ولما حُوصِر عبد الله بن الزبير ﵄ قال ذلك (١).
واختلفوا في موضع رأس يحيى ﵇ على أقوال:
أحدها: أنه دفن مع جسده بالقدس.
والثاني: أنه حُمل إلى عند أبيه فدفن بفلسطيَّة.
والثالث: بجامع دمشق.
فروي عن زيد بن واقد وكان الوليد قد وكَّله على عمارة جامع دمشق قال: وجدنا مغارة فعرَّفنا الوليد، فجاء في الليل وبين يديه الشمع، فنزلها فإذا هي كنيسة ثلاثة أذرع في مثلها، وإذا فيها صندوق، ففتحناه، وإذا بِسفْطٍ فيه رأسٌ مكتوب عليه: هذا رأس يحيى بن زكريا، والبشرة والشعر بحاله لم يتغيَّر، فردَّه الوليد إلى مكانه، وقال: اجعلوا عليه عمودًا مسفطًا. قال زيد بن واقد: فهو العمود المسفط (٢).
الرابع: من ركن القُبَّة الشرقي. وقال ابن مسعود: كانت بنو إسرائيل قتلة الأنبياء؛ قتلوا في أول يومٍ من الأيام ثلاث مئةِ نبي، وقامت سوق بقلهم في آخر النهار (٣). وقال ابن عباس: ولهذا قال رسول الله ﷺ : "لقد كان بين موسى وعيسى خلق من الأنبياء لا يحصون، وما صُدِّق نبيٌّ ما صُدِّقْتُ؛ إنَّ من الأنبياء من لم يتْبعْهُ من أُمَّته إلَّا الرجل والرجلان" (٤).
* * *
стр. 877
فصل في قصة مريم وعيسى ﵉ (١)
قال مقاتل: ذكرهُ الله في ستةٍ وعشرين موضعًا، قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ١٦]. ومريمُ: اسم أعجمي، ومعناه بالعبرية: خادمة الكنيسة، وقيل: خادمة الله، ويقال: لأنها مرَّت في الطاعة مرور الحوت في اليم.
ومن فضائلها: أنَّ الله سمَّاها في القرآن في قصةٍ واحدة في سبع مواضع، ولم يذكر في القرآن غيرها، وخاطبها كما يخاطب الأنبياء، فقال: ﴿يَامَرْيَمُ﴾. وقال لها: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ بواسطة جبريل؛ أي: اختارَكِ ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ من مَسيس الرجال والفواحش، وقيل: إنها ما كانت تحيض و ﴿نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ أراد نساء زمانها. ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ أي: أطيلي عبادته، ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣] (٢).
فإن قيل: فلِمَ قدَّم السجود على الركوع، وهو مُؤَخَّر عنه في الحكم؟ فالجواب من وجوه:
أحدها: أن الواو للجمع دون الترتيب؛ قاله أهل اللغة.
والثاني: أنَّ فيه تقديمًا وتأخيرًا، ومعناه: اركعي واسجدي؛ ذكرهُ ابن الأنباري، ونظيرهُ قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥].
والثالث: أن السجود كان مقدمًا على الركوع في شرعهم؛ ذكرهُ أبو سليمان الدمشقي.
قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ أي: جبريل ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ وهو عيسى، وقيل: قوله: كن منه ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾، وقد سمَّاهُ الله روحًا وكلمة.
стр. 878
فأما المسيح فقد اختلفوا فيه على أقوال:
أحدها: أن أصله مشيحًا، بالشين المعجمة، فعرَّبتهُ العرب، فقالت: مسيحًا؛ كما قالوا في موشى: موسى، قاله الزجَّاج.
والثاني: لأنه ممسوح، فَعِيل بمعنى مفعول، أي: مُسح من الأقذار؛ قاله ابن عباس.
والثالث: لم يكن لقدمه أَخمص، والأخمص ما يتجافى عن الأرض من باطن القدم.
والرابع: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحًا بالدهن، قاله أبو سليمان الدمشقي.
والخامس: لأنه ما مَسَحَ بيده على ذي عاهة إلا برئ، ولا على أعمى إلا أبصر، رُوي عن ابن عباس.
والسادس: أنه كان لا يقيم في مكان بل يمسح الأرض بالسياحة، ذكرهُ ثعلب.
والسابع: أنه الصديق بالعبرانية، قاله مجاهد.
والثامن: أنه القاتل، فيقتل الدجَّال.
فإن قيل: فلفظة المسيح مشتركة، فالدجَّال يقال له: المسيح، قلنا: قد فرَّق نبيُّنا ﷺ بينهما، فروى أحمد بن حنبل بإسناده عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: لا واللهِ ما قال النبي ﷺ لعيسى أحمر، ولكن قال: "بينا أنا نائمٌ - أو قائمٌ - أطوفُ بالبيتِ فإذا رجلٌ آدَمُ، سَبْطٌ، يُهادَى بين رجلَيْن، يَنْطِفُ رأسُه - أو يُهراق - ماءً، فقلت: مَن هذا؟ قالوا: ابنُ مريَمَ. فذهبتُ ألتفِتُ، فإذا رجلٌ أحمرُ جسيمٌ، جَعْدُ الرَّأسِ، أعورُ عينه اليُمنى، كأنَّ عينَهُ عِنبَةٌ طافية، قلتُ: مَن هذا؟ قالوا: الدَّجال، وأقرب الناسِ شبهًا به ابن قَطَنٍ"، قال الزهري: هو رجل من خزاعة هلك في الجاهلية. أخرجاه في "الصحيحين" (١).
ولمسلم: عن جابر رفعه، قال ﷺ : "ورأيتُ عيسى فإذا هو يُشبهُ عُروةَ بن مسعودٍ" (٢).
стр. 879
وأما عيسى: فقال الجَوْهَري: هو اسم عِبْرَاني أو سُرياني (١)، وقال أبو حنيفة ابن النُّوبي: قد اختلفوا في عيسى، فقال قوم: لا اشتقاق له، وقال آخرون: هو الأبيض، ومنه العِيس، وهي البِيضُ.
فإن قيل: فَلِم بدأ بلقبه ولم يبدأ باسمه في قوله: ﴿الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾؟ فالجواب: ما ذكره ابن الأنباري، فإنه قال: المسيح أشهر، وعيسى يقع على عددٍ كثيرٍ بخلاف المسيح، فقدَّمهُ لشهرته، ثم قال: ألا ترى أنَّ ألقاب الخلفاء أشهرُ من أسمائهم.
وقال الزجَّاج: كانوا يسمُّون بعيسى ولا يعرفون المسيح، فلما سمعوا بقوا متحيِّرين.
فإن قيل: فَلِمَ نسبهُ إلى أُمه بقوله: ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾؟ قلنا: لينفي عنه ما ادَّعت النصارى من النبوَّة حيث أضافوه إلى الله تعالى.
و"الوجيه": الذي له جاهٌ ومنزلةٌ رفيعةٌ ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥]، عند الله في الدنيا والآخرة.
﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ أي: طفلًا قبل أوانِ الكلام، والمهدُ مأخوذٌ من التمهيد وهو التوطئة.
وقال ابن عباس: تكلم في المهد ساعةً ليُبرِّئ أُمَّه مما قُذفت به، ولم يتكلم بعد ذلك حتى بلغ مرتبة النطق.
وحكى الثعلبي عن مجاهد، قال: قالت مريم: كنت إذا خلوتُ أنا وعيسى حدثته ويحدثني، فإذا شغلني عنه إنسان سبَّح في بطني وأنا أستمع.
﴿وَكَهْلًا﴾ [آل عمران: ٤٦]. قال الفرَّاء: الكهل عند العرب من جاوز الثلاثين لاجتماع قوته وشبابه، من قولهم: اكتهل النبات. أي: استوى.
وقال ابن فارس: الكهل من وخَطَهُ الشيب، والعرب تمدح بالكهولة لأنها الحالة الوسطى في احتناك السن، واستحكام الرأي، وغزارة العقل والتجربة.
стр. 880
وقال ابن عباس: أرسلَهُ الله وهو ابن ثلاثين سنة، فأَقام في الرسالة ثلاثين شهرًا، ثم رفعهُ إليه. وقال وهب: أقام في الرسالة ثلاثَ سنين، ثم رُفع.
فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم: ١٦]؟ فالجواب (١): ما حكاهُ علماء السِّير ممن سمينا، قالوا: معنى ﴿انْتَبَذَتْ﴾ انفردت وتنحَّت، وكانت قد خرجت عن أهلها، ومعنى ﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ أي: مما يلي الشرق، لأنه كان في الشتاء، وكان أقصر يومٍ في السنة، قال الحسن: فلهذا اتخذت النصارى الشرق قِبلةً.
﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ أي: ضربت سترًا يمنع من ينظر إليها، وكانت إذا حاضت خرجت من المسجد، فتغتسل ثم تعود إليه.
وقد اختلفوا في سنِّها يومئذٍ على أقوال:
أحدها: أنه كان لها خمس عشرة سنة، قاله ابن عباس.
والثاني: اثنتا عشرة سنة، قاله وهب.
والثالث: ثلاثَ عشرة سنة، قاله مجاهد.
والرابع: عشر سنين. والأول أصحُّ.
قال مقاتل: بينما هي تغتسل، إذ عرض لها جبريل في صورة غلامٍ أَمرد وضيء الوجه، جَعْد، قَطَط، حين خطَّ (٢) شاربه، وهي تمتشط؛ وإنما جاءها في صورة البشر لتثبت ولا تخاف، فذلك قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧].
واختلفوا في معنى قوله تعالى: ﴿رُوحَنَا﴾ على قولين: أحدهما: أنَّ الروح جبريل. والثاني. عيسى.
قال أُبيُّ بن كعب: كان روح عيسى من الأرواح التي أخذ الله عليها الميثاق في زمن
стр. 881
آدم، فأرسله الله إليها في صورة البشر فدخل في فيها، والأوَّل أصحُّ لدلالة الكلام عليه، فإن جبريل هو الذي خاطبها.
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ أي: حفظت ومنعت ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ أضاف الروح إليه على معنى التشريف لمريم وعيسى، وإنما قال: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً﴾ [الأنبياء: ٩١]، ولم يقل آيتين، لأنَّ معناه: وجعلنا شأنهما وأمرهما آيةً.
﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] واختلفوا فيه على أقوال:
أحدها: إن كنتَ مطيعًا مؤمنًا، قاله عليٌّ ﵇، وقد فسرهُ فقال: إن كنتَ تتقي الله فإنك تنتهي عني بتعوذي منك.
والثاني: أنه كان رجل في بني إسرائيل، زاهد عالم عابد ورع، يقال له تقي، فقالت: وإن كنت في الصلاح مثل تقي فإني أعوذ بالله منك.
والثالث: أن التقي اسم رجلٍ فاجر، كان يتعرَّض للجواري، فيعوذون منه.
فقال لها جبريل: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ فلا تخافي، إنما أرسلني ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] أي: صالحًا، طاهرًا من العيوب. وإنما أضاف الهِبَة إليه لأنه هو السبب، فأضافها إلى نفسه: ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ أي: كيف يكون لي ولد ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ أي: لم يَقْربني زوج ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٠] أي: فاجرةً. ﴿قَالَ﴾ جبريل: ﴿كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: ٢١] أي: يسير أن أهَبَ لك غلامًا من غير أب ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ أي: دلالةً على قدرتنا، وعبرةً للناس ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ لمن تَبِعَهُ وآمن به، ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١] أي: محكومًا به، مفروغًا منه، كُتِبَ في اللوح المحفوظ.
