← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 8436–8475 · переход к 8441.

стр. 8436

[وفيها تُوفِّي] يعقوب بن يوسف أبو الفرج بن كِلِّس، وزير العزيز صاحب مصر، كان يهوديًّا من أهل بغداد، فانتقل إلى الرَّملة، وصار سمسارًا للتجار، فانكسر عليه مالٌ، فهرب إلى مصر، فتاجر لكافور الأخشيدي، فرأى منه [كافور] فِطنةً ومعرفةً، فقال: لو كان مسلمًا لصلُح أن يكون وزيرًا. فأسلم يوم الجمعة بجامع مصر طمعًا في الوزارة، فقصده الوزير ابن حِنزابة، فهرب إلى المغرب، فاتَّصل بيهود كانوا مع المُعِزِّ، وخرج المُعِزُّ إلى مصر، وخرج معه، فلمَّا مات المُعِزُّ وقام ابنُه العزيز استوزَره [في] سنة خمس وستين وثلاث مئة، فقام بأمره كما يجب، وغلب على العزيز، وكان عالي الهِمَّة، عظيم الهيبة، ناصحًا لصاحبه (١). ذكر وفاته [قال ابن الصابئ]: كانت أمور العزيز مستقيمةً بتدبيره وحُسن نظره، فلمَّا اعتلَّ عِلَّة الوفاة ركب العزيز إليه عائدًا، فشاهده على حال الإياس، فغمَّه أمرُه، وقال: وددتُ أنّكَ تباع (٢) فأشتريك [من الموت] بملكي، أو تُفتدى فأفديَكَ بولدي، فهل من حاجةٍ توصيني بها؟ فبكى وقبَّل يده وتركها على عينه، وقال: يا مولانا، أمَّا فيما يخصُّني فلا؛ لأنك أرعى لحقِّي من أن أسترعيَكَ إيَّاه، وأرأفُ على من أخلِّفُه من أن أوصيك به، ولكنني أنصح لك فيما يتعلق بدولتك. فقال: قُلْ يا يعقوب، فقولُكَ مسموع، ورأيُكَ مقبول. فقال: سالِمِ الرومَ ما سالموك، واقنَعْ من الحَمْدانية بالدَّعوة والسَّكَّة (٣)، ولا تُبقِ على المفرج بن دَغْفل بن الجراح متى أمكنَتْكَ منه فرصةٌ. ثم توفي، فحضر العزيز جنازتَه، وصلَّى عليه وألحده بيده [في قبره، (٤)، ودفنَه في قُبَّة من دار العزيز

стр. 8437

بناها لنفسه، وانصرفَ من مدفنهِ حزينًا لفقده، وأغلق الدواوين، وعطَّل الأعمال بعده أيامًا. واستخدم أبا عبد الله الموصلي كاتب إنشاءٍ مديدة، ثم صرفه وقلَّد عيسى بن نَسْطورس وكان نصرانيًّا من أقباط مصر [النصارى]، وفيه جَلادة، فضبط الأمورَ، وجمعَ الأموال، واستخدم النصارى في الدواوين، وصرف المسلمين، واستناب بالشام رجلًا يهوديًّا [يُعرف] بميشا بن إبراهيم بن القرار، فسلك مع اليهود ما سلكه عيسى مع النصارى، واستخدمهم بالأعمال، فاستولى النصارى على المسلمين بمصر، واليهود بالشام]، فكتب رجل من المسلمين رُقعةً، ودفعَها إلى امرأةٍ، وبذلَ لها مالًا، على أن تقف للعزيز في طريقه وتسلِّمها إلى يده، فأخَذتْها ووقفت للعزيز -وكانت له بغلة تُدعى "بطريقة"، إذا ركبها تدفَّقت به كالموج، ولا يلحَقُها أحدٌ- ووقفت المرأة في مضيق، فلما قَرُبَ منها رمَتْ بها إليه، فأخذها الرِّكابية (١) وأوصلوها إليه، وفيها: "يا مولانا، بالذي أعزَّ النصارى بعيسى بن نسطورس، واليهود بميشا [بن إبراهيم]، وأذلَّ المسلمين بِكَ، إلَّا نظرتَ في أمري " فلمَّا قرأها غضِبَ، وطلب المرأةَ، فلم يقدِرْ عليها (٢)، ورجعَ إلى قصره، واستدعى قاضي قضاته أبا عبد الله محمد بن النعمان، وكان من خواصِّه، فأعطاه الرُّقعة [وقال: قف عليها]، فلما وقف عليها قال [له: ما ترى؟ فقال:] مولانا أعرَفُ بوجه الرأي والتدبير. قال: لقد صدقتِ المرأةُ، ونبَّهتنا على ما كُنَّا فيه من الغلط. وقَبَضَ في الحال على عيسى، وبعث إلى الشام فقبض على ميشا، وأمر أن لا يُستخدم في دواوينه أحدٌ من أهل الذمة، واستخدم المسلمين، وحمل عيسى إلى الخزانة ثلاث مئة ألف دينار، واستشفع ببنت العزيز -وكان أبوها يُحبُّها- فردَّه إلى مكانه، وشرط عليه أن لا يستخدم نصرانيًّا ولا يهوديًّا [فقبل شرطه، واستقلَّ أمره].

стр. 8438

السنة الحادية والثمانون وثلاث مئة فيها في صفر تُوفِّي [القاضي] أبو محمد معروف [وسنذكره]، وقُبِضَ على الوزير أبي نصر سابور بالأهواز. وفيها قَدم بهاءُ الدولة [إلى] بغداد في جمادى الأولى، وخرج إلى الطائع فتلقَّاه من الشَّفيعي، وكانت الفتنُ ثائرةً فسكنت. وفيها هرب أبو النصر فولاذ بن ما ناذر من شيراز، وكان قد استفحل أمرُه، وزاد على حدِّ أصحاب الجيوش، وجعل اسمَه مقترنًا باسم صَمْصَام الدولة في المناشير وغيرها، فكتب: " [من (١)] صَمْصام الدولة وصاحبِ جيشه نجم الدولة أبي نصر". وكان صَمْصام الدولة لا يُخالفه في شيء، وكان بينه وبين أبي القاسم بن العلاء الكاتب مودةٌ، ثم استحالت عداوةً، فعزم أبو نصر على قبضه، وقال لصمْصَام الدولة: لابُدَّ من القبض على أبي العلاء ونَكْبته. فأجابه إلى ذلك، ودخل أبو العلاء دار الإمارة، وجاء فولاذ، فقام إليه وسلَّم عليه، فأخذ بيده فولاذ وماشاه وحادَثَه، ثم وقف على باب بيتٍ، فدفع في صدر أبي العلاء حتَّى أدخله البيت، وأغلقَ بابه، ووكَّل به أقوامًا، واشتغل فولاذ بالحديث مع الدَّيلم وفي أمورهم، وكان للبيت باب آخر قد سُمِّر، فعالجه حتَّى فتحه، ودخل على صَمْصام الدولة وقال له: قد قبضَ علي هذا الرجل، وغرضُه أن لا يترُكَ بين يديك أحدًا، فإذا فرغ من هذا قبض عليك، وغلب على الملك. قال: فما الرأي؟ قال: تقبضُ عليه الساعة إذا دخل عليك. قال: فأفْعَل. فأوقف بعضَ الحاشية في الدِّهليز، وأمرهم بقبضه. وكان عند صَمْصام الدولة نديمٌ يُقال له: الأرزُباني -يتجسَّس لفولاذ، فلمَّا دخل فولاذ من باب الدِّهليز أشار إليه أن لا يدخُلَ، فرجع وانصرف إلى داره، فخرج أبو العلاء إلى العسكر، وتهيَّأ للقبض على فولاذ، ورتب العسكر في الطرقات، وبلغَ فولاذ، فأخذَ ما قَدَر عليه وهربَ إلى طائفةٍ من الأكراد، فأقام عندهم، واستولى أبو العلاء على الأمر، وبعث إلى الأكراد وخوَّفهم،

стр. 8439

فنهبوه، وأفلتَ وحده ومضى إلى الريِّ، وأقام عند فخر الدولة، وتبيَّن لصَمْصام الدولة فِعْلُ الأرزُباني، فألقاه تحت أرجل الفِيلة فقتلته. وفي يوم الاثنين السابع من شعبان جلس الطائع، ووصل إليه الوزير أبو القاسم وخواصُّ بهاء الدولة، وعرَّفوه ما تقرَّر من الصلح بين (١) صَمْصام الدولة، وسألوه الجلوسَ وحضورَ بهاء الدولة وأصحابَ صَمْصام الدولة ليُقَرَّ الاتفاق بين يديه، فأجابهما إلى ذلك. وفي يوم السبت التاسع عشر من شعبان قُبض على الطائعِ في دارِه ومن مجلسِه، وله أسباب: أحدها: أنَّ بهاء الدولة أراد أن يولِّي خليفة من قِبَلهِ وطوعِ يده، ولم يُظْهِر للطائع شيئًا من ذلك. والثاني: أنَّ بهاء الدولة مات له ولدٌ، فما ذهب الطائع إليه ولا عزَّاه. والثالث: مكاتبةُ مهذَّب الدولة -صاحب البطائح- إليه بسبب القادر، وكان بهاء الدولة قد صاهر المُهذَّب، ويقترض كلَّ وقتٍ منه المال. والرابع: شَرَهُ بهاء الدولة إلى ما كان في يد الطائع من الأقطاع وما في داره من الجواهر والأموال. قال هلال بن الصابئ: كان أبو الحسن المعلم قد كثَّر عند بهاء الدولة مال الطائع وذخائرَهُ، وأطمَعَه أن يملأ منه خزائنَه، فراسل بهاءُ الدولة الطائع في الجلوس، ليقرِّر ما جرى بينه وبين صَمْصام الدولة، فجلس وركب بهاءُ الدولة في الجيش، وجلس الطائعُ في مجلسه في صحن السلام على سريره وأبَّهة الخلافة وهو مُتقلّدٌ سيفًا، فلمَّا قَرُبَ بهاءُ الدولة قَبَّل الأرض -على عادته- وجلس على كرسيٍّ، وأُحضِر رسولُ صَمْصام الدولة، وقرأ أبو الحسن المعلم كتابَ الاتفاق، وقال: هاتوا دَواة أمير المؤمنين. فقُرِّبت الدواةُ، واستمدَّ أبو الحسن وناولَ القلمَ للطائع، فتقدَّم أبو شجاع بِكِرانٍ (٢) -وقيل: تقدم اثنان من الديلم- فجذب الطائعَ من السرير بحمائل سيفه، فصاح به الطائعُ صياحَ مُنكرٍ لفعله، وتكاثرَ عليه الدَّيلمُ، فلفُّوه في كساءٍ، وحملوه إلى بعض الزَّبازِب (٣)، وأصعدوا به إلى خزانةٍ في دار

стр. 8440

المملكة، واختلط الناس، وظنَّ مُعْظَمُهم أنَّ القبض على بهاء الدولة، فقُدِّم إليه في الوقت دابةٌ ليركبها، فلمَّا رآه الأولياءُ سكتوا، ووقع النَّهبُ، فأُخِذَتْ ثيابُ مَنْ حضرَ من القُضاة والأشراف والشهود والعلماء والكتَّاب، وقُبِضَ على أبي الحسن علي بن عبد العزيز بن حاجب النعمان، واحتيط على الحجر وعلى الخزائن والخدم والحواشي، وحُرِسَتْ زوجةُ الطائع من النَّهب، وانصرفَ بهاءُ الدولة إلى داره، وأُظْهِرَ أمرُ أبي العباس أحمد القادر، وكُتِبَ عن الطائع كتابٌ بِخَلْعِ نفسِه وتسليمِه الأمرَ إلى القادر، وشهد عليه فيه الشريفُ أبو أحمد الحسين بن موسى الموسوي، وأبو محمد بن عمر بن يحيى العلوي، وأبو القاسم بن أبي تمام الزينبي، وأبو الحسن (١) بن معروف القاضي، وآخرون، فكانت خلافته سبع عشرة سنة وستة أشهر. وقيل: وثمانية أشهر وخمسة أيام، وأمه أم ولد، يقال لها: عتب (٢)، وكان نقش خاتمه الَّذي في يده: الطائع لله، ونقش الخاتم الَّذي يختم به الكتب: محمدٌ رسول الله. وبعثَ بهاءُ الدولة بكتاب الخَلْعِ إلى القادر وهو بالبَطيحة، بمكانٍ يُقال له: الصَّليق، وحثَّه على المبادرة إلى بغداد، وبعث مع الكتاب بأُذن الطائع جَدَعَها -وقيل: بأنفه أيضًا، وقيل: الَّذي جَدَعَ أنفَه القادرُ جَدعًا يسيرًا رأسَ الأرنبة- وأُقيمت الخطبة في رمضان للقادر، وحُوِّل جميعُ ما كان في دار الخليفة؛ من المال والثياب والأواني والصِّياغات والفُرُش والآلات والعُدَد والسلاح والجواهر والخدم والدوابِّ والبغال وجميع ما فيها، حتَّى الرصاص والرخام والسياج، ووجدوا في الخزائن رؤوس جماعة من الخوارج في أسفاط (٣)، فَرُمِيَتْ في دِجْلَة، إلا رأس علي بن محمد صاحب الزَّنْج، فإنَّ الرضيَّ أبا الحسن أخذه وحمله إلى داره. فطاف بهاء الدولة الدار مجلسًا مجلسًا، فانتخب (٤) الخاصة والعامة، فدخلوها وشعَّثوا (٥) بنيتها، وقلعوا بعض أبوابها وشبابيكها، وفعلوا بها كلَّ قبيح.

