وارتفعتِ الأصواتُ بالتكبير والتهليل، ولقَّبَتْه الظاهرَ لإعزاز دين الله، وأقبلَ الناسُ أفواجًا فبايعوه، وأطلقَ المال، وفرِحَ الناسُ، وأُقيم المأتمُ على الحاكم ثلاثة أيام.
وقال القاضي القضاعي: خرج الحاكم إلى الجبل المعروف بالمُقَطَّم (١) ليلةَ الاثنين السابع والعشرين من شوَّالِ هذه السنة، فطاف ليلتَه كلَّها، وأصبح عند قبر الفُقَّاعي، ثم توجَّه شرقيَّ حُلوانَ؛ موضعٌ بالمُقطَّم، ومعه ركابيان، فردَّ أحدَهما مع تسعة نفرٍ من العرب -كانت لهم رسومٌ، ويُقال لهم: السُّويديُّون- إلى بيت المال، وأمَرَ لهم بجائزة، ثم أعاد الركابيَّ الآخر، وذكر أنه فارقه عند قبر الفُقَّاعي والقصبة، وأصبح الناسُ على رسْمِهم، فخرجوا ومعهم الموكِبُ والقضاةُ والأشرافُ والقُوَّادُ، فأقاموا عند الجبل إلى آخر النهار، ثم رجعوا إلى القاهرة، وعادوا ففعلوا ذلك ثلاثة أيام، فلمَّا كان يوم الخميس سَلْخَ شوَّال خرج مُظفَّرٌ صاحبُ المِظَفَةِ، ونسيمٌ صاحبُ السّتْر، وابنُ مسكينٍ صاحبُ الرمح، وجماعةٌ من الأولياء الكُتامِيين والأتراكِ والقُضاةِ والعُدولِ وأربابِ الدولة، فبلغوا دَيْر القَصير، والمكانَ المعروف بِحُلْوان، وأمعنوا في الجبل، فبينما هم كذلك بصُروا بالحمار الذي كان راكبَه على قَرْن الجبل قَدْ ضُربَتْ يداه بسيف فقُطِعتا، وعليه سَرْجُه ولجامُه، فتتبَّعوا الأثر، [فإذا أثرُ راجلٍ خلف أثرِ الحمار، وأثرُ راجلٍ قُدَّامَه، فقصوا الأثر] (٢)، حتى انتهوا إلى البركة التي شرقي حُلْوان، فنزلها بعضُ الرجَّالة، فوجَدَ فيها ثيابَه، وهي سبع جبابٍ مُزَرَّرةٍ لم تُحَلَّ أزرارُها، وفيها أثرُ السكاكين، فتيقنوا قتله، وكان عمرُه ستًّا وثلاثين سنة وسبعة أشهر، وولايته خمسًا وعشرين سنة وشهرًا واحدًا.
ذكر ما جرى بعد فقده
قد ذكرنا ما فعلت أخته. وكان وليُّ عهده بدمشق، واسمه إلياس، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: عبد الرحيم بن أحمد، وكنيته أبو القاسم، ويُلقب بالمهدي، ولَّاه الحاكم العهدَ سنة أربع وأربع مئة.
стр. 8682
قال القضاعي وغيره: إنَّ ستَّ الملك أمرت بخِلَعٍ عظيمةٍ ومالٍ كثيرٍ ومراكبَ ذهبٍ وفضةٍ، وأمرتِ ابنَ دَواس أن يشاهِدَها في الخزانة وقالت: غدًا يَخلع عليك. فقيل الأرض، وفرح، وأصبح من الغد، فجلس عند الستر ينتظر الإذن، ويأمر وينهى، وكان للحاكم مئةُ عبدٍ يختصُّون بركابه، ويحملون السيوف بين يديه، ويقتلون من يأمرهم بقتله، فبعثَتْ بهم ستُّ الملك إلى ابن دَوَّاس يكونوا في خدمته، فجاؤوا في هذا اليوم، ووقفوا بين يديه، فقالت ست الملك لنسيم صاحب الستر: اخرُجْ قِف بين يدَي ابنِ دَوَّاس، وقُلْ للعبيد: يا عَبيد، مولاتُنا تقول لكم: هذا قاتلُ مولانا الحاكم، فاقتلوه. فخرج نسيم وقال لهم ذلك، فمالوا على ابنِ دواس بالسيوف، فقطعوه، وقتلوا العبدين اللذين قتلا الحاكم، وكلُّ من اطلع على سرها [قتلَتْه] (١)، فقامت لها الهيبة في قلوب الناس.
قال ابن الصابيء: ولمَّا قتلَتِ ابنَ دَوَّاس قتلتِ الوزيرَ الخطير (٢) ومَنْ كانت تخاف منه.
وقد حكينا عن ابن الصابيء أنه قال: إنَّ ستَّ الملك قبضت على وليِّ العهد وحبسته بتنيس.
وقال القضاعي: إنَّها لمَّا كتبت إلى دمشق بحمل وفي العهد إلى مصر لم يلتفت، واستولى على دمشق، ورخَّص للناس ما كان الحاكم حظره عليهم؛ من شُربِ الخمر، وسماعِ الملاهي، فأحبَّه أهلُ دمشق، وكان بخيلًا ظالمًا، فشرع في جمع المال، ومصادرات الناس، فأبغضه الجند وأهل البلد، فكتبَتْ أختُ الحاكم إلى الجند، فقبضوه، وبعثوا به مُقيَّدًا إلى مصر، فحُبِس في القصر مكرمًا، وأقام مُدةً، وحُمِلَ إليه يومًا بِطِّيخٌ ومعه سِكِّين، فأخذ السِّكين فأدخلها في سُرَّته حتى غابت، وبلغ ابنَ عمِّه الظاهر [بن الحاكم]، فبعث إليه القُضاةَ والشهودَ، فلما دخلوا عليه اعترف أنه هو الذي فعل ذلك بنفسه، وحضر الطبيبُ، فوجد طرف السكين ظاهرًا فقال: لم تُصادِفْ مَقتلًا. فوضع وليُّ العهد (٣) يدَه عليها فغيَّبها ومات (٤).
стр. 8683
قال ابن الصابئ: كانت قد نقلت [إلياس] وليَّ العهد [-كذا سمَّاه ابن الصابئ-] إلى دارٍ، وأقامت له الإقامات، ووكلت بخدمته خواصَّ خَدَمها، وواصلته بالملاطفات والافتقاد، فلمَّا يئست من نفسها أحضرت الظاهرَ ابنَ أخيها وقالت له: لقد علمتَ ما عاملتُكَ به وأقَلُّه حراسةُ نفسِكَ من أبيك، فإنه لو تمكَّنَ منكَ لقتلَكَ، وما تركتُ [لك] (١) أحدًا تخافه إلَّا وليَّ العهد. فبكى بين يديها هو ووالدتُه، وسلَّمت إليهما مفاتيح الخزائن، وأوصَتْهما بما أرادت، وقالت لمعضاد الخادم: امْضِ إلى وليِّ العهد وتفقَّد خدمته، فإذا دخلتَ عليه فانكبَّ كأنك تُسائله بعد أن توافق الخدَمُ على ضربه بالسكاكين، فمضى إليه معضاد وقتله ودفنه وعاد فأخبرها، فأقامت ثلاثة أيام وماتت، وتولَّى أمرَ الدولة معضاد الخادم ورجل علويّ من أهل قزوين وآخرون.
قال ابن الصابئ: وكان على حلب -عند هلاك الحاكم- عزيزُ الدولة فاتِك الوحيدي، وقد استفحلَ أمرُه، وعظُمَ شأنه، وحدَّث نفسه بالعصيان، فلاطفَتْه ست الملك [وآنسته]، وراسلته، وبعثت إليه بالخِلَع والخيل بمراكب الذهب وغيرِها، ولم تَزلْ تُعمِلُ الحيلةَ حتى أفسدت غلامًا له يُقال له: بدر، وكان مالكَ أمرِه، وغلمانُه تحت يده، وبَذَلَتْ له العطاءَ الجزيل على الفتك به، ووعدَتْه أن تولِّيه مكانَه، وكان لفاتك غلامٌ هنديٌّ يهواه [ويحبُّه حبًّا شديدًا]، فاستغواه بدر، وقال (٢): قد عرفتُ من مولاكَ مللًا لكَ وتغيُّرَ نيةٍ فيكَ، وعزمَ على قتْلِكَ، ودافَعْتُه دَفَعات، وأنا أخافُ عليك. ثم تركه أيامًا، ووهبَ له دنانيرَ وثيابًا، ثم أظهر له المحبةَ وقال: إن عَلِمَ بنا الأميرُ قتَلَنا. فقال الهندي: فما أفعل؟ فاستحلَفَه واستوثق منه، وقال: إن قبلتَ ما أقولُ أعطيتُك مالًا وأغنيتُكَ، وعِشنا جميعًا في أطيب عيش. قال: فما تُريد؟ قال: نقتُلُه ونستريحُ منه. فأجابه فقال: الليلةَ يشربُ وأنا أسقيه وأميلُ عليه، فإذا سكر فاقتُله. وجلس فاتك على الشُّرب، فلمَّا قام إلى مرقده حمل الهنديّ سيفَه وكان ماضيًا، فلمَّا دخل في اللِّحاف وبدرٌ على باب المجلس واقف، فلمَّا ثقُلَ في نومه غمزَ بدرٌ الهنديَّ فضربه بالسيف فقطع رأسَه، فصاح بدرٌ واستدعى الغِلمان، وأمرهم بقتل الهنديِّ، فقتلوه، واستولى
стр. 8684
بدرٌ على القلعة وما فيها، وكتب إلى أخت الحاكم بما جرى، فأظهرتِ الوَجْدَ على فاتك، وشكرَتْ بدرًا على ما كان منه في حفظ الخزائن، وبعثَتْ له بالخِلَع، ووهبت له جميع ما خلَّف مولاه، وقلَّدَتْه (١) موضِعَه، ونظرَتْ في الأمور بعد قتل الحاكم أربع سنين، أعادتِ المُلكَ فيها إلى غضاريه، وغمرتِ الخزائنَ بالأموال، واصطنعَتِ الرجال، ثم اعتلَّت عِلَّة لَحِقَها فيها ذَرَبٌ، فتوفِّيت.