قال ابن عباس: فنفَخَ جبريل في جيب درعها، فمرَّت حاملًا في الوقت، فلما تيقنت بحملها انتبذت به، أي: انفردت ﴿مَكَانًا قَصِيًّا﴾ [مريم: ٢٢] أي: بعيدًا من أهلها من وراء الجبل. وقال مجاهد: قيل ليوسف النجار، وكان ابنَ عمها: إنَّ مريم قد حبلت، والآن تُقتل، فأخذها وهرب بها، فأراد قتلها، فناداه جبريل: لا تفعل، فإنه روح الله وكلمته، فَتَرَكَهَا.
стр. 882
واختلفوا في مدة حملها على أقوال:
أحدها: ساعة واحدة، حملت به ثم وضعته في الحال؛ قاله ابن عباس.
والثاني: ثلاث ساعات، حملت به في ساعة، وصُوِّرَ في ساعة، ثم وضعته في ساعة حين زالت الشمس؛ قاله مقاتل.
والثالث: تسع ساعات، قاله الربيع بن أنس.
والرابع: ستة أشهر؛ أدنى مدة الحمل؛ قاله مجاهد، وذكرهُ الماوردي (١).
والخامس: سبعة أشهر؛ قاله أبو جعفر الطبري وعكرمة.
والسادس: ثمانية أَشهر، قاله الزجَّاج (٢)، وكان ذلك آيةً لعيسى ﵇، لأنه لا يعيش مولود لثمانية أشهر.
والسابع: تسعة أشهر؛ الحمل المعتاد، قاله أبو جعفر الطبري والحسن وابن جبير (٣).
والثامن: يومًا واحدًا.
والوجه الأول أصحُّ، لوجوه:
أحدها: أن الآية دليل عليه، وهي قوله: ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ [مريم: ٢٢ - ٢٣]، وكل هذا على الفور.
والثاني: لأنه أبلغُ في المعجزة.
والثالث: لأنَّ ابن عباس نصَّ عليه.
وقال ابن إسحاق: مشت ستة أميال فرارًا من قومها، مخافة أن يُعيِّروها بولادتها من غير زوج.
﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ أي: فأخذها، وهو وجع الولادة والطلق، وقرأ ابن مسعود:
стр. 883
"فآواها" (١) ﴿إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾، وكانت يابسة في الصحراء، لم يكن لها سَعَفٌ ولا خُوصٌ (٢)، وكانت ببيت لحم على ثلاثة أميال من القدس، وكان يومًا باردًا ﴿قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ الأمر أو اليوم، قالته حياء من الناس، واختلفوا في معناه:
قال الحسن: قبل نزول هذه الحادثة العظيمة، وهي وجود ولد من غير أب.
وقال مجاهد: قالته شفقة على الخلق، ومعناه: يا ليتني مِتّ قبل أن يخرج مني ولد يُعبَدُ من دون الله، فيدخلُ النارَ بسببه خلقٌ كثير.
وقيل: معناه: يا ليتني مِتُّ قبل أن يجيء من يشغلني عن الله.
وقيل: إنما مضَّها وجع الولادة فقالت ذلك.
وقيل: لما كنتُ في محرابي كان يأتيني رزقي من غير تعبٍ، والآن فقد صرت محتاجةً إلى السبب، يا ليتني مِتُّ قبل هذا.
وقيل: نفاس وعدو وخوف ووجع، يا ليتني مِتُّ قبل هذا، قالهما مقاتل.
﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣] أي: لم أكن شيئًا.
﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ ومعناه: ناداها عيسى لما خرج من بطنها: لا تحزني. وقيل: جبريل، ومعناه: ناداها من تحت النَّشز، لأنها كانت على نَشْزٍ عالٍ، وقيل: على جبلٍ.
واختلفوا في أي مكان ولد على قولين:
أحدهما: ببيت لحم يوم الأربعاء رابع عشرين كانون الأول.
والثاني: بالناصرة (٣) قرية من أعمال اللَّخون عند صَفُّورِيَة.
والأول أصحُّ، لأن في حديث المعراج عن النبي ﷺ أنه قال: "قال لي جبريل ليلة المعراج: انزل ها هنا، فصلِّ ركعتين ببيت لحم، فإن عيسى وُلد ها هنا" (٤).
стр. 884
فإن قيل: فالنصارى يسمونه إيشوع (١) الناصري، لأنه ظهر منها، قلنا: سكنها مدَّة فأضيف إليها.
وذكر ابن حوقل في "عجائب الدنيا وصفتها" أن عيسى وُلد بمصر، بكورة أَهْناس، ولم تزل نخلة مريم قائمةً في أَهْناس إلى آخر أيام بني أمية (٢). وليس هذا بشيء. والأول أصحُّ.
﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤] وهو النهر الصغير في قول عامة العلماء، وقال الحسن: المراد به عيسى ﵇، لأنه كان سريًّا، أي: عاليًا رفيعًا. والأول أصحُّ لوجهين:
أحدهما: لأنها كانت حزينة، لأنها لم يكن عندها طعام ولا شراب، فنوديت: قد أطلعنا لك الرُّطَب من النَّخْلة، وأجرينا لك النهر.
والثاني: لأن الله تعالى جعل آيتها في النهر، فكان طوع أمرها، إن أمرته جرى، وإن أمرته وقف.
وقال ابن عباس: ضرب جبريل بجناحه الأرض، فجرى النهر من عَيْنٍ عذبةٍ باردة، وأورقت النخلة بعد يبسها وأرطبت.
وقال مقاتل: لما سقط عيسى على الأرض ضرب برجله، فنبع الماء، وأطلعت النخلة، وأحدقت بها الملائكة.
وقيل: كان يوسف النجار معها، فأوقد لها نارًا، وأطعمها سبع جوزات.
وقال وهب: لما وضعته خرَّت الأصنام سجَّدًا، فأخبرت الشياطين إبليس، فبثَّهم في الدنيا وخرج، فجاء إلى المكان الذي فيه عيسى، والملائكة قد حفَّت به، فلم يتجاسر أنْ يدنوَ منه، فرجع إلى أعوانه، وقال لهم: وُلِدَ مولود عظيم معه نور، لم أقدر على الدنوِّ منه، ومن عِظَمِ أمره أن الله كتم عني حاله، ولم تضع أنثى إلا وأنا حاضرها. ثم مشى في الناس، فأشاع الفاحشة.
стр. 885
وقيل لها: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ أي: حركيها، والمعنى فيه من وجوه:
أحدها: أنه أخبرها أن بعض الأشياء لابدَّ له من سبب.
قال الشاعر: [من الطويل]
عليك بتقوى الله في كلِّ حالةٍ … ولا تَرَ أنَّ الحَزْمَ في تركِكَ الطَّلبْ
فإنَّ الذي أحيا لمريمَ جِذْعها … وقال لها هزِّيه تَسَّاقَطِ الرُّطَبْ
فلو شاء أَحْنَى الجِذْع من غير هزِّه … إليها، ولكن كلُّ شيءٍ له سببْ (١)
والثاني: أراد أن يكون في يدها معجزة، كما جعل معجزات بعض الأنبياء في أيديهم.
والثالث: لأنها علَّقت قلبها بولدها فعُوقِبَتْ بالهزِّ.
والرابع: أنها قالت: لا تعجبوا من ولد بغير أب، فهذه النَّخْلة اليابسة من غير تلقيح ولا فحل، قد تساقط منها الرُّطَب، أعجبُ.
وقيل: هزِّي إليك شجرة التوحيد والتمكين تَسَّاقَط عليك رُطَبُ الرِّضى والأُنس والصدق واليقين.
فإن قيل: فلم أجرى النهر بغير سعيها، ولم يعطِها الرُّطَبَ إلا بالهزِّ؟ قلنا: أراد أن يريها أنه يفعل بسبب وبغير سبب.
﴿رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥] أي: غضًّا.
وقال الربيع بن خثيم: ما للنفساء مثل الرطب، أو خير من الرطب، وقرأ هذه الآية. وكان رسول الله ﷺ إذا وُلد مولود حنَّكه بالتمر (٢).
﴿فَكُلِي﴾ من الرطب ﴿وَاشْرَبِي﴾ من النهر ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ بولادة عيسى ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] أي: صمتًا، أي: سكوتًا، وإنما أُمرت بالسكوت لأنها لم يكن لها حجة عند الناس، وسِنُّها يومئذ على الخلاف الذي قدمنا.
стр. 886
وقال ابن عباس: إنما أمرها بالصمت لأنها لم يكن لها ما تدفع به الخصوم.
وقال ابن أبي نَجِيح: هذا إنما قالته قبل أن يتكلم عيسى في المهد.
قلت: وأيُّ حُجَّة أبلغ من جَرْي النهر، وإخراج الرُّطَبِ من جِذْع يابس، وإنما قد ورد أن الملائكة كانت تحدِّثها وتؤانسها، فاشتغلت بذلك عن إقامة العذر لبني آدم.
فإن قيل: فإنْ كان أَمَرها بالسكوت فقد قال: ﴿فَقُولِي﴾ وإن كان أَمَرها بالصوم المتعارف فقد قال: ﴿فَكُلِي﴾!
فالجواب: إنما أمرها بالسكوت في بداية الحال لعدم البرهان فلما تكلم عيسى ﵇ زال السكوت، وقال لها: ﴿فَقُولِي﴾، وأما الصوم فلأنها كانت صائمة، وكانوا يتعبدون بالصمت في الصوم، فلما ظهر برهانها قال لها: ﴿فَكُلِي﴾.
وقال ابن الكلبي: حملها يوسف النجار وابنها، فأدخلهما غارًا، فأقامت فيه أربعين يومًا حتى تعالَّت من نفاسها، فخرجت به، فذلك قوله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾، فلما رأوه حزنوا وبكوا؛ وكانوا قومًا صالحين، ﴿قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧] أي: عظيمًا.
﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ وفيه أقوال:
أحدها: أنهم عنوا هارون أخا موسى بن عمران، لأن أمها كانت من نسله، ورواه أنس مرفوعًا (١).
والثاني: أن هارون كان رجلًا صالحًا من بني إسرائيل، وليس بهارون أخي موسى، قاله قتادة، قال: وكان رجلًا صالحًا، شيَّع جنازته من أولاد الأنبياء أربعون ألفًا، كلهم اسمه هارون، شبهوها به في صلاحه، وكانت كذلك (٢).
والثالث: أنه كان في بني إسرائيل رجل اسمه هارون من أفسق الناس، فشبهوها به.
стр. 887
والرابع: هارون اسم أخٍ لها من أُمها وليس من أَبيها. رويت هذه الأقوال عن ابن عباس.
﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾ أي: زانيًا ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨] أي: فاجرة، فمن أين لك هذا الولد؟ ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ أن كلِّموه، فتعجبوا و ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩].
فإن قيل: فمن أين لها أنه يتكلَّم وهو طفل؟
فالجواب: ما ذكره مقاتل، قال: كلمها عيسى في الطريق، فقال لها: يا أُمَّاه، أبشري، فإني عبد الله ورسوله ومسيحهُ. فكانت على ثقةٍ من كلامه. ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ وهو الإنجيل، ومعناه: سيؤتيني.
وقال ابن أبي نَجِيح: إنما نطق عيسى في أول كلامه: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ ردًّا عليهم، لأنه علم أنهم يقولون: ابن الله، فاعترف بالعبودية والنبوَّة، فارتفعت ضرورة النبوة.
وقال مجاهد: كان ثديها في فمه، فنزعه وكلمهم جالسًا.
وقيل: معنى قوله: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ أي: عِلْمَ التوراة وأنا في بطن أمي ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ أي: سيجعلني، ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ وهذا يدل على أنه كان لهم شرائع وعبادات.