стр. 8441

وأمَّا مُهذّب الدولة أبو الحسن علي بن نصر صاحب البَطِيحة فإنه جهَّزَ القادرَ جَهازَ مِثْلِه، وحمل إليه من المال والثياب والفُرُش والآلات شيئًا كثيرًا، وأعطاه طيارًا كان بناه لنفسه، وشيَّعه وعاد، وقال أبو القاسم هبة الله بن عيسى كاتب مُهذِّب الدولة: لمَّا ورد القادر إلى عندنا إلى البَطِيحة كُنْتُ أغشاه في بعض الأوقات، يُدنيني منه، ويُباسطني، وكنتُ أجتهد في تقبيل يده فلا يُمكِّنني، فلمَّا كان في بعض الأيام دخلتُ عليه فوجدتُه باهتًا ساهيًا، ولم أرَ منه من الإكرام ما أعهَدُه، ورُمْتُ تقبيلَ يده فمدَّها إليَّ فقبَّلتُها، وشاهدتُ من أمره خلافَ ما كُنْتُ أعهَدُ، فقلت: أتوذِنُ في الكلام؟ قال: قل. قلت: أرى اليوم فيك من الانقباض عني ما قد أوحشني، فإن كان ذلك لِزَلَّةٍ مني فمن حُكْمِ التفضُّلِ إشعاري بما بدا مني، لأطلب للعذر مخرجًا. فقال: ليس الأمر على ما ظننتَ، ولكن اسمَعْ، رأيتُ البارحةَ في منامي كأن هذا -وأومأ إلى نهر الصَّليق- قد اتَّسع حتَّى صار مثل عرض دِجْلةَ دفعاتٍ، وأنا مُتعجِّبٌ، فمشيتُ على جانبه متَأمِّلًا أمرَه ومُطْرِقًا (١) لعِظَمِه، وإذا بقواعد قنطرة عظيمة، فقلت في نفسي: تُرى مَن قد حدَّث نفسَه بعمل قنطرةٍ على مثل هذا البحر الكبير، وصعِدْتُ عليها، وإذا بها وثيقةٌ محكمة، ومددتُ عيني، وإذا بإزائه مثله، فبينا أنا واقف وإذا بشخص من ذلك الجانب، فناداني: يا أحمد، تريد أن تعبر؟ قلت: نعم، فمدَّ يده حتَّى وصلت إليَّ، وأخذني فعبرني، فهالني، فقلت له: بالله من أنت؟ قال: علي بن أبي طالب، وهذا الأمر صائرٌ إليك، ويطولُ عمرك فيه، فأحسِنْ إلى ولدي وشيعتي. قال: فما انتهى القادرُ إلى هذا المكان حتَّى سمِعْنا صياحَ ملَّاحين (٢) وضجيجَ ناس، فقلت: ما هذا؟ وإذا برسل بهاء الدولة، وفيهم أبو علي الحسن بن محمد بن نصر، وقد وردوا ليأخذوه إلى دار الخلافة، وإذا معهم قطعةٌ من أُذن الطائع، فقبَّلتُ يدَه ورجلَه، وخاطبتُه بإمرة المؤمنين، وبايعتُه، وكان من إصعاده وإصعادي معه ما كان. وكتب القادر إلى بهاء الدولة بعد البسملة: من عبد الله أحمد الإمام القادر بالله أمير المؤمنين إلى بهاء الدولة

стр. 8442

وضياء المِلَّة، أبي نصر بن عضد الدولة وتاجِ الملَّة مولى أمير المؤمنين، سلامٌ عليك، فإنَّ أمير المؤمنين يحمد إليك اللهَ الَّذي لا إله إلا هو، ويسأله أن يُصلِّي على محمد عبده ورسوله ﷺ تسليمًا، أما بعد: أطال الله بقاءَكَ، وأدام عزَّتَك وتأييدَكَ، وأَحْسَن إمتاع أمير المؤمنين بك وعندكَ، فإنَّ كتابَكَ وردَ باجتماع المسلمين قبلكَ، والخاصِّ والعامِّ على خَلْعِ العاصي -الملقَّب بالطائع- عن الإمامة، ونَزْعِه من منصب الخلافة؛ لبوائقه المستمرة، وسوءِ نِيَّتهِ المدخولة، وإشهادِه على نفسه بنكولِه وعجزِه، وإبرائه الكافَّة من بيعتِه، وخروجهم من عقدِه وذمَّتِه، وأنَّ الجماعة بايعوا أمير المؤمنين باتفاقٍ منهم وانشراحٍ من صدورهم، وقمتَ في ذلك بغضبكَ للهِ ولأميرِ المؤمنين، حتَّى ناديتَ بشعارِه في الآفاق، وأقمتَ له الدعوة في الأقطار، ورفعتَ من الحقِّ ما كان العاصي خَفَضَه، وأقمتَ من عماد الدين ما كان المخلوعُ رفَضَه، ووقف أميرُ المؤمنين على ذلك كلِّه، وأحاط علمًا بجميعِه، ووجدك -أدام اللهُ تأييدَك- قد انفردتَ بهذه المأثُرة، واستحققتَ بها من الله جليلَ الأثَرة، ومن أمير المؤمنين أسنى المنازل، وأعلى المرتبة، وكانت هذه المنزلة عليك موقوفة، كما كانتِ الظنونُ إليك مصروفة، حتَّى فُزْتَ بما يبقى لك في الدنيا ذِكرُه وفخرُه، وفي الآخرة ثوابُه وأجرُه، فأحسنَ الله عن هذه الأفعال مكافأتَكَ، وأجزَل عاجلًا مجازاتَكَ، وشَمِلَكَ من توفيقه وتسديده ومعونته وتأييده بما يُديم نصر أمير المؤمنين، وظفره على يدك، وجعلك أبدًا مخصوصًا بفضل السابقة في ولائِه، ومتوحدًا بتقديم القِدَم في أصفيائِه، فقد أصبحتَ سيفَ أمير المؤمنين المُبيرِ لأعدائِه، والحاظي دون غيرِكَ بجميل رأيه، والمُستبدَّ بحمايةِ حَوْزته، ورعاية رعيَّتِه، والسفارة بينه وبين ودائع الله عنده من بريَّتهِ، وقد برزَتْ رايةُ أمير المؤمنين عن الصَّليق متوَجِّهةً نحو سريره الَّذي حرسْتَه، ومستقَرِّ عِزِّه الَّذي شيَّدْتَه، ودار مملكتِه التي أنتَ عِمادُها، ورَحى دولتِه التي أنتَ قطبُها. . وذكر كلامًا هذا معناه (١). ووصل القادر إلى دار الخلافة يوم الأحد ثاني عشر رمضان، وتلقَّاه بهاء الدولة ووجوه الأولياء، وأنشد المدائح، فمنها: [من الكامل]

стр. 8443

شرفُ الخلافةِ يا بني العباسِ … اليومَ جدَّده أبو العباسِ ذا الطَّودِ بقَّاهُ الزمانُ ذخيرةً … من ذلكَ الجبلِ العظيمِ الرَّاسي من أبيات، وهي لأبي الحسن محمد بن أبي أحمد (١). وبعث إليه بهاءُ الدولة ببعض الفُرش والآلات التي أخذها من دار الخلافة، وكان مُقامُه بالبَطيحة منذُ حصَلَ بها إلى اليوم الَّذي خرج منها سنتين وأحد عشر شهرًا، ولمَّا دخل دارَ الخلافة وجدها خاويةً على عروشها خرابًا، فساءه ذلك، ولم يبقَ بها سقفٌ يأوي إليه. الباب الخامس والعشرون في خلافة القادر بالله [وفيها كانت خلافة القادر بالله، واسمه] أحمد بن إسحاق بن المُقتَدِر، ويكنى أبا العباس، وهو ابن عمِّ الطائع، وأمُّه أم ولد يقال لها: تُمنى -وقيل: قطر الندى، وقيل: غزال- مولاة عبد الواحد بن المقتدر، وكانت من أهل الخير والصدقات، ومولده يوم الثلاثاء تاسع ربيع الأول، سنة ست وثلاثين [وثلاث مئة]، وكانت بيعتُه بالخلافة في رمضان [من] هذه السنة [على ما جرت العادة] وحلف له بهاء الدولة، وكان القادر بالله أبيضَ، حسنَ الوجه، كذ اللحية، قد وخَطَه (٣) الشيب، وكان يخضِبُ، وسُلِّم إليه الطائع فحبسه، فعاش محبوسًا إلى سنة ثلاث وتسعين وثلاث مئة. وقيل: إنما سُلِّم إليه في سنة اثنتين وثمانين [وثلاث مئة]، وسنذكره إن شاء الله. واستكتَب له بهاءُ الدولة أبا الفضل محمد بن أحمد عارض الدَّيلم، وجَعَل أستاذَ الدار عبدَ الواحد بن الحسين الشيرازي، وخُطب للقادر وبهاء الدولة على المنابر، وأضاف (٤) إلى ألقابه: غياث (٥) الأمة، ونقل بهاء الدولة أختَه زوجةَ الطائع إلى دار بمَشْرَعة الصخر، وأقام لها بما تحتاج إليه، وأقطعها إقطاعًا إلى أن توفِّيت.

стр. 8444

وصودر أبو الحسن [علي بن عبد العزيز] ابن حاجب النعمان وجماعة من أصحاب الطائع على مال. [ذِكْرُ ما يتعلَّق بحوادث الشام ذكره هلال بن الصابئ وغيره]: وفيها قُتِل بَكْجُور [التركي]، ومات سعد الدولة بن سيف الدولة بحلب، وجهَّز العزيزُ العساكرَ إلى الشام، وكان سعد الدولة لمَّا مات قد استأمَنَ إلى العزيز جماعةٌ من أصحابه، منهم: وفيٌّ الصَّقلَبي في ثلاث مئة غلام، وبشارة الإخشيذي في أربع مئة غلام، ورباح السَّيفي، وآخرون، فقبلهم العزيزُ وأحسن إليهم، وولَّى بشارةَ طبرية، ووفيًا عكا، ورباحًا غزَّةَ، وكان بَكْجُور لمَّا قُتِلَ هرب كاتبُه علي بن الحسين المغربي إلى مشهد الكوفة على البريَّة، وتوصَّل حتَّى وصل إلى مصر، واجتمع بالعزيز، وعظَّم أمرَ حلب عنده وكثَّرَها، وهَوَّنَ عليه حصونَها، فتشوَّفَت نفسُه إلى ذلك، وكان له غلامان -أحدهما يسمَّى منجوتكين والآخر بازتَكين- أمردان مُشتدَّان، فأشار عليه المغربي بإنفاذ أحدهما لينقاد له غلمان سعد الدولة، فانفذ مَنجوتَكين وقدَّمه على العساكر، وموَّله وخوَّله، وولَّاه الشام، واستكتَب له أحمد بن محمد النُّشوري، وضمَّ إليه أبا الحسن المغربي، ليقوم بالأمر والتدبير، وشيَّعه العزيزُ بنفسه، ووصل إلى دمشق، وتلقَّاه أهلُها والقُوَّادُ، وعساكرُ الشام والقبائلُ، فأقام بها مدة، ورحل طالبًا لحلب في ثلاثين ألفًا من أصناف الرجال، وكان بها أبو الفضائل ابن سعد الدولة ولؤلؤ، فأغلقا أبوابَها، واستظهرا غايةَ الاستظهار، وكان لؤلؤٌ لمَّا قَدِم عسكرُ مصر إلى الشام كاتب بسيل عظيم الروم، ومتَّ (١) إليه بما كان بينه وبين سعد الدولة من المعاهدة والمعاقدة، وأهدى له هدايا كثيرةً وألطافًا، وسأله المعونة (٢) والنُّصرة، وأنفذَ بالكتاب والهدايا مع ملكونا السرياني، فوجد ملكَ الروم يقاتل ملكَ البُلغَر (٣)، فقَبِل الهدية،

