقية عضدَ الدولة بالعَداوة، ونال منه بلسانه في مجالسه، وكتب كتابًا عن الخليفة مَضمونه: أن الاتِّفاق وقع من ركن الدولة على قسمة البلاد بين أولاده، وأن لا يتعرَّض لعز الدولة ببغداد، وأن الخليفة لا يرضى بغير ذلك. وجمع ابن بقية القُضاة والشُّهود والأعيان والحُجَّاج الخُراسانية، وأحضرهم إلى الطَّائع، وأشهدهم عليه بذلك. وكتب الطائع على رأس الكتاب: المُلكُ لله وحده، وكتب القُضاة والأشراف خطوطَهم فيه بالشَّهادة على الخليفة، وأمر ابنُ بقية أبا إسحاق بن هِلال الصابئ أن يكتب كتابًا إلى عضد الدولة عن الخليفة، فكتب كتابًا طويلًا منه: من عبد الله عبد الكريم الطائع لله أمير المؤمنين إلى عَضُد الدولة أبي شُجاع بن ركن الدولة أبي علي مولى أمير المؤمنين، سلامٌ عليك، أما بعد؛ فإن من سُنن العَدْلِ التي يؤثر أميرُ المؤمنين أن يُحييها، وآداب الله التي يَرى أن يأخُذَ بها ويَقْتَفيها: إقامةَ المُحسن بإحسانه، والإيفاءَ به على أقرانِه، والمجازاةَ له عن راشِدِ مَساعيه وصائب مَراميه؛ ليكون قضاءً لما أسلف وقدَّم، وكِفاءً لما أكَّد وأَلْزم، وقد علمتَ وعلم غيرُك بعيانِ ما أدركتْه الأعمار، وسماعِ ما نقلتْه الأخبار؛ أن الدولةَ العباسية لم تزلْ تَعْتَلُّ طَورًا وتَصحُّ أطوارًا، وتَلْتاثُ (١) مَرَّةً وتَستقلُّ مِرارًا، من حيث أن أصلَها راسِخٌ لا يَتَزَعْزَع، وبُنيانَها ثابتٌ لا يَتَضَعْضَع … إلى أن قال: وأن المُطيع أبقى الأمرَ على عز الدولة، فليس لأحدٍ أن يُنازعه فيه، وذكر ابنَ بقية وقال: هو نصيرُ الدولةِ النَّاصحُ، وأثنى عليه ثناءً عظيمًا، واستوفى شروطًا كثيرة، وأشار في الكتاب إلى مُباينة عضدِ الدولة وقتاله. وكان هذا الكتاب سببًا لنِقْمة عضد الدولة على إبراهيم الصابئ، ونَكبه لأجله، ولما قال: أُكْرِهتُ قال: مَن أكرهك على تجويده واستيفائه واستقصائه.

стр. 8316

قال المصنف ﵀: وقد نكب الطَّائعُ أبا إسحاق الصابئ قبل هذا بسبب الكتاب الذي كتبه إلى الطائع، وقد تقدَّم ذِكره. وسار عزُّ الدولة وابنُ بقية من بغداد إلى المَشْهَدَين فزارا، ودخلا واسِطًا في جُمادى الآخرة. وصاهر عزُّ الدولة عمرانَ بن شاهين، فزوَّجه عمران ابنتَه، وتزوج الحسن بن عمران بنتَ عز الدولة. وبعث ابن بقية إلى بغداد، فأتلف جماعةً من الكُتَّاب، منهم سهل بن بشر، وإبراهيم بن السرَّاج وغيرهما. وكتب عز الدولة إلى الطائع يأمره بالانحدار إلى واسِط، فانحدر في شعبان ومعه القاضي ابن معروف والأشراف، وسار عز الدولة وابن بقية إلى الأهواز برأي ابن بقية، وما كان عز الدولة يُريد أن يَخرجَ من واسِط، وتبعهم الطائع والعساكر. وورد الخبر بوصول عضد الدولة إلى أَرَّجان، فانزعج عز الدولة وابن بقية، وأمر الطَّائعَ أن يَكتب إلى عضد الدولة كتابًا يتضمَّنُ إصلاحَ ذات البَين، وكان ذلك خديعةً منه ليجمع لهما عساكر المعاهدين، فكتب إليه الطائع: أما بعد، فإن أمير المؤمنين إذا احتاج في استِصْلاحِ وليٍّ من أوليائه، وصَفيٍّ من أصفيائه؛ وَجد مَن يَستغني عن ذلك بالوَثيقِ من دينك، والصَّحيح من يَقينك، والوافر من حَزْمِك، والرَّاجح من حِلْمك، إذ كنتَ ترجع إلى مَنْشأ كريم، وعَرْفِ مَحْتِدٍ قديم (١)، وأمير المؤمنين ينظر في الجانبين، ويرى إصلاحَ ذات البَين، وقد أمر الله بالأُلْفَة، ونهى عن الفُرْقَة، ولم يزل أمير المؤمنين منذ نَزَغَ الشيطان بينكما مَغْضوضَ الجُفونِ على قَذى، مُنْطَوي الجوارحِ على أذى، وقد أمن أن تنتقضَ نِعم الله بينكما، أو ينافس بقدح في نفاستكما، وبقاطع يعترض ذات بينكما، وأنت أولى مَن هُدي إلى أرشدِ طريقة وأحسن خَليقة، فتأمَّلْ كلام أمير المؤمنين، واحْقِنِ الدّماء، وسَكِّن الدَّهْماء، وأطعِ الإمام، وصِلِ الرَّحِم، ومتى خالفتَ كُنتَ بخلاف ما ذكَرْنا من المساعي الصَّالحة؛ التي تَرفعُ قَدْرَك، وتَنْشُرُ ذِكْرَك.

стр. 8317

وبعث بالكتاب مع خادم من خَدَمه، فلما قرأه قال للخادم: الجوابُ يكون مُشافهةً لأمير المؤمنين. ولما أشرفت الحالُ على الحرب ردَّ عزُّ الدولة الطائعَ إلى بغداد، ونزل عضد الدولة برامَهُرْمُز، ونزل عز الدولة عند قَنْطَرة أرْبَق وقطعها بينهما، فعمل عضد الدولة سُفنًا، وعبر عليها هو وعسكرُه. فلما كان يوم الأحد لإحدى عشرة ليلةً خلت من ذي القَعدة التقى الفريقان، فاستأمن إلى عضد الدولة مُعظَمُ خواص عز الدولة وأعيانُ عسكره، فانهزم هو وابن بقية وعمدة الدولة إلى ناحية البصرة، وعبروا دُجَيل الأهواز، وألقى عز الدولة سلاحَه عن نفسه، وتلثَّم لئلا يُعرَف، وجُرح فرسُه، وعاين التَّلَف، ولَحِقه ابن بقية، وعُمدة الدولة، وحَمدان بن أبي تغلب، واجتمعوا في مَطارا، ونُهِبت الخزائنُ والأموال، وشيءٌ لا يُحصيه إلا الله تعالى (١). ثم وَردوا قريبًا من البَطائح على حالي سَيِّئة، وبعث إليهم عمران بن شاهين زَواريقُ فيها طعامٌ وثيابٌ وسِلاح، ونزلوا في الماء واخترقوا البطائح، فتلقَّاهم عمران في عسكره، وقبَّل يد عز الدولة، وأنزله، وأكرمه، وأقاموا عنده ثلاثة أيام، وصحَّ قولُ عمران لما راسلَ عز الدولة وقال: إنك ستحتاج إليَّ، وتحصل في يَدي، ثم ساروا إلى واسِط. وفيها تَنكَّر عز الدولة على أبي طاهر بن بقية لما وصل إلى واسط، وقال: كنتُ على عَزْمِ المُقام بواسط، ومالي مَحروز، وعَسكري بحاله، أشرتَ عليَّ أن أَمضيَ إلى الأهواز حتى جَرى ما جَرى، أنت أخرجْتَني من نعمتي، وضَيَّعتَ أموالي، وشَتَّتَّ عساكري، فقال له ابن بقية: قد يجري على الملوك ما هو أعظم من هذا، وعليَّ أن أَلُمَّ شَعَثَك، وأُصلحَ أحوالك، ورجع إليه كثيرٌ من الدَّيلَم والأتراك، واستَجدَّ خِيَمًا وسلاحًا، وانضاف إليه مَن كان بالبصرة وبغداد، وكان لابن بقية بواسِط ذَخيرةٌ، فرجع إليها، وأطلق، وخَلَع على الجُنْد.