وروى السُّدي عن أشياخه، قالوا: كانت مريم تخدم الكنيسة مع ابن عمها يوسف النجَّار، فهو أوَّل من أنكر حملها، وقال لها: هل ينبت زرع من غير بذر؟! فقالت: ألم تعلم أن الله خلق آدم وحواء من غير ذَكَر. قال: وقد وقع في بعض الأناجيل أن يوسف النجَّار خطب مريم وتزوَّجها، فلما زفت إليه وجدها حاملًا، فأراد أن يفارقها، فرأى تلك الليلة في منامه ملَكًا، فقال: أمرها من الله، فتركها.
وقال مجاهد: كان الملِك الذي كان في ذلك الزمان مَن زنى قتله، واسمه هرادش (١)، فأخذها يوسف وهرب بها. وهذه روايات ضعيفة. والأول أصحُّ.
стр. 888
وقال علماء السِّير: ولد عيسى في زمان أَرْدشِير بن بابك بعد الإسكندر بثلاث مئةِ سنة وقد ذكرناه في ترجمة يحيى.
وكانت المملكة في ذلك الوقت لملوكِ الطوائف، وكانت الرياسة بالشام لقيصر ملك الروم، وكان هرادش نائبًا من قيصر بالشام. ولما شاع خبر عيسى قصد الملِك وبنو إسرائيل قتله؛ وذلك لأنهم نظروا إلى نجمٍ طلع يكون سببًا لظهور دين عيسى، فبعث الله ملكًا إلى يوسف يأمره بإخراج مريم وابنها إلى مصر، فسار بهما على حمار، وكانت مريم تغزل الكَتَّان، وتَلْقُطُ السُّنْبُلَ وتتقوَّت به.
ولما بلغ عيسى خمس سنين حملته إلى المعلم، فقال له: قل: بسمِ الله، فقال: وما بسمِ الله؟ فقال المعلم: لا أدري، فقال عيسى: الباء بَهَاء الله، والسين سَناؤه، والميم مُلْكه (١). فعَجِب المعلم وأحبه.
وقال مجاهد: كان عيسى آدَمَ، سَبْطَ الشَّعر، وقيل: أبيضَ، لم يدهن رأسه قطُّ. وكان يمشي حافيًا، ويركب الحمار، ويجلس على الأرض، ويأكل الحشيش، ويصوم النهار، ويقوم الليل، وكان يجتمع على بابه كل يومٍ من المرضى والزَّمْنَى خمسون، فيداويهم بالدعاء فيبرؤون، فاتَّبعه خلق كثير، وسألوه أن يُحيي سام بن نوح، فجاء إلى قبره، وناداه: يا سام، فانشقَّ القبر عنه، وقام ينفض التراب عن رأسه، وقال له عيسى: منذ كم متَّ؟ قال: منذُ أربعةِ آلافِ سنةٍ، أو ثلاثةِ آلافِ سنةٍ، وما بردت عنِّي حرارة الموت. ثم قال لهم سام: هذا عيسى روح الله وكلمته وآيته، فاتَّبِعوه ولا تعصوه.
وقال السُّدي: وصف لهم عيسى سفينة نوح، فقالوا: نحب أن نرى من شَهِدَها. فأتى بهم إلى الثَّنيَّة من أرض حَوْرَان، فسأَل الله، فأقام سامَ ابن نوح، وقد شاب نصف رأَسه، فقال: أقامت القيامة؟ قال: لا، ولكني دعوت الله باسمه الأعظم فأحياك. فنعت لهم السفينة، ثم عاد إلى قبره.
وقال ابن عباس: كان عيسى يقول: لباسي الصوف، وشعاري الخوف، وبيتي
стр. 889
المسجد، وطيبي الماء، وأكلي من نبات الأرض، وإدامي الجوع، ودابتي رجلي، وسراجي القمر، وصلاتي في الشتاء في مشارق الشمس، وفاكهتي ورَيْحاني بُقُول الأرض، وجلسائي المساكين والزَّمْنَى، وأُصبح وأُمسي وليس لي شيء، وأنا طيب (١) القلب، فمن أغنى مني، وليس لي ولد يموت، ولا بيت يخرب، ولا أدَّخر شيئًا لِغَد؟
وقال مجاهد: كان يَلْقُطُ مع أمه السُّنْبُلَ، فإذا عُرفا في مكانٍ تحولا إلى غيره، وأين ما أدركه المساء بات، ولم يمسَّ امرأة ولا طيبًا، ولم يلبس قطنًا ولا كَتَّانًا، ولم يجعل بينه وبين الأرض حائلًا، ويمشي وعليه بُرْنس، وبيده عصا، ويَقنَعُ باليسير، ويقول: هذا لمن يموت كثيرٌ.
وقال جدي ﵀ في "التبصرة": أوحى الله إليه وهو ابن ثلاثين (٢) سنة، وأنزل عليه الإنجيل، وكان يجتمع على بابه خمسون ألفًا، فيداويهم بالدعاء. وذكر بمعنى ما ذكرنا (٣). قال: وكان يقول لأصحابه: أهينوا الدنيا تَكْرُمُ الآخرةُ عليكم، إنكم لا تُدْرِكُون ما تأمَلُون إلا بالصبر على ما تكرهون، ولا تبلغون ما تريدون إلا بتركِ ما تشتهون (٤).
وروى جدي في "التبصرة" عن محمد بن سباع النميري، قال: بينما عيسى بن مريم يسيح في بلاد الشام اشتد به المطر والرعد والبرق، فجعل يطلب شيئًا يلجأُ له، فرُفِعَتْ له خيمةٌ من بعيد فيها امرأَةٌ، فحاد عنها، فإذا هو بكهف في جبل فأتاه، وإذا في الكهف أسد، فرفع يديه وقال: إلهي، جعلت لكل شيء مأوى، ولم تجعل لي مأوى. فأجابه الجليل: مأواك عندي في مستقر رحمتي، لأُزوِّجنَّكَ يوم القيامة مائة حوراء، ولأُطعمنَّ في عرسك أربعة آلاف عام مثل عمر الدنيا، ولآمرنَّ منادٍ ينادي: أين الزاهدون في الدنيا؟ احضروا عرس الزاهد عيسى بن مريم (٥).
стр. 890
ورواه السُّدي، وفيه: لأُزوِّجنَّكَ أربعةَ آلافِ حوراءَ، خلقتُهنَّ بيدي.
وفي رواية: أنه جاء إلى خيمة العجوز، فجلس في ظلِّها، فأقامتهُ، وقالت: قم من ظلِّي، فبكى، وقال: لستِ التي أقمتيني، وإنما أقامني من ما رضيَ لي ظِلَّك.
وروى ابن أبي الدنيا عن ابن المُسيَّب، قال: مرَّ عيسى في سياحته بنهرين يجريان من أصل جبلٍ، فوقف ينظر إليهما، فأنطق الله الجبل، وقال له: يا عيسى، ممَّ تعجب؟ فقال: من هذين النهرين فقال: أما الذي عن يميني فدمع عيني اليمنى، وأما الذي عن يساري فدمع عيني اليسرى. قال. فما سبب بكائك؟ قال: خوفي من نارٍ وَقودها الناس والحجارة، فاسأَل ربك أن يؤمِّنني إياها، ولا يجعلني من وَقودها. فسأل الله عيسى فيه، فقال الله: قد أمنته منها، فأَخْبَرَهُ عيسى. فمدَّ الواديَ من الجبل إلى الجبل، وارتفع الماء إلى أعلاه، وكاد عيسى يغرق، فقال له عيسى: ما هذا؟ فقال الجبل: يا روح الله، تلك دموع الخوف والحزن، وهذه دموع الشكر والحمد (١).
وذكر أبو حامد الغزالي في كتاب الزهد من "الإحياء" أن: عيسى اجتاز بقريةٍ خرابٍ، وأهلُها موتى على الطرق. فقال عيسى: يا معاشر الحواريين، إنَّ هؤلاء ماتوا عن سُخْطٍ، ولو ماتوا عن رضًى لتدافنوا. فأوحى الله إليه: إذا جاء الليل فاسألهم. فنادى عيسى في الليل: يا أهل هذه القرية، فأجابه واحد منهم: لبيك يا روح الله، فقال: ما بالكم كذا؟ فقال: بتنا في عافيةٍ وأصبحنا في الهاوية. قال: ولِمَ؟ قال: لحبِّنا الدنيا. قال: وكيف كان حبكم لها؟ قال: حبَّ الصبيِّ لأمِّه، إنْ أقبلتْ فَرِحنا، وإن أدبرت حَزِنَّا. ثم قال: يا نبيَّ الله، ولست منهم، وإنما أتيتهم زائرًا، فنزل عليهم السُّخْطُ فعمَّني. قال: وأين أهلها؟ قال: أُلجموا بلجامٍ من نار، فلا يقدرون على الكلام. فقال عيسى: لأكل خبز الشعير، والنوم على التراب، ولبسُ المُسُوحِ، أحسن حالًا من هؤلاء، يا معشر الحواريين، خذوا الحقَّ من أَهل الباطل، ولا تأخذوا الباطل من أهل الحق، كونوا مستعدين لئلا تجوزَ عليكم الزُّيُوف (٢).
стр. 891
وقال وهب بن منبِّه: كان عيسى يمشي على وجه البحر، ولم يكن أحبُّ إليه من أن يقال له: يا مسكين.
فصل في واقعات عيسى وهي كثيرة (١)
فمنها: ما حكاه وهب قال: لمَّا ذهب يُوسف النَّجار بعيسى وأُمِّه إلى مصر نزلوا على دِهْقَان، فسُرِقَ له مالٌ، فضاق صدر مريم، فقال لها عيسى وكان قد ترعرع: لا تَحْزَني وقولي للدهقان يجمع مساكين داره، فجمعهم وفيهم رجلان أعمى ومُقْعد، فأمر عيسى بحمل المقعد على عاتق الأعمى وقال له: قم به، فقال الأعمى: لا أقدر وإنِّي ضعيف. فقال له عيسى: كيف قويت البارحة على حمل المال الذي أخذته أو على حمل المقعد إلى الخزانة حتى أخذ المال، فأنكر فضربوه فأقَرَّ وردَّ المال.
ومنها: ما رواه عِكرمة قال: كان عيسى (٢) يحدِّث الصبيان في المكتب بما يأكلون في بيوتهم، فيخبرون أهاليهم فيقولون لهم: إيَّاكم وهذا السَّاحر، وحبسوا الصبيان في بيتٍ، وجاء عيسى يطلبهم فقالوا: ليس ها هنا، قال: فما في هذا البيت؟ فقالوا: خنازير، فقال عيسى: خنازير إن شاء الله، ففتحوا البيت وإذا بهم خنازير.
ومنها: ما حكاه الكَلبي قال: أسلمتْ مريمُ عيسى إلى صبَّاغين بعدما خرج مِن الكُتَّاب فاجتمع عند المعلِّم ثيابٌ كثيرة وعرض له سفر فقال لعيسى: أنا مسافر وعندنا ثيابٌ مختلفة الألوان وقد علَّمتُ على كل ثوب فيها بخيط على اللون الذي يُصبغ به، فلا أقدمُ إلا وقد فرغتَ منها، ثم سافر وأخذ عيسى الثياب فجعلها في جُبِّ واحد على لون واحد وقال لها: كوني مختلفة الألوان بإذن الله على ما أُريد، وقَدِم أستاذه فقال: أين الثياب، فقال: في الجُبِّ الفلاني، فقال: لقد أفسدتها عليَّ، وخاف الأستاذ، فقال له: على رِسْلك، ثم أدخل يده في الجُبِّ وأخرج الثياب كل ثوبٍ على لون الخيط الذي كان عليه من بين أحمر وأصفر وأخضر وغيره، فآمن به الصبَّاغ هو وأصحابه فيقال: إنهم الحواريُّون.