стр. 8445

وكتب إلى البرجيِّ نائبه بأنطاكية أن يسير بالعساكر إلى حلب، [ويدفع المغاربة، فسار البرجيُّ في خمسين ألفًا، ونزل جسر الحديد بين أنطاكية وحلب] (١)، فاستشار مَنْجوتَكين المغربيَّ والقُوَّادَ في ذلك، فأشاروا بالانصرافِ عن حلب، وقصْدِ الروم والابتداءِ بهم؛ لئلَّا يحصلوا بين عَدُوَّين، فساروا حتَّى نزلوا تحت حصن أعزاز، وقاربوا الروم، وبينهم النهر المعروف بالمقلوب، فلمَّا بصُر المسلمون بالروم رمَوهم بالنُّشَّاب، وبينهم النهر، ولم يكن لأحد الفريقين سبيلٌ إلى العبور؛ لكثرة الماء [وكان مَنْجوتَكين قد حفظ المواضع التي يَقلُّ الماء، فيها، وأقام جماعةً يمنعون أصحابه من العبور إلى وقت يختاره المُنجِّم، فخرج من الدَّيلم الذين كانوا في صحبة مَنْجوتَكين شيخٌ كبير، بيده تُرس وثلاث زُوبينات (٢)، فوقف على جانب النهر، وبإزائه قومٌ من الروم، فرمَوه بالنُّشَّاب وهو يسْبَح، حتَّى قطَعَ النهَر وصارَ على الأرض من ذلك الجانب، والماءُ في النهر إلى صدره، فرمى المسلمون بأنفسهم في الماء فرسانًا ورجَّالةً، ومَنْجوتَكين يمنعهم ولا يمتنعون، فصاروا مع الروم في أرضٍ واحدة، وأنزل الله نصره، فولَّى الروم، وأعطوا ظهورهم، وركبهم المسلمون فأثخنوهم قتلًا وأسرًا، وأفلت البرجيُّ في عددٍ يسيرٍ إلى أنطاكية، وغَنِم المسلمون عساكرَهم وأموالهم شيئًا لا يُعَدُّ ولا يُحصى، وكان معهم ألفان من عسكر حلب، فقتل مَنْجوتَكين منهم ثلاث مئة، وتبع مَنْجوتَكين الرومَ إلى أنطاكية، فأحرق ضياعها، ونهب رساتيقها (٣)، وكرَّ راجعًا إلى حلب، وبعث إلى مصر بعشرة آلاف رأس من رؤوس القتلى، وأقام على حلب، وكان وقت الغلَّات، وعلم لؤلؤٌ أنَّه لم يبق له ناصرٌ، وقد أظلَّته عساكر مصر، وقد أشرف على التلف، فكاتب المغربي وابن النشوري وأرغبهما في المال، وبذل لهما ما وسع عليهما فيه، وسألهما أن يُشيرا على منجوتَكين بالانصراف عن حلب إلى دمشق،

стр. 8446

وأن يعود في العام المقبل، فخاطباه في ذلك، وصادف قولُهما شوقَه إلى دمشق ومنتزهاتها، وكان قد أضَرسَتْه (١) الحرب، فكتب هو والجماعة إلى العزيز يقولون: قد تعذَّرت المِيرةُ ولا طاقة للعساكر على المقام، ويستأذنونه في الرجوع إلى دمشق، فقَبْلَ أن يجيء جوابه رحلوا إلى دمشق، وعرف العزيز ذلك، فشقَّ (٢) عليه رحيلُهم، ووجد أعداءُ المغربيِّ طريقًا إلى الطعن عليه، فصرفه (٣)، وقلَّدَ الأمرَ صالح بن علي الرُّوذْباري، وأنفذه عِوَضَه، وحمل العزيز من غلَّات مصر ما أمكن في البحر إلى طرابلس، وحملت إلى فامية (٤)، ورجع مَنجوتَكين إلى حلب في السنة الآتية، وبَنَوا الدُّورَ والحمامات والخاناتِ والأسواقَ، فاشتدَّ الحصار على لؤلؤ وأبي الفضائل، وعَدِموا الأقواتَ، فكاتبوا ملك الروم، وقالوا: متى أُخِذَتْ حلب أُخِذَتْ أنطاكية، ومتى أُخِذَتْ أنطاكية أُخِذَتْ قُسْطَنطينة، فلمَّا سمع هذا ملكُ الروم سارَ بنفسه في مئة ألف، وتبعه من كلِّ بلدٍ عسكرُه، ولمَّا قَرُبَ من البلاد أرسل لؤلؤٌ إلى مَنْجوتَكين يقول: إن عصمة الإسلام الجامعة بيني وبينك تدعوني إلى إنذارِكم والنُّصحِ لكم، وقد وافاكم بَسيل (٥) بجنوده، فخُذوا لأنفسكم. وجاءت جواسيس مَنْجوتكين فأخبروه بمثل ذلك، فأحرق الخزائن والأسواق، وولَّى منهزمًا، وأشار عليه بأن يبعث الأثقال إلى دمشق، ويُقيم على مرج قِنَّسْرين (٦)، فلم يلتفت، وسار إلى دمشق، ووصل بسيل إلى حلب، وشاهد موضع عسكر المغاربة، فهاله ذلك، وعَظُموا في عينيه. وخرج إليه أبو الفضائل ولؤلؤٌ وخدماه، وسار في اليوم الثالث، فنزل على حصن شيزر (٧)، وفيه منصور بن

стр. 8447

كراديس أحد قُوَّاد المغاربة، فقاتله يومًا واحدًا، ثم طلب منه الأمان، فأمَّنه، فخرج بنفسه وأهَّلَ (١) به، وأعطاه بَسيلُ مالًا وثيابًا، ووفَّى له وسلَّمه إليه، فَرَتَّب فيه أحدَ ثقاته، ونازَلَ حمص ففتحها، وسبى منها ومِنْ رقبتها وأعمالها أكثرَ من عشرة آلاف نسمة، ثم نزل على طرابلس أربعين يومًا يقاتلها فلم يقدر على فتحها، فرحل عائدًا إلى الروم، وانتهت أخباره إلى العزيز، فنودي في الناس بالنَّفير وفتح الخزائن، وسار في جيوشه ومعه توابيت آبائه، فنزل إلى الشام على بانياس، فأخذه القُولنْجُ فمات في الحمام، وولي ابنُه الحاكم مكانَه، وذلك في سنة ست وثمانين وثلاث مئة ورجع الحاكم إلى قصره، وسنذكره إن شاء الله تعالى. وفي رمضان وردَت كتُبُ أهل الرَّحبة والرقَّة إلى بغداد باستدعاء من يسلِّمونها إليه، فندب لذلك خُمارتَكين الحفصي، فخرج في شوال ومعه خمس مئة رجل من الدَّيلم والتُّرك وجماعةٌ من العرب، وكان ابنُ وشاح في الرَّحبة، فدخلها خُمارتَكين وملكها، ثم سار إلى الرقة، وبها بدر السعدي، فاعتصم بالرافعة، وقاتل خُمارتَكين دفعاتٍ ودفعه عنها، فعاد إلى الرَّحبة على الظَّهر، وبعث بأثقاله في السفن، فاعترضه قومٌ من العرب بين الدالية وعانة (٢)، فأسروه وأخذوا جميع ما كان معه على الظَّهر، وسلَّم ما كان في السفن، فابتاع منهم نفسَه بألف دينار، ودخل بغداد في ذي الحجَّة. وفيها بعثَ بهاءُ الدولة أبا جعفر الحجاج بن هُرْمُز إلى الموصل فدخلها، واجتمعت عليه بنو عُقيل وزعيمُهم أبو الذَّوَّاد محمد بن المسيِّب، وقاتلوه بظاهر البلد، وجرت بينه وبينهم وقائع، وكان يطرح كُرسيَّه وسط المصاف ويجلس عليه والحرب قائمة، وظهرت منه شجاعة عظيمة، وتوفي أبو الذَّوَّاد سنة خمس وثمانين، وعاد بنو عُقيل واجتمعوا عليه وأخرجوه من الموصل.

стр. 8448

وولي إمارة الحاجِّ أبو الحسين بن يحيى العلوي وقيل: اسمه محمد بن الحسن بن يحيى وكنيته أبو الحسن. ذكر خبر أبي الفتوح الحسن بن جعفر العلوي كان أميرَ مكة، وكان حسان بن المفرِّج بن الجرَّاح الطائي مقيمًا بالرَّملة، وعنده أبو القاسم بن المغربي، وكان مباينًا (١) لصاحب مصر، فحمله على أن عظَّمَ أبا الفتوح في عين حسَّان، وقال: هذا لا مطعَنَ في نسبه، والمصلحة أن تنصِّبَه إمامًا. فوافقه، وقدِمَ ابنُ المغربي مكةَ، فأطمع أبا الفتوح في الملك، وسهَّلَ عليه الأمر، فأصغى إليه، وبايعه شيوخُ الحسين، وحسَّن له ابنُ المغربي قَلْعَ قبلة البيت وأخْذَ ما فيه من الأموال، فأخذه وأنفقه في الجند، وسار به ابنُ المغربي إلى الشام، فنزل الرملة، والتقاه حسان والقبائل، فقبَّلوا الأرض بين يديه، وخاطبوه بأمير المؤمنين وهو راكب على فرس متقلِّدًا سيفًا زعم أنَّه ذو الفقار، وفي يده قضيبٌ زعم أنَّه قضيبُ رسول الله ﷺ ، وحولَه جماعة من بني عمه، وبين يديه ألفُ عبدٍ من السودان، فأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وكان قد خطب لنفسه في مكة، وتسمَّى بالراشد بالله، وبلغَ الحاكمَ بالله [هذا] (٢)، فانزعج وكتب إلى حسانٍ فلاطفه، وبذل له مالًا [وهدايا] وجاريةً لم يكن بالشام مثلُها، وجهَّزها بمال عظيم، وبعث بالأموال إلى [آل] الجرَّاح، فرجعوا عن أبي الفتوح، وكتب الحاكم إلى مكة إلى بني عم أبي الفتوح بولاية الحرمين، وبعث إليهم بمالٍ، ولمَّا عَلِمَ أبو الفتوح سقطَ في يده، وركب إلى المفرِّج أبي حسان مستجيرًا به، وقال: إنما فارقتُ نعمتي، وأبديتُ لصاحب مصر صفحتي سكونًا (٣) إلى ذمامكم، وأنا الآن خائفٌ من غدر حسان، فأبلغني مأمني، وسيِّرني إلى وطني. فردَّه إلى مكة، فوجد صاحبَ مصر قد ولَّى الحرمين الحسين ابن عمِّه، فأقام بجدَّة.

стр. 8449

وفيها تُوفِّي أحمد بن الحسين (١) ابن مِهْران، أبو بكر، المقرئ [من قرَّاء خراسان، و] سكن نيسابور، وسافر إلى الأمصار [وقرأ القرآن على أبي الحسن بن الأخرم بدمشق، وقرأ بخراسان على أبي بكر النقَّاش]، وسمع الحديث ورواه، [وصنف الكتب في القراءات]، وكان مستجاب الدعوة، وتوفي بنيسابور وله ست وثمانون سنة [حدَّث عن أبي بكر بن خُزيمة وغيره، وروى عنه الحاكم أبو عبد الله، وذكره في "تاريخه" وأثنى عليه. قال: وفي ذلك اليوم] مات أبو الحسن العامري رئيس الفلاسفة. رأى بعضُ الثقات ابنَ مِهْران في الليلة التي مات فيها في المنام، وإذا بشخص قائم بإزائه. قال: فتأمَّلتُهُ، وإذا به العامري، فقلت لابن مِهْران: ما فعل الله بك؟ فقال: إنَّ الله جعل هذا الواقفَ بإزائي فدائي من النار. [وفيها توفِّي] أحمد بن محمد (٢) ابن الفضل بن (٣) جعفر بن محمد بن الجرَّاح، أبو بكر (٤) الخزَّاز، كان دَيِّنًا فاضلًا، صاحب ثروةٍ، فارسًا شجاعًا [حكى الخطيب عن التنوخي] قال [أبو بكر]: كتبي بعشرة آلاف درهم، وجاريتي بمثلها، وسلاحي بمثلها، ودوابِّي (٥) بمثلها، فمَنْ مثلي (٦)؟ وكانت وفاته في جمادى الأولى (٧) ببغداد، [وروى عن المُبَرِّد وابن الأنباري وغيرهما، وروى عنه التنوخي (٨) وغيره]، وكان ثقة.

