← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 8366–8405 · переход к 8371.

стр. 8366

وبعث صاحب مصر غلامًا له يقال له: الفضل لحصار دمشق، فاجتمع به أبو تغلب وكانا على ظهور خيولهما، ووعده الفضل عن صاحب مصر بكلِّ خير، وسأله المسير إلى دمشق فامتنع، وسار الفضل إلى دمشق فلم يتمّ له أمر، فعاد. وكان بالرَّمْلَة المُفَرِّج بن دَغْفَل الطَّائيّ قد استولى عليها، فسار إلى بني عُقيل ليواقِعَهم، فلجؤوا إلى أبي تغلب فأجارهم، وحشد المفرّج والفضل، وسار إليهم أبو تغلب على باب الرملة يوم الخميس لليلةٍ بقيت من صفر، فانهزمت بنو عُقيل، وضَعُف أمر أبي تغلب، وفارقه مَن بقي معه من الأتراك إلى العراق، وبقي من غِلمانه الحَمَدانية سبعُ مئة فارس، فقاتل، فضرب بعضُ الصعاليك فَرسَه من ورائه فوقع، فأخذه المفرّج أسيرًا، فشدَّ يديه ورجليه بسِلسلةٍ على ناقة، وأضمر أنَّه يُبقي عليه، وسمع به الفضل فجاء ليأخُذَه من المفرّج، فامتنع من تسليمه وقال: تُريد أن تتقرَّب به إلى صاحب مصر؟! فأناخ الناقةَ، وضربه بيده بسيفه حتَّى قَتله، وجاء بعض الأعراب فقطع يديه ورجليه؛ لأنه كان قد فعل بولَدٍ له كذلك. وأخذ الفضل رأسَه، وسار به إلى مصر، وبعث المفرج بأُخته جميلة وعياله إلى حلب، فبعث بها ابنُ سيف الدولة إلى عضد الدولة، فحُبِست في دار المملكة، وأخذ الله بالثأر لناصر الدولة وأولاده من أبي تغلب، وصار عِبرةً للعالمين، وبيتُ الظَّالمِ خراب ولو بعد حين (١). محمَّد بن صالح ابن عليّ بن يحيى بن عبد الله، أبو الحسن، القاضي، القُرَشيُّ، الهاشمي، العباسي، ويعرف بابن أمِّ شَيبان. أصله من الكوفة، وأمُّ شَيبان هي والدة يحيى بن عبد الله جدِّ أَبيه، اسمها كُنيتها، وهي بنت يحيى بن محمَّد بن إسماعيل بن محمَّد بن يحيى بن زكريا بن طلحة بن عبيد الله التَّيمي، وأمُّ زكريا بن طلحة أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق ﵁.

стр. 8367

وُلد محمَّد يوم عاشوراء سنة أربع وتسعين ومئتين، ووَلَدَه ثلاثة من الصَّحَابَة: أبو بكر وطلحة ﵄ والثالث لم يُسمّه، والأصحُّ اثنان. قدم به أبوه بغداد من الكوفة سنة إحدى وثلاث مئة، وقرأ القرآن، وسمع الحديثَ الكثير، وتففه على مذهب مالك. وكان عاقلًا، مُتميِّزًا، كثيرَ التَّصانيف. قال الخَطيب: ولا أعلم قاضيًا تقلَّد القضاءَ من بني هاشم بمدينة السلام غيرُه. وكان عضد الدولة يقول: ما وقعتْ عَيني على أحدٍ من أهل بغداد يَستحقُّ التَّفضيلَ سوى رجلين: ابن أم شَيبان، ومحمَّد بن عُمر العَلوي، وهما من أهل الكوفة لا من أهل بغداد. مات ابنُ أم شيبان فجأة في جُمادى الأولى، واتَّفقوا على فضله وصدقه (١). محمَّد بن عليّ بن الحسن أبو بكر، التِّنِّيسِيّ. سمع منه الدارقطني بتِنِّيس (٢)، ورآه وحده فقال: يَا أَبا بكر، ما في بلدك مسلم؟! قال: بلى، ولكنهم اشتغلوا بالدنيا عن الآخرة.

стр. 8368

السنة السبعون وثلاث مئة فيها خرج عضد الدولة إلى هَمَذان فأقام بها، وقدم عليه الصاحب إسماعيل بن عبَّاد من عند أخيه مؤيَّد الدولة من الريّ، فخرج عضد الدولة للقائه بعيدًا عن همذان، وبالغ في إكرامه واحترامه، وأمر أربابَ الدولة بالتردُّد إلى خدمته كلَّ يوم، وتمارض فجاء عضد الدولة إلى عيادته مرَّتين، وكلّ ذلك فعله تأنيسًا لأخيه مؤيد الدولة. وورد كتاب مؤيَّد الدولة يستطيل مقامَ الصَّاحب، ويذكر اضطرابَ الأمور بغيبته، فخلع عليه عضد الدولة الخِلَع النَّفيسة، وحمله على الخيل العِتاق بمراكب الذهب، وأقطعه إقطاعاتٍ جليلةً، وسار إلى مؤيَّد الدولة في ربيع الآخر. وعاد عضد الدولة إلى بغداد بعد أن هَذَّب الجَبَل، وقبض على جماعةٍ من الأكراد، وأخذ قلاعَهم، فنزل النَّهْروان حادي عشر جُمادى الآخرة يوم الأربعاء، والتمس من الطَّائع أن يتلقَّاه. قال ابن حاجب النُّعمان: لم تكن العادةُ جاريةً بتلقِّي الخلفاء للأمراء، وإنما فتح هذا الباب المطيع، لما ماتت أختُ مُعزِّ الدولة ركب المطيع إليه، فعزاه فيها، فطَمِع الأمراء في الخلفاء، فلما نزل النَّهْروان أرسل أَبا الحسن محمَّد بن عُمر العَلويّ إلى الطائع، فوافى بابَ دار الخلافة نصفَ الليل، فقال أصحاب النَّوبة: لا سبيلَ لك إلى الوصول إلى الخليفة، فقال: طالعوه بأني جئتُ في مُهمّ، فأخبروا الخدم، فأمر الطائع بإحضاره، قال: فقبَّلتُ الأرضَ بين يديه وقلتُ: يَا مولانا أمير المُؤْمنين، قد وصل هذا الملك، وهو من الأكابر المُعَظَّمين، والملوك المُفَخَّمين، وقد أمَّل من مولانا أن يُميّزه على مَن تقدَّمه، ويُشرِّفه باستقباله الذي يُنبي عن جميلِ الرأي فيه، فقال الطائع: نحن على ذلك عازمون، وله مُعتَقدون. وقيل: لم يكن للطائع نيَّةٌ في ذلك، وإنما لم يَقدِر على الامتناع، فأظهر المنَّةَ ابتداءً منه. وعاد محمَّد إلى عضد الدولة فأخبره فقال: هذه خدمةٌ قد أحسنتَ المقام فيها، وبقيت أخرى لا أعرف لها سواك، قال: وما هي؟ قال: تمنع العوامّ غدًا عند لقائنا من

стр. 8369

الدُّعاء والصِّياحِ، فقلت: يَا مولانا، بلدٌ قد غبتَ عن أهله زمانًا، ونفوس أهله متطلِّعة إليك ثم تُريد منهم السُّكوت!؟ فقال: ما أعرف ذلك إلَّا منك. وكان أهل بغداد قد تلقَّوْه بالكلام الفاحِشِ في نَوْبة عزِّ الدولة، فما أحبَّ أن يَدعوا له بتلك الألسُن. قال محمَّد العلوي: فدعوتُ أصحابَ المعونة وقلت: قد أمر الملك بكذا وكذا، فأشيعوا أن في مُقابلةِ ذلك ضَرْبَ الأعناق، فأشاعوه، ووقفت الغلمانُ في الأماكن واحتَرزَت، فلما دخل بغداد لم يَنطق أحدٌ بحرف، فعجب من طاعة العوام للعلوي وقال: هؤلاء أضعافُ جُندنا وقد أطاعوه، فلو أراد بنا سوءًا لأوقعه، ثم عَزم على مُصادرته، فنظر في روزمانجات حسابه أَلْف أَلْف درهم باسم العلوي في معاملاته، فقبض عليه، واستولى على أمواله (١). وهذا محمَّد العلوي هو الذي كان عضد الدولة يَشكره ويقول: ما رأيتُ في بغداد سوى رجلين: العلوي وابن أُمِّ شَيبان، وكان هذا فعلُه معه فكيف بمن لا يَشكره، وما عسى العوام أن يفعلوا؟! وإنما جعل ذلك وسيلةً إلى استئصاله وأخذِ ماله. وبعد دخول عضد الدولة بغداد زُفت إلى الطائع ابنتُه، وحُمل معها من الحليّ والجواهر والثياب والأمتعة ما لم يُحمل مع غيرها (٢). وفيها غَرِقت بغدادُ من الجانبين، وأشرف أهلُها على الهلاك، ووقَعت القَنْطَرَتان اللَّتان على الصَّراة، فغَرِم على بنائهما أموالًا كثيرة، وحجَّ بالنَّاس أبو الفتح أَحْمد بن عمر العلوي، وخُطب بمكة والمدينة لصاحب مصر، ولم يُذكر الطائع. [فصل وفيها تُوفِّي أَحْمد بن سعيد بن سعد أبو الحسين، البغداديّ، وكيل دَعْلَج بن أَحْمد. سمع الكثير، وكان زاهدًا عابدًا، خرج حاجًّا من بغداد فتوفي بمكة، وقيل: بين المكة والمدينة في المحرم.

стр. 8370

حدَّث عن عبد الكريم بن أبي عبد الرَّحْمَن النَّسائيّ، عن أَبيه بكتاب "الضعفاء والمتروكين"، قال الخَطيب: وحدثناه عن البرقاني، وروى عنه الدارقطني هذا الكتاب وغيره. وكان صالحًا ثِقَة.] (١) وفيها تُوفِّي أَحْمد بن عليّ أبو بكر، الرَّازيّ، الإمام، الحَنفي. ولد سنة خمس وثلاث مئة، وهو إمام أصحاب الرأي في وقته. كان مَشهورًا بالزُّهد والوَرَع، وحالُه يَزيد على حال الرُّهبان. وَرَد بغداد في شبيبته، ودرس الفقه على أبي الحسن الكَوْخي، وانتهت إليه رئاسة أصحاب أبي حنيفة، ورحل إليه المتَفَقِّهةُ من البلاد، وخوطب غيرَ مرَّةٍ في أن يَلي القضاء ببغداد فامتنع. وله التصانيف الحسان منها: كتاب "أحكام القرآن"، وما صُنِّف مثلُه، وغيره. وقال أبو بكر الأَبْهَرِيّ: خاطبني المطيع على قضاء القُضاة، وكان السَّفيرُ في ذلك أبو الحسن بن أبي عمرو الشَّرابي، فأبَيْتُ عليه، وأشرفُ بأبي بكر الرّازي، فأُحضر وخوطب فامتنع، فسألني أبو الحسن معونتَه على ذلك، فخلوتُ به وحدَّثتُه، فقال: تُشير عليَّ بذلك؟ قلت: لا. ثم قمنا إلى بين يدي الشَّرابي، فأعاد خطابَه وعُدتُ إلى معونته، فقال لي الرَّازيّ: أليس قد أشرفَ عليَّ أن لا أفعل! فوَجَم أبو الحسن الشَّرابي وقال: سبحان الله، تشير علينا بإنسان وتشير عليه أن لا يفعل! فقلت: نعم، أما لي في ذلك أسوةٌ مالك بن أنس؟ أشار على أهل المدينة أن يُقدِّموا نافعًا القارئ في مسجد رسول الله ﷺ ، وأشار على نافع أن لا يفعل، فقيل له في ذلك فقال: نعم، أشرتُ عليكم بنافع بأني لا أعرفُ مثلَه، وأشرتُ عليه أن لا يفعل لأنه يَحصل له أعداء وحُسَّاد، كذا أنا أشرتُ عليكم بأبي بكر لأني لا أعرف مثله، وأشرفُ عليه أن لا يفعل لأنه أسلَمُ لدينه.