стр. 892
ومنها: خروجه من مِصْرَ (١) إلى الشَّام، قال كعب: لما مات هرادش المَلِك أوحى الله إلى عيسى ارجع إلى الشام، فخرج هو وأُمهُ ويوسف النجَّار فنزلوا النَّاصِرَةَ فنُسِبوا إليها، وأخذ في مداواة المرضى والعُمْيان، فجاء إبليسُ ومعه شيطانان وتصوَّر هو في صورة آدمي، فجلس بمحضرٍ مِن النَّاس، وأشار إليه وقال: هذا تكلَّم في المهد ويبرئ الأكمه والأبرص وُيحيى الموتى، فهذا هو الله تعالى، فقال أحد الشيطانين: أخطأت أيها الشيخُ لا يُتَصوَّرُ أنْ يتجلَّى الله لعباده، ولكن هو ابن الله، فقال الآخر: أخطأتما إنَّما هو إله آخر. فصار النَّاس فيه ثلاث فرق: نسطورية (٢)، ويعقوبية (٣)، وملكية (٤) قالوا بالتثليث.
ومنها: إنعام الله عليه بقوله: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [المائدة: ١١٠] واختلفوا فيه على أقوال:
أحدها: أنَّه الروح الذي نفخ فيه فأضافه الله إلى نفسه تشريفًا له كقوله تعالى: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾ وبيت الله، فالقُدُس هو الله، قاله ابن عباس.
والثاني: جبرائيل، وتأييدهُ به أنَّه كان يأتيه بالوحي ويحرسه إلى حين صعوده إلى السماء. قاله مجاهد.
والثالث: أن القُدُس هو الطهارة، ومعناه الرُّوح الطاهرة، قاله مقاتل.
ومنها: أنَّه كان يخلق من الطين كهيئة الطَّير وهو الخفَّاش، ثمَّ ينفخ فيه الرُّوحَ فيكون طائرًا بإذن الله.
قال وهب: لم يخلق غير الخفَّاش، وخَلْقُهُ الخفَّاشَ أعظم من غيره، لأن له خصائص من اليد والرِّجل واللِّسان ويحيضُ ويَلد ويطير بغير ريش، ولقد نعتته
стр. 893
بنو إسرائيل به، وكان يطير ما دام النَّاس ينظرون إليه فإذا غاب عنهم سقط مَيتًا، ليتميَّز فعل الخالق من المخلوق.
وكان يُبرئ الأكْمَهَ وهو الذي ولِدَ أعمى والأبرص، وإنَّما خُصَّ بهذين، لأنَّه كان في زمنه الأطباء فأراهم الله عجزهم بهذه المعجزة، لأنه ليس في قدرة الطبيب أن يُبرئَ مِنْ هاتين العلَّتين، قالوا: ولم يولد في الإسلام أَكْمهُ إلا قتادة بن النعمان، وأمَّا بعده فكثير.
ومنها: إحياء الموتى، وقد ذكرنا أنَّه أحيا سَام بن نُوح، وأحيا العَازَر، قال ابن إسحاق: وكان صَديقًا له فأرسلت إليه أُخته: إنَّ صديقك العَازَرَ يموت، وكان بينهما مسيرة ثلاثة أيام، فجاء فوجده قد مات، فجاء فوقف على قبره ودعا فقام العَازَرُ حيًّا وعاش زمانًا وولد له.
وذكر أبو حامد الغزالي في كتابه المُسمَّى بـ"سرِّ العالمين" وقال: لمَّا اشْتَهَر عيسى بإحياء الموتى بَعَثَ إليه جَالينوس الحكيم -وكان في زمانه-: يا عيسى إنَّا لا نطلب منك إحياء الموتى وإنَّما ها هنا رجلٌ مسلول به حُمَّى الرَّبع اشفه في هذا الشهر -وكان كانون الأول- وأؤمن بك، فقال عيسى: ائتوني ببِطِّيخَة الحُمَّى فسقاه منها فقاء (١) الرجل شيئًا أسودَ مثل الحبرِ المحترق وقام سليمًا لا مرض به، ثم قال عيسى: أَيهددني جَالينوس، ثم دخل هيكل العبادات ودعا، فما انتصف الليل إلا وثار على جالينوس علَّة إسطوريا الكراثية فمات قبل الصباح (٢).
قلت (٣): والعجب من الغَزَاليّ أنْ يذكر مثل هذا، فإن جالينوس كان بعد عيسى بمئتي سنة باتفاق المؤرخين.
وقال المصنف ﵀ بعد هذا في آخر هذه المجلدة عند ذِكر حكماء اليونان، فذَكر سقراط الحُبِّ (٤) وجماعة، وقال: منهم جالينوس وكان في زمان عيسى عليه
стр. 894
السلام، ويقال: إنه قصد الاجتماع بعيسى ﵇ وسار إليه فمات في طريقه. فَلْيتأمَّل، ولم يبقَ لإنكاره على الغَزَالي وجه والله أعلم (١). ثم إنَّ جالينولس إنْ صحَّ ذلك ما طلب من عيسى أن يُبرئ المريض بالبِطِّيخَة، فإنه كان أعرف من عيسى بها، وإنما طلب أنْ يُبرئه بطريق المعجزة لا بطريق الطِّبِّ، فإنَّ جالينوس يشاركه في ذلك، ثم نسب إلى أنه دعا على جالينوس حتى مات وما كان طريق عيسى هذا، لأن الله وَصَفَه بأنَّه يُحيي الموتى لا أنه يُميت الأحياء.
ومنها: إنزال المائدة قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآية [المائدة: ١١٢]، اختلف العلماء في تسمية أصحاب عيسى بالحَوارِّيين على أقوال:
أحدها: أنَّهم الخواصُّ الأصفياء، والوزراء ومن يصلح للخلافة ويستعان به في النوائب، قاله الحسن البصري، ورواه العوفي عن ابن عباس قال: ومنه قوله ﷺ : "لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَاريٌّ وحَوَاريَّ الزُّبَيْر" (٢).
والثاني: إنما سموا بذلك لبياض ثيابهم، وأصل الحَوَر شدة البياض، يقال: رجلٌ أحورُ وامرأةٌ حوراءُ لشدة بياض مقلة العينين، ويقال للدقيق الأبيض: حُوَّارَى، وهذا مذهب أهل اللغة، قال أبو عبيدة: فالحَوَاريُّون هم الذين نُقُّوا من العيوب كما يُنقَّى الدَّقيق الحُوَّارَى مِن لباب البُر.
والثالث: أنهم القصَّارون كانوا يحوِّرون الثياب، أي: يقصِّرونها ويبيِّضونها، قاله الزجَّاج (٣). ووهب قال: ومرَّ عيسى على بحيرة طبريَّة فرأى عليها قصَّارين فدعاهم إلى الله فآمنْوا.
والرابع: أنهم المجاهدون. قاله مقاتل، واحتجَّ بقول القائل: [من الطويل]
وَنَحْنُ أُنَاسٌ تملأ (٤) البَيْضَ هَامُنَا … وَنَحْنُ حَوَارُّيونَ حِينَ نُزَاحِفُ
стр. 895
جَمَاجِمُنَا يَوْمَ اللِّقاء تراسُنَا. . . إلى المَوْتِ نمْشِي لَيْس منا تَجَانُفُ
والخامس: أنهم الصَّيَّادون، قال السُّدي: كانوا ملَّاحين يصيدون السَّمك.
والسادس: أنهم المُلُوك، حكى هذه الأقوال ابن الأنباري.
والسابع: سُموا به لصفاء قلوبهم، قاله الضحَّاك.
وقال وهب: كانوا اثني عشر رجلًا تبعوا عيسى وآمنوا به، فأمَّا أسماؤهم: شَمْعُون، ولُوقَا، ويُوحَنَّا، ومارقس، وتوما، وبُطرُس، ويعقوبس، ويُحنِّس، وأندارييس، وقلس، وقلما، ومَتَّى، وتوماس، ورأسهم شمعون، والذين نقلوا الإنجيل منهم خمسة: شَمْعُون، وقطرس، وقيل: بُطْرُس، ويعقوبس ويُحنِّس.
واتفقوا على أنَّ عيسى بَعَث شَمْعُون إلى أَنْطَاكِيَة في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٣] واختلفوا في الاثنين، هل كانا من الاثني عشر، أم من غيرهم؟ وسنذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وكانوا يُسَمُّون يَحْيَى بن زَكَريَّا المعمداني؛ لأن عيسى عمَّدهُ في الأُرْدُن عند أَرِيحا، وقيل: في بحيرة طَبَرِيَّا، وكان إذا عَطِشُوا يضرب الأرض بيده فينبُع الماء فيشربون، وإذا جاعوا ضرب بيده الأرض فيظهر لكل واحدٍ منهم رغيفان، قالوا: يا روحَ الله مَنْ أفضل مِنَا ونحن إذا جعنا أطعمتنا وإذا عطشنا سقيتنا؟ فقال: أفضلُ منكم مَن عمل بيده وأكل من كسبه، قال ابن عباس: فصاروا قصَّارين يغسلون الثياب بالكراء.
وقال مجاهد: مرَّ بهم عيسى وهم يصيدون السَّمك من بحيرة طَبَرِيَّة، فدعاهم إلى الله وقال: تعالوا حتى نصيد البشر فاتبعوه، وقيل: إنّه كان في الأول يستطعم منهم، فكانوا يتصدَّقون عليه بسُميكةٍ سميكةٍ حتى أَنِسُوا به.
وعامة القرَّاء على تشديد الواو من "الحوَّاريين" وقرأ عاصم بتخفيفها.
﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٢] عامة القُرَّاء على "يستطيع" وقرأ الكسائي "تستطيع" بتاء منقوطة من فوق بنقطتين، و"ربَّكَ" بالنصب (١)، واختاره أبو عبيد، وبه قرأت عائشة ﵂ وابن عبَّاس
стр. 896
وعليٌّ في آخرين (١)، ومعناه: هل تقدر أنْ تسأل ربَّك.
فإنْ قيل: فهذه القراءة أجود مِنْ الأولى، لأن في الأولى نوع شكٍّ واجتراء على الله تعالى، والجواب: أنَّه لا يجوزُ لأحدٍ أنْ يَظُنَّ في الحَوَارِّيين ذلك، وإنما معناه هل يفعل ذلك بمساءلتك إيَّاها. ذكره ابن الأَنْبَاريِّ.
قلت: وقول الله إخبارًا عن عيسى ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ١١٢] يدل على عكس ما ذكره ابن الأَنْبَاري، لأن معناه: أتنسبون إلهكم إلى العَجْز، وقد قيل: إنَّما قالوا ذلك قبل أنْ يصحبوه ويشاهدوا معجزاته، فإنَّ إيمانهم لم يكمل بعد، فأمَّا في الأخير فلا.
وقال ابن عباس: معنى الآية: واتقوا الله ولا تسألوه ما لم يسأله أحدٌ مِنْ قبلكم.
وأمَّا المائدة: فقد قال الثعلبي: قال أهل الكوفة: إنَّما سميت مائدة لأنها تميد بالآكلين عليها.
قلت: وليس هذا القول بشيء، لأن المائدة لا تميد بنفسها وإنما يميد من عليها، وقال الجوهري: المائدة الخوان إذا كان عليه طعام، أما إذا لم يكن عليه طعام فليس بمائدة، وهو خوان (٢). وعلى هذا ألفاظٌ كثيرة.
