← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 8331–8370 · переход к 8336.

стр. 8331

وبعث إليه عضد الدولة خمسَ مئة حِمْل، منها ألفُ ألف دِرهم فِضَّة، وخمسون ألف دينار، وخمس مئة ثوب أنواعًا من الدِّيباج وغيره، وثمانون صينية ذهب وفضة، فيها أنواعُ الطِّيب من المِسْكِ والعَنْبَر والنَّدِّ والكافور، وعشرة أفرسٍ بمراكب الذهب، وسَهَّارِيّ (١)، وغيرها. وقبض عَضُد الدولة على مَن بقي من أصحاب عز الدولة، واستخرج منهم أموالًا كثيرة، وحمل أبو سعد بن بَهْرام أبا الطاهر بن بَقيَّة إلى عضد الدولة وهو مَسْمول، وطولب بالمال فلم يكن عنده شيء، فشُهِر في جانبَي بغداد على جَمَل وعليه بُرْنس، ثم قتله. وفيها جلس الطائع لرسول أبي القاسم نوح، وعقد له على خُراسان، ودفع إليه الخِلَع واللواء سِفارةَ عضد الدولة؛ لأن أبا صالح منصور بن نوح كان مُصاهرًا لعضد الدولة، فلما مات أقاموا ابنه أبا القاسم نوحًا مكان أبيه، فهؤلاء ملوك ما وراء النهر. وهذا أبو القاسم نوح بن منصور بن نوح بن نصر بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن أسَد بن سامان خُداه بن حيثمان (٢) بن طُمغاث بن نُوشرد بن بهرام جوبين بن بهرام جُشْنس بن فيرزاد بن خسرو بن نَرْسِي بن بهرام بن أردشير بن سابور بن يزدجرد الأثيم. وفي رجب وَرَد رسولُ شريف بن سيف الدولة صاحب حلب إلى عضد الدولة، وهما ابن الناصر العلوي وعبد الله بن أحمد الإسكافي، يَبْذُلان الطاعة عن شريف، فقبل عضد الدولة منهما ذلك، وخاطب الطائع، وتنجَّز له الخِلَع واللواء والعهد، وخادمًا من خَدَم الخليفة (٣). وفيها زادت دجلة زيادةً عظيمة في نيسان؛ بلغت إحدى وعشرين ذراعًا وثلثًا، وانفجر بالزَّاهر من الجانب الشَّرقي بَثْقٌ غَرَّق الدُّور والشَّوارع، وهرب الناس إلى السُّفُن، وهيَّأ عضد الدولة الزَّبازب تحت داره، وأطلق المال، وجلب القَصَب من كل

стр. 8332

مكان، واتَّفق أن زَورقًا كبيرًا جاء وفيه قَصَب، فساقه الماء إلى الفُوَّهة التي انفتحت عند الزَّاهر فسدَّها، وعاجلوا بالتُّراب فوقه وطَمَروه فيها، ودُفن في موضعه، فكان سببًا في سدِّ الفُوَّهة، ثم أصبح الماء ناقصًا ففرح الناس. وفي يوم الاثنين الثاني من شَوَّال خرج عضد الدولة من بغداد قاصدًا عز الدولة وأبا تغلب، وخرج الطائع معه بالجيش كله، ودخل أبو علي الفارسي على عضد الدولة لما أراد الخروج لقتال عز الدولة، فقال له: ما رأيناك في صُحبتنا (١)! فقال: أنا من رجال الدعاء لا من رجال اللقاء، فخار الله للملك في عزيمته، وأنجح قَصْدَه في نهضته، وجعل العافيةَ زادَه، والظَّفَرَ تُجاهَه، والملائكةَ أنصارَه، وأنشد: [من المنسرح] ودَّعْتُه حيث لا تُودِّعُه … نفس ولكنها تسيرُ معه ثم تولَّى وفي الفؤاد له … ضِيقُ مَحَلٍّ وفي الدُّموعِ سَعَه فقال له عضد الدولة: بارك الله فيك، فإني أَثِقُ بطاعتك، وأتيقَّن صفاءَ طَويَّتِك، وقد أنشدنا بعض أشياخنا بفارس فقال: [من مخلع البسيط] قال لهم (٢) إذ سار أحبابُه … وبدَّلوه البُعدَ بالقُربِ والله ما شَطَّت نَوى ظاعِنٍ … سار من العَينِ إلى القَلْبِ فدعا له أبو علي وقال: أيأذن مولانا في نقل هذين البيتين؟ قال: نعم، فاستملاهما منه. والتقوا يوم الأربعاء لاثنتي عشرةَ ليلةً بقيت من شوّال، ووقف عَضُد الدولة في القلب، ووقف الناس بين يديه، واشتدَّت الحرب، وقُتل من الفريقين جماعة، وكان الطائع في عِدَّةٍ من الفُرسان والرجال مع الأثقال والسّواد، فنصر الله عضد الدولة، وانهزم عز الدولة عند ارتفاع النهار فأُخِذ أسيرًا، وهرب أبو تَغْلِب ومعه عمدة الدولة وأبو طاهر ابنا معز الدولة وأبو كاليجار بن عز الدولة. ذكر السبب في هزيمتهم: كان عضد الدولة لما اتفق عز الدولة عليه وأبو تغلب وتحالفا أعمل الحيلة في إفساد ما بينهما، فدسَّ كتابًا إلى أبي تغلب على لسان بعض ثِقاته يقول: قد صحَّ عندي أن عزَّ

стр. 8333

الدولة وعضد الدولة قد اتَّفقا في السرِّ عليك، وأن يأخذوك أسيرًا يوم الحرب، ويَمضي عز الدولة فيأخذ الموصل ويقيم بها، ويعود عضد الدولة إلى بغداد، فاستَظْهِرْ لنفسك. فاحترز أبو تغلب من مُخالطة عز الدولة، فلما وَقَعت الحرب قاتل عز الدولة، وأرسل إلى أبي تغلب أن يَحمل على المَيْمَنة مرارًا، فتوقَّف لما كان خامَرَ سِرَّه من الكتاب، فوقف على تلٍّ مُشْرِفٍ من بعيد، ولم يخالط العسكر، فكانت الهزيمةُ، وتبعوا أبا تغلب، وخرج فنجا ومعه أخو عز الدولة وولده أبو كاليجار. وعاد الطائع إلى بغداد، وحمل الأُسارى من الدَّيلَم والتُّرْك في الزَّواريق، فمنهم من غرق، ومنهم من بقي، ومنهم من استُبقي. وسار عضد الدولة إلى الموصل، فوصلها يوم الأربعاء عاشر ذي القعدة، فنزل دارَ أبي تغلب، وولَّى العمَّال في النواحي، وبعث وراء المنهزمين، وهم عمدة الدولة، وأخوه أبو طاهر، وأبو كاليجار بن عز الدولة، ووالدة عمدة الدولة وأخيه، وتفرَّقوا، وسار بعضهم إلى دمشق مع زوجة معزّ الدولة وبها هفتكين التركي، فأنزلهم وأحسن إليهم، وأقاموا عنده. وأما أبو تغلب فسار إلى مَيَّافارِقين ومعه أختُه جميلة، وكانت مُشاركةً له في الأمر والنَّهي، ومعه أخواته الباقيات وحُرَمُه، وبعث إليه عضد الدولة أبا الوفاء طاهر بن محمد، فلما قَرُب من مَيَّافارِقين سار أبو تغلب بعياله إلى قلعة بَدْليس، ونزل بميافارقين هزارمرد الحَمْداني غلام جدِّه أبي الهيجاء، وجاء أبو الوفاء فنازلها، وسار أبو تغلِب إلى قلاعه، واستنزل منها مالًا حمله معه، وتبعه أبو الوفاء، ثم عاد فحصر مَيَّافارقين، وسنذكره إن شاء الله تعالى. وفي هذه السنة جرَت لعضد الدولة لما دخل بغداد قصَّةٌ مع أبي الحسين بن سَمعون نذكرها إن شاء الله تعالى في ترجمة أبي الحسين (١)، وحجَّ بالناس أبو عبد الله العلوي.

стр. 8334

وفيها توفي أبو القاسم إبراهيم (١) بن محمد ابن أحمد بن مَحْمويَه النَّصْراباذِيّ، النَّيسابوريّ. ونصراباذ مَحلَّةٌ من مَحالّ نَيسابور [، وثمَّ جماعة يُنسَبون إلى هذه المحلَّة. وأما أبو القاسم صاحب هذه الترجمة سمع الحديث الكثير، وأثنى عليه الحاكم أبو عبد الله، وأبو عبد الرَّحمن السُّلَميّ، وابن خَميس (٢) وغيرهم، وقالوا: هو نيسابوري المولد والمنشأ]. وكان شيخَ خُراسانَ في وقته، وإليه يُرْجَع في علوم القوم، والسُّنَن، والتَّواريخ، وعلوم الحقائق. [وقال القُشَيري:] صحب الشِّبليّ وغيره، [وكان عالمًا بالحديث، كثير الرواية. وقال السُّلمي في "الطبقات": هو شيخ الصوفية بنيسابور] وله لسان الإشارة مَقرونًا بالكتاب والسُّنَّة [، وما كانت تُشَبَّه أوقاتُه وبكاؤه إلا بأوقات الشبلي وبكائه. ذكر نبذة من كلامه:] قال: إذا بدا لك شيء من مبادئ الحقِّ فلا تلتفت معه إلى جنَّةٍ ولا إلى نار، وإذا رجعتَ إلى ذلك الحال فعَظِّم ما عظَّمه الله تعالى. وقيل له: الكلُّ مُلْكُه فكيف اشترى؟ فقال: اشترى كشِرى الأب للطفل. وقال: العبادات إلى طَلَب العَفْو عن التَّقْصيرِ فيها أحوج إلى طلب العِوَض عنها (٣). وقال: أهلُ المحبَّةِ واقفون مع الحقِّ على مقامٍ إن تقدَّموا غَرِقوا، وإن تأخَّروا حُجِبوا.

стр. 8335

وقال: أثقالُ الحقِّ لا يَحملها إلا مَطايا الحقّ. وقال: جَذْبَةٌ من جَذَباتِ الحقِّ تُربي على عَمل الثَّقَلَين. وقال: أنت بين نِسبتين؛ نِسْبَةٍ إلى الحقّ ونِسْبةٍ إلى آدم، فإذا انتسبتَ إلى الحقِّ دخلتَ في مقامات الكَشْفِ والعِصْمَة، وتلك نسبة تحقيق العبودية ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، وإذا انتسبتَ إلى آدم دخلتَ في مقامات الظُّلمِ والجهل ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢]. [وحكى عنه في "المناقب" أنه] قال: سِجْنُك نفسُك، فإذا خرجتَ منها وقعتَ في راحة الأَبَد. وقال: إنما سُمّي أهلُ الكهف فِتْيةً لأنهم آمنوا بغير واسطة. وقال: الحقُّ غَيور، ومن غَيرته لم يجعلْ إليه طَريقًا سواه. وقال: نهاياتُ الأولياء بدايات الأنبياء. وقال: دخلتُ البادية [في بعض أسفاري] فصُعِقْتُ، فكُشِف لي عن القمر، فإذا في وجهه مَكتوب: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ الآية [١٣٧: البقرة]، فاستَقْلَلْتُ من وقتي ومَشَيت (١). وقيل له: إنه ليس لك في المحبة شيء؟ فقال: محبَّةٌ توجبُ سَفْكَ الدِّماء، ومحبةٌ توجب حَقْنَها، وإن كان كما قالوا فلي حَسَراتٌ أحترِقُ منها، وأنشد: [من الطويل] ومَن كان في طولِ الهوى ذاقَ سَلْوَةً .. فإني من لَيلى لها غيرُ ذائقِ وأكثرُ شيءٍ نِلْتُه من وصالها … أمانيُّ لم تَصدُقْ كلَمْحَةِ بارِقِ وقال: للخلق كلِّهم مقامُ الشَّوق، وليس لهم مقام الاشتياق، ومَن دخل في مقام الاشتياق هام فيه حتى لا يُرى له أَثَرٌ ولا قَرار. وقال: للنَّفس قوت، وللقلب قوت، وللسرِّ قوت، وللرُّوح قوت؛ فقُوتُ النَّفسِ الطُّمَأنينة، وقوت القلب الرُّوحانيّة، وقوت السرِّ الفكرة، وقوت الرُّوحِ السَّماعُ الصَّادرُ

стр. 8336

عن الحق، وقوت الأقوات على الحقيقة هو الله تعالى؛ لأن الكفايات منه، وأنشد: [من الطويل] إذا كُنتَ قُوتَ النَّفْسِ ثم هَجَرْتَها … فلم تَلْبَثِ (١) النَّفْسُ التي أنت قوتُها ستبقى بقاءَ الضَّبِّ في الماء أو كما … يعيشُ ببَيداءِ المهامِه حُوتُها واستسقى يومًا فجاء المطر فقال: [من الكامل] خرجوا ليَسْتَسقوا فقلتُ لهم قِفوا … دَمعي يَنوبُ لكم عن الأنْواءِ قالوا صَدَقْتَ ففي دُموعِكَ مَقْنَعٌ … لو لم تكن مَمزوجَةً بدماءِ (٢) ذكر وفاته: خرج إلى مكة سنة خمس (٣) وستين وثلاث مئة، وكان يَعِظُ على المنابر ويُذَكِّر، ومات بمكة [في سنة سبع وستين وثلاث مئة، ودُفن] عند تربة الفُضَيل بن عِياض ﵁. وكان صدوقًا، ثقةً، أجمعوا عليه. [حكى في "المناقب" (٤) وقال:] رآه بعضُ الصَّالحين في المنام بعد موته فقال: ما فعل الله بك؟ فقال: عُوتِبْتُ عِتابَ الأشراف، ثم نُوديتُ: يا أبا القاسم، هل بعد الاتّصال انفصال؟ فقلت: لا، يا ذا الجلال والإكرام، وما وُضِعْتُ في اللَّحْدِ حتى لَحِقْتُ بالأحد (٥). [فصل وفيها تُوفّي] بَخْتِيار أبو منصور عزُّ الدولة ابن مُعزّ الدولة أبي الحسين بن بُوَيه.

