في شيء، إلا أنه حدَّث عن أبي يعلى الموصلي بحديثٍ بَقِيَ في القلب منه شيء. قال أبو العلاء الواسطي: فلمَّا عدت إلى واسط أخبرتُه، فأخرج الحديث في أصله بخطِّ الصِّبا.
وكانت وفاته بواسط، سمع عَبدان وأبا يعلى الموصلي والبغوي وغيرَهم، وروى عنه الدارقطني وشيوخ الخطيب، ويوسف بن عمر القوَّاس. قال يوسف: وسمعته يقول]: الذين وقع عليهم اسمُ الخلافة ثلاثةٌ: آدم وداود ﵉، وأبو بكر الصديق رضوان الله عليه.
قال الله تعالى في حقِّ آدم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] وقال في حقِّ داود: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ [ص: ٢٦]، وقُبِضَ رسولُ الله ﷺ عن ثلاثين ألف مسلم، كلُّهم يقول لأبي بكر: يا خليفة رسول الله. ولم يَتَسَمَّ به سواه.
السنة الرابعة والسبعون وثلاث مئة
فيها صَلُح الحالُ بين فخر الدولة وصَمصام الدولة، وكان بينهما وَحشةٌ، فلما انتصب فخر الدولة في المُلك شرع أبو عبد الله بن سعدان في إصلاح ذات البين، فكتب إلى الصاحب بن عبَّاد، وكان يخاطبه بسيدنا الصاحب الجليل، والصاحب يخاطبه بالأستاذ مولاي ورئيسي، واتَّفق الحالُ بينهما على قدوم أبي العلاء الحسن بن محمد بن سَهْلويه من الريِّ للسفارة في التقرير والخِلَع السلطانية والعهد واللقب الثاني لفخر الدولة، فأكرمه أبو عبد الله وأنزله، وحمل إليه المال والثياب والهدايا، وخوطب بذلك فأجاب، وجلس يوم الجمعة لخمسٍ بَقِينَ من جمادى الأولى، وأُحضِرتِ الخِلَعُ المعهودة ما عدا التاج، وقُرِئ عهدُه بين يدي الطائع على بلاده، ولُقِّب بفلك الأمة مُضافًا إلى فخر الدولة، [وهو لقبٌ ثقيل، وخرج أبو العلاء إلى فخر الدولة] (١) بالجميع فسلَّمه إليه، وعاد إلى بغداد فأقام بها نيابةً عن فخر الدولة إلى آخر أيام صَمْصام الدولة.
стр. 8402
وفيها دخلت القرامطةُ البصرةَ لمَّا علموا بموت عضد الدولة، ولم يكن لهم قوةٌ على حصارها، فجمع لهم أهلُها مالًا، فأخذوه وعادوا.
وفيها ملكت الأكراد ديار بكر (١) ومَيَّافارقين (٢)، وسببه أنه كان بجبال حِيزَان (٣) رجلٌ كرديٌّ يقال له: أبو عبد الله الحسين بن دُوسْتَك، ولقبه باذ، اجتمع إليه خلق كثير، وكان يقطع الطريق، ويشُنُّ الغارات على ديار بكر، فلمَّا مات عَضُدُ الدولة قَويَ أمره، وكان مُقامُه في بلد حِيزان والمَعْدِن (٤)، فحدَّث نفسه بالمُلكِ، وضايق ميَّافارقين وكاتبَ أهلَها، ووعدهم بالجميل، وحلف لهم فأجابوه، وجاء ففتحوا له الباب، وكانوا من الدَّيلم في جَورٍ عظيم، فدخلها وولَّاها أخاه أبا الفوارس، وشرع في فتوح البلاد، فبعث إليه صَمْصام الدولة جيشًا مع رجل يُقال له: أبو حرب، فكسره باذ، وغنِمَ عسكرَه، فبعث إليه صَمْصام الدولة أبا الحسن علي بن الحسين المغربي والد الوزير المغربي، فنازل مَيَّافارقين وكان باذ يُغير عليه وينهب عسكره، فعاد إلى الموصل وكان واليها أبو القاسم بن سعدان، فأصلح بين باذ وصَمْصام الدولة على بعض ديار بكر، وعاد باذ إلى الغارات، وولي بهاء الدولة فجهَّزَ إليه جيشًا مع قائدٍ يُقال له: ابن الطائي، فالتقى بباذ على طور عَبْدِين (٥) الرأسِ المطلِّ على نَصيبين، واقتتلوا، فقُتِلَ أبو الفوارس أخو باذ، فحُمِلَ إلى ميَّافارقين، فدُفِن بقُبَّةٍ تُعرف بقُبة أبي الفوارس، وانهزم باذ إلى حِيزان، وكان أولاد ناصر الدولة بحلب، فجاء أبو طاهر وأبو عبد الله -ابنا ناصر الدولة- يريدان الملك، فقصدوا باذ وهو يهرب من مكان إلى مكان، فضايقوه إلى طور عَبْدِين، فأراد أن يُغيِّر فرسه بآخر، فوقع فمات. وقيل: كان به رَمَقٌ، فقتلوه، وسنذكره إن شاء الله تعالى.
стр. 8403
ذكر ولاية [بني] (١) مروان ديار بكر:
لما قُتِلَ باذ؛ كان له صِهرٌ على أخته يُقال له: مروان بن كسرى، وكان له من أخت باذ أولاد: أبو علي الحسين، وسعيد، وأحمد، وولد آخر، وكانوا من قرية يقال لها: كرماص بين إِسْعِرْد (٢) والمَعْدِن وكانوا رؤساءها، فلما خرج باذ خرج معه بنو أخته فكانوا معه في وقائعه، فلما قُتِلَ باذ صاح أبو علي الحسين بأصحاب باذ: إليَّ [إليَّ] فاجتمعوا إليه، فحمل علي بني حمدان، فانهزموا أقبحَ هزيمة، ونهبهم وأخذ أموالهم، وجاء إلى حصن كَيْفا (٣)، وبه زوجة خاله باذ، وكانت من الدَّيلم، فدخل الحصن وتزوَّج بها، وسار إلى ميَّافارقين وغيرها من الحصون ففتحها، وأحسَنَ السيرة، وكان إخوته في خدمته، وأحبَّه الناس، وتمَّ له فتح الحصون في سنة ثمانين وثلاث مئة، وسنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
وفيها توفِّي
عبد الرحيم بن محمد
ابن إسماعيل بن نُباتة أبو يحيى الخطيب الفارقي، وُلدَ بمَيَّافارقين سنة خمس وثلاثين وثلاث مئة، وبرع في علم الأدب، ويقال: إنه كان يحفظ "نهج البلاغة"، وعامَّةُ خُطبه من ألفاظها ومعانيها واشتقاقاتها ومبانيها، وذلك لأنه شرب من بحرِها رَيًّا، ولم يغتبِطْ له رويًّا، فغاص ثم غاص، فلا هو هَزَّها كلامًا، ولا غيَّرها نظامًا، فسهَّلتْ خُطَبُه السعادة، ونشر الله ذِكره ووَفَر إسعادَه، وخُطَبُه في غاية الجَوْدة، إلا أنهم قد أخذوا عليه في مواضع، وما أحسن قوله: شهادةٌ أبرمَ الإيمان سببَها، وأحكم الإتقان طُنْبَهَا (٤)، وهذَّب الزمانُ مذهبَها، وأعذبَ الرحمنُ مشربَها. وقولَه: نادوا في أقطار الربوع الهامدة، وآثار الجموع البائدة. وقولَه: أروى اللهُ ببحور الحِكَم صوادي قلوبنا، وغطَّى بستور النِّعم بوادي عيوبِنا.
стр. 8404
ومن أحسنها الخطبة المنامية:
قال عبد الرحيم: لمَّا عملتُ الخطبةَ المناميةَ، وخطبتُ بها يوم الجمعة، رأيتُ ليلة السبت في منامي كأني بظهر مَيَّافارقين عند الجبَّانة، وهناك جمع كبير، فقلتُ: ما هذا الجمع؟ فقال لي قائل: هذا رسول الله ﷺ ومعه الصحابة، فقصدتُه لأُسَلِّم عليه، فلَّما دنوتُ منه التفتَ فرآني، فقال لي: [مرحبًا] (١) يا خطيب الخطباء، كيف تقول؟ وأومأ إلى القبور: كأنَّهم لم يكونوا للعيون قُرَّة، ولم يُعَدُّوا في الأحياء مرَّة. قال: فامتثلتُ أمرَهُ، وقلتُ الكلمات، ثم قلت: أسكتهم -واللهِ- الذي أنطقَهم، وأبادَهم الذي خلقَهم، وسَيُجِدُّهم كما أخْلَقَهم، ويجمعُهم كما فرَّقَهم، يوم يُعيد اللهُ العالمين خلقًا جديدًا، ويجعلُ الظالمين لنار جهنم وَقودًا، يوم تكونوا شُهداء على الناس، ويكونُ الرسولُ عليكم شهيدًا. وأومأتُ عند قولي: "شهداء على الناس" إلى الصحابة، وعند قولي: "شهيدًا" إلى رسول الله ﷺ ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَينَهَا وَبَينَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٣٠]. فقال لي رسول الله ﷺ : أحسنتَ أحسنتَ! ادْنُهْ. فدنوتُ منه، فأخذ وجهي فقبَّله، وتفَلَ في فِيَّ، وقال: وفَّقَكَ الله. فانتبهتُ من النوم، وبي من السرور ما يَجِلُّ عن الوصف، وأخبرتُ أهلي بما رأيتُ. قال أبو القاسم يحيى ولدُ ولدِ ولدِ الخطيب: بقِيَ الخطيب بعد هذا المنام ثلاثة أيام لا يطعم بطعام ولا يشتهيه، وتوجد من فيه رائحة المسك، ولم يعِشْ بعد ذلك إلا مدةً يسيرة، وكانت وفاته بمَيَّافارقِين عن تسع وثلاثين سنة.
ولولده أبي طاهر محمدٍ خطبٌ أيضًا.
[وفيها توفِّي]
محمد بن محمد
ابن مكي، أبو أحمد القاضي الجُرجاني، رحل في طلب العلم إلى البلاد، وطلب الحديث، ولقي الشيوخ، وكانت وفاته بأَرَّجان (٢)، وكان حافظًا فاضلًا، [سمع بدمشق
стр. 8405
أبا الطيب أحمد بن إبراهيم بن عبادل وغيره، وببغداد يحيى بن محمد بن صاعد، وبخراسان محمد بن يوسف الفَرَبْري، وحدَّث عنه بكتاب "صحيح البخاري" وغيره، وروى عنه الحافظ أبو تمَّام عبد الملك بن أحمد بن علي بن عبدوس الأهوازي، والحاكم، وخلقٌ كثير.
وقال الخطيب: أنشدني محمد بن الحسن بن أحمد الأهوازي قال: أنشدني القاضي أبو أحمد الجرجاني هذه الأبيات] (١): [من الوافر]
مضى زمن وكان الناسُ فيهِ (٢) … كرامًا لا يخالطهم خسيسُ
فقد دُفِعَ الكرامُ إلى زمانٍ … أخسُّ رجالِهمْ فيه رئيسُ
تعطَّلتِ المكارمُ يا خليلي … وصارَ الناسُ ليس لهم نفوسُ
السنة الخامسة والسبعون وثلاث مئة
وفيها أشار أبو الفتح الرازي على صَمْصام الدولة أن يَجعلَ على الثياب الإبريسميّات والقطنِ -التي تُنسج ببغداد- ضريبةً. وقال [أبو الفتح]: هذه جهةٌ يحصل منها في كل سنةٍ ألفُ ألفِ درهم، وبلغَ العوامَّ فشغَبوا، ومنعوا الخطباء يوم الجمعة من الصلوات، وضَجُّوا، وكادت تقع فتنةٌ، فرجع صَمْصام الدولة عن ذلك، وأعفاهم من إحداث هذا الرسم.
وفيها ورَدَ كتابٌ بوفاة ابن مؤيد الدولة، فجلس صَمْصام الدولة في العزاء، واحتفل الطائع، فنزل في زَبْزبِه (٣)، وعليه أُبَّهةُ الخلافة، والقُرَّاءُ والقضاةُ والأشرافُ في الزبازب حولَه، وجاء إلى دار السلطنة مُعزِّيًا لِصَمْصام الدولة، فنزل صَمْصام الدولة إلى المَشْرَعة (٤) وقبَّل الأرض، وعاود، ولم يُمكنه من الصعود من الزَّبزَبِ، فعاد إلى داره.
стр. 8406
وفيها قَدِم الكوفةَ جماعةٌ من القرامطة، منهم إسحاق وجعفر، في جموع كثيرة، فأقاموا الخطبة لشرف الدولة، وجَبَوا (١) البلاد، فبعث إليهم صَمْصام الدولة جيشًا فهزمهم، وعادوا إلى هجر.