قالوا في الجواب: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ١١٣] وهذا اعتذار منهم حين نهوا عنها ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ [المائدة: ١١٣] بالإيمان ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ بأنَّك رسول الله. وقال مجاهد: وتطمئن قلوبنا بأنَّ الله قد أجاب دعاك ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ لله بالقدرة ولك بالرسالة، وقال الماوردي: إنَّما قصدوا التبرك بها (٣).
﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ الآية [المائدة: ١١٤]. والعيد من العود لأنهما يعودان في كل سنة ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ أي: علامة يُستدل بها على قدرتك ﴿وَارْزُقْنَا﴾ الشكر على نعمتك ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.
стр. 897
﴿قَالَ اللَّهُ﴾ مجيبًا لهم: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥] وهو المسخ قردة وخنازير. قال الحسن: لما سمعوا هذا الشرط قال بعضهم: لا حاجة لنا فيها.
واختلفوا هل نزلت أم لا؟ على قولين:
أحدهما ما نزلت وإنّما هو ضَرْبُ مَثَلٍ ضربه الله لهم، لأن الله نهاهم عن سؤال الآيات لأنبيائه. قاله مجاهد.
والقول الثاني: أنَّها نزلت وعليه عامة العلماء، كعليٍّ وابن عباس وابن مسعود وأنس وأبي الدرداء وأبي هريرة وابن المسيَّب وابن جُبير والحسن وعطاء وقَتَادة والتابعين (١) وغيرهم.
وقال وهب ومَن سَمَّينا من التابعين: وقف عيسى خاشعًا خاضعًا بين يدي الله تعالى يبكي ويتضرع ويدعو، وإذا بمائدةٍ قد نزلت بين غمامتين، واحدة تحتها وأخرى فوقها فاستقرت بين يديه وعليها سفرة خضراء، والقوم ينظرون إليها وهي مغطاة بمنديل.
واختلفوا في الذي كان عليها، على أقوال:
أحدها: سمكةٌ مشوية ليس فيها شوك وحولها البقول ما خلا الكُرَّاثَ وعند ذَنَبِها سُكُرُّجَةٍ (٢) فيها خلٌّ، وعند رأسها أخرى فيها ملح وحولها خمسة أرغفة، على رغيف تمرٌ، وعلى رغيف زيتون، وعلى رغيف خمس رمَّانَات، قاله ابن عباس.
والثاني: خبز ولحم، رواه عمار بن ياسر مرفوعًا (٣).
والثالث: خبز وسمك، رواه مجاهد عن ابن عباس.
стр. 898
والرابع: قَصْعَةٌ من ثريد، رواه الضحَّاك عن ابن عباس.
والخامس: كلُّ شيء إلا اللحم، قاله ابن جُبير.
والسادس: سمكة فيها طعم جميع الأطعمة، قاله عطيَّة العوفي.
والسابع: خبز وأرز وبَقْل، قاله ابن الكلبي.
والثامن: سبعة أرغفة من شعير، وسبع سمكات.
والتاسع: سمك ولحم، قاله عطاء بن السائب.
والعاشر: كان عليها ثمار من ثمار الجنَّة، وسمن وعسل، قاله عمَّار ومقاتل.
فقال عيسى: أَيّكم أوثق في نفسه فَلْيكشف هذا المنديل، فقالوا: يا روح الله، أنت أولى، فكشفها، فقال شَمْعُون رأس الحَوَارِيِّين: يا روح الله، أَمِنْ طعام الدُّنيا أمْ من طعام الجنة؟ فقال عيسى: لا مِن هذا ولا من هذا ولكن شيء قال له الله: كُنْ، فكان، فقال الحَوَارُّيون: نريد أنْ تُرِيَنا آيةً في هذه الآية، فقال: سبحان الله، أما اكتفيتم بها؟! ثم أشار إلى السَّمكة وقال لها: عودي بإذن الله كما كُنْتِ طريَّة حَيَّة فاضطربت على المائدة، فقال: عودي مشوية فعادت، فقال: كلوا، فقالوا: أنت أوَّل مَن يأكل، فقال: معاذ الله إنَّما يأكل منها مَن سألها، فلما رأوا امتناعه خافوا أن يكون نزولها عقوبة، فدعا عيسى الفقراء والمساكين واليتامى والزَّمْنَى، فقال: كُلوا من رزق ربّكم ودعوةِ نبيكم لتكون مهنأً لكم وعقوبة لغيركم، قال وهب: فأكل منها ألف وسبع مئة إنسانٍ صدروا عنها شِبَاعًا وهي على حالها، فصحَّ كلُّ مريضٍ واستغنى كلُّ فقير أكل منها، ثم كانت تنزل عليهم بعد ذلك فيزدحمون عليها وكانت تنزل يومًا وتغيب يومًا فنزلت أربعين يومًا.
وقال وهب: قال لهم عيسى: كلوا ولا تدَّخِروا، فادَّخَروا، فمُسِخُوا خَنَازيرَ وقِردة.
وقال ابن عباس: إنَّما مُسِخُوا لأنَّ الذين أكلوا منها لمَّا رجعوا إلى قومهم قالوا لهم: سحر عيسى أعينكم، وبلغ عيسى فدعا عليهم فمُسِخُوا وماتوا بعد ثلاث. قالوا: ولم يعش مَسْخٌ أكثر من ثلاث.
وقيل: إنَّما خبؤوا منها لأنَّهم ظنُّوا أنَّها لا تنزل بعد ذلك.
стр. 899
وقال قتادة: كانت تنزل متى ما أرادوا كالمنِّ والسلوى.
وقال سلمان: لمَّا خانوا مُسِخ منهم في يومٍ وليلةٍ ثلاث مئة وثلاثون رجلًا باتوا على فُرُشِهِم مع نسائهم، فأصبحوا خنازيرَ يسعون في الطُّرقات ويأكلون العَذِرَات، فمرَّ بهم عيسى فبكوا بين يديه فرقَّ لهم، وسأل الله فيهم، فقال الله تعالى: إنَّي آليت على نفسي أنَّ من كفر بعد إنزالها أنْ أُعذِّبَه عذابًا لا أُعذِّبُه أحدًا من العالمين.
وقال عمَّار بن ياسر: لما خصَّ بها الفقراءَ والمساكين تكلَّم الأغنياء بالقبيح وارتابوا (١) فمُسِخُوا.
ومنها: حديث اللِّص، قال أبو نعيم بإسناده عن وهيب بن الورد قال: بلغنا أنَّ عيسى ﵇ مَرَّ بلصٍّ في قلعة ومعه رجل من الحَوارِيِّين، فلمَّا رآهما اللِّص ألقى الله في قلبه التوبة، فقال في نفسه: هذا عيسى روح الله وكلمته، وهذا حواريه، ومَن أنت يا شقي يا لصَّ بني إسرائيل، قطعتَ الطريقَ وقتلتَ النفسَ، وأخذتَ المالَ، ثم هبطَ مِن قلعته نادمًا تائبًا على ما كان منه، فلمَّا لحقهما قال لنفسه: تريد أنْ تمشي معهما؟ لست أهلًا لذلك، امشِ خلفهما كما يمشي الخاطئ المذنب، فالتفت إليه الحواريُّ فعرفه، فقال في نفسه: انظروا إلى هذا الخبيثِ الشَّقِيِّ ومشيه وراءنا، فاطَّلع الله على ما في قلوبهما من توبة اللِّص وندامته وازدراء الحواريِّ به وتفضيله نفسه عليه، فأوحى الله تعالى إلى عيسى أن مُر الحواريَّ ولصَّ بني إسرائيل أن يستأنفا العمل، أمَّا اللِّصُّ فقد غفرتُ له ما مضى بندامته وتوبته، وأمَّا الحواريُّ فقد أَحبطتُ عمله لعجبه بنفسه وازدرائه لهذا التائب (٢).
ومنها: قوله تعالى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]. واختلفوا في وقت هذا القول على قولين:
أحدهما: أنَّه قال له ذلك عند رفعه إليه، قاله السُّدي وقُطْرب، قالا: لأنَّ إذ للماضي.
стр. 900
والثاني: أنه يقول له يوم القيامة وهو قول الباقين، وأنَّ معناه: وإذ يقول الله.
فإنْ قيل: فما الفائدة في هذا السؤال والله عالم بأنَّه ما قال؟ فالجواب من وجوه:
أحدها: لأنَّ جماعة من النصارى ادَّعوا أن عيسى أمرهم بعبادته، فأراد تكذيبهم، فلفظ الآية استفهام، ومعناه التوبيخ لمن ادَّعى عليه أنه قال ذلك (١)، قال أبو عبيدة: ومثله قول القائل لآخر: فعلت كذا وكذا وقد علم أنه لم يفعله. واختاره أبو عبيدة (٢).
والثاني: أنَّه أراد اعتراف عيسى بالعبودية؛ ليظهر ذُلَّه وخضوعه، والإله لا يكون خاضعًا، قاله ابن عباس.
والثالث: أنَّه أراد إظهار فصاحة عيسى وأنه مؤيَّد بروح القدس، قاله أهل المعاني، وذلك لأنه أجاب بأحسنِ الأجوبة وأَبْلَغَ، فقوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ جواب، لأنَّ التسبيح هو التقديس لله والتنزيه له من كل سوى، ومعناه: تقدَّستَ وتنزَّهْتَ عنْ أن يقول مثلي هذا، فأنت المعبود وأنا العبد.
وقوله: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦] جواب ثان، كأنه يقول: قد علمت أني لا ينبغي لي ذلك قما قلتُ، وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦]، جواب ثالث، لأنه قد علم أنَّه ما قال.
وقوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ جواب رابع، لأنه مُطَّلع على سره وضميره وقد علم أنَّه ما قال، وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ جواب خامس، لأنه إذا كان عالمًا للغيب لم يخفَ عليه شيء، وقد علم أنه ما قال.
وقوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ [المائدة: ١١٧] جواب سادس، لأنه ما أمرهم أن يقولوا ذلك.
وقوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧] جواب سابع، لأنه إذا أمرهم بعبادة الله فقد اعترف بالعبودية، والعبد لا يكون إلهًا.
стр. 901
وقوله: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ جواب ثامن، لأنه لمَّا كان بينهم ما ادعوا عليه ذلك وقوله: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: رفعتني، جواب تاسع، ومعناه: ما زلت معترفًا لك بالإلهية إلى حين وفاتي، فكيف أقول لهم هذا.
وقوله: ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧] جواب عاشر، ومعناه: إنَّك تشهد الأشياء وتعلمها، وأنت مُطَّلع على البواطن والظواهر، والشهيد لا يستتر عنه شيء، وقد علمتَ أنِّي ما قلتُ فما قلتُ.
وقال أبو روق: لمَّا قال الله لعيسى ذلك: أرعدت مفاصله، وانفجرت مِن كلِّ شَعرة منه عينٌ من دَم (١).
وقال مجاهد: يبقى أربعين عامًا على وجهه بمنزلة الميت.
فإن قيل: فالنصارى لا تتخذ مريم إلهًا، فكيف قال: ﴿إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فالجواب: أنَّه لمَّا قالوا: لم تلد بشرًا وإنما ولدت إلهًا، لزمهم ذلك من حيث البعضية، فصاروا بمثابة مَنْ قاله.
واختلفوا في معنى قوله: ﴿تَوَفَّيْتَنِي﴾ على أقوال: بالرفع إلى السماء.
والثاني: غيَّبتَني.
والثالث: أَمتَّني عند انتهاء أجلي، فيكون بمعنى قَبَضتَني.
وقال الحسن: الوفاة في كتاب الله على ثلاثة أوجه:
وفاة الموت، وذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] يعني: عند انقضاء آجالها.
وفاة النَّوم، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠].
ووفاة الرفع، كقوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥].