стр. 8337

كان من أحسن الناس خُلُقًا، وأشدِّهم قُوَّةً، كان يَصرَعُ الثَّورَ الشَّديدَ وحده، ويبارز الأُسودَ في صُيودها (١). وكان المطيع قد خلَع عليه، وسَلْطَنَه، وطَوَّقَه، وسَوَّره، وقد ذكرنا أخبارَه في السنين. وانتهى أمرُه إلى أن جاء عَضُد الدولة وأخرجه من بغداد، فعاد وحارَبَه ومعه أبو تَغْلِب بن حَمْدان، فانهزم أبو تغلب. ذكر مقتل عز الدولة: [قال ابن الصابئ:] لما التقى عز الدولة بعضد الدولة قاتل قتالًا شديدًا، وثَقُل به سلاحُه، فقصَّر به فرسُه، فوقع إلى الأرض، فظَفِرَ به بعضُ الأكراد، فأخذ ما عليه وهو لا يَعرفه، وخلَّى عنه، وأدركه أرسلان كورموش فتعرَّف عليه، وجاءه أرسلان تكين الكوركيزي، فأخذاه وحملاه إلى عضد الدولة، وقيل: إن رأسَه حُمل إلى عضد الدولة في طشت، فتأمَّلَه، وتفَقَّد طاقات شَعَرٍ أبيض كانت في عوارضه. وكان سِنُّه لما قُتل ستًّا وثلاثين سنة، ومدةُ إمارته إحدى عشرة سنة وشهورًا، وقُتل جماعةٌ من خواصّه صَبْرًا بين يدي عضد الدولة [، وكان بين مَصْرَعِ عز الدولة وابن بَقيَّة اثني عشر يومًا (٢). فصل وفيها توفي عبد الله بن محمد أبو القاسم الحَرَّاني، إمامُ جامع دمشق. كان زاهدًا، صالحًا، وكانت وفاته بدمشق، ودُفن بباب كَيسان عند أبي إسحاق البَلُّوطيّ. حدَّث عن محمد ابن أبي شيخ الحرَّاني وغيره. وروى عنه الدارقطني وغيره، وكان ثقةً صدوقًا] (٣).

стр. 8338

محمد بن عبد الرحمن أبو بكر، البغداديّ، ويعرف بابن قُرَيعَة. وكان خَفيفَ الرُّوح، كثيرَ المَزْحِ، مَليحَ العِبارَةِ، طَيِّبَ النَّادِرة، وخُصَّ بأبي محمد المُهَلَّبي الوزير في أيامه، ولازمه، ونفق على عز الدولة من بعده، وقَرَّبه، ولَطَفَ به عنده، ونادمه، وكان لا يُفارقه، ويُحَمِّله الرسائل، وله ألفاظ مُدَوَّنة. كتب إليه أبو عبد الله الزُّبَيرِيّ وَرَقةً يقول فيها: المملوك أبو عبد الله الزبيري، الموسوم بالدُّعاء للملوك في المواكب، والأذان في الجوامع، له مدّةٌ ما وصل إليه جائزة. فوقَّع عليها: ذكرتَ أنك منذ مدة لم تَقْبِض ما أجريتُه لك من باب البرِّ شيئًا، فشُوهَة بُوهَة، وأحوالٌ مَكروهة، أيكون أحدٌ أحقَّ منك نَسَبًا في المهاجرين، وزَعَقاتٍ في الدِّين، وصَيحاتٍ بمنافع المسلمين؟ اللهم غَفْرًا، نتلافى ما فرطت منك تلافيًا شافيًا كافيًا إن شاء الله تعالى. وحضر عند عزِّ الدولة جماعة من الفقهاء فيهم هَرَويّ، فقال: أيها الأمير، هذا من بلد القِشْمِش (١)، ومَعْدِن المِشْمِش، من أهل هَراة، رجالُها سَراة، وجبالُها شَراة، فضحك عز الدولة. وحضر يومًا عند عَضُد الدولة وقد خرج من بين يديه أبو العباس أحمد بن علي النَّفَّاط العامل، فقال: هذا أبوه كان يَبيع النَّفْط، فقال له ابن قُرَيعَة وكان واقفًا بحضرته: هذا لقبُ تعريف، لأن اللقب ثلاثة؛ لقبُ تَشريف، ولَقَبُ تعريف، ولَقَب تَسخيف، فقال له عضد الدولة: مثل ماذا؟ فقال: أما التَّشْريف فمثلُ ركن الدولة وعضد الدولة وما كان في معناه، وأما التعريف فمثل ابن النَّفَّاط، وابن اللَّقَّاط، وابن المَقَّاط (٢)، وأما التَّسخيف فمثل زيقط وبطبط وقطقط، فضحك عضد الدولة منه وقال:

стр. 8339

شارَكْنا بختيار في لَهْوه وطَنْزِه (١)، فقال: أيها الملك، لكان زمانٌ وآل والملوك تُعاشَر بمثل أخلاقها، وإن كان بختيار أَخَذَ من اللهو بنَصيب وأخذنا معه فإن مولانا يَجِدُنا في الجِدِّ بحيث يَختار ويؤثر ويحبّ (٢). وكان أبو الحسين الزاهري (٣) يستفتي ابنَ قُرَيعة دائمًا في تَعَضُّلاتٍ يَضَعُها، فكتب إليه يومًا: ما يقول القاضي أيَّده الله في رجلٍ باع حِجْرًا (٤) على رَجُل، فلما رفَع المُشتري ذَنَبَها ليُقَلِّبَها بعد وَزْن ثمنها، فخرج منها ريح مُصَوِّتَة؛ اتَّصلت بحَصاةٍ ففَقأتْ عين الرَّجُل، ما الواجب فيها الدِّيَةُ أو الرَّدّ؟ فكتب ابنُ قريعة تحت خطِّه: الجواب وبالله التوفيق: لم تَجْرِ عادة بمثل هذه البَدائعِ بين مُشْتَرٍ ولا بائع، فلذلك لم تثبت في فَتاوى الفُقهاء، ولم تُسْطَر في كُتب العلماء، ولكن هذا وما شاكَلَه يَجري مُجرى الفُضول، المُسْتَخْرَج من أحكام العُقول، فأقول: إن دِيَةَ ما جَنَتْهُ الحِجر مُلْغاةٌ في حُكم المُهْدَار؛ لأن "العَجْماءَ جَرْحُها جُبار (٥) "، لحديث النَّبِيّ المختار ﷺ ، لا سيّما والمُشتري عند كَشْفِ عَورتها اسْتثَارَ [كامِنَ] سَوْرَتَها (٦)، ولكن رَدُّ السِّلْعَة واجب، وعلى البائع لها إرجاعُها (٧) وردُ ما قَبض؛ لأنه دَلَّس حِجْرًا، مَضِيقُها مَنْجَنيقُها، ومُطْلِقُها بَيدَقُها، ولم يَبْرَ من ذلك، وإن السِّهام إذا كانت طائشة فتلك من العيوب الفاحِشة، وأغراضها نواظِرُ الحَدَق، وقلّما يَستظهرُ المُقَلِّبون للخيل بالدَّرَق. وأمره المُهَلَّبي أن يُشْرِف على بناءٍ في داره، فحضر رجلٌ من العامَّة، فادَّعى أن وَكيلَ المُهَلَّبيّ اشترى منه ثلاثين بيضةً لتزويق السقوف، ولم يعطِه شيئًا، فقال

стр. 8340

ابن قُرَيعة: يَا هذا بَيِّن دَعواك، وأفْصِحْ عن نَجواك، فمن البَيض بيضٌ نَعامي، وهندي، وبطي، ونَبَطي، وحَمامي، وعَصافيري، حتَّى إن الدُّودَ يَبيض، والسَّمك يبيض، فمن أيِّ أجناسه تدَّعي؟ فقال الرجل: ما أدري ما تقول، لي ثلاثون بيضةً من بيض الدَّجاج النَّبَطيّ والسلام. وكان له بستان وفيه أكَّارٌ يقال له: صاعِد، فبلغه أنَّه قد سَرق طَوْقَ دولاب البستان وزُجَّه، فكتب إليه: يَا صاعد، حَدَر الله بروحك إلى جهنم ولا أصعدها، ومن الخيرات أبعدَها، بلغني أن عاتيًا عَتا على الدُّولاب في غَفْلَةِ الرُّقَباء والأصحاب، فسَلَبه طَوْقَه وزُجَّه من غير دلالة ولا حُجَّة، فهَمَمْتُ بالدّعاء عليه، ثم عَطَفْتُ بالحُنُوِّ عليه، وقلت: اللهم إن كان أخَذه من حاجة فأَغْنِه عن المعاودة إلى مثله، وإن كان أخذه من غير حاجة فابْتُر عُمُرَه، واكْفِ المسلمين شَرَّه، فكتب إليه صاعد: قد عَمّرتُ الدولاب من عندي، والسلام. وزحمه رجلٌ راكِبٌ على حمار فقال: [من مخلع البسيط] يَا خالقَ اللَّيلِ والنَّهارِ … صَبْرًا على الذُّلّ والصَّغارِ كم من جَوادٍ بلا حمارٍ … ومن حمارٍ على حمارِ وركب ابن قُرَيعة مع القاضي ابن مَعْروف بواسط، فدخلا دَرْبَ الصَّاغة، فتأخَّر ابنُ قريعة وتقدَّم ابن معروف، فقال ابن قريعة: إن تقدَّمت فحاجب، وإن تأخرت فواجب. تُوفِّي ابن قريعة ببغداد يوم السبت لعشرٍ بقين من جمادى الآخرة عن خمس وستين سنة. قال الخَطيب: ولاه أبو السَّائب عُتبة بن عُبيد الله قضاءَ السِّنْدِيّة وأعمال الفُرات، وكان كثيرَ النَّوادر، حسنَ الخاطر، يُسْرع بالجواب المطبوع من غير تصنُّع، وله أخبار طريفة، وكان فاضلًا، ولا أعلمه أسْنَدَ الحديث (١).