قال المصنف ﵀: وفي أيام الحاكم كان أبو الحسن علي بن محمد التِّهامي الشاعر. [ذكره الحافظ ابن عساكر (٢) وقال]: وكان عليَّ الهِمة، شريفَ النَّفس، قارئًا لكتاب الله تعالى، طلب الخلافة بالشام، وخرج معه جماعة، فغدر به آل الجرَّاح الطَّائيين، وتقرَّبوا به إلى الحاكم، وحملوه إليه [إلى مصر]، فحبسه في خزانة البنود إلى أن مات بها. وقيل: إنَّ الحاكم عفا عنه وخلَّى سبيله، ومن شعره مرثيَّة في ولده: [من الكامل]
حُكْمُ المنيَّةِ في البريَّةِ جارِ … ما هذه الدنيا بدارِ قرارِ
بينا يُرى الإنسانُ فيها مُخْبِرًا … حتى يُرى خبرًا من الأخبارِ
طُبِعَتْ على كدَرٍ وأنتَ تُريدُها … صَفوًا من الأقذاءِ والأكدارِ
ومكلِّفُ الأيامِ ضِدَّ طباعِها … مُتطَلِّب في الماءِ جَذوةَ نارِ
وإذا رجوْتَ المستحيلَ فإنَّما … تبني الرجاءَ على شفيرٍ هارِ
فالعيشُ نومٌ والمنيةُ يقظة … والمرءُ بينهما خيالٌ سارِ
والنفسُ إنْ رضِيَتْ بذاكَ وإنْ أبَتْ … منقادةٌ بأزِمَّةِ المقدارِ
فاقضوا مآرِبَكُمْ عِجالًا إنَّما … أعمالُكُمْ سَفَرٌ من الأسفارِ
وتراكضوا خيلَ الشبابِ وبادِروا … أن تُستَرَدَّ فإنهنَّ عَوارِي
فالدَّهرُ يَخدع بالمنى ويُغِصُّ إنْ … هنَّا (٣) ويهدِمُ ما بنى ببوارِ
ليس الزمانُ وإن حرصتَ مُسالمًا … خُلُقُ الزمانِ عداوةُ الأحرارِ
стр. 8685
يا كوكبًا ما كانَ أقصَرَ عُمْرَهُ … وكذا تكونُ كواكبُ الأسحارِ
وهلالُ ليلاتٍ مضى لم يستَدِرْ … بدرًا ولم يُمْهَلْ ليومِ سِرَارِ (١)
عَجِلَ الخسوفُ عليهِ قبلَ أوانهِ … فمحاهُ قبلَ مَظِنَّةِ الإبدارِ
فاستلَّ من أثوابهِ ولدَاتِهِ … كالمُقلَةِ اسْتلتْ من الأشفارِ
فكأنَّ قلبي قبرُهُ وكأنَّهُ … في طيِّهِ سِر من الأسرارِ
إنَّ الكواكبَ مع علو مَحلها … لتُرى صغارًا وَهْيَ غيرُ صغارِ
ولَدُ المُعَزَّى بعضُهُ فإذا مضى … بعضُ الفتى فالكلُّ في الآثارِ
جاورتُ أعدائي وجاورَ ربَّه … شتَّانَ بينَ جوارِه وجواري
أشكو بِعادَكَ لي وأنتَ بموضعٍ … لولا الرَّدى لسمِعْتَ فيه سِراري (٢)
والشَّرقُ نحوَ الغربِ أقرَبُ شُقَّةً … مِنْ بُعْدِ تلكَ الخمسةِ الأشبارِ
ولقد جَرَيتَ كما جَرَيتُ لغايةٍ … فبلغتَها وأبوكَ في المضمارِ
فلئِنْ نطقْتُ فأنتَ أولُ منطقي … ولئِنْ سَكَتُ فأنتَ في إضماري
ثوبُ الرياءِ يَشِفُّ عمَّا تحتَهُ … فإذا التحفْتَ بهِ فإنَّكَ عارِ
والهُوْنُ في ظِل الهُوَينا كامِنٌ … وجلالةُ الأخطارِ في الإخطارِ
قَدْ لاحَ في ليلِ الشبابِ كواكِبٌ … إنْ أَمْهَلَتْ آلَتْ إلى الإسفارِ
وَتَلهُّبُ الأحشاءِ شَيَّبَ مَفْرِقي … هذا الضياءُ شُواظُ تِلْكَ النَّارِ
من أبيات. وقال يمدح الشريف أبا عبدا لله محمد بن الحسين النَّصيبي نقيب النقباء بدمشق: [من الخفيف]
زارنا في دمشقَ من أرضِ نجدٍ … لكَ طيفٌ سرى ففَكَّ الأسرا
وأرادَ الخيالُ لَثْمي فصيَّرْ … تُ لِثامي دونَ المراشِفِ سِتْرا
فاختلينا بُدُورَ نجدٍ بأرضِ الشَّآ … مِ بعد الرُّقادِ بدرًا بدرا
ارحلي إنْ أردْتِ أوْ فأقيمي … أعظمَ الله للهوى فيَّ أجرا
لا تقولي لقاؤُنا بعدَ عشرٍ … لستُ ممَّنْ يعيشُ بعدكِ عشرا
стр. 8686
وسِقامُ الجُفونِ أمرَضَ قلبي … ليتَ أنَّ الجُفونَ تَبرا فأبرا
فإذا قابَلَتْ محمدًا العِيـ … ـسُ فقَبِّلْ مناسِمَ العيس شُكرا (١)
من إذا شِمْتُ وجهَهُ بعد عُسْرٍ … قلبَ الله ذلك العُسرَ يُسرا
وإذا قَلَّ نَيلُه كان بحرًا … وإذا ضاقَ صدرُه كان برَّا
السنة الثانية عشرة وأربع مئة
فيها في المُحرَّم سار سلطان الدولة من الأهواز طالبًا لأَرَّجان، وسببُه لمَّا بلغه دخولُ ابنِ سهلان والدَّيلم في طاعة شرف الدولة وقَبْضُه على ابنِ سهلان من بَعْدُ سار من الأهواز سَيرَ المنهزمِ، وترك أثقاله بها؛ لأنَّ الأمر أعجلَه، وتأخَّر عنه كثيرٌ من حَرَمِه، وتبِعَتْه أثقالُه، ونهب الأكرادُ المتلَصِّصةُ بعضَها، وفي يوم عاشوراء عبرَ شرفُ الدولة إلى الجانب الشرقيِّ من واسط قاصدًا للأهواز، ووصل سلطانُ الدولة إلى أَرَّجان.
وفي ثاني عشر مُحرَّم كحل أبو غالب الحسن بن منصور أبا محمد بن سهلان، وسبَبُه أنَّ شرف الدولة لمَّا قبضَ على ابنِ سهلان اجتمع الأتراكُ وطالبوه باستحقاقاتهم التي تأخَّرت لهم، وطلبوا تسليمَ ابنِ سهلان إليهم، فدافعهم شرفُ الدولة، فلم يندفعوا، فسلَّمه إلى أبي غالب، فكحله؛ لِما كان بينهما، وأصعَدَ الأتراكُ بأُسَرِهم إلى بغداد، ولم يبقَ مع شرفِ الدولة منهم إلَّا القليل، فلو أراد الدَّيلم بشرف الدولة أمرًا لَما كان لإزائهم من يراقبونه، وعزَّ على الدَّيلم كحلُ ابنِ سهلان.
وفي يوم الجمعة لأربع بَقِينَ من المُحرَّم خُطِبَ لشرف الدولة ببغداد، وخوطب بشاهِنشْاه مولى أمير المؤمنين، وقُطعتِ الخطبةُ لسلطان الدولة.
وفي يوم الاثنين لليلةٍ بقيَتْ منه سار الدَّيلم الخُراسانية (٢) وغيرُهم إلى بلادهم، وخرج أبو غالب في ثالث صفر وراءهم، وكان السببُ أنَّ شرف الدولة قصَّر في حقِّهم (٣)، فطلبوا المسيرَ إلى أَرَّجان تقدِمةً لشرف الدولة، وأن يكون معهم مَنْ يقومُ
стр. 8687
مقامَه، ويُدَبِّر أمورَهم، فندبَ الوزيرَ أبا غالب، فاستعفى وقال: القومُ على استيحاشٍ منِّي، وأخاف منهم. فقال شرف الدولة: ما ها هنا مَنْ يجوزُ أن يخرج غيري وغيرُكَ، فأمَّا أنا فقد أشرتَ أنتَ وغيرُك أنني لا أخرج معهم، ولم يبْقَ غيرُكَ. قال: أنا ماضٍ على مخاطرةٍ بنفسي، ولكن قد بذَلْتُها في طاعتك، وسافر.
وفي يوم الأحد (١) لستٍّ خلَوْنَ من صفر وُلدَ أبو القاسم محمد بن الظَّاهر صاحب مصر، فأظهروا الزِّينة، وفرح أهلُ مصر؛ لأنَّ الظَّاهر قد أزال عنهم المظالمَ والمكوسَ، وزاد في الإحسان إليهم برأيِ عمَّتِه ستِّ الملك، فاستقامتِ الأحوال.
وفي صفر قَبَضَ قِرْواش صاحبُ الموصل على الحسين بن علي المغربي وسليمان بن فهد بالموصل، وقتلَ سليمانَ، وأطلقَ المغربيَّ، وكان سليمانُ كاتبًا في حداثة سِنِّه بين يدي إبراهيم الصابئ الكبير، فلمَّا لحِقَتْه النكبةُ في أيام عضُدِ الدولة انتقل سليمانُ إلى ديوان السَّواد، ثم إلى ديوان الإنشاء، وتنقَّل من وزيرٍ إلى وزير، وكان لوالده إقطاعٌ بالكوفة، فلمَّا مات أقرَّ على سليمان، ثم طمعَ فيه الجندُ وأخذوه منه، وكان على الكوفةِ وسقي الفُراتِ المقلِّدُ بنُ المسيِّب، فخرج إليه، ورمى نفسَه عليه، وكان حَسَنَ العِشْرةِ، فردَّ إقطاعَه، وجَرَتْ له بالكوفة قصةٌ مع قومٍ من الأكرادِ ضربهم فماتوا، فخرج إلى الموصل، وابتاع ضياعًا وأملاكًا، وصادق أبا الحسن بن أبي الوزير، وحملَهُ طلبُ الجاه إلى أن خدَمَ قِرْواشَ بالموصل، فصادر الناسَ ووتَرَهم، واستوحشَ منه ابنُ أبي الوزير، فهرب من الموصل إلى بغداد، وتنقَّلت به الأحوال إلى البلاد، فلمَّا مات ابنُ أبي الوزير ونظر ابنُ المغربي لِقْرواش عاد إلى الموصل، ودخل على المغربي -وكان صديقًا له- فوعده بخلاصِ أملاكِه، فأقام في دار المغربي بمنزلة الضيف، واجتهد ابنُ المغربي في تخليص أملاكه، فلم يخلَصْ منها إلا اليسير.
واتَّفقَ أن المغربيَّ خاف من أبي المنيع قِرْواش، واستشعر منه فأعمل الحيلةَ في الخلاص منه، فأشارَ عليه بمراسلةِ أبي نصر بن مروان صاحبِ ديار بكر ومصاهرتِه والاتفاقِ معه ليساعده بالمال والرجال، فقبِلَ منه، فقال المغربيُّ: ما لهذا الأمر غيري؟ فقال: اخرُجْ. فخرج ومعه سليمان بن فهد، فنزل بظاهر الموصل، فاجتاز بهما
стр. 8688
بدرانُ أخو قِرْواش -وكان باغضًا لهما- فرآهما على رحيل، فدخل على أخيه وقال: بأيِّ رأيٍ تتركُ هذين الرجلين يخرجان عن يدِكَ وقد أخذا مالكَ وها هنا بعضُه مما يكون معونةً لك؟ فأرسل فقبضَ عليهما واعتقلَهما، فأمَّا ابنُ فهد فطُولِبَ بالمال فلم يُقِرَّ بشيء، فمات تحت الضرب، وأمَّا المغربيُّ فأرسلَ إلى قِرْواش يقول: إن كنتَ تُريدُ نفسي فهي بينَ يديك، وإن كنتَ تُريدُ المال فمالي بمصر والكوفة وبغداد، وتطيبُ نفسي بتسليمه إليك، فإن حفظتَ نفسي أعطيتُكَ المال وبالعاجل، فخُذِ الحاضِرَ من رَحْلي (١) وما معي. فخدَعه بالقول اللطيف والوعد، فانخدع له، وأخذَ موجودَه، وأطلقه، ثمَّ أصلحَ أمرَه بعد ذلك، وقد رُويَ أنَّ سليمانَ لم يُقتَلْ.
وفي صفر قُتِلَ أبو غالب الوزيرُ، قد ذكرنا أنَّه سار في ثالث صفر وراء الدَّيلم من واسط، وفي قلوبهم ما فيها من الحَنَقِ عليه بسبب ابنِ سَهْلان، فلمَّا صار بالمأمونية أُشير عليه أن يُقيمَ في الخيام ولا يدخُلَ البلد، فلم يقبَلْ، ونزل في البلد، فهجم عليه الدَّيلم في الدار وقتلوه، ونهبوا ماله، وتقرَّبوا به إلى سلطان الدولة؛ لأنهم كانوا مائلين إليه، فكانت مُدَّة وزارته ثمانيةَ عشر شهرًا وثلاثةَ أيام، وعمره ستين سنة وخمسة أشهر وثلاثةً وعشرين (٢) يومًا، وقبضَ مَرْدوست على ولده أبي العلاء، وصادرَه على ثلاثين ألف دينار.