стр. 8371

تُوفِّي الرَّازيّ في ذي الحجة عن خمس وستين سنة، وصلى عليه محمَّد بن موسى الخُوارزمي صاحبه، ودُفن بمقابر الخيرزان. قال المصنف ﵀: وكتابه "أحكام القرآن" في غاية الجَودة؛ لولا ما دَسَّ فيه من الاعتزال (١). [وفيها تُوفِّي أَحْمد بن محمَّد ابن الفَتْح بن خاقان، أبو العباس، ابن النَّجَّاد، إمامُ جامع دمشق. قرأ القرآن على هارون بن موسى الأخفش، وسمع أَبا علي محمَّد بن سليمان أخا خَيثَمة وغيره، وروى عنه تمَّام بن محمَّد. وتوفي بدمشق، ودُفن بالباب الصغير، وكان ثِقَة وقورًا مأمونًا.] (٢) مُحَمَّد بن جعفر ابن الحسين بن محمَّد بن زكريا، أبو بكر، الوراق، غُنْدَر. كان حافظًا، مُتقنًا، سمع بنَيسابور، ومَرْو، وبغداد، والجزيرة، والشام، ومصر، والعراق، وما وراء النهر، والتُّرك، وكتب من الحديث ما لم يكتبه أحدٌ، وسمع ما لم يسمعه أحد، ثم استُدعي إلى بخارى لينزل إلى الحضرة، فمات في المَفازَة، وأجمعوا عليه (٣).

стр. 8372

السنة الحادية والسبعون وثلاث مئة فيها طلب الطائع من عضد الدولة إجراء الماء إلى دار الخلافة، فساقه من الخالص إليها في نهر، فهو باق إلى اليوم يدخل الدار فيسقي البساتين وينتفعون به، ثم أجراه عضد الدولة إلى داره بالزاهر. وفيها اتَّفق فخرُ الدولة وقابوس بن وَشْمَكير على عداوة عضد الدولة باطنًا، وتحالفا عليه، وراسل عضد الدولة الطائع أن يَعقِدَ لمؤيد الدولة على جُرْجان وطَبَرِستان، ويبعث إليه بالخلع والعهد ففعل، وجَهَّز عضد الدولة العساكر إلى مؤيَّد الدولة مع زيار بن شهراكويه ومعه الأموال والسلاح. وسار مؤيَّد الدولة إلى بلاد قابوس فحصره فيها، وقاتله، واستولى عليها، وأزال نعمتَه، ويقال: إنه حبسه، ولم ينفعه فخر الدولة، وكان له طَبَرِستان وما والاها. وقال قابوس عند هزيمته: [من البسيط] قلْ للذي بصُروفِ الدَّهر عَيَّرَنا … هل عاند الدَّهرُ إلَّا مَن له خَطَرُ أما ترى البحْرَ تعلو فوقَه جِيَفٌ … وتَسْتَقِرُّ بأقصى قَعْرِه الدُّرَرُ فإن تكن نَشِبَتْ أيدي الخُطوبِ بنا … ومَسَّنا من تَوالي صَرْفِها ضَرَرُ ففي السَّماء نُجومٌ غيرُ ذي عَدَدٍ … وليس يُكْسَفُ إلَّا الشَّمسُ والقَمَرُ (١) وفيها سَخِطَ عضد الدولة على القاضي أبي علي المُحَسِّن بن عليّ التَّنوخي، وألزمه منزلَه، وصرفه من أعماله، ولم يزل في السُّخْط حتَّى مات عضد الدولة. وحاصلُه أن عضد الدولة لما كان بهَمَذان ذكر في مجلس القاضي أنَّه يريد أن يقبض على الصاحب بن عباد، فأخبر المحسِّنُ ابنَ عباد بما عزم عليه عضد الدولة، وبلغ عضد الدولة فعزَّ عليه ونكَبه. وفيها أُطلق أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الصابئ الكاتب من الاعتقال، وصُرف إلى داره، وكان القَبْضُ عليه في سنة سبع وستين، ومدةُ اعتقاله ثلاث سنين وسبعة أشهر وأيام.

стр. 8373

وكان سبب اعتقاله الكتبَ التي قدَّمنا ذكْرَها، وكثرةَ ماله، فأخذ منه عضد الدولة مئة أَلْف درهم وحبسه، فكان يَمدحه بالقصائد وهو مَحبوس، وخرج عضد الدولة إلى الكوفة لزيارة المَشْهَد، فلما عاد إلى بغداد كتب إليه: [من الكامل] أهلًا بأشْرَفِ أوْبَةٍ وأَجَلِّها … لأجَلِّ ذي قَدَمٍ يُلاذُ بنَعْلِها يَا خيرَ مَن زَهَتِ المنابرُ باسمِه … في دولةٍ عَلِقَت يداه بحَبْلِها أرْضَيتَ ربَّك والرسولَ وآلَه … والناسَ في حَزْنِ البلادِ وسَهْلِها كانت زيارتُك الغِنى في أهلها … بيدٍ تَعُمُّهُمُ بفائضِ بَذْلِها مَولايَ عبدُكَ حالِفٌ لك حَلْفَةً … تَعْيى منَاكبُ يَذْبُلٍ عن حَمْلِها لقد انتهى شَوقي إليكَ إلى التي … لا أستطيعُ أُقِلُّها من ثِقْلِها لو بِعتَني بجميع عُمري لَفْظَةً … أو لَحظةً بالطَّرْفِ لم أَسْتَغْلِها قَضَّيتُ سابِغَةَ السّنين مُقاسيًا … غَمَّاءَ مَحْبِسِها وحَلْقَةِ كَبْلِها لم تُخْلِني ساعاتُها من رَوْعَةٍ … وكذا أنا من دَمْعَةٍ لم أُخْلِها بُدِّلْتُ فيها من غُرابي بازيًا … بل بومَةً شَمْطاءَ لم أَسْتَحْلِها أَفَتَسْتَمِرُّ بي المناحِسُ هكذا … في دَولةٍ أنا واحدٌ من أهلها (١) من أبيات طويلة، فلما قرأها عضد الدولة رقَّ له وقال: هذا المسكين قد طالت حَبْسَتُه، وأمر بإطلاقه، ومضى إلى داره، وشَغَله عن النَّظَر في حالة مَرضُه، وافتقده غير مرة. وفيها قَلَّد الطائع كتابَته أَبا القاسم عيسى بن عليّ بن عيسى، وخَلَع عليه، وصَرف عيسى بن مروان النصراني عنها (٢)، وحجَّ بالنَّاس أبو عبد الله العَلوي. وفيها تُوفِّي أَحْمد بن إبراهيم بن إسماعيل أبو بكر، الجُرْجاني، الحافظ.

стр. 8374

طاف الدُّنيا، ولَقي الشيوخ وسمع منهم، وصنَّف الكُتُبَ الحِسان، منها: "الصحيح" صنَّفه على صحيح البُخَارِيّ، و"الفَرائد"، و"العوالي"، وغير ذلك، وتوفي في رجب. وكان الدارقطني (١) يَتأسَّفُ على لقائه ويقول: عَزمتُ غير مرة على الرحلة إليه فلم أُرْزَق، وأجمعوا على حِفظه وصِدقه وفَضله وثقته. الحسن بن أَحْمد بن صالح أبو محمَّد، السَّبِيعيّ، الحافظ، الكُوفيّ. طاف الدنيا، وكان مُكثرًا إلَّا أنَّه كان عَسِرَ الرواية، وكان الدارقطني يجلس بين يديه كجُلوسِ الصبيّ بين يدي المعلِّم هَيبةً له، ومات في ذي الحجّة ببغداد، وأجمعوا عليه. وقال: قدم علينا حَلبًا الوزير جعفر بن الفَضْل، فتلقَّاه النَّاس، فكنتُ فيمَن تلقَّاه، فعرف أني من أصحاب الحديث فقال: أتعرِفُ حديثًا في إسناده أربعة من الصَّحَابَة كلُّ واحدٍ عن صاحبه؟ قلتُ: نعم؛ حديث السَّائبِ بن يَزيد، عن حُوَيْطِب بن عبد العُزَّى، عن عبد الله بن السَّعْدي، عن عمر بن الخطاب في العُمالة (٢)، فعرف صِحَّةَ قولي فأكْرَمَني. قال عبد الغني بن سعيد: وثَمَّ حديثان، أحدهما يرويه أربعةٌ من الرجال، والثاني يرويه أربعة من النساء، فأما الذي يرويه أربعة من الرجال فحديث نُعَيم بن هَمَّار، عن

стр. 8375

المِقدام بن مَعْدي كَرِب، عن أبي أيُّوب الأَنْصَارِيّ، عن عَوف بن مالك في الأمر بالطَّاعة، والوَصيَّة بكتاب الله (١). وأما الحديث الثاني فرواه الزُّهري، عن عُروةَ بن الزُّبَيْر، عن زينب بنت أبي سلمة، عن حَبيبة بنت أم حَبيبة بنت أمِّ سَلمة، عن أمها أم حَبيبة، عن زينبَ بنت جَحْش في فتح رَدْمِ -سدِّ- يأجوج ومأجوج (٢). عبد العزيز بن الحارث بن أَسَد أبو الحسن، التَّميميّ، الحَنْبلي. كان فاضلًا، وله تصانيف في أصول الكلام، وفي المذهب، والفرائض، وكانت وفاتُه ببغداد في ذي القَعدة (٣). [فصل وفيها تُوفِّي علي بن إبراهيم أبو الحسن، الحُصَريّ، البَصري، الصُّوفي، الواعظ (٤). سكن بغداد، وصحب الشِّبلي وغيره، وكان صاحبَ خَلَوات ومُجاهدات، وما كان يخرج إلَّا من الجمعة إلى الجمعة. [قال الخَطيب:] وكان قد أسنَّ وصَعُب عليه المجيءُ إلى الجامع، فبني له الرباط المقابل لجامع المنصور، ثم عُرف بصاحبه الزوزني الذي بناه، وكان شيخَ الشيوخ ببغداد.