стр. 8341

أبو طاهر محمَّد ابن محمَّد بن بَقيّة، وزير بَختيار. قد ذكرنا بدايته وأخبارَه أيام وزارته، وكان عضد الدولة قد بعث إليه يُميلُه عن بختيار، فقال: الخيانةُ والغدر ليسا من أخلاق الرِّجال. ذكر مقتله: قد ذكرنا أن عز الدولة لما خرج من بغداد ودخلها عضد الدولة سلَّمه إليه أبو سعد بن بهرام مَسْمولًا، فشَهره في بغداد من الجانبين وعلى رأسه بُرْنُس، ثم أمر أن يُطْرَح تحت أرجل الفِيَلَة فقتلتْه، ثم حُمِل فصُلِب في طَرَف الجِسْر من الجانب الشَّرقيّ، ولم يَشفع فيه الطائع لأمرٍ كان في نفسه منه، وأُقيم عليه الحَرَس. وقيل: إن عز الدولة بعث به إلى عضد الدولة لما خرج عن بغداد لقتاله، وكتب أهلُ بغداد لعنَة عضد الدولة على حيطان الجوامع والأسواق؛ لأنه كان عادلًا جَوادًا مُحسِنًا إلى الجُند والرَّعِيَّة، سَخيًّا، فاجتاز به أبو الحسن محمَّد بن عمر الأنباري الصُّوفيّ الواعظ، وكان صَديقًا له، فرثاه بأبيات، وهي: [من الوافر] عُلوٌّ في الحياةِ وفي المَماتِ … بحقٍّ أَنْتَ إحدى المُعْجِزاتِ كأنَّ النَّاسَ حَولك حين قاموا … وُفودُ نَداكَ أيامَ الصِّلاتِ كأنَّكَ قائمٌ فيهم خَطيبًا … وكلُّهم قِيامٌ للصَّلاةِ مَدَدْتَ يديك نحوَهم اقتفاءً … كمَدِّهما إليهم بالهِباتِ ولما ضاقَ بَطْنُ الأرض عن أن … يَضُمَّ عُلاكَ من بعد المَماتِ أصاروا الجوَّ قَبْرَكَ واستنابوا … عن الأكْفانِ ثَوْبَ السَّافياتِ لعُظْمِكَ في النُّفوس تَبيتُ تُرْعى … بحُفَّاظٍ وحُرَّاسٍ ثِقاتِ وتوقَدُ عندك النِّيرانُ ليلًا … كذلك كنتَ أيَّامَ الحَياةِ ولم أرَ قبلَ جِذْعِكَ قطُّ جِذْعًا … تَمكَّن من عِناقِ المَكْرُماتِ رَكِبتَ مَطيَّةً من قبلُ زيدٌ … عَلاها في السِّنينِ الذَّاهِباتِ وتلك فَضيلةٌ فيها تأسٍّ … تُباعِدُ عنك أسبابَ الدِّناتِ وكنتَ لمَعْشَرٍ سَعْدًا فلما … مَضيتَ تَفرَّقوا بالمُنْحِساتِ

стр. 8342

وكنتَ تُجيرُ من صَرْفِ الليالي … فعاد مُطالبًا لك بالتِّرات أسأْتَ إلى النَّوائبِ فاسْتَثارت … فأنتَ قَتيلُ ثأر النَّائباتِ وصَيَّر دَهْرُك الإحسانَ فيه … إلينا من عَظيمِ السَّيِّئاتِ غَليلي باطنٌ لك في فؤادي … يُخَفَّفُ بالدُّموعِ الجارياتِ ولو أني قَدَرْتُ على قيامي … بفَرْضِك والحُقوقِ الواجباتِ مَلأتُ الأرضَ من نَظْمِ المَراثي … ونُحْتُ بها خِلافَ النَّائحاتِ ولكنِّي أُصَبِّرُ عنك نفسي … مَخافَةَ أن أُعَدَّ من الجُناةِ وما لك تُربةٌ فأقولُ تُسْقى … لأنَّك نُصْبُ هَطْلِ الهاطِلاتِ عليكَ تَحيَّةُ الرَّحمنِ تَتْرى … برَحْماتٍ رَوائحَ غادياتِ (١) وبلغتْ عضدَ الدولة، فأباح دمَ الأنباري، وجدَّ في طَلَبه سنةً فلم يوجَد، وبلغت الأبياتُ الصاحبَ إسماعيلَ بن عَبَّاد، فكتب له أمانًا، وكان ابنُ عَبَّاد بالرَّيِّ، فقدم الرجلُ عليه، فقال: أَنْتَ قائلُ الأبيات؟ قال: نعم، قال: أنشِدْني إيَّاها، فأنشدها، كما بلغ إلى قوله: ولم أرَ قبل جِذْعك قطُّ جِذعًا … البيت، قام ابن عَبَّاد قائمًا، واعتنقه، وقبَّل فاه، ثم خَلَع عليه، وكتب له كتابًا إلى عضد الدولة بالإحسان إليه، فلما دخل عليه قال: ما حَمَلَك على مَرْثِيَة عَدوي!؟ فقال: حقوقٌ سَلَفَتْ، وأيادٍ سَبَقَتْ، فجاشَ الحُزْنُ في قلبي. وكان بين يَدي عَضُدِ الدولة شُموعٌ تُزْهِر فقال له: قل فيها شيئًا، فقال: [من المتقارب] كأن الشُّموعَ وقد أظهَرَتْ … من النَّارِ في كلِّ رأسٍ سِنانا أصابعُ أعدائكَ الخائفينَ … تَضَرَّعُ تَطلُبُ منك الأمانا فرَضي عنه، وخلَع عليه، ووصَلَه ببَدْرَةٍ، وأعطاه فَرَسًا من مَراكبه. وذكر هِلالُ بن الصَّابئ أن الأبيات ظهرت بعد موت عضد الدولة، وأن ابنَ بَقيَّةَ بقي مَصلوبًا على خَشَبته؛ إلى أن حُطَّ في أيَّام صَمْصام الدَّولة ودفن، والأوَّلى أصحّ.

стр. 8343

السنة الثامنة والستون وثلاث مئة فيها في المحرَّم سار عضد الدولة خلف أبي تَغْلب بنفسه، فأجْفَلَ هاربًا من بين يديه، وفارقه كثيرٌ من رجاله وقوَّاده، وعاد عضد الدولة إلى الموصل في صفر، وبعث وراءه الجُند، فأتى بَدْليس، فتبعوه، فدخل الروم، وكان عضد الدولة قد بعث إليه قائدًا يقال له: طغان، فلحقه في مَضيقٍ من مَضائق الرُّوم، فعطف عليه أبو تَغْلِب، فضربه على رأسه ضَربةً بقي أثرُها إلى أن تُوفّي، وأسر جماعةً من أعيان قُوَّاد عضد الدولة وخواصّه، فضرب رقابَهم بين يديه صَبْرًا، وعاد طغان إلى الموصل ومَن سَلِم منهم، ووصل أبو تغلب إلى حِصن زياد، وجاءت عساكر الرُّوم، فعاد أبو تغلب إلى آمِد، وأقام [بها] إلى أن فُتحت مَيَّافارِقين (١). ذكر فتحها: كان أبو الوفاء قد نازلها فلم يَقدر عليها، فمضى إلى أَرْزَن ففتحها، وعاد إلى مَيَّافارِقين وبها هزارمرد، فحاصرها بعد أن فتح حصون ديار ربيعة كلها، ولما عاد إلى ميافارقين أقام ثلاثة أشهر يضربها بالمَجانيق، ونزل البَليخ وهو صابر، ومات هزارمرد، فكتبوا إلى أبي تغلب يخبرونه، فأمر أن يُنصَبَ مكانه مؤنس غلام الحَمْدانية، وكان في البلد قاضٍ يقال له: أبو الحسن بن المبارك بن ميمون (٢)، فاستولى على تدبير مؤنس، وحَفظ البلد وحَصَّنه، وقاتل قتالًا شديدًا، فبعث إليه أبو الوفاء يَستميله ويَعِده، فلم يُجِبْه. وكان في البلد شيخ يقال له: أبو الحسين أَحْمد بن عبيد الله الفارقي، فبعث إليه أبو الوفاء فاستماله، فأجابه، واجتذَب أهل البلد إليه، وعلم القاضي، فأراد الفَتْكَ به، فحماه أهلُ البلد. فلما كان لليلتين خلتا من جُمادى الأولى ثار الفارقي ومعه أهل البلد، فلجأ مؤنس ومَن معه إلى منازلهم، وقبض الفارِقيّ على القاضي ومَن يَلوذُ به، وفيهم رجل يقال له:

стр. 8344

ابن الطَّبَرِيّ، فأرسل مؤنس إلى الفارقيّ يَطلب الأمان، فبعث إلى أبي الوفاء فأمّنه، وفتح النَّار في الباب، ودخل جيشُ أبي الوَفاء، وبعث أبو الوفاء بالقاضي وابن الطَّبري إلى عضد الدولة وكان بالموصل فصلبهما. وأما أبو تغلب فلما علم بفتوح مَيَّافارِقين، وأن أَبا الوفاء قد مَلَكها، علم أنَّه سيسير إليه، ولا يقدر على مُقاومته، فأنفَذ أخَواته مستأمناتٍ إلى أبي الوفاء سوى جَميلة، وتبيَّن أصحابُه خَوفَه وخَوَره، فالتاثوا عليه، وهرب إلى ناحية الرَّحْبَة ومعه أختُه جَميلة وحُرَمه، وتخلَّف عنه مَن كان معه من الأتراك والكُتَّاب، وقصدوا أَبا الوفاء. وجاء أبو الوفاء إلى آمِد، ففتحوا له أبوابَها، واستولى على ديار بَكْرٍ بأسرها، وعاد إلى الموصل ومعه الأسارى والمستأمِنَة بعد أن رتَّب في الحُصون مَن يَحفظها. وأما أبو تغلب فإنَّه بعث أخاه أَبا عبد الله الحسين من طريق الرَّحبة إلى عضد الدولة يسأله العَفو، والاستخدام على ما كان عليه، وأقام بالرحبة ينتظر الجواب، فاجتمع الحسين بعضد الدولة بالموصل، وعَرَّفه رسالةَ أخيه، فقال: أنا أعفو عنه، وأردُّ عليه بلادَه؛ على أنَّه يَصير إلى الحَضْرة، ويدخلَ في الطاعة، فعلم أبو عبد الله أن أخاه لا يُجيب إلى ذلك، فوطَّد له عند عضد الدولة حالًا أنَّه يعود إلى خِدمته إن لم يُجب أخوه إلى ذلك. ومضى إلى أبي تغلب، وأعاد عليه الرسالة فلم يُجِب، وسار إلى الشَّام لاجئًا إلى أصحاب مصر، وسار معه أخوه أبو عبد الله، ثم فارقه من أَرَك قبل تَدْمُر بمرحلة، وسار يريد الفرات، فأرسل خلفه جماعة، فلم يظفروا به، ووصل إلى عضد الدولة سالمًا في شهر رمضان، فأكرمه وأحسن إليه. وبعث عضد الدولة إلى الرَّقَّة والرَّحْبَة وجميعَ حصون الجزيرة مَن تسلَّمها، وصارت في يده، وبعث إلى قِلاع أبي تغلب التي فيها أموالُه وذَخائرُه وجواهرُه وضياعاتُه وحُليُّ نِسائه وغير ذلك، وهذه القِلاعُ في جانب دجلة من الشرق على طريق الجَزيرة، وهي قلعة أَرْدُمُشْت، وقلعة الشّعباني، وقلعة هَرور، وقلعة ملاص وغيرها. وكانت قلعة أردمشت مملوءة من أصناف الثياب والجواهر والحلي والمتاع والفُرُش وغيرها، فسَيَّر إليها عضد الدولة مَن افتتحها واحتوى على جميع ما فيها، وخرج بنفسه فأشرف عليها، ورتَّب فيها الوُلاةَ والمُتَصرِّفين وفي جميع أعمال أبي تغلب.

стр. 8345

وكان محمَّد بن ناصر الدولة مُعتقلًا في أرْدُمُشْت مُقيَّدًا وله ثماني سنين، فأطلقه عضد الدولة، وأحسن إليه، وردَّ عليه ضِياعه، وهذا محمَّد كُنيته أبو الفوارس هو الذي اتَّهمه أبو تغلب لما سار لقتال حَمدان بالرَّحْبة. قال المصنف ﵀: وقد ذكر قصّته القاضي التَّنوخيّ فقال: كان أبو تغلب قد استوحش من أخيه محمَّد، فقبض عليه، وقَيَّده، وحَبسه في قلعة أردمشت، وجعله في مَطمورة، ووَكَّل بحفظ طعامه وشرابه عجوزًا كان يَثقُ بها، وكانت ضابطة يقال لها: نازبانو، وأمرها أن لا يَصل إليه أحد، وأن تُخفيَ خبَرَه ومَوضعَه، ففعلت، وأقامت على ذلكَ ثماني سنين. ثم إن أَبا تغلب انحدر إلى بغداد مُعاونًا لعز الدولة على عضد الدولة، فكانت بينهم الوَقعة العظيمة بقصر الجَصّ؛ قُتل فيها بختيار، وانهزم أبو تغلب إلى الموصل، فخاف من تخليص أخيه محمَّد، فكتب إلى والي القلعة واسمُه طاشتم أن يُمكّن صالح بن بانويه الكردي من قتْلِ محمَّد، وكان صالح مُشاركًا لطاشتم في حفظ القلعة، وكتب إلى صالح بقتله، فجاء ليدخل عليه فقالت العجوز: لا سمع ولا طاعة، ولا أُمَكّنك إلَّا بكتاب أبي تغلب فإنَّه سلَّمه إلي، وبيني وبينه علامة. واتَّفق نزولُ عضدِ الدولة على الموصل، وهرب أبو تغلب من بين يديه، وبثَّ قوَّادَه في بلد الموصل، فجاء بعضُ قُوَّادِه فنازل تلك القلعة وفتحها، وبلغه خبر محمَّد، فأرسل إليه مَن يُحضره عنده، فبكى وأخذ يَتضرَّع يظنُّ أنَّه يُقتَل، فقالوا له: لا بأس عليك فأخوك قد هرب، ومَلَك عضد الدولة البلاد، فسجد شكرًا لله تعالى، وأرادوا أخذ حديده فقال: لا أفعل حتَّى يَراني الملك، فحُمِل إلى الموصل، وأُدخل على عَضُد الدولة في تلك الحال، فرَقَّ له، وأمر بأخْذِ حديده، وخَلَع عليه الخِلَع السنيَّة، وأعطاه الخيل بمراكبِ الذَّهب والفضة، والبغال عليها الصَّناديق فيها الأموال العظيمة والثياب الفاخرة، وأقطعه إقطاعًا بثلاث مئة أَلْف درهم، وصار من خواصّه (١).