وفيها وصل شرف الدولة إلى الأهواز قاصدًا بغداد.
وفيها وصلت الروم إلى نواحي حلب، فأسروا، وقتلوا، [وسَبَوا]، وعبروا الفرات، فأفسدوا وعاثوا.
[وقد ذكرنا أنه لم يحجَّ أحد إلى سنة ثمانين وثلاث مئة].
وفيها توفِّي
أحمد بن الحسين
ابن علي، أبو زُرعة الرازي الحافظ [ذكره الخطيب (٢) فقال: سافر إلى البلاد، و]، طاف الدنيا في طلب الحديث، وجالس الحُفَّاظ، وصنَّف التراجم والأبواب، [وحدَّث ببغداد وغيرها، وسمع خلقًا كثيرًا، وحدَّث عن محمد بن إبراهيم بن نُومَرد، وعبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، وبكر بن عبد الله المحتَسِب البخاري، والقاضي الحسين المَحاملي، وأبي العباس الأصم وغيرهم. وروى عنه القاضيان أبو العلاء الواسطي، وأبو القاسم التنوخي، وأبو عبد الله الحاكم، والأئمة، وكان متقنًا صدوقًا ثقةً، [قال الخطيب: وقال أبو القاسم بن الثلَّاج: فقدوا أبا زرعة الرازي بطريق مكة في سنة خمس وسبعين وثلاث مئة.
وقال الحافظ ابن عساكر: قدم أبو زرعة دمشق في سنة تسع وأربعين وثلاث مئة، فسمع بها أبا الحسين محمد بن عبد الملك بن جعفر بن الجنيد الرازي والد تمَّام، وسمع بنيسابور أبا حامد أحمد بن محمد بن بلال، وببَلْخ علي بن أحمد الفارسي، وببغداد أبا عبد الله بن مَخْلَد، وبمصر أبا الفوارس أحمد بن محمد بن الحسين الصابوني وأبو زُرعة
стр. 8407
الرازي هو] (١) الذي روى حديث سعد بن أبي وقاص، أن النبي ﷺ قال: "من نبتَ لحمُه على السُّحت، فالنَّار أولى به، يا سعد أطِبْ مَطْعَمَك، فمن لم يُبالِ من أين مَطْعَمه، كان حقيقًا على الله أن لا يُبالي من أيِّ باب من أبواب جهنَّم أدخَلَه" (٢).
ومن رواياته عن الأصمعي قال: وقف أعرابيٌّ على مجلس قوم، فقال: أيها الناس، واللهِ ما نتَّخذ السؤال صناعةً، ولا نعُدُّ الاجتداء بضاعةً، وإنها لأصعبُ علينا من وقع ظُبَى (٣) السيوف، وأمَرُّ من تجرُّع كاسات الحتوف، ولكن لا اختيار مع اضطرار؛ كنا في عيشٍ رقيق الحواشي، فَطَواه الدهرُ بعد السَّعة، وأفضى بنا بعد العلياء إلى الضَّعة، حتى لقد لبسنا أيدينا من القُرِّ، وأفنينا سرابيلنا من الضُّرِّ، ولم نَرَ دارًا أعزَّ من الدنيا، ولا طالبًا أغشمَ من الموت، ومَنْ عصفَ عليه الليلُ والنهارُ أردَياه، ومَنْ وُكِلَ به الموتُ أفناه، فَرَحِم الله عبدًا أعطى من سَعة، وواسى من كَفاف، وآثر من خَصاصة. قال: فلم يبقَ في المجلس إلَّا من أعانه.
[وفيها توفي]
الحسين بن محمد
ابن علي (٤) بن يحيى أبو محمد النيسابوري، ويقال له: حُسَينك، ولد سنة ثلاث وتسعين ومئتين، [وربَّاه أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، فسمع منه الحديث ومن غيره بنيسابور وبغداد والكوفة.
وحكى الخطيب (٥) عن أحمد بن علي المقرئ عن محمد بن عبد الله الحافظ النيسابوري قال: حُسينك].
стр. 8408
كان تربيةَ أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، وجارَه الأدنى، وفي حجره من حين ولد إلى حين توفِّي أبو بكر، وهو ابن ثلاث (١) وعشرين سنة (٢). وكان أبو بكر إذا تخلَّف عن مجالس السلاطين بعث به نائبًا عنه، وكان يُقدِّمه على جميع أولاده، ويقرأ له وحده ما لا يقرأه لغيره، [وكان يحكي أبا بكر في وضوئه وصلاته]. وقال محمد بن عبد الله الحافظ النيسابوري: لقد صَحِبتُه قريبًا من ثلاثين سنة في الحضر والسفر، والحرِّ والبرد، فما رأيتُه ترك صلاة الليل، وكان يقرأ كلَّ ليلة سُبعًا من القرآن، وكانت صدقتُه دائمةً (٣) في السرِّ والعلانية. ولمَّا وقع الاستنفار لِطَرَسُوس دخلتُ عليه وهو يبكي ويقول: قد دخل الطاغيةُ ثَغْرَ المسلمين طَرَسُوس، وليس في الخزانة ذهبٌ ولا فضة، ثم باع ضيعتين نفيستين من أجلِّ ضياعِه بخمسين ألف درهم، وأخرج عشرة من الغُزاةِ المُطوَّعةِ الأجلاد، بدلًا عن نفسه. وسمعته يقول غيرَ مرَّةٍ: اللهمَّ إنك تعلم أني لا أدَّخِرُ ما أدَّخِرُه، ولا أقتني هذه الضياع إلا لأستغني عن خلقِكَ، والإحسان إلى أهل السِّتر (٤) والفقراء.
وكان مُمَوَّلًا (٥)، كثيرَ الصدقات، وكانت وفاته بنيسابور في ربيع الآخر، وصلَّى عليه أبو أحمد الحافظ، وروى عنه البُرقاني وغيره]، وكان ثقةً جليلًا، حجةً مأمونًا.
محمد بن عبد الله (٦)
ابن محمد، أبو بكر التَّميمي، الأبْهَري، الفقيه المالكي، ولد سنة تسع وثمانين ومئتين، وصنَّف التصانيف الحِسان في مذهب مالك، وانتهت إليه رياسة أصحاب مالك، وكان مُعظَّمًا في الدولة وبين علماء وقته، لا يحضر مكانًا إلا وهو المُقدَّم على من شَهده، وكان ابنُ أمِّ شيبان إذا جلس أقعده عن يمينه، والخلق كلُّهم من القضاة
стр. 8409
والعدول والأشراف عن شماله، والناس كلُّهم دونه، وسُئل أن يلي القضاء فامتنع، وأشار بأبي بكر الرازي، ومات في شوال ببغداد.
السنة السادسة والسبعون وثلاث مئة
فيها استقرَّ الأمر على إظهارِ الطاعة لشرف الدولة، وحَمْلِ الخِلَعِ السلطانية إليه، ويُزاد (١): وزين المِلَّة، وتحمَّل إليه جماعة منهم: أبو نصر خواشاده، وأبو إسحاق الصابئ، وحضر صَمْصامَ الدولة القُضاةُ وغيرُهم، وحلف صَمْصام الدولة اليمين المستوفاة، وذلك في المُحرَّم، وكتب نسخةَ اليمين ابنُ الصابئ، ومضمونها: هذا ما اتَّفق عليه وتعاهدَ وتعاقدَ شرفُ الدولة أبو الفوارس، وصَمْصامُ الدولة أبو كاليجار، [وأبو النصر] (٢) أبناء عضد الدولة بن ركن الدولة، اتَّفقوا على الطاعة لأمير المؤمنين الطائع لله ولشرف الدولة. وذُكِرَ ما جرَتْ به العادة، وكتب الطائعُ خطَّه عليه، ولمَّا نفذ إلى شرف الدولة كتب فيه: التزمتُ ذلك. وأُحْضِرتِ الخِلَعُ والتاجُ، ونُفذتْ مع العهد إليه، وكانت عساكره بواسط والبصرة، وسار أبو نصر خواشاده وأبو علي بن نجمان من صَمْصام الدولة وللطائع بالخِلَع والعهد، فوصلا إلى واسط، وبها قَراتَكين الجهشاري، فأكرمهما، وجاء كتاب شرف الدولة إلى قَراتَكين يأمره بالقبض على ابن نجمان، وأن يحمله إلى راهويه، ففعل، وبعث معه بما كان قد صحبه من الخِلَع والعهد، وسار أبو نصر إلى البصرة، ثمَّ منها إلى الأهواز إلى شرف الدولة، وقد تغيَّر الأمر عما فارقه عليه، ووافتِ الوفودُ إلى شرف الدولة من كلِّ وجهٍ؛ الدَّيلمُ والأتراكُ من بغداد، والقرامطةُ والأعرابُ وغيرُهم، وسار شرف الدولة من الأهواز يريد واسطًا في عساكره وأمواله وخزائنه، وكانت شيئًا كثيرًا، فدخل واسطًا في شعبان، وقدَّم بين يديه أبا منصور قَراتَكين إلى دير العاقول (٣).
وفيها أُفرج عن أبي محمد علي بن العباس بن فَسانْجِس، وكان معتقلًا بشيراز في قلعة.
стр. 8410
وفي رجب قُطعت خطبةُ شرف الدولة من بغداد.
وفيها [في شهر ربيع الآخر] زُلزِلَتِ الموصلُ زلزلةً عظيمةً، هدمت المنزل، وقتلت خلقًا كثيرًا.
وفي رمضان شغَبَ الجند على صَمْصام الدولة، وفارقه أكثرُهم، وتسلَّل الأعيان إلى شرف الدولة، منهم أبو نصر [بن] عضد الدولة، فلما رأى صَمْصام الدولة ذلك عزم على الإصعاد إلى عُكْبَرا وتبصَّر مَنْ معه منهم، فإن كان يقدر على مقاومة شرف الدولة وإلَّا أصعد إلى الموصل لينظر في أمره، فبينا هو على هذا العزم أحاطوا بداره، وصاحوا بشعار شرف الدولة، [وخرقوا الهيبة، فرأى أن ينحدر إلى شرف الدولة] (١) بنفسه يستعطفه ويدخل في رضاه، فانحدر يوم الأربعاء تاسع رمضان، ووصل إلى شرف الدولة، [وقد أصعد من واسط، فلقيه شرف الدولة] بنهر سائس، وأكرمه وأنزله في خيمةٍ مقابلةٍ لخيمه، وأخدمه حواشيه.
وفي رواية: وكان قد أشار عليه زيار بن شهراكويه مُقدَّم عسكره بالخروج إلى عُكْبَرا؛ ليعرف مَنْ هو معه ممن هو قاعدٌ عنه، وقال له: الجيل في طاعتنا، وهم جمهرةٌ قوية، وأصحابنا الدَّيلمٍ في الموصل مع القاسم الحاجب، ويكثُر جمعَنا، ويَقوى أمُرَنا، فإن رأينا ما نحبُّ وإلَّا سِرْنا إلى فارس، فإنَّ بها أموال شرف الدولة وذخائِرَه، وليس دونها مانعٌ، فإذا حصلنا هناك لم يتمَّ لشرف الدولة بالعراق أمر، فحينئذ يحتاج إلى النزول على حُكْمِنا، واستقرَّ الرأيُ على هذا، ثم بدا لِصَمْصام الدولة العدولُ عن ذلك، وأن ينحدر إلى شرف الدولة، فلمَّا كان في الليلة المذكورة انحدر في زَبْزَبه (٢)، فلما حصل تحت دار زيار وقف وطلبه، فنزل إليه؛ ظنًّا منه أنه ينزل في داره، فلمَّا لم يرَ ذلك قال له: إلى أين أيها الملك؟ قال: إلى أخي شرف الدولة. فقال له: لا تفعل، فإن الملوك لا تصِلُ الأرحام، ولا تراعي الحقوق، فلا تركبِ الخطرَ وتُسلِّمْ نفسَك إلى من لا يُراعي حقًّا. فقال: قد عزمتُ. فقال: خارَ اللهُ لك. فقال صَمْصام الدولة: فقل: أيَّ شيء قد عزمت أنتَ؟ قال: لي بكَ أسوة. قال: لا تضع يدك في يد أخي. فقال: فأنت
стр. 8411
أعظم خطرًا مني. وسار صَمْصام الدولة نحو واسط، فلمَّا وصل نهر سائس بعثَ مَنْ يُعَرِّفُ شرفَ الدولة، فبعث له دابَّةً (١) فركبها من المَشْرعة، ووقف شرف الدولة في خيمةٍ وبين يديه خواصُّه، وقد ارتجَّ العسكر، فلمَّا رأى أخاه قبَّل الأرض بين يديه ثلاث دفعات، وقَرُبَ منه، فقبَّل يده، فقال له شرف الدولة: كيف أنت؟ وكيف كان حالُكَ؟ وما عملتَ إلا بالصواب في وُرودك. فدعا له صَمْصام الدولة، ووقف قليلًا، ثم قال له: امْضِ وغَيِّرْ ثيابك. وخرج وقد ضُرِبَتْ له خَركاة (٢) فدخلها، وأطرق نادمًا على ما فعل، وحُملت إليه ثيابٌ كثيرةٌ ليتخيَّر منها ما يلبسه، فلم يُغيِّر ثيابه، وقُدِّم إليه طعامٌ -وكان في رمضان- فأكل شيئًا يسيرًا، وبعث شرف الدولة إلى بغداد فاحتاط على داره وإصطبلاتِه وأموالِه وأسبابِه.