стр. 8376

وقال في "المناقب": كان الحُصَري (١) شيخَ أهل العراق ولسانَها في وقته، ولم يُرَ في زمانه أتمُّ حالًا منه، ولا أحسنُ لسانًا، ولا أعلى كلامًا، مُتوحِّدًا في طريقته، ظريفًا في شمائله، له لسانٌ في التوحيد يَختصُّ به، ومقامٌ في التَّجريد لم يُشاركْه فيه غيره، وهو أستاذ العراقيين، وبه تأدَّب مَن تأدَّبَ منهم، وكذا قال السُّلَميّ وغيره. نبذة من كلامه: قال: كان آدم مَحَلًّا للعلل، فخوطب على قدر حالة: ﴿وإِنَّ لَكَ أَلَّا تجَوُعَ فِيهَا وَلَا تَعرَى﴾ [طه: ١١٨]، وإلا فذاك المقام لا يؤثِّر فيه جوعٌ ولا عَطَشٌ ولا عُرْي. وقال: وَجَدتُ مَن يدعو إلى الله [إنما يدعو] بظاهره، ويدعو إلى نفسه بباطنه؛ لأنه يحبُّ أن يُعَظَّم، ويُشارُ إليه، ويعرَفُ مَوضعُه، ويثْنى عليه الثناءَ الحسَن، ومَن أحب ذلك فقد دعا إلى نفسه لا إلى ربِّه، وما عليَّ مني، وأيُّ شيءٍ لي فيَّ [حتى أخاف عليه، وأرجو له] إن رَحِم رحم ما له، وإن عذَّب عَذَّب ما له (٢). قال المصنِّف ﵀: وهذا كلامٌ حسن، أشار فيه إلى التوحيدِ المَحْض، وسقوطِ الإرادة بالكلِّية، وطريقةِ الفَناء التي عليها قواعُد الحقائق مَبنيَّة، ولعله استنبط هذا من الكتاب الكريم: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]. وسئل: هل يَحتشم المحبُّ أو يَفزَع؟ فأنشد: [من البسيط] قالت لقد سُؤتَنا في غيرِ مَنفَعَةٍ … بطَرْقِكَ البابَ والحُجَّابُ ما هَجَعوا ماذا يَريبُك في الظَّلْماءِ تَطْرُقُنا … قلتُ الصَّبابَةُ هاجَتْ ذاك والطَّمَعُ قالت لَعَمْري لقد خاطَرْتَ ذا جَزَعٍ … حتَّى وَصَلْتَ فهَلّا عاقَكَ الجَزَعُ فقلتُ هل هو إلَّا الموتُ أو ظَفَرٌ … بما يَزولُ به عن مُهْجَتي الهَلَعُ وكان ينشد دائمًا: [من الخفيف] إنَّ دَهْرًا يلُفُّ شَمْلي بجَمْعٍ (٣) … لزَمانٌ يَهُمُّ بالإحسانِ (٤)

стр. 8377

وقال: النَّاس يقولون: الحُصَري لا يقول بالنَّوافل! وعليَّ أوراد من حال الشباب؛ لو تركتُ منها ركعةً لَعُوْتِبْتُ. وقال: عَرِّضوا ولا تُصَرِّحوا فالتَّعْرِيضُ أيسَر (١)، ويُنشد: [من الطَّويل] وأعْرِضْ إذا ما جئتَ عنا بحِيلةٍ … وعَرِّض ببعضٍ إنَّ ذلك أسْتَرُ فما زِلتَ في إعمالِ (٢) طَرْفِكَ نَحوَنا … ولَحْظِك حتَّى كاد ما بكَ يَظْهرُ ذكر وفاته: [ذكر ابن خميس في "المناقب" أنَّه] مات ببغداد يوم الجمعة في ذي الحجَّة [من هذه السنة. وقال الخَطيب:] ودُفن بمقبرة باب حَرْب وقد أناف على الثمانين. محمَّد بن أَحْمد بن طالب أبو الحسن، الأخباري. رحل وسمع الكثير، وكان فاضلًا، وقال: أنشدنا ابن الأعرابي: [من الخفيف] كنتُ دهرًا أُعَلِّلُ النَّفْسَ بالوَعْـ … ـدِ وأخلو مُسْتأنِسًا بالأماني فمضَى الواعِدون ثُمَّ اقْتُطِعْنا … عن حديثِ المُنى (٣) بصَرْفِ الزَّمانِ [فصل وفيها تُوفِّي] محمَّد بن أَحْمد بن عبد الله أبو زيد، المَرْوَزيّ، الفقيه الشَّافعيّ (٤). ولد سنة إحدى وثلاث مئة، ولقي محمَّد بن يوسف الفِرَبْريّ سنة ثمان عشرة وثلاث مئة، فحدَّثه بصحيح البُخَارِيّ عن البُخَارِيّ. وكان زاهدًا عابدًا.

стр. 8378

[قال الخَطيب: كان] أحد الأئمة، حافظًا لمذهب الشَّافعيّ ﵀، حسن النَّظَر، مشهورًا بالوَرَع [قدم نيسابور غير مرة، ثم] حجَّ سنة خمس وخمسين وثلاث مئة، فأقام بمكة سبعَ سنين، ثم قدم بغداد وحدَّث بها، ثم مضى إلى مَرْو فتوفي بها. قال أبو بكر البَزَّاز (١): عادَلْتُ أَبا زيد من نيسابور إلى مكة، فما أظنُّ الملائكةَ كتبتْ عليه خطيئةً قط. وقال أبو زيد: لما أردتُ (٢) الرجوعَ إلى مَرْو وأنا بمكة رأيتُ رسول الله ﷺ في المنام فقلتُ: يَا رسول الله، إنِّي أريدُ الرّجوعَ إلى مَرْو، والمسافة بعيدة، وأنا ضعيف، فالتفت إلى شابٍّ كان إلى جانبه وقال: يَا رُوحَ القُدس، كن معه إلى وطنه، فانتبهتُ وأنا أرى أنَّه جبريل ﵇، فخرجتُ من مكةَ إلى مَرْو، فلم أُحسَّ بشيءٍ من التَّعَب. تُوفِّي أبو زيد في رجب، وكان رُكنًا (٣) من أركان الإِسلام، وبدلًا من الأبدال. وفيها تُوفِّي محمَّد بن خَفيف بن إسْفِكْشاذ أبو عبد الله، الشِّيرازي، الصُّوفي، شيخ بلاد فارس (٤). قال أبو عبد الرَّحْمَن السُّلَمي: كانت أُمُّه نيسابورية، وهو اليوم شيخ المشايخ، وتاريخ الزمان، ولم يبق للقوم أقدمُ سنًّا منه، ولا أتمُّ حالًا ووقتًا، صحب رُويمًا، والجَريري، وأبا العباس بن عطاء، ولقي الحسين بن منصور، وهو أعلم المشايخ بعلوم الظاهر، ومُتمسِّكًا بعلوم الشريعة من الكتاب والسنة، فقيه على مذهب الإِمام الشَّافعيّ رحمة الله عليه.

стр. 8379

وكان من أولاد الملوك، أوحدَ عصره، صاحب المقامات والأحوال، والمجاهدات والرياضات. وقال أبو نعيم (١): أبو عبد الله بن خَفيف اللّطيف الظَّريف، له "الفصول في الأصول"، و"التحقيق في الوصول"، لقي الأكابرَ والأعلام، وكان أحد أركان الإِسلام [صحب أَبا العباس بن عطاء، وطاهرًا المقدسيّ، وأبا عمرو الدِّمشقيّ وغيرهم، وكان من أولاد الملوك بفارس. وذكره القُشيري فقال: هو شيخ الشيوخ، وأوحدُ وقته. وذكره في "المناقب" وحكى عنه العجائب. وكذا الحافظ ابن عساكر، وهو الذي قال في نسبه: إسفكشاذ. فصل في ذكر] طرف من أخباره ومجاهداته (٢): قال: كنت (٣) في بدايتي آخُذُ الخِرَق من المزابل وأُصلح منها ما أَلْبَسُه، وأقمتُ مدةً أُفطر في كلِّ ليلةٍ على كفِّ من الباقِلَّى. وكنتُ أقرأ في ركعة قل هو الله أحد عشرة آلاف مرة، وفي الثَّانية القرآن كلّه، وكنت أصلّي من الغداة إلى العصر أَلْف ركعة، وأُحيي الليلَ كله. وقال بعض أصحابه: أمرني أن أُقدِّمَ (٤) إليه كلَّ ليلةٍ عشر زَبيباتٍ لإفطاره، فأشفقتُ عليه، فقدَّمتُ له خمس عشرة، فنظر إلي وقال: مَن أمرك بهذا؟ وأكل عشر حَبّاتٍ (٥) وترك الباقي. وقال ابن خفيف: ما وَجَبت عليَّ زكاةُ الفطر منذ أربعين سنة، ولي قَبول عظيمٌ عند الخاصّ والعام.

стр. 8380

[وحكى عنه الحافظ ابن عساكر، وفي "المناقب"] قال: استقبلني في حال حداثتي فقير، فرأى فيَّ أثرَ الجوع والضرّ، فأدخلني بيته، وقدَّم إليَّ طَبيخًا فيه كُشك ولحم مُتغيِّر، فأكلتُ الثريدَ وتجنَّبتُ اللحم، فأخذ قطعة من اللحم فلقَّمني إياها، فشقَّ علي وخَجِلتُ. ثم خرجتُ إلى مكة ومعي جماعة، فأقمنا أيامًا لم نأكل شيئًا، فجئنا إلى حيٍّ من أحياء العرب، فاشتَرَوْا منهم كلبًا بدينار، فذبحوه وشَوَوه، وأكلوا للضرورة، وناولوني قطعةً من لحمه، فلما أردتُ أكلَها ذكرتُ خَجَل الفقير مني، وأنها كانت عقوبة، فلما رجَعْنا أتيتُ الفقيرَ واعتذرْتُ إليه. وقال: دخلتُ (١) الباديةَ على نيَّةِ الحج، وكنتُ قد قَدِمتُ بغداد ولم أدخل على الجُنيد، وفي رأسي نَخوةُ الصوفية، وقد أقمتُ أربعين يومًا لم آكُلِ الخبزَ، ولم أشرب الماء، فعَطِشتُ، فلما وصلنا إلى زُبالة (٢) -وكنت على طهارةٍ من بغداد- وإذا بظَبْيٍ على رأس البئر، وقد ارتفع الماء إلى رأسها وهو يشرب، فدنوتُ من البئر لأشرب فولَّى الظبي، ونزل الماء إلى أسفل البئر، فقلت: يَا سيدي مالي محلُّ هذا الظبي؟! فسمعتُ هاتفًا من ورائي يقول: هذا الظَّبيُ جاءنا بغير حَبلٍ ولا رَكْوَة، وأنت جئتنا بحبلٍ ورَكوة، ولكن التفت، فالتفتُّ وإذا بالماء في رأس البئر، فشرِبتُ، فلما قضيتُ الحج وعُدُت إلى بغداد دخلتُ على الجنيد، فلما رآني قال: أما إنك لو صَبَرْتَ ساعةً لنبع الماء من تحت قدميك. [وحكى عنه في "المناقب" أَيضًا] قال: خرجتُ من مصر أُريد الرَّمْلَة للقاء أبي علي الرُّوذباري، فلَقيني عيسى بن يوسف المصري الزَّاهد، فقال لي: يابن خَفيف، بصُور شابٌّ وكَهْل قد وقفا في مقام المراقبة، فلو نظرتَ إليهما لعلك أن تستفيد منهما، فدخلتُ صور وأنا جائع عطشان وفي وَسَطي خِرْقَة، وليس على كتفي شيء، فأتيتُ المسجد، فإذا بشابٍّ وكَهْل قد استقبلا القبلة، وهما جالسان لا يتكلَّمان، فسلَّمتُ عليهما فلم يَرُدَّا، فقلت: ناشَدْتُكُما الله إلَّا رَدَدْتُما عليَّ السَّلام، فرفع الشابُّ رأسَه من مُرَقعَته وقال: يَا ابن خفيف، ما أقلَّ شُغْلَك بنفسك حتَّى تَلقانا!