стр. 8318

وجاءت كتب أبي تَغْلب إلى عزِّ الدولة بما يُطَيِّب قلبَه، وضرب الله عز الدولة ببَلْوى كان فيها أعظم الفَضيحةِ له؛ وذلك لأنه أُسِر بالأهواز في الوَقْعة غلامٌ له تركيّ يقال له: باتكين، لم يكن قبل بأَحْظى غِلمانه عنده، ولا بأقربهم منه (١)، فجُنَّ عليه جُنونًا عظيمًا، وحَزِن لفَقْده حُزنًا شديدًا، وتسلَّى عن كلِّ شيءٍ خرج عن يده إلا عنه، وحَدث له من الوَجْدِ به ما أزاله عن تماسُكه، فاطَّرح القَرار والهدف (٢)، وامتنع من الطعام والشّراب، وانقطع إلى البكاء، واحتجب عن الناس، وكان إذا وصل إليه وزيرُه أو خواصُّه أخذ في الشَّكوى، وقَطَعهم عما جاؤوا فيه، فاستَعْجزَ الجُندُ رأْيَه واطَّرحوه، وقالوا لابن بقية: دَبِّر أنت الأمور، ودع هذا ونحن معك، فاستهان بعز الدولة واطَّرحه. وحمل عز الدولة ما كان في نفسه من الغلام على أن كاتب عضد الدولة قبل أن تَضعَ الحربُ أوْزارَها، وتَستقرَّ الأمورُ قرارَها، يسألُه ردَّ الغلام عليه، وكتب إلى خواصِّه المُطْبِقين به يسألُهم مَعونَتَه على ما رَغِب إليه، فافتُضح بين الناس، وعاتبه الأقاربُ والأباعد فما ارعوى، وبعث الشّريفَ أبا أحمد الحسين بن موسى رسولًا في هذا الأمر، وبذل في فِديةِ الغلام جاريتين عَوَّادَتَين (٣) مُحَبَّبتين كانتا نَشأتا عنده، لم يكن ببغداد أبْرَع منهما، ولا أحْذَق بالصّناعة -وكان أبو تَغْلب قد بَذَل له فيهما مئتي ألف درهم، فأبى أن يَبيعهما- وقال للشريف: لا تتوقَّف في زيادة، ولا تفكِّر في شيء؛ فقد رضيتُ أن آخُذَ الغلام وأمضي إلى أقصى الأرض. فجاء الشريف إلى عضد الدولة، وأدَّى الرسالة، وكان الغلام قد اختلط مع الغلمان في يوم الوَقْعة، وبعث به عضد الدولة إلى شيراز إلى ولده أبي الفوارس، فلما علم عضد الدولة بغَرام عز الدولة بالغلام كتب إلى ولده يأمره برَدِّه وإعطاءه للشريف، وأخذ عَضُد الدولة الجاريتين.

стр. 8319

قال: وأعطاني عز الدولة عِقْدًا من اللؤلؤ، ما رأيتُ أكبرَ ولا أحسنَ، وقال: إن قَنَع بالجاريتين وإلا فادفع له العِقْد، فلما رضي بالجاريتين لم أذْكُر له العِقْد، ورَدَدْتُه إلى عز الدولة فأوهبني إياه، ثم عَلِم به عضد الدولة بعد ذلك، فكان سببًا لنِقْمَته عليَّ، وواقفني عليه. فقلت: إن بختيار أعطاني إياه، فلما قَنِعْتَ بالمحمول إليك لم يَحْسُن بي أن أخونَه فيما جعلني فيه أمينًا. وحَمَّل عضد الدولة للشريف رسالة إلى عز الدولة، وأمره أن يؤدِّيَها على خَلْوةٍ من ابن بقية، وضم إليه بَهرام بنَ أرْدشير. فلما عاد الشريف إلى عز الدولة، وأدَّى إليه الرسالة، ولم يَحْضُرها ابن بقية، فاستوحش ابن بقية من عز الدولة، وقَدَّر أن عضد الدولة أمر بالقبض عليه وتسليمه عوضًا عن الغلام، وأن عز الدولة يفعل ذلك لعِظَم ما عنده من الغلام، فهمَّ بالعِصيان -وكان بالجانب الغربيِّ من واسط، وعنده الأموال والرجال- وعلم عز الدولة فتلافاه وقال: أنت الوزير والمدبِّر، والرأيُ لك، فتوقَّف إلى أن تمَّ له القبضُ عليه. وعاد الشريف إلى البصرة ينتظر مجيء الغلام، وأشار إبراهيم الحاجب على عز الدولة بأن يُقيم بواسط ويتماسك، ووبَّخه على قَبْضِه الغلام، وقال له: اصْدِفْ عنه، وكان الغلام قد وصل إلى البصرة، فكتب عضد الدولة إلى الشريف يقول: لا تَرْحَلْ بالغلام إلى عز الدولة حتى يَرْحَلَ عن واسط، ويُخلِّي بين نُوَّابنا وبينها، فشقَّ ذلك على عز الدولة، وكاتب الشريف بسببه، فلم يُذْعِن عضد الدولة بتسليم الغلام حتى يَرحل عز الدولة عن واسِط، فحَمله ما في قلبه من الغلام على أن رحل عنها، فدخل بغداد في صَفر سنة سبع وستين، فكان الغلام سببًا لفَضيحة عز الدولة، وسُقوطِ حُرْمَته، وزوالِ مُلْكه، وقدم الشريف بالغلام. وكان بين إبراهيم بن إسماعيل حاجب عز الدولة وبين أبي طاهر بن بقية تباعُدٌ وتنافُر، وكان عز الدولة قد استخلفه ببغداد لما خرج لقتال عضد الدولة، فلما عاد إلى واسط استدعاه إليه، وشكا ابنَ بقية، فأمره بالقبض عليه، فقال عز الدولة: أخاف من الجيش، فشَجَّعه إبراهيم وقال: أنا ارضي الجيشَ بماله.