وفيها وصل أبو كاليجار بن سلطان الدولة من فارس إلى الأهواز.
وفي رمضان قُلِّد القاضي أبو جعفر محمد بن أحمد السِّمناني الحِسْبَةَ والمواريث ببغداد.
وفي رمضان دخل سلطانُ الدولة شيراز.
وفيه تُوفِّي أبو منصور مَرْدوست بواسط، وكان حاكمًا على الدولة، قد ذكرناه في مواضع، وكان يعتريه ضجرٌ شديدٌ في أكثر أوقاته، فيُفسِدُ عليه أمورَه، وكان شرف الدولة قد عزم على قبضه؛ لكثرة مالِه والدالِّية عليه وانبساطِه، فحالت المنيَّةُ بينَه وبينَه، وحُمِلَ تابوتُه إلى بغداد، فدُفِنَ بمقابر قريش.
стр. 8689
وفي شوَّال قدِمَتْ قافلةٌ [من] خراسان، وفيها خلقٌ عظيمٌ (١) بسبب الحج، وتلقَّاهم مؤيَّد الملك، وأحسنَ إليهم ووصلهم، وكان السببُ لهذا الاحتفال للحجِّ من خراسان أنه لمَّا تأخَّر الحجُّ [في] سنة تسع وأربع مئة وسنة عشرة وإحدى عشرة، وكان يمينُ الدولة أبو القاسم محمود (٢) بن سُبُكْتِكِين شديدَ المراعاة لأخبار العراق، مُحِبًّا لما يصدر منها من الأمتعة والألطاف، فاعترضه جماعة من الأعيان، وقالوا: أنت سلطانُ الإسلام، وأعظمُ ملوك الأرض، وفي كل سنة تَفتحُ من بلد الكفار عِدَّةَ مدائن، وفتحُ طريقِ مكةَ أعظمُ، وقد كان بدرُ بنُ حسنويه وما في أصحابك إلا مَنْ هو أكثرُ شأنًا منه، يسير الحاجُّ بمالِه وتدبيرِه عشرين سنة، فانظُرْ لله تعالى، واجعَلْ لهذا الأمر حظًّا من اهتمامك. وكرَّروا هذا القولَ عليه [في عدَّة مواكب في هذه السنة] فتقدَّم إلى قاضي قضاة مملكته أبي محمد المناصحي النيسابوري بالتأهُّب للحجِّ، وكان عفيفًا ورعًا، دَيِّنًا مستورًا، على قِلَّةِ ذاتِ يده، وقصورِ حالِه، وكان محمود يُكرمه (٣) ويُجلسه في كل أسبوع يومًا في المظالم في مجلسه نيابة عنه، وأمر بأن يُنادى بما وراء النهر وخُراسان للحجِّ، فاجتمع خلقٌ عظيمٌ، وأطلق للعرب الذين بين الكوفة ومكة ثلاثين ألف دينار، سلَّمها إلى القاضي سوى ما أطلق للصدقات [وغيرها] والحرمين، وخرجَ بهم أبو الحسن بن الأقساسي، فلمَّا وصلوا فَيدَ حاصرهم العربُ، وكان مُقَدَّمُهم [رجل يقال له]: حَمَّار بن عُدي -بضمِّ العين- من بني نبهان، وكان جبَّارًا، فركب فرسَه، ولبس درعَه، وأخذَ رُمحَه بيده، وجال جولةً يُرهِّبُ بها الناس، وكان في جملة السمرقنديين غلامٌ يُعرف بابن عفان، وكان من الرُّماة، فرماه بسهم فوقع في قلبِه فخرَّ ميتًا، وسَلِمَ الحاجُّ ومضوا، وحجُّوا وعادوا ولم يَرَوا أحدًا، ووصلوا [إلى] بغداد سالمين (٤).
وقال [هلال بن المحسن] ابن الصابئ: إنما كانت هذه الواقعة عند رجوع الحاجِّ (٥) من مكة، واسْمُ البدوي جَمَّاز، وكانت رِجلاه إذا ركب الفرسَ خَطَّتا في الأرض،
стр. 8690
وصمَّم على أخذ الناس (١)، وحاصرهم بِفَيدَ خمسَ عشرة يومًا، فاضطروا إلى ذبح الجِمال وأكْلِها، وبذلوا له مالًا، وبذل له القاضي المناصحي خمسةَ آلاف دينار فلم يفعل، فرجعتِ (٢) العربُ إلى القافلة، وهو (٣) في أوائلهم، فرماه ابنُ عفان بسهم فقتله، وحمله أصحابُه ميتًا وانصرفوا، وخلصَ الحُجَّاجُ سالمين.
وفيها تُوفِّي
أحمد بن محمد بن أحمد (٤)
أبو سعيد، الماليني، الصوفي، الحافظ، سافر إلى الأقطار، وسمع خلقًا كثيرًا، وصنَّف المصنَّفات الكبار، وصحب المشايخ، وكان يُقال له: طاووس الفقراء، ثم نزل مصرَ فأقامَ بها حتى تُوفي في شوال، وكان سيِّدًا فاضلًا نبيلًا صدوقًا ثقةً.
الحسن بن علي (٥)
أبو علي، الدقَّاق، النيسابوري، أحد المشايخ، وممَّن له حالٌ ومقال، وكان يعِظُ. قال القشيري (٦): سمعت الأستاذ أبا علي الدقَّاق يقول في قول النبي ﷺ : "من تواضعَ لغنيٍّ لأجلِ دنياه ذهَبَ ثُلثُا دينِه" (٧) قال: لأنَّ المرء بأصغَريه قلبِه ولسانِه، فإذا خدمه بأركانه، وتواضع له بلسانه، ذهب ثُلثا دينه، فإن خدمه بقلبه ذهب الكلُّ.
وقال: عليكَ بطريق السلامة، وإيَّاكَ والتعرُّضَ لطريق البلاء، وأنشد يقول: [من الطويل]
ذريني تجِئْني مِيتَتي مطمئنةً … ولم أتجَشَّمْ هوْلَ تلكَ المواردِ
стр. 8691
فإنَّ عَليَّاتِ الأمورِ مَنوطةٌ … بمستودعاتٍ في بطونِ الأساودِ (١)
وقال في قوله ﵇: "حُفَّتِ الجنةُ بالمكاره" (٢) إذا كان مخلوقٌ لا يُوصَلُ إليه إلا بتحمُّل المشاقِ، فما ظنُّك بالملك الخَلَّاقِ، وأنشد: [من البسيط]
لولا المشقَّةُ سادَ الناسُ كلُّهمُ (٣)
وقال: سرور الطلَبِ أتمُّ من فرح الوجود؛ لأنَّ فرحَ الوجودِ على خطر الزوال، وحال الطلب حالٌ يُرجى للوصال.
وقال في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] أي: اذكروني اليوم وأنتم أحياء، أذكُرْكُم وأنتم تحت التراب غدًا.
الحسن بن منصور (٤)
أبو غالب، الوزير، الملقَّب بذي السَّعادتين، قد ذكرنا مقْتَلَه، وُلدَ بسيراف سنة اثنتين وخمسين وثلاث مئة، وتقلَّبت به الأمور حتى صحب فخر الدولة، ولقَّبَه سلطانَ الدولة، وزيرَ الوزراء، [نجاح الملوك] (٥)، وخلَعَ عليه، وجعله ناظرًا في بغداد، فلمَّا خطب ببغداد لشرف الدولة وهو بواسط، ألزمه شرف الدولة أن ينحدر مع الدَّيلم إلى الأهواز لقتال سلطان الدولة، فامتنع، فألزمه، فسار معهم، فلمَّا وصل إلى الأهواز قيل له: لا تدخُلِ الأهوازَ، فلم يقبل، ونادى الدَّيلم بشعار سلطان الدولة، وقتلوا أبا غالب، ولمَّا بلغ سلطانَ الدولة قَتْلُه سكنَ واطمأنَّ قلبُهُ.
ورثاه جماعةٌ من الشعراء، فقال المُطرِّز: [من الطويل]
أبا غالبٍ مَنْ للمعالي إذادعَتْ … ومَنْ عنكَ يسعى سعْيَها ويُثيبُ
стр. 8692
فتًى يستجيرُ المُلكُ إن صرخَتْ بهِ الْـ … حوادِثُ أو حنَّتْ عليهِ خُطوبُ
ومَنْ يكْشفُ الغَّماءَ عنهُ بعَزْمةٍ … لها في قلوبِ النائباتِ وجيبُ
محمد بن أحمد بن محمد (١)
أبو الحسن، ابن رزْقويه، البغدادي، البزَّاز، وُلدَ سنة خمس وعشرين وثلاث مئة في ذي الحِجَّة، ودرسَ الفقهَ، وسمعَ الحديثَ فأكثر، وكان شيخًا ثقةً صدوقًا، كثيرَ السماع والكتابة، حسنَ الاعتقاد، جميلَ المذهب، مُديمًا لتلاوة القرآن، شديدًا على أهل البدع، وكُفَّ بصرُه وقال: واللهِ ما أُحِبُّ الحياةَ في الدنيا لكسبٍ ولا تجارةٍ، ولكن لذكر الله، ولقرائتي الحديث.
ودخل بعضُ الوزراء بغداد، ففرَّق مالًا كثيرًا، وبعث إلى الناس وإليه، فقبلوا كلُّهم إلا ابن رَزقويه، فإنَّه تورَّع وشرُفَتْ نفسُه فلم يقبَلْ منه شيئًا.
وتوفِّي يوم الاثنين سادس عشر جمادى الأولى، ودُفِنَ بمقبرة باب الدير عند معروف، وصلَّى عليه ابنُه أبو بكر.
محمد بن الحسين (٢)
ابن محمد بن موسى، أبو عبد الرحمن، السُّلَمي، النيسابوري، شيخ شيوخ الدنيا في زمانه، وأوحَدُ الفُضلاء والعُلماء، ولد بنيسابور وبها نشأ، طاف الدنيا شرقًا وغربًا، ولقي الشيوخَ والأبدال، وإليه المرجع في علوم الحقائق والسنن والسير وغيرها، وله المصنفات الحِسان، ككتاب "التفسير على لسان أهل الحقائق" و"طبقات الصوفية" و"السنن" و"الأمثال" و"الاستشهادات" وغير ذلك، وبنى للصوفية دارًا بنيسابور في آخر عمره، وبها قبره.
وقال أبو القاسم القشيري (٣): كنتُ يومًا بين يدَي أبي علي الدقاق، فجرى حديثُ أبي عبد الرحمن السُّلمي، وأنه يقوم في السماع موافقةً للصوفية، فقال أبو علي:
стр. 8693
السُّكون أولى. ثم قال: امْضِ إليه فستجِدهُ قاعدًا في بيت كتبه وعلى وجه الكتب مجلَّدةٌ حمراءُ صغيرةٌ فيها أشعار الحسين بن منصور الحلَّاج، فاحمِلْها إليَّ، ولا تقُلْ له شيئًا. قال: فجئتُ إليه وهو جالسٌ على ما ذكر الدقَّاق، فلمَّا قعدتُ قال: بعضُ الناس يُنكِرُ على بعض العلماء حركتَه في السماع، فرؤي ذلكَ المُنكِرُ وهو يدورُ في بيتِه كالمتواجد، فقيل له في ذلك، فقال: وقعتُ في مسألةٍ مشكلةٍ، ثم تبيَّن لي معناها، فلم أتمالكْ من السرور حتى قمتُ ودُرْتُ. قال القُشيري: فتحيَّرتُ في أمري عند سماع كلامِه، وقلتُ: الصِّدقُ أنجى، فقلت له: إنَّ الشيخ أبا علي أمرني بكذا وبكذا، فأخرج إليَّ كتابًا من تصانيف الحلَّاج اسمه "الصَّيهور في نقض الدهور"، وقال: احمِلْ إليه هذا، وهذه المجلَّدةُ أنا محتاجٌ إليها لأنقُلَ منها أبياتًا إلى مصنَّفاتي.