стр. 8450

بَكجُور التركي أبوالفوارس، وليَ إمرةَ دمشق من قبل صاحب مصر سنة ثلاث وسبعين وثلاث مئة، وولي حمص أيضًا قبل دمشق، وأقام بدمشق يجور ويظلم، ويجمع الأموال، ويصادر الناس، فشكاه أهلُها إلى صاحب مصر، فولَّى منيرًا الخادم على دمشق سنة ثمانٍ وسبعين، فلمَّا قَرُبَ منها خرج عليه بَكْجور قاصدًا حلبَ، فأقام بنواحيها، فقُتِل في هذة السنة بمكانٍ يقال له: النَّاعورة. وقال أبو إسحاق إبراهيم بن الخضر: كان لسعد الدولة غلامٌ يقال له بَكْجُور، فرفعه ونوَّه باسمه، وقدَّمه وولَّاه الرقة والرحبة، استكتب له أبا الحسن علي بن الحسين المغربي، فلمَّا تطاولت مُدَّتُه في ولايته كبُرَتْ حالُه، واستفحلَ أمرُه، وحدَّث نفسَه بالعصيان على مولاه، واستمال جماعةً من الموالي فصاروا إليه، وأخرج سِرَّه إلى ابن المغربي، فقال له: كاتبِ العزيزَ صاحبَ مصر وانْتَمِ إليه، فكاتبه، واستأذنه في قصد بابه، فأذِنَ له، فسار عن الرقَّة، واستخلفَ عليها سلامة الرَّشيقي، ولقيَتْهُ كتُبُ العزيز وخِلَعُه وعَهْدُهُ على دمشق، فنزلها، فتلقَّاه أصحابُها وخدموه، وانصرف الوالي الَّذي كان عليها وسلَّمها إليه، وكان شُبَّانُها وأحداثُها قد استولوا عليها، فقَتَل وصلَبَ جماعةً، فاستقام البلدُ، وقامَتْ له الهيبةُ، وتردَّدَتْ بينه وبين عيسى بن نَسْطورس مكاتباتٌ خاطبَه بَكْجُور فيها بوليه، فامتعضَ عيسى من ذلك، وطالبه بأن يكاتبه بعبده وصنيعته، فامتنع وفسدَ ما بينهما، وأسَرَّ عيسى له العداوةَ، وأخَّر حوائِجَه، وذكره بما لا يليق، فقطع بَكْجُور مكاتبتَه، وكتب إلى العزيز فنهاه عنه، وأمره بقضاء حوائج بَكْجُور، فوعَدَه بذلك وعدًا لم يَفِ به، وطال الأمرُ على بَكْجُور، وخاف من كيد عيسى، فاستمال طوائفَ من العرب وصاهرهم، وعاد إلى الرقة، فكتبَ إليه العزيز يعاتبه، فاعتذر اعتذارَ التلاطف، وكان لبَكجُور بحلب رفقاء يؤثرونه، فكاتبوه وأطمعوه في الأمر، وقالوا: إن سعد الدولة مشغول باللَّذات والجواري، فأقبِلْ إلينا. واغترَّ بقولهم، وكتب إلى العزيز يذكر له جلالة حلب ومَنَعتَها (١)، وأنها دِهْليز العراق، فإذا

стр. 8451

حصلت كان ما بعدها أيسرَ، فأجابه إلى ما أراد، وكتب إلى نزَّال الغوري -وكان واليًا على طرابلس- يأمره بالمسير إليه أي وقت استدعاه، ولا يحتاج إلى استئمار، وكان نزَّال من أكابر قُوَّادِ المغاربة وصنائعِ عيسى النصراني وخواصِّه، فكتب إلى عيسى سرًّا بأن يتقاعد عن بَكجُور ويدافعه، فإذا تورط مع مولاه تأخَّر عنه وأسلَمَه، ولم يعلم بَكجُور، فسار عن الرَّقة يريد حلب لمحاربة مولاه، وكتب إلى نزَّال يقول: يكون وصولُنا إلى حلب جميعًا في اليوم الفلاني، فرحل نزَّال وتباطأ في مسيره، ثم سار بَكْجُور إلى حلب، وبيان سعد الدولة قد كاتب صاحبَ الروم، فتقدَّمَ صاحبُ الروم إلى البرجيِّ بأنطاكية: متى استدعاك فاذهب إليه. وجاء البرجيُّ فنزل مرج دابق على فرسخين من حلب، ووصل بَكْجُور إلى النَّقْرة ونزل بمكان يُعرف بالناعورة، وامتدَّ عسكره إلى تل أعْرَن (١)، ومنها إلى حلب أربعة فراسخ، وبرز سعد الدولة في غلمانه، وبيانوا خمس مئة فارس، وجاء الروم في ستة آلاف -وقيل في ستين ألفًا- ولم يختلطوا بالمسلمين، وبعث (٢) سعد الدولة إلى بَكْجُور يستعطفه، فما ازداد إلَّا قساوةً، فزاده بلادًا ومالًا، فلم يلتفِتْ، وبيان سعد الدولة قد كاتب الأعراب الذين مع بَكْجُور ووعدَهم ومنَّاهم، وبيان بَكْجُور بخيلًا شديدًا، فمالت العرب على سواد بَكْجُور ونهبوه، واستأمنوا إلى سعد الدولة، ولمَّا رأى بَكْجُور غدرَ نزَّالٍ والعربِ به، وتقاعُدَ غِلْمانِ سعد الدولة الذين كاتبوه بالانحياز إليه إذا عاينوه، قال لأبي الحسن المغربي: كاتِبْه. فقال: ترجع إلى الرقة وتكاتب العزيز بما فعل نزَّال، فإنه يُنجِدُك. فقال له بعض قُوَّاده: كاتِبُكَ هذا يقول: الأقلام تُنكِّس الأعلام، فإذا حقَّتِ الحقائقُ أشار علينا بالهرب، لا واللهِ إلا الموت تحت ظلال السيوف. فقال بَكْجُور: هذا هو الرأي، ونموتُ كرامًا. وكان سعد الدولة قائمًا في القلب والرايةُ بيده، فعمل بَكْجُور على قصدِه دون غيرِه وقال: إمَّا وإمَّا، ثم جمع غِلمانَه وعرَّفهم ما يقصِدُه، فقالوا: افعَلْ ما تراه. ونَدَّ واحدٌ منهم إلى لؤلؤ الجراحي فاستأمن إليه، وعرَّفه الحال، فجاء لؤلؤٌ إلى سعد الدولة، فأخذ منه الراية، ووقف موضعه وقال: هَبْ لي مكانَكَ اليومَ، وقِفْ في مكاني، فإنَّ بَكْجُور قد يئس من نفسه ويريد كذا وكذا، وأنا أفديك بروحي. فأعطاه الراية، ووقف

стр. 8452

مكان لؤلؤ، وحمل بَكْجُور في أربع مئة غلام بالسيوف واللُّتوت (١)، وخيولُهم بالتجافيف (٢)، حتَّى خلص إلى لؤلؤٍ وهو يظنُه سعدَ الدولة، فضربَه على الخوذة بالسيف فقدَّها، ووصل إلى رأسه، ووقع لؤلؤٌ إلى الأرض، وعُمِلَ القتال، وحملَ سعد الدولة بنفسه، فانهزم بَكْجُور في سبعة أنفس، واستولى القتلُ والأسرُ على الباقين، وجاء بَكْجُور إلى رحًى تُعرف بالقُديمي على فرسخ من حلب، فالتجأ إليها، ومرَّ بهم قومٌ من الأعراب فسلبوهم ثيابهم ودوابَّهم، ولم يعرفوا بَكْجُور، ومضوا، وبقي بَكْجُور ومن معه عُراةً، فلجؤوا إلى الرَّحى، واستجاروا بصاحبها، فأجارهم، ثم خرج بَكْجُور وغلامان من غلمانه فرمَوا نفوسَهم في زرع حنطة، فمرَّ بهم قومٌ من الأعراب فعدَلوا إليهم، وكان سعد الدولة قد نادى: من جاء ببَكْجُور فله ما يريد، ولمَّا [مرَّ] (٣) بهم الأعراب رأى بَكْجُور منهم بدويًّا، فعرَفَه، وعرَّفه نفسَه، وقال: احملني إلى الرقة وأُعطيك وقْرَ (٤) جَمَلِكَ ذهبًا. فحمله إلى بيته، وبلغه نداءُ سعد الدولة، فجاء إليه وقال: بَكْجُور عندي، وأريد منك مئتي ألف درهم، ومئتي فَدَّان، وكذا وكذا. فقال: كل ذلك عندي. وبعث معه جماعة فأحضروه، فاستشار لؤلؤًا سعدُ الدولة فيه، فقال: بقيَ غيرُ قتله! وإلَّا شفعَتْ فيه ستُّنا يعني -أخت سعد الدولة- وصار لنا شغلٌ مُجدَّد. فأمر بقتله، فحُمِلَ إلى الموضع المعروف بحصن الناعورة، فقتله ومن معه، وعلَّقهم بأرجلهم. وسار سعد الدولة مِنْ فَوره إلى الرقة -وفيها سلامة الرَّشيقي وأبو الحسن المغربي وأولاد بَكْجُور وحُرَمُه وأموالُه وخزائنُه وذخائرُه- فراسل سلامةَ على تسليم البلد، فقال: على شرط أن يُؤمِّنَ أولادَ بَكْجُور وحُرَمَه ويأخذوا أمواله، ولي ولابن المغربي، فحلف لهم وأمَّنهم، وحلف بالأيمان المغلَّظة، وهرب المغربي إلى الكوفة، فأقام عند ضريح أمير المؤمنين رضوان الله عليه، ثم خرج إلى مصر، وقد ذكرناه.

стр. 8453

ثم خرج أولادُ بَكْجُور وحرمُه بأمواله (١)، فرأى سعدُ الدولة شيئًا هاله، وكان جالسًا في سُرادِقاته وعنده ابن أبي حصين القاضي، فقال له: ما كُنْتُ أظنُّ أنَّ بَكْجُور عنده هذه الأشياء، فقال: هو مملوكُكَ، وأولاده مماليكك، ومالُه لكَ، ولا حِنْثَ عليكَ في الأموال التي حلفتَ [عليها]، ومهما كان فيها من وزْرٍ فعليَّ. فلما سمع ذلك أمر بردِّ الجميع، واستولى على الأموال والذخائر، وكتب أولاد بَكْجُور إلى العزيز بما جرى عليهم، فكتب إلى سعد الدولة: واللهِ لئن لم تردَّ الجميع وتحفَظْ يمينَك لأسيرنَّ إليك بنفسي. فقال لرسوله: كُلْ كتابه. فامتنع، فأمر بلطمه، فأكله، فقال له: قُلْ لصاحبك: ما تحتاج تجيء إليَّ، وأنا أجيء إلى عندك، وما أنا ممَّن يمرُّ عليه تمويهُك (٢). وأمر بالعساكر فتقدمته إلى حمص، وعزم على المسير إلى الرملة، فمرض ومات، وسنذكره إن شاء الله تعالى (٣). [وفيها تُوفِّي] جوهر القائد [الَّذي فتح مصر، وبنى القاهرة، وذكره الحافظ ابن عساكر فقال (٤): مولى أبي تميم [الملقب] (٥) بالمُعِزّ، وهو الَّذي استولى على مصر [في] سنة ثمان وخمسين [وثلاث مئة]. ووطَّأ الأمور، [وهو صاحب الواقعة بالشام مع هفتكين التركي] (٦)، وكان شجاعًا، بصيرًا بأمور الحرب، عاقلًا، لبيبًا (٧)، جليلًا، سخيًا، لم يزل مقدَّمًا على الجيوش والدولة، حاكمًا على الكلِّ إلى أن توفي يوم الخميس لعشر بَقِين من ذي القعدة [في هذه السنة].

стр. 8454

سعدُ الدولة أبو المعالي، شريف بن سيف الدولة، قد ذكرنا عَزْمَه على المسير إلى الرملة، فاتَّفق أنَّه لحقه قُولَنْج أشفى منه، فأشار عليه طبيبُه بالدخول إلى البلد، وملازمة الحمَّام، فقال: أنا قاصد إلى جهةٍ، فإنْ عدتُ عنها وقع الإرجافُ [بي] (١). فعالجه، فبرَأَ، وكان مستوليًا على أمره لؤلؤٌ الكبير -وقد ذكرناه- وزُيِّنَ البلدُ، ولم يبقَ إلا أن يصبح فيركب، وكان له أربع مئة سرية أَخصهنَّ عنده جارية يقال لها: انفراد، فجاءت إلى فراشه فحادثَتْه، فجامعها، فلمَّا فرغ منها سقطَ وجفَّ نصفُه (٢)، وجاء طبيبه فقال: أعطني يدك أيّها الأمير، فاعطاه اليسرى؛ لأن اليمين كانت قد يبِست. فقال: يا مولانا، اليمين. فقال له: ما تركت اليمينُ لي يمينًا. يعني التي حلفها لأولاد بَكْجُور. وعهِدَ إلى ولده أبي الفضائل، ووصَّى لؤلؤًا الكبيرَ به وبأبي الهيجاء ولدِه الآخر، ومات بحلب في رمضان، وحُمِلَ تابوتُه إلى الرقة، فدُفن بظاهرها في المشهد، ورجعت العساكر إلى حلب. عبيد الله بن عبد الرحمن (٣) ابن محمد بن محمد بن عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، أبو الفضل الزهري، ولد سنة تسعين ومئتين، وسمع خلقًا كثيرًا، وليس بينه وبين عبد الرحمن ﵁ إلا مَنْ روى الحديث عنه، وكانت وفاتُه في ربيع الآخر ببغداد، وأجمعوا على صلاحه وصدقه وثقته. عبيد الله بن أحمد (٤) ابن معروف، أبو محمد، القاضي، ولد سنة ست وثلاث مئة، وولي القضاء من الجانبين ببغداد، وكانت له منزلةٌ عاليةٌ من الخلفاء والملوك، خصوصًا من الطائع،