стр. 8381

قال: فذهب عَطَشي وجوعي وتعبي، فأقمتُ عندهما ثلاثة أيام لم آكل ولم أشرب، ولا رأيتُهما أكلا ولا شربا ولا ناما، فقلت لهما في اليوم الثالث: عِظاني، فقالا: نحن أربابُ مصائب، ما لنا لسانٌ في المواعظ، فقلت: بالله، فقال الشاب: عليك بصُحبة مَن يذكِّرك اللهَ برؤيته، وتقع على قلبك هَيبتُه، ويَعِظُك بلسان فعله لا بلسان قوله، اذهب عنا، فانصرفتُ (١). [ذكر نبذة من كلامه: حكى عنه في "المناقب" أنَّه] قال: لما خلق الله الملائكة والإنس والجن خلق العصمةَ والكفايةَ والحيلةَ وقال: اختاروا، فاختارت الملائكة العصمة، ثم قال للجن: اختاروا، فاختاروا العصمة، فقال: قد سُبِقتم إليها، فاختاروا الكفاية، ثم قيل للإنس: اختاروا، فاختاروا العِصْمةَ، فقيل: قد سُبِقتم إليها، فاختاروا الكفاية، فقيل: قد سُبقتم إليها، فاختاروا الحيلة، فبنو آدم يحتالون بجهدهم. وسئل عن التوكّل فقال: الاكتفاءُ بضمانه، وإسقاطُ التُّهمَةِ عن قضائه. وقال: ليس شيءٌ أضرَّ بالمريدين من مُسامحةِ النفس في ركوب الرُّخَص والتأويلات (٢). وسئل عن القُرْبِ فقال: طيُّ المسافات بلطيف المنازلات (٣). وسئل عنه أَيضًا فقال (٤): قُرْبُك منه بملازمة الموافقات، وقُرْبُه منك بدوام التوفيق. ذكر وفاته: [حكى الحافظ ابن عساكر عن عبد الرَّحيم قال: قال ابن خفيف:] سأَلتُ الله أن ألقاه ولا يكون على بَدَني شيءٌ من اللحم، ولا لأحدٍ عندي شيء، فمات كذلك، أقام سبعةَ عشر يومًا لم يأكل، وكانوا يَشَمُّون منه رائحةَ الطّيبِ والمِسْك شيئًا ما شَموا مثلَه قط.

стр. 8382

وتوفي ليلة الثلاثاء (١) ثالث عشرين رمضان وله مئة وأربع سنين. [وقال ابن عساكر:] لما مات حضر أبو أَحْمد الكبير، وأبو أَحْمد الصغير، وأبو الطَّيب القزويني، وخلق كثير، وحملوه على سريره، وضَبَّبوه بضَيَّات حديد، ودخل تحته كلُّ قويٍّ وكل شاطر، ومَن يَدَّعي القوَّةَ والفتوة، وكلما تَعِب قومٌ دخل آخرون، وحوله الفرسان من الدَّيالمة، والخَدَم، والحاشيبة بالسيوف والدَّبابيس. وصلى عليه أبو بكر العَلَّاف وغيره نحوًا من مئة مرة، واجتمع في جنازته اليهود والنصارى والمجوس (٢). [وقال ابن عساكر: حدَّث ابن خفيف بدمشق عن القاضي الحسين المحاملي، وحمَّاد بن المبارك (٣)، ومحمَّد بن جعفر التَّمَّار، وذكر غيرهم. وروى عنه أبو الحسن علي بن جَهْضَم، وذكر غيره. قلت: وقد ذكره جدي في "المنتظم" فقال: محمَّد بن خفيف، أبو عبد الله الشيرازي، صحب الجَريري، وابن عطاء، وغيرهما.] وقد تكلَّم فيه الشيخ أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله تعالى (٤).

стр. 8383

السنة الثَّانية والسبعون وثلاث مئة فيها في صفر قَبض عضد الدولة على أبي الوفاء طاهر بن محمَّد، وحُمل إلى قلعة الماهكي، ثم قُتل بعد وفاة عضد الدولة. وفي ربيع الآخر فُتح المارستان الذي أنشأه عضد الدولة بالجانب الغربي من بغداد، وهو القائم الآن، ورتَّب فيه الأطباء والمعالجين والوكلاء، وحُملت إليه الأشربةُ والأدوية والفُرش وغيرها. وفي شوال توفي عضد الدولة، وأُخفي خبرُه، وكتمه خواصُّه كتمانًا اجتهدوا فيه، واستَدْعَوا صمصامَ الدولة ابنَه إلي دار المملكة، وأخرجوا عهدًا من عضد الدولة بتوليته واستخلافه. وكان في العهد: قد قَلَّدْنا أَبا كاليجار المرزبان بن عضد الدولة ولايةَ عهدنا، وخلافَتنا على الممالك والأعمال، والله يختار لنا وله حُسنَ الخيرة … وذكر بمعناه. وبويع على ما في العهد، والتمسوا من الطائع العهد والخِلَع، فكتب به، وبعث إليه بالخلع واللواء. وجلس صمصام الدولة، وقرئ العهد بين يديه، واستمرَّ الحال على إخفاء موت عضد الدولة إلى أن تمهَّد أمرُ صمصام الدولة، واجتمعت الكلمة على طاعته، ثم خَلع على الأميرين أبي الحسين أَحْمد وأبي طاهر هارون شاه (١)، وحُملا على فرسين بمركبي ذهب، وخرجا إلى شيراز للنظر في أمورها. وكان عضد الدولة لما مات خاف صمصام الدولة من أخيه أبي الحسين أَحْمد فاعتقله، وكانت والدته ابنة نادر ملك الدَّيلم، فخافهم صمصام الدولة، وعزمت أمُّه على كبس دار صمصام الدولة، وتلبس ثيابَ الرجال، وتأتي معها بالديلم فتُخَلِّص ابنَها.

стр. 8384

وعلم صمصام الدولة، فأطلقه، وولَّاه شِيراز وفارس، وقال له: اِلْحَق قبل أن يصل إليها شرف الدولة، وأعطاه الأموال والرجال، فسار إليها، فوصل الأهواز وقد سبقه شرف الدولة إلى شِيراز. وأقام أبو الحسين بالأهواز، وباينَ أخاه صمصام الدولة، وتلقَّب بتاج الدولة، وأسقط خطبة أَبيه وأقامها لنفسه، وادَّعى الملك (١). فبعث إليه صمصام الدولة جيشًا من التُّرك والدَّيلَم، فهزمهم، وقتل جماعةً منهم، واستولى على الأهواز، ووجد فيها أربع مئة أَلْف دينار، وثلاثة آلاف وخمس مئة ثوب ديباج، وأربع مئة رأس من الدواب، وجِمالًا، وقماشًا، وغير ذلك، فاستولى على الجميع وجاءه الدَّيْلَم والتُّرك فاستخدمهم وأغناهم، فأحبوه، وسار إلى البصرة فملكها، ورتَّب فيها أخاه أَبا طاهر، ولقَّبه ضياءَ الدولة. وفيها وثب أبو الفرج بنُ عمران بن شاهين على أخيه أبي محمَّد الحسن بن عمران صاحب البَطيحة، فقتله واستولى عليها. وفيها قُلِّد أبو القاسم علي بن أبي تَمَّام الزَّينبي نقابة العباسيين، وخُلِع عليه (٢). وحج بالنَّاس أبو الفتح أَحْمد بن عمر العلوي (٣)، وقيل: لم يحجَّ أحد من العراق إلى سنة ثمانين وثلاث مئة بسبب الفتن والخُلْف بين العراقيين والمصريين. [فصل وفيها تُوفِّي عبد الله بن أَحْمد بن ماهبرد أبو محمَّد، الأَصْبهانِيّ.

стр. 8385

سكن بغداد، وحدَّث بها عن البَغَويّ وطبقته، وروى عنه البَرْقاني، وشيوخ الخَطيب، وكان صالحًا زاهدًا عابدًا ثِقَة. قال الخَطيب: حَدَّثني البرقاني عنه قال: صمتُ ثمانيةً وثمانين رمضانًا.] (١) وفيها تُوفِّي عَضُد الدولة فَنَّاخُسْرو -وقيل: بُوَيه- بن أبي علي بن تَمام بن كُوهي، والمشهور فناخسرو، ونسبه إلى أردشير بن بابك (٢). وقد أشار إليه المتنبي بقوله: [من المنسرح] أَبا شُجاعٍ بفارسٍ عَضُدَ الدَّولةِ فَنَّاخُسْرو شَهنْشَاها (٣) وهو أول من تلَقَّب في الإِسلام بشَهنْشاه، وقال أبو علي الفارسيّ: منذ تلقَّب بذلك تَضَعْضَع، وما كفاه هذا حتَّى مَدح نفسَه فقال: [من الرمل] عَضُدَ الدولةِ وابنَ رُكْنها … مَلكَ الأملاكِ غَلَّابَ القَدَرْ (٤) وسنذكر الأبيات إن شاء الله تعالى قريبًا. ذكر طرف من أخباره: قد ذكرنا دخولَه بغداد، ولما دخلها كان الخراب قد استولى عليها وعلى سوادها بانفجار بُثوقها، وقطعِ المفسدين لطُرقاتها.

стр. 8386

وكان بنو شَيبان قد منعوا أحدًا يسير في طريق، فبعث إليهم العساكر فقتلهم، وأسر منهم ثمان مئة رجل. وسدَّ البثوق؛ بَثْق اليهودي، وبَثْق السَّهليّة، وأمر الأغنياء بعمارة مُسَنَّياتهم التي على دجلة، وغَرس الزَّاهر الذي كان دار أبي علي بن مُقْلَة، وكانت قد صارت خَرابًا تلًّا، وغرس التَّاجي بُستانًا عند قُطْرَبُّل، وحَوَّطه على أَلْف وتسع مئة جَريب، وأمر بحفر الأنهار التي دَرَست، وعَمِل عليها أرْحاء الماء، وحَوَّل من البادية قومًا فأسكنهم بين فارس وكرمان، فزرعوا وعَمَروا البريّة، وحمى الدنيا، وأخَّر الخراج إلى النَّيروز المعتضدي، ورفع الجِبابة عن الحاج، وأقام لهم السَّواني في الطريق، وحَفَر المصانع والآبار، وأطلَق الصِّلات لأهل الحرمين، ورَدَّ رسومَهم القديمة، وأدار السُّور على مدينة النَّبِيّ ﷺ ، وكسا المساجد، وأدرَّ الأرزاق، وأقام المؤذِّنين والأئمة والقُرَّاء. وكان كثيرَ الصَّدَقات؛ تصدَّق مرة بثلاثين أَلْف درهم، ومرة بثلاث مئة أَلْف درهم، وقيل: بثلاث مئة أَلْف دينار، وعمل الجسر، وكان الغَرَقُ قد هَدم القَنطَرتين العتيقة والجديدة التي على الصَّراة، فعَمرها، فتمَّت الجديدةُ بعد وفاته. واستحدث المارستان -وكان بجكم قد شرع في عمله فلم يتمّ- وجلب إليه العقاقير التي لا توجد إلا فيه، وعمل بين يديه سوقًا للبَزَّازين ووقفه عليه، وأوقف عليه ضِياعًا كثيرة، ومما أوقف عليه أرحاء نهر عيسى عند القرية. وكان يبحث عن سِيَر الملوك (١)، ويطلق للعيون الجامَكيَّات (٢) والجوائز، فكانت أخبار الدنيا عنده، حتَّى لو تكلَّم إنسانٌ بمصر علم به، فروي أن رجلًا ذكره بمصر، فتَحَيَّل حتَّى حُمل إليه، فعاتبه وقال: قلتَ كذا وكذا، ورَدَّه إليها، وكان النَّاس يَحترزون من نسائهم وغلمانهم، ويَتحفَّظون في كلامهم ويقولون: للحيطان آذان. وكانت هيبتُه عظيمة (٣)، فلو لَطَم إنسانٌ إنسانًا قابله شرَّ مقابلة، فانكسف النَّاس له، وكَفُّوا عن الظُّلم.