стр. 8320

فلما كان يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلةً بقيت من ذي الحجة عبر أبو طاهر في زَبْزَبه على العادة إلى عز الدولة، فلما حصل عنده قبض عليه وعلى أمواله وأسبابه، فكانت وزارتُه أربعَ سنين وأحد عشر يومًا، وشَغَب الجندُ، فعزم عز الدولة على قتل ابن بقيه، وكان ذلك قبل وصول الغلام إليه (١). وفيها وردت جَميلة بنت ناصر الدولة تُريد الحج ومعها أخواها إبراهيم وهبة الله، وأخذت معها مالًا عظيمًا لتُفرّقه على أهل الحَرَمين، وتُنفقَه في طريق مكة، فجرى بين أصحابها وبين الحاجِّ الخُراسانية قتالٌ على الماء، فأصاب أخاها هبةَ الله سَهمٌ عائرٌ فقتله، فدفنَتْه بالمدينة، ثم نقلتْه بسوء رأيها إلى الموصل عند عودها من الحج (٢)، وضُرب المثل بحجتها، وكان معها أربع مئة مَحْمِل على لونٍ واحد، ولم يُعلَم في أيِّها كانت، ونَثَرت على الكعبة لمَّا شاهدتها عشرة آلاف دينار من ضَرْب أبيها، وكَسَت المُجاورين بالحَرَمَين، وأنفقت فيهم الأموال الجليلة، وتصدَّقَت بدم أخيها هبة الله [، وذلك من دينها وزُهدها]. وفيها خُلع على أبي الفتح أحمد بن عمر بن يحيى العَلويّ، وقُلِّد الحج، وحجَّ بالناس أحمد بن أبي الحسين العلوي، وخطب للعزيز بمكة والمدينة ولم يخطب للطائع. وفيها توفي إسماعيل بن نُجَيد ابن أحمد بن يوسف بن سالم، أبو عمرو السُّلَميّ. كان من كبار المشايخ، له قَدمُ صِدق وحكايات مشهورة. قال أبو سعيد بن أبي بكر بن أبي عثمان: كان جدّي قد طلب على رؤوس الناس شيئًا لبعض الثُّغور، فتأخَّر عنه، فضاق به ذَرْعًا وبكى، فجاءه أبو عمرو بن نُجيد بعد العَتَمة ومعه كيس فيه ألفا درهم، فقال له: اجعل هذا في الوجه الذي تأخَّر، ففرح أبو عثمان، ودعا له، فلما جلس قال: قد رجوتُ لأبي عمرو بما فعل، فإنه قد ناب عن

стр. 8321

الجماعة في ذلك الأمر، وحمل كذا وكذا، فقام أبو عمرو على رؤوس الناس وقال: يا أبا عثمان، إنما حملتُ إليك ذلك المال من مال أبي، فينبغي أن تَرُدَّ عليَّ المال لأرُدَّه إليه، فأمر بردِّ الكيس إليه على رؤوس الناس، فلما كان وقت العتمة جاء إلى أبي عثمان ومعه الكيس، فقال: يمكن أن تَصرِف هذا في ذلك الوجه ولا يعلم به غيرُنا، ثم رمى بالكيس وقام، فبكى أبو عثمان، وكان يقول بعد ذلك: مَن مثلُ هِمَّة أبي عمرو. وقال أبو عمرو: مَن كَرُمَت عليه نفسُه هان عليه دينُه، ومن لم تهذبه مروءتُه (١) فاعلم أنه غيرُ مُهَذَّب. وقال: إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا رزقه خدمةَ الصَّالحين، ووفَقه لقَبول ما يُشيرون به عليه، وسَهَّل له سُبُلَ الخيرات وحجَبه عن رؤيتها. وقال: إنما تتولَّد الدَّعاوى من فَساد البدايات، فمَن صَحَّت بدايتُه صحَّت نهايتُه، وقرأ قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيرٌ﴾ الآية [١٠٩: التوبة]. وقال: من سَهُل عليه إسقاطُ جاهه عند الخلْق سَهَّل الله عليه الإعراضَ عن الدنيا وأهلها. وقال: مَن استقام لا يَتعوَّج به أحدٌ، ومن اعْوَجَّ لا يستقيم به أحد. واجتمع مع جماعةٍ فيهم النَّصراباذي، فقال للقوَّال: قل شيئًا فهو خير لنا من أن نغتابَ أحدًا، فقال له أبو عمرو بن نُجَيد: لأن تغتاب ثلاثين سنة أنجى لك من أن تُظهِرَ في السَّماع ما لستَ به (٢). ركن الدولة الحسن بن بُوَيه أبو علي كان عاقلًا، شُجاعًا، نَبيلًا، لم يدخل مع الخلفاء في شيء، ولم يَطمع في غير ما في يده، وكان يُراعي وصيَّةَ أخوَيه في أولادهم، ويَحفظ عُهودَهم في أصحابهم

стр. 8322

وخواصِّهم، وكان عظيمًا عند الملوك والخلفاء، بمنزلة وزير الوزراء، يَرجعون إلى رأيه وحُسنِ تدبيره. وكان عادلًا، مُنْصِفًا، مَحبوبًا إلى الناس. ذكر وفاته: أصابه قُولَنْج شديد، فمات ليلة السبت ثامن عشرين المحرَّم، وقيل: ثامن عشرة، فكانت إمارته أربعًا وأربعين سنة وشهرًا وتسعة أيام، وعمره ثمان وسبعون سنة. وكانت وفاتُه بالرَّيِّ، وكان ولدُه مؤيَّد الدولة بأصبهان، فجاء إلى الرّيّ، فدخلها يوم السبت لخمسٍ بقينَ من المحرم، وورد الخبر إلى بغداد يوم الجمعة ثامن صفر، فكتمه ابن بقية؛ لأنه كان قد استعدَّ لدعوةٍ عَملها لعز الدولة، فلما كان من غد يوم الدعوة أظهر ذلك، وجلس عز الدولة في العزاء والدولة ثلاثة أيام (١). الحسن بن أحمد ابن أبي سعيد الحسن بن بَهْرام، أبو علي، وقيل: أبو محمد، القِرْمِطيّ، الجَنَّابيّ. ولد بالأحْساء في رمضان سنة ثمان وسبعين ومئتين، وغلب على الشام سنة تسع وخمسين وثلاث مئة في رمضان، وقتل جعفرَ بن فَلاح، واستخلف على دمشق ظالم بن مَوهوب العُقيليّ، ثم عاد إلى الأحساء. وفي سنة اثنتين وستين وثلاث مئة توجَّه إلى مصر، ونزل بمَشْتول الطَّواحين، وكان المعز يُصافيه لما كان بالمغرب ويُهاديه، فلما وصل إلى مصر قطع ذلك عنه، فوافى القِرمطيُّ بغداد، وسأل المطيعَ على لسان عز الدولة أن يُمِدَّه بمالٍ ورجال، ويولّيه الشام ومصر ليُخْرِجَ المعزَّ منها، فامتنع المطيع وقال: كلهم قرامطة على دين واحد، أما المصريون فأماتوا السُّنَن، وقتلوا العلماء، وأما هؤلاء فقتلوا الحاجّ، وقلعوا الحَجَر الأسود، وفعلوا وفعلوا، فقال عز الدولة للقرمطي: اذهب فافعل ما تراه، وذكروا أنه أعطاه سلاحًا ومالًا، فسار إلى الشام ومعه أعلام سُود، وأظهر أن المطيع ولاه، وعلى الأعلام اسم المطيع، وتحته مكتوب: السَّادة الرَّاجِعين إلى الحقّ، ومَلَكَ