وقد أجمع العلماءُ على صِدْقِ أبي عبد الرحمن السُّلمي وفضلِه وثقتِه وزهدِه وورعِه، حتى إنَّ الحاكم أبا عبد الله كان يقول: إن لم يكُنْ أبو عبد الرحمن من الأبدال فليس لله في الأرض وليٌّ. ولم يتكلَّم فيه غير محمد بن يوسف، وذلك من قِبَلِ الحسد، ولا يُقبَلُ منه.
محمد بن عمر (١)
أبو بكر، العنبري، تُوفِّي ببغداد يوم الخميس ثاني عشر جمادى الأولى، من شعره: [من مجزوء الكامل]
إنِّي نظرتُ إلى الزما … نِ وأهلِهِ نظرًا كفاني
فعرَفْتُهُ وعرفْتُهُمْ … وعرَفْتُ عِزِّي من هواني
فلذاكَ أطَّرِحُ الصَّديـ … قَ فلا أراهُ ولا يراني
وزهدتُ فيما في يَدَي … ــــهِ ودونَه نيلُ الأماني
فتعجَّبوا لمقالِهِ (٢) … وهَبَ الأقاصي للأداني
وانْسَلَّ من بين الزِّحا … مِ فمالهُ في الخلقِ ثاني
стр. 8694
السنة الثالثة عشرة وأربع مئة
فيها ورد القاضي أبو محمد المناصحي من الحجِّ، فجمع مؤيَّدُ الملك الحاجَّ (١) الخراسانية والقاضي، وعمل لهم سماطًا عظيمًا، لعامَّة الناس وخواصِّهم، وخلعَ على القاضي وأصحابِ محمود بن سُبُكْتِكين، وانصرفوا [داعين] شاكرين.
وفي جمادى الآخرة حلف مُشرِّف الدولة لسلطان الدولة، واتَّفقا على يد الأوحد أبي محمد وزير سلطان الدولة، ودخل جلالُ الدولة في الصُّلح، وكان من جملة ما تقرَّر أن يرُدَّ على الدَّيلم الذين ببغداد ما أخذَ من إقطاعاتِهم بفارس وخوزستان، وإقامةِ الخُطبِ لسلطان الدولة ببغداد كما كانت قبل الخلاف، وتحالفا بالأيمان المُغلَّظة، وأشهدَ القُضاةَ والأعيانَ والأشرافَ.
[وفيها أصابَ مشرِّفَ الدولة شناجٌ في رأسه، فتداركوه بالأدوية المرطِّبة، فصَلُح] (٢).
وفيها فُتِحَ المارستان المؤيَّدي بواسط، وذلك أنه قيل لمؤيَّد الملك: إنَّ واسطًا خاليةٌ من مارستان، مع أنَّها مصرٌ من الأمصار، وهي دِهْليزُ فارس والبلاد الشرقية، فاقتضَتْ ديانتُه وشفقتُه أنَّه عمِلَ مارستان في الكتبيين، وأنفق عليه مالًا عظيمًا، وأقام له الخُدَّام والخُزَّان، ونقل إليه من الأشربةِ والأدويةِ والفُرشِ والآلاتِ شيئًا كثيرًا، وجلبَ إليه الأطباءَ من البلاد، ووقفَ عليه وقوفًا كثيرةً.
وفيها عمدَ أحدُ الحاجِّ المصريين إلى الحجر الأسود في البيت الحرام، فضربه بدَبُّوسٍ كان في يده حتى شَعَبَه وكسر قِطعًا منه، وعاجله الناسُ فقتلوه، وثار المكيُّون بالمصريين فقتلوا منهم جماعةً ونهبوهم، وركب أبو الفتوح الحسنُ بن جعفر فأطفأ الفتنة، ودافع عن المصريين، وقيل: إنَّ الرجل الذي فعل ذلك من الجُهَّال الذين استغواهم الحاكم وأفسد عقائدهم.
قال هلال بن الصابئ: وجدتُ كتابًا كُتِب بمصر في سنة أربع عشرة وأربع مئة عن لسان المصريين، وهو كتاب طويل، فمنه: وذهبت طائفة من النَّصرية إلى الغلوِّ في أبينا أمير
стр. 8695
المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، وادَّعت فيه ما ادَّعتِ النصارى في المسيح، ونَجَمتْ من هؤلاء الكفَرةِ فرقةٌ سخيفةُ العقول عادلةٌ بجهلها عن سواء السبيل، فغَلَوا فينا غُلوًّا كبيرًا، وقالوا في آبائنا وأجدادنا منكرًا من القول وزورًا، ونسبونا بغُلُوِّهم الأشنع وجهلهم المستفظع إلى ما لا يليقُ بنا ذِكْرُه، وإنَّا لَنبرأُ إلى الله تعالى من هؤلاء الجُهَّال الكفَرة الضُلَّال، ونسأل الله أن يُحسِنَ معونتنا إلى إعزازِ دينهِ، وتوطيد قواعدِه وتمكينهِ، والعملِ بما أمرنا به جدُّنا المصطفى، وأبونا عليٌّ المرتضى، وأسلافُنا البررَةُ أعلامُ الهدى، وقد علمتُم يا معشر أوليائنا ودُعاتِنا ما حكَمنا به من قَطْعِ دابرِ هؤلاءِ الكفَرةِ الفُسَّاقِ، والفَجرةِ المُرَّاقِ، وتفَويقْنا لهم في البلاد كلَّ مُفرَّق، وتمزيقِنا لهم كلَّ مُمزَّق، فظَعنوا في الآفاق هاربين، وشردوا مطرودين خائفين، وكان من جملة مَنْ دعاه الخوفُ منهم إلى الانتزاح رجلٌ من أهل البصرة أهوَجُ أثْوَلُ (١)، ضالٌّ مُضِلٌّ، سارَ مع الحجيج إلى مكة -حرسها الله تعالى- فَرَقًا من وَقْع الحسام، وتستَّر بالحجِّ إلى بيت الله الحرام، فلمَّا حصل بالبيت المُحرَّم المُعظَّم، والمَحَلِّ المُقدَّسِ المُكرَّم، أعلن بالكفر وما كان يُخفيه من المكر، وحملَه لممٌ في عقله على قصد الحجر الأسود، فضربه بدبُّوس [كان في يده] ضرباتٍ متوالياتٍ أطارت منه شظايا وُصِلَت بعد ذلك، ثمَّ إنَّ هذا الكافر عُوجِلَ بالقتل على أسوأ أحوالِه، وأضَلِّ أعمالِه، وأُلحِقَ بأمثالِه من الكفرة الواردين مواردَ الضلالة، ذلك لهم خزيٌ في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم.
ولَعمري إنَّ هذه لمصيبةٌ في الإسلام فادحةٌ، ونكايةٌ قادحةٌ، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، لقد ارتقى هذا الملعونُ مرتقًى عظيمًا، ومقامًا جسيمًا، أَذْكَرَ به ما كان أقدَمَ عليه غلامُ ثقيفٍ المعروف بالحجَّاج -لعنه الله- من إحراقِ البيتِ وهدمِه، وإزالةِ بُنيانِه وردمِه، وذكر كلامًا في هذا المعنى.
وقيل: هذا كان في سنة أربع عشرة وأربع مئة، والأول [أصحُّ و]، أظهو، [وهذا قول هلال بن المحسن، وروى أبو الفضل] بن ناصر بإسناده إلى أبي عبد الله [بن] محمد بن [علي] (٢) العلوي قال: وفي سنة ثلات عشرة وأربع مئة كُسِرَ الحجرُ الأسودُ؛ لمَّا
стр. 8696
صُلِّيت الجمعة يومَ النَّفر الأول بمنى، ولم يكن رجع الناس بعْدُ من منى، قام رجلٌ ممن ورد من ناحية مصر بيده سيفٌ مسلولٌ، وبالأخرى دبُّوسٌ، بعد ما قضى الإمامُ الصلاةَ، فقصدَ الحجرَ الأسودَ ليستَلِمَه على الرسم، فضربَ وجهَ الحجر ثلاثَ ضرباتٍ متوالياتٍ بالدبُّوس، وقال: إلى متى يُعبَدُ الحجر [الأسود]، ولا محمدٌ ولا عليٌّ يقْدِران على منعي عمَّا أفعله (١)، فإنّي أهدم هذا البيتَ وأرفعُه، فاتَّقاه الحاضرون وتراجعوا عنه، وكاد يفلت، وكان رجلًا تامَّ القامة، أحمرَ اللون، أشقرَ الشعر، سمينًا، وكان على باب المسجد عشرةٌ من الفرسان على أن ينصروه، فاحتسَبَ رجلٌ من أهل اليمن أو من أهل مكة أو غيرها، فوجأه بخنجر، واحتوشه الناس، فقتلوه وقطَّعوه وأحرقوه بالنار، وقُتِلَ من اتُّهم بمصاحبته ومعاونته على ذلك جماعةٌ [وأُحرقوا بالنار]، وثارتِ الفتنةُ، فكان الظاهر من القتلى أكثرَ من عشرين غير ما أُخفي منهم، وتقشَّر [بعضُ] وجهِ الحجر في وسَطِه من تلك الضربات وتخَشَّن، وزعم بعضُ الحاجِّ أنه سقط منه ثلاثُ قِطَع، واحدةٌ فوق الأخرى، فكأنه ثُقِبَ ثلاثةَ ثقوب، وتساقطت منه شظايا مثلُ الأظفار، وموضع المكسر أسمرُ (٢) يضرب إلى صفرة مُحبَّبًا مثل الخشخاش، فجمع بنو شيبة ما تفرَّق منه وعَجنوه بالمِسْكِ واللَّك (٣)، وحشَوا تلك المواضع وطلَوها بطلاء من ذلك، فهو بيّنٌ لمن تأمَّله، وهو على حاله اليوم.
وفيها تُوفِّي
دُجى الخادمُ
غلامُ الطائع، وكنيتُه أبو الحسن، وكان خصيصًا به، يَسْفِرُ بينه وبين الملوك، وعاش طويلًا، وتُوفِّي ببغداد في ربيع الآخر، وكان سماعُه صحيحًا (٤).
стр. 8697
علي بن عيسى بن سليمان (١)
أبو الحسن، القاضي، المعروف بالسُّكَّري، الفارسي.
ولد ببغداد في صفر سنة سبع وثلاث مئة، وقرأ القرآنَ والأدبَ، وتُوفِّي في شعبان، ودُفِنَ بمقبرة الدير، ومن شعره وأوصى أن يُكتب على قبره: [من الخفيف]
نفس يا نفسُ كم تَمادينَ في الغيِّ … وتأتينَ بالفِعالِ المَعيبِ
راقبي اللهَ واحذَري موقفَ العر … ضِ وخافي يومَ الحسابِ العصيبِ
لا تغُرَّنَّكِ السلامةُ في العَيـ … ـــشِ فإنَّ السليمَ رهنُ الخُطوبِ
كلُّ حيٍّ فلِلْمنون ولا يَدْ … فَعُ بأسَ المنونِ كيدُ الأريبِ
واعلمي أنَّ للمنيَّةِ وقتًا … سوف يأتي عجلانَ غير هيوبِ
فأَعِدِّي لذلكَ اليومِ زادًا … وجوابًا للهِ غيرَ كَذوبِ
علي بن هلال (٢)
أبو الحسن، ابن البوَّاب، صاحبُ الخطِّ المشهور، وكان أبوه بوَّابًا لبني بُوَيه، وكان عليٌّ يقصُّ بجامع المنصور، وصحِبَ ابنَ سَمْعون الواعظ واقتبسَ منه، واخترع لنفسه طريقةً في الخَطِّ لم يُسبَقْ إليها.