стр. 8455

وكان من العلماء الثقات العقلاء الفضلاء الفطناء، عفيفًا عن الأموال، نزهًا، وسيمَ المنظر، حسنَ المخْبَر، مليحَ المَلْبس، مَهيبًا، ذا مروءة وعصبيةٍ وفتوةٍ من ألِبَّاء الناس، مع تجربة وفطنة ومعرفة وعزيمة باقية، وهمَّةٍ تامةٍ ماضية، وكان الصاحب بن عبَّاد يقول: أشتهي أن أدخلَ بغداد وأشاهدَ جراءةَ أبي أحمد العلوي، وتَنَسُّكَ أبي محمد الموسوي، وظَرْفَ أبي محمد بن معروف. وزوَّرَ عليه رجل ورقةً إلى الوزير يستجديه ويطلب منه عمالة، فأوصلَها إلى الوزير، فقرأها، فاستراب بها؛ لأن الخط اختلف عليه، فوضعها بين يديه والرجل قائم، فاتَّفَق أنَّ ابنَ معروف جاء إلى الوزير في ذلك الوقت لمُهِمٍّ، وكان في وقت القائلة، فنظر فرأى الورقة بين يديه، فقال [له]: ما الَّذي عنّى القاضي في هذا الوقت؟ فكتم الأمر الَّذي جاء فيه، وقال: أيها الوزير، هذا الرجل صاحبي، وله عليَّ حقوقٌ، وأرسلته بهذه الورقة، وخِفْتُ أن يغفل عنها، فجئت بنفسي لتقضي شغله. ففَهِمَ الوزيرُ الحال، فأعطى الرجلَ أربعة آلاف درهم، واستكتبه، فلمَّا قام ابن معروف وخرجَ تَبعه الرجلُ، فوقع على قدميه، وجعل يبكي وهو خجلٌ، فقال له ابن معروف: طِبْ نفسًا، فما كنَّا لِنُخيِّب رجاء مَنْ قصدَنا، وعلَّق آماله بنا. ومن شعر ابن معروف: [من البسيط] يا صاحبيَّ سلا الأطلال والدِّمَنا (١) … متى يعودُ إلى عُسْفانَ مَنْ ظَعَنا إنّ الليالي التي كُنَّا نُسَرُّ بها … أبدى تَذكُّرُها في مهجتي حَزَنا أستودع اللهَ قومًا (٢) ما ذكرتُهمُ … إلا تحدَّرَ من عينيَّ ما خُزِنا كان الزمان بنا غِرًّا فما بَرِحَتْ … أيدي الحوادث حتَّى ذَكَّرَتْهُ (٣) بِنا أشتاقُكُمُ اشتياقَ الأرضِ وابِلَها … والأمِّ واحدَها والغائبِ الوطَنا

стр. 8456

ذكر وفاته: تُوفِّي في صفر، ولم يُرَ مثلُه في عفَّتِه ونزاهتِه، وصلَّى عليه الشريف الموسوي في داره، وكبَّر عليه خمسًا، وحُمِل إلى جامع المنصور، فصلَّى عليه ابنُه وكبَّر أربعًا، ثم حُمِلَ إلى داره على شاطئ دِجلة، فدُفن بها، وحضر عزاءه عيسى بن علي الوزير، فقال لولده القاضي أبي الحسين: [من الخفيف] وعلى مثلِهِ يُناح ويُبكى … وتُشَقُّ القلوبُ قبلَ الجيوبِ الحمد لله الَّذي لم ينقُلْه من داره إلى جواره، حتَّى أخرج من عنصره مثلك. وكان لابن معروف مجلسان في كلِّ سنةٍ يجلس فيهما للحديث، أول يوم من المحرَّم، وأول يوم من رجب، وكان ثقةً، وبرز خطُ القادر: لا تُقبل شهادةٌ إلَّا مَن كان شاهدًا في أيام ابن معروف. وكانت وفاتُه بضيق النَّفَس، ولم يتخلَّف عن جنازته أحدٌ من الأكابر. السنة الثانية والثمانون بعد الثلاث مئة فيها جلس القادر بالتَّاج، وحَضرَ القضاةُ والأشرافُ والأعيان، وأُحضِرَ رسولُ صاحب المولْتان (١)، وكان قد ورد في رسالة يذكُرُ رغبتَه في الإسلام والدخول فيه، ويسأل أن يُنفِذ إليه من يعلِّمهم السننَ والشرائعَ والفرائضَ والحدودَ، فكتب على يده كتابًا، ووعد بالجميل. وفيها شغَبَ الدَّيلم والتُّرك والجند، وخرجوا بالخِيم إلى باب الشَّمَّاسية، وراسلوا بهاء الدولة بتسليم أبي الحسين المعلِّم -وكان قد استولى على بهاء الدولة وحكم عليه، وقصَّر في حقِّ الجند وأهانهم- فراسلهم بهاءُ الدولة وتلطَّف بهم، وقال: له حُرْمة، وأنا أرفع يده عن أمركم، وأتولَّاه بنفسي. وتردَّدتِ الرسائلُ بينهم، فقالوا: إن لم تسلِّمْ إلينا وإلا مضينا كلُّنا إلى شيراز، فقيل له: سَلِّمه، وإلا زالت الدولةُ. فسلَّمه إلى خاله أبي حرب شيرزيل، فسقاه السُّمَّ مرتين، فلم يعمل فيه، فخُنِقَ بحبل الستارة، ودُفِنَ بالمخرِّم، وهذا المعلِّم هو الَّذي كان سببًا للقبض على الطائع، وعاد العسكر إلى منازلهم.

стр. 8457

وفي رجب سُلِّم الطائعُ إلى القادر، فأنزله حجرةً من حجره، ووكل به من يحفظه من ثقات خدمه، وأحسن ضيافتَه ومراعاةَ أموره، فكان يطلب من الخدمة مثل ما كان يطلب وهو خليفة، فتُزاح عِلَلُه في جميع ما يستوجبه، وحُمِلَ إليه تينٌ في مراكن (١)، فرفَسَه برجله وقال: ما تعوَّدنا أن يُقدَّم بين أيدينا إلا المثلوج (٢). وحُمِلَ إليه في بعض الأيام طيبٌ من العطارين، فقال: [مِن (٣)] هذا يستعمل أبو العباس؟ قالوا: نعم. قال: قولوا له عنِّي: في الموضع الفلاني من الدار كُنْدوجٌ (٤) فيه طيبٌ ممَّا كُنْتُ أستعملُه، فابعَثْ لي منه. وقُدِّم له يومًا عدسيَّةٌ فقال: أكل أبو العباس منها؟ قالوا: نعم. قال: قولوا له عنِّي: إذا أردتَ أن تأكل عدسيَّةً لِمَ اختفيتَ أيام هذا الأمر، وما كانت العدسية تفوتُكَ. فحينئذٍ أمر القادرُ بأن تُحمَلَ إليه جاريةٌ طبَّاخةٌ من طبَّاخاته تطبخ له ما يُلائمه كلَّ يوم، وقُدِّمت إليه في بعض الليالي شمعةٌ قد احترقَ بعضُها، فأنكرها ودفعها إلى الفرَّاش، فأرسل إليه بغيرها، وأقام مكرَّمًا إلى أن مات. وفي شوال وُلِدَ للقادر ابنٌ سمَّاه محمدًا، وكنَاه أبا الفضل، وأمُّه أمُّ ولد اسمُها: علم، وهو الَّذي جعله وليَّ عهده، ولقَّبه الغالبَ بالله، وتوفي من بعد. [قال ابن الصابئ]: وفيها غَلتِ الأسعارُ ببغداد، فبيع رطلُ الخبزِ بأربعين درهمًا، والجوزة بدرهم (٥). وفيها خرج ملك الروم، فأخذ خِلاط، واستولى على بلادها؛ ملاذكرد وأَرْجيش، وأضافها إلى بلاده، ثم إن الحسن بن مروان راسله، وتهادنا عشر سنين، وعاد إلى بلاده. وفيها قبض صَمْصام الدولة على وزيره أبي القاسم العلاء بن الحسن، واستوزر أبا القاسم الحسين بن معمر المُدْلِجي، وكان العلاء غالبًا على أمر صَمْصام الدولة ووالدته، وكان قد اصطنع أبا القاسم المدلجي واستصحَبَه من الأهواز وأحسنَ إليه،

стр. 8458

ولمَّا ورد الأهواز وعاد إلى شيراز ما زال المُدْلجيُّ يُفسِدُ حاله عند السيدة، وتضاعفت المؤن، وكثرت النفقات، فشرع الجند في إفساد حاله، والمدلجيُّ يساعدهم؛ طمعًا في رياسته، حتَّى قبض عليه وعلى حاشيته، وعُوقبوا أشدَّ العقوبات (١)، وماتت ابنتُه تحت الضرب، وأُلقيَ في بعض المطامير بحيث لا يُعرَفُ له خبر، إلى أن فسد أمر المدلجِيِّ، وتغيَّرتِ السيدةُ عليه، فقُبِضَ عليه، وأُخرِجَ العلاءُ من المطمورة، وقد ضَعُفَ بصرُه، فعُولجِ في دار السيدة حتَّى صَلُحَ، ورُدَّ إلى الوزارة، وخُلِعَ عليه (٢). [وفيها] حجَّ بالناس أبو الحسن محمد بن الحسن العلوي. وفيها تُوفِّي أحمد بن علي ابن عمر، أبو الحسن، الحَريري، ولد سنة اثنَتين وثلاث مئة، ومات ببغداد في رمضان. وأخرج له الخطيب (٣) حديثًا من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله تعالى: أنا ثالثُ الشريكين ما لم يَخُنْ أحدُهما صاحبَه، فإذا خانَه خرجتُ من بينهما". عبد الله بن محمد (٤) ابن عبد الوهاب، أبو سعيد، الرازي، القرشي، الصوفي، نزيل نيسابور، وكان كالريحانة بين الصوفية، سيِّدًا، ثقةً. السنة الثالثة والثمانون وثلاث مئة وفيها أمر القادر (٥) بعمارة جامع الحربية وكسوتِه، وإجرائِه مجرى الجوامع [والصلاة فيه]، وكان محمد بن الحسن بن عبد العزيز [الهاشمي] قد بنى مسجدًا بمحلَّة

стр. 8459

الحربية في أيام المُطيع، على أن يجعله جامعًا يُخطَبُ فيه، فمنع المطيعُ منه، وقال: لا تجوز الصلاة فيه. فلمَّا كان في هذا الوقت استفتى الفقهاء فيه، فأفتَوا بالجواز (١). وفي ذي الحجة تزوَّج القادر سُكينة بنت بهاء الدولة على صَداقٍ مبلغه (٢) مئة ألف دينار، وكان الإملاك (٣) بحضرة القادر (٤) والوالي (٥) الشريف أبي أحمد الحسين (٦) بن موسى الهاشمي، وتُوفِّيت قبل النَّقلة إليه، فحزن عليها أبوها حزنًا شديدًا، وأقام أيامًا لا يراه أحد (٧). وفيها ابتاع أبو نصر سابور بن أَزْدَشير دارًا بالكَرْخ بين السُّورين، وعمَّرَها دارًا للعلم، ووقفها على أهله، ونقل إليها كتبًا كثيرةً، وعمل لها فِهْرِستًا، صورتُه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا فِهْرِستٌ جمعَه سابور بن أَزْدَشير من كتب القرآنِ وعلومِه، ومعانيه وتفاسيرِه، والقراءاتِ، والفقهِ، والأدعيةِ، والفرائضِ، وعلوم الشريعةِ على اختلاف المذاهب، والكلامِ، والجدلِ، والمقالات، وكُتبِ أهلِ البيت ﵈ والأنسابِ، واللُّغاتِ، والأمثالِ، والصفاتِ، والعربيةِ، والعروضِ، والقوافي، ودواوينِ الشعراءِ والقدماءِ والمخضرمين والمُحدَثين، والنوادرِ، والأخبارِ، والرسائلِ، والطبِّ، والنجومِ، والفلسفةِ، والهندسةِ، وغيرها، وذِكْرِ شروط الوقف، وقال: ولسابور بن أزْدَشير أجرُ ما نواهُ، ثوابَ ما عقَدَه وبناه، والويلُ كلُّ الويل لمن أقدَمَ على ما يخالِفُ شرطَه، وأُحمِلَ من الوزر ما يبوء منه بغضبٍ من الله وأليمِ عقابِهِ وشديدِ عذابِهِ، وذكر كلامًا هذا معناه. [وفيها] (٨) حجَّ بالناس أبو الحسن محمد العلوي.