стр. 8323

الشام، ولَعن المعزَّ على منبر دمشق وأباه، وقال: هؤلاء من وَلَدِ القَدَّاح، كذَّابون مُمَخْرِقون أعداء الإسلام، ونحن أعلم بهم، ومن عندنا ظهر القَدَّاح. ثم أقام الدعوة لبني العباس، وسار إلى مصر، وحصر المعزَّ في القاهرة، فأرضاه بمال، فرجع إلى الأحساء، ثم عاد إلى الشام، فنزل الرَّمْلَة فمات بها في رجب وهو يُظهر طاعةَ عبد الكريم الطائع، وجدُّه أبو سعيد الجَنَّابيّ أول القرامطة، وقد ذكرناه. وكان أبو علي الحسن صاحب هذه الترجمة شاعرًا فصيحًا، قال الحسين بن عثمان الخِرقيّ الحَنبلي: كنتُ بالرملة سنة ست وستين وثلاث مئة، فوردها أبو علي الحسن القِرمطيّ القصير الثياب -ويُلقَّب بالأَعْصَم- فاستدعاني، فحضرتُ عنده ليلةً، وأحضر الفَرَّاشون الشُّموع، فقال لكاتبه أبي نَصْر بن كُشاجِم: يا أبا نَصْر، ما يَحضُرك من صفةِ هذه الشُّموع؟ فقال: إنما يَحضر العبدُ مجلسَ الأمير ليَستفيدَ منه، فقال القرمطي بديهًا: [من المتقارب] ومَجْدولَةٍ مثلِ صَدْرِ القَناةِ … تَعرَّتْ وباطنُها مُكتسي لها مُقْلَةٌ هي رُوحٌ لها … وتاجٌ على هَيئةِ البُرْنُسِ إذا غازَلَتْها الصَّبا حَرَّكَتْ … لِسانًا من الذَّهبِ الأَمْلَسِ وإن رَنَّقَتْ لنُعاسٍ عَرا … وقُطَّت من الرأسِ لم تَنْعَسِ وتُنْتِجُ في وقتِ تَلقِيحها … ضِياءً يُجَلِّي الدُّجى الحِنْدِسِ فنحن من النُّور في أسْعُدٍ … وتلك من النَّارِ في أنْحُسِ فقام ابن كُشاجِم فقبَّل الأرض بين يديه، وسأله أن يأذنَ له في إجازتها فأذن، فقال: وليلتُنا هذه ليلةٌ … تُشاكِلُ أشكال إقْليدِسِ فيا رَبَّةَ العود حُثِّي الغِنا … ويا حامِلَ الكأسِ لا تَحْبِسِ فخَلَع عليه وعلى الحاضرين، ووصَلَهم بِصِلات. ومن شعر القرمطيّ أيضًا: [من الكامل] يا ساكنَ البلدِ المُنِيفِ تَعَزُّزًا … بِقِلاعِه وحُصونه وكُهوفِهِ لا عزَّ إلا للعزيز بنفسه … وبخَيله وبرَجْلِه وسيوفه وبُقبَّةٍ بيضاءَ قد ضُرِبَت إلى … جَنْبِ الخيامِ لجارِه وحَليفِه

стр. 8324

قَرْمٌ إذا اشتَدَّ الوَغى أردى العِدا … وشَفى النُّفوسَ بضَرْبه ووقوفه لم يَرْضَ بالشَّرَفِ التَّليدِ لنفسه … حتى أشادَ تَليدَه بطَريفه وقال لما فُلَّ جيشُه بعَين شَمس بمصر: [من الوافر] ولو أنِّي مَلَكْتُ زِمامَ أمري … لما قَصَّرتُ في طلبِ النَّجاحِ ولكني مَلَكْتُ فصار حالي … كحالِ البُدْنِ في يوم الأضاحي يُقَدْنَ إلى الرَّدى فيَمُتْنَ كُرْهًا … ولو يَسْطِعْنَ طِرْنَ مع الرِّياحِ وقال أيضًا: [من الطويل] له مُقْلَةٌ صَحَّت ولكنْ جُفونُها … مِراضٌ بها تُسبى العقولُ وتَتْلَفُ وخَدٌّ كلَوْنِ الوَرْدِ يُجنى بأعيُني … وقد عزَّ حتى إنه ليس يُقْطَفُ وعَطْفَةُ صُدْغٌ لو تعلَّمَ عَطْفَها … لكان على عُشَّاقِه يَتعَطَّفُ وقال وكتب بها إلى جَعفر بن فَلاح والي دمشق قبل لقائه: [من البسيط] الكُتْبُ مُعْذِرَةٌ والرُّسْلُ مُخْبِرَةٌ … والحقُّ مُتَّبَعٌ والخيرُ مَوجودُ والحَرْبُ ساكِنةٌ والخيلُ صافِنَةٌ … والسِّلْمُ مُبْتَذَلٌ والظِّلُّ مَمْدودُ وإن أَنَبْتُم فمَقْبولٌ إنابَتُكم … وإن أَبَيتُم فهذا الكُورُ مَشْدودُ على ظُهورِ المَطايا أو يَرِدْنَ بنا … دمشقَ والبابُ مَهْدومٌ ومَرْدودُ إني امرؤٌ ليس من شأني ولا أَرَبي … طَبلٌ يَرِنُّ ولا نايٌ ولا عُودُ ولا اعتكافٌ على خَمرٍ ومَجْمَرَةٍ … وذاتِ دَلٍّ لها دَلٌّ وتَفْنيدُ ولا أَبيتُ بَطينَ البَطْنِ من شِبَعٍ … ولي رَفيقٌ خَميصُ البَطْنِ مَجهودُ ولا تسامَتْ بي الدُّنيا إلى طَمَعٍ … يومًا ولا غَرَّني فيها المواعيدُ (١) محمد بن إسحاق ابن إبراهيم بن أَفْلَح بن رافِع بن إبراهيم بن أفلح بن عبد الرَّحمن بن عُبيد بن رِفاعَة، أبو الحسن، الأنصاريّ، الزُّرَقيّ.