стр. 8387

وكان شُجاعًا، مَهيبًا، عاقلًا، ثَبْتًا، كثيرَ الفضل، شديدَ التَّيَقُّظ، بعيدَ الهِمَّة، مُحِبًّا للفضائل، مُتجَنِّبًا للرَّذائل، ناظرًا في أمور الرعيَّةِ. وكانت الأخبارُ تأتيه من بغداد إلى شِيراز في سبعة أيام، وتُجْلَب إليه الفواكه الطَّريَّة. وكان مُحافظًا على صلاته؛ فكان يُباكر الحمَّام، فإذا خرج منه أدَّى فرضَ الصلاة، ويَدخل إليه خواصُّه ووزيره أبو القاسم مُطهّر بن عبد الله، فيجلس بين يديه، ويَعرض عليه الأمور، ويستأذنه في كلِّ أمرٍ بما يراه، ثم يحضر أرباب الدَّواوين على باب قصره كما جرت به العادة يَقضون الأشغال، وإذا حضر وقتُ الطعام أكل وطبيبُه قائمٌ على رأسه يُعَرِّفه منافعَ الألوان ومضارَّها، ثم يغسل يده وينام، ثم ينتبه فيتوضّأ للصلاة ويصلي الظهر، ثم يحضر ندماؤه، وهو ينظر في القصص، ويقضي الأشغال صدرًا من الليل، ثم ينام وينتبه وقتَ الفجر فيدخل الحمام، فهذا دَأبُه، وإن كان يومُ مَوكبٍ دخل عليه النَّاس على طبقاتهم. ومن اهتمامه بأمور الرعية مالت نَفسُه إلى جارية، فشغَلَتْه عن النَّظَر في الأمور، فغَرَّقَها، وأخذ غلامٌ من رجل بِطِّيخة فقتله. وكان يحب العلم والعلماء، ويجري الرسوم على الفقهاء والقرَّاء والأدباء، ووُجد في تذكرته بعد موته: إذا فَرَغْنا من حل إقليدس تصدَّقْتُ بعشرين أَلْف درهم، وإذا فرغنا من كتاب أبي علي النَّحْوي تصدَّقتُ بخمسة آلاف درهم (١)، وكلُّ ابن يولد لي أتصدَّق بعشرة آلاف درهم، وإن كان من فلانة فبخمسين ألفًا، ولكل بنت بخمسة آلاف درهم. وكان يؤثر مجالسةَ الأدباء على مجالسة الأمراء، واجتمع له من الفضلاء والأدباء ما لم يجتمع لغيره إلَّا للمأمون وسيف الدولة بن حمدان؛ كان في أيامه: الصَّاحبُ بن عَبَّاد، وأبو إسحاق الصابئ والمتنبي، وابن نُباتة، والشَّريف الرَّضي، وأخوه المرتضى، وأبو علي الفارسيّ، وابن خالويه، والبَديع صاحب "المقامات"، ومن الزهَّاد ابن سمعون (٢) وغيرهم.

стр. 8388

وكان يُعطيهم الأموال، ويُدنيهم، ويُجالسهم، وكان ينظر بنفسه في المصالح والإقامات، والحقير من المال مثل الكبير، فلا يُطلق دِرهمًا في غير وجهه، ولا يمنع أحدًا ما يَستحِقُّه. وقال لبعض كتَّابه وقد بقي في الشهر ثلاثة أيام: ادفع للغلمان جامكياتهم، فأُنسي الرَّجل حتَّى خرج الشهر، فاستدعاه وسأله فقال: أُنسيتُ، فغضب وقال: المصيبةُ أنك ما تعلم ما في فعلك من الغَلَط؛ نحن إذا أطلقنا لهؤلاء الغلمان ما لهم وقد بقي في الشهر يوم كان لنا الفَضلُ عليهم، والإحسانُ إليهم، فإذا دخل في الشهر الثاني يومان أو ثلاثة رَأَوْا لهم المِنَّةَ علينا، فإن تَفضَّلوا بالصبر فنكون معهم إلى الخسارة أقرب من الرِّبْح. وجاء بعض الدَّيالمة -وكان قائدًا كبيرًا - ومعه صَكٌّ إلى كاتبٍ لعضد الدولة، وبيده كتاب لعضد الدولة يكتبه، فقال الدَّيلمي: اكتُب لي في هذا الصَّكّ، فقال: ما أتفرَّغُ لك اليوم، أنا مشغولٌ بكتاب الملك، فأخذ الكتابَ من يده ورماه وقال: اكتب لي في صَكّي، وبلغ عضدَ الدولة الخبر، فأمر بعضَ حُجَّابه أن يَجُرَّ الدَّيلميَّ برجله إلى باب البلد، ويُنفى إلى دَيلَمان، ففعل به ذلك وأخذ أمواله. ولما جاء إلى بغداد قال له إبراهيم الصابئ: أخاف على داري من الدَّيلَم، فأرسل معه بعضَ الدَّيالمة وقال: امنع مَن ينزل عنده، فجاء الرَّجل، فقعد على الباب، وعَرض له شُغلٌ فقام، وجاء بعض الديالمة، فنزل في الدار وفَرَشَها وقال: صَلُحت لي الدار انتقلوا، وجاء الرَّجل فقال له: الملك أمر أن لا يَنزل ها هنا أحد، فقام من ساعته، ونقل قُماشه وخرج. وبعث عضد الدولة صاحبًا له يُصلح طريقَ مكة ومعه جمال وآلات، فخرج عليه قومٌ من العرب، فأخذوا الجِمال وبقي جملٌ واحد عليه الكاتب راكب، وعليه قَفَصٌ فيه فاخِتة، فقال له زعيم القوم: ما هذا الطُّوَير؟ فقال: طائرٌ أعطاني إياه عضد الدولة وقال: إذا خرج عليكم أحدٌ من العرب فأطلقوه لأعرفَ خَبرَكم، فأبعثَ العساكرَ إليكم، فقال الرَّجل: أمسكْ يَا إنسان الطائرَ ولا تُطلقه، وردَّ جميعَ الجمال وما أخذ منهم. وكان عضد الدولة قد حَمى البلاد من مناحية، وأباد الأكراد والأعراب والمفسدين، واستأصل شأفَتَهم.

стр. 8389

وقال التَّنوخي: قدم بغداد رجلٌ من خُراسان يريد الحجَّ، ومعه عِقدٌ من الجوهر له قيمة، فأودعه عند بعض التجَّار ومضى إلى الحج، فلما عاد طلبه منه فقال: ما أعرفُك، ولا أودعتَ عندي شيئًا، ونال منه، فقال له الرجل: لا تفعل فإن هذا لملك بلدي، وهو يكون سَببًا لهلاكي، وذهابًا لنعمتي، وهو مصرٌّ على إنكاره، فعرف خبرَه رجلٌ من أكابر أهل بغداد فقال له: ما لك إلا عضد الدولة، فكتب رُقعةً يشرح له حاله، فاستدعاه خلوةً وقال له: كيف حديثُك؟ فحكى له القصة، قال: وأين دكَّان الرجل؟ فقال: في الموضع الفلاني، قال: اذهب غدًا واقعد عنده على الدكان، فإذا عَبرتُ عليك فلا تكترِثْ بي، ولا تنزعج، واكتُمِ الحال. فمضى الرجل، فلما أصبح غدا إلى الرجل وقال له: يا فلان، أنا رجلٌ غريب، فخَفِ الله فيَّ، وجعل يَستعطفه وهو لا يزداد إلا قَساوة، فبينا هو يَستعطفه وإذا بموكب عضد الدولة قد أقبل، فانهزم الناس من هَيبته، فلما حاذى الدكَّان، وقف وقال للخُراساني: أهلًا وسهلًا، متى قدمتَ؟ فقال له من غير اكتراث: منذ أيام، فقال: سبحان الله! تَقدمُ هذا البلد، ولك علينا من الحقوق القديمة والخِدَم السَّالفة ما لا نَقومُ به ولا تجيءُ إلينا، ولا تُسلِّم علينا، ما هذا الجَفاء؟! والرَّجلُ يُعرِضُ عنه، فقال عضد الدولة: الساعةَ تَحضُر إلينا لنَبُلَّ شوقَنا منك، ونقضيَ حقَّك، وسار في موكبه. فلما رآه الرجلُ الموْدَع على هذه الحالة خاف وأبلَس، وحادثه ساعةً وقال: يا فلان، لعن الله الشيطان، أُنسيت عقدَك، وتركتُه في مكان كذا، فاصبر حتى أقومَ وأتذكَّر، ثم قام ودخل دكَّانه فأخرج له العقد وقال: اجعلني في حلٍّ، فأخذ العقدَ ومضى به إلى عضد الدولة، وأخبره الخبر، فبعث بالعقد إلى دكان المودَع، وأمر بأن يُعلَّق في عُنقه ويُصلَب، ويُنادى عليه: هذا جَزاءُ من ائتُمِن فخان (١). وكَثُر اهتمام عضد الدولة بالمارستان؛ لأن الصَّرَع كان يَعتريه، فصُرع في دسته مرارًا، وبعلَّة الصَّرَع مات.