وأمَّا زيار فإنه انحدر عُقيب انحدار صَمْصام الدولة، فقَبض عليه وقتله بعد ذلك، وورد شرف الدولة بغداد، فنزل في الشَّفيعي (٣) سابع عشر رمضان، واجتمع معه من الدَّيلم بضعةَ عشر ألفًا، ومن التُّرك ثلاثة آلاف غلام، فاستطال الدَّيلم على التُّرك، ووقعت المنازعةُ في الدور والإصطبلات، وركب الفريقان واقتتلوا، وعزم الدَّيلم على انتزاع صَمْصام الدولة. فقال صَمْصام الدولة: كنتُ بالشَّفيعي في خيمةٍ ليس بيني وبين شرف الدولة إلَّا خرقها، فسمعتُ نِحرير الخادم يُشير على شرف الدولة بقتلي، ويقول: نحن في أمرٍ عظيمٍ، والساعةَ يهجم علينا الدَّيلم ويأخذوه منا ويقتلونا، وشرف الدولة يمتنع، والقتال يعمل بين الفريقين، وأنا مُكِبٌّ على قراءة المصحف، وأدعو الله، إذ جاء غلامٌ فوقف على باب الخيمة التي أنا فيها وبيده سيف مسلول، وأظنُّه قيل له: إنْ هجم الدَّيلم فاقتُلْه، فلمَّا كان بعدَ ساعةٍ انهزم الدَّيلم وغلب التُّرك، وهجعَتِ الفتنة، وأصبح شرف الدولة فنزل دار المملكة، وجاءه الطائعُ مهنئًا، ولمَّا كان يوم عيد الفطر جلس شرف الدولة جلوسا عامًّا للتهنئة، ودخل الناس على طبقاتهم، وجاء صَمْصام الدولة ويده بيد أبي نصر خواشاده، فقبَّل الأرض، ووقف عن يمين السرير، وجاء بعده
стр. 8412
بهاء الدولة، ففعل مثلَ ذلك، ووقف من الجانب الأيسر، وأنشد الشعراء، وعرَّضَ بعضُهم بغمز صَمْصام الدولة، فأنكر شرفُ الدولة ذلك، وقام من المجلس.
ولم يُعرَفْ لصَمْصام الدولة خبرٌ بعد هذا الموقف، فقيل: إنه حُمل إلى فارس، فاعتُقل في قلعة، وكُحِّل، ثم أُعيدَ إلى المُلكِ بفارس، وسنذكره إن شاء الله تعالى، وكانت مدة إمارته بالعراق ثلاث سنين وأحد عشر شهرًا.
وفيها تُوفِّي
أبو القاسم المظفَّر
ابن علي، الملقَّب بالموفق، أمير البَطِيحة (١)، واستقرَّ الأمر بعده لأبي الحسن علي بن نصر بعهدٍ من أبي القاسم، فبعث إلى شرف الدولة يبذل الطاعة، ويسأل الخِلَع والتقليد، فأُجيب إلى ذلك، ولُقِّب: مهذَّب الدولة، فسار بالناس السيرةَ الجميلةَ، إلى أن عَظُم قَدْرُه، وسارَ ذِكْرُه، واستجار به الخائف فأجارَه، واستغاث به الملهوف فأغاثَه، واستعان به المديون فأعانَه، واستماحه الضعيف فأماحَه، واعتصم به المطلوب فعَصَمَه، وصارت البَطِيحة معقلًا لكلّ مَنْ قصدها من أميرٍ ووزيرٍ وعاملٍ ومتصرِّف، وسلك بالناس طريقة العدل والنَّصَفة والحراسة والصيانة، وحسن التفقد والضيافة، فأمِنَتِ السابِلة، وسار التجار آمنين، واتسعت التجارات والبياعات، وصار إليه الأكابر من أصحاب السلطان، فبنَوا عنده الدور، وشيَّدوا القصور، وابتاعوا الضياع، واقتنوا العقار، وخدموه خدمة الملوك، وقصده الشعراء والمسترفدون من أداني البلاد وأقاصيها، فحقَّق آمالهم، وأوسَعَ في العطاء لهم، وزوَّجه بهاءُ الدولة ابنتَه، ونقلها إليه، واستعان به في عدة أوقات فأعانَه، واستقرضَ منه فأقرضَه، وخطب له بواسط والبصرة، وكاتبَه ملوكُ الأطراف، وشاع اسمُه في الدنيا بالخيرِ الذي أفاضَه، والجميلِ الذي أظهرَه، وتصرَّفت به الأمورُ على ما سنورده في موضعه إن شاء الله تعالى.
стр. 8413
وفي يوم الأربعاء سادس ذي القعدة دخل قاضي القضاة عبد الله بن معروف من فارس إلى بغداد، وتلقَّاه الناس، وفيه قَبِلَ شهادةَ الدارقطني وأبي محمد بن عقبة ومحمد بن عبد الله الملقَّب براهويه، وندم الدارقطني على شهادته، وقال: كان يُقبَل قولي على رسول الله ﷺ بانفرادي، فصار لا يُقبَل قولي على بقلي إلَّا مع آخر.
وفيها ردَّ شرف الدولة على الشريف أبي الحسن محمد بن عمر ما كان أخذه عضد الدولة، وأعطاه ضِياعه وعقاره، فعادت نعمتُه كما كانت، وكان مَغلُّ ضياعه في كل سنة ألفي ألف درهم وخمس مئة ألف درهم. وردَّا أيضًا على الشريف أبي أحمد الموسوي أملاكَه، وعلى جميع المُصادَرين في أيام عضد الدولة، وعفا عن المصادرات، ورفَعَ الجميع، وكتب إليه بعضُ أرباب السعاية مَدْرجًا طويلًا، فجعله في بعض مجالِسه، ثم طلبه بعد ذلك، فأُخبِر أن غزالًا دخل من البستان فأكله وأبقى منه قطعةً، وأخبِر، فقال: كفانا الغزالُ مؤنة إحراقِه، ولقد كنتُ على هذا العزم، فلعَنَ اللهُ الشرَّ وأهلَه، فانختمت المواد، وأحبَّه الناس ومالوا إليه].
وفيها تُوفِّي
الحاكم بن عبد الرحمن
ابن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان والي الأندلس [وقد ذكرنا أن أباه عبد الرحمن مات في أيام المطيع في سنة خمس وثلاث مئة، وولي الحكم يوم مات أبوه سنة خمسين وثلاث مئة، وكنيته أبو العاص، ولقَّب نفسَه المستعين (١)، وأقام واليًا خمسًا وعشرين سنة، ومات في صفر، وأمُّه أمُّ ولد يقال لها: مُرجان، وكان مُحِبًّا للعلماء والعلم، وجمع من الكتب ما لم يجمعه أحدٌ من ملوك العرب، لا قبلَه ولا بعدَه، وكان صالحًا ورعًا؛ قطَعَ جميع كروم الأندلس احترازًا من عصير الخمر، وكتب إلى العزيز صاحب مصر كتابًا هجاه فيه وأهلَه، وأنه دَعِيٌّ في نسبه، وأن جدَّه القدَّاح الباطني، وكتب في أوَّله: [من الطويل]
стр. 8414
إذا وُلدَ المولودُ مِنَّا تهلَّلتْ … له الأرضُ واهتزَّت إليه المنابرُ
فلمَّا وقف العزيز عليه وكان في أوَّله:
ألَسْنا بني مروانَ كيف تقلَّبتْ … بِنا الحالُ أو دارتْ علينا الدوائرُ
[إلى أن قال:] (١) عرفتَنا فهجوتَنا، ولو عرفناك لَهَجَوناك، والسلام.
ثم ولي بعده ولده هشام بن الحكم (٢)، ومات سنة تسع وتسعين وثلاث مئة [وسنذكره هناك إن شاء الله].
محمد بن أحمد (٣)
ابن حمدان بن علي بن عبد الله بن سنان أبو عمرو، الحيري، الزاهد، صحب جماعةً من الزُّهَّاد، وكان عالمًا بالقراءات والنحو، متعبِّدًا، أقام المسجد فراشَه نيِّفًا وثلاثين سنة، وكانت وفاتُه ببغداد في ذي القعدة، ولمَّا احتُضِر قال لزوجته: قد جاؤوا ببراءتي من السماء. وكان ثقةً.
السنة السابعة والسبعون وثلاث مئة
فيها في أول المُحرَّم قدم بغداد أبو منصور محمد بن الحسن (٤) وزير شرف الدولة، وتلقَّاه القُوَّاد والحواشي والأعيان من المدائن، فلمَّا قَرُب من بغداد تلقَّاه شرفُ الدولة من الشَّفيعي وفي صحبته عشرون ألف ألف درهم وثياث كثيرة، وكان عادلًا خَيِّرًا، إذا سمع صوتَ الأذان ترك جميع أشغاله حتى يؤدي الفرض، وكان كثير العزل والولاية، فيقال: إنه ما ترك عاملًا (٥) يستتِمُّ في ناحيةٍ سنةً؛ خوفًا على الرعية من الظلم، وكان الغلاء قد دام ببغداد، فجلب الغلَّة من فارسٍ -في البحر- ومن غيرِها، فرخصت الأسعار؛ قال ابن الصابِئ: ما رأينا وزيرًا دبَّر من الممالك مثلَ ما دبَّره؛ فإن مملكة
стр. 8415
شرف الدولة أحاطت بما بين (١) الحدِّ من كَرْمان طولًا، إلى ديار بكر عرضًا، إلى الأحساء والجزيرة، وكانت له تجارات وحمولات، وكانت توقيعاتُه تُقبل بنيسابور، ووقَّع لبعض الجند بجامَكية (٢) على الموصل النصف، وعلى عُمان النصف.
[قلت: وقد بلغ نظام الملك من نفاذ الأمر أعظم من هذا؛ كان يكتب وهو بما وراء النهر توقيعات للفرَّاشين على القسطنطينية، وسنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى].
وفي المُحرَّم خرج أبو منصور قَراتَكين الجهشِياري إلى المُصلَّى ليتوجَّه إلى قتال بدر بن حسنويه بالجبل، وخلع عليه شرفُ (٣) الدولة، وخرج لِوَداعه، فسار في الجيش لخمسٍ خَلَوْنَ من صفر، وكان شرفُ الدولة متغيِّظًا على بدر لِمُمايلتِه إلى فخر الدولة عمِّه وعدوله عنه، فدفع الخزائنَ والعساكرَ إلى قَراتَكين، وعَلِمَ بدرٌ الخبرَ، فاستعدَّ له، ووقعت الوقعة بينهما على وادي قَرْمِيسين (٤)، فانهزم بدرٌ بين يديه، وغاب عن عينيه، فنزل قَراتَكين وعسكرُه عن خيولهم، وتفرَّقوا في خيامهم، فعاد بدرٌ من فَوْرِه، فأعجلهم عن الاجتماع، فقتل منهم مَقتلةً عظيمةً، واحتوى على ما كان في عسكر قَراتَكين من المالِ والسلاحِ والدوابِّ وغيرِها، وأفلَتَ قَراتَكين في شِرْذِمةٍ من غلمانه، ووصل إلى النَّهْرَوان، فحُمِلَ إليه من داره من الثياب ما لَبِسه، ودخل دارَه، واستولى بدرٌ على ما كان خارجًا عنه من الجِيال (٥)، وكان قَراتَكين قد استطال على الدولة، وتسلَّط (٦) على الوزير والحاشية، فجرى بينه وبين الوزير كلامٌ، وقال له: أنت كسرتَ العساكرَ حيث لم تُنجِدْنا.
стр. 8416
وكان في قلب شرف الدولة على قَراتَكين من استطالته، وجاءت هذه الهزيمة، فقبض عليه وقيَّده وقتله في تلك العشية، واستولى على أسبابه، وخاض التُّركُ في حبس (١) قَراتَكين، فلمَّا علموا أنه قد قُتِلَ سكنوا.
وفي صفر عُقِدَ مجلسٌ حضره القضاة والعلماء والأشراف، وجُدِّدتِ التوثقةُ (٢) بين الطائع وشرف الدولة.