فإن قيل: فظاهر الآية لا يدل على الرفع، لأنَّه قال: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ قُلنا: فيه تقديم وتأخير، ومعناه: رافعك ومتوَفيك بعد ذلك لما نذكر.
ثم أدركته رِقة عليهم فقال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨] أي: تميتهم
стр. 902
على الكفر، وإن تغفر لهم بتوبتهم ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ العزيز في سُلطانك الحكيم في قضائك، فلا ينبغي لأحد أن يعترض عليه. والرقيب: الحفيظ، والشهيد الشاهد.
واختلفوا في قوله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] هل هو خاص لعيسى ابن مريم أم عام؟ على قولين:
أحدهما: أنَّه خاص له، أي: نفع عيسى صدقُه.
والثاني: أنَّه على العموم في حق كلّ صادق. وقيل: معناه ينفع المؤمنين إيمانهم في الدنيا وصدقهم في الآخرة.
وقال قتادة: خطيبان يوم القيامة عيسى التي مريم، والشيطان، فأما عيسى فكان صادقًا في الحياة وبعد الممات فنفعه صدقه، والشيطان صدق في الآخرة حين أخبر الله عنه أنه قال: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ (١) [إبراهيم: ٢٢] الآية، وكان كاذبًا في الدُّنيا فما نفعه صدقه في الآخرة.
وقوله: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ يدل على أنّ السؤال إنَّما يكون في القيامة، لأنَّ اليوم المشار إليه ليس فيه عمل، وإنَّما فيه الجزاء والثواب.
ومنها: أنه رأى رجلًا يسرق، قال أحمد بن حنبل: حدَّثنا عبد الرزاق بإسناده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "رَأَى عيسى ابنُ مَرْيَمَ رَجلًا يَسرِقُ فقالَ لَه: أَسَرقتَ؟ قال: كلا، والله الَّذي لا إِله إلَّا هو، فقال عيسى: آمنتُ بالله، وكذَّبتُ عَيني، أَوْ نَفسِي". أخرجاه في "الصحيحين" (٢).
فصل في رفع عيسى ﵇
قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] الآية.
قال علماء السِّير: سبب رفع عيسى أنَّ اليهود حسدوه على مَيْل الناس إليه، وظهور
стр. 903
دينه ومعجزاته فتآمروا على قتله.
قال ابن عباس: فذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْر﴾ [آل عمران: ٥٢] أي: علم وعرف، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا﴾ [الأنبياء: ١٢]. فأمَّا قوله: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [مريم: ٩٨] أي: ترى، وقال مقاتل: رأى أمارات القَتْل، ولمَّا تيقن عيسى منهم القَتْلَ استنفر الحواريِّين فقال: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] أي: مَن أعواني.
وقال علماء السِّير: لمَّا بعث الله عيسى إلى بني إسرائيل كذبوه، فخرج هو وأمه يسيحان في الأرض، فنزلا على رجل في قرية فأكرمهما، وكان بالقرية جبَّارٌ، فجاء ذلك الرَّجل إلى امرأته حزينًا مهتمًا، فقال لها: لا تسأليني، فقالت مريم: أخبرني لعلَّ الله أنْ يُفرِّج عنك على يدي فقال: إنَّ هذا الجبَّار قد جعل على كل واحد منَّا في السَّنة يومًا يُطعمه وجنوده فيه ويسقيهم الخمر، فإن لم يفعل عاقبه، واليوم يأتينا وليس عندنا شيء، فقالت مريم لعيسى: ادعُ الله لهم، فقال: أخافُ أنْ يَقَع شرٌّ، فقالت: قد أحسن إلينا وأكرمنا فقال: قولوا له يملأ قدوره، وخوابيه ماءً، ففعل، فسأل عيسى ربَّه فملأ القدور لحمًا والخوابي خمرًا لم ير الناس مثله، وجاء الملِكُ فأكل وشرب وقال: من أين لكم هذا الخمر، فقال الرجل: منْ أرض كذا، قال: فإنَّ الخمر يُحمل إلينا منها وليست كذا واختلف كلامه، فقال: اصدقني وإلا قتلتك، فقال: عندي غلام لا يسأل الله شيئًا إلا آتاه إيَّاه، وإنه دعا الله فجعل الماء خمرًا. وكان للمَلِك ابنًا يريد أنْ يستخلفه فمات قبل ذلك بأيَّام، وكان أعزَّ الخلق عليه، فقال: قل له يسألِ الله في ابني ليعيش فكلَّم الرجل عيسى، فقال: إنْ عاش وقع شرٌّ، فقال الملك: لا أُبالي بعد أن أراه، فقال عيسى: إنْ أَحييته تَدَعوني وأمي نذهب أين شئنا، قال: نعم، فسأل الله فأحياه، فلبس أهل المملكة السلاح وقالوا: أَكَلَنا أبوه حتى إذا دنا موته وأراحنا الله منه، يريد أنْ يستخلف علينا مثله فيأْكُلُنا كما أَكَلَنا أبوه، واقتتلوا (١).
وذهب عيسى وأمه فمرُّوا بالحَوَارِيِّين وهم يصيدون السمك، فقال: ما تصنعون،
стр. 904
قالوا: نصيد، فقال. ألا تمشون معي حتى نصيد بني آدم، فقالوا: مَن أنت، قال: عيسى ابن مريم، فآمنوا به وانطلقوا معه، فلمَّا رأت اليهود ما يبدو منه من المعجزات والآيات نسبوه إلى السحر والنارَنْجِيّات (١) فنهوه عن ذلك، ونهوا الناس عنه فلم ينتهوا، فعزموا على قتله، فاستنفر عليهم الحواريين فقال: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ قالوا: نحن أنصار الله، أي: أعوان دينه ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ﴾ علينا يا عيسى ﴿بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢].
وقصد اليهود قتله وطلبوه أشد الطلب وأخبروا المَلِكَ وكان يهوديًا، فركب بنفسه ومعه اليهود، فدخل عيسى خَوْخَة، ووقف الملك على بابها، فقال رجل: أنا أدخل خلفه فدخل فألقى الله عليه شبه عيسى ورفع الله إليه عيسى مِن الكُوَّة التي في الخَوْخَة، وخرج الرَّجل إلى أصحابه فقال: ليس في الخَوْخَة أَحَدٌ، فقالوا: بلى، أنت هو، فقتلوه وصلبوه، قال ابن عباس فذلك قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] فمكر الله إلقاؤه على الرجل شبه عيسى، ومكرهم طلبهم لعيسى.
فإن قيل: فالمكر لُطف الحيلة والتدبير، وهو من الله ممتنع، فالجواب: إنه من الله المُجازَاة واستدراج العبد ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ أي: المُجازِين، وقال ثعلب: المَكْرُ مِنَ الخَلْق الخِدَاعُ والفساد والاحتيال، ومِنَ الله المُجازَاةُ على الأعمال.
وقال وهب: نصبوا لعيسى خشبة ليصلبوه عليها فأظلمت الدنيا وأرسل الله الملائكة فحالت بينهم وبينه، وهناك رجل يقال له: يهوذا، وهو الذي دلَّهم عليه فصلبوه.
قلت: وقد عاب أبو العلاء المَعَرِّي على النصارى تخلِّيهم عن المسيح حتى صُلب، وبيَّن فساد اعتقادهم.
قرأتُ على شيخنا تاج الدين الكندي قال: حدثنا أبو منصور بن الجَواليقي، قال: حدثنا أبو زكريا التِّبريزي قال: قرأت على أبي العلاء المعري (٢) من شعره من قصيدة:
стр. 905
عَجَبًا لِلْمَسيحِ بَيْنَ أُنَاسٍ … وإلى غَيْرِ والِدٍ نَسَبُوهُ
أَسْلَمَتْهُ إلى اليَهُودِ النَّصَارَى (١) … وأَقَرُّوا بأَنَّهم صَلَبُوهُ
يُشْفقُ الحَازِمُ اللّبيبُ على الطِّفْـ … ـلِ إذا ما لِدَاتُهُ ضَرَبُوهُ
وإذَا كَانَ مَا يَقُولُونَ فِي عِيْـ … ـسَى صَحيْحًا فَأيْن كَان أَبُوهُ
كَيْف خَلَّى وَليدَهُ لِلأَعَادِي … أَمْ يَظُنُّونَ أنَّهُم غَلَبُوهُ
وقال مقاتل بن حيان: جمع عيسى الحَوَارِيِّين في تلك الليلة وأوصاهم وقال: لَيَكْفُرنَّ بي واحد منكم ويبيعني بدراهم، ثم تفرَّقوا ودخل خَوْخَةً، وجاءت اليهود تطلبه فدلهم عليه بعض مَنْ كان معه وأعطوه ثلاثين درهمًا، فألقى الله عليه شبه عيسى فَصَلَبُوه.
وقال مجاهد: دخل عيسى الخَوْخَةَ ومعه سبعة عشرة مِن الحَوَارِّيين، فأحاط اليهود بهم، فقال عيسى: من يَبيعُ منكم نفسه بالجنَّة؟ قالوا: وكيف؟ قال: يُلقي عليه شبهي فيُصْلَبُ فيكون رفيقي في الجنَّة، فقال شاب منهم: أنا فأَلْقى الله عليه شبهه فَقُتِل ورُفِع عيسى.
وقد اختلفوا في اسم المَصْلُوب الذي دلَّ عليه شَبَهُهُ، على أقوال:
أحدها: يهوذا من اليهود.
والثاني: من الحَوَارِّيين، واسمه نودس.
والثالث: سورجس، وقيل: جرجس، وكان قد آمن بعيسى، ويقال له: ابن العجوز، وقيل: إنَّه ندم على ما فعل فخنق نفسه، والأصح أنَّه صُلب.
وقال ابن عباس: رفع إلى السماء لثلاث ساعات مضين من الليل، وقيل: من النهار، وكُسيَ الرِّيش ونزعت منه لذة المطعم والمشرب، فصار إنسيًا مَلَكيًا سماويًا أرضيًا.
وقال مقاتل: لا خلاف بين النَّصارى واليهود أن عيسى صُلِبَ، وأنه لما رُفِعَ ليُصْلَبَ
стр. 906
طُعِنَ برمح فصاح، وقال: يا أبي الذي في السِّماء إنْ قدرت أنْ تصرف عني هذا الكأس فافعل، ومعنى أبي، أي: رَبِّي، وقد تكررت منه هذه اللفظة، فإنه قال للحَوَارِيِّين: إذا سألتم الله فقولوا: يا أبانا الذي في السَّماء افعل كذا، ولا خلاف بين المسلمين: أنَّ المصْلُوب غير عيسى، قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧].
وقال ابن أبي نَجِيح: جاءت مريم بعد أيام إلى الخشبة ومعها امرأة كان عيسى دعا لولدها فَشُفيَ من المرض، فوقَفَتا تبكيان، فجاءهما عيسى فقال: ما لكما تبكيان؟ فقالتا: عليك، فقال: إنَّ الله رفعني إليه ولم يُصبني إلا خير (١)، وإنَّ هذا شيء شُبِّهَ لهم.
وقال كعب: وجدتُ في بعض الكتب: أن الله تعالى قال بعد سبعة أيام: يا عيسى انزل إلى مريم المَجْدَلانيّة -نسبها إلى قرية بالجبل يقال لها: المجدل- فإنَّه لم يبك عليك أحدٌ بكاءها، ولم يحزن عليك حزنها، ثم اجمع الحواريين وبُثَّهُم في الأرض دعاة إليَّ، فنزل على جبلٍ ببيت المقدس فاشتعل نورًا، وجَمَع الحَوَاريِّين وبَثَّهم في الأرض، ثم رفعه الله إليه، وتلك اللَّيلة التي تدخن فيها النَّصارى (٢). فلمَّا أصبح الحَوَاريُّون تحدث كل واحدٍ بلغة من أُرسل إليهم.