стр. 8325

كان نَقيبَ الأنصار ببغداد، عارفًا بأمورهم ومَناقِبهم، ومات ببغداد في جُمادى الآخرة، ودفن عند أبيه بمقبرة الأنصار، وكان ثقةً حَسنَ السِّيرة، وجدُّه رفاعة بن رافع شهد العَقَبةَ وأحُدًا، وكان نقيبَ الأنصار ﵁ (١). [فصل وفيها توفي] محمد بن الحسن بن أحمد أبو الحسن، السَّرَّاج، البغداديّ. كان زاهدًا عابدًا مجتهدًا، صلّى حتى أُقْعِد، وبكى حتى عَمي، وتوفي يوم عاشوراء. [سمع أبا شُعيب الحَرَّاني وغيره، وروى عنه محمد بن أبي الفَوارس وغيره،] وكان صالحًا ثقةً (٢). [فصل وفيها توفي] أبو عبد الله بن أحمد، المقرئ، الزَّاهد [صحب يوسف بن الحسين الرازي وطبقته. قال في "المناقب":] كان من أعلى المشايخ هِمَّةً وأفتاهم. [وحكى عنه أنه] قال: ما قَبِلتُ من أحدٍ شيئًا (٣) إلا رأيتُ له عليَّ مِنَةً لا أقوم بها أبدًا. وَرِث من أبيه خمسين ألف دينار سوى الضِّياع، فأنفقها كلَّها على الفقراء. وكان له أخٌ صالح يُكنى أبا القاسم، مات في سنة ثمان وسبعين وثلاث مئة [، وكان على منهاج أخيه في الزُّهد والوَرَع والعبادة.] (٤)

стр. 8326

السنة السابعة والستون وثلاث مئة فيها وصل عضد الدولة إلى الأهواز، فقرَّر أمورَها ورتَّب الحُماةَ في طُرُقها، وسار إلى البصرة لخمسٍ بقين من المحرَّم وقد انصرف أبو كاليجار مَرْزبان بن عز الدولة، فوجد الفتنةَ قائمةً بين مُضَر وربيعة، فنظر في ذلك، وما زال حتى ألَّف بين القبيلَتَين، وضَمِن بعضُهم بعضًا، وكتب بينهما كتابَ اتِّفاق، وأصلح بينهما، فانْحَسَمت موادُّ الفتنة، وسار إلى واسط فدخلها في ربيع الأول، فعمل كما عمل في الأهواز والبصرة. وفيها توفي يوسف بن الحسن الجَنَّابي، وسنذكره إن شاء الله تعالى. ذكر ما نقله عز الدولة بعد دخوله بغداد حتى خرج عنها: ولما دخل عز الدولة بغداد تجدَّد لابن بقية طَمعٌ في أن يُراسِلَه، وبذل له ثلاث مئة ألف دينار يُصَحّحها من كُتَّابه وأسبابه ومن باقي النواحي إذا رَدَّه إلى وزارته، وأن يقومَ بالحرب وتدبير الجيش، وبلغ أصحاب عز الدولة والقُوَّاد الذين كانوا أشاروا بالقبض عليه، فقالوا لعز الدولة: إنما هذا طَمَعًا للخلاص مما هو فيه، فإذا مَلك نفسَه أثار الفتنة وقلب الدولة، ولا يؤمَن أن يواطئ عضدَ الدولة عليك وعلينا، فقال: ما الرَّأي؟ قالوا: حَسْمُ مَوادّه بسَمْله، فسَمَله في ربيع الأول. ثم استشار قُوَّادَه في المقام ببغداد أو الخروج عنها، فأشار بعضُهم بالثَّبات، وقال بعضهم: نَجمعُ عسكرنا، ونقصد الأهواز مُخالفين لعَضُد الدولة، ونقصد بلادَ فارس، فإذا عاد إلينا عُدنا إلى بغداد. فبرز بعسكره إلى باب الأَزَج، وعقد جسرًا هناك، وتردَدَّت الرسائل بينه وبين عضد الدولة على أن يُسلِم إليه بغداد، ويَدخلَ في طاعته، ويُقيمَ في كَنَفه، أو يخرج إلى الشام فيفتح البلاد، فقال: أخْرُجُ إلى الشام، وتقرَّر الأمرُ بينهما على هذا، وشَرَط عليه عضد الدولة أن لا يَتعرَّض لبلاد أبي تَغْلب بن حَمْدان إلا مُختارًا في أعماله، وكان قَصْدُ عضد الدولة تأييسَ أبي تَغْلِب (١)، فقال: نعم.

стр. 8327

ووقع النِّداءُ ببغداد في الجانبين بالصُّلْح، وطابت قلوبُ الناس وسكنوا. ورحل عز الدولة يوم الجمعة لليلةٍ خلت من شهر ربيع الآخر إلى قُطْرَبُّل، وتفرَّق دَيلَمُه عنه؛ فطائفةٌ ثبتت معه وسارت بمَسِيره، وطائفة انحازت مع الحسن بن فيلسار، فسار بها إلى جِسر النَّهْرَوان، وطائفة دخلت في طاعة عضد الدولة. ودخل أوائلُ أصحابِ عضد الدولة بغداد لليلتين خلتا من ربيع الآخر، ونزل عضد الدولة بالخِيَم بالشَّفيعي (١)، وخرج الطَّائع إلى لقائه، وضُربت له القِباب في الجانب الشرقي وزُيِّنَت، وسار إلى باب الشَّمَّاسِيَّة في أحسنِ هَيئة، وأجمل تعبئة، وبين يديه خمسة أَفْيِلَة مُزَيَّنة بالمقاتلة، وكان يومًا عظيمًا، وأقام بباب الشماسية إلى حادي عشر ربيع الآخر، ثم نزل دارَ السَّلْطَنة التي كان ينزلها سُبكتكين بالمُخَرّم. وسار الحسن بن فيلسار من النَّهْرَوان متأمِّرًا على مَن معه من الدَّيلَم يقصد بعضَ الجِهات التي يَتمكَّن فيها من الفساد، فأنفذ إليه عضد الدولة أبا القاسم سعد بن محمد الحاجب في عِدَّةٍ من الدَّيلَم، فأوقع به، وأخذه أسيرًا وبه ضَرَبات قد أثْخَنَتْه، فلَبِث قليلًا ثم مات، وقُتل أكثر مَن كان معه. ذكر ما جرى عليه أمر عز الدولة: لما سار عن بغداد وكان معه حَمدان بن ناصر الدولة سار لمسيره واتِّقائِه، واجتمع إلى عز الدولة ألفا رجلٍ، وحَصل له من الخيل والسلاح ما استقلَّ به واستَظْهَر، ونهب خيولَ المزارعين والبُناة بنواحي دُجَيل ومَسْكِن، وكانت عِتاقًا، ونهب الغِلال، واتَّفق مع حمدان على قَصْدِ أبي تغلب ومُحاربَتِه، وأخذِ البلاد منه، ومتى رجع عن هذا الرأي كان حمدان آمنًا من أن يُسْلِمَه إلى أخيه، واستَوْثَق منه بالأيمان والعهود المُغَلَّظة. فلما وصل إلى تكريت قدم عليه أبو الحسن علي بن عمر كاتبُ أبي تغلب بهدايا يسيرة، وسار معه إلى الحَديثة، وأغواه، ودعاه إلى القَبْض على حَمدان، وتسليمه إلى أخيه أبي تغلب؛ على أن يجتمع معه أبو تَغْلِب، ويُنفق أمواله، ويَبْذُلَ رجاله وسلاحَه،