وفي ربيع الأول ركب شرفُ الدولة إلى دار الطائع، وخلعَ عليه الخِلَع السلطانية كما فعل بأبيه، وخرج من حضرة الطائع، فدخل على أخته زوجة الطائع، فأقام عندها إلى العصر يتحدَّثان، وانصرف إلى داره، ولمَّا حُمِل اللواءُ على رأسه تخرَّق، ووقعَتْ منه قطعةٌ، فتطيَّرَ من ذلك، فقال له الطائع: إنما حملَتِ الريحُ منه قطعةً، وتأويله: أنك تملك مَهَبَّ الرياح. وكان في جملة مَنْ حضرَ مع شرف الدولة القاضي أبو محمد بن معروف، فلمَّا رآه الطائع قال: [من الخفيف]
مرحبًا بالأحبَّةِ القادمينا … أوحشونا وطالما آنسونا
فقبَّل ابنُ معروف الأرض ودعا.
وفيها توفِّي أبو القاسم سعد بن محمد والي الموصل، وبعث إليها شرف الدولة خواشاده، فسار إليها في الجيش، ولمَّا مات أبو القاسم طمع باذ الكردي في التغلُّب على الموصل، فصار إلى طور عَبْدِين المُطِلِّ على نَصيبين، [فخرج أبو نصر إلى نصيبين] (٣) وجمع بني عقيل، وجرَتْ بينهم مناوشات، وأبو نصر نازلٌ بظاهر نَصيبين، وباذ على الجبل، اتَّفق أنَّ أخا باذ نزل فقاتل فقُتل، وبينما أبو نصر [كذلك] إذ جاء الخبر بوفاة شرف الدولة، فكتمَ أمرَه، وعاد إلى الموصل، وجلس للعزاء، واشتغل باذ بفتح ديار بكر على ما قدَّمنا ذِكْرَه.
وفيها تُوفِّيت والدة شرف الدولة، وجاءه الطائع مُعزِّيًا.
стр. 8417
وفي شعبان ولد لشرف الدولة ولدان توأمان، فكنَّى أحدهما: أبا حرب، وسمَّاه: سلار، والثاني: أبا منصور، وسمَّاه: فناخسرو.
وفيها قدم بُكْتِكين التركي من مصر واليًا على دمشق ومعه العساكر، وكان قد استولى عليها قسَّام الحارثي، وكان صعلوكًا من [أهل] قرية تَلْفِيتا من جبل سَنيرِ فوق مَنين وكان لفقره ينقل التراب على الدواب، فترقَّى حالُه حتى ملك دمشق، وأقام بها مدة، فحصره بُكتِكين مدةً وحاربه، ثم أخذه أسيرًا، وبعث به إلى مصر، فعفا عنه العزيز بالله.
وفيها تُوفِّي
إسحاق بن المقتدر (١)
أبو محمد، والد القادر بالله، ولد سنة سبع عشرة وثلاث مئة، وتوفي ليلة الجمعة سابع عشر ذي القعدة، وغسَّله ابن أبي موسى الهاشمي، وصلَّى عليه ابنه القادر، وهو يومئذٍ أمير، وحُمِلَ إلى الرُّصافة، فَدُفن عند شغَبٍ جدَّتِه والدة المقتدر، وأنفذ الطائع خواصَّه وخدمَه وحُجَّابَه لتعزية ابنه القادر، وشيَّعه الأشرافُ والقضاةُ وغيرُهم، وبعث شرف الدولة وزيره أبا منصور محمد بن الحسن ونِحرير الخادم وخواصَّه إلى القادر يُعزُّونه، ويعتذرون عنه لشكوى وجدها، وحزن الطائع عليه، وأظهر غمًّا بوفاته، وكان عاقلًا جليلًا.
وفيها توفي أيضًا
جعفر بن المكتفي (٢)
في صفر، وكان فاضلًا، كنيته أبو الفضل، ولد سنة أربع وتسعين ومئتين.
الحسن بن أحمد (٣)
ابن عبد الغفار، أبو علي الفارسي النحوي، ولد ببلدة فسا، وقَدِم بغداد، وسمع الحديث وبرعَ في علم النَّحْو وانفردَ به، وعَلَتْ منزلتُه، وصنَّف كتبًا كثيرةً حسنةً لم
стр. 8418
يُسبَقْ إلى مثلها، واشتهر ذِكْرُه في الآفاق، وبرعَ له غِلمانٌ حُذَّاق، مثل عثمان بن جِنِّي وغيرِه، وخدم الملوك ونفقَ عليهم، وتقدم [عند] عضد الدولة، حتى قال: أنا غلام أبي عليٍّ في النحو.
ومن تصانيفه: "الإيضاح"، و"التكملة"، وكتاب "الحجة في القراءات".
وكانت وفاته ببغداد في ربيع الأول عن نيِّفٍ وتسعين سنة، ودفن بالشُّونيزية، وما رُؤيَ بعدَه مثلُه.
وأخرج له الخطيب حديثًا عن عائشة رضوان الله عليها قالت: قلت: يا رسول الله، لي جاران، فإلى أيِّهما أهدي؟ قال: "إلى أقربهما منكِ بابًا" (١)].
[وفيها توفيت
ستيتة]
وقيل: آمنة بنت القاضي أبي عبد الله الحسين المَحاملي، وتُكنى أمة الواحد. قال الخطيب (٢): وهي أم القاضي أبي الحسين محمد بن أحمد بن القاسم بن إسماعيل المَحامِلي، وكانت فاضلةَ من أعلم الناس وأحفظهم للفقه على مذهب الشافعي رحمة الله عليه، وتقرأ القرآنَ والفرائضَ والنحوَ وغيرَ ذلك من العلوم، كثيرةُ الصدقات، مسارعةٌ إلى الخيرات، زاهدةٌ عابدةٌ ثقة (٣)، وكانت تفتي مع أبي علي بن أبي هريرة، وتوفيت في رمضان.
[حَدَّثَتْ وكُتِب عنها الحديث.
قال الدراقطني: سمعتْ أباها، وإسماعيل بن العباس الورَّاق، وعبد الغفار بن سلامة الحمصي، وذكر غيرهم، وكانت زاهدة عابدة ثقة، والله أعلم].
стр. 8419
عبد الوهاب بن الطائع
توفِّي في ربيع الآخر، ودُفن في تربة أبيه التي جدَّدها بالرُّصافة عند تربة جدته شَغَب (١).
علي بن محمد بن أحمد (٢)
أبو الحسن، الثقفي، الورَّاق، البغدادي، ويعرف بابن لؤلؤ.
ولد سنة إحدى وثمانين ومئتين، وسمع خلقًا كثيرًا، وتوفِّي ببغداد في المُحرَّم، وكان ثقةً، إلا أنه كان يأخذ على سماع الحديث الشيء اليسير.
قال التَّنوخي: حضرتُ عند ابن لؤلؤ مع أبي الحسين البيضاوي لنقرأ عليه -وكان قد ذُكر له عددُ من يحضر السماع- ودفعنا إليه دراهم وافقناه عليها، فرأى في جملتنا واحدًا زائدًا على العدد الذي ذكرناه له فأمر بإخراجه، فجلس الرجل في الدِّهليز، وجعل البيضاوي يقرأ ويرفع صوته ليُسْمِع الرجل، فقال ابن لؤلؤ: يا أبا الحسين، أتتعاطى عليَّ وأنا بغدادي من باب الطاق، ورَّاقٌ، شيعيٌّ، أزرق! ثم أمر جاريتَه بأن تدقَّ في الهاون أُشنانًا (٣) حتى لا يسمع الرجلُ صوتَ البيضاوي.
السنة الثامنة والسبعون وثلاث مئة
فيها في المُحرَّم أمرَ شرفُ الدولة بأن تُرصَد الكواكبُ السبعةُ في مسيرِها وتنقُّلِها في بروجِها، على مثالِ ما كان المأمونُ يفعل، وتولَّى ذلك وَيْجَن بن رستم الكوهي، وكان له عِلمٌ بالهيئة والهندسة، فبنى بيتًا في دار المملكة في آخر البستان [مما يلي الحطَّابين]، وأقام الرَّصَد، فتمَّ لليلتين بقِيَتا من صفر.
стр. 8420
وفيها تُوفِّيت أم العباس بنت المُكتفي بالله، وقد أنافَتْ على تسعين سنة.
وفي ذي القَعدة (١) كثُرَتِ العواصفُ، وهبَّتْ بفمِ الصُّلح (٢) ريحٌ عظيمةٌ شُبِّهَتْ بالتِّنِّين، خرقَتِ الدِّجلة من غربها إلى شرقها، فأهلكَتْ خلقًا كثيرًا، وغرَّقَتْ كثيرًا من السُّفن الكبار المسوَّرة بالأمتعة، واحتملَتْ زورقًا كبيرًا مُنحدِرًا فيه دوابُّ كثيرة وطرحَتْه في بطن جوخا (٣)، وشُوهِدَ بعد أيام.
وفيها بدأ المرض بشرف الدولة، وسببُه سوء مزاج.
ولحِقَ الناسَ بالبصرةِ حَرٌّ عظيمٌ في نيِّفٍ وعشرين يومًا من تموز، فكان الناسُ يتساقطون موتى في الطُّرق والشوارع.
وفيها ولَّى العزيزُ بالله صاحبُ مصر على دمشق مُنيرًا الخادم، وعزل عنها بكجور التركي -وقيل: إنما أخرج منها بُكْتِكين التركي- لأنه كان قد عصى على صاحب مصر، وحجَّ بالناس على ما قيل.
وفيها تُوفِّي
أحمد بن الحسين
ابن أحمد بن علي بن محمد بن جعفر بن عبد الله بن الحسين -الأصغر- بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵇، [العلوي]، الدمشقي، ويُعرف بالعَقيقي (٤)، وصاحب الدار المشهورة بدمشق بنواحي باب البريد (٥)، وله الحمَّام إلى جانبها، وكان من وجوه الأشراف، جوادًا، [سمحًا]، مُمَدَّحًا؛ مدحه أبو الفرج محمد بن أحمد الوأواء الشاعر، فقال: [من البسيط]
стр. 8421
إلى الذي افتخرَتْ أمُّ العقيقِ بهِ … ومَنْ به صيَّرَتْ بطحاؤُها حَرَما
إلى فتًى تضحَكُ الدنيا بِغُرَّتِهِ … فما تَرى باكيًا فيها إذا ابتَسما
سَما به الشَّرفُ العالي فصارَ بهِ … مُخيِّمًا فوق أطناب العُلى خِيَما
من أبيات ..
وكانت وفاتُه بدمشق في جُمادى الأولى، وأُخرجَ إلى المُصلَّى، وأُغلقَتْ أبوابُ دمشق، ومشى في جنازته بكجور التركي والقُوَّادُ والأشرافُ وجميعُ مَنْ في البلد، لم يتخلف أحدٌ، [وكان يومًا مشهودًا]، ودُفِنَ بالباب الصغير.
الخليل بن أحمد (١)
ابن محمد بن الخليل، أبو سعيد السِّجْزي، القاضي، الحنفي -وقيل: اسمه محمد، والخليل لقبٌ له- ويُعرف بابن جَنْك، شيخ أهل الري في عصره، وكان أحسنَ الناس كلامًا في الوعظ والتذكير، مع تقدُّمه في الفقه.