стр. 8390

وكانت نيته في بنائه جميلة فما تعرَّض لأوقافه خليفة ولا أمير، بل كانوا يَزيدون فيها، ويفتقدونه بالفُرُش والأشربة وغيرها. وكان له من البلاد فارس، وكَرْمان، وعُمان، وخُوزِستان، والأهواز، والبصرة، وواسِط، والكوفة، والعراق، والموصل، والجزيرة، وحَرَّان، والرَّقَّة، وديار بكر وربيعة، وآمِد، ومَيَّافارِقين، وخِلاط، وحُكْمه نافذٌ في الدنيا. وكان يقرأ على أبي علي الفارسي النحو، وطلب منه أن يُصنِّف له كتابًا، فصنَّف له "الإيضاح"، فنظر فيه فقال: استَصْبانا أبو علي، فعمل "التكملة". ووضع له أبو إسحاق الصابئ إسطرلابًا وأهداه إليه في يوم نَيروز، وكتب إليه: [من البسيط] أهدى إليك بنو الأملاك واختلفوا … في مَهْرجانٍ جديدٍ أنت مُبْليهِ لكنّ عبدَك إبراهيم حين رآى … عُلوَّ قَدْرك عن شيءٍ يُدانيه لم يَرضَ بالأرض يُهديها إليك فقد … أهدى لك الفَلَكَ الأعلى بما فيه فبعث إليه بثلاثة آلاف دينار. وحُسِب دخلُه في السنة فإذا هو [ثلاث مئة ألف ألف وعشرين ألف ألف درهم، فقال: أريد أن أبلغ به إلى] ثلاث مئة ألف ألف وستين ألف ألف درهم، ليكون دَخْلُنا في كل يوم ألف ألف درهم (١). ومع صدقاته وأفضاله كان يَنظُر في الدنيا، ويُنافس في القيراط، وأقام المكوس، وأثر آثارًا من الظُّلم. قال المصنف ﵀: والعجب أن الخليفة يكون دخلُه في كلّ يوم ألفي درهم أو خمسة آلاف درهم في الأكثر، وعضد الدولة مَغَلُّه هذا المقدار، فسبحان مَن قَدّر. ولعضد الدولة أشعار، خرج يومًا إلى بستان يتنزه فقال: لو ساعدنا اليومَ غيثٌ، فطَبَّق الغيم، وجاء المطر، فقال: [من الرمل] ليس شُربُ الكأسِ إلا في المطَرْ … وغِناءٌ من جَوارٍ في السَّحَرْ غانياتٍ سالباتٍ للنُّهى … ناغِماتٍ في تضاعيفِ الوَتَرْ

стр. 8391

راقصاتِ زاهراتِ نُجُلٍ … رافلاتٍ في أفانينِ الحِبَرْ مُطرِباتٍ مُحْسِناتٍ مُجُنٍ … رافِضاتِ الهمِّ إبان الفِكَرْ مُبْرِزاتِ الكأس من مَعْدِنها … مُسْقياتِ الخَمْرِ مَن فاق البَشَرْ عَضُدَ الدَّولةِ وابنَ رُكْنِها … مَلكَ الأملاكِ غَلَّابَ القَدَرْ (١) سَهَّلَ الله له بُغْيَتَهُ … في مُلوكِ الأرض ما دام القَمَرْ وأراه الخيرَ في أولاده … ليَسوسَ المُلْكَ فيهم بالغُرَرْ (٢) وقال أيضًا: [من البسيط] يا طِيبَ رائحةٍ من نَفْحَةِ الخِيري (٣) … إذا تمزَّقَ جِلبابُ الدَّياجيرِ كأنما رُشَّ بالماوَرْدِ أو عَبَقَتْ … فيه دَواخينُ نَدٍّ عند تَبْخيرِ كان أوراقَه في القَدِّ أجْنِحَةٌ … صُفرٌ وحُمرٌ وبِيضٌ كالزَّنانيرِ (٤) وشعره رَكيك إلا أنه من مثله كثير. ذكر وفاته لما أحسَّ بالموت تمثَّل بشعر القاسم بن عُبيد الله الوزير: [من الطويل] قَتَلْتُ صَناديدَ الرِّجالِ فلم أَدَعْ … عَدوًّا ولم أُمْهِلْ على ظِنَّةِ خَلْقا وأَخْلَيتُ دُورَ المُلْكِ من كُلِّ نازلٍ … وبَدَّدْتُهم غَربًا وشَرَّدْتُهم شَرقا ثم جعل يبكي ويقول: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] يُرَدِّدُها إلى أن مات. وكانت وفاته في شوال ببغداد وله سبع وأربعون سنة وإحدى عشر شهرًا وثلاثة أيام، وقيل: ثمانية وأربعون سنة وستة أشهر وخمسة عشر يومًا. وقال ابن الصابئ: وُلد بأصبهان يوم الأحد الخامس من ذي القَعدة سنة أربع وعشرين وثلاث مئة، وكانت إمارتُه خمسَ سنين وشهورًا، ودُفن بدار المملكة، وأُخفي خبرُه حتى خرجت هذه السنة، وتقرَّرت قواعدُ المملكة لولده صَمصام الدولة، ثم حُمل في السنة الآتية

стр. 8392

إلى الكوفة، ودُفن عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ في تُربةٍ عُمّرت له هناك، وكُتب على قبره في مَلْبَنٍ من ساج: هذا قبر عضد الدولة وتاج الملَّة أبي شجاع بن ركن الدولة، أحبَّ مُجاورةَ هذا الإمام التقي؛ طمعًا في الخلاص يوم تجيءُ كلُّ نفسٍ تُجادلُ عن نفسها، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وعِترتِه الطَّاهرة. ولما مات عضد الدولة اجتمع جماعةٌ من الأكابر وكانوا عشرة، فقال الأول: أيها الملك، كيف غَفَلْتَ عن كَيْد هذا الأمر حتى نَفِذ فيك، وهلَّا اتَّخذْتَ دونه جُنَّةً تَقيك، إن فيك عِبرةً للمُعتَبرِين وآية للمُسْتَبصرين، وقال الثاني: مَن استيقظ للدنيا فهذا نومُه، ومَن حَلَم فيها فهذا انتباهُه. وقال الثالث: لقد وَرِث هذه الدنيا بغير إرث، وأعطاها فوق قيمتها، وطلب الرِّبْحَ فيها فخَسِر روحَه. وقال الرابع: ما رأيتُ غافلًا في غفلته، ولا عاقلًا في عقله مثلَه. وقال الخامس: مَن جدَّ للدنيا هَزَلَتْ به، ومن هَزَل بها جَدَّت له. وقال السادس: ترك الدنيا شاغرة، ورحل منها بغير زاد ولا راحلة. وقال السابع: إن ماءً أطفأ هذه النار لَعَظيم، وإن ريحًا زَعْزَعَتْ هذا الرُّكن لَعاصف. وقال الثامن: إنما سَلَبَك مَن قَدَر عليك. وقال التاسع: لو كان مُعْتَبِرًا في حياته لما صار عِبرةً في مماته. وقال العاشر: الصَّاعد في دَرَجاتها إلى سَفال، والنَّازلُ في دَرَكاتها إلى مَعال. قال المصنف ﵀: بين كلام هؤلاء وأولئك المتقدمين المتكلِّمين على تابوت الإسكندر كما بين المَلِكَين في المساواة. [وفيها توفي] محمد بن جعفر بن أحمد أبو بكر، الحَريري، المعدَّل (١)، البغدادي، ويُعرف بزوج الحُرَّة.

стр. 8393

كان فقيرًا يَحمل على رأسه، فتزوَّج زوجةَ المقتدر، فوصل إليه أموال عظيمة. [وقد حكى الخطيب قصَّته فقال: حدثني علي بن المُحَسِّن، عن أبيه قال: حدثني] الأمير أبو الفضل جعفر بن المكتفي قال: كانت بنت بدر مولى المعتضد زوجة المقتدر بالله، فأقامت عنده سنين، وكان لها مُكرِمًا، وعليها مُتفضِّلًا، فلما قُتل المقتدر سَلِمتْ من النَّكْبَة، فخرجت بأموالها وذخائرها من الدار، وكان يدخل إلى مَطبخها حَدَثٌ يحمل فيه على رأسه، يُعرف بمحمد بن جعفر، وكان حَرِكًا، فنَفَق على القَهْرَمانة، فنَقَلَتْه من حال إلى حال حتى جعلتْه وكيلَ المطبخ، ثم ارتفع أمرُه حتى صار ينظر في ضِياعها، وغلب عليها، وصارت تُكلِّمُه من وراء الستر، فعَلِقَ بقلبها، فدَعَتْه إلى تزويجها فلم يَجْسُر، فأعطته مالًا كثيرًا، فصانع به القضاة والحكام والأولياء، فتزوَّجها. فأقام معها سنين فماتت، فوَرِث منها نحوًا من ثلاث مئة ألف دينار، وأوصَتْ إليه في ضياعها وأوقافها ومالها، فأُقِرَّتْ في يده. وكان يُسمَّى زوج الحُرَّةِ لأجل أن المقتدر تزوَّجها، وكذا عادة الخلفاء لغَلَبة المملوكات عليهم فقيل لها: الحرة. [وقال الخطيب: وحدثني علي بن شاذان قال: كان زوج الحرة جارنا، وسمعتُ منه مجالسَ من أماليه، وكان يَحضُر مجلسه القاضي الجَرَّاحي، وأبو الحسين بن المظَفَّر، والدارقطني، وابن حَيُّويه وغيرهم من الشيوخ.] توفي زوج الحرة ليلة الجمعة، ودُفن يوم الجمعة لأربع خلون من صفر بالقرب من مَعروف الكَرْخيّ [وحضرتُ مع أبي الصلاة عليه] وكان عَدْلًا مَرضيًّا. [حدَّث عن محمد بن جرير الطَّبَري، وعبد الله بن محمد البَغَوي، وأبي بكر بن أبي داود وأمثالهم، وروى عنه ابن رزقويه، والبَرْقاني، وشيوخ الخطيب وغيرهم. وكان] جليل القدر من الثقات.

стр. 8394

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان تصنيف شمس الدين أبي المظفر يوسف بن قز أوغلي بن عبد الله المعروف بـ «سبط ابن الجوزي» (٥٨١ هـ - ٦٥٤ هـ) الجزء الثامن عشر [٣٧٣ - ٤٤٨ هـ] حقق هذا الجزء وعلق عليه محمد أنس الخن - كامل محمد الخراط

стр. 8395

السنة الثالثة والسبعون وثلاث مئة فيها في أول المُحرَّم ورد أبو الحسن محمد بن عمر بن يحيى العلوي وابنُ معروف ومَنْ حبسه عَضُد الدولة في القلعة إلى بغداد، وورد -أيضًا- أبو عبد الله الحسين بنُ عزِّ الدولة وإخوتُه. وقيل: تأخَّر حضورُهم. وفي الثاني عشر (١) من المُحرَّم أُظهرت وفاةُ عَضُد الدولة، وحُمِل تابوتُه إلى المشهد (٢)، وتولَى حَمْلَه أبو الحسن علي بن أحمد نقيبُ العلويين، وجلس صَمْصام الدولة في العزاء (٣)، وجاءه الطائع معزِّيًا، ولُطِمَ عليه في دُوره وفي الأسواق أيامًا. وفي يوم السبت لسبعٍ بَقِين من المُحرَّم ركب صَمْصام الدولة إلى دار الخلافة، وخُلِعَ عليه الخِلَع السبع، وتُوِّج وطُوِّق وسُوِّر كما فُعِلَ بأبيه، وقُرِئ عهدُه. [قال ابن الصابئ:] (٤) وكان الطالعُ العقرب، وعاد إلى داره وقد ضُرِبت له القِبابُ كما جرَت عاداتُ أبيه، وأَخرج في البيعة (٥) ألفي ألف درهم، ولقَّبه الخليفةُ شمسَ المِلَّة، وكتب إلى الآفاق ببيعته. وفي صفر انقضَّ كوكبٌ عظيمٌ، وسُمِع بعدَه صوتُ الرعد (٦). وفي صفر أيضًا شغبتِ الدَّيلمُ والأتراكُ شغبًا عظيمًا، وخرجوا بعيالاتهم وأموالهم نحو فارس، ونهبوا ما قدروا عليه من الإصطبلات من الدوابِّ وغيرها، ولم يقدِرْ صَمْصام الدولة على منعِهم، وورد أبو طاهر فيروزشاه بن عضد الدولة إلى البصرة.