стр. 8346

وفيها عاد عضد الدولة إلى بغداد لما قَرَّر أمورَ الموصل، وخرج الطَّائع للقائه من قُطْرَبُّل، فنُصِبت له القِباب، ودخلها في سَلْخ ذي القعدة، وأمر الطائع أن تُضْرَب على باب عضد الدولة الطُّبولُ والبُوقات في أوقات الصلوات الثلاث: المغرب والعشاء والفجر، وأن يُخْطَب له على المنابر بعد الخليفة، وهذان الأمران لم يكونا لغيره قبل. ذكر حصول والدة عز الدولة وأخويه وولده المرزبان عند هفتكين: قد ذكرنا حضورهم عنده، وأولاهم من الإحسان شيئًا عظيمًا، واتَّفق أن العساكرَ المصريَّة قَصَدت الشَّام، وخرج هفتكين إلى لقائهم، فوصل الرَّمْلَة والتَقَوا، فاستأمن أبو كاليجار المرزبان إلى المصريين، واقتتلوا فانهزم هفتكين؛ لأن المصريين كانوا أكثر عددًا، وقُتل أبو طاهر بن مُعزِّ الدولة، واستأمن أبو إسحاق في آخر الأمر، وأَسَر المُفَرّج بن دَغْفَل الطَّائي الهفتكين وجماعة من الترك، وحملهم إلى مصر، فأبقى عليهم العزيز، وأحسن إليهم، وأحسن إلى أبي إسحاق بن مُعزِّ الدولة، وأبي كاليجار المرزبان بن عزّ الدولة وأصحابهم، وأنزلهم، وأكرم مَثْواهم، وخَلُص الشَّام بأسره للعزيز، ما عدا حلب فإنَّها كانت بيد سعد الدولة بن سيف الدولة. ذكر أخبار هفتكين إلى أن توفِّي وحقيقة شرح الجملة التي ذكرناها: وقد ذكرنا حصولَه بدمشق، واستقرارَه فيها، وكان يُكاتب المعزَّ ويُطيعه، فلما مات المعز كاتبه العزيز، ووعده الاصطِناعَ ورفعَ المنزلة، والبقاءَ على ما هو عليه إن وَطئ بساطَه، فكتب إليه: إن هذا البلد أخذتُه بسيفي، وما أَدينُ لأحدٍ فيه بطاعة. فغاظ العزيزَ جوابُه، واستشار يعقوب بن كِلَّس وزيرَه، فأشار عليه بأن يُجَهِّزَ القائدَ جوهرًا في العساكر إلى الشَّام، وبلغ الهفتكين، فجمع وجوهَ الدَّماشِقَة وشيوخَها، وقال لهم: قد عرفتُم أنكم سألتموني أن أتولَّى أمرَكم، وما تصرَّفْتُ إلَّا على وَفْقِ مُرادِكم، وقد طلبني مَن لا طاقةَ لي به، وأنا داخلٌ بلادَ الروم، وأُبَصره مكانًا أكون مُقيمًا فيه؛ لئلا يَلْحَقَكم بسببي ضَررٌ ممَّن يَقصِدُني. وكان الدِّمشقيُّون يَكرهون المغاربةَ لمخالفتهم إياهم في الاعتقاد، ولأجل ما عامَلَهم به أُمراؤهم وولاتُهم، فقالوا له: أقم ونفوسُنا وأموالُنا بين يديك، ونحن نَفديك بأنفسنا.

стр. 8347

وسار جوهر في عسكرٍ كَثيفٍ بعد أن أخذ من العزيز أمانًا لهفتكين، وخاتمًا، ودستًا من ثيابه، وكتابًا إليه بالعفو عنه، فلما حصل جوهر بالرَّمْلَة كاتب الهفتكين بالرِّفْقِ والمُلاطَفة، ودعاه إلى السِّلْم والطَّاعة، ووعده أن يُبَلِّغَه ما يُريد، وأعلمه بما معه من الأمان، فأجابه بالجميل والشُّكرِ على ما بذله، وغالطه بأن أحال على أهل دمشق. وسار جوهر وقَرُب من دمشق، فخرج إليه الهفتكين في أصحابه ومَن جمعه من العرب، وأقامت الحربُ بينهم شهرين، وقُتل من الفريقين عددٌ كثير، وظهر من شجاعة الهفتكين والغلمان الذين معه ما عَظُموا به في النُّفوس، وتَقَرَّرت لهم الهَيبةُ في القلوب، وأشار عليه أهلُ دمشقَ بمكاتبة الحسن بن أَحْمد القِرمطيّ، واستدعائه إلى الشَّام، وعرف جوهر خبره، فعلم أنَّه متى حَصل بين عدوَّين خِيفَ عليه، فرجع إلى طَبَرَيَّة. ووصل القرمطي إلى هفتكين، واجتمعا، وتعاهدا على قتال جوهر، وسارا خلفه، فسار من طَبريَّة إلى الرَّمْلَة، فأقام بها، وبعث بأثقاله إلى عَسْقَلان، وكتب إلى العزيز يُعرِّفه الصورة، ويَستأذنه إن دَعَتْه الضَّرورةُ قَصْدَ عَسْقلان. ووافى الهفتكين والقرمطي فنزلا على الرملة، ونازلا جوهرًا، وكان معهما خمسون ألفًا من الفُرسان والرَّجَّالة، وكان القتال على نهر الطَّواحِين، بينه وبين الرملة ثلاثة فَراسِخ، ولا ماءً لهم إلَّا منه، فقطعاه عن جوهر، فتَضرَّر عسكرُه، فسار إلى عَسْقلان في أول الليل، فوصل إليها في آخره، فدخل إليها، وأغلق أبوَابَها، وتَحصَّن بها. وتبعه الهفتكين والقرمطي، وحاصراه فيها، وضاقت به الميرة، وغَلَت الأسعار، وكان الوقتُ شتاءً فلم يُمكن حَملُ الأقوات في البحر، واشتدَّ الحالُ بجوهر، وأكل أصحابُه الدَّوابّ والميتة، وكان يخرج فيقاتل، فإذا وَجَد فُرصةً من الهفتكين دعاه إلى الطاعة وأرغبه، فيسترجع الهفتكين شجاعته، ويَهمُّ أن يَقبلَ منه (١)، فيَثْنيه القرمطي، وكاتب الهفتكين رجلًا يقال له: ابن الخَمَّار، وكان يُخالف اعتقادَ المصريّين ويقول: هؤلاء كفَّار ويجبُ قتالُهم.

стр. 8348

واشتدَّ الأمرُ بجوهر، فاحتال في الخَلاص، فراسل هفتكين، وسألَه القُربَ منه، فأجابه، ووقفا على فَرسيهما سرًّا، وقال له جوهر: قد علمتَ ما يَجمعُني وإياك من عصمة الإِسلام وحرمة الدين، وهذه فتنةٌ قد طالت، وأُريقت فيها دِماءٌ، ونحن المؤاخذون بها عند الله، وقد دَعوتُك إلى الصُّلْحِ والمُوادَعة، وضَمِنْتُ لك ما أردْتَ فأَبيتَ، فقال: معي في الرَّأي القرمطي، وبيني وبينه أيمان، فقال: إذا كان الأمر كذا فأنا ألتَمِسُ منك أن تأذَنَ لي في الخروج من عَسْقلان إلى مصر بمن معي، ونَسير تحت ذِمامك، وسوف ترى ما أفعل، فقال: بشرط وهو أن أُعلِّق سيفي على باب عَسقلان ورُمْحَ القرمطي، وتخرج أَنْتَ وأصحابك من تحتهما، فقال جوهر: جزاك الله خيرًا فقد تفضَّلْتَ وأحسَنْتَ، لَأَحْدِرَنَّه. وعاد الهفتكين فأخبر القرمطي فقال: ما فعلت مصلحة! ارجعْ عن هذا فإنَّها خَديعة، ودعْهم يموتون جوعًا، أو تأخذهم بالسيف فإن جوهرًا صاحب مَكرٍ وخَديعة، فقال: قد كان وحَلَفْتُ له وما أَغْدِر به. وأصبح جوهر وأصحابه، فخرجوا من تحت سيف الهفتكين ورمح القرمطي، وسار إلى مصر، واجتمع جوهر بالعزيز، وشرح له الحال، فقال: ما الرَّأي؟ فقال: أن تَخرجَ بنفسك، وإلا فإنهم وارِدون على أثَري. ففتح العزيز بيوتَ الأموال، وبرَز بالعساكر، واستصحب الذَّخائرَ وتوابيتَ آبائه، وسار جوهر على مُقدِّمته إلى الرَّمْلَة والهفتكين والقرمطي بها، فنزل العزيز وبينهما مقدار فَرسخ، والتقى الصَّفَّان والهفتكين يلعب بين الصفَّينِ بسلاحه، فقال العزيز لجوهر: أرني الهفتكين، فأراه إياه وعليه كَزاغَنْد أصفر (١)، وهو تارةً يضرب بالسيف، وتارة باللتّ، وتارةً يطعن بالرُّمح، والناس يَتحامونه، فأَعجبَ العزيزَ ما رآه من فروسيته، فانفرد العزيز، وصعد على رابِيةٍ وعلى رأسه المِظَلَّة، وأرسل رِكابيًّا إلى الهفتكين وقال: قل له: أنا العزيز، وقد أزْعَجْتَني من سرير مُلكي، وأحْوَجْتَني إلى مُباشرة الحرب، وقد عفوتُ عنك، فاترُك ما أَنْتَ عليه ولك عليَّ عهدُ الله وميثاقُه أن أصطَنِعَك، وأجعلك اِسْفَهْسَلار عسكري، وأهَبُ لك الشَّامَ بأسرها.

стр. 8349

فجاء الرِّكابيّ إليه، وأدَّى الرِّسالة، فخرج من العَسْكر بحيث يراه النَّاس، وتَرجَّل، وقبَّل الأرضَ مرارًا، ومَرَّغ خَدَّيه وقال: قل له: يَا مولاي، لو تقدَّم هذا القول منك لسارعت إلى أمرك، فالآن ليس إلَّا ما ترى، فأبلغَه ذلك، فأعاد الركابيَّ إليه وقال: قل له: يَقرُبُ مني بحيث أراه ويراني، فإن استَحْقَقْتُ منه أن يَضربَ وَجهي بالسيف فلْيَفْعل، فقال: قل لمولاي: ما كنتُ ممَّن أُشاهدُ طَلْعَتَه وأنابذُه الحرب، وقد خرج الأمرُ عن يدي. ثم حمل على مَيسرة العزيز فهزمها، فأرسل العزيز إلى الميمنة فأمرها بالحَمْلَة، وكان هو في القلب، وحمل وعلى رأسه المظلَّة، فانهزم الهفتكين والقرمطي، وقُتل من أصحابهما نحو عشرين ألفًا، وقال: مَن جاءني بالهفتكين أو القرمطي فله مئة أَلْف دينار .. وكان الهفتكين يميل إلى المُفَرِّج بن دَغْفَل بن الجرَّاح الطَّائيّ، وكان أمْرَدَ وَضيءَ الوجه، فاتَّفق أنَّ الهفتكين لما انهزم قَصدَ ساحلَ البحر ومعه ثلاثة أنفس وقد أجْهَدَه العَطَش، فلقيه المفرِّج في سَريَّةٍ من الخيل، وسقاه ماءً، فقال له: احملني إلى أهلك، فجاء به إلى قرية يقال لها: لُبْنى، فأجلسه هناك، ووَكَل به جماعة، وجاء إلى العزيز فتوثَّق منه في المال، ثم أخبره أن الهفتكين قد حَصَل في يده، ومضى، وجاء به، فأمر العزيز بأن يُضْرَب له نوبة من مَضاربه الخاص، وفَرش فيها فُرشه، وأَحضر جميع ما يحتاج إليه، وأنزله في المضرب، ولم يَشكّ أنَّه مَقتولٌ، وأمر بأصحابه الأُسَراء فضُربت لهم المضارب، وحُملت إليهم فنون الفُرُش والأطعمة، وبعث له العزيز دَسْتًا من دُسوته، فقام وقَتل الأرض، وبكى، وعَفَّر خَدَّيه في التُراب وقال: ما أستحقُّ إلَّا القتل، ولكن مولانا أبي إلَّا ما تقتضيه أعْرافُه الشَّريفة، ولم يَقْعُد في الدّست، وبعث له الخِلَع والثِّياب والتُّحَف مع الخدم، وأعلموه أن العزيزَ قد عَفى عنه. فلما كان الليل جاء العزيزُ إلى مَضْرَبِه بنفسه، فقام وقبَّل الأرض، وحثا التُرابَ على رأسه، وجعل يَبكي ويَنتَحِب، فقال له العزيز: ما نَقمتُ عليك إلَّا كوني دعوتُك إلى مُشاهدتي؛ لعلك أن تَستحي مني، فأبيتَ، والآن فقد عَفوتُ عما جرى، ورَضيتُ عنك، وسوف تَرى ما أفعلُ معك.