مات بسَمرْقَند -وهو قاضٍ- في جمادى الآخرة، وطاف الدنيا شرقًا وغربًا، وسمع، وكان شاعرًا فصيحًا، ومن شعره: [من الكامل]
اللهُ يجمعُ بيننا في غِبطةٍ … فيُزيلُ وَحْشَتَنا بطيبِ (٢) تلاقِ
ما طابَ لي عيشٌ فديتُكَ بعدَ ما … ناحَتْ عليَّ حمامةٌ بفراقِ
إنَّ الإلهَ لقد قضى في خلقِهِ … أنْ لا يطيبَ العيشُ للمُشْتاقِ
وقال: [من الطويل]
سأجعلُ لي النُّعمانَ في الفقه قُدوةً … وسفيانَ في نقلِ الأحاديثِ مُسنِدا (٣)
وفي تركِ ما لا يَعْنِني وعقيدتي (٤) … سَأَتْبَعُ يعقوبَ العُلى ومحمَّدا
وأجعلُ درسي في قراءةِ عاصمٍ … وحمزةَ بالتحقيق درسًا مُؤكَّدا
стр. 8422
وأجعلُ لي نحوَ الكسائيِّ قُدوةً … ومِنْ بَعدهِ الفرَّاءَ ما عشتُ سَرْمدا
وإن عدتُ للحجِّ المباركِ مرَّةً … جعلت لنفسي كوفةَ الله (١) مَسْجِدا
فهذا اعتِقادي وَهْوَ دِيني ومَذهبي … فمن شاءَ فليبرُزْ ليَلْقَى موحِّدا
ومات بسمرقند في هذه السنة -وقيل: إنه مات بفَرْغانة- سنة ثلاث وسبعين، وَرَثاه أبو بكر الخُوارَزمي فقال: [من الطويل]
ولمَّا رأينا الناسَ حَيرى لِهَدَّةٍ … بَدَتْ بأساسِ الدِّينِ بعد تأطُّدِ
أفَضْنا دُموعًا بالدماءِ مَشوبةً … وقُلنا عسى ماتَ الخليلُ بنُ أحمدِ
عبد الله بن علي (٢)
ابن محمد، أبو نصر، السرَّاج، الصوفي، الطُّوسي، من كبار المشايخ بطُوس وزُهَّادِهم، والمنظور إليه مع الاستظهار بعلم الكتاب والسُّنَة، وكانت وفاته بنيسابور في رجب وهو ساجد، ومن شعره: [من البسيط]
ما ناصَحتك خبايا الوُدِّ من أحدٍ … ما لم تَنَلْكَ بمكروهٍ من العَذَلِ
مودَّتي لكَ تأبى أن تُسامحني … بأن أراك على شيءٍ من الزَّلَلِ
عبيد الله (٣) بن أحمد
ابن محمد، أبو العباس، الكاتب، البغدادي، كان فاضلًا؛ قال: أنشدنا أبو بكر بن الأنباري: [من الوافر]
وكم من قائلٍ قد قال دَعْهُ … فلم يَكُ وُدُّهُ لكَ بالسَّليمِ
فقلتُ إذا جزَيتَ الغدرَ غَدْرًا … فما فضلُ الكريمِ على اللئيمِ
وأينَ الإلفُ يعطفُني عليهِ … وأينَ رعايةُ العهدِ القديمِ
стр. 8423
محمد بن محمد (١)
ابن أحمد بن إسحاق، أبو أحمد، القاضي، الحافظ، أمام عصره في علم الحديث، تقلَّد القضاء بخراسان على مُدنٍ كثيرة، وصنَّف على كتاب البخاري ومسلم والترمذي، وكتاب الشروط، وكتاب الشيوخ والأبواب، وتقلَّد قضاء طُوس، وكان يُصنِّف الكتب، ويقضي بين الناس، وانصرف إلى نيسابور، ولزِمَ مسجدَه ومنزِلَه مُقبلًا على التصانيف والعبادة، وأُريد على القضاء مرارًا، فلم يُجِبْ، وذهب بصرُه سنة سبع وسبعين، وكان حافظ عصره بهذه الديار، ومات في ربيع الأول عن ثلاث وتسعين سنة، ودُفن في داره في موضع جلوسه للتصنيف عند كتبه، واتَّفقوا على فضله وزهده وورعه وثقته [وأمانته] (٢).
السنة التاسعة والسبعون وثلاث مئة
فيها في المُحرَّم ورد الخبر إلى بغداد بأن الجرَّاح الطائي خرج على الحاج بين سَميراءَ وفَيْد (٣)، ونازَلَهم، ثم صالحهم على ثلاث مئةِ ألف درهم، وثيابٍ مصريةٍ ويمنية، وغير ذلك، فدفعوا له ما طلبَ، وسَلِموا.
وفيها انتقل شرف الدولة إلى قصر مُعِزِّ الدولة بباب الشَمَّاسية؛ لأنه كان قد بدأ به الاستسقاء، فأشار عليه الأطباءُ وقالوا: الهواء هُناكَ أصحُّ. وشغَبَ عليه الدَّيلَم، فعادَ إلى دارِه، وقبض منهم جماعةً.
وفي ربيع الآخر (٤) بعثَ الطائعُ أبا الحسن علي بن عبد العزيز بن حاجب النعمان كاتبَه إلى دار القادر بالحريم الطاهري، ليقبض عليه، وهو يومئذ أمير، فهرب، وسببه أنه لمَّا توفِّي إسحاق والد القادر بالله جرى بين القادر وبين أخته آمنة بنت عجيبة منازعةٌ
стр. 8424
في ضَيعة، وطال الأمرُ فيها، واتَّفق أنَّ الطائع مرض، ثم أبلَّ (١)، فسعَتْ آمنة بأخيها القادر إلى الطائع، وقالت: قد شرعَ في تقليد الخلافة عند عِلَّتك. وراسل أربابَ الدولة، وأعطاهم الأموال، فظنَّ ذلك حقًّا، فبعث بابنِ حاجب النعمان للقبض عليه، فدخل عليه ومعه جماعةٌ، فقال: أمير المؤمنين يستدعيك. قال: سمعًا وطاعة. وقام، فقال له أبو الحسن: إلى أين؟ قال: ألبس ثيابًا تصلح للقاء الخليفة. فتعلَّق به، فعرفَ الحُرَمُ في الدار ما يُراد به، فخرجوا وانتزعوه من يده، وبادر إلى سرداب كان قد عمله، فتخلَّص وعاد أبو الحسن إلى الطائع فأخبره، فأقام القادر في السِّرداب إلى الليل، وانحدر في سفينة مُتخفِّيًا إلى البَطِيحَة عند مُهذَّب الدولة، فاستجارَ به، فأقامَ عنده حتى وَليَ الخلافة، وسنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقالت صفية بنت عبد الصمد بن القاهر بالله: كنت في دار الأمير أبي العباس أحمد يوم كُبِستْ بمن (٢) أنفذه الطائع للقبض عليه، وقد جمع حُرَمَه في غَداةِ ذلك اليوم، وكنتُ فيهم، فقال لنا: رأيتُ البارحة في منامي كأنَّ رجلًا يقرأ عليَّ: ﴿الَّذِينَ قَال لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وقد خفتُ أن يطلُبَني أو يحدُث حادثٌ. فبينا هو يُحدِّثنا إذا بزَبْزب أبي الحسن بن حاجب النعمان وقد قدم إلى درجة داره، فقال: إنَّا لله، هذا حضورٌ مُريبٌ يعقب هذا المنام. وخرج أبو الحسن ومعه أبو القاسم بن أبي تمام والعباسي الحاجب، وتبادرنا إلى وراء الأبواب، فلمَّا رأينا أبا الحسن قد عَلِقَ بكُمِّه خرجنا إليه وأخذناه من يده، وتبعه إلى السِّرداب، فوقعنا في صدره ومنعناه، فلمَّا تقلَّد أبو العباس الخلافة جعل علامتَه ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ على هذا الأصل.
وفي هذا الوقت كتب شرف الدولة بكحل أخيه، وبعث إليه محمد الشيرازي الفرَّاش، وسببه أنَّ نحريرًا الخادم كان يُحرِّض شرف الدولة على قتل صَمْصام الدولة، ويقول: إن في بقائه ضررًا على دولتك. وشرفُ الدولة يمتنع من ذلك، فلمَّا اعتَلَّ قال
стр. 8425
له نحرير: فإن لم تقتُلْه فاكحُلْه لتأمَنَه على ولدك. وغلَبَ على رأيه، فكتب نحريرٌ عنه إلى العلاءِ بن الحسن والي سيراف وعاملٍ يهوديٍّ كان معه -وكان صَمْصام الدولة في بعض قلاع سيراف مع محمد الفرَّاش- أن يُمكِّناه ممَّا قَدِم لأجله، وجاء الفرَّاش إلى اليهوديِّ بالكتاب، فقال: هذا أمرُ ملكٍ قد مات، فلا بُدَّ من مشاورة العلاء. فشاوره، فقال: مَكِّنْه. وقال نحريرٌ للفرَّاش: اسْتَقصِ (١) في كحلِه ثلاثة أيام، وأعطاه شرف الدولة كحلًا يشدُّ عينيه فيه، وتوفِّي شرف الدولة، وصعد الفرَّاش فكحلَه كحلًا ذهب به بصرُه.
وكان في جملة الموكَّلين بصمْصام الدولة فرَّاشٌ يُسمى بُندارٌ، وقد أَنَسَ به صَمْصام الدولة، فقال الفراش: كيف المَلِك؟ فقال له على وجه الاسترسال والأُنس به؛ لأنَّ مدَّته معه كانت قد تطاولَتْ: قد بقيَ من نظري بقيَّةٌ أُبصِرُ [الضوء] (٢) بها من تلك الرَّوزنة. فأعاد بندارٌ الحديثَ على محمدٍ الفرَّاش، فأدخل مِبْضَعًا في عينيه، وأخرجَ به حَدَقتَيه، فلمَّا ملك صَمْصام الدولة جرى ذلك الفرَّاش في خدمة صَمْصام الدولة على عادته في خدمته في القلعة، فثَقُل على صَمْصام الدولة أمرُه، وقال لبعض خواصِّه: ما أستطيعُ أسمعُ صوت بُندار، فأبْعِدوه عني. فقال بُندار: كذا أستحقُّ من المَلِك بعد أن خدمتُه الخدمة الكثيرة، وصحبتُه المدة الطويلة! وبلغ صَمْصام الدولة، فسكتَ على مَضَض، فلمَّا اجتمع الأمير أبو طاهر بِصَمْصام الدولة قال له: بحياتي إلَّا أخبَرْتَني بِمَ فعل بكَ بُندارٌ. فامتنَعَ، فألحَّ عليه، فأخبرَه، فلمَّا خرج من عنده أخذ بُندارًا فصلبَه حيًّا، ورماه الدَّيلم بالرُّوبينات (٣) حتى مات، وكان صَمْصام الدولة يقول: ما سملني إلا أبو العلاء؛ أمضى أمر ملكٍ قد مات [فكان يقول: العجب من إمضاء أمر ملكٍ قد مات] (٤)، وهرب محمد الفرَّاش إلى مصر فمات بها.
وفي جمادى الأولى ظهر كوكب الذؤابة ثم اضمحلَّ.
стр. 8426
وفي جمادى الآخرة تُوفِّي شرف الدولة، وقام ابنُه مقامَه وكان عليه استسقاء وفساد مزاج، وامتنع من الحمية، وخلَّطَ، وأخرج ابنَه أبا علي ووالدته وحرمَه وأهله إلى فارس نائبًا عنه، وضمَّ إليه جماعة من الجند والقُوَّاد، وكان خروجُه يوم السبت ثامن عشر جمادى الأولى، واشتدت العِلَّةُ بشرف الدولة، فراسله القُوَّاد باستخلاف أبي نصر، فأجاب واستخلفه.
ومات شرف الدولة في جمادى الآخرة عصر الجمعة ثاني يومٍ منه، وحُمِلَ إلى المشهد بالكوفة، فدُفن عند عَضُد الدولة، وكان عمرُه ثمانيًا وعشرين سنة وخمسة أشهر، ومدَّة أيامه في بغداد سنتان وثمانية أشهر (١).
وأظهروا موته، وجاء الطانع مُعزِّيًا على العادة في أُبَّهة الخلافة، وتلقَّاه الأمير أبو نصر، وقبَّل الأرض ودعا، ولم يُمكِنْه من الصعود من الطيار، وبعث أبو نصر يطلب منه الخِلَع والتقليد، فقال: على أن تحلف لي أنك تكون كما كان أبوك. فحلف، وجُدِّدتِ الأيمانُ بينهما.
ولمَّا كان عاشر جمادى الآخرة ركب أبو نصر إلى حضرة الطائع، فخلع عليه الخِلَع السُّلطانية، وقُرئ عهدُه بين يديه، ولقَّبه بهاءَ الدولة وضياءَ الملَّةِ، وعاد إلى دار المملكة وجلس للهناء على العادة، وضُرِبَتْ له القباب، وأقرَّ أبا منصور بن صالحان على الوزارة، وخلع عليه، وقُبِضَ على نحرير الخادم، وسُلِّم إلى الحسين الفرَّاش، فاعتقله في داره ثم قتله، واعتُقِلَ الفرَّاشُ في دار نحرير وقُتِلَ بها، وكان ذلك من أعجب الاتفاقات.
وشرح القصة: أن بهاء الدولة كان حسنَ الرأي في نحرير أيام شرف الدولة، كثيرَ الوصف له، فلمَّا مات شرف الدولة لبس نحريرٌ الصوف وتزهَّد، وانقطع عن بهاءِ الدولة، فاستدعاه بهاءُ الدولة ولاطفه، وأراد منه أن يجري في خدمته على ما كان مع أبيه، فامتنع نحريرٌ وقال: لستُ أصلُحُ لخدمةِ أحدٍ بعد مولاي، ولا يُنتفع بي في عمل، بل الانقطاع إلى بعض المشاهد. وبهاء الدولة يسأله مرارًا وهو يمتنع، فدمعَتْ عينا بهاء الدولة، وقال: افعَلْ لله تعالى، وهو عليَّ لَجاجةٌ.