стр. 8396

وفي شعبان مات مؤيد الدولة أبو منصور بُوَيْه بن ركن الدولة، وجلس صَمْصام الدولة في العزاء، وجاء الطائع مُعزِّيًا. وفيها غَلَتِ الأسعارُ بالعراق، وجاع الناس مجاعةً عظيمةً، وبلغ كُرُّ (١) الحنطةِ ثلاثةَ آلاف درهم، والشعيرِ ألفًا وخمس مئة درهم، ثم زاد سعرُ الحنطة فبلغ الكرُّ أربعةَ آلاف درهم، والشعيرُ ألفي درهم، ومات الناس على الطُّرق، وهلك الضعفاء، ثم تناقص، وأُنزلت جُثَّة محمد بن بَقيَّة ودُفِن، وأُطلق من كان بالحبوس. وفيها توفِّي بُوَيه بن ركن الدولة ويلقَّب بمؤيد الدولة (٢)، وكان مقيمًا بجُرجان، ولمَّا احتُضِر قال له وزيره الصاحب بن عبَّاد: لو عهد الأميرُ الأمرَ إلى مَنْ يراه عهدًا كان أسكنَ للجند، إلى أن يتفضَّل الله بعافيته وقيامه إلى تدبير مملكته، كان ذلك من الاستظهار الذي لا ضرر فيه -وكان قد عرضت له علة الخوانيق يوم الأحد ثالث عشر شعبان (٣) - فقال: أنا في شُغل عمَّا تخاطبني به، وما لهذا الملك قَدْرٌ مع انتهاء الإنسان إلى مثل ما أنا فيه، فافعلوا ما بدا لكم أن تفعلوا، ثم أشفى. فقال له الصاحب: تُبْ يا مولانا من كلِّ ما فرَّطْتَ فيه، وتبرَّأْ من هذه الأموال التي لستَ على ثقةٍ من طيبها وحصولها من حِلِّها، واعتقِدْ -متى عافاك الله- صَرْفَها في وجوهها، ورُدَّ كلَّ ظُلامةٍ تعرفها وتقدر على ردِّها. ففعل ذلك، وتلفَّظ به، وقضى نَحْبَه. وكتب الصاحبُ في الوقت إلى فخر الدولة بالإسراع والتعجيل، وأنفذ إليه خاتمَ مؤيد الدولة، وأرسل بعض خواصِّه وثقاته، فاستخلفه على الحفظ والوفاء بالعهد، وكان فخر الدولة إذ ذاك بأسفرايين من نواحي نيسابور، وقد رأى في منامه تلك الليلة كأنَّ ركنَ الدولة وعَضُدَ الدولة في مركب في بحر أسود، وقد قَدِما إلى الساحل، وأخذا

стр. 8397

مؤيدَ الدولة، فأوَّل ذلك وفاة مؤيد الدولة، وقُدِّر له ورودُ الخبر به، فورد عليه كتاب الصاحب بِنَعْيه بعد ما رأى في المنام بخمسة أيام، فسار وهو على إضاقةٍ شديدة، وكان الصاحب قد أجلس الأمير أبا العباس خسرو فيروز أخا مؤيد الدولة، وأخذ له البيعة على الجند أنه خليفةُ فخرِ الدولة أخيه، فلما جاء فخر الدولة سلَّم له الصاحب المُلْكَ، وأطاعَه الناس، وحلفوا له على السمع والطاعة. ولمَّا استقرَّ له المُلكُ قال له الصاحب: يا مولانا، قد بلَّغكَ اللهُ وبلَّغني فيك ما أملتُه أنا وأنت، ومن حقوق خدمتي له وحرمتي بك إجابتي إلى ما أوثره من ملازمة داري، واعتزال الجند، وتوفيري (١) على أمر الله، الذي هو أحسنُ عاقبة، وأنفعُ لي في الآخرة. فقال له: لا تفعَلْ أيها الصاحب هذا؛ فإنَّني ما أُريد هذا المُلكَ إلَّا لك، ولا يستقيم أمري فيه إلَّا بك، وإذا كرهتَ ملابسةَ الأمور كرهتُ ذلك لكراهتِكَ، وعُدْتُ من حيث أتيتُ. فاسترجع الصاحب وقال: للهِ الأمرُ مِنْ قَبْلُ ومِنْ بَعْدُ. وقبَّل الأرض بين يديه، وشكره وقال: الأمرُ أمرُكَ. ثم انصرف فخر الدولة إلى الريِّ، وخَلَع على الصاحب الخِلَع السنيَّة (٢). وتُوفِّي مؤيد الدولة وله ثلاث وأربعون سنة وشهرٌ، وكانت إمارته سبع سنين وشهرًا (٣) وخمسة وعشرين يومًا (٤)، وكان قد تزوَّج بنت عمه مُعِزِّ الدولة، فأنفق في عرسها سبع مئة ألف دينار، واسمُها زُبيدة. [وفيها توفِّي سعيد بن سلَّام أبو عثمان المغربي (٥)، وقيل: ابن سَلْم]

стр. 8398

ولد بقرية من قرى القيروان يقال لها: كَرْكِنْت [ضبطها الخطيب بكافين، وكان أوحد زمانه؛ قال الخطيب] (١): كان أوحدَ عصره في الورع والزهد والعزلة، [لقي الشيوخ بمصر، ثم دخل بلاد الشام، وصحب أبا الخير الأقطع، وجاور بمكة سنين فوق العشر، وكان لا يظهر في المواسم، ثم انصرف إلى العراق [لمحنةٍ لحقته بمكة في السنة، فسُئِلَ المُقام ببغداد، فلم يُجِبْهم] ومضى إلى نيسابور، فأقام بها، وكانت له كرامات، وكان أبو سليمان الخطابي يقول قد قال النبي ﷺ لعمر: "قد كان في الأمم مُحدَّثون، فإن يَكُ في أمتي فعُمر (٢) " وأنا أقول: إن كان في هذا العصر أحدٌ من المُحدَّثين فأبو عثمان. وقال أبو عثمان (٣): كنت ببغداد، فكان بي وجعٌ في مثانتي، فكنتُ أستغيث بالله، فناداني بعض الجنِّ وقال: ما استغاثتُك [بالله] وغوثُه منك ببعيد؟! ثم قَرَّب إليَّ سطلًا، فبُلْتُ فيه، فخرج مني شيءٌ بقوة، فضرب وسط السطل حتى سمعتُ له صوتًا، فإذا هو حجزٌ قد خرج من مثانتي، وذهب الوجع مني، فقلت: ما أسرعَ الغوث! وكذا الظنُّ به. [وذكره ابن خميس في المناقب وقال:] وكان أبو عثمان أوحدَ المشايخ في طريقته وتقدُّمه، ولم يُرَ مثلُه في علوِّ الحال، وصَونِ الوقت، وصحَّةِ الحكم بالفراسة، وقوةِ الهيبة. سُئِلَ عن الاعتكاف، فقال: حفظ الجوارح تحت الأوامر. وقال: من تحقَّقت عبوديَّتُه ظهر سِرُّه على مشاهدة الغيوب، فأجابته القدرة إلى ما يريد. وقيل له: إن فلانًا سافر! فقال: يجب أن يسافر عن هواه وشهوته، وإلَّا فالسفر غُربةٌ، والغربة ذِلَّةٌ، وليس للمؤمن أن يُذِلَّ نفسَه.

стр. 8399

وذُكر عنده قولُ الشافعي رحمة الله عليه: العِلْمُ عِلْمان؛ علم الأديان، وعلم الأبدان. فقال أبو عثمان: ما أحسنَ ما قال! علم الأديان علم الحقائق والمعارف، وعلم الأبدان علم السياسات والرياضات والمجاهدات. وقال: مَنْ آثرَ صحبة الأغنياء على صحبة الفقراء ابتلاه الله بموت القلب. وقال: الساكت بعلْمٍ أحمَدُ أثرًا من الناطق بجهل. وقال: من أعطى نفسه الأماني قطع عمرَه بالتسويف والتواني (١). [ذِكْرُ وفاته: قال الخطيب (٢): كان مقيمًا بمكة، فسعى بعض الأعداء إلى العلوية في زُورٍ نُسب إليه، فأخرجوه من مكة، فقدم بغداد فأقام بها سنة، ثم خرج منها إلى نيسابور ومات بها] في جمادى الأولى، وصلَّى عليه القاضي أبو بكر بن فُورَك، ودُفِنَ إلى جانب أبي عثمان الحيري، [وأوصى أن يصلّي عليه القاضي ابن فُورَك، لقي عدَّةً من المشايخ؛ أبا يعقوب النهر جوري، وأبا الحسن بن الصايغ، وأبا عمرو الزَّجَّاج، وغيرهم، وكان ثقةً مأمونًا. وفيها تُوفِّي عبد الله بن أحمد بن مردانه أبو محمد الأصفهاني، ويعرف بالظريف، رحل وسمع الحديث، ومولده سنة ثلاث وسبعين ومئتين. وحكى الخطيب (٣) عنه أنه قال: صُمْتُ ثمانيةً وثمانين رمضان، وكان زاهدًا عابدًا، سكن بغداد، وحدَّث بها عن البغوي، والباغَنْدي، وابن أبي داود، وغيرهم، وكان ثقة.

стр. 8400

وفيها توفِّي] عبد الله بن العباس ابن أحمد بن محمد بن عاصم، ويُعرف بالعُصْمي، من أهل هَراة. وُلدَ سنة أربع وتسعين ومئتين، وسافر، ولقي الشيوخ. [ذكره الخطيب فقال:] (١) وكان ثقةً نبيلًا رئيسًا جليلًا، من ذوي الأقدار العالية، وله إفضالٌ كبيرٌ على الصالحين والفقراء المستورين، وكان يُضرَبُ الدينار فيه مثقال ونصف، ويقول: إن الفقير يفرح إذا ناولتَه كاغَدًا (٢) يتوهَّم أنَّ فيه (٣) فضةً، ثم يفتحه فيجده ذهبًا، فيفرح، فإذا وزنه ووجده قد زاد على المثقال ازداد فرحُه. استشهد [برسداق خواف من أعمال نيسابور، وأوصى أن يُحمل تابوتُه إلى هَراة، فحُمل إليها ودُفن بها، سمع بنيسابور مكيَّ بن عبدان، وبالري أحمد بن خالد الحروري، وببغداد يحيى بن صاعد وغيرهم. وروى عنه الدارقطني وابن رَزْقويه وغيرهما، وقَدِم بغداد وحدَّث بها، وسمع أيضًا، وأجمعوا عليه (٤). [وفيها توفي] عبد الله بن محمد ابن عثمان بن المختار أبو محمد المزني الواسطي، [ويعرف بابن السَّقَّاء. قال الخطيب (٥): ورد بغداد فحدَّث بها مجالسه كلَّها من حِفْظِه بحضرة ابن المظفَّر والدارقطني، وكانا يقولان: ما رأينا معه كتابًا إنما حدَّثنا حفظًا، وما أخذنا عنه خطأ

стр. 8401

في شيء، إلا أنه حدَّث عن أبي يعلى الموصلي بحديثٍ بَقِيَ في القلب منه شيء. قال أبو العلاء الواسطي: فلمَّا عدت إلى واسط أخبرتُه، فأخرج الحديث في أصله بخطِّ الصِّبا. وكانت وفاته بواسط، سمع عَبدان وأبا يعلى الموصلي والبغوي وغيرَهم، وروى عنه الدارقطني وشيوخ الخطيب، ويوسف بن عمر القوَّاس. قال يوسف: وسمعته يقول]: الذين وقع عليهم اسمُ الخلافة ثلاثةٌ: آدم وداود ﵉، وأبو بكر الصديق رضوان الله عليه. قال الله تعالى في حقِّ آدم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] وقال في حقِّ داود: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ [ص: ٢٦]، وقُبِضَ رسولُ الله ﷺ عن ثلاثين ألف مسلم، كلُّهم يقول لأبي بكر: يا خليفة رسول الله. ولم يَتَسَمَّ به سواه. السنة الرابعة والسبعون وثلاث مئة فيها صَلُح الحالُ بين فخر الدولة وصَمصام الدولة، وكان بينهما وَحشةٌ، فلما انتصب فخر الدولة في المُلك شرع أبو عبد الله بن سعدان في إصلاح ذات البين، فكتب إلى الصاحب بن عبَّاد، وكان يخاطبه بسيدنا الصاحب الجليل، والصاحب يخاطبه بالأستاذ مولاي ورئيسي، واتَّفق الحالُ بينهما على قدوم أبي العلاء الحسن بن محمد بن سَهْلويه من الريِّ للسفارة في التقرير والخِلَع السلطانية والعهد واللقب الثاني لفخر الدولة، فأكرمه أبو عبد الله وأنزله، وحمل إليه المال والثياب والهدايا، وخوطب بذلك فأجاب، وجلس يوم الجمعة لخمسٍ بَقِينَ من جمادى الأولى، وأُحضِرتِ الخِلَعُ المعهودة ما عدا التاج، وقُرِئ عهدُه بين يدي الطائع على بلاده، ولُقِّب بفلك الأمة مُضافًا إلى فخر الدولة، [وهو لقبٌ ثقيل، وخرج أبو العلاء إلى فخر الدولة] (١) بالجميع فسلَّمه إليه، وعاد إلى بغداد فأقام بها نيابةً عن فخر الدولة إلى آخر أيام صَمْصام الدولة.