стр. 8460

وفيها تُوفِّي أحمد بن إبراهيم (١) ابن الحسن بن شاذان، أبو بكر، البزَّاز، ولد في ربيع الأول سنة ثمان وتسعين ومئتين، ومات في شوال ببغداد، وكان ثبتًا، متديِّنًا، ثقةً، مأمونًا، فاضلًا، صاحبَ أصولٍ حِسان. وقيل له: أسمِعْتَ من الباغَنْدي شيئًا؟ قال: لا أعلم. ثم وَجَدَ سماعَه منه، فلم يُحدِّث به تورُّعًا. [وفيها تُوفِّي] عبد الله بن عطية ابن عبد الله بن حبيب، أبو محمد، المقرئ، الدمشقي، المُفسِّر، العَدلْ، إمام مسجد عطية داخل باب الجابية، وإليه يُنسب. [ذكره ابن عساكر (٢) وقال: قرأ القراءات على أبي الحسن الأخرم وغيره،] وكان يحفظ خمسين ألف بيتِ من شعر العرب في الاستشهادات على معاني القرآن واللغة، وكانت وفاته بدمشق في شوال، ودُفن بالباب الصغير، حدَّثَ عن مشايخ دمشق؛ [أبي علي الحصائري وأبي الحسن بن جَوْصا وغيرهما، قال ابن عساكر]: ومن شعره: [من مجزوء الكامل] احذَرْ مودَّةَ ماذِقٍ (٣) … مَزَجَ المرارةَ بِالحلاوهْ يُحصي الذُّنوبَ عليكَ أيـ … ـامَ الصداقةِ لِلعداوهْ عبد الله بن محمد (٤) ابن القاسم بن حزم، أبو محمد، الأندلسي، القَلْعي، من أهل قلعة أيوب، رَحَلَ إلى مصر والشام والعراق سنة خمسين وثلاث مئة، وسمع شيوخَها، ثم عاد إلى الأندلس، وصنَّف الكتب، وكانوا يُشبِّهونه بسفيان الثوري في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسألَه الحَكَمُ

стр. 8461

والي الأندلس -ولقَبُه المستنصر- أن يليَ القضاءَ، فلم يُجِبْه، وكانت وفاته في ربيع الآخر، وله ثلاث وستون سنة، وحديثُه ومصنَّفاته بالمغرب، ومن شعره (١): [من الكامل] يا دهرُ أين المُسْعِفون (٢) ذَوو النَّدى … ذهبوا (٣) فنُحييهم بطِيبِ ثنائِهمْ والمُنعِمون إذا عدا دهرٌ على … إخوانِهم بالفضلِ مِنْ نعمائِهمْ والدافعونَ الضَّيرَ عن جيرانِهمْ … والبادِرونَ سؤالهم بعطائِهمْ فأجابني لم يَبْقَ منهم غيرُ ما … حفِظَتْ بطونُ الكُتْبِ من أنبائِهمْ أترى الكِرامَ من الأنام تخرَّموا (٤) … حتَّى أُبيدَ النَّسلُ (٥) من كُرمائِهمْ زمنٌ تواصى أهلُه بجوابِ لا … حتَّى كأنَّ نَعَمْ طلاقُ نِسائهمْ وممَّا أنشده ابن عساكر عن ابن حزم: [من الكامل] لعِبَ الهوى في كلِّ نفسٍ حُرَّةٍ (٦) … والصبرُ أجملُ والتنزُّهُ أنْزَهُ والجهلُ يتَّخِذُ الحريصَ مَطِيَّةً … إنَّ الحريصَ مُجَهَّلٌ ومُسَفَّهُ كثُرَ الرُّقادُ عن المَعادِ ونحنُ في … غِيَرٍ (٧) تُنَبِّهُنا وما نَسْتَنْبِهُ يا مَنْ تُحدِّثُه الحوادثُ أنَّهُ … يفنى وليسَ عن الحوادثِ يفقَهُ أمَّا المماتُ فقد نعاك مُصرحًا … ونَعتْكَ أزمنةٌ بها تتفَكَّهُ كُنْ للمكارهِ بالعزاءِ مُبلِّغًا … فلعلَّ يومًا ما ترى ما تكرَهُ ولَرُبَّما استترَ الفتى فتنافَسَتْ (٨) … فيه العيونُ وإنِّهُ لَمُموَّهُ ولَرُبَّما خَزَنَ التقيُّ لسانَهُ … حَذَرَ الجوابِ وإنَّهُ لَمُفَوَّهُ

стр. 8462

ولَرُبَّما ابتسم الكريمُ من الأذى … وفؤادُهُ من حَرِّهِ يَتاوَّهُ محمد بن صالح (١) ابن سعد، أبو عبد الله، الأندلسي، الفقيه، المالكي، سمع بالشام ومصر والجزيرة وبغداد، ثم أقام ببخارى، ومات بها في رجب، وكان فاضلًا، ثقةً. ومن شعره: [من الكامل] ودَّعْتُ قلبي ساعةَ التَّوديعِ … وأطعْتُ قلبيَ وَهْوَ غيرُ مُطيعِ إنْ لَمْ أُشَيِّعْهُمْ فقد شيَّعتُهمْ … بمُشيِّعَينِ حُشاشتي ودُموعي نصر بن محمد (٢) ابن أحمد بن يعقوب، أبو الفضل، الطُّوسي، العطَّار، الصُّوفي، أحد أركان الحديث بخُراسان، مع ما يرجع إليه من الدِّين والزُّهد والسَّخاء والعِفَّة والعصبية لأهل السُّنَّة بخُراسان، وقد سافر إلى العراق ومصر والشام والحجاز، وجمع من الحديث ما لم يَجمَعه أحدٌ، وصنَّفَ الكُتبَ، ومات وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، وأما علوم الصُّوفية وأخبارهم وملاقاتُه للشيوخ فإنه لم يُخلِّفْ بخراسان مثلَه في ذلك، وسمع خلقًا كثيرًا، وروى عنه الحاكم وجمٌّ غفير، وأخرج له الحاكم حديثًا عن عبد الله بن عمرو قال: خرج رسول الله ﷺ وهو معصوبُ الرأسِ، فحمِدَ الله وأثنى عليه، وقال: "أيُّها الناس، ما هذه الكتبُ التي تكتبون؟ أكِتابٌ مع كتاب الله؟ يوشِكُ أن يغضبَ اللهُ لكتابِه فلا يدعَ في رِقٍّ ولا في يد أحد منه شيئًا إلا أذهَبَه" قالوا: يا رسول الله، فكيفَ بالمؤمنين والمؤمنات يومئذٍ؟ قال: "مَنْ أراد اللهُ به خيرًا أبقى في قلبه لا إله إلا الله" (٣).

стр. 8463

السنة الرابعة والثمانون وثلاث مئة وفيها ظهر عَيَّار من باب البصرة ببغداد -يقال له: عزيز- واستفحَلَ أمرُه، واجتمع إليه خلقٌ عظيمٌ (١) من الشُّطَّار (٢)، وطرحَ النيرانَ في محالِّ بغداد، وطلبَ أصحابَ الشُّرَط، وصالح أهلَ الكَرْخِ، وجبى الأسواق، وكاشف السلطانَ وأعوانَه، ثم تبعه أعوان السلطان، وقتلوا جماعة من العيَّارين. وقال الخطيب: مرَّ عبد الصمد الزاهد بعزيز -وقد خرج مع العيَّارين- وأمُّه تبكي، وتقول: يا عزيز، بحقِّي عليك ارجِعْ ولا تُعَرِّض نفسَكَ للقتل. فقال لها: لا تُطوِّلي عليَّ، قد قلتُ للعيَّارين أنِّي خارجٌ معهم، ومِثلي إذا قال قولًا لا يرجعُ فيه، اطلُبي عزيزًا غيري، فساروقتي (٣) في جيبي. فبكى عبد الصمد، وأخذ إشارةً من قول عزيز، فكانت نفسُه إذا طالبَتْه بشهوةٍ يقول لها: قد تركتُ الشهواتِ لله، ولا يُمكِنُنِي أرجع فيها، اطلبي عزيزًا غيري، وساروقتي في جيبي. وفيها سار صَمْصام الدولة من شيراز يريد الأهواز، وخرج بهاء الدولة من بغداد، ونزل واسطًا، وبعثَ طُغان في ألفي فارس من التُّرك، فالتقوا بأرض خوزستان، وكان صَمْصام الدولة قد أقبلَ في جيشٍ عظيمٍ وأموالُ الدَّيلم معه وسلاحُهم، وما أبقى وراءه بقية، والتقوا فاقتتلوا، فانهزمتِ الدَّيلم عن صَمْصام الدولة وبقي على بغلةٍ، فساقوه، وانهزموا، وغَنِمَ التُّرك منهم غنيمة لم يغنمها أحدٌ، وقتلوا من الدَّيالمة أربعةَ آلاف، وعاد صَمصام الدولة إلى شيراز، ودخل طُغَان إلى الأهواز، وكتب إلى بهاء الدولة بالفتح وهو بواسط. وفيها أشار أبو نصر خواشاده بمراسلة فخر الدولة وتألُّفِه؛ لئلَّا يصير موافقًا لصَمْصام الدولة، وخرج بالكتاب والرسالة أبو الحسن محمد الأَقْساسي العلوي.

стр. 8464

وفيها توجَّه بهاء الدولة من واسط إلى البصرة، واستقرض من مُهذَّب الدولة مالًا، وبعثَ معه بعساكر، فدخل البصرة واستولى عليها، وخطب لمُهذَّب الدولة بعدَه. وفيها وصل صَمْصام الدولة إلى أَرَّجان، وتلقَّوه بالثياب والدوابِّ وغيرِها، وتلقَّتْه أمُّه وهو في عَمَاريةٍ (١) سوداء، وثيابُه كلُّها سود، حتَّى عمامتُه وسراويلُه؛ حُزنًا على ما أصابه، فشجَّعَتْه وقالت: يتمُّ على الملوك أعظم من هذا! وغيَّرت ثيابه، ودخل إلى شيراز ومعه ستون رجلًا من غلمانه، وتمزَّق الباقون، وكانوا عشرين ألفًا، وكان دخولُه إليها في جمادى الآخرة. وفيها تقلَّد أبو الحسن (٢) علي بن حاجب النعمان ديوان المصالح. وفيها عُزِلَ الشريف أبو أحمد الموسوي عن نقابة الطالبيِّين، وصُرِفَ ولداه الرضيُّ والمرتضى عن النيابة عنه، وقُلِّد الشريفُ أبو الحسن محمد بن علي بن أبي تمام الزَّينبيُّ نقابةَ العباسيين ببغداد، وقوي عهدُه بحضرة القادر والقُضاة. [وفيها] رجع الحاجُّ من الطريق، وسبُبه أنَّه كان ورد في السنة الماضية إلى بغداد صاحبُ الأُصَيفر الأعرابي] وكان خارجيًّا يقطع الطريق [، فضمِنَ على نفسه أنَّه يسيرُ بالحاجِّ سالمين ويعودَ بهم، ويخطُبُ للقادر من حدِّ الكوفة إلى عُمان، فخُلِعَ عليه وأعطيَ [مالًا و] لواءً، و [قيل: أعطي] عشرةَ آلاف دينار، وكانت الرياسة على الحجِّ لمحمد بن الحسن العلوي، فسار بالحجَّ، فلَّما وصل بين الثَّعلبية وزُبالة اعترضَهم الأُصَيفر، ومنعهم من المسير إلى مكة، وقال: الدنانيرُ التي أُعطيتُ عام أول كانت دراهمَ مَطليَّةً، وما أُمكِّنُكم من المسير حتَّى آخَذ رسمي. وضاق الوقت، فرجعوا إلى بغداد، [ولم يحجُّوا خوفًا من الأُصَيفر، فعظُم ذلك عليهم] (٣). وفيها حكم أبو علي بن مروان على مَيَّافارقين، وكان أهلُها قد طَمِعوا فيه وفي أصحابه وأهانوهم، وغمُّوا بعضهم، فشكا إلى حاجبه تيمور -وكان صاحبَ رأيٍ -

стр. 8465

فقال له: إنك لا طاقةَ لك بهم وإن كاشَفْتَهم قهروك. قال: فما الحيلة؟ قال: أمهِلْهم إلى يوم العيد، فإذا خرجوا إلى المُصلَّى فأمسِكْ عليهم الأبواب، وأدخِلْ مَنْ تُريد، واطْرُدْ مَنْ تُريد. فصبر إلى يوم العيد، وأظهر زينةً عظيمةً، وجنائبَ (١) وعُدةً، وخرج الناس إلى المُصلَّى، ولم يركب هو، وأظهرَ أنَّه مريض، وأوقف أصحابَه على الأبواب، فلَّما حصلوا في المُصلَّى أباح لأصحابه نَهْبَهم، ورمى بجماعةٍ ممَّن تخلَّف من الأسوار، واختارَ هو مَن أمِنَ منه، وفرَّق الباقين في البلاد، فماتوا في الطرقات عطشًا وجوعًا، وأخذَ أموالهم، فها بَه الناسُ واستقامَ أمرُه. وفيها توفِّي إبراهيم بن هلال (٢) أبو إسحاق الصابئ، صاحب الرسائل، كان فاضلًا في ترسُّلِه إلّا أنّ كلامَه كثيرُ الحشو، قد نُكِبَ بسبب رسائِله ومُكاتباتِه غيرَ مرة، ومولده في رمضان سنة ثلاث عشرة وثلاث مئة، ودُفِنَ بالشُّونيزية. ورثاه الرضيُّ الموسوي (٣) بمرَّات كثيرة، منها قوله: [من الكا مل] أَعلِمْتَ مَنْ حَملوا على الأعوادِ … أرأيتَ كيفَ خبا ضياءُ الغادي جبلٌ هوى لو خَرَّ في البحر اغتَدى … مِنْ وَقْعِهِ مُتَتابعَ الإزبادِ ما كُنْتُ أعلَمُ قبلَ حَطِّكَ في الثَّرى … أنَّ الثَّرى يعلو على الأطوادِ (٤) بُعْدًا ليومِكَ في الزمانِ فإنَّهُ … أقذى العيونَ وفَتَّ (٥) في الأكبادِ (٦) لا ينفَدُ الدَّمعُ الَّذي تُبْكَى بهِ … إنَّ القلوبَ له من الأمدادِ كيفَ انمحى ذاكَ الجَنابُ وعُطِّلتْ … تِلكَ الفِجاجُ وضَلَّ ذاكَ الهادي