стр. 8427
فاجتمع به الشريفُ أبو الحسن محمد بن عمر، فأغلظ له، وقال: يا نحرير، قد أسرفت في الدالَّةِ وسُمْتَ بنفسك ما لا تساويه، ومن أنت حتى تمتنع على هذا الملك العظيم هذا الامتناع؟! ولكن قد أبطرَتْكَ الأموالُ التي أخذتَها، والذخائرُ التي أعددتَها. ونحريرٌ مُطرقٌ، فلمَّا زاد عليه رفع رأسَه وقال: أيها الشريف، أين كان قولُكَ هذا في أيام مولاي؟ وأنت ترى أفضلَ أيامك إذا تبسَّمتُ في وجهكَ، وقد كنتَ تغشاني ولا أغشاكَ، وتخدُمُني ولا أخدُمُكَ، وتحتاجُ إليَّ ولا أحتاجُ إليك!.
وكان حسينٌ الفرَّاش عدوَّ النحرير، فما زال يتخرَّص عليه عند بهاء الدولة، حتى قال: قد عزمَ على أخْذِ أموالهِ وذخائرِه ويهرب، وإن اعتقلتَه في غير داري شغَبَ الجندُ وقامت فتنة، فأمره باعتقاله في داره، فحبسه في عُلِّيَّة، ثم أدخل عليه أُناسًا فقتلوه، وبلغ بهاءَ الدولة، فقامت عليه القيامة، واستدعاه وقال: ويحك! ما هذا؟ قال: دخل عليه أعداءٌ له فقتلوه، ولم أعلم. فوَجَم بهاءُ الدولة، وبحث عن القصة، فلم يجِدْ لها أصلًا، فاعتقل حُسينًا الفَّراشَ مدةً، ثم أطلقه، ثم قُتِلَ بعد ذلك.
وفيها ورد فخر الدولة هَمَذان طالبًا لملك العراق، ووقعت المراسلة بينه وبين بهاء الدولة، واقتتلوا أيامًا، وقُتِلَ من الفريقين خلقٌ كثيرٌ، وكان التُّرك أقوى من الدَّيلم، وكان الفريقان في الخيام بظاهر البلد، فركب بهاء الدولة ليُصلح بينهم، فلم يلتفتوا، فنزل في خيام التُّرك؛ لأنهم كانوا أظهر، ثم ما زال حتى أصلح بينهم، فتحالفوا، ومع هذا فكانت نفوس التُّرك أقوى؛ لأن بهاء الدولة كان في حَيِّزهم، ثم تسلَّل الدَّيلم بعد هذه الوقعة؛ بعضهم إلى الموصل، وبعضهم إلى هَمَذان، وبعضهم إلى الأهواز، وضَعُفُ أمرُهم، وصارت الدولة للأتراك، واشتدَّت شوكتُهم].
وفيها نزل صَمْصام الدولة من القلعة التي كان بها محبوسًا، [هو وأبو طاهر، وأقاما مدَّة مُعتَقَلَين، ولم يعلَمْ كلُّ واحدٍ منهما بصاحبه، وذلك أنه لمَّا شاع موت شرف الدولة كان صَمْصام الدولة وأخوه أبو طاهر وجماعة من أعيان الدَّيلم بها، فنزلوا وحصلوا (١) بسِيراف، واجتمع الدَّيلم على تمليك صَمْصام الدولة وأبي طاهر، وأظهروا طاعتهما، وساروا فملكوا فارش، وكان شرف الدولة قد بعث نائبه أبا علي وحُرَمَه إليها وأمواله،
стр. 8428
فسبقوه إلى شيراز، واتَّفق موتُ أبي طاهر، فغلب على الأمر أبو نصر فولاذ، واستبدَّ به.
وفيها سار فخر الدولة أبو الحسن بن ركن الدولة من هَمَذان طالبًا خوزستان، وكان السبب فيه أنَّ الصاحب بن عبَّاد كان يحب بغداد، ويؤثر (١) الرياسة فيها، فلمَّا مات شرفُ الدولة تحرَّك ما كان في نفسه، وظنَّ أنه يظفر بالفرصة، فوضع على فخر الدولة من يُعظِّم عنده ممالك العراق، ويُطمِعُه بأموالها، وكان الصاحب إذا سمع في ذلك قولًا لم يُصرِّح به، بل يُعَرِّض، وكان يؤثر أن يكون البادئ به فخر الدولة، لئلا يلزمه فيه تبعة، أو تتَّجه عليه المطالبة بنفقات ومؤونة، إلى أن قال له فخر الدولة: ما يرى الصاحب فيما نحن فيه؟ فصرَّح وقال: ما يذكر من جلالة تلك الممالك مشتهر، والخطب فيه متيسِّر، والخزائن وافرة، والعساكر كثيرة، فعمل على قصد العراق، وسار إلى هَمَذان، واستدعى الأموال، ووافاه بدر بن حسنويه، وأقام يُفكر، فرأى مسيرَ الصاحبِ وابنِ حسنويه إلى بغداد على طريق الجادة، ويسير هو إلى الأهواز، ورحل الصاحب مرحلةً فقيل لفخر الدولة: إن من الغلط مفارقةَ الصاحب لك؛ لأنَّك لا تأمن أن يَستميله أولادُ عضد الدولة، فيميلُ إليهم. فبعث في وقته، وردَّه إليه، وساروا جميعًا إلى الأهواز، ودخلوها وفيها جماعة من الدَّيلم والتُّرك، فاستشرفوا إلى ما يكون من عطائه، فلم يفعل ما كان في نفوسهم، ولا ما كانت به الآمال متعلقة، وورد في تلك السنة من الزيادة ما لم تَجْرِ به العادة، ثم دخل الماءُ العسكرَ، فأخذَ بعض الخيم، ولم يكن فخر الدولة وعسكرُه يعرفون المدود، ولا شاهدوا مثل دِجْلَة، فعَظُم في أعينهم ما رَأَوه، وخافوا وقالوا: إنما جاء بنا الصاحب إلى هذه البلاد ليُهلِكَنا، ونفرت قلوبُهم، وكان لبهاء الدولة بالأهواز عسكرٌ خمسةُ آلاف، مع رجل يُقال له: أبو جعفر، فجهَّز إليه فخر الدولة جماعة من أصحابه، وكان فخر الدولة قد مدَّ يده إلى الإقطاعات بالأهواز، وأخاف أهلَها، فاجتمعوا كلُّهم إلى أبي جعفر، ولمَّا جاءهم عسكرُ فخر الدولة اتَّفق أن زاد المَدُّ، ولم يعرفوا القتال في تلك الأرض، فهزمهم أبو جعفر، وأسر جماعة منهم، ورجع فَلُّهم إلى عسكر فخر الدولة، فقال
стр. 8429
للصاحب: ما هذا؟ فقال: هذه البلاد تحتاج إلى بذل الأموال، وأنا ضامنٌ لك أني أردُّ عليك في سنة خمسة أضعافَ ما يخرج، فما ملك العراق هيِّن، فامتنع من إخراج المال، وكان شحيحًا، وضاق صدرًا بالمقام مع اضطراب الأمر عليه، وانصراف الناس عنه، فعاد إلى الريِّ في صفر سنة ثمانين، ولو أنفق الأموال لملك البلاد.
وأمَّا بهاء الدولة فإنه لمَّا بلغه أن فخر الدولة بالأهواز انزعج وخاف، وندَبَ الحسين بن علي الفرَّاش بالخروج في هذا الوجه، والقيام فيه بتدبير الحرب، ولقَّبَه بالصاحب؛ مغايظةً للصاحب بن عبَّاد، وخلع عليه كما يخلع على الصاحب، وقاد بين يديه مراكبَ الذهب، ومشى بين يديه خمسُ مئة من قُوَّاد الدَّيلم، وجهَّز معه العساكر، وخرج بهاء الدولة لِوَداعه -وذلك في ذي القعدة- وسار مثل الملوك، إذ مدَّ السّماط (١) لتقوم الدَّيلم والتُّرك سماطَين، ويدور عليهم فنون الأطعمة، فإذا فرغ خرجت البُقَجُ فيها الخِلَعُ للقُوَّاد، وإذا جلس للشرب فعَلَ ما لم يفعَلْه ملِكٌ قبلَه، وكان قبل ذلك يشدُّ وسطَه ويكبس الدار، وكان الذي أشار بإخراجه في هذا الوجه أبو الحسين المعلم، ليُبعِده عن بهاء الدولة؛ لأنه فإن قد غلب عليه، فلمَّا حصَلَ بواسط وبعُد عنه، حُكيت له حكاياتٌ انفسخ (٢) بها رأيُه فيه، وقالوا له: قد طمع في الملك. فأمر بالقبض عليه، وبعث إليه جماعةً فأدركوه بمَطَارة (٣)، فقبضوا عليه، وقيَّدوه، وبعثوا به إلى بغداد، فأنزلوه في دار نحرير الخادم، فتقدَّم بهاء الدولة بإخراج لسانه من قفاه، ففعل به ذلك في دار نحرير ومات، فرُمي به في دِجلة، فكان بين الخَلْع عليه وقتلِه شهران وأيامٌ، ولمَا بلغ بهاءَ الدولة رجوعُ فخر الدولة سجد وباس الأرض، وقال: الحمد لله الذي لم يكن للحسين الفرَّاش فيه صنع.
وفيها ملك أبو طاهر وأبو عبد الله ابنا ناصر الدولة الموصل.
стр. 8430
ذكر السبب:
كان شرفُ الدولة قد ولَّاها أبا نصر خواشاده، وكان أبو طاهر إبراهيم وأبو عبد الله الحسين ببغداد لمَّا مات شرف الدولة، فأصعدا إلى الموصل، فنزلا بالدَّير الأعلى، وخرج إليها عوامُّ الموصل، وقاتلهم أبو نصر خواشاده فغلب العوامُّ، ونهبوا دُور الدَّيلم، وقتلوا منهم جماعةً، وانهزم الباقون إلى بغداد، وأقام إبراهيم والحسين بالموصل في نفَرٍ يسيرٍ من الحمدانية، وطالبهم الأعراب بالأرزاق، ولم يكن لهما مالٌ، فانحلَّ أمرُهما، وأقاما على ضعفٍ، وسنذكرهما إن شاء الله تعالى.
وفيها قَبضَ بهاءُ الدولة على أبي الحسن محمد بن عمر (١) بن يحيى العلوي، وسببُه كثرةُ ماله، فإنه كان حاصلُه كل سنة من سقي الفرات ألفا ألف درهم وخمس مئة ألف درهم، وكان عضُدُ الدولة قد نكَبَه (٢)، وأطلَقَه صَمْصام الدولة، فحسُنَ حالُه في أيام شرف الدولة، وكثُر مالُه، وكان يؤدي في كلِّ سنةٍ خراجَ ضياعه أربعة آلاف ألف درهم، وأخذ منه في هذه النكبة ألف ألف دينار، كان بعضُها في بيته، وبعضُها ودائعَ عند الناس، وادَّعى عليه شرفُ الدولة مُطالباتٍ وحسابًا في المعاملات، وأخذ منه [من] الخيل والبغال والمراكب والمتاع ما يساوي مئة ألف دينار، وأقام معتقلًا في دار المملكة.
وفيها أسقط بهاءُ الدولة ما يُؤخذ من حقوق المراعي بالسَّواد وغيره.
و [فيها] (٣) وُلِدَ لبهاء الدولة ولدٌ سمَّاه بُوَيه، وكنَّاه أبا منصور.
وفي آخر السنة تحدَّث الناس أنَّ امرأة من الجانب الشرقي من بغداد رأت في منامها رسولَ الله ﷺ يقول لها إنها تموت من غدٍ وقت العصر، وأنه صلَّى في مسجد بقطيعة أمِّ جعفر، ووضع كفَّه في حائطه موضع القبلة، فأصبح الناس فوجدوا أثر الكفِّ، وماتتِ المرأةُ وقت العصر، فعَمَر الشريفُ أبو أحمد الموسوي ذلك المسجد (٤)،
стр. 8431
وصار جامعًا يُصلِّي فيه الناسُ الجُمُعات، وأقام مدَّةً، ثم نسفَه الغرقُ، و [قد رأيتُ حيطانَه قائمةً، وهذه (١)] قطيعة أم جعفر عند مهد موسى بن جعفر، كانت محلَّةً عظيمةً [في بغداد] (٢) سكنَها الزُّهَّادُ والعلماءُ؛ الإمام أحمد بن حنبل، وبشر الحافي، رحمة الله عليهما وغيرهما. [وقد ذكر قصة المرأة ابن الصابي والخطيب] (٣).