واختلفوا في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] على أقوال:
أحدها: إني قابضك ورافعك إليَّ من غير موت. قاله الحسن البصري، قال: ودليله قوله: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ [المائدة: ١١٧] أي: رَفَعْتَني وأنا حيٌّ وافيًا لم ينالوا مني شيئًا.
والثاني: أنَّ معناه: إني مُنيمك من النوم، من قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] لأنَّ النَّوم أخو الموت. قاله الربيع بن أنس.
والثالث: إنَّي حميتك من الموت. قال ابن عباس: توفاه ثلاث سماعات من نهارٍ، ثم أحياه ورفعه إليه.
стр. 907
والرابع: أنَّ في الكلام تقديمًا وتأخيرًا، ومعناه: إنَّي رافعك إليَّ ومطهرك من الذين كفروا ومتوفيك بعد إنزالك من السَّماء، قاله مقاتل.
والخامس: إنَّي مُتَوفِّيك عن حظوظ نفسك وشهواتك، قاله أبو بكر الورَّاق، وهو قولٌ حسن؛ لأنَّ عيسى كان في الدُّنيا بهذه المثابة، وفي الآخرة رفعت عنه لذة المَطْعَم والمَشْرَب فصار كالملائكة.
وقال ابن أبي نَجِيح: كان عيسى على طور زيتا (١) جبل ببيت المَقْدِس وعليه مِدْرَعَة شَعْر، فهبت ريح فهرول، فرفعه الله إليه.
ذِكرُ نُزول عيسى ﵇
قد اختلفت الروايات في ذلك.
حدثنا جدي ﵀، قال: حدثنا أبو الحسن علي بن عبد الواحد الدينوري بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الأَنْبياءُ إخوةٌ لِعَلَّات، أُمَّهاتُهُم شَتَّى ودينهم واحد، وأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بعيسى ابن مريم، لأَنَّه لَيْس بَيْني وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ". أخرجاه في "الصحيحين" (٢).
وفي لفظ: "أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بابنِ مَرْيمَ في الدُّنيا والآخرة، ولَيْس بَيْنِي وَبَيْنَه نَبِيٌّ، الأَنبِياء إخوةٌ أَبْنَاءُ عَلَّات، أو أَوْلاد عَلَّات" (٣).
وأخرج أحمد في "المسند" بمعناه قال: "وإنَّه نَازِلٌ على أُمَّتي وخَلِيفَتي فيهم، فإذا رَأَيْتُمُوهُ فاعرِفُوهُ، فإنَّه رَجلٌ مَرْبُوع الخَلْق إلى الحُمْرة والبَيَاض، سَبْطُ الشَّعْر، كأن شَعْرَهُ يَقْطُر وإنْ لَم يُصِبْهُ بَلَلٌ" -وفي رواية: "كَأَنَّه خرج من ديْمَاس" (٤) - بين مُمَصَّرَيْن (٥) يَدُقُّ الصَّلِيب، ويَقتُلُ الخِنْزِير، ويُفِيضُ المَالَ، وليَسْلُكَنَّ الرَّوْحَاء حاجًّا أو معتمرًا، أو لَيُثَنِّيَنَّهُما جمِيْعًا، ويُقَاتِلُ النَّاسَ على الإسْلام حتى يُهْلِكَ اللهُ في زَمَانِهِ المِلَل
стр. 908
كُلَّها، ويُهْلِكَ مَسِيحَ الضَّلالَةِ الدَّجَّال الكَذَّاب، ويقع في الأَرْضِ منه الأَمَنَةُ، حتى تَرْتَعَ الأُسُودُ مَع الإِبِلِ، والنُّمُورُ مع البَقَرِ، والذِّئَابُ مَع الغَنَم، وتَلْعَبَ الغِلْمَانُ بالحيَّاتِ، لا يَضُرُّ بعضهم بعضًا، ويَلْبَث في الأَرْضِ أربعينَ سَنَةً -وفي رواية: "أربعًا وعشرين حجَّةً"- ثُمَّ يَتَزَوَّج ويُولَدُ له، ثُمَّ يُتَوَفَّى ويُصلِّي عَلَيه المُسلِمُون" (١).
وفي رواية: "ويَدْفِنُونه في مَسْجِدي أو حُجْرَتي".
الكلام على الحديث قوله: "رَجُلٌ مَرْبُوع الخَلْقِ إلى الحُمْرَةِ والبَيَاضِ" كذا وقع في هذا الحديث، وقد روينا عن ابن عمر في "الصحيحين" عن النبي ﷺ أنه قال: "آدم" (٢) يعني أسمر، وقوله: بين مُمَصَّرَيْن، أي: ثَوبين فيهما صُفْرةٌ خفيفة، و"الرَّوْحَاء": منزل بين مكَّة والمدينة، و"الدِّيْمَاس": الحَمَّام.
وقال أحمد بن حنبل بإسناده عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "والَّذي نَفْسِي بِيَدِه لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيْكُم ابنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرُ الصَّلِيْبَ، وَيَقْتُلُ الخِنْزِيْرَ، ويَضَعُ الجِزْيَةَ، ويفيض المالُ حتى لا يَقْبَلهُ أَحَدٌ، وتَكُونَ السَّجْدَةُ الوَاحِدَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا ومَا فِيْهَا". ثم يقول أبو هريرة: اقْرَؤُا إنْ شِئْتُم ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]. أخرجاه في "الصحيحين" (٣)، وهو حديث طويل.
وفيه: "كَيْفَ أَنْتُم إذا نَزَلَ عِيْسَى ابن مَرْيَم فِيْكُم فَأَمَّكُم مِنْكُم" (٤) قال ابن أبي ذئب: قُلْتُ للزُّهْرِيّ: ما معنى "فَأمَّكم مِنْكُم" قال: أمَّكُم بكتاب الله وسنة نبيكم.
وفيه: "وإمَامُكُم مِنْكُم" (٥) وهذا ظاهر.
"ولَتُتْرَكَنَ القِلاص فلا يُسعى عليها، ولَتَذهَبَنَّ الشَّحناء والتَّبَاغُضُ والتَّحاسُدُ" (٦) والقَلُوصُ من النُّوقِ: الشابة بمنزلة الجارية من النِّساء، وكذا القَلُوص من الإبل بمنزلة الشاب.
стр. 909
ولمسلم عن جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا تَزَالُ طَائفَةٌ مِن أُمَّتي يُقاتلون على الحَقِّ ظَاهِرينَ إلى يَومِ القِيامَة، فَينزِلُ عيسى ابن مَرْيَم فيقول أميرهم: صلِّ لنَا. فيقول: لا، إنَّ بَعْضَكُم على بَعْضٍ أُمَراء، تَكْرِمَة لهذه الأُمَّة" (١).
وقال جدي ﵀ (٢): إذا نزل عيسى ابن مريم اجتمع بصاحب الزمان، فيحضر وقت الصلاة فيقول صاحب الزمان لعيسى: تقدَّم، فيقول له عيسى: أنت أولى، فيتقدم صاحب الزمان، فلو تقدم عليه عيسى لكان ناسخًا لشرعنا، وقد قال نبينا ﷺ : "لَوْ كَانَ عِيْسَى ومُوسَى حَيَّيْن لَمَا وَسِعَهُمَا إلَّا اتباعي" (٣). فامتناع عيسى لئلا يتدنس وجه: "لا نَبِيَّ بَعْدِي" (٤) بغبار الشبهة، وهذا معنى حديث جابر، وقوله: "تكرمةً لهذه الأمة"، والدليل على أنَّ التَّبَعِيَّة قائمة، فإنه ينكح على ما في الحديث ويولد له، لأنه ضيف والضيف يتبع أوامر المُضيف "تناكحوا تناسلوا" (٥) الحديث.
وقد أخرج مسلم حديثًا طويلًا في أمارات الساعة والدجَّال عن النوَّاسِ بن سَمْعَان عن رسول الله ﷺ : "فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللهُ عيسى ابنَ مَرْيَم، فَيَنْزِلُ عند المَنَارةِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ بين مَهْرُودَتَيْن، واضِعًا كَفَّيهِ على أَجْنِحةِ مَلَكَيْن، إذا طْأطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمانٌ كَاللُّؤْلُؤ، فلا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِد رِيْحَ نَفَسِهِ إلَّا مَاتَ، ونَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ، فَيَطْلُبُه حتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ فَيَقتُلُهُ، ثُمَّ يَأْتِي عِيسى بنَ مَرْيَم قومٌ قد عَصَمَهُم الله منه، فَيَمسَحُ عن وجُوهِهِمْ ويحدِّثُهُم بِدَرَجاتِهِم في الجَنَّة، فَبَيْنَمَا هُم كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى الله إلى عيسى: إنِّي قد أَخرَجتُ عِبادًا لِي، لا يدَانِ لأَحَدٍ بِقِتَالِهم فَحَرِّزْ عِبَادي إلى الطُّورِ، وَيبْعَثُ الله يَأْجُوجَ ومَأْجُوج". الحديث (٦).
стр. 910
"المَهرودَتَيْن" المصبوغتين بالصُّفْرَةِ، وفيها لغتان: بالدَّال المُهْمَلة والمعجمة. وإنَّما يَمْسَح وجوهَهُم عيسى لِما لاقوا من الدجَّال، و"حَرِّز" أي: ضمَّهم، هذا قدر ما أخرج في "الصحيح".
وقد رُوي أنَّ عيسى يقتل الدجَّال على عقبة أفيق (١).
وفي رِوَاية أوس بن أوس الثقفي: أنَّه ينزل عِنْد القَنْطَرة البَيْضَاء شَرْقِيَّ دِمَشقَ في غمامة، وعليه ريْطَتَان مُؤْتَزِر بإحدَاهُما مُرْتَد بالأُخْرَى، وَيأْتى مَسجِدَ دِمَشق فَيَقْعُد على المِنبَر ويدخل اليهود والنصارى والمسلمون إلى المَسجِد وكُلُّهُم يرجوه" (٢).
وقال ابن عباس: يَقْتُلُ عيسى الدَّجَّالَ على ذُرْوَة أَفيق (٣).
وأخرج أحمد طرفًا منه فقال: حدثنا يزيد بن هارون بإسناده عن عثمان بن أبي العاص الثقفي قال: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول: "يكُون للمُسلِمين ثَلاثَةُ أَمْصَارٍ، مِصرٌ بمُلتَقَى البَحرين، ومِصرٌ بالحِيرة، ومِصر بالشَّام، فَيَفزَعُ النَّاسُ ثلاثَ فَزعاتٍ، فَيَخرُجُ الدَّجال في أَعْراضِ النَّاسِ، وأَكْثَرُ تَبعه اليَهُودُ والنِّساءُ". وفي رواية: "يَتْبَعه سَبْعُونَ ألفًا مِن يَهُود أَصْبَهَان (٤) وَيشْتَدُّ على النَّاسِ أَمْرُهُ، ويُصِيْبُهُم مَجاعة (٥) شَديدَة، فَيُنادِيْهم مُنادٍ في السَّحر: أَيّها النَّاسُ، أَتَاكُم الغَوْثُ ثَلاثًا، وَينزِلُ عيسى ابنُ مَرْيَمَ عندَ صَلاةِ الفَجر، فيقولُ له أَمِيرهم: يا رُوحَ الله تَقَدَّمْ صلِّ، فيقولُ: هذه الأُمَّةُ أُمراءُ بعضهم على بَعْضٍ، فَيتقدمهم أميرهم فَيُصَلِّي، فإذا قَضَى صَلاتَهُ أَخَذَ عِيسى حَرْبَتَهُ، فَيَذهَبُ نحوَ الدَّجال، فإذا رآهُ الدَّجال، ذابَ كمَا يَذُوبُ الرَّصَاصُ، فَيَضَعُ حَرْبَتَهُ في ثَنْدُوَته، فَيَقْتُلُه ويَنْهَزِمُ أَصْحَابُه، فَلَيْسَ يَوْمَئِذٍ شَيءٌ يُواري مِنْهُم أحدًا، حتى إنَّ الشَّجَرَةَ لَتَقُولُ: يا مُؤمِنُ، هَذا كَافِر، وَيقُولُ الحَجَر: يا مُؤْمِنُ، هذا كافر.