стр. 8466

طاحَتْ (١) بتلكَ المَكْرُماتِ طوائِحٌ … وعَدَتْ على ذاكَ الجلالِ عَوادي (٢) هذا أبو إسحاقَ يَغْلَقُ رَهْنُهُ … هَلْ ذائدٌ أو مانعٌ أو فادي لو كُنْتَ تُفدى لافتداكَ فَوارِسٌ … مُطِروا بعارضِ كل يومِ طِرادِ وإذا تألَّقَ بارِقٌ لِوقيعةٍ … والخيلُ تَفْحَصُ (٣) بالرجالِ بَدادِ (٤) سَلُّوا الدروعَ من العُيابِ (٥) وأقبلوا … يتحدَّبون على القنا الميَّادِ لَكِنْ رماكَ مُجَبِّنُ الشُّجعانِ عَنْ … إقدامِهِ ومُضَعْضِعُ الأنْجادِ أعزِزْ عليَّ بأَنْ أراكَ وقد خَلَتْ … من جانِبَيكَ مقاعدُ العُوَّادِ أعزِزْ عليَّ بأَنْ يُفارِقَ ناظري … لَمَعانُ ذاكَ الكوكبِ الوَقَّادِ أعزِزْ علي بأن نزلْتَ بمنزلٍ … مُتشابهِ الأمجادِ والأوغادِ في عصبةٍ جُنِبوا (٦) إلى آجالهِمْ … والدَّهر يُعجِلُهمْ عن الإروادِ (٧) ضَربوا بِمَدرجةِ الفَناءِ قِبابَهُمْ … مِنْ غيرِ أطنابٍ (٨) ولا أعمادِ (٩) ركبٌ أناخوا لا يُرَجَّى مِنْهُمُ … قَصْدٌ لإِتْهامٍ ولا إنجادِ (١٠) قد كُنْتُ أهوى أن أُشاطِرَكَ الرَّدى … لَكِنْ أرادَ اللهُ غيرَ مُرادي ولقد كبا طَرْفُ الرُّقادِ بناظري … أسفًا عليك فلا لعًا (١١) لرُقادي ثَكِلَتْكَ (١٢) أمٌّ لم تَلِدْ لَكَ ثانيًا … أنَّى ومِثْلُكَ مُعوزُ (١٣) الميلادِ

стр. 8467

مَنْ للبلاغةِ والفصاحةِ إنْ هَمى … ذاك الغمامُ وعَبَّ (١) ذاكَ الوادي مَنْ للملوكِ يَجُزُّ في أعدائِها (٢) … بِظُبًى من القولِ البليغِ حِدادِ مَنْ للممالِكِ لا يزالُ يُلمُّها … بسدادِ أمير ضائعٍ وسَدادِ مَنْ للمَوارق (٣) يستردُّ (٤) قلوبَها … بِزَلازلِ الإبراقِ والإرعادِ أمَّا الدُّموعُ عليكَ غيرُ بخيلةٍ … والقلبُ بالسُّلوانِ غيرُ جوادِ سوَّدْتَ ما بين الفضاءِ وناظري … وغسَلْتَ من عينيَّ كلَّ سوادِ قُلْ للنوادِب عدِّدي أيَّامَهُ … تَغْنَي عن التعديدِ بالتعدادِ ضاقَتْ عليَّ الأرَضُ بعدكَ كلُّها … وتركْتَ أضيَعها عليَّ بلادي لكَ في الحَشَا قبرٌ وإنْ لَمْ تأوه … ومِنَ الدُّموعِ روائحٌ وغوادي صَفحَ الثَّرى عن حُرِّ وجهِكَ أنَّهُ … مُغْرًى (٥) بِطَيِّ محاسنِ الأمجادِ وتماسكَتْ تِلكَ البَنانُ وطال ما … عبَثَ البِلَى بأناملِ الأجوادِ وسقاكَ فضلُكَ إنَّهُ أروى حيًّا (٦) … من رائحٍ مُتعرِّضٍ أوغادي من أبيات. [وفيها توفِّي] عبيد الله (٧) بن محمد ابن نافع بن مُكرم، أبو العباس، البُسْتي، الزاهد، ورث من آبائه أموالًا عظيمة، فأنفقها على العلماء والفقراء وفي سبيل الله، ولم يبلُغْ أحدٌ من العبادة مثلَ ما بلغَ، أقام سبعين سنةً لا يستند إلى جدار ولا غيره، ولا اتَّكأ على وسادة، وحجَّ من نيسابور حافيًا

стр. 8468

راجلًا، ودخل الشام و [الرملة]، وأقام ببيت المقدس مدةً، ثم دخل المغرب على وجه السياحة، ثم عاد إلى مكة فحجَّ ورجع إلى بُسْت، فتصدَّقَ بما بقي من أملاكه، فلمَّا احتضرَ قَلِقَ، فقيل له: ما هذا القلق؟ فقال: كيف لا أقلقُ ولا أدري أأنجو أم لا؟ وكانت وفاتُه في المحرَّم عن خمس وثمانين سنة. علي بن أبي تمام (١) الحسن بن محمد بن عبد الوهاب الزَّينبي، نقيبُ نقباء العباسيين ببغداد، وأول من جمع له بين النقابة والصلاة في سنة ثمانين وثلاث مئة، واستُخلِفَ ابنُه أبو الحسن نظامُ الحضرتين. علي بن عيسى (٢) ابن علي، أبو الحسن، الرُّمَّاني، النَّحْوي، ولد سنة ستٍّ وتسعين ومئتين، وبرع في علم النحو واللغة والأصول والتفاسير وغيرها، وله كتاب "التفسير الكبير" وهو كثير الفوائد إلَّا أنَّه صرَّح فيه بالاعتزال، وسلك الزمخشريُّ سبيلَه، وزاد عليه أخْذَ الأدب عن المبرِّد وأقرانه، وسمع من البغوي وغيره، ومات ببغداد، ودُفِنَ بالشُّونيزية، وله ست أو تِسعٌ وثمانون سنة. محمد بن العباس (٣) ابن أحمد بن محمد، أبو الحسن، ابن الفرات، ولد سنة تسع عشرة وثلاث مئة، وكتب الكثير، وجمع ما لم يجمَعْه أحدٌ في زمانه، كان عنده عن علي بن محمد المصري وحدَه ألف جزء، وكتب مئةَ تفسير ومئةَ تاريخ، وخَلَّفَ ثمانية عشر صندوقًا مملوءةً كتبًا غيرَ ما سُرِقَ منه، وأكثرُها بخطِّه، وكانت له جاريةٌ تُعارِضُ معه ما يكتُبه، ومات ببغداد في شوال، وكان مأمونًا ثقةً.

стр. 8469

محمد بن عمران (١) ابن موسى بن عبيد الله، أبو عبد الله، الكاتب، المَرْزُباني، كان صاحب أخبارٍ ورِوايةٍ للآداب، وصنَّفَ كتبًا مُستحسنةً في فنون، وكان أشياخُه يحضرون عنده في داره فيسمع منهم، وكان في داره خمسون دُوَّاجًا (٢) ما بين فراشٍ ولحافٍ مُعدَّة لأهل العلم الذين يكتبون عنده، وكان عضد الدولة يجتاز فيقف ببابه حتَّى يخرجَ إليه فيُسلِّم عليه، وكان أبو علي الفارسي يقول: هو من محاسن الدنيا. وتوفِّي في شوال ببغداد عن ثمان وثمانين سنة، ودُفِنَ في مقابر الخيزران، وقد تكلَّموا فيه؛ قالوا: كان مُتشيِّعًا، ولا فرقَ عنده بين الإجازة والسماع، واتَّفقوا على أنَّه لم يكن كذَّابًا. المُحسِّن بن علي (٣) ابن محمد بن أبي الفهم، أبو علي، القاضي، التَّنوخي، والد علي، مصنف كتاب "الفرج بعد الشدة" وُلدَ سنة سبع وعشرين وثلاث مئة بالبصرة، وكان أديبًا شاعرًا أخباريًّا، تقلَّد القضاء بِسُرَّ مَنْ رأى وغيرِها، وتوفِّي ببغداد في المحرَّم. السنة الخامسة والثمانون وثلاث مئة فيها تحرَّكت القرامطة على البصرة، وجمعوا لقصدها، فأرسلَ أهلُها إلى القادر يستنجدونه، وهرب منها الرجال والنساء والأطفال، فجهز بهاءُ الدولة إليهم جيشًا، فلمَّا علمت (٤) القرامطة به رجعوا إلى بلادهم، وزُلزِلَتِ الدنيا زلزلةً عظيمةً، مات تحت الهدم خلق كثير، [وكان ثمرة الزلازل موت الصاحب إسماعيل بن عباد]. وفيها أمر صَمْصام الدولة بقتل من كان بفارس من الأتراك، وكانوا قد أفسدوا وعاثوا، ونهبوا المال والحريم، وكانوا سبع مئة غلام، فلمَّا نَذَر صَمْصامُ الدولة دماءَهم هربوا إلى السند، وراسلوا صاحبها لدهرٍ في الدخول إليها، فأذِن لهم، وخرج للقائهم، وصفَّ أصحابَه صفَّين، فلمَّا صار الترك بينهم وضعوا فيهم السيوف، فلم يُفْلِتْ منهم أحد.

стр. 8470

وفيها توفِّي طُغَان حاجبُ بهاء الدولة بالأهواز، فسار إليها العلاء بن الحسن والدَّيلم من أصحاب صَمْصام الدولة، ووصل الخبر إلى بهاء الدولة، فانزعَجَ، وتصوَّرَ زوال الدولة، فأخرج أبا كاليجار المَرْزُبان إلى الأهواز نائبًا عنه، وكان شجاعًا شهمًا كافيًا مستقلًا، وسار بهاء الدولة في إثره، وكان قد قدَّم أبا محمد بن مُكرم بين يديه، فالتقى بالدَّيلم فهزموه، وقتلوا أصحابه، وعَرَفَ بهاءُ الدولة، فضعُفَتْ نفسُه، وعمل على الهزيمة، وخاف أن يُظهِرَها فيُطمَعَ فيه، فأعمل الحيلة، حتَّى عاد إلى مكان يقال له: عسكر أبي جعفر، في شوال (١). [وفيها] حجَّ بالناس [أبو عبد الله] أحمد بن محمد بن عبيد الله العلوي، [وكذا في سنة ستٍّ وسبعٍ وثمانين وثلاث مئة]، وبعثَ بدر بن حسنويه الكردي خمسة (٢) آلاف دينار تُدفع إلى الأُصَيفر الأعرابي؛ عوضًا عمَّا كان يأخذه من الحاجِّ، وجعل ذلك رسمًا عليه من ماله، فأقام على ذلك إلى سنة ثلاث وأربع مئة، ثم تضاعفت. وفيها توفِّي إسماعيل (٣) بن عبَّاد ابن العباس، أبو القاسم، الصاحب، الطَّالقاني [ويُلقَّب] بكافي الكُفاة، كتبَ لمؤيَّد الدولة بن بُوَيه، فقصده أبو الفتح بن العميد ذو الكفايتين وزيرُ ركن الدولة، فأزاله عن كتابة مؤيَّد الدولة، وأبعده إلى أصبهان، فنصرَه الله عليه، وأعاده إلى الوزارة. وقال إبراهيم بن علي النَّصيبي: كان ابنُ العميد قد أبعدَ الصاحبَ بنَ عبَّاد من الزيِّ إلى أصبهان، وانفرد بتدبير أمورِ مؤيَّد الدولة على ما كان عليه من ركن الدولة، فلمَّا كان في بعض العشايا سُرَّ سُرورًا زائدًا، فاستدعى ندماءه، وعبَّأَ لهم مجلسًا عظيمًا فيه آلاتُ