стр. 8402

وفيها دخلت القرامطةُ البصرةَ لمَّا علموا بموت عضد الدولة، ولم يكن لهم قوةٌ على حصارها، فجمع لهم أهلُها مالًا، فأخذوه وعادوا. وفيها ملكت الأكراد ديار بكر (١) ومَيَّافارقين (٢)، وسببه أنه كان بجبال حِيزَان (٣) رجلٌ كرديٌّ يقال له: أبو عبد الله الحسين بن دُوسْتَك، ولقبه باذ، اجتمع إليه خلق كثير، وكان يقطع الطريق، ويشُنُّ الغارات على ديار بكر، فلمَّا مات عَضُدُ الدولة قَويَ أمره، وكان مُقامُه في بلد حِيزان والمَعْدِن (٤)، فحدَّث نفسه بالمُلكِ، وضايق ميَّافارقين وكاتبَ أهلَها، ووعدهم بالجميل، وحلف لهم فأجابوه، وجاء ففتحوا له الباب، وكانوا من الدَّيلم في جَورٍ عظيم، فدخلها وولَّاها أخاه أبا الفوارس، وشرع في فتوح البلاد، فبعث إليه صَمْصام الدولة جيشًا مع رجل يُقال له: أبو حرب، فكسره باذ، وغنِمَ عسكرَه، فبعث إليه صَمْصام الدولة أبا الحسن علي بن الحسين المغربي والد الوزير المغربي، فنازل مَيَّافارقين وكان باذ يُغير عليه وينهب عسكره، فعاد إلى الموصل وكان واليها أبو القاسم بن سعدان، فأصلح بين باذ وصَمْصام الدولة على بعض ديار بكر، وعاد باذ إلى الغارات، وولي بهاء الدولة فجهَّزَ إليه جيشًا مع قائدٍ يُقال له: ابن الطائي، فالتقى بباذ على طور عَبْدِين (٥) الرأسِ المطلِّ على نَصيبين، واقتتلوا، فقُتِلَ أبو الفوارس أخو باذ، فحُمِلَ إلى ميَّافارقين، فدُفِن بقُبَّةٍ تُعرف بقُبة أبي الفوارس، وانهزم باذ إلى حِيزان، وكان أولاد ناصر الدولة بحلب، فجاء أبو طاهر وأبو عبد الله -ابنا ناصر الدولة- يريدان الملك، فقصدوا باذ وهو يهرب من مكان إلى مكان، فضايقوه إلى طور عَبْدِين، فأراد أن يُغيِّر فرسه بآخر، فوقع فمات. وقيل: كان به رَمَقٌ، فقتلوه، وسنذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 8403

ذكر ولاية [بني] (١) مروان ديار بكر: لما قُتِلَ باذ؛ كان له صِهرٌ على أخته يُقال له: مروان بن كسرى، وكان له من أخت باذ أولاد: أبو علي الحسين، وسعيد، وأحمد، وولد آخر، وكانوا من قرية يقال لها: كرماص بين إِسْعِرْد (٢) والمَعْدِن وكانوا رؤساءها، فلما خرج باذ خرج معه بنو أخته فكانوا معه في وقائعه، فلما قُتِلَ باذ صاح أبو علي الحسين بأصحاب باذ: إليَّ [إليَّ] فاجتمعوا إليه، فحمل علي بني حمدان، فانهزموا أقبحَ هزيمة، ونهبهم وأخذ أموالهم، وجاء إلى حصن كَيْفا (٣)، وبه زوجة خاله باذ، وكانت من الدَّيلم، فدخل الحصن وتزوَّج بها، وسار إلى ميَّافارقين وغيرها من الحصون ففتحها، وأحسَنَ السيرة، وكان إخوته في خدمته، وأحبَّه الناس، وتمَّ له فتح الحصون في سنة ثمانين وثلاث مئة، وسنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. وفيها توفِّي عبد الرحيم بن محمد ابن إسماعيل بن نُباتة أبو يحيى الخطيب الفارقي، وُلدَ بمَيَّافارقين سنة خمس وثلاثين وثلاث مئة، وبرع في علم الأدب، ويقال: إنه كان يحفظ "نهج البلاغة"، وعامَّةُ خُطبه من ألفاظها ومعانيها واشتقاقاتها ومبانيها، وذلك لأنه شرب من بحرِها رَيًّا، ولم يغتبِطْ له رويًّا، فغاص ثم غاص، فلا هو هَزَّها كلامًا، ولا غيَّرها نظامًا، فسهَّلتْ خُطَبُه السعادة، ونشر الله ذِكره ووَفَر إسعادَه، وخُطَبُه في غاية الجَوْدة، إلا أنهم قد أخذوا عليه في مواضع، وما أحسن قوله: شهادةٌ أبرمَ الإيمان سببَها، وأحكم الإتقان طُنْبَهَا (٤)، وهذَّب الزمانُ مذهبَها، وأعذبَ الرحمنُ مشربَها. وقولَه: نادوا في أقطار الربوع الهامدة، وآثار الجموع البائدة. وقولَه: أروى اللهُ ببحور الحِكَم صوادي قلوبنا، وغطَّى بستور النِّعم بوادي عيوبِنا.

стр. 8404

ومن أحسنها الخطبة المنامية: قال عبد الرحيم: لمَّا عملتُ الخطبةَ المناميةَ، وخطبتُ بها يوم الجمعة، رأيتُ ليلة السبت في منامي كأني بظهر مَيَّافارقين عند الجبَّانة، وهناك جمع كبير، فقلتُ: ما هذا الجمع؟ فقال لي قائل: هذا رسول الله ﷺ ومعه الصحابة، فقصدتُه لأُسَلِّم عليه، فلَّما دنوتُ منه التفتَ فرآني، فقال لي: [مرحبًا] (١) يا خطيب الخطباء، كيف تقول؟ وأومأ إلى القبور: كأنَّهم لم يكونوا للعيون قُرَّة، ولم يُعَدُّوا في الأحياء مرَّة. قال: فامتثلتُ أمرَهُ، وقلتُ الكلمات، ثم قلت: أسكتهم -واللهِ- الذي أنطقَهم، وأبادَهم الذي خلقَهم، وسَيُجِدُّهم كما أخْلَقَهم، ويجمعُهم كما فرَّقَهم، يوم يُعيد اللهُ العالمين خلقًا جديدًا، ويجعلُ الظالمين لنار جهنم وَقودًا، يوم تكونوا شُهداء على الناس، ويكونُ الرسولُ عليكم شهيدًا. وأومأتُ عند قولي: "شهداء على الناس" إلى الصحابة، وعند قولي: "شهيدًا" إلى رسول الله ﷺ ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَينَهَا وَبَينَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٣٠]. فقال لي رسول الله ﷺ : أحسنتَ أحسنتَ! ادْنُهْ. فدنوتُ منه، فأخذ وجهي فقبَّله، وتفَلَ في فِيَّ، وقال: وفَّقَكَ الله. فانتبهتُ من النوم، وبي من السرور ما يَجِلُّ عن الوصف، وأخبرتُ أهلي بما رأيتُ. قال أبو القاسم يحيى ولدُ ولدِ ولدِ الخطيب: بقِيَ الخطيب بعد هذا المنام ثلاثة أيام لا يطعم بطعام ولا يشتهيه، وتوجد من فيه رائحة المسك، ولم يعِشْ بعد ذلك إلا مدةً يسيرة، وكانت وفاته بمَيَّافارقِين عن تسع وثلاثين سنة. ولولده أبي طاهر محمدٍ خطبٌ أيضًا. [وفيها توفِّي] محمد بن محمد ابن مكي، أبو أحمد القاضي الجُرجاني، رحل في طلب العلم إلى البلاد، وطلب الحديث، ولقي الشيوخ، وكانت وفاته بأَرَّجان (٢)، وكان حافظًا فاضلًا، [سمع بدمشق

стр. 8405

أبا الطيب أحمد بن إبراهيم بن عبادل وغيره، وببغداد يحيى بن محمد بن صاعد، وبخراسان محمد بن يوسف الفَرَبْري، وحدَّث عنه بكتاب "صحيح البخاري" وغيره، وروى عنه الحافظ أبو تمَّام عبد الملك بن أحمد بن علي بن عبدوس الأهوازي، والحاكم، وخلقٌ كثير. وقال الخطيب: أنشدني محمد بن الحسن بن أحمد الأهوازي قال: أنشدني القاضي أبو أحمد الجرجاني هذه الأبيات] (١): [من الوافر] مضى زمن وكان الناسُ فيهِ (٢) … كرامًا لا يخالطهم خسيسُ فقد دُفِعَ الكرامُ إلى زمانٍ … أخسُّ رجالِهمْ فيه رئيسُ تعطَّلتِ المكارمُ يا خليلي … وصارَ الناسُ ليس لهم نفوسُ السنة الخامسة والسبعون وثلاث مئة وفيها أشار أبو الفتح الرازي على صَمْصام الدولة أن يَجعلَ على الثياب الإبريسميّات والقطنِ -التي تُنسج ببغداد- ضريبةً. وقال [أبو الفتح]: هذه جهةٌ يحصل منها في كل سنةٍ ألفُ ألفِ درهم، وبلغَ العوامَّ فشغَبوا، ومنعوا الخطباء يوم الجمعة من الصلوات، وضَجُّوا، وكادت تقع فتنةٌ، فرجع صَمْصام الدولة عن ذلك، وأعفاهم من إحداث هذا الرسم. وفيها ورَدَ كتابٌ بوفاة ابن مؤيد الدولة، فجلس صَمْصام الدولة في العزاء، واحتفل الطائع، فنزل في زَبْزبِه (٣)، وعليه أُبَّهةُ الخلافة، والقُرَّاءُ والقضاةُ والأشرافُ في الزبازب حولَه، وجاء إلى دار السلطنة مُعزِّيًا لِصَمْصام الدولة، فنزل صَمْصام الدولة إلى المَشْرَعة (٤) وقبَّل الأرض، وعاود، ولم يُمكنه من الصعود من الزَّبزَبِ، فعاد إلى داره.
следующие страницы →