وقيل: يقتله بباب لُدٍّ (٦)، والمشهور على عقبة أَفِيق.
стр. 911
وقد أخرج أحمد بمعناه بإسناده عن جابر بن عبد الله وذكر حديثًا طويلًا في الدجَّال، وفيه: "ومَعَه جِبَالٌ مِن خُبْز وَنَهْرَانِ وشَيَاطِيْن تُكَلِّمُ النَّاسَ، ويَأْمُرُ السَّماءَ فَتُمْطِرُ، ويَقْتُلُ نَفْسًا ثم يُحْييها، لا يُسلَّط على غَيْرِها مِنَ النَّاسِ، وَقَد حَرَّمَ الله عليه مَكَّةَ والمَدِينَة، فالملائكة قائمةٌ على أَبْوَابِها، ويفرُّ المسلمونَ منه إلى جبلِ الدُّخَان بالشَّام، فَيَأتيهم فَيَحْصُرُهُم فيه، وَيَشْتَدُّ حِصَارُهم، فَيَنْزِلُ عيسى فَيُنَادِي وَقتَ السَّحَر، أَيُّها النَّاسُ مَا يَمْنَعُكُم أَنْ تَخْرُجُوا إلى الكَذَّابِ الخَبِيْثِ، فَيَنْطَلِقُونَ معهُ ويَقولُون: هذا رجل جِنِّيٌّ، فتُقام الصَّلاةُ، فيقال لعيسى: تَقَدَّم يا رُوحَ اللهِ، فيقول: ليَتَقَدَّم إمَامُكُم فَلْيُصَلِّ بكم. فإذا صَلَّوا صَلاةَ الصُّبحِ، خَرَجُوا إليه، فحين يَرَاهُ الكَذَّابُ يَنْمَاثُ كما يَنْمَاثُ المِلْحُ في الماء، فَيَمْشِي إليه فَيَقْتُلُه، حتى إنَّ الشَّجرَةَ والحَجَرَ لَيُنَادِي: يَا رُوحَ الله، هذا يَهُودِيٌّ، فلا يَتْرُك أَحَدًا ممن كَان يَتْبَعُهُ إلا قَتَلَهُ" (١).
وقيل للحُسين بن الفضل البَجَلِيِّ: هل تجد نزول عيسى في القرآن؟ قال: نعم، في قوله تعالى: ﴿وَكَهْلًا﴾ [آل عمران: ٤٦] وهو لم يكتهل في الدُّنيا، فصار معناه: وكهلًا بعد نزوله.
وأنبأنا غير واحد، حدثنا يوسف بن محمد بن محمد بن عمر الأرموي بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "كَيْفَ تَهْلكُ أُمَّةٌ أَنَا في أَوَّلِهَا، والمَهْدِيُّ مِن أَهْلِ بَيْتِي في أَوْسَطِها، وعيسى في آخِرِها" (٢).
وقد روى الشافعي عن محمد بن خالد (٣) الجَنَدي عن أبان بن صالح عن الحسن عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَزْدَادُ الأَمْرُ إلَّا شِدَّة، ولا الدُّنيا إلا إدْبارًا، ولا النَّاسُ إلا شُحًّا، ولا تَقُوم السَّاعةُ إلَّا على شِرَار الناس، ولا مَهْدِيَّ إلا عيسى ابن مريم" (٤). إلا أنه حديث لا يصح، قال البيهقي: لم يروه عن الشافعي غير يونس بن عبد
стр. 912
الأعلى (١). ولما سئل الشافعي عنه قال: كذب علي يونس، ما حدثته به، ولا حدثني به أحد. ومحمد بن خالد الجندي مجهول. وقال البيهقي: إنما أنكروه لأن الأحاديث في خروج المَهْدي من ولد نبينا ﷺ مشهورة، فلا يعارضها هذا الحديث الواهي.
وقد رُويَ أن عيسى يُدفن مع نبينا ﷺ في الحجرة، وقد ذكرناه في الحديث الذي في أول الفصل، وهو قوله ﵇: "ويُدفن في مسجدي أو حجرتي".
وفي حديث عروة عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، أَتأْذَنُ لِي إذَا مِتُّ بَعْدَكَ أَنْ أُدْفَنَ إلى جَانِبِكَ، فقال: "ما بقي في الحُجْرَة إلا مَوْضِعُ قَبْرِ عيسى" (٢).
وأخرج الترمذي عن عبد الله بن سلام قال: نَظَرْتُ في التَّوراة صِفَةَ رَسُولِ الله ﷺ وعيسى ابن مريم، وأَنَّه يُدفن معه (٣).
والجواب أنَّه ليس في هذه الأخبار ما يصح، أما الحديث الأول فالصحيح من الرواية "ويُدفَنُ في مسجدِي"، وأما حديث عائشة، فقد ضعَّفه الحفاظ، وقالوا: لا يصح عن عائشة، وأما حديث ابن سلام، ففي إسناده أبو موْدُود المَدَنيِّ. قال البخاري: وهذا لا يصح عندي ولا يتابع عليه (٤).
وقال ابن عباس: يدفن عيسى عند باب حجرة النبي ﷺ ، وهو الأصح لوجوه: أحدها: تأدبًا مع رسول الله ﷺ .
والثاني: ليكون موافقًا لقوله ﵇: "ويدفن في مسجدي".
والثالث: لأنه حاجبٌ، لقوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]. والحاجب ينبغي أن يكون قريبًا من المحجوب لا أن يكون معه.
стр. 913
فصل في وفاة مريم ﵍
واختلفوا فيه على قولين:
أحدهما: أنها توفيت بعده، فقال السُّدي عن أشياخه: توفيت بعده بست سنين. وكذا قال ابن عباس وغيره.
والثاني: أنها توفيت قبله، فرُويَ أن عيسى كان لا يأكل إلا من غزلها إذا لم يكن زمان اللّقاط، وكانا يصومان الدهر، فجاء ليلةً عند الإفطار وهي نائمة قد ماتت، فناداها: يا أُماه، قد أفطر الصائمون، أما آن لك أن تفطري، فأوحى الله إليه أنها قد توفيت، فسَلْها تجيبك، فقال: يا أماه، فقالت: لبيك يا بني، فقال: كيف وجدت الموت؟ فقالت: يابني، والله لو وقعت عليَّ جبال الدنيا لكان أهون عليَّ من الموت. والقول الأول أشهر.
وكان سنها يوم ماتت نيفًا وخمسين سنة (١)، وقيل أقلُّ من ذاك.
وقال السُّدي: حملت به وهي بنت ثلاث عشرة سنة، ورفع وهو ابن ثلاثين، وعاشت بعده ست سنين (٢). ومن قال: حملت به وهي بنت خمس عشرة (٣) سنة قارب الحساب (٤). ودفنت بالجسمانية (٥) شرقي بيت المقدس عند قبر داوود ﵇.
وقال علماء السير: ولما رفع عيسى انقطع الوحي بعده ووقعت الفتوة حتى بعث نبينا ﷺ .
وقال وهب: كان بين عيسى ونبينا ﷺ أربعةٌ من الأنبياء، ثلاثة منهم ذكروا في قوله تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤]. والرابع: خالد بن سنان العبسي (٦). وسنشير إليهم في الفترة إن شاء الله تعالى.
стр. 914
فصل
فإن قيل: فكم كانت معجزاته؟ فالجواب: كثيرة، منها: ولادته من غير أب، وتعليمه الكتاب والحكمة، والنطق في المهد، ورفعه إلى السماء، وغير ذلك مما ذكرناه (١).
فإن قيل: فلِمَ رفعه إلى السماء؟ فلوجوه:
لتصحبه الملائكة فتصل بركته إليهم كما وصلت إلى أهل الأرض.
والثاني: لأنه ضمن له النجاة من أعدائه (٢) لما ضاقت به الأرض.
والثالث: لقوله: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] قال محمد بن إسحاق: أماته سبع ساعات ثم أحياه ثم رفعه (٣). وقد بيناه.
فإن قيل: فلِمَ لم يردَّه إلى الأرض؟ فالجواب: ليكون علمًا للساعة، ولِيُؤمن به الكفار لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩].
فإن قيل: فقد ذكرتم أنه كان زاهدًا، فكيف قال: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم: ٣١]؟ فالجواب من وجوه:
أحدها: أوصاني بالزكاة على شرط وجود المال (٤). والثاني: أنَّ الزكاة ها هنا: الإسلام. والثالث: الطهارة (٥)، لأن الزكاة طهارة. والرابع: الثناء على الله.
ومذهب (٦) النصارى: أنَّ من هبوط آدم إلى رفع عيسى، خمسة آلاف سنة وخمس مئة واثنان وثلاثون سنة (٧).
стр. 915
فصل في عدد الأنبياء والمرسلين، وذكر ما بينهم من السنين (١)
حدثنا عبد المحسن بن عبد الله بن أحمد الطُّوسي بإسناده عن ابن المسيب عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله، كمِ الأنبِيَاءُ؟ قال: "مئةُ ألفٍ وأربعةٌ وعِشرُونَ أَلفًا" قال: قلت: كم الرُّسُلُ منهم؟ قال: "ثَلاثُ مئةٍ وثَلاثَةَ عَشرَ جَمًّا غفِيرًا" قلت: من كان أولهم؟ قال: "آدمُ نبى مُرسَلٌ، خَلَقَهُ اللهُ بِيده، ونَفَخَ فيهِ من رُوحِهِ، وسَواهُ قُبُلًا. ثُم قال: أربعةٌ مِنهم سُريَانِيونَ آدمُ، وشيثُ، وخَنُوخُ، وهو: إدريس، ونُوحٌ. وأربعةٌ من العربِ: هودٌ، وصالحٌ، وشعيبٌ ونَبِيُّكَ، وأولُ الأنبِياءِ من بَني إسرائِيلَ: مُوسى وآخِرُهم: عيسى". قال: فقلت: فكم أَنزَلَ الله مِنَ الكُتُبِ؟ فقال: "مئةٌ وأربَعة كُتُبٍ" (٢). وقوله: "قبُلًا" أي: عيانًا. ومنه: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ [الكهف: ٥٥]، وقوله: "أول أنبياء بني إسرائيل موسى" أي: بعد يعقوب ويوسف.
وروى مجاهد عن ابن عباس قال: المرسلون ثلاث مئة وخمسة عشر أو ستة عشر على عدة قوم طالوت.
وروى عنه عكرمة أنه قال: بعث الله من بني إسرائيل أربعة آلاف نبي. قال: وكل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: إدريس، ونوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ولوط، وشعيب، ومحمد ﷺ ، وقال: ليس من نبي له اسمان إلا يعقوب وهو إسرائيل، وعيسى وهو المسيح (٣).
فصل في مقدار ما بينهم من السنين
واختلفوا فيه على أقوال:
أحدها: أنه كان بين نوح وآدم ألفا سنة ومئتا سنة وثمانٍ وعشرون سنة، قاله ابن عباس في رواية مجاهد، وذكره جدي في "التلقيح" (٤).