стр. 8350

ثم نزّل أصحابَه على مَقاديرِهم، وأسنى أرزاقَهم، ورفَع منازلَهم، واستَحْجَبه العزيز، وجعله من خاصَّته، ثم بعث العزيز النُّجُب (١) بالكُتب، فلَحِقوا الحسنَ بنَ أَحْمد القِرمطي بطبريَّة، فأعادوا عليه الرسائل، وأن العزيز قد عما عما جرى، وسأله أن يَطأ البِساط فامتنع، وتقرَّر الحالُ على أنَّه يَدخل في طاعة العزيز، وأن يحمل إليه في كل سنة سبعون أَلْف دينار، فرضي، وعَجَّل له برِزقِ سنةٍ، فأخذه، وعاد إلى هَجَر. ورجع العزيز إلى القاهرة، وأنزل الهفتكين في دار عظيمة، ونقل إليها الآلات والمال والتُّحَف، وسَلَّم إليه بابَه وحِجابتَه، وشرع الهفتكين في التكبُّر على وزير العزيز يعقوب، ولم يلتفت إليه، فدَسَّ إليه الوزير مَن سَقاه السمَّ فمات، فحزن عليه العزيز، واعتقل الوزير نَيِّفًا وأربعين يومًا، فأُنكرت الأموال فأَطْلَقَه (٢). وفي رمضان ورد تابوتُ حَمدان بن ناصر الدولة إلى بغداد، فدُفِن في مقابر قريش، وُجد مقتولًا في بعض القِلاع [ولا يُعْرَف له قاتلٌ]. وحجَّ بالنَّاس أبو عبد الله العَلَويّ. وفيها تُوفِّي أَحْمد بن جعفر ابن حَمدان بن مالك بن شَبيب، أبو بكر، القَطِيعيّ، البغدادي. ولد في المحرَّم سنة أربع وسبعين ومئتين. كان عبد الله بن الإِمام أَحْمد بن حنبل يأتي إلى منزل القَطِيعيّ وهو صغير، فيُقْعِده في حجره ويُسمعه، فتقول أُمُّه وهي بنت أخي أبي عبد الله الجَصَّاص: أَبا عبد الرَّحمن إنه يؤلمك؟ يعني: قُعوده في حجرك، فيقول عبد الله: إنِّي أُحبه. وتوفي وقد جاوز التسعين، ودُفن قريبًا من الإِمام أَحْمد ﵀ (٣).

стр. 8351

[فصل وفيها تُوفِّي تميم بن مَعَدّ ومَعَدّ هو المُعِزّ] خليفة مصر (١). كان تميم أمْيَزَ أولاده، فاضِلًا، جَوادًا، سَمْحًا، يقول الشِّعر. [وجرت له قصة عجيبة أَنْبأنا بها غيرُ واحدٍ عن عبد الوهَّاب بن المُبارك الأنماطيّ بإسناده إلى أبي علي] الحسن بن الأشكري المصري قال: كنتُ (٢) من جُلَساء الأمير تميم بن المعزّ، فبعث إلى بغداد، فاشتُرِيَت له جاريةٌ من أحسنِ النساء وأحذَقِهم بالغناء، فلمَّا وَصلت إليه دعا نُدماءه وأنا فيهم، فلما أكلْنا مُدَّت السِّتارة وهي خلفها، فأمرها بالغناء فغنَّت تقول: [من الكامل] وبدا له من بعد ما انْدَمَلَ الهَوى … بَرْقٌ تألَّقَ مَوْهِنًا لمَعَانُه يبدو كحاشية الرِّداءِ ودونَه … صَعْبُ الذَّرى مُتَمَنِّعٌ أركانُه فبَدا لِيَنْظُرَ كيف لاحَ فلم يُطِقْ … نَظَرًا إليه وصَدَّه سَجَّانُه (٣) فالنَّارُ ما اشْتَمَلَتْ عليه ضُلوعُه … والماءُ ما سَمَحَتْ به أجْفانُهُ فطَرِب تميم والجماعة، ثم أمرها بالغناء فغنت: [من البسيط] أَستودِعُ اللهَ في بغدادَ لي قَمَرًا … بالكَرْخِ من فَلَك الأَزْرارِ مَطْلَعُه [وفي رواية: أشتاقه وبودِّي لو يُودِّعُني … روحُ الحياةِ وأني لا أُوَدِّعُهُ]

стр. 8352

فاشتدَّ طَرَب تَميم، وأفرط جدًّا، وقال لها: تَمنَّي ما شئتِ ذلك مُناك، فقالت: أتمنَّى عافيةَ الأمير وبَقاءه، فقال: والله لا بدَّ أن تتمني، فقالت: على الوفاء أيها الأمير؟ قال: نعم، قالت: أتمنَّى أن أُغنِّي هذه النَّوبةَ ببغداد، فاسْتُنقع لونُ تميم وتغيَّر، وتكدَّر المجلس، وقام وقُمنا. قال ابن الأشكري: فلَحِقَني بعضُ خَدَمه وقال: ارجع إلى الأمير فهو يَدعوك، فرَجَعْتُ إليه فقال: هل رأيتَ ما امتُحِنَّا به؟ قلتُ: نعم، قال: لا بدَّ من الوَفاءِ لها، وما أَثِقُ في هذا بغيرك، فتأهَّبْ لتَحْمِلَها إلى بغداد، فإذا غَنَّتْ هناك فأرجع بها، فقلت: سَمْعًا وطاعة. فجَهَّزها في مَحْمِل ومعها جاريةٌ سوداء تَخدِمها، ومَضَينا إلى مكة، وقضينا حَجَّنا، وسِرْنا مع القافلة إلى بغداد، فلما نَزلْنا القادِسيَّةَ جاءت الجاريةُ السَّوداء فقالت: إنها تقولُ لك: أين نحن؟ قلت: بالقادسيَّة، فأخبَرَتْها، فلم ألبث أن سَمعتُها قد انْدَفَعَتْ تُغَنِّي هذه الأبيات: [من مجزوء الكامل] لما وَرَدْنا القادِسِيَّةَ حيث مُجْتَمَعُ الرِّفاق وشَممْتُ من أرضِ الحجازِ نَسيمَ أرواحِ العِراق أيقَنْتُ لي ولمن أُحِبُّ بجَمْعِ شَمْلٍ واتّفاق وضَحِكْتُ من فَرَحِ اللِّقاءِ كما بَكَيتُ من الفِراق فتصايَحَ النَّاسُ من كل مكان: بالله أَعيدي، فما سُمع لها كلمة، ونزلْنا قريةَ الياسِرِيَّة يَبات (١) النَّاس بها ويُصبحون فيَدْخلون بغداد، فلما كان وقت الصَّباح إذا بالسَّوداء قد أتَتْني مَذْعورة، فقلت: ما الخبر؟ قالت: ذهبت سِتّي فلا أدري إلى أين، فلم أُحِسّ لها أثرًا، فأقمتُ، وقَضيتُ حوائجي، ورجعتُ إليه فأخبرتُه الخبرَ، فعَظُم عليه، وما زال ذاكرًا لها واجِمًا عليها (٢).

стр. 8353

الحسن بن عبد الله ابن المَرْزُبان، أبو سعيد، السِّيرافي، القاضي، النَّحْوي. كان أبوه مَجوسيًّا واسمه بَهْزاد، فسمَّاه أبو سعيد عبد الله. سكن الحسن بغداد، ووَليَ القضاء بها، وكان مُفتنًّا في علوم القرآن، والنّحو، واللغة، والفقه، والفرائض، والكلام، والعَروض، والقوافي، والحساب، وسائر العلوم، وشرح كتاب سيبويه، وله التَّصانيف الحِسان. وجمع بين هذه العلوم والزُّهدِ في الدنيا والوَرَع، فكان لا يخرج كلَّ يومٍ إلى مجلس القضاء والتدريس حتَّى يكتبَ عشرَ وَرَقات، يأخذ أُجرتها عشرة دراهم تكون قدْرَ مؤنته منها، وكان يكتب خطًّا حَسنًا يُضاهي به خطَّ ابنِ مُقْلَة، ثم يخرج إلى النَّاس. وكان نَزِهًا عَفيفًا، وكانت وفاتُه في رجب عن أربع وثمانين سنة، ودُفنَ بمقابر الخَيزُران قريبًا من قبر أبي حنيفة، وهو ثِقَة (١). عبد الله بن محمَّد بن وَرْقاء أبو أَحْمد الشَّيباني. من أهل البيوتات، وأسرته من أهل الثُّغور. قال: أنشدنا ثعلب، أنشدنا ابنُ الأعرابي في صِفةِ النِّساء: [من الطَّويل] هي الضِّلَعُ العَوْجاءُ أنَّى تُقيمُها … ألا إنَّ تَقويمَ الضُّلوعِ انكِسارُها أيَجْمَعْنَ ضَعْفًا واقتدارًا على الفتى … أليس عَجيبًا ضَعْفُها واقتِدارُها (٢) وكانت وفاتُه ببغداد في ذي الحجة وسنُّه تسعين سنة (٣).

стр. 8354

مُحَمَّد بن محمَّد ابن يعقوب، أبو الحُسين، النَّيسابوري. من ولد الحَجَّاج بن الجَرَّاح، قرأ القرآن، وسمع الكثير، وكان عبدًا صالحًا، ثَبْتًا، حافظًا، ثقةً، صدوقًا، صنّف "العِلَل"، و"الشيوخ"، و"الأبواب". وكانت وفاتُه في ذي الحجة عن ثلاث وثمانين سنة. وكان نَسيبَ الحاكم أبي عبد الله، وأثنى عليه فقال: أبو الحسين الحجَّاجي، العبد الصالح، الصَّدوق، المثبت، كان من الصالحين المجتهدين في العبادة، صَحبتُه نيِّفًا وعشرين سنة ليلًا ونهارًا، ما علمتُ أن الملائكةَ كتبت عليه خطيئةً، رحمة الله عليه (١).

стр. 8355

السنة التاسعة والستون وثلاث مئة فيها لما عاد عضد الدولة إلى بغداد من الموصل وقد استولى على بلاد أبي تَغْلب بن حَمدان وأمواله وذَخائره؛ سأل الطائعَ أن يُجدِّدَ له العَهْد، ويَخلَع عليه، فجلس على سريره، واحتفل له، وخلع عليه كما خلع في أول مرة وزيادة، فقال أبو إسحاق الصابئ على البَديه وهو مسجون: [من المنسرح] يَا عَضُدَ الدولةِ الذي عَلِقَتْ … يداه من فَخره بأعْرَقهِ لَبستَ للمُلْك تاجَ مِلَّتِه … فحُزْتَ من غَربه ومَشْرِقهِ أَحْرَزْتَ منه الجَديدَ في عُمُرٍ … أطاله الله غيرَ مُخْلِقِه يَلوحُ منك الجَبينُ مُبْتَهِجًا (١) … لِحاظُنا من ضياء رَوْنَقِهِ كأنه الشَّمسُ في إنارتها … ويُشبه البَدْرَ في تألُّقِهِ لما رأيتُ الرجال تُنْشِدُه … من كُلِّ فَحْلِ القَريضِ منطقه (٢) فقال لي خاطِري أتَطمَعُ أن … تُساجِلَ البَحْرَ في تَدَفُّقِهِ خَفِّفْ وأوجِزْ فقلتُ مُخْتَصِرًا … للقولِ في جِدّه وأَصْدَقِهِ يَفتَخِرُ النَّعْلُ تحت أَخْمَصِهِ … فكيف بالتَّاجِ فوق مَفْرِقِهِ قلت: ذكرُ النَّعلِ والتَّاجِ واقترانهما غيرُ مُسْتَحْسَن (٣). وفي المحرَّم تُوفِّي أبو الحسن عمران بن شاهين صاحب البَطيحَة فُجاءة. وفي صفر قُتل أبو تغلب بن ناصر الدولة. وفيها قَبض عضد الدولة على الشَّريف أبي أَحْمد الحسين بن موسى الموسويّ وأخيه أبي عبد الله أَحْمد، وقُلِّد أبو الحسن علي بن أَحْمد بن إسحاق العَلويّ نقابةَ الطَّالبيين ببغداد وواسِط، وقُلِّد أبو الفتح أَحْمد بن عمر بن يحيى نقابتهم بالكوفة، وأبو الحسن أَحْمد بن القاسم المُحَمَّدي نقابتهم بالبصرة والأهواز، وحَدَر بالشَّريفين أبي أَحْمد وأخيه إلى بعض قِلاعِ فارس، فاعتُقلا فيها.