قال هلال بن الصابئ: دخل أبو الحسن البَتِّي دارَ فخرِ الملك، فوجدَ ابنَ البوَّاب جالسًا في عتبة الباب ينتظر خروجَ فخر الملك، فقال له: جلوس الأستاذ في العَتَبِ رعايةٌ للنَّسَب. فغضِبَ وقال: لو كان إليَّ أمرٌ ما مكَّنْتُ مِثلَكَ من الدخول. فقال البَتِّي: لا يتركُ الشيخُ صنعتَه.
وكانت وفاتُه يوم السبت ثاني جمادى الآخرة، ودُفِنَ بمقبرة باب حرب، ورثاه بعضهم، فقال: [من البسيط]
فللقلوبِ التي أبْهَجْتَها حَزَنٌ … وللعيونِ التي أقرَرْتَها سَهَرُ
وما لِعيشٍ وقَدْ ودَّعْتَهُ أرَجٌ … ولا لِلَيلٍ وقَدْ فارقْتَهُ سَحَرُ
стр. 8698
محمد بن محمد بن النعمان (١)
أبو عبد الله، فقيه الشيعة وعالِمُها، ومصنِّف الكتُب في مذهبها، قرأ عليه الرضيُّ والمرتضى وغيرُهما، وكان يسكن بالكَرْخ بدرب رياح، وله حلقةٌ في داره، وكانت له منزلةٌ من بني بُوَيه ومن ملوك الأطراف؛ لأنهم كانوا على مذهبه.
قال الخطيب: كان أحدَ أئمة الضَّلال، صنَّف لهم كتبًا كثيرة في ضلالاتهم، وطعن على الصحابة (﵃)، والسلفِ الصالح، والفقهاءِ وعامةِ المجتهدين، حتى أراح الله منه المسلمين، وكانت وفاتُه بالكَرْخ في رمضان، ودُفِنَ بداره، ثم نُقِلَ إلى مقابر قريش، ورثاه المرتضى، فقال -وهو ركيك-: [من الخفيف]
مَنْ لِفَضلٍ أَخْرجتَ منهُ خبيئًا … ومعانٍ فضَضْتَ عنها ختاما
مَنْ يُثيرُ العقولَ من بعدِ ما … كُنَّ هُمودًا ويفتحُ الأفهاما
مَنْ يُعيرُ الصَّديقَ رأيًا إذا ما … سلَّهُ في الخُطوبِ كانَ حُساما
السنة الرابعة عشرة وأربع مئة
فيها أصعد مُشرِّفُ الدولة من واسط إلى بغداد، وراسل القادرَ بالله؛ لِتلَقِّيه، فتلقَّاه من الزلَّاقة، ولم يكن لقي أحدًا من الملوك قبلَه، ركب في طيارة يوم الاثنين لليلتين إن بقيتا من المحرم في أُبَّهة الخلافة، وعليه السَّواد والبُردة، ومعه ولداه الأميران؛ أبو جعفر من جانبه الأيمن، وأبو القاسم من جانبه الأيسر، وبين يديه أبو الحسن علي بن حاجب النعمان كاتبُه، وحوالي القُبَّة المرتضى، وأبو الحسن (٢) الزينبي، وقاضي القضاة ابنُ أبي الشوارب، وفي الزَّبازب الأشرافُ والخدَمُ والقُرَّاءُ والعلماءُ، والتقاه مُشرِّف الدولة في زَبْزَبه، وصعد إلى طيار الخليفة، وقبَّل الأرضَ مرَّتين، واستوحش له الخليفةُ، وكانت العساكرُ وأهلُ بغداد وقوفًا من الجانبين، وكان يومًا مشهودًا، وعاد مشرِّف الدولة إلى زَبْزَبه ومضى إلى دار المملكة والخليفةُ إلى داره.
стр. 8699
وفي شعبان ورد كتاب محمود بن سُبُكْتِكين إلى الخليفة يُخبره أنه أوغل في بلاد الهند، وعنوان الكتاب: عبدُ مولانا الإمامِ القادرِ بالله أميرِ المؤمنين وصنيعتُه محمودُ بنُ سُبُكْتِكين … وذكر كلامًا طويلًا، ثم وصف البلاد التي وصل إليها، قال: ومن جملتها: إنَّ العبد وصل إلى قلعةٍ ليس لها في الدنيا نظير، وبها كلُّ جليل وخطير، تسَعُ خمسَ مئة ألف إنسان، وخمسَ مئة فيل، وعشرينَ ألفِ دابة، ومن الطعام والعلوفة ما يقوم بهذا العدد، وأنه حصرها مدةً حتى طلب مَلِكُها الأمان، ووضع عليه [محمودٌ] خَراجًا يؤدِّيه في كلِّ سنة، وأنه حمل إلى محمود هدايا عظيمةً، ومن جملتها طائرٌ على هيئة القُمْريِّ، ومن خاصيته [أنه] (١) إذا حضر على الخُوان طعامٌ مسمومٌ دمعَتْ عينُه وجرى منها ماءٌ فيتحجَّر، وإذا حُكَّ وطُليَتْ به الجراحاتُ ذاتُ الأفواهِ الواسعةِ التحمت.
وفيها وَزَرَ أبو القاسم المغربيُّ لمؤيِّد الملك بعد الرُّخَّجي، وكان المغربي مشغولًا بالنحو [وعلم البصريين]، فقال شاعر: [من المجتث]
وَيلي وعَوْلي ووَيهِ … لدولة ابني بُوَيهِ
سياسة الملك [ليست] (٢) … ما جاءَ عَنْ سِيبَوَيهِ (٣)
وفيها قُتِلَ عِزُّ الدولة فاتك النائب بحلب، قد ذكرنا أن [ستَّ الملك] أخت الحاكم سعَتْ في قتله.
وفيها عادت دولةُ بني أمية إلى الأندلس بعد أن انقطعت سبعَ سنين من المُحرَّم سنة سبع وأربع مئة إلى رمضان هذه السنة، وسببُ عَوْدِها أنَّ عليًّا والقاسم اللَّذَين ذكرنا أنهما قتلا سليمان بن الحكم الأموي في المُحرَّم سنة سبع وأربع مئة، وكانا من ولد الحسين بن علي ﵉، ويُلقَّب عليٌّ بالناصر، ويقال له: ابن حمود الفاطمي، قتله عبيده في الحمَّام سنة ثمان وأربع مئة، فكانت ولايتُه سبعةَ أشهر، وبايعوا أخاه
стр. 8700
القاسم، ويُلقَّب بالمأمون، فوثب عليه ابنُ أخيه يحيى بن علي فخنقه في سنة إحدى عشرة، فكانت مدةُ ولايته أربعَ سنين، ثم ولي يحيى بن علي، ولقَّب نفسَه بالمُستعلي، وكنيتُه أبو إسحاق، ثم قُتِلَ سكرانَ في هذه السنة، وقام بعدَه عبد الرحمن بن هشام، ولقَّب نفسَه بالمستظهر بالله وبالمستكفي، والمعتمد أيضًا، وعادت دولةُ بني أمية، فوثب عليه الجند في سنة ثماني عشرة فقتلوه، وانقطعت دولة بني أمية عن الأندلس، وسنذكرهم إن شاء الله تعالى.
وحجَّ بالناس في هذه السنة من بغداد أبو الحسن محمد بن الأقساسي، و [لم يعُدْ إلى العراق، بل] عاد إلى الشام؛ خوفًا من العرب، فإنهم وقفوا له على الطريق.
وفيها تُوفِّي
الحسن (١) بن الفضل بن سَهْلان
أبو محمد، وزير سلطان الدولة، وهو الذي بنى سورَ الحائرِ عند مشهدِ الحسين ﵇، وقد ذكرنا ما جرى عليه [مع مشرِّف الدولة بواسط والقبض عليه]، وسملَه وحملَه إلى بغداد وحبسَه، فقُتِلَ في حَبْسِه في شعبان (٢)، وعمره ثلاث وخمسون سنة، وكان جوادًا، [إلَّا أنه أخطأ الرأي لمَّا ولَّاه سلطان الدولة العراق في قطع أرزاق الأتراك، وكان سببًا لهلاكه.
وفيها تُوفِّي
زيد بن عبد الله بن محمد (٣)
أبو الحسن، التنوخي، البلُّوطي، كان يسكن أكواخ بانياس يتعبَّد فيها، ثم سكن دمشق، ومات بها، ودُفن بباب كيسان، حدَّث عن أستاذه إبراهيم بن مهدي بن حاتم البلُّوطي بكتاب "الجوع والعطش"، وروى عنه أبو علي الأهوازي، وكان ثقةً.
стр. 8701
وفيها تُوفي]
علي بن عبد الله بن جَهْضَم
أبو الحسن، الصوفي، صاحبُ كتاب "بهجة الأسرار"، وكان أحد المشايخ في وقته، سمع الحديث الكثير، وحدَّث ببغداد والبصرة ومكة، وكانت وفاتهُ بمكة.
[وذكره جدِّي في "المنتظم" (١) وقال: وقد ذكروا أنه كان كذَّابًا، ويقال: إنه وضع صلاة الرغائب. قلت]: وقد تكلَّموا فيه بسبب صلاة الرغائب فإنهم اتَّهموه بوضعها.