وفيها تُوفِّي
محمد بن أحمد (٤)
ابن أبي طالب، أبو الفيَّاض [الكاتب] البغدادي أحدَّث عن البغوي وغيره، وروى عنه شيوخ الخطيب، وتوفي] ببغداد يوم الأربعاء التاسع عشر من ربيع الآخر [في هذه السنة]، وكان أبوه قد مات قبلَه بخمسة أيام، وماتت أمُّه بعده بيومين.
محمد بن المظفَّر (٥)
ابن موسى بن عيسى، أبو الحسين البزَّاز البغدادي، الحافظ، المشهور، ولد سنة ست وثمانين ومئتين في المحرَّم، ورحل في طلب الحديث، وسمع الكثير، وتوفِّي ببغداد في جمادى عن نيِّفٍ وتسعين سنة.
وقال الخطيب: كتبَ عنه الدارقطني ألفَ حديثٍ، وألفَ حديثٍ، وألفَ حديثٍ، يُعدِّد ذلك مرارًا، وكان يُعظِّمه ولا يستند بحضرته. وقال محمد بن أبي الفوارس: انتهى إليه علم الحديث مع الثقة والأمانة وحسن الحفظ والتقدمة عند الشيوخ.
السنة الثمانون وثلاث مئة
فيها كانت وقعةٌ بين باذ بن دُوسْتَك الكردي وبين ابني ناصر الدولة إبراهيم والحسين، وسبب ذلك أنَّه لمَّا طار ابنا ناصر الدولة إلى الموصل وهما ضعيفان من
стр. 8432
الرجال والمال، طمِعَ فيها باذ، وكاتَبَ أهلَها، فأجابه بعضُهم، فحشد وجمع، وسارَ إليها في ستة آلافٍ من الأكراد، ونزل في الجانب الشرقي، وخافاه، فكتبا إلى بني عُقَيل، واستمالاهم بكلِّ ما قَدِرا عليه، فقال أبو الذَوَّاد محمد بن المسيِّب أمير بني عُقَيل: أُريد الجزيرةَ بأسرِها، وسمَّى [غيرها] (١)، فأجاباه إلى ذلك، وكتبا بجميع ما طلبَه ونصيبين في الجملة مع الجزيرة، فسار أبو الذَّوَّاد في ألفَي فارس من بني عُقيلَ، إلى بلدٍ في أعلى الموصل على سبعة فراسخ منها إلى الجانب الغربي، وعَبَروا دِجلَة إلى باذ وهو لايعلم، وكان مشغولًا بحرب ابنَي ناصر الدولة وأهل الموصل، فلما صار بنو عُقيل معه في أرضٍ واحدةٍ خاف أن يَعبُرَ إليه ابنا ناصر الدولة ويكبِسَه أبو الذَّوَّاد في بني عُقيل، فتحوَّل من مكانه إلى الجبال التي شرقيَّ دِجْلَة، وأدركه بنو عُقَيل، واختلط الناس، فتشاغل بعضهم بالرحيل، والباقون (٢)، وقصَّرَ بباذٍ فرسُه، فأراد الانتقال من فرس إلى فرس، فحوَّل رِجْلَه من ركابٍ إلى ركاب، فلم يَلحقْ، فسقط لِثِقَل جسمهِ، فاندقَّتْ تَرْقُوتُه، وعرفَ بنو أُختهِ حديثَه وكبيرُهُم أبو علي الحسن بن مروان، فصاروا إليه وهو على الأرض، فقالوا: تحامَلْ واثبُتْ حتى تلحقَ بالجَبَل وتتخلَّص. -وكان معهم خمسُ مئة فارس- لا تُطمِعِ العرب، فقال لهم: لا فيَّ فضلٌ من مجدٍ ولأنفسكم. فساروا إلى الجبل، وبنو عُقيل في آثارهم، فَبَطحوا (٣) منهم جماعة، وسَلِمَ بنو مروان وأكثرُ مَنْ كان معهم ولَحِقوا بالجبل، وقصدوا ديار بكر في لِحْفِ الجبل. فأمَّا أصحاب باذٍ فإنه قُتِلَ منهم وأُسِرَ عددٌ كثير، وانهزم الباقون منهوبين مسلوبين، وحُصِّل باذٌ في جملة القتلى وبه رمقٌ، فمرَّ به رجلٌ من بني حسان وهو لا يعرفه فَقَتَله وسلَبَه، ثم عَرفَه من بَعد، فَحَزَّ رأسَه وأخذه وعَبَر به الموصل وخبأه، وقال: من يشتري مني رأسَ باذ؟ وبلغ ابني حمدان، فأحضراه واشترياه منه بِقَرْيَةٍ ومالٍ عظيم، واستدلَّاه على جثَّته، فدلَّهما عليها، فحُملتِ وقُطِعت يدُه ورجلُه اليمنى، وأُنفِذَتا إلى بغداد فشُهِرتا. وصُلِب باقي جسده على باب دار الإمارة بالموصل، فثار العامَّة وقالوا: هذا رجل غازٍ، ولا
стр. 8433
يَحِلُّ المُثلة به. فحُنِّط (١) وكُفِّن، ودُفِنَ بعد أن صُلِّي عليه، وظهر من محبة العوام له شيءٌ كثير.
وسار أبو علي بن مروان من فَوره إلى حصن كيفا، وكانت فيه زوجةُ باذٍ الديلميةُ، فقال لها: قد بعثني خالي في مُهِمٍّ. ففتَحَت له البابَ، فأعلَمها بهلاكه، وتزوَّجها، ورَتَّب أصحابَه فيها، ونزل ففتح الحصونَ حِصنًا حِصنًا، حتى رتَب أمورَ الحصون كلِّها، وسار إبراهيم والحسين ابنا ناصر الدولة إلى ديار بكر والرأسُ معهما، فوجدا ابنَ مروان قد أبرم أمور الحصون، فعدَلا إلى قتالِه، فهزمَهما، وأسر أبا عبد الله الحسين، ومضى أبو طاهر إلى آمِد، فأحسَنَ ابنُ مروان إلى الحسين وأكرمه وأطلقه، فصار إلى أخيه وأشار عليه بموادعة ابن مروان، والانكفاء عن ديار بكر إلى غيرها، ومصالحة ابن مروان، فامتنع أبو طاهر عليه، وأبي إلا محاربته، وجمع جمعًا عظيمًا من بني عُقيلٍ وغيرِهم، ثم سار إليه ومعه أخوه الحسين فقاتلاه فهزَمهما، وأسرَ الحسينَ ثانيًا، فأساء إليه وضيَّق عليه، وقال: ما رأيتَ إحساني إليك حتى عُدْتَ وقاتلتني؟! وأقام مدةً أسيرًا حتى كاتبه العزيز صاحبُ مصر فيه، فأطلقَه، فمضى إلى مصر، وولَّاه العزيز مدينة صورٍ (٢) بالساحل، ومات هناك، وبقي له ولدٌ يكنى أبا محمدٍ، وهو من قُوّاد المغاربة.
وأما أبو طاهر فإنه انهزم إلى نَصيبين، فوافى إليه أبو الذَّوّاد محمد بن المسيّب من أمراء بني عُقيل، فأسَرَه ومعه جماعةٌ، فضرب عُنقَ أبي طاهر صَبْرًا ومَن كان معه، وسارَ في بني عُقيلٍ، فملَكوا الموصلَ وأعمالها، وكاتب بهاء الدولة بإنفاذ والٍ من قِبَله، فبعث إليه أبا الحسن بن حمدويه.
ومات أبو الذَّوَّاد في سنة خمس وثمانين وثلاث مئة.
стр. 8434
وفي جمادى الأولى سار بهاءُ الدولة فنزل الزَّعفرانية يُريد شيراز، وسار إلى واسط، فأقام بها، ثم سار إلى البصرة، ووافاه [وفاة] (١) أخيه أبي طاهر فيروزشاه، وأنه مات بشيراز، فقعد للعزاء، وسار إلى الأهواز، وسيَّر أبا العلاء عبيدَ الله بن الفضل على مقدِّمته ومعه جمهور عسكره، فصار إلى أَرَّجان، ففتح القلعة بالجُنْبذ (٢)، واستولى على ما فيها من العين (٣) والجواهر والصِّياغات وغيرها، ووصل بهاءُ الدولة إلى أَرَّجان، وعرضَ ما كان في القلعة، فإذا هو ألف ألف دينار وثمانية آلاف ألف درهم، وأما الصِّياغات والجواهر فشيءٌ كثير، وشغَبَ الدَّيلم والتُّرك، وطلبوا الأرزاق، فأرضاهم، وسار أبو العلاء من أرَّجان إلى النُّوبَنْدَجان (٤)، فهزمَ مَنْ فيها من عسكر صَمْصام الدولة، واستأمن إليه كثيرٌ من الدَّيلم، وانتشر أصحابُه في نواحي فارس، وسار أبو نصر فولاذُ بن ماناذر في عساكر صَمْصام الدولة المتكاثفة على المقدمة، فالتقى بأبي العلاء في ذي الحجة، فهزم أبا العلاء، وقتَلَ من الأتراك مَقتلة عظيمةً، وحمل رؤوسهم إلى شيراز إلى صَمْصام الدولة، وكان ذلك مُهِمًّا في ثَلْمِ عسكرِ بهاء الدولة، وراسل (٥) فولاذ أبا العلاء وخَدَعه، وأطمَعَه (٦) ثم كبَسَه بغتةً، فانهزمَ إلى أَرَّجان، وعرف صَمْصام الدولة، فسار من شيراز من ذي الحجة، وغَلَتِ الأسعارُ وضاقت المِيرة على بهاء الدولة، وشغَبَ الدَّيلم، وتردَّدتِ الرسائلُ بين بهاء الدولة وصَمَصام الدولة، على أن يكون لصَمْصام الدولة فارسُ وأرَّجانُ، ولبهاء الدولة خُوزستان من حَدِّ رامَهُرْمُز والبصرة والعراق، وعُقِدتِ العقودُ، وكُتبتْ نُسخُ الأيمان المعهودة، وعاد بهاء الدولة إلى الأهواز، وورد أبو عبد الله الحسين بن علي بن عَبْدان
стр. 8435
الحضْرة نائبًا عن صَمْصام الدولة فيما أقطعه بالعراق، وكانا قد شرطا في اليمين لكلِّ واحدٍ منهما إقطاعًا في بلد الآخر، واستنابَ بهاءُ الدولة في إقطاعه بفارس أبا سعيد بُندار بن الفَيرزان.
وفيها قُلِّد أبو أحمد الحسين بن موسى الموسوي نقابةَ الطّالبيِّين، والنظرَ في المظالم، وإمارةَ الحاجِّ، وكُتبَ عهدُه على جميع ذلك، واستُخلِفَ ولدُه المرتضى أبو القاسم والرضي أبو الحسن على النقابة، وخُلعِ عليهما من دار الخلافة (١).
وفيها استولى العيَّارون على بغداد من الجانبين، وأقاموا القوَّاد من كلِّ محلَّةٍ، وكبسوا الدُّور، ونهبوا الأموال، وقتلوا وسَبَوا، ولم تتجاسر السلطنة عليهم، ثم غلبت عليهم السلطنة بعد ذلك، فسكنوا.
و [فيها] (٢) مات ابن كِلِّس وزير العزيز بمصر.
وفيها تغيَّر بهاءُ الدولة على الطائع حتى نكَبه في السنة الآتية.
و [فيها] (٢) حجَّ بالناس أبو عبد الله أحمد بن محمد بن عبيد الله العلوي نيابةً عن الشريف أبي أحمد الموسوي.
وفيها توفِّي
حمزة بن أحمد
ابن الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵇، أبو الحسن، العلوي، الدمشقي، كان جوادًا رئيسًا، يسكن باب الفراديس، ولمَّا قُرئ نسبُ المصريين على منبر دمشق استهزأَ بهم ونال منهم، وبلغهَم، فبعث [أبو الفرج] ابن كِلِّس [وزير مصر] فسيَّره إلى الإسكندرية، فمات بها (٣).
стр. 8436
[وفيها تُوفِّي]
يعقوب بن يوسف
أبو الفرج بن كِلِّس، وزير العزيز صاحب مصر، كان يهوديًّا من أهل بغداد، فانتقل إلى الرَّملة، وصار سمسارًا للتجار، فانكسر عليه مالٌ، فهرب إلى مصر، فتاجر لكافور الأخشيدي، فرأى منه [كافور] فِطنةً ومعرفةً، فقال: لو كان مسلمًا لصلُح أن يكون وزيرًا.
فأسلم يوم الجمعة بجامع مصر طمعًا في الوزارة، فقصده الوزير ابن حِنزابة، فهرب إلى المغرب، فاتَّصل بيهود كانوا مع المُعِزِّ، وخرج المُعِزُّ إلى مصر، وخرج معه، فلمَّا مات المُعِزُّ وقام ابنُه العزيز استوزَره [في] سنة خمس وستين وثلاث مئة، فقام بأمره كما يجب، وغلب على العزيز، وكان عالي الهِمَّة، عظيم الهيبة، ناصحًا لصاحبه (١).