стр. 8356

واحتجَّ عضد الدولة على أبي أَحْمد بأشياء منها: أنَّه أخرج خَطًّا مُزَوَّرًا عليه إلى أبي تغلب بإفشاء سِرٍّ كان بينه وبين عضد الدولة، فقال له: ائتمنَّاك على سِرِّنا فأفشَيتَه إلى عدوِّنا، فقال: أما الخطُّ فوالله ما كتبتُه، ولا أفشَيتُ لك سرًّا فقال: بلى، وخنتني في العقد الجوهر الذي بَذَله بختيار في الغُلام، فقال: والله ما خُنتك؛ لأنك رضيتَ بالجاريتين، فما جاز لي أن أخونَ بختيار. وأما أَحْمد أخو الشريف فما كان له ذَنبٌ، وإنما اختار أن يكون مع أخيه وقال: والله ما أُفارق أخي، فاعتُقلا. وفيها قَبض عضد الدولة على أبي محمَّد عُبيد الله بن مَعروف القاضي، وأنفذه إلى فارس، فاعتقله في قلعة، وقُلِّد قضاء القُضاةِ مكانه أبو سعد بِشرُ بن الحسين -وكان شيخًا كبيرًا- وكتب عهده من الطائع، وردَّ إليه أمرَ القُضاةِ بأسرهم، منهم: أبو محمَّد عبد الله بن محمَّد بن [عبد الله بن] إبراهيم بن الأكفاني (١)، كان على مدينة أبي جعفر، ومحمَّد بن عبد الله بن صُبَر على الرُّصافَة من باب الشمَّاسية إلى المُخَرَّم، وأبو محمَّد العُثماني على مدينة الشَّرقية، وأبو بكر بن عبد الله بن الأزرق على جسر النَّهْرَوان وطريق خُراسان، وأبو الحسن عبد العزيز بن أَحْمد الخَرَزي حَريمَ دار الخلافة وما يليها، وأبو إبراهيم إسماعيل بن الحسن العَلَوي واسطًا وما يليها، وأبو العباس المنصوري أرَّجان ورامَهُرْمُز ونواحيها، وأبو حازم علي بن عبد الله بن مكرم الأنبار وطريق الفُرات، وأبو بكر أَحْمد بن أبي موسى الهاشمي ديارَ ربيعة، ونَصِيبين، وبَرْقَعيد، وكَفَرْتُوثا، ودارا، ورأسَ عين، والخابور، وطُورَ عَبْدين ونحوهما (٢)، وأبو تمام عبد الكريم بن عليّ بن أبي حُصين المَوْصل وأعمالها، وأبو محمَّد عبد الله بن محمَّد بن عُقبة الرَّحْبَة، والدَّالية، وقَرْقِيسِيا، وعانة، والرَّقَّة ونواحيها (٣)، وأبو بكر

стр. 8357

عبد الله بن الحسين بن إسماعيل المَحامِليّ ديارَ بكر وهي: آمِد، ومَيَّافارِقين، وأَرْزَن، وبَدْليس، وخِلاط ونواحيها وغير ذلك. ذكر ما جرى للقاضي عُبيد الله بن مَعروف مع عَضُد الدَّولة: قال أبو علي المُحَسِّن التَّنوخيّ: أراد عضد الدولة أن يجمع مجلسًا فيه القضاةُ والشُّهود والفقهاء والوجوه، وإحضار ابنِ مَعروف وتفسيقَه بحضرتهم، فقلت له: يَا مولانا، الرَّجل وَقاح، وقد يئس من نفسه، وربما أجاب جوابًا يُحفظ ويُحفظ عنه، وهو أقلّ من أن تَبلُغَ به هذا، فسكت -ومعنى يحفظ عنه: أنَّه يُفَسّقُ عضد الدولة. قال ابن معروف: لما حَبسني عضد الدولة أرسل إليَّ يقول: إنَّا أحسَنَّا إليك حالًا بعد حال إحسانًا لم يقع منك رعايةٌ له؛ لما قَدِمنا إلى الحضرة في سنة أربع وستين وثلاث مئة وجَدْناك مَصروفًا، وضُرب أخوك بالسِّياط، وشُهر على الجِمال، وتُعُوِّضَ منك بأبي الحسن محمَّد بن صالح الهاشمي الذي من صفته كذا وكذا … ومَدَحه، فرَدَدْناك إلى العمل، وأعَدْنا من جاهك ما سَقط وبَطَل، وبَلَّغنا إقطاعَك في كلّ سنة مئةً وأربعين أَلْف درهم، وما ارتَزقها قاضٍ قبلَك، وانصرَفْنا من العراق فصِرت من المُجْلِبين علينا، وكان بختيار وابنُ بقية يَذكرانا في مجالسهما ذكرًا يتجاوزان الأدب به فتُساعدهما عليه، وتشاركهما فيه. ووردنا ثانيًا فحَضَّرتَ (١) رسالة من الخليفة قلت: مولانا أمير المُؤْمنين يأمر سيّدنا الملك بكذا وكذا، تقصيرًا لنا، ثم دخلتَ إلى حضرتنا بخُفِّ ديباجٍ أصفر مُستهينًا بأمرنا، ثم أمرناك أن تَستخْلِف أَبا بكر بن صُبَر فقلت: لا يَصلح، وراجعْناك وقلنا: لمَ لا يَصلح؟ فقلت: لأني قلتُ لا يَصلح، ثم لما قَبَضْنا عليك وَجَدْنا في بيتك الملاهي مما لا يكون مثلُه في دور القضاة وأهل التَّصَوُّن، وقيل لنا: إنك تجلس في مجلس الحُكم وأنت جُنُب، وتَشرب النَّبيذ وأنت غير مُتحاشٍ ولا مُحْتَشِم، وتَحضُر مجالسَ بختيار وابن بقية وتسمع أغانيهما، وتدخل معهما في هَزْلهما ولَهْوهما، ومَن كان بهذه الصفة لا يَصلُح أن يكون أهلًا للقضاء.

стр. 8358

فقلت للرسول: كلُّ ما ذكر مولانا فقد حُرِمت فيه التوفيق، وفارقتُ فيه الصَّواب، وفي عفْوِ مولانا الملك ما يدعو إلى مُسامحتي والصَّفح عني؛ فقال لي الرسول: قد قال لي الملك أنك ستُجيب بهذا الجواب، وأمرني أن لا أَقْنَع منك إلَّا بالجواب عن كلِّ بابٍ، فقلت: أخاف أن أقولَ قولًا يَتجدَّد لي به ذنبٌ مُستأنَف، فإن كنتُ آمنًا من ذلك قلتُ. فمضى الرسول وأخبره فقال: هو آمن، فرجع إلى وقال: أَنْتَ آمِن، قل ما عندك، فقلت: أما قول مولانا الملك: إنِّي كنتُ مَصروفًا فأعادني إلى العمل؛ فما كنتُ مصروفًا، وإنما امتنعتُ من النَّظَر، وسألني بختيار وابن بقية المُقام عليه فأَبيت. وأما تفضُّلُ مولانا في تقليدي فما أَدفعُه. وأما زيادتُه في إقطاعي فإنَّه قال لي وقد أخرجني إلى الخليفة: رُدَّه بلُطفٍ ونُقابلك عليه من الإحسان بما تؤثره، فبذَلْتُ في الخدمة جُهدي، حتَّى انتهى الأمر إلى المراد، فأنعم علي بزيادة الإقطاع مما أنا مُعترفٌ بالنِّعمةِ فيه، وشاكر عن المنَّةِ به. وأما حضوري مجالسَ بختيار وابن بقية فوالله ما شاركتُهما في قولٍ قالاه، ولا كان ذلك مما يَسوغُ لمثلي. وأما قولي في رسالة الخليفة: سيدنا الملك؛ فإن سيدنا أعظم من مولانا. وأما لُبسي الخفَّ الديباج فهو أعظم من دخولي على الحضرة بخفٍّ من جلود. وأما ابن الصُّبر فأنا مَوسومٌ بأمرٍ لا يجوز لي فيه إلَّا الصِّدقُ. وأما ما وُجد في داري من الملاهي؛ فقد كنتُ ابتعتُ جَواري ولم أدرِ ما كان معهنّ، وهن اليوم عندكم، فسَلوهنَّ هل استدعيتُ أحدًا منهن إلى مَلهاة. وأما جلوسي في مجلسِ القضاء جُنبًا فوالله ما فعلتُه، ولو فعلتُه لجاز حُكمي بإجماع الأُمّة. وأما شُربُ النَّبيذ فإنني رجلٌ حَنفيّ أعتقد شُرْبَه حلالًا، وهذا جواب عن الفضول، ومع هذا فيسَعُني عفوُ مولانا الملك.

стр. 8359

فلما أعاد الأجوبةَ إلى عضد الدولة قال: قد علمنا أنَّه سيُجيب. ثم أمر بحَمْلِه إلى قلعةٍ بفارس، وكان قَبْضُه عليه في صفر هذه السنة، فأقام محبوسًا إلى أن أطلقه شرف الدولة عند انتقال المُلْكِ إليه. وكان عضد الدولة يظنُّ أن الطائعَ يَنزعج بقبضه عليه لكونه كان خَصيصًا به، فأرسل عضد الدولة مع ابن الحاجب النعمان إلى الطائع يُعَرِّفُه ذنوبَه، ويقول: نَزَّهْتُ مولانا أمير المُؤْمنين أن يَنتسب إلى خدمته مثلُه، فقال: نِعْمَ ما فعلتَ. وفيها جَهَّز عضد الدولة أَبا القاسم المُطَهَّر بن عبد الله إلى البَطيحة لقتال أبي محمَّد الحسن بن عمران بن شاهين، وكان قد قام مقام والده عمران لما مات، فقيل لعضد الدولة: إن الحسن لا يُقيم البطيحة بعد أَبيه، فخلع عضد الدولة على المُطَهَر، وجهَّزه بالمال والرجال والقوَّاد، فاستخلف ببغداد على الوزارة أَبا الرَّيَّان حمد بن محمَّد، فقطع المُطهّر الأنهار وسدَّ أفواهَها، وعمل المُسَنَّيات الموصلة إلى التلال والمعاقل، وأطلق المال الكثير. وكان البَطائحيون يُفسدون ما كان يعمل، وكانوا يَخرجون فيقاتلون العَسكر، وكلما سدَّ مكانًا فتحوه، فأقام شهورًا كثيرة، ونَفَقت الأموال، وتضاعفت المؤن، وكتب إليه عضد الدولة يَستبطئه، ويَنسبه إلى العَجْز، فخاف، وضاق صدرُه من طول المقام، وقد (١) افصدني. فقال: أَنْتَ قريبُ عهدٍ بالفَصْد، فشتمه وطَرده، وأخذ سكينًا فقطع رواشن (٢) ذراعيه، فاستصفى ومات، وحُمل إلى بلده كازَرون، فدُفن به، واضطرب العَسكر، وبعث أبو محمَّد الحسين بن عمران يطلب العَفْوَ من عضد الدولة، وأن يَحمل إليه ما لا قرَّره عليه، فأجابه، وأعاد العسكر إلى بغداد (٣). وفيها تزوَّج الطائع بنتَ عضد الدولة الكبرى، وعُقد العقدُ بحضرة الطائع على صَداقٍ مَبلغُه مئتي أَلْف دينار، وكان الوكيل عن عضد الدولة في العقد أبو علي الحسن بن أَحْمد الفارسيّ النَّحويّ، والخطيب القاضي أبو علي المُحَسِّن بن عليّ التَّنوخيّ.