قال [جدِّي] الشيخ أبو الفرج بن الجوزي ﵀ في كتاب "الموضوعات" (٢): حدَّثنا أبو الفضل محمد بن ناصر الحافظ، أنبأنا أبو القاسم ابن مندة، حدَّثنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن جَهْضم الصوفي، حدَّثنا علي بن محمد بن سعيد البصري، عن أبيه، عن خلف بن عبد الله الصَّغاني، عن حُميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "رجَبُ شهرُ الله، وشعبانُ شهري، ورمضانُ شهر أُمَّتي" قيل: يا رسول الله، ما معنى قولك: "رجب شهر الله"؟ قال: "لأنَّه شهر مخصوصٌ بالمغفرة، وفيه تُحقَنُ الدِّماء، وفيه تاب الله على أنبيائه، وفيه أنقذ أولياءه من أعدائه، مَنْ صامَه استوجَبَ على الله ثلاثةَ أشياء؛ مغفرةً لجميع ما سلفَ من ذنوبه، وعصمة فيما بقيَ من عمره، وأعطاه أمانًا من العطش يومَ العرض الأكبر" فقام شيخٌ ضعيفٌ فقال: يا رسول الله، إني لأعجز عن صيامه [كلِّه]؟ فقال رسول الله ﷺ : "صُمْ أولَ يومٍ منه، فإنَّ الحسنةَ بعشرِ أمثالِها، وأوسطَ يومٍ منه، وآخرَ يومٍ منه، فإنك تُعطى ثوابَ من صامَه كلَّه، ولكن لا تَغْفُلوا عن أولِ ليلةِ جمعةٍ في رجب، فإنَّها ليلةٌ تُسمِّيها الملائكةُ الرغائبَ، وذلك لأنه إذا مضى ثلثُ الليلِ لا يبقى مَلَكٌ في جميع السماوات والأرض إلا ويجتمعون في الكعبة وحواليها، ويطَّلِعُ اللهُ عليهم اطِّلاعةً، فيقول: يا ملائكتي، سلوني ما شئتم، فيقولون: يا ربَّنا، حاجتُنا إليك أن تغفِرَ لصُوَّام رجب. فيقول الله : قد فعلتُ ذلك" ثم قال رسول الله ﷺ : "ما مِنْ أحدٍ يصومُ أولَ خميسٍ من رجب، ثم يُصلِّي ما بين العشاء والعَتَمة اثنتي عشرة ركعة، يقرأ في كلِّ ركعةٍ بفاتحة الكتاب مرةً، و ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةِ
стр. 8702
الْقَدْرِ﴾ ثلاث مرات، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ اثني عشر مرة، يفصل بين كلِّ ركعتين بتسليمة (١)، فإذا فرغَ من صلاتِه صلَّى علي سبعين مرة؛ يقول: اللهمَّ صَلِّ على محمد النبيِّ الأميِّ وعلى آله وسلم، ثمَّ يسجد فيقول في سجوده: سُبُّوحٌ قُدُّوش [ربٌّ الملائكة والرُّوح -سبعين مرة- ثم يرفع رأسه فيقول]: ربِّ اغفِرْ وارحَمْ وتجاوَزْ عمَّا تعلَمْ إنَّك أنتَ العزيز (٢) الأكرم -سبعين مرةً- ثم يسجدُ الثانيةَ ويقول مثلَ ما قال في السجدة الأولى، ثم يسألُ الله حاجتَه، فإنها تُقضى". ثم قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده، ما مِنْ عبدٍ ولا أَمَةٍ صلَّى [عليَّ] هذه الصلاةَ إلا غفرَ اللهُ له جميعَ ذنوبِه ولو كانت مِثْلَ زَبَدِ البَحْر وعددِ أوراقِ الشجر، وشُفَعَ يومَ القيامة في سبع مئة من أهل بيته، فإذا كان في أول ليلةٍ في قبره جاءه ثواب هذه الصلاة، فيقول له بلسان ذَلْقٍ ووجهٍ طَلْقٍ: يا حبيبي، أبشِرْ، فقد نجوتَ من كلِّ شِدَّة. فيقول: مَنْ أنتَ؟ فواللهِ ما رأيتُ أحسنَ من وجهِكَ، ولا سمعتُ كلامًا أحلى من كلامِكَ، ولا شممتُ ريحًا أطيبَ من رائحتِكَ. فيقول: أنا ثواب الصلاةِ التي صلَّيتها في ليلةِ كذا، في شهر كذا، جئتُ إليكَ الليلةَ لأقضي حقَّكَ، وأونِسَ وَحْدتَكَ، وأرفَعَ عنكَ وَحْشتَكَ، فإذا نُفِخَ في الصُّور أظلَلْتُ على رأسِكَ في عَرَصة القيامة، فأبشِرْ فلن تَعْدَم الخيرَ من مولاكَ أبدًا".
ثم قال [جدِّي] الشيخ أبو الفرج: هذا حديث موضوعٌ على رسول الله ﷺ ، وقد اتَّهموا به ابنَ جَهْضَمْ، وسمعتُ شيخَنا الحافظَ عبد الوهاب بن الأنماطي يقول: رجالُه مجهولون، وقد فتَّشْتُ عليهم في جميع الكتب فما وجدتُهم.
قال أبو الفرج: ولقد أبدَعَ مَنْ وضَعَ هذه الصلاة، وإنِّي لأَغارُ لصلاة التراويح كيفَ زُوحِمَتْ بهذه، بل هي عند العوامِّ أعظمُ وأحلى، فإنه يحضرها مَنْ لا يحضر الجماعات.
قال المصنف ﵀: وقد رُوي عن ابن جَهْضَم أنه اعتذر عند وفاته، فحكى لي جماعةٌ من مشايخنا عن شيوخهم قالوا: لمَّا احتُضرَ ابنُ جَهْضَم جمع المشايخ بمكة، وقال: إنَّما قصدتُ برواية هذا الحديث إشغال الناس في يوم الخميس بالصوم، وليلةَ الجمعة بالصلاة؛ لكفِّهم عما يرتكبونه من الكبائر؛ فإنه قد فسدَ الزمانُ، وكثُرَ الفسقُ، وتعطَّلتِ الحدودُ، واشتغلوا بالمعاصي، وأهملوا العبادات، فأردتُ أن أشغلهم عن قبيح ما يرتكبونه.
стр. 8703
فقال له بعض الحاضرين: فكيف تصنعُ بقوله ﷺ : "من كذبَ عليَّ متعمدًا … " الحديث؟ فقال: مَنْ كذب عليه ليُغيِّرَ معالم شريعَتِه، ويهدِمَ قواعدَ دينه، أمَّا مَنْ قصد ما قصدتُ فلا يدخلُ تحت هدْا الوعيد، وقد رُوِّينا عنه ﷺ أنه قال: "من قال عنِّي ما يُوافِقُ شريعتي، وينصرُ مِلَّتي، فكأنَّني أنا قُلْتُه" (١) وذكر أحاديثَ في الباب. فقال بعضُ الحاضرين: ألا تغسِلُ هذا الحديثَ من الأجزاء؟ فقال: هَبْكُمْ غسلتُموه من النسخ التي بأيديكم، فكيف بالنسخ التي قد سارت بها الرُّكبان، وعمِلَ بها أهلُ الأمصار والبلدان، وما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، ولن يجمع اللهُ الأمةَ على ضلالة، ولكلِّ امرئ ما نوى.
محمد بن أحمد (٢)
أبو جعفر، النَّسفي، الفقيه، الحنفي، صاحب كتاب "طلبة الطلبة" (٣) والتعليقة المشهورة، كان فاضلًا، زاهدًا، ورعًا، فقيرًا (٤)، بات ليلةً يتفكَّر في فرعٍ من فروع الفقه، وكان قد ضاق به الشيء، فتشاغل بالفكرة في ذلك الفرع، فوقع له، فأُعجِبَ به، فقام وجعل يرقص في داره ويقول: أينَ الملوكُ وأبناءُ الملوكِ عن هذا؟ فقالت له زوجته: ما الذي بِكَ؟ فأخبرها، فتعجَّبت منه.
وكانت وفاتُه في شعبان.
محمد بن الخَضِر بن عمر (٥)
أبو الحسين، الحمصي، القاضي، الفَرَضي، وَليَ القضاء بدمشق نيابةً عن أبي عبد الله محمد بن الحسين النَّصيبي، وكان نَزِهًا عفيفًا. قال أبو نصر بن طلَّاب: دخلتُ عليه وقد اشتدَّ حالُه في المرض، فقلت: كيفَ أصبحتَ؟ فأنشدني: [من الوافر]
أرى نَفَسي تضيقُ به المجاري … ونبضي غير متَّسِقِ النِّظامِ
стр. 8704
وعيني تُنكِرُ العُوَّادَ حولي … وأضْجَرُ مِنْ مُناجاةِ الغُلامِ
وكانت وفاتُه بدمشق في جمادى الأولى، ودُفن بالباب الصغير.
السنة الخامسة عشرة وأربع مئة
فيها اشتدَّتِ الفتنُ ببغداد، وقُتِلَ من السُّنَّة والشيعة خلقٌ كثيرٌ، ومُنِعوا من النَّوح يوم عاشوراء وعيد الغدير.
وفيها عُقِدَ العقدُ لمشرِّف الدولة علي بنت علاء الدولة أبي جعفر بن كاكويه مُقدَّم الأكراد بالجبال، على صَداقٍ مبلغه مئة ألف دينار. وقيل: خمسين ألفًا (١).
وفيها وَلِيَ حلبَ صالحُ بنُ مِرْداس، وقُتِلَ بالأُقحوانَة في الغور سنة عشرين، وسنذكره إن شاء الله تعالى.
وحجَّ بالناس أبو الحسن الأقساسي العلوي، وحجَّ معه أميرٌ من خراسان من أصحاب محمود بن سُبُكْتِكين يقال [له] (٢): حَسَنَك، فبعث له صاحبُ مصر خِلَعًا ودنانيرَ وثيابًا فقبِلها، فلمَّا عاد [من] الحجِّ إلى العراق لم يدخُل بغدادَ حياءً وخوفًا، وكتب القادر إلى محمود يُعرِّفه، فبعث بالخِلَع إلى القادر، فأُحْرِقَتْ على باب النُّوبي.
وفيها تُوفي
أحمد بن محمد (٣)
ابن عمر بن الحسن، أبو الفرج، المعَدَّل، البغدادي، الفقيه، الحنفي، ويُعرف بابن المُسْلِمة، ولد سنة سبع وثلاثين وثلاث مئة، وسمع الحديث، وكان عاقلًا، فاضلًا، سيدًا، صدوقًا، ثقةً، كثيرَ المعروف، وداره مألَفًا (٤) لأهل العلم، وكان يسكن بالجانب الشرقي من بغداد بدرب سُلَيم، وهو جدُّ رئيس الرؤساء أبي القاسم علي بن الحسين بن أحمد [بن محمد].
стр. 8705
قال [الخطيب: حدثني] أبو القاسم قال: كان جدِّي أحمد يختلف إلى أبي بكر الرازي، يقرأ عليه الفقه، وكان يصوم الدهر، ويقرأ [في] كلِّ ليلةٍ سُبْعًا من القرآن بالنهار، ويعيده بالليل في وِرْده، وكانت وفاتُه في ذي القَعدة، [وكان سيدًا صدوقًا ثقةً] وقال رئيس الرؤساء: رأيتُ أبا الحسين القَدوري في المنام متغيِّرَ الوجه -وأشار إلى صعوبة الأمر فقلت: كيفَ حالُ أبي الفرج؟ فأسفر وجهُه، وقرأ: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧].
تمَّام بن محمد (١)
ابن عبد الله، أبو القاسم، الرازي، إمام ابن إمام، ومُحدِّث ابن محدِّث، ولد بدمشق سنة ثلاثين وثلاث مئة، وسمع خلقًا كثيرًا، وصنَّف كتاب الرهبان وغيره، وتوفي بدمشق، وكان فاضلًا، صدوقًا، ثقةً.
سلطان الدولة (٢)
ابن بهاء الدولة، كان فاتكًا، ظالمًا، سيئَ الرأيِ والتدبير، أراد أن يقبض على أخيه مشرِّفِ الدولة، فقام الأتراكُ ومنعوه، وأخرجوه من بغداد إلى فارس، وجرَتْ له قضايا قد أشرنا إليها، ولمَّا حكم مشرِّفُ الدولة على العراق أقام هو بشيراز، فمرِضَ مرضًا مزمنًا، ومات بشيراز عن اثنتين وثلاثين سنة، ولمَّا وصل خبرُه إلى العراق جمع الوزيرُ المغربيُّ الأتراكَ والدَّيلمَ والعساكرَ ليحلِفوا لمشرِّف الدولة، وكلَّفَ مُشرِّفُ الدولة المرتضى والزَّينبيَّ وقاضي القضاةِ وجماعةً من الأشراف، فاختلفَتْ طائفةٌ من القوم، وظنَّ القادرُ أنَّ التَّخالُفَ إليه، فبعثَ يمنعُ الباقين من الحضور، وأنكر على مَنْ حضر من غير إذنه، وأظهر أنه خارجٌ من بغداد، وأمر بإصلاح الطيَّار والزَّبازب، وبلَغَ مُشرِّفَ الدولة، فعزَّ عليه وقَلِقَ، ولم يعرِفِ السبب، فأُخبِر، فبعثَ إلى القادرِ وحلَفَ له على بُطلانِ ما نُقِلَ، ثم حلف مُشرِّفُ الدولة للخليفة على الطاعة، وحلَفَ له الخليفةُ أيضًا، وكانت اليمينُ يومَ الخميس حادِي عشر صفر.