ذكر وفاته
[قال ابن الصابئ]: كانت أمور العزيز مستقيمةً بتدبيره وحُسن نظره، فلمَّا اعتلَّ عِلَّة الوفاة ركب العزيز إليه عائدًا، فشاهده على حال الإياس، فغمَّه أمرُه، وقال: وددتُ أنّكَ تباع (٢) فأشتريك [من الموت] بملكي، أو تُفتدى فأفديَكَ بولدي، فهل من حاجةٍ توصيني بها؟ فبكى وقبَّل يده وتركها على عينه، وقال: يا مولانا، أمَّا فيما يخصُّني فلا؛ لأنك أرعى لحقِّي من أن أسترعيَكَ إيَّاه، وأرأفُ على من أخلِّفُه من أن أوصيك به، ولكنني أنصح لك فيما يتعلق بدولتك. فقال: قُلْ يا يعقوب، فقولُكَ مسموع، ورأيُكَ مقبول. فقال: سالِمِ الرومَ ما سالموك، واقنَعْ من الحَمْدانية بالدَّعوة والسَّكَّة (٣)، ولا تُبقِ على المفرج بن دَغْفل بن الجراح متى أمكنَتْكَ منه فرصةٌ. ثم توفي، فحضر العزيز جنازتَه، وصلَّى عليه وألحده بيده [في قبره، (٤)، ودفنَه في قُبَّة من دار العزيز
стр. 8437
بناها لنفسه، وانصرفَ من مدفنهِ حزينًا لفقده، وأغلق الدواوين، وعطَّل الأعمال بعده أيامًا.
واستخدم أبا عبد الله الموصلي كاتب إنشاءٍ مديدة، ثم صرفه وقلَّد عيسى بن نَسْطورس وكان نصرانيًّا من أقباط مصر [النصارى]، وفيه جَلادة، فضبط الأمورَ، وجمعَ الأموال، واستخدم النصارى في الدواوين، وصرف المسلمين، واستناب بالشام رجلًا يهوديًّا [يُعرف] بميشا بن إبراهيم بن القرار، فسلك مع اليهود ما سلكه عيسى مع النصارى، واستخدمهم بالأعمال، فاستولى النصارى على المسلمين بمصر، واليهود بالشام]، فكتب رجل من المسلمين رُقعةً، ودفعَها إلى امرأةٍ، وبذلَ لها مالًا، على أن تقف للعزيز في طريقه وتسلِّمها إلى يده، فأخَذتْها ووقفت للعزيز -وكانت له بغلة تُدعى "بطريقة"، إذا ركبها تدفَّقت به كالموج، ولا يلحَقُها أحدٌ- ووقفت المرأة في مضيق، فلما قَرُبَ منها رمَتْ بها إليه، فأخذها الرِّكابية (١) وأوصلوها إليه، وفيها: "يا مولانا، بالذي أعزَّ النصارى بعيسى بن نسطورس، واليهود بميشا [بن إبراهيم]، وأذلَّ المسلمين بِكَ، إلَّا نظرتَ في أمري " فلمَّا قرأها غضِبَ، وطلب المرأةَ، فلم يقدِرْ عليها (٢)، ورجعَ إلى قصره، واستدعى قاضي قضاته أبا عبد الله محمد بن النعمان، وكان من خواصِّه، فأعطاه الرُّقعة [وقال: قف عليها]، فلما وقف عليها قال [له: ما ترى؟ فقال:] مولانا أعرَفُ بوجه الرأي والتدبير. قال: لقد صدقتِ المرأةُ، ونبَّهتنا على ما كُنَّا فيه من الغلط. وقَبَضَ في الحال على عيسى، وبعث إلى الشام فقبض على ميشا، وأمر أن لا يُستخدم في دواوينه أحدٌ من أهل الذمة، واستخدم المسلمين، وحمل عيسى إلى الخزانة ثلاث مئة ألف دينار، واستشفع ببنت العزيز -وكان أبوها يُحبُّها- فردَّه إلى مكانه، وشرط عليه أن لا يستخدم نصرانيًّا ولا يهوديًّا [فقبل شرطه، واستقلَّ أمره].
стр. 8438
السنة الحادية والثمانون وثلاث مئة
فيها في صفر تُوفِّي [القاضي] أبو محمد معروف [وسنذكره]، وقُبِضَ على الوزير أبي نصر سابور بالأهواز.
وفيها قَدم بهاءُ الدولة [إلى] بغداد في جمادى الأولى، وخرج إلى الطائع فتلقَّاه من الشَّفيعي، وكانت الفتنُ ثائرةً فسكنت.
وفيها هرب أبو النصر فولاذ بن ما ناذر من شيراز، وكان قد استفحل أمرُه، وزاد على حدِّ أصحاب الجيوش، وجعل اسمَه مقترنًا باسم صَمْصَام الدولة في المناشير وغيرها، فكتب: " [من (١)] صَمْصام الدولة وصاحبِ جيشه نجم الدولة أبي نصر". وكان صَمْصام الدولة لا يُخالفه في شيء، وكان بينه وبين أبي القاسم بن العلاء الكاتب مودةٌ، ثم استحالت عداوةً، فعزم أبو نصر على قبضه، وقال لصمْصَام الدولة: لابُدَّ من القبض على أبي العلاء ونَكْبته. فأجابه إلى ذلك، ودخل أبو العلاء دار الإمارة، وجاء فولاذ، فقام إليه وسلَّم عليه، فأخذ بيده فولاذ وماشاه وحادَثَه، ثم وقف على باب بيتٍ، فدفع في صدر أبي العلاء حتَّى أدخله البيت، وأغلقَ بابه، ووكَّل به أقوامًا، واشتغل فولاذ بالحديث مع الدَّيلم وفي أمورهم، وكان للبيت باب آخر قد سُمِّر، فعالجه حتَّى فتحه، ودخل على صَمْصام الدولة وقال له: قد قبضَ علي هذا الرجل، وغرضُه أن لا يترُكَ بين يديك أحدًا، فإذا فرغ من هذا قبض عليك، وغلب على الملك. قال: فما الرأي؟ قال: تقبضُ عليه الساعة إذا دخل عليك. قال: فأفْعَل. فأوقف بعضَ الحاشية في الدِّهليز، وأمرهم بقبضه. وكان عند صَمْصام الدولة نديمٌ يُقال له: الأرزُباني -يتجسَّس لفولاذ، فلمَّا دخل فولاذ من باب الدِّهليز أشار إليه أن لا يدخُلَ، فرجع وانصرف إلى داره، فخرج أبو العلاء إلى العسكر، وتهيَّأ للقبض على فولاذ، ورتب العسكر في الطرقات، وبلغَ فولاذ، فأخذَ ما قَدَر عليه وهربَ إلى طائفةٍ من الأكراد، فأقام عندهم، واستولى أبو العلاء على الأمر، وبعث إلى الأكراد وخوَّفهم،
стр. 8439
فنهبوه، وأفلتَ وحده ومضى إلى الريِّ، وأقام عند فخر الدولة، وتبيَّن لصَمْصام الدولة فِعْلُ الأرزُباني، فألقاه تحت أرجل الفِيلة فقتلته.
وفي يوم الاثنين السابع من شعبان جلس الطائع، ووصل إليه الوزير أبو القاسم وخواصُّ بهاء الدولة، وعرَّفوه ما تقرَّر من الصلح بين (١) صَمْصام الدولة، وسألوه الجلوسَ وحضورَ بهاء الدولة وأصحابَ صَمْصام الدولة ليُقَرَّ الاتفاق بين يديه، فأجابهما إلى ذلك.
وفي يوم السبت التاسع عشر من شعبان قُبض على الطائعِ في دارِه ومن مجلسِه، وله أسباب: أحدها: أنَّ بهاء الدولة أراد أن يولِّي خليفة من قِبَلهِ وطوعِ يده، ولم يُظْهِر للطائع شيئًا من ذلك.
والثاني: أنَّ بهاء الدولة مات له ولدٌ، فما ذهب الطائع إليه ولا عزَّاه.
والثالث: مكاتبةُ مهذَّب الدولة -صاحب البطائح- إليه بسبب القادر، وكان بهاء الدولة قد صاهر المُهذَّب، ويقترض كلَّ وقتٍ منه المال.
والرابع: شَرَهُ بهاء الدولة إلى ما كان في يد الطائع من الأقطاع وما في داره من الجواهر والأموال.
قال هلال بن الصابئ: كان أبو الحسن المعلم قد كثَّر عند بهاء الدولة مال الطائع وذخائرَهُ، وأطمَعَه أن يملأ منه خزائنَه، فراسل بهاءُ الدولة الطائع في الجلوس، ليقرِّر ما جرى بينه وبين صَمْصام الدولة، فجلس وركب بهاءُ الدولة في الجيش، وجلس الطائعُ في مجلسه في صحن السلام على سريره وأبَّهة الخلافة وهو مُتقلّدٌ سيفًا، فلمَّا قَرُبَ بهاءُ الدولة قَبَّل الأرض -على عادته- وجلس على كرسيٍّ، وأُحضِر رسولُ صَمْصام الدولة، وقرأ أبو الحسن المعلم كتابَ الاتفاق، وقال: هاتوا دَواة أمير المؤمنين. فقُرِّبت الدواةُ، واستمدَّ أبو الحسن وناولَ القلمَ للطائع، فتقدَّم أبو شجاع بِكِرانٍ (٢) -وقيل: تقدم اثنان من الديلم- فجذب الطائعَ من السرير بحمائل سيفه، فصاح به الطائعُ صياحَ مُنكرٍ لفعله، وتكاثرَ عليه الدَّيلمُ، فلفُّوه في كساءٍ، وحملوه إلى بعض الزَّبازِب (٣)، وأصعدوا به إلى خزانةٍ في دار
стр. 8440
المملكة، واختلط الناس، وظنَّ مُعْظَمُهم أنَّ القبض على بهاء الدولة، فقُدِّم إليه في الوقت دابةٌ ليركبها، فلمَّا رآه الأولياءُ سكتوا، ووقع النَّهبُ، فأُخِذَتْ ثيابُ مَنْ حضرَ من القُضاة والأشراف والشهود والعلماء والكتَّاب، وقُبِضَ على أبي الحسن علي بن عبد العزيز بن حاجب النعمان، واحتيط على الحجر وعلى الخزائن والخدم والحواشي، وحُرِسَتْ زوجةُ الطائع من النَّهب، وانصرفَ بهاءُ الدولة إلى داره، وأُظْهِرَ أمرُ أبي العباس أحمد القادر، وكُتِبَ عن الطائع كتابٌ بِخَلْعِ نفسِه وتسليمِه الأمرَ إلى القادر، وشهد عليه فيه الشريفُ أبو أحمد الحسين بن موسى الموسوي، وأبو محمد بن عمر بن يحيى العلوي، وأبو القاسم بن أبي تمام الزينبي، وأبو الحسن (١) بن معروف القاضي، وآخرون، فكانت خلافته سبع عشرة سنة وستة أشهر. وقيل: وثمانية أشهر وخمسة أيام، وأمه أم ولد، يقال لها: عتب (٢)، وكان نقش خاتمه الَّذي في يده: الطائع لله، ونقش الخاتم الَّذي يختم به الكتب: محمدٌ رسول الله.
وبعثَ بهاءُ الدولة بكتاب الخَلْعِ إلى القادر وهو بالبَطيحة، بمكانٍ يُقال له: الصَّليق، وحثَّه على المبادرة إلى بغداد، وبعث مع الكتاب بأُذن الطائع جَدَعَها -وقيل: بأنفه أيضًا، وقيل: الَّذي جَدَعَ أنفَه القادرُ جَدعًا يسيرًا رأسَ الأرنبة- وأُقيمت الخطبة في رمضان للقادر، وحُوِّل جميعُ ما كان في دار الخليفة؛ من المال والثياب والأواني والصِّياغات والفُرُش والآلات والعُدَد والسلاح والجواهر والخدم والدوابِّ والبغال وجميع ما فيها، حتَّى الرصاص والرخام والسياج، ووجدوا في الخزائن رؤوس جماعة من الخوارج في أسفاط (٣)، فَرُمِيَتْ في دِجْلَة، إلا رأس علي بن محمد صاحب الزَّنْج، فإنَّ الرضيَّ أبا الحسن أخذه وحمله إلى داره. فطاف بهاء الدولة الدار مجلسًا مجلسًا، فانتخب (٤) الخاصة والعامة، فدخلوها وشعَّثوا (٥) بنيتها، وقلعوا بعض أبوابها وشبابيكها، وفعلوا بها كلَّ قبيح.