стр. 8360

وفي شعبان وَرد رسولُ العزيز صاحب مصر إلى مُحَمَّد الدولة، ويكنى بأبي الوليد، وما زالت كتُبه تتواتر حتَّى أجابه عضد الدولة بصِدْقِ الطَّويَّة، وإخلاصِ النية. وذكر ابن الصابئ ما يدلّ على أن مُحَمَّد الدولة ابتدأه بالرسالة فقال: وقفتُ على هذا الكتاب وفيه: من عبد الله وليّه نزار أبي المنصور الإِمام العزيز بالله أمير المُؤْمنين إلى مُحَمَّد الدولة الإِمام ونصير ملَّة الإِسلام أبي شُجاع بن أبي علي: سلامٌ عليك، فإن أمير المُؤْمنين يَحمد إليك الله الذي لا إله إلَّا هو، ويسأله الصلاةَ على جدِّه محمَّد رسول رب العالمين، وحُجَّة الله على الخلق أجمعين، صلاةً باقيةً ناميةً مُتَّصِلةً دائمةً بعترتِه الهادِية، وذُرِّيتِه الطيبة الطاهرة. وبعد: فإن رسولك وصل إلى حضرة أمير المُؤْمنين مع الرسول المُنْفَذ إليك، فأدَّى ما تحمَّلَه عنك من إخلاصك في ولاء أمير المُؤْمنين ومَودَّته، ومعرفتك بحقِّ إمامته، ومحَبَّتك لآبائه الطائعين الهادين المهديين، فسُرَّ أمير المُؤْمنين بما سمعه عنك، ووافق ما كان يَتوَسَّمه فيك، وأنك لا تعدل عن الأحقِّ والأولى، والأفضل والأحرى، إلى الأَرذَل والأدنى … وذكر كلامًا في هذا المعنى وقال: وقد علمتَ ما جرى على ثغور المسلمين من المشركين، وخرابَ الشَّام وضعف أهله، وغلاءَ الأسعار، ولولا ذلك لتوجَّه أمير المُؤْمنين بنفسه إلى الثُّغور، وسوف يُقدِّم الخِيَرة، وكتابُه يَرد عليك عن قريب، فتأهَّب للجهاد في سبيل الله. وذكر كلامًا هذا معناه وفي آخره: وكتب يعقوب بن يوسف عبد مولانا أمير المُؤْمنين. وكتب إليه عضد الدولة كتابًا يَعترِفُ بفضل أهل البيت ﵈، ويُقرُّ للعزيز بأنه من تلك النَّبْعةِ الطَّاهرة، وأنه في طاعته، ويُخاطبه بالحَضْرة الشَّريفة وما هذا معناه (١). وحج بالنَّاس أبو الفتح أَحْمد بن عمر بن يحيى العَلويّ.

стр. 8361

[فصل] وفيها تُوفِّي أَحْمد بن زكريا بن فارس أبو الحُسين، اللُّغوي (١). صاحب كتاب "المُجمل" في اللغة، وله التصانيفُ الحِسان. وكان عالمًا بفنون العلوم، [ولكن غلب عليه علم اللغة،] وروى عنه الأئمة وكانت وفاته ببغداد. أَنْبأنا غير واحدٍ عن أبي الفضل محمَّد بن ناصر قال: أنشدنا أبو زكريا الخَطيب التِّبريزي لابن فارس عند موته (٢): [من البسيط] يَا ربِّ إنَّ ذُنوبي قد أحطْتَ بها … عِلمًا وبي وبإعلاني وإسراري أنا المُوحِّد لكني المُقِرُّ بها … فهَبْ ذنوبي لتوحيدي وإقراري [ومات بعد يومين.] وفيها تُوفِّي أَحْمد بن عطاء ابن أَحْمد بن محمَّد بن عطاء، أبو عبد الله، الرُّوْذَباريّ، ابن أخت أبي علي الروذباري، شيخ الشَّام في وقته (٣).

стр. 8362

[سكن صُور، وأثنى عليه الأئمة، فقال أبو عبد الرَّحْمَن السُّلَميّ:] كان يرجع إلى أحوالٍ اختصَّ بها، وأنواعٍ من علوم الشريعة، منها: علم القرآن (١)، والحديث، والحقائق، وتعظيم الفقر وصيانته، ومحبّته للفقراء والرفق بهم، وأخلاق في التجريد يُربي على أقرانه فيها. [وقال القشيري في "الرسالة": هو شيخ الشَّام والصّوفية في وقته.] نشأ ببغداد، وأقام بها مدَّةً، ثم انتقل إلى الساحل فأقام بصور. [ذكر طرف من أخباره: حكى ابن خميس عنه في "المناقب" والقشيري] قال: كنتُ راكبًا على جمل، فغاصت رِجلُه في الرَّمل فقلتُ: جلَّ الله، فقال الجمل: جلّ الله. وكان إذا دُعي إلى دعوة في دور بعض السُّوقة أطعم الفقراء طعامًا طيبًا؛ لئلَّا يَمدُّوا أيديَهم إلى طعام الدَّعوة إلَّا بالتَّعَزُّز، حفظًا لجانب الفقراء لئلا يُنسبوا إلى الشَّرَه، فيأثم النَّاسُ بطريقهم. [قال: ودعاه رجل إلى دعوة، فحضر ومعه الفقراء، فلما خرجوا قام يمشي في أثرهم،] فاجتاز برجلٍ وهو يقع في الفُقراء ويَشتُمهم، فقال له: إيش بينك وبينهم؟ قال: استقرض مني واحدٌ منهم مئة درهم ولم يَرُدَّها علي، ولا أعلم له مكانًا، فبعث إليه الشيخ بمئة درهم، وقال الرسول: هذه من الفقير الذي استَقْرَضَها منك، وكان له عُذْرٌ في تأخيرها عنك. ثم اجتاز بعد ذلك بذلك الرَّجل وهو يَمدح الفقراء ويقول: هؤلاء السَّادةُ الصُّلَحاء. [حكى السُّلَمي وابن خميس عنه قالا:] دخل يومًا دارَ بعضِ أصحابه، فرأى فيها بيتًا مُقفَلًا، فقال: صوفي له بيتٌ مُقفَل، فكسر القُفل، وأمر ببيع كلِّ ما في البيت، وعَمِل بثمنه دعوةً للفقراء، وجاء صاحبُ البيت، فدخل فلم يجد فيه شيئًا، وجاءت زوجتُه بعده وعليها كِساء، فدخلت بيتًا وقالت: يَا أصحابنا، هذا الكِساء من مَتاع

стр. 8363

البيت المُقْفَل فبيعوه، فقال لها الزوج: لمَ فعلتِ هذا؟ فقالت: اسكت، مثلُ الشيخ يُباسطنا ويَحكم علينا ونَدَّخِر عنه شيئًا. [ذكر نبذة من كلامه: حكى عنه في "المناقب" أنَّه] سئل عن القَبْض والبسط فقال: القَبضُ أوّلُ أسباب الفناء، والبسط أول أسباب البقاء. وقال: الذَّوقُ أولُ المواجِد، فأهلُ الغَيبة إذا شربوا طاشوا، وأهل الحضور إذا شربوا عاشوا. وقال: أقبحُ من كلِّ قَبيح صوفيٌّ شَحيح. وقال: من قَلَّت آفاتُه اتَّصلَت بالحقّ أوقاتُه. وقال: مُجالسةُ الأضداد ذَوَبان الرُّوح، ومجالسة الأشكال تَلقيحُ العقول. وأنشد له في "المناقب": [من الطَّويل] فما مَلَّ ساقِيها وما مَلَّ شارِبٌ … عُقارَ لِحاظٍ كأسُها يُسْكِرُ الُّلبَّا يَدوُر بها طَرْفٌ من السِّحْرِ فاترٌ … على شَكْلِ (١) نُورٍ ضَوؤه يَخطِفُ القَلْبا تُشيرُ بلَحْظٍ يَحجِبُ الخال حُسْنُه (٢) … تجاوزْتَ يَا مَشغوفُ في حالِكَ الحُبَّا فسُكْرُكَ من لَحْظي هو الوَجْدُ كلُّه … وصَحْوُكَ من لَفْظي يُبيحُ لك الشُّرْبا [وحكى الخَطيب عنه أنَّه] قال: مَن خرج يريد العلم لم ينفعه العلم، ومَن خرج إلى العلم يُريد العملَ بالعلم نفعه قليل العلم. وأنشد له الخَطيب: [من الطَّويل] إذا أنتَ صاحَبْتَ الرِّجال فكن فتًى … كأنَّكَ مَملوكٌ لكلّ صَديقِ وكنْ مثلَ طَعْمِ الماءِ عَذْبًا وبارِدًا … على الكَبِدِ الحَرَّى لكلّ رَفيقِ ذكر وفاته: [حكى الخَطيب عن أبي عبد الله الصُّوري قال: تُوفِّي أَحْمد الرُّوذَباري] بقرية بين عكا وصور يُقال لها: مَنْوات في ذي الحجة من هذه السنة، فحُمل إلى صور فدفن بها.

стр. 8364

وقيل: إنه وَقَع من سَطْحٍ فمات، وقيل: مات فجأة. [وقد وهم أبو نعيم فقال (١): مات سنة تسع وخمسين وثلاث مئة، وهو يعقد (٢). أسند عن القاضي المحاملي، وابن الزبرقان، وأبي بكر بن أبي داود وغيرهم. وروى عنه أبو الحسن بن جُميع، وأبو الحسن علي بن جَهْضَم، وأبو عبد الله محمَّد بن عبد الله بن باكويه، وآخرون]، وأجمعوا عليه. الحسين بن عليّ أبو عبد الله، البَصريّ، ويعرف بالجُعَل. سكن بغداد، وكان من شيوخ المعتزلة، وصَنَّف على مذاهبهم، وتوفي يوم الجمعة لليلتين خلتا من ذي الحجة، وفُجِع به عضد الدولة لأنه وإن مُقدَّمًا عنده، ونازلًا في ألطَفِ منزلة منه. وكان من وجوه المتكلِّمين ومُبَرِّزيهم، ومَن له المعرفة والدولة فيهم. وكان عضد الدولة يَرى رأيَ المعتزلة، وظهروا في أيامه، وجلسوا في الجوامع، ولما قيل لعضد الدولة: هذا مَذهبٌ قد دَثَر فقال: رأي رأيُ أبي عبد الله البَصري، فلما مات عضد الدولة تَفرَّقوا ولم يجتمعوا خوفًا من العامة (٣). [فصل وفيها تُوفِّي عبد الله بن محمَّد الرَّاسِبيّ بغداديّ الأصل، من كبار المشايخ وأرباب المعاملات. [ذكر في "المناقب" أنَّه] قال: القلبُ إذا امتُحن بالتَّقوى نُزع عنه حبُّ الدنيا والشَّهوات، وأُوقفَ على المُغَيَّبات. وقال: المحبَّةُ إذا ظَهرت افتُضِحَ المحبُّ، وإذا كُتِمتْ قَتَلَتْ، وأنشد: [من الكامل] ولقد أُفارقُه بإظهارِ الهوى … عَمْدًا ليَسْتُرَ سِرَّه إعلانُه

стр. 8365

ولَرُبَّما كَتمَ الهوى إظهارُه … ولربَّما فَضَح الهوى كِتْمانُه عِيُّ المُحِبِّ لدى الحبيبِ بَلاغَةٌ … ولربَّما قتلَ البَليغَ لسانُه كم قد رأينا قاهرًا سُلطانُه … للناسِ ذَلَّ بحِبِّه سُلطانُه وقال: خلق الله الأنبياء للمجالسة، والعارفين للمُواصَلة، والمؤمنين للمُجاهَدة. وقال: أعظمُ البَلاء صُحْبتُك لمَن لا يُوافِقُك، ولا تَقدِرُ على تَرْكِه. وقال: أعظم حِجاب بينك وبين الحق اشتغالُك بتدبير نفسك، واعتمادُك على عاجزٍ مثلك في أسبابك. [صَحِب الرَّاسبي ابنَ عطاء والجَريري، ودخل الشَّام، ثم عاد إلى بغداد فتوفي بها في هذه السنة.] (١) أبو تَغْلِب الغَضَنْفَر قد ذكرنا سيرته وأيامه على ترتيب السنين، ولما استولى عضد الدولة على الموصل، وديار ربيعة، وقلاع ابن حَمدان، انهزم إلى خَلاط، وقصد أرْزَن الرُّوم، فلَحِقه عسكرُ عضد الدولة مع أبي الوفاء، فحاربه، فأسر أبو السَّرايا أَبا تغلب، وبعث به إلى عضد الدولة، فقتله في صَفَر. قال المصنّف ﵀: وهذا لا يصحّ، والأصح أن أَبا تغلب لما استولى عضد الدولة على بلاده هرب إلى دمشق مُسْتَنجِدًا بصاحب مصر، وبدمشقَ عَيَّارٌ يقال له: قَسَّام قد استولى عليها وتحصَّن بها، وخالف على صاحب مصر، فلم يُمَكِّنه من دخولها، فنزل ظاهرَها، ثم ارتفع إلى نَوى، وفارقه أبو الغِطريف ابنُ عمّه، وصار إلى عضد الدولة فأكرمه. وبعث أبو تغلب كاتبَه إلى صاحب مصر يَستنجِد به، فجاء الجواب: يَحضر البِساط وعندنا كل ما يُريد، فامتنع، ورحل من نوى فنزل كَفَر عاقِب، وفارقه أخوه أبو طاهر إبراهيم باتِّفاقٍ منه، وصار إلى عضد الدولة.