стр. 8328

ويعودَ معه إلى بغداد يُحارب عضد الدولة، فامتنع من ذلك وقال: كيف أصنع بالأيمان والحِنْث؟ فاستعان عليه بوالدته وأخيه عُمدة الدولة أبي إسحاق وخواصّه، فلم يفعل، واتَّصلت الهدايا والمُلاطفات من أبي تغلب، ولم يزل أبو الحسن علي بن عمر بأصحاب عز الدولة في أمر حَمْدان. وكان أبو تغلب وأختُه جَميلة في قلبهما من حَمدان، طالبِين بثأر أخيهما أبي البركات عنده. وأقام عز الدولة على المنع، ولما قَرُب من الموصل اجتمع أبو تغلب بعُمدة الدولة، وتقرَّر بينهما الأمر على قبض حَمدان من حيث لا يَدخل عز الدولة في الأمر، لئلا يَحْنَث بيمينه. وكان عز الدولة بحَديثَة الموصل، فرجع عمدة الدولة إليه، وخَوَّفه وقال: نحن في قبضة أبي تغلب، وإن لم تَفْعل قَصَدَنا وحارَبَنا، وما لنا به طاقة، وقد حلَف لنا على المساعدة بنفسه وماله ورجاله على خلاص بغداد. فخاف عز الدولة وطمع، فسلَّم حمدان إلى أخيه يوم الخميس لعشرٍ بقين من جمادى الأولى، فحبَسه في بعض القِلاع ثم قتله، وهرب أبو السَّرايا بن حمدان إلى عضد الدولة، فحصل في حملته. وجمع أبو تغلب وحَشَد، وأخرج المال واستكثر منه، واجتمع بعز الدولة على ظهور الخيل، فتحالفا وتعاهَدا وتخالصا، وانحدرا في خمسة وعشرين ألف مقاتل، ويكون عز الدولة مُواجِهًا مُلاقيًا، وأبو تغلب مُرادِعًا ومُستَدْبِرًا لظهر عسكر عضد الدولة. ذكر ما فعله عضد الدولة بعد دخوله بغداد: ركب إلى دار الطَّائع في جُمادى الأولى يوم الأحد لتسعٍ خلون منه، ومعه أصنافُ الجُند والأشراف والقُضاة والأمائل ورسولُ أبي القاسم نوح بن منصور بن نوح صاحبِ خُراسان، فخلع عليه الطائع الخِلَع السُّلطانية، وتوَّجه بتاجٍ مُرَصَّعٍ بالجوهر، وطَوَّقه،

стр. 8329

وسَوَّره، وقَلَّده سيفًا، وعقد له لِوائين بيده؛ أحدهما مُفَضَّض (١) على رسم الأمراء، والآخر مُذْهب على رسم ولاة العهود، ولم يُعقَد هذا اللواء الثاني لغيره ممن يجري مجراه، ولا خُلِع التاجُ على مَلكٍ قبله، ولُقِّب تاجَ الملَّة مُضافًا إلى عضد الدولة، وكتب له عهدًا على ما وراء بابه، وقُرئ بحضرة الخلفاء، فإذا أخذه الرجل منهم قال له الخليفة: هذا عهدي، خُذْه إليك واعمل به، وحمله على فَرسٍ بمركب ذهب، وقاد بين يديه آخر بمركبٍ مثله. وخرج من حَضرته فاشتق الجانب الشرقي وقد نُصِبت له القِبابُ المُزَيَّنة إلى باب الشَمَّاسِيَّة. ثم انحدر في طَيَّارٍ إلى داره، وجلس من الغد يوم الاثنين بالخِلعَ، والتَّاجُ على رأسه، وهو على السَّرير، ودخل إليه الناس على طبقاتهم فهَنَّؤوه، وأنشد الشُّعراء. ثم ركب في يوم الثلاثاء في الجانب الغَربيّ، فاخترقه من النَّجْمِيّ إلى باب التِّبْن وقد نُصِبت له القِباب، ثم نزل في الطَّيَّار إلى داره، وتصدَّق بعشرين ألف درهم. وذكر أبو الحسن علي بن عبد الله بن حاجب النعمان صِفةَ الخَلْع على عضد الدولة فقال: لما حَضَر عضد الدولة إلى الطائع في مَورِده الثاني إلى بغداد سألَه أن يَزيد في لقبه تاجَ المِلَّة، ويُلْبِسَه التاج، وسبعَ جِباب، وفَرَجِيَّة، وعِمامة، فأجابه إلى ذلك، وصِيغ التاج والطَّوق والسِّوارَين من ألفين وخمس مئة مِثقال. وكان ترتيبُ الأمر أن جلس الطائع على سرير الخلافة في صدر السِّدِلَّى (٢) من داره في دَسْت خزٍّ أسود مُحَوّم بالذهب، وحوله من خدمه الخواصّ نحو مئةُ خادم بالثياب الجميلة، والمَناطق، والسيوف المُحَلّاة، وقد أحدقوا بالسَّرير، وبأيديهم المَذَابّ، والحُجَّاب والأشراف والأعيان خارج السِّدِلَّى، والطائع جالس وبين يديه مصحف عثمان رضوان الله عليه، وعليه البُردة، وبيده القَضيب، وعلى رأسه الرُّصافِيَّة، وضُربت على الأساطين الوُسْطى سِتارةُ دِيباجٍ أنفذها عضد الدولة، وسأل أن تكون حجابًا بين الخليفة والناس؛ لئلا تقع عين أحد من الجُند عليه قبله.