стр. 8706
عبيد الله بن عبد الله بن الحسين (١)
أبو القاسم الخفاف، ويُعرف بابن النقيب البغدادي، وُلدَ سنة خمس وثلاث مئة، رأى الشِّبلي، وكان سماعه صحيحًا، وكان شديدًا في السُّنَّة.
ولمَّا مات ابنُ المُعلِّم فقيهُ الشيعة جلس في التهنئة، وقال: ما أُبالي أيَّ وقتٍ متُّ بعد أن شاهدتُ موتَه.
وأقام عِدَّة سنين يُصلِّي الفجر بوضوء العشاء الآخرة، ويُحيي الليل.
وقال الخطيب: سألتُه كم تذكُرُ من الخلفاء؟ فقال: المقتدر، والقاهر، والراضي، والمُتَّقي، والمُستكفي، والمطيع، والطائع، والقادر، والغالب.
خُطِبَ له بولاية العهد.
وكانت وفاةُ عبيد الله في شعبان ببغداد، وعاش مئة وعشرَ سنين، وكان ثقةً صدوقًا.
علي بن عبد الصمد (٢)
أبو الحسن، الشيرازي، تولَّى حِجبةَ القادرِ في شوَّال سنة تسع وثمانين وثلاث مئة (٣)، فلم يزل على الحِجْبة إلى سنة ثمانٍ وأربع مئة، وكثُرت الفتن في بغداد من الجانبين، ووقع الحريقُ والنَّهبُ، فجاء إلى دار الخليفة، وأظهرَ التوبة من العمل، فوُلِّي بعدَه أبو مقاتل، فأراد دخول الكَرْخ، فمنَعَه أهلُها، فأحرقَها وعبَرَها، فأُعيد عليٌّ في سنة تسع وأربع مئة، فقتل الموسومين بالشرِّ من الفريقين السُّنَّة والشيعة، فقامت الهيبةُ، وسكن الناسُ، فلمَّا وَلِيَ الوزيرُ أبو القاسم ألَّب العيَّارين على عليٍّ فقتلوه في نصف رجب، بعد أن صادَره وأخذ منه خمسة آلاف دينار (٤).
стр. 8707
[وفيها تُوفِّي]
عمر بن عبد الله بن عمر (١)
أبو حفص، الدلَّال، البغدادي، سمع الحديث، وقال: سمعتُ الشِّبلي ينشد: [من المتقارب]
وقد كان شيءٌ يُسمَّى السُّرور … قديمًا سَمِعْنا به فارتحلْ (٢)
خليليَّ إنْ دام هَمُّ النفوس … قليلًا على ما نراهُ قتَلْ
مؤمِّلُ دنيا لتبقى لَهُ … فماتَ المؤمِّلُ قبلَ الأمَلْ
عبد الرحمن بن عبد الواحد
ابن أبي الميمون الدمشقي؛ قال الحافظ ابن عساكر (٣): كان يسكن بمسجد أبي صالح بباب شرقي، وكانت وفاته بدمشق في رمضان، سمعٍ أبا بكر المَيانَجي وغيرَه، وروى عنه عبد العزيز الكَتَّاني وغيرُه، وكان زاهدًا صالحًا ثقةً].
محمد بن الحسن (٤)
أبو الحسن، الأقساسي، العلوي، من ولد يزيد بن علي بن الحسين ﵇، حجَّ بالناس من العراق سنينَ كثيرة نيابةً عن المرتضى [الموسوي]، وكان فاضلًا، شاعرًا، فصيحًا، وله غلام اسمه بدر وقال جدي في "المنتظم": وكان له غلامٌ مليح يُسمَّى بدر، فقال [من المجتث]:
يا بَدْرُ وجهُكَ بَدْرُ … وغَنْجُ عينيكَ سِحْرُ
وماءُ خدَّيكَ وَرْدُ … وماءُ ثغرِكَ خَمْرُ
أُمِرْتُ عنكَ بصبرٍ … وليسَ لي عنكَ صَبْرُ
يا آمري بالتَّسلِّي … ما لي معَ الشوقِ أمْرُ
стр. 8708
ورثاه المرتضى فقال: [من المتقارب]
وقد خطفَ الموتُ كلَّ الرجالِ … ومثلُكَ من بيننا ما خَطَفْ
وما كنتَ إلَّا أبِيَّ الجوارِ (١) … على الضيمِ محتميًا بالأَنَفْ (٢)
خليًّا من العارِ صِفْرَ الإزارِ … مدى الدهرِ مِنْ دنَسٍ أو نَطَفْ (٣)
أبو طاهر
ابن دِمْنة، صاحب آمِد، قد ذكرنا مبدأَ حالِه، وقتلَه لابنِ مروان صاحبِ ميَّافارقين، وقتْلَه لعبد البر شيخِ أمِد، واستيلاءَه عليها، وأقام من سنة سبع وثمانين وثلاث مئة إلى هذه السنة ثمانيًا وعشرين سنة، وكان يصانع ممهِّد الدولة بن مروان وشروة، فلمَّا قتلَ شروةُ ممهِّدَ الدولة وولي أخوه أبو منصور بعثَ إليه قائدًا يُقال له: مريخ -من قوَّاد ابن دِمْنة- بهدايا، فاتَّفقَ مع أبي منصور على قتْلِه، فقتَلَه، وقد ذكرناه، وقَتَلَ فرَّاشٌ لابن دِمْنة مريخا. وجاء ابن مروان إلى آمِد، وأغلق أولادُ مريخ في وجهه الباب، حتى سلَّم إليهم الفرَّاش فقتلوه، ودخل آمِد واستولى عليها، فكان يقيم بها ستة أشهر، وميَّافارقين ستة أشهر.
السنة السادسة عشرة وأربع مئة
فيها في السنة الماضية كان صاحبُ مصر قد سيَّر إلى محمود بن سُبُكْتِكين خِلَعَ السَّلطنة، فبعث بها محمود إلى القادر، وتبرَّأ من صاحب مصر، فجمع القُضاةَ والأشرافَ والجندَ وغيرَهم، وأخرج الخِلَعَ إلى باب النُّوبي، وكانت سبعَ جِبابٍ وفَرَجيَّةً ومركبَ ذهبٍ، وأُضرِمَتِ النارُ، وأُلقيتِ الثيابُ فيها، وسُبِكَ المركبُ، فظهرَ منه أربعون ألف دينار وخمسَ مئة. وقيل: أخرج منه دراهم هذا العدد والمقدار، فتصدَّق بها على ضعفاء بني هاشم، وعاب الناسُ ذلك.
وفيها استولى العيَّارون ببغداد على الجانبين، وخصوصًا أهل الكَرْخ، فكبسوا الدُّور والخاناتِ، ونهبوا الأموال، وكانوا يكبِسون الدُّور بالليل بالشمع والمشاعل، وخرج
стр. 8709
أصحابُ الشُّرَط من البلد، وعجزَ مُشرِّف الدولة والجندُ عنهم، وأحرقوا دور الأكابر، أحرق أهلُ بابِ البصرة دارَ الشريف المرتضى -التي على الصَّراة- وغيرَها، وتفاقم الأمرُ، وعاد العلويُّون إلى أقبح أحوالهم، وكانوا يدخلون على الرجل فيطالبونه بذخائره ويستخرجونها منه بالضرب كما يفعل المُصادرون، ويستغيثون فلا يجدون مُغيثًا، وقُتِلَ كثيرٌ من أصحاب الشُّرطة.
وكانت هذه الفتنُ قائمةً من رجب هذه السنة إلى آخر سنة ست عشرة وأربع مئة، وكان مُشرِّف الدولة قد توفِّي في ربيع الأول، فوقع الطمعُ، وخرِبَتْ بغداد، وسافر عنها التجار والأعيان.
ولم يحجَّ في هذه السنة من خراسان ولا من العراق أحدٌ. وقيل: إنَّ الحجَّ بطَلَ من هذه السنة إلى سنة اثنتين وعشرين وأربع مئة، التي وَلَىَ القائمُ بأمر الله فيها (١).
وفيها تُوفِّي
سابور بن أرْدَشير (٢)
وَزَرَ لبهاء الدولة ثلاث مرات، ووَزَرَ لمشرِّف الدولة، وكان عفيفًا عن الأموال والحريم، كثيرَ الحلم، سليمَ الباطن، وكان إذا سمع صوتَ الأذان تركَ ما هو فيه من الأشغال وقام إلى الصلاة، ولا يلوي على شيء حتى يفرغ من صلاتِه، وكان كثيرَ العزل والولاية من شفقته على المسلمين، ولَّى بعضَ العمَّال عُكْبَرا، فقال له العامل: أيُّها الوزير أكتري للسُّمَّاوية (٣) مُصعِدًا ومنحدرًا أم مُصعِدًا؛ فتبسَّم وقال: مُصعِدًا آمنًا.
قد ذكرنا أنَّه بنى بالكَرْخ دارًا سمَّاها دار العلم في سنة إحدى وثمانين وثلاث مئة، ونَقَلَ إليها عشرةَ آلاف مجلدة، ووقفَ عليها الأوقاف، فبقيت سبعين سنة، فلمَّا دخل طُغْرُلْبَك بغداد سنة أربع مئة وخمسين وقعتِ الفتنُ فأُحرِقَت.
وكانت وفاتُه ببغداد وقد قارب سبعين سنة.
стр. 8710
محمد بن الحسن بن صالحان (١)
أبو منصور، وزَرَ لمشرِّف الدولة أبي الفوارس بن عضد الدولة، ثمَّ لأخيه بهاء الدولة، كان فاضلًا، مُحِبًّا لأهل العلم والخير، ويحضر مجلِسَه العلماءُ والشعراءُ، وَيرُبُّهم (٢) ويَصِلُهم، تُوفِّي ببغداد في رمضان عن ستٍّ وسبعين سنة.
مُشَرِّف الدولة (٣)
أبو علي بن بهاء الدولة.
وقد ذكرنا محاربتَه لأخيه سلطان الدولة، وخروجَه إلى واسط، وعودَه إلى بغداد، ولقاءَ القادرِ له، فلمَّا كان في ربيع الأول مرض مرضًا حادًّا، فتوفِّي عن ثلاث وعشرين سنة وثلاثة أشهر وأربعة عشر يومًا، وكانت مدَّةُ إمارته خمس سنين وشهرًا وخمسةً وعشرين يومًا.
ولمَّا مات نُهِبتِ الخزائنُ، ووليَ جلالُ الدولة أبو طاهر، وخُطِبَ له على المنابر وهو بالبصرة، فتوقَّف إصعادُه إلى بغداد؛ لقلة المال، فمال الجندُ إلى تولية أبي كاليجار، وكان وليَ عهد أبيه سلطانِ الدولة، وقد استخلَفَه عليهم، وله الأهواز وأَرَّجان وفارس، فامتنع القادر من إجابتهم، فاجتمعوا يومًا ثانيًا، فخافَ منهم، فأرسلَ إليهم: افعلوا ما رأيتُم. فخطب له يوم الجمعة سادس عشر شوال، وبلغ جلال الدولة، فانحدر من واسط إلى البصرة.