стр. 8471

الذهب والفضة، وفاخرُ الزجاج والصيني والأراييح الطيبة، والفاكهة الكثيرة، وأحضر المُغنِّين، وشرب باقي ليلته، وعمل شعرًا يُغنِّي به، وهو: [من المتقارب] دعوتُ المنى ودعوتُ العلى … فلمَّا أجابا دعوتُ القَدَحْ وقلتُ لأيّامِ شرخ الشباب … إليَّ فهذا أوانُ الفَرَحْ إذا بلغَ المرءُ آمالهُ … فليس له بعدها مُقتَرَحْ وشرب إلى أن سكِرَ، ثم قال لغلمانه: غطُّوا المجلس لأصطبح في غدٍ عليه. وقال لنُدمائه: باكِرونِي ولا تتأخَّروا. وقام إلى بيت منامه، وانصرف النُّدماءُ، ودعاه مؤيَّدُ الدولة في السَّحَر، فظَنَّ أنَّه لِمُهِمٍّ، فقبضَ عليه، وأنفذ إلى داره، فأخذ جميعَ ما فيها، وتطاولت به النَّكبة حتَّى مات فيها، ثم بعثَ مؤيَّدُ الدولة إلى أصبهان، فأحضر الصاحب بن عبَّاد، فاستَوْزَره، ثم وَزَر لأخيه فخرِ الدولة، وبقي في الوزارة ثمانيةَ عشر سنة وشهورًا، وفتح خمسين قلعة لفخر الدولة. وكان الصاحبُ عالمًا بفنون العلوم، لم يُقارِبْه فيها وزير، وله التصانيف الحِسان، والنثرُ البالغ، وقد عاب المتنبي في مواضِعَ، وكانت كتُبُه تُحمل على أربع مئة جَمَل، وكان يُصنِّف في أسفاره، ومعه العلماء [والأدباء]، وكان يقول لهم: نحن في الليل إخوان، وأنا في النهار سلطان. [وكان أبو منصور الثعالبي خصيصًا به، وله صنَّف فِقه اللغة وسرَّ العربية]. وسمع الصاحبُ الحديثَ وأملاه، ولمَّا عزم على الإملاء -وهو يومئذٍ في الوزارة- خرجَ مُطَيلَسًا مُتحنِّكًا (١) بزِيِّ أهل العلم، فقال: قد علمتُم قِدَمي في العلم. فأقرُّوا له بذلك، فقال: أنا متلبِّسٌ هذا الأمر، وجميع ما أنفقتُه من صغري إلى هذا الوقت من مال أبي وجدّي، ومع هذا فلا أخلو من تَبِعات أُشهِدُ اللهَ وأُشهِدُكم أني تائبٌ إلى الله تعالى من كلِّ ذنبٍ أذنبتُه. واتَّخذ لنفسه بيتًا، وسمَّاه بيت التوبة، ولبث أسبوعًا على ذلك، وأخذ خطوط الفقهاء بصحَّة توبته، وقعد للإملاء، وحضر خلقٌ عظيمٌ، حتَّى كان المستملي الواحدُ ينضاف إليه ستة، وكان ممَّن كتب عنه القاضي عبد الجبار.

стр. 8472

وكان الصاحب يُنفِذُ في كل سنة إلى بغداد خمسةَ آلاف دينار، تُفَرَّقُ في أهل الأدب والفقهاء. وكان يُبغض من يميل إلى الفلسفة والمنطق. وكان يأمر بالمعروف، ولا تأخذه في الله لومةُ لائم. وأهدى إليه القاضي العميريُّ كُتبًا كثيرةً، وكتب معها: [من الخفيف] العميريُّ عبدُ كافي الكُفاةِ … وإنِ اعتُدَّ في وجوهِ القُضاةِ خدمَ المجلسَ الرفيعَ بِكُتْبٍ … مُفعَماتٍ من حُسنِها مُترعاتِ فأخذ منها كتابًا وكتب معها ورَدَّها: قد قبِلْنا من الجميع كتابًا … ورَدَدْنا لوقتِها الباقياتِ لستُ أَستغنِمُ الكثيرَ فطبعي … قولُ خُذْ ليسَ مذهبي قولَ هاتِ وكان حليمًا، رقيقَ القلب، استدعى يومًا بشرابٍ، فجيء بقدحٍ فيه شراب، فقال له بعضُ خواصِّه: لا تَشْرَبْه، فإنه مسموم. قال: ومِنْ أين أعلم؟ قال: جَرِّبْه في الَّذي أعطاكَه. قال: لا أستحِلُّ. قال: ففي دجاجةٍ. قال: المُثْلة بالحيوان لا تجوز. فصبَّ القدح بما فيه، وقال للغلام: لا تدخُلْ داري. ولم يقطَعْ عنه جِرايتَه. وكان الصاحبُ أفضلَ وزراء الدَّيلم، ووَزَر لهم جماعة في ملكهم، وكان مُلْكُهم مئةً وعشرين سنة، وهو أولُ من لُقِّب بالصاحب في الإسلام. وصنَّف كتبًا كثيرة في اللغة وغيرها، وله الكلام الحسن [المليح]، فمنه في صفة الحَرِّ: حَرٌّ يُشبه قلبَ الصَّبِّ، ويُذيبُ دِماغَ الضبِّ. وقال: الغيث لا يخلو من العَيْث (١). وقال: هو بين جاهٍ عريض وعيشٍ غريض (٢). وقال: لا ضَيعةَ على من له صَنْعة. وقال: شِيَمُ الأحرارِ أَحْرارُ الشِّيَم، ونِعَمُ الأفاضِلِ أفاضلُ النِّعم. وقال يصف شقائقَ النُّعمان: قابلَتْني شقائقُ كالزُّنوج، تجارحَتْ فسالَتْ دِماؤُها، [وضَعُفَتْ] (٣) فبقيَ ذَماؤُها (٤). وقيل له: ينبغي أن تمنعَ الناس من دارك، فإنه يدخلُها مَنْ لا يليق. فقال: دارُنا هذه خانٌ ينزلها من وفَّى ومَنْ خان.

стр. 8473

ودخل عليه أبو القاسم عبد الصمد بن بابَك الشاعر، فقال له الصاحب: أنتَ ابنُ بابَك؟ فقال عبد الصمد: أنا ابنُ بابِك. فعجِبَ الصاحبُ من جوابه، ووصله. ولمَّا سار مع فخر الدولة إلى الأهواز مرض، فلمَّا عُوفي أباح للفقراء جميعَ ما كان في داره من مال وفُرشٍ وأثاث [وغيره]، وكانت قيمتُه خمسين ألف دينار. ذكر وفاته: مرض بالرَّيِّ بعلَّة الذَّرب (١) والسَّجَج (٢)، فكان إذا قام من الطَّست ترك عنده عشرةَ دنانير فيأخذها الفراشون [فكانوا يتمنَّون دوام مرضه. وقال ابن الصابئ]: ولمَّا اعتَّل مُنِعَ عنه التركُ والدَّيلمُ والعالمُ والملوكُ [من الدخول عليه]، فكانوا يأتون كلَّ يومٍ إلى [بابه فيقبِّلون العتبة وينصرفون؛ لأنه كان محسنًا إليهم، وكان فخر الدولة يأتي كلَّ يومٍ] إلى عيادته، فلما يئس منه قال: أوصِني. قال: قد خدمتُكَ خدمةً استفرغْتُ فيها الوُسْعَ، وسرتُ في دولتك بالسِّيرةِ التي حصل لك بها حُسنُ الذِّكر، فإن أجريتَ الأمور بعدي على رسومها نُسِبَ الجميلُ إليك، واستمرت الأُحدوثة الطيِّبةُ عنكَ، وأُنسيتُ أنا في أثناء ما يُثنى به عليكَ، وإن عَدَلْتَ عن ذلك السَّننِ وغيَّرتَ كُنْتُ أنا المشكور على ذلك، وقدَح فِعلُكَ في دولتِكَ. فقال: سمعًا وطاعة. وكانت وفاته بالرَّيِّ عشيةَ ليلة الخميس، لخمسٍ بَقِينَ من صفر [من هذه السنة] ولمَّا خرج تابوتُه قام الملوك [والوزراء] (٣) والأمراء والأعيان؛ إعظامًا له، وقبَّلوا الأرضَ، وصلَّوا عليه، وعلَّقوا التابوت بسلاسل في بيت كبير، ثم نُقِلَ إلى أصبهان، فدُفِنَ في تربةٍ كانت له هناك، وأخذَ فخرُ الدولة جميعَ ما كان في يدهِ ودارِه، وبلَغَه أنَّ القاضي عبدَ الجبار قال: إنَّ الصاحِبَ لم يَمُتْ عن توبةٍ [ظهرَتْ] منه. فأرسل فخرُ الدولة فقبضَ عليه، وصادره على ثلاثة آلاف ألف درهم، فيقال: إنه باع ألف طَيلسانٍ وألفَ ثوبٍ من الصوف. مات والده عبَّاد بن العباس (٤) بعده بيسير في هذه السنة، وكُنيته أبو الحسن، وكان رئيسًا فاضلًا، سمع الحديث، وصنَّف كتاب "أحكام القرآن" [وسمع أبا خليفة الفضل

стр. 8474

ابن الحُباب]. وروى عنه [ابنه إسماعيل الوزير و] أبو بكر بن مردويه، وغيره. وأصله من الطَّالقان: وهي قريةٌ كبيرة بين قَزوين وأبْهَر، وحولها عدة قرى. وقيل: هو إقليمٌ يقع عليه هذا الاسم، وبخراسان مدينة يقال لها: طالقان غير هذه [خرج منها جماعة من المُحدِّثين]. بشر بن هارون أبو نصر، النصراني، الكاتب، كان شاعرًا هجَّاة، خبيثَ اللسان، كتب إلى إبراهيم الصابئ: [من السريع] حضرتُ بالجسمِ وقد كُنْتُ … بالنَّفسِ وإن لَمْ تَرَني حاضرا أنْطَقني بالشعرِ حُبِّي لَكُمْ … ولَمْ أكُنْ من قبلِها شاعِرا فكتب إبراهيم تحت خطِّه: ولا بعدَها. وكتب إلى العباس بن الحسين الشيرازي الوزير: [من الخفيف] أيُّهذا الوزيرُ واللهِ إنْ لَمْ … تتفضَّلْ عليَّ بالتَّصريفِ وتَدَعْني بحيثُ توجِب إخْـ … ـلاصي من المنزلِ الرفيعِ الشريفِ ليكونَنْ لي وللشِّعرِ شأنٌ … وافتنانٌ في كلِّ معنًى ظريفِ وكتب له الوزير أبو منصور بن صالحان إلى وكيله بحِنْطةٍ ودراهمَ، فمَطَله، فكتب إلى الوزير: [من الخفيف] أيُّها السيِّدُ الكريمُ الجليلُ … هلْ إلى نظرةٍ إليكَ سبيلُ فأُناجيكَ باشتكائي وكيلًا … ليس حسبي وليس نِعْمَ الوكيلُ الحسن بن حامد (١) ابن الحسن بن حامد، أبو محمد، الأديب، كان فاضلًا يتَّجِرُ، وله مالٌ كثير، ولمَّا قدم المتنبي بغداد نزل عليه فخدمه، وقام بأموره، فقال له المتنبي: لو كُنْتُ مادحًا تاجرًا لمدحتُكَ. ومن شعره: [من الطويل]

стр. 8475

شَريتُ المعالي غيرَ منتظرٍ بها … كسادًا ولا سوقًا تُقامُ لها أُخْرَى وما أنا من أهل المِكاسِ (١) وكُلَّما … توفَّرتِ الأثمانُ كُنْتُ لها أشْرَى خُرَّشيذ بن دبار (٢) أبو نصر، الديلمي، كان مُقدَّمَ الجيوش، غضب عليه بهاء الدولة [وحبسه، فهرب إلى مُهذَّب الدولة] (٣) إلى البَطيحة، فكتب إليه فخر الدولة وبدر بن حسنويه يُرغِّبانه في القدوم إليهما، فامَّا فخر الدولة فكان في كتابه [إليه]: يا أبا نصر، لعلَّك تُسيء الظنَّ بنا للقبيح الَّذي قَدَّمْتَه في خدمة عضد الدولة، وما كُنَّا لنؤاخِذكَ بطاعةِ مَن قدَّمك واصطنَعك، ومناصحةِ مَنْ رفَعَ قَدْرَك، وأخذ بِضَبْعيكَ، وقد علمتَ ما عامَلْنا به ابنَ عبَّاد، وأنَّنا طوينا كلَّ ما كان بيننا وبينه، واستأنفنا معه من الإكرام والإنعام والتفويض ما لم يخطُرْ بباله، ولك علينا عهدُ الله وميثاقُه أنَّك آمنٌ من كلِّ ما تخافُه وتحذرُه، وأنَّنا نُنْزِلُكَ حيثُ تُحِبُّ وتؤثر، فإنْ آثرتَ الخدمةَ رفعناكَ إلى أعلى مراتِبِها، وأرفعِ درجاتِها، وإن اخترت العُزلةَ والدَّعَةَ أجرينا لك كل سنة مال أصبهان مئة ألف درهم، ورفَّهناكَ على المقامِ بدارِكَ، والسلام. وكان في كتاب بدر بن حسنويه: لكَ القلعة الفلانيةِ، وفي كلِّ سنة مئةُ ألفِ درهم. فاتَّفَقَ أنْ ضَرَبَه قُولنج بالبَطيحَة فمات. عَقيل بن محمد (٤) أبو الحسن، الأحنف، العُكْبَري، الأديب، الشاعر، ومن شعره: [مجزوء الرمل] مَنْ أرادَ المُلكَ والرَّا … حةَ مِنْ همٍّ طويلِ فَليَكُنْ فردًا من النَّا … سِ وَيرْضى بالقليلِ ويَرى بالحَزْمِ أنَّ الـ … ـحَزْمَ في تَرْكِ الفُضولِ
следующие страницы →