стр. 8330

وامتلأت الدَّارُ من الدَّيلَم، والتُّرك، والقُضاة، وأرباب المناصب والمراتب، والأشراف الطالبيين والعباسيين وغيرهم، وجاء عضد الدولة، فحين قَرُب من الستارة رُفعت، وحينئذٍ وقع طَرْفُه على الخليفة، فقال له مؤنس الصِّقِلّي: قَبِّل الأرض، فقبَّلها من أول الصَّحن، ولم يُقبّلها أحدٌ ممن معه لئلَّا يُشاركه، وكان بين يديه زيار القائد، فارتاع لما شاهد وقال: أيها الملك، أهذا هو الله ؟ فقال: لا بل خليفة الله في الأرض. ثم قَبَّل الأرضَ سبعَ مرات حتى وصل إلى السَّرير، فقال له الطائع: ادْنُ، فدنا، فقبَّل يدَ الخليفة ورِجلَه، وثنى الخليفةُ يمينَه عليه، وبين يدي السّرير كرسيّ، فأشار الخليفةُ إلى عضد الدولة بالجلوس عليه، فأومأ إليه، ولم يَجلس حتى أقسم عليه الطائع، فجلس، فقال له: ما كان أشوَقَنا إليك، وأتْوَقَنا إلى مُفاوضتك، فقال: العُذْرُ مَعلوم عند مولانا، فقال: نيَّتُك مَوثوقٌ بها، وعَقيدَتُك مَسكونٌ إليها، وقد فَوَّضْتُ إليك ما وَكَل الله تعالى إليّ من أمور الرَّعِيَّة في شرق الأرض وغربها، سوى خاصّتي وأسبابي وما وراء بابي، فتولَّ ذلك مُستجيرًا بالله تعالى، فقال: يُعينني الله على خِدمةِ مولانا وطاعته. ثم قال عضد الدولة: أُريد وجوهَ القُوَّاد الذين دخلوا معي يَسمعون هذا، فقال الطائع: يُحضَروا ويُحضر ابن مَعروف وابن أم شَيبان والزَّينَبيّ، وسمَّى جماعةَ القُضاة والأشراف، فحضروا، وأعاد عليه القولَ بحضرتهم. ثم أُفيضت عليه الخِلَع، فعاد وأراد أن يُقَبِّل الأرضَ فلم يقدر من ثِقَلِ التاج، وأعطاه الطائع من بين المِخَدَّتين سيفًا آخر مُحلَّى، فقلَّده به مُضافًا إلى سيف الخِلعة. فلما أراد عضد الدولة أن يَنصرف قال للطائع: إني أتطَيَّرُ أن أعودَ على عَقبي، وأريد أن يُفتَح لي باب إلى دجلة، فأذن في ذلك، فحَضر في الحال ثلاث مئة صانعٍ كان عضد الدولة قد أعدَّهم، ففتحوا له بابًا، وركب الفرس بمركب الذهب والطائع يراه إلى أن خَرج من البلد. ذكر هديَّةِ الطائع لعضد الدولة في اليوم الثالث من الخِلْعَة: فَرَجِيَّةُ وَشْي مُثقلة، وغِلالةُ قَصَبٍ، وقَلَنْسُوَةُ وَشْيٍ مُذَهَّب، وصينيَّة ذهب وزنُها ثمان مئة مِثقال، فيها مَغْسَلُ ذهب، وطاساتٌ وكاسات مُطَعَّمة، وثيابُ دِيباج، وتُحَفًا كثيرة.

стр. 8331

وبعث إليه عضد الدولة خمسَ مئة حِمْل، منها ألفُ ألف دِرهم فِضَّة، وخمسون ألف دينار، وخمس مئة ثوب أنواعًا من الدِّيباج وغيره، وثمانون صينية ذهب وفضة، فيها أنواعُ الطِّيب من المِسْكِ والعَنْبَر والنَّدِّ والكافور، وعشرة أفرسٍ بمراكب الذهب، وسَهَّارِيّ (١)، وغيرها. وقبض عَضُد الدولة على مَن بقي من أصحاب عز الدولة، واستخرج منهم أموالًا كثيرة، وحمل أبو سعد بن بَهْرام أبا الطاهر بن بَقيَّة إلى عضد الدولة وهو مَسْمول، وطولب بالمال فلم يكن عنده شيء، فشُهِر في جانبَي بغداد على جَمَل وعليه بُرْنس، ثم قتله. وفيها جلس الطائع لرسول أبي القاسم نوح، وعقد له على خُراسان، ودفع إليه الخِلَع واللواء سِفارةَ عضد الدولة؛ لأن أبا صالح منصور بن نوح كان مُصاهرًا لعضد الدولة، فلما مات أقاموا ابنه أبا القاسم نوحًا مكان أبيه، فهؤلاء ملوك ما وراء النهر. وهذا أبو القاسم نوح بن منصور بن نوح بن نصر بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن أسَد بن سامان خُداه بن حيثمان (٢) بن طُمغاث بن نُوشرد بن بهرام جوبين بن بهرام جُشْنس بن فيرزاد بن خسرو بن نَرْسِي بن بهرام بن أردشير بن سابور بن يزدجرد الأثيم. وفي رجب وَرَد رسولُ شريف بن سيف الدولة صاحب حلب إلى عضد الدولة، وهما ابن الناصر العلوي وعبد الله بن أحمد الإسكافي، يَبْذُلان الطاعة عن شريف، فقبل عضد الدولة منهما ذلك، وخاطب الطائع، وتنجَّز له الخِلَع واللواء والعهد، وخادمًا من خَدَم الخليفة (٣). وفيها زادت دجلة زيادةً عظيمة في نيسان؛ بلغت إحدى وعشرين ذراعًا وثلثًا، وانفجر بالزَّاهر من الجانب الشَّرقي بَثْقٌ غَرَّق الدُّور والشَّوارع، وهرب الناس إلى السُّفُن، وهيَّأ عضد الدولة الزَّبازب تحت داره، وأطلق المال، وجلب القَصَب من كل

стр. 8332

مكان، واتَّفق أن زَورقًا كبيرًا جاء وفيه قَصَب، فساقه الماء إلى الفُوَّهة التي انفتحت عند الزَّاهر فسدَّها، وعاجلوا بالتُّراب فوقه وطَمَروه فيها، ودُفن في موضعه، فكان سببًا في سدِّ الفُوَّهة، ثم أصبح الماء ناقصًا ففرح الناس. وفي يوم الاثنين الثاني من شَوَّال خرج عضد الدولة من بغداد قاصدًا عز الدولة وأبا تغلب، وخرج الطائع معه بالجيش كله، ودخل أبو علي الفارسي على عضد الدولة لما أراد الخروج لقتال عز الدولة، فقال له: ما رأيناك في صُحبتنا (١)! فقال: أنا من رجال الدعاء لا من رجال اللقاء، فخار الله للملك في عزيمته، وأنجح قَصْدَه في نهضته، وجعل العافيةَ زادَه، والظَّفَرَ تُجاهَه، والملائكةَ أنصارَه، وأنشد: [من المنسرح] ودَّعْتُه حيث لا تُودِّعُه … نفس ولكنها تسيرُ معه ثم تولَّى وفي الفؤاد له … ضِيقُ مَحَلٍّ وفي الدُّموعِ سَعَه فقال له عضد الدولة: بارك الله فيك، فإني أَثِقُ بطاعتك، وأتيقَّن صفاءَ طَويَّتِك، وقد أنشدنا بعض أشياخنا بفارس فقال: [من مخلع البسيط] قال لهم (٢) إذ سار أحبابُه … وبدَّلوه البُعدَ بالقُربِ والله ما شَطَّت نَوى ظاعِنٍ … سار من العَينِ إلى القَلْبِ فدعا له أبو علي وقال: أيأذن مولانا في نقل هذين البيتين؟ قال: نعم، فاستملاهما منه. والتقوا يوم الأربعاء لاثنتي عشرةَ ليلةً بقيت من شوّال، ووقف عَضُد الدولة في القلب، ووقف الناس بين يديه، واشتدَّت الحرب، وقُتل من الفريقين جماعة، وكان الطائع في عِدَّةٍ من الفُرسان والرجال مع الأثقال والسّواد، فنصر الله عضد الدولة، وانهزم عز الدولة عند ارتفاع النهار فأُخِذ أسيرًا، وهرب أبو تَغْلِب ومعه عمدة الدولة وأبو طاهر ابنا معز الدولة وأبو كاليجار بن عز الدولة. ذكر السبب في هزيمتهم: كان عضد الدولة لما اتفق عز الدولة عليه وأبو تغلب وتحالفا أعمل الحيلة في إفساد ما بينهما، فدسَّ كتابًا إلى أبي تغلب على لسان بعض ثِقاته يقول: قد صحَّ عندي أن عزَّ