стр. 8366

وبعث صاحب مصر غلامًا له يقال له: الفضل لحصار دمشق، فاجتمع به أبو تغلب وكانا على ظهور خيولهما، ووعده الفضل عن صاحب مصر بكلِّ خير، وسأله المسير إلى دمشق فامتنع، وسار الفضل إلى دمشق فلم يتمّ له أمر، فعاد. وكان بالرَّمْلَة المُفَرِّج بن دَغْفَل الطَّائيّ قد استولى عليها، فسار إلى بني عُقيل ليواقِعَهم، فلجؤوا إلى أبي تغلب فأجارهم، وحشد المفرّج والفضل، وسار إليهم أبو تغلب على باب الرملة يوم الخميس لليلةٍ بقيت من صفر، فانهزمت بنو عُقيل، وضَعُف أمر أبي تغلب، وفارقه مَن بقي معه من الأتراك إلى العراق، وبقي من غِلمانه الحَمَدانية سبعُ مئة فارس، فقاتل، فضرب بعضُ الصعاليك فَرسَه من ورائه فوقع، فأخذه المفرّج أسيرًا، فشدَّ يديه ورجليه بسِلسلةٍ على ناقة، وأضمر أنَّه يُبقي عليه، وسمع به الفضل فجاء ليأخُذَه من المفرّج، فامتنع من تسليمه وقال: تُريد أن تتقرَّب به إلى صاحب مصر؟! فأناخ الناقةَ، وضربه بيده بسيفه حتَّى قَتله، وجاء بعض الأعراب فقطع يديه ورجليه؛ لأنه كان قد فعل بولَدٍ له كذلك. وأخذ الفضل رأسَه، وسار به إلى مصر، وبعث المفرج بأُخته جميلة وعياله إلى حلب، فبعث بها ابنُ سيف الدولة إلى عضد الدولة، فحُبِست في دار المملكة، وأخذ الله بالثأر لناصر الدولة وأولاده من أبي تغلب، وصار عِبرةً للعالمين، وبيتُ الظَّالمِ خراب ولو بعد حين (١). محمَّد بن صالح ابن عليّ بن يحيى بن عبد الله، أبو الحسن، القاضي، القُرَشيُّ، الهاشمي، العباسي، ويعرف بابن أمِّ شَيبان. أصله من الكوفة، وأمُّ شَيبان هي والدة يحيى بن عبد الله جدِّ أَبيه، اسمها كُنيتها، وهي بنت يحيى بن محمَّد بن إسماعيل بن محمَّد بن يحيى بن زكريا بن طلحة بن عبيد الله التَّيمي، وأمُّ زكريا بن طلحة أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق ﵁.

стр. 8367

وُلد محمَّد يوم عاشوراء سنة أربع وتسعين ومئتين، ووَلَدَه ثلاثة من الصَّحَابَة: أبو بكر وطلحة ﵄ والثالث لم يُسمّه، والأصحُّ اثنان. قدم به أبوه بغداد من الكوفة سنة إحدى وثلاث مئة، وقرأ القرآن، وسمع الحديثَ الكثير، وتففه على مذهب مالك. وكان عاقلًا، مُتميِّزًا، كثيرَ التَّصانيف. قال الخَطيب: ولا أعلم قاضيًا تقلَّد القضاءَ من بني هاشم بمدينة السلام غيرُه. وكان عضد الدولة يقول: ما وقعتْ عَيني على أحدٍ من أهل بغداد يَستحقُّ التَّفضيلَ سوى رجلين: ابن أم شَيبان، ومحمَّد بن عُمر العَلوي، وهما من أهل الكوفة لا من أهل بغداد. مات ابنُ أم شيبان فجأة في جُمادى الأولى، واتَّفقوا على فضله وصدقه (١). محمَّد بن عليّ بن الحسن أبو بكر، التِّنِّيسِيّ. سمع منه الدارقطني بتِنِّيس (٢)، ورآه وحده فقال: يَا أَبا بكر، ما في بلدك مسلم؟! قال: بلى، ولكنهم اشتغلوا بالدنيا عن الآخرة.

стр. 8368

السنة السبعون وثلاث مئة فيها خرج عضد الدولة إلى هَمَذان فأقام بها، وقدم عليه الصاحب إسماعيل بن عبَّاد من عند أخيه مؤيَّد الدولة من الريّ، فخرج عضد الدولة للقائه بعيدًا عن همذان، وبالغ في إكرامه واحترامه، وأمر أربابَ الدولة بالتردُّد إلى خدمته كلَّ يوم، وتمارض فجاء عضد الدولة إلى عيادته مرَّتين، وكلّ ذلك فعله تأنيسًا لأخيه مؤيد الدولة. وورد كتاب مؤيَّد الدولة يستطيل مقامَ الصَّاحب، ويذكر اضطرابَ الأمور بغيبته، فخلع عليه عضد الدولة الخِلَع النَّفيسة، وحمله على الخيل العِتاق بمراكب الذهب، وأقطعه إقطاعاتٍ جليلةً، وسار إلى مؤيَّد الدولة في ربيع الآخر. وعاد عضد الدولة إلى بغداد بعد أن هَذَّب الجَبَل، وقبض على جماعةٍ من الأكراد، وأخذ قلاعَهم، فنزل النَّهْروان حادي عشر جُمادى الآخرة يوم الأربعاء، والتمس من الطَّائع أن يتلقَّاه. قال ابن حاجب النُّعمان: لم تكن العادةُ جاريةً بتلقِّي الخلفاء للأمراء، وإنما فتح هذا الباب المطيع، لما ماتت أختُ مُعزِّ الدولة ركب المطيع إليه، فعزاه فيها، فطَمِع الأمراء في الخلفاء، فلما نزل النَّهْروان أرسل أَبا الحسن محمَّد بن عُمر العَلويّ إلى الطائع، فوافى بابَ دار الخلافة نصفَ الليل، فقال أصحاب النَّوبة: لا سبيلَ لك إلى الوصول إلى الخليفة، فقال: طالعوه بأني جئتُ في مُهمّ، فأخبروا الخدم، فأمر الطائع بإحضاره، قال: فقبَّلتُ الأرضَ بين يديه وقلتُ: يَا مولانا أمير المُؤْمنين، قد وصل هذا الملك، وهو من الأكابر المُعَظَّمين، والملوك المُفَخَّمين، وقد أمَّل من مولانا أن يُميّزه على مَن تقدَّمه، ويُشرِّفه باستقباله الذي يُنبي عن جميلِ الرأي فيه، فقال الطائع: نحن على ذلك عازمون، وله مُعتَقدون. وقيل: لم يكن للطائع نيَّةٌ في ذلك، وإنما لم يَقدِر على الامتناع، فأظهر المنَّةَ ابتداءً منه. وعاد محمَّد إلى عضد الدولة فأخبره فقال: هذه خدمةٌ قد أحسنتَ المقام فيها، وبقيت أخرى لا أعرف لها سواك، قال: وما هي؟ قال: تمنع العوامّ غدًا عند لقائنا من

стр. 8369

الدُّعاء والصِّياحِ، فقلت: يَا مولانا، بلدٌ قد غبتَ عن أهله زمانًا، ونفوس أهله متطلِّعة إليك ثم تُريد منهم السُّكوت!؟ فقال: ما أعرف ذلك إلَّا منك. وكان أهل بغداد قد تلقَّوْه بالكلام الفاحِشِ في نَوْبة عزِّ الدولة، فما أحبَّ أن يَدعوا له بتلك الألسُن. قال محمَّد العلوي: فدعوتُ أصحابَ المعونة وقلت: قد أمر الملك بكذا وكذا، فأشيعوا أن في مُقابلةِ ذلك ضَرْبَ الأعناق، فأشاعوه، ووقفت الغلمانُ في الأماكن واحتَرزَت، فلما دخل بغداد لم يَنطق أحدٌ بحرف، فعجب من طاعة العوام للعلوي وقال: هؤلاء أضعافُ جُندنا وقد أطاعوه، فلو أراد بنا سوءًا لأوقعه، ثم عَزم على مُصادرته، فنظر في روزمانجات حسابه أَلْف أَلْف درهم باسم العلوي في معاملاته، فقبض عليه، واستولى على أمواله (١). وهذا محمَّد العلوي هو الذي كان عضد الدولة يَشكره ويقول: ما رأيتُ في بغداد سوى رجلين: العلوي وابن أُمِّ شَيبان، وكان هذا فعلُه معه فكيف بمن لا يَشكره، وما عسى العوام أن يفعلوا؟! وإنما جعل ذلك وسيلةً إلى استئصاله وأخذِ ماله. وبعد دخول عضد الدولة بغداد زُفت إلى الطائع ابنتُه، وحُمل معها من الحليّ والجواهر والثياب والأمتعة ما لم يُحمل مع غيرها (٢). وفيها غَرِقت بغدادُ من الجانبين، وأشرف أهلُها على الهلاك، ووقَعت القَنْطَرَتان اللَّتان على الصَّراة، فغَرِم على بنائهما أموالًا كثيرة، وحجَّ بالنَّاس أبو الفتح أَحْمد بن عمر العلوي، وخُطب بمكة والمدينة لصاحب مصر، ولم يُذكر الطائع. [فصل وفيها تُوفِّي أَحْمد بن سعيد بن سعد أبو الحسين، البغداديّ، وكيل دَعْلَج بن أَحْمد. سمع الكثير، وكان زاهدًا عابدًا، خرج حاجًّا من بغداد فتوفي بمكة، وقيل: بين المكة والمدينة في المحرم.

стр. 8370

حدَّث عن عبد الكريم بن أبي عبد الرَّحْمَن النَّسائيّ، عن أَبيه بكتاب "الضعفاء والمتروكين"، قال الخَطيب: وحدثناه عن البرقاني، وروى عنه الدارقطني هذا الكتاب وغيره. وكان صالحًا ثِقَة.] (١) وفيها تُوفِّي أَحْمد بن عليّ أبو بكر، الرَّازيّ، الإمام، الحَنفي. ولد سنة خمس وثلاث مئة، وهو إمام أصحاب الرأي في وقته. كان مَشهورًا بالزُّهد والوَرَع، وحالُه يَزيد على حال الرُّهبان. وَرَد بغداد في شبيبته، ودرس الفقه على أبي الحسن الكَوْخي، وانتهت إليه رئاسة أصحاب أبي حنيفة، ورحل إليه المتَفَقِّهةُ من البلاد، وخوطب غيرَ مرَّةٍ في أن يَلي القضاء ببغداد فامتنع. وله التصانيف الحسان منها: كتاب "أحكام القرآن"، وما صُنِّف مثلُه، وغيره. وقال أبو بكر الأَبْهَرِيّ: خاطبني المطيع على قضاء القُضاة، وكان السَّفيرُ في ذلك أبو الحسن بن أبي عمرو الشَّرابي، فأبَيْتُ عليه، وأشرفُ بأبي بكر الرّازي، فأُحضر وخوطب فامتنع، فسألني أبو الحسن معونتَه على ذلك، فخلوتُ به وحدَّثتُه، فقال: تُشير عليَّ بذلك؟ قلت: لا. ثم قمنا إلى بين يدي الشَّرابي، فأعاد خطابَه وعُدتُ إلى معونته، فقال لي الرَّازيّ: أليس قد أشرفَ عليَّ أن لا أفعل! فوَجَم أبو الحسن الشَّرابي وقال: سبحان الله، تشير علينا بإنسان وتشير عليه أن لا يفعل! فقلت: نعم، أما لي في ذلك أسوةٌ مالك بن أنس؟ أشار على أهل المدينة أن يُقدِّموا نافعًا القارئ في مسجد رسول الله ﷺ ، وأشار على نافع أن لا يفعل، فقيل له في ذلك فقال: نعم، أشرتُ عليكم بنافع بأني لا أعرفُ مثلَه، وأشرتُ عليه أن لا يفعل لأنه يَحصل له أعداء وحُسَّاد، كذا أنا أشرتُ عليكم بأبي بكر لأني لا أعرف مثله، وأشرفُ عليه أن لا يفعل لأنه أسلَمُ لدينه.
следующие страницы →