стр. 8333

الدولة وعضد الدولة قد اتَّفقا في السرِّ عليك، وأن يأخذوك أسيرًا يوم الحرب، ويَمضي عز الدولة فيأخذ الموصل ويقيم بها، ويعود عضد الدولة إلى بغداد، فاستَظْهِرْ لنفسك. فاحترز أبو تغلب من مُخالطة عز الدولة، فلما وَقَعت الحرب قاتل عز الدولة، وأرسل إلى أبي تغلب أن يَحمل على المَيْمَنة مرارًا، فتوقَّف لما كان خامَرَ سِرَّه من الكتاب، فوقف على تلٍّ مُشْرِفٍ من بعيد، ولم يخالط العسكر، فكانت الهزيمةُ، وتبعوا أبا تغلب، وخرج فنجا ومعه أخو عز الدولة وولده أبو كاليجار. وعاد الطائع إلى بغداد، وحمل الأُسارى من الدَّيلَم والتُّرْك في الزَّواريق، فمنهم من غرق، ومنهم من بقي، ومنهم من استُبقي. وسار عضد الدولة إلى الموصل، فوصلها يوم الأربعاء عاشر ذي القعدة، فنزل دارَ أبي تغلب، وولَّى العمَّال في النواحي، وبعث وراء المنهزمين، وهم عمدة الدولة، وأخوه أبو طاهر، وأبو كاليجار بن عز الدولة، ووالدة عمدة الدولة وأخيه، وتفرَّقوا، وسار بعضهم إلى دمشق مع زوجة معزّ الدولة وبها هفتكين التركي، فأنزلهم وأحسن إليهم، وأقاموا عنده. وأما أبو تغلب فسار إلى مَيَّافارِقين ومعه أختُه جميلة، وكانت مُشاركةً له في الأمر والنَّهي، ومعه أخواته الباقيات وحُرَمُه، وبعث إليه عضد الدولة أبا الوفاء طاهر بن محمد، فلما قَرُب من مَيَّافارِقين سار أبو تغلب بعياله إلى قلعة بَدْليس، ونزل بميافارقين هزارمرد الحَمْداني غلام جدِّه أبي الهيجاء، وجاء أبو الوفاء فنازلها، وسار أبو تغلِب إلى قلاعه، واستنزل منها مالًا حمله معه، وتبعه أبو الوفاء، ثم عاد فحصر مَيَّافارقين، وسنذكره إن شاء الله تعالى. وفي هذه السنة جرَت لعضد الدولة لما دخل بغداد قصَّةٌ مع أبي الحسين بن سَمعون نذكرها إن شاء الله تعالى في ترجمة أبي الحسين (١)، وحجَّ بالناس أبو عبد الله العلوي.

стр. 8334

وفيها توفي أبو القاسم إبراهيم (١) بن محمد ابن أحمد بن مَحْمويَه النَّصْراباذِيّ، النَّيسابوريّ. ونصراباذ مَحلَّةٌ من مَحالّ نَيسابور [، وثمَّ جماعة يُنسَبون إلى هذه المحلَّة. وأما أبو القاسم صاحب هذه الترجمة سمع الحديث الكثير، وأثنى عليه الحاكم أبو عبد الله، وأبو عبد الرَّحمن السُّلَميّ، وابن خَميس (٢) وغيرهم، وقالوا: هو نيسابوري المولد والمنشأ]. وكان شيخَ خُراسانَ في وقته، وإليه يُرْجَع في علوم القوم، والسُّنَن، والتَّواريخ، وعلوم الحقائق. [وقال القُشَيري:] صحب الشِّبليّ وغيره، [وكان عالمًا بالحديث، كثير الرواية. وقال السُّلمي في "الطبقات": هو شيخ الصوفية بنيسابور] وله لسان الإشارة مَقرونًا بالكتاب والسُّنَّة [، وما كانت تُشَبَّه أوقاتُه وبكاؤه إلا بأوقات الشبلي وبكائه. ذكر نبذة من كلامه:] قال: إذا بدا لك شيء من مبادئ الحقِّ فلا تلتفت معه إلى جنَّةٍ ولا إلى نار، وإذا رجعتَ إلى ذلك الحال فعَظِّم ما عظَّمه الله تعالى. وقيل له: الكلُّ مُلْكُه فكيف اشترى؟ فقال: اشترى كشِرى الأب للطفل. وقال: العبادات إلى طَلَب العَفْو عن التَّقْصيرِ فيها أحوج إلى طلب العِوَض عنها (٣). وقال: أهلُ المحبَّةِ واقفون مع الحقِّ على مقامٍ إن تقدَّموا غَرِقوا، وإن تأخَّروا حُجِبوا.

стр. 8335

وقال: أثقالُ الحقِّ لا يَحملها إلا مَطايا الحقّ. وقال: جَذْبَةٌ من جَذَباتِ الحقِّ تُربي على عَمل الثَّقَلَين. وقال: أنت بين نِسبتين؛ نِسْبَةٍ إلى الحقّ ونِسْبةٍ إلى آدم، فإذا انتسبتَ إلى الحقِّ دخلتَ في مقامات الكَشْفِ والعِصْمَة، وتلك نسبة تحقيق العبودية ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، وإذا انتسبتَ إلى آدم دخلتَ في مقامات الظُّلمِ والجهل ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢]. [وحكى عنه في "المناقب" أنه] قال: سِجْنُك نفسُك، فإذا خرجتَ منها وقعتَ في راحة الأَبَد. وقال: إنما سُمّي أهلُ الكهف فِتْيةً لأنهم آمنوا بغير واسطة. وقال: الحقُّ غَيور، ومن غَيرته لم يجعلْ إليه طَريقًا سواه. وقال: نهاياتُ الأولياء بدايات الأنبياء. وقال: دخلتُ البادية [في بعض أسفاري] فصُعِقْتُ، فكُشِف لي عن القمر، فإذا في وجهه مَكتوب: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ الآية [١٣٧: البقرة]، فاستَقْلَلْتُ من وقتي ومَشَيت (١). وقيل له: إنه ليس لك في المحبة شيء؟ فقال: محبَّةٌ توجبُ سَفْكَ الدِّماء، ومحبةٌ توجب حَقْنَها، وإن كان كما قالوا فلي حَسَراتٌ أحترِقُ منها، وأنشد: [من الطويل] ومَن كان في طولِ الهوى ذاقَ سَلْوَةً .. فإني من لَيلى لها غيرُ ذائقِ وأكثرُ شيءٍ نِلْتُه من وصالها … أمانيُّ لم تَصدُقْ كلَمْحَةِ بارِقِ وقال: للخلق كلِّهم مقامُ الشَّوق، وليس لهم مقام الاشتياق، ومَن دخل في مقام الاشتياق هام فيه حتى لا يُرى له أَثَرٌ ولا قَرار. وقال: للنَّفس قوت، وللقلب قوت، وللسرِّ قوت، وللرُّوح قوت؛ فقُوتُ النَّفسِ الطُّمَأنينة، وقوت القلب الرُّوحانيّة، وقوت السرِّ الفكرة، وقوت الرُّوحِ السَّماعُ الصَّادرُ
следующие страницы →