السنة السابعة عشرة وأربع مئة
فيها في سابع المُحرَّم كانت وقعةٌ عظيمةٌ بين الملك أبي كاليجار والملك أبي الفوارس، فانهزم أبو الفوارس، وعاد أبو كاليجار إلى شيراز، وكان العيَّارون قد
стр. 8711
استطالوا على ما بيَّنَّا، فكُوتِبَ مَنْ بواسط من الجند، فقدم الأتراكُ والجندُ إلى بغداد يومَ الجمعة ثامن عشر مُحرَّم، فنزلوا بالخيام بمكان يقال له: الزَّبَد، وراسلوا العيَّارين بالانصراف، فلم يلتفتوا، وخرجوا إلى مضارب الترك وصاحوا وشتموا، وقاتلوهم وعادوا في الليل بالمشاعل والشمع، ففعلوا أقبحَ من ذلك، فلمَّا كان صبيحةُ يوم الخميس العشرين من المُحرَّم لبس الأتراكُ والإسْفْهسلارية آلةَ الحرب، وزحفوا بالبوقات والدبادب، وهجموا على المحالِّ التي حول الكَرْخ، فأحرقوها وأحرقوا الكَرْخ، وقتلوا من العيَّارين خلقًا لا يُحصى، وهرب أهلُ الكَرْخ إلى دار الخليفة، ولمَّا سكنت الفتنة وهرب العيَّارون قرَّر على أهل الكَرْخ مئة ألف دينار، وكان الشريفُ المرتضى قد هرب إلى دار الخليفة، فخلع عليه، وأعاده إلى داره (١).
وفيها منع الظاهرُ صاحبُ مصر مِنْ ذَبْحِ البقر السليمة من العيوب التي تصلح للحرث، وكُتِبَ عن لسانه كتابٌ قُرئ على الناس، فمنه: إنَّ الله تعالى سابغٌ نِعْمتَه، وبالغٌ حِكْمتَه، خلق ضروبَ الأنعام، وعَلِمَ بها منافعَ الأنام، فوجب أن تُحمى البقرُ المخصوصة بعِمارة الأرض المذلَّلة لمصالح الخلق، فإنَّ في ذَبْحِها غايةَ الفساد وإضرارًا بالعباد والبلاد، وأباح ذَبْحَ ما لا يصلح (٢) للعمل، ولا يحصل به النفع.
وفي رمضان انقضَّ كوكبٌ عظيمُ الضوء، له دويٌّ كدويِّ الرعد.
وفيها لمَّا عاد جلالُ الدولة إلى البصرة قبض على وزيره أبي سعد ابن ماكولا، وعلى أبي علي ابن عمِّه، وجرَتْ أسبابٌ استوجبَتْ إطلاقَ ابنِ عمِّه، واستوزره ولقَّبه يمينَ الدولة وزيرَ الوزراء، وخلعَ عليه، وأبو سعد اسمه عبد الواحد بن أحمد بن جعفر، كان فاضلًا، مات في حبسه في هذه السنة.
وبطل الحجُّ من العراق، ولم يقدم من خراسان أحدٌ [في هذه السنة] (٣).
стр. 8712
وفيها تُوفِّي
أحمد بن محمد (١)
ابن عبد الله بن العباس بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، أبو الحسن، القرشي، الأموي، قاضي القضاة، ولي قضاء [البصرة قديمًا، ثم وَليَ قضاء] (٢) القضاة بعد ابن الأكفاني في ثالث شعبان سنة خمسٍ وأربع مئة، ولم يزل على القضاء إلى حين وفاته، وكان عفيفًا، نزهًا، جليلًا، شريفًا.
قال القاضي أبو العلاء الواسطي: ما رأينا مثلَه جلالةً وصيانةً وشرفًا.
وقال علي بن محمد بن حبيب البصري: كان بيني وبين القاضي أبي الحسن بن أبي الشوارب بالبصرة أُنسٌ كثير، بحيث إنه كان يَعُدُّني ولدًا وأعُدُّه والدًا، فما علمتُ له سرًّا قطُّ لو اطُّلع عليه لا ستحيى منه، وكان بالبصرة رجلٌ من وجوهها، واسعَ الجاه، كثيرَ المال، يُعرف بأبي نصر بن عبدويه، دخلتُ عليه عائدًا في عِلَّة الموت، فقال: في صدري سِرٌّ أُريد إطلاعَكَ عليه؛ لمَّا ولِّيَ القاضي أبو الحسن ابن أبي الشوارب القضاءَ بالبصرة في أيام بهاء الدولة، وكان بيني وبينه من المودة ما شُهْرَتُه تُغني عن ذِكْرِه، مضيتُ إليه وقلتُ له: قد علمتُ أنَّ هذا الأمر الذي تقلَّدْتَه تحتاجُ فيه إلى مؤنةٍ كبيرةِ وقد أحضرتُكَ مئتي دينار، وإنَّني -واللهِ- لا أطلبُ منكَ قضاءً ولا شهادةً، ولا بيني وبين أحدٍ خصومةٌ أحتاج إليك عند المرافعة، وإن قدَّمني إليك خصمٌ فباللهِ عليك إلا حكمتَ عليَّ في ذلك كما تحكم على بعض الشهود، فإنْ قبِلتَ هذه الدنانير بسبب المودَّة التي بيننا فأنتَ في حِلٍّ منها في الدنيا والآخرة، وإن كرهتَ قبولَها على ذلك الوجه فهي قرضٌ لي عليك، فقال: واللهِ إني لَمحتاجٌ إليها، ولكن لا يراني اللهُ أنِّي قبِلتُ إعانةً على هذا الأمر، وأنشدُكَ اللهَ [ما] أطلعتَ على هذا السر ما دمتُ في الدنيا أحدًا. قال: فواللهِ ما ذكرتُ هذا لأحد قبل يومي هذا. قال ابن حبيب: ومات ابن عبدويه من يومه.
стр. 8713
وقال أبو العلاء الواسطي: دعا المتوكِّلُ محمد بن عبد الملك ابنَ أبي الشوارب وأحمد بن المعدَّل وإبراهيم التَّيمي من البصرة، وعرضَ على كلِّ واحدٍ منهم قضاءَ القضاة، فاحتجَّ منهم محمد بن عبد الملك بالسِّنِّ العالية، واحتجَّ أحمد بن المعدَّل بضعف البصر، وامتنع إبراهيم التَّيمي، فقال له المتوكِّل: لم يَبْقَ غيرُك. وجزم عليه، فنزل حالُ إبراهيم التَّيمي، وعلَتْ مرتبةُ الآخرين، فيرى الناسُ أنَّ بركةَ امتناع محمد دخلَتْ على ولده، فولي منهم أربعةٌ وعشرون قاضيًا، منهم ثمانيةٌ تولَّوا قضاء القُضاة، آخِرُهم أبو الحسن، وما رأينا مثلَه.
قال المصنف ﵀: لو عادَتْ بركةُ جدِّهم عليهم لَما وُلِّي أحدٌ منهم القضاءَ على المسلمين، ولَما ذُبِحَ في الدنيا بغير سِكِّين.
مات أبو الحسن ليلةَ الخميس الثامن عشر من شوَّال.
[وفيها تُوفِّي]
عبد الواحد بن محمد
ابن أحمد بن أبي الحديد، أبو الفضل، الدمشقي، الشاهد، كان فاضلًا، سمع الحديث بدمشق، وبها تُوفِّي، [وذكره الحافظ ابن عساكر (١).
قلت]: وفي يدِ ولده (٢) نعل، يقال: إنه نعْلُ رسول الله ﷺ ، وانتقل إلى الملك الأشرف موسى بن أبي بكر بن أيوب ﵀، واشترى له دارًا بدمشق، وأوقفها وجعل النعل فيها، ونقل إليها كتبًا كثيرةً، وأوقف عليها الأوقاف.
علي بن أحمد (٣)
ابن عمر بن حفص أبو الحسن، المقرئ، ويُعرف بابن الحمَّامي، ولد سنة ثمان وعشرين وثلاث مئة، وتفرَّد بأسانيد القراءات وعُلوِّها في وقته، وسمع الحديث،
стр. 8714
وكانت وفاتُه في شعبان، ودُفِنَ بمقبرة باب حرب، وكان صدوقًا، ثبتًا، صالحًا، فاضلًا، حسنَ الاعتقاد. قال أبو الفتح ابن أبي الفوارس (١): لو رحلَ رجلٌ من خراسان ليسمع كلمةً من أبي الحسن بن الحمَّامي ما كانت رحلتُه ضائعةً].
[وفيها تُوفِّي]
مُحَسِّن بن عبد الله بن محمد (٢)
أبو القاسم، التَّنوخي، المعرِّي، القاضي، الحنفي، [ذكره الحافظ ابن عساكر وقال]: وُلدَ يومَ الأحد لثمانٍ وعشرين خلَتْ من ربيع الأول سنة تسع وأربعين وثلاث مئة، وقدم دمشق مجتازًا إلى الحجِّ، فأدركهُ أجلُه في الطريق في ذي القعدة، فحُمِلَ إلى مدينة النبي ﷺ ، فدُفِنَ بالبقيع، وله مصنَّفات، وكان شاعرًا، من شعره: [من الطويل]
وكلٌّ أُداريهِ على حَسْبِ حالهِ … سوى حاسدي فَهْيَ التي لا أنالُها
وكيفَ يُداري المرءُ حاسِدَ نعمةٍ … إذا كان لا يُرضيهِ إلَّا زوالُها
السنة الثامنة عشرة وأربع مئة
وفيها خُطِبَ ببغداد لجلالِ الدولة على المنابر بالسلطنة، بعد أن مَنَعَ الأتراكُ من ذلك وخطبوا لأبي كاليجار، وسببُه أنَّ الأتراك اجتمعوا على باب الخليفة وراسلوه، وقالوا: أنتَ مولانا، ومالكُ أمورِنا، وما لنا سِواكَ، وقد كُنَّا عند وفاة مُشَرِّف الدولة اخترنا جلال الدولة؛ ظنًّا منَّا أنه ينظرُ في حالنا، فلم ينظُرْ، فاخترنا أبا كاليجار؛ ظنًّا منَّا أنه يُحقِّق ما يَعِدُنا به، فكُنَّا منه على أقبح من الأول، فخرج جوابُ الخليفة: إنكم موالينا، وأبناءُ دولتنا، وأولُ ما نأمركم به أن تكون كلمتُكم واحدةً، وكنَّا قد قرَّرْنا الأمرَ لجلال الدولة، وطلبتُم نقْضَه، وساعدناكم عليه، وفيه قُبِّح علينا وعليكم، ثم عقدتُم لأبي كاليجار عقدًا لا يَحْسُنُ نسخُه من غير رَويَّة، ولبني بُوَيه في أعناقنا ذِمَمٌ وعهودٌ لا يجوز الرجوعُ عنها، والمصلحةُ أن نكاتبَ أبا كاليجار في ذلك ونستعلِمَ
стр. 8715
جوابَه. فقالوا: سمعًا وطاعةً. فكتب الخليفةُ إليه: إنَّكَ قد أهملتَ الأمورَ، ووقع الخلَلُ، وإن لم تتداركِ الأمرَ وإلا خرج عن يدِكَ. فلم يَرِدْ جوابٌ مَرْضيٌّ، فآلَ الأمرُ إلى أنَّ الأتراكَ [قد] سألوا الخليفةَ أن يخطب لجلال الدولة [وهذا من العجائب]، فلمَّا كان يومُ الخميس رابع عشر جمادى الأولى نُودِيَ ببغداد بشعار جلال الدولة، وضُربَتِ الدبادِبُ والبوقات [ببغداد] على باب دار المملكة، وخُطِبَ له على المنابر، وفعل الأتراك الذين كانوا بواسط كذلك، وبعث التُّركُ الذين كانوا ببغداد رسلًا إلى جلال الدولة بذلك، وأنهم على طاعته، ولمَّا وصلت كتُبُهم إليه سار من البصرة إلى واسط، فنزل دارَ الإمارة سلخ جمادى الأولى وحلف الإسْفهسلارُ والأتراكُ على الحِفظِ والحراسةِ والعفو عمَّا مضى، وتركِ المؤاخذة بمحضرٍ من رسلهم، وبعث إليهم بنسخة اليمين، وعادوا إلى بغداد، وكان في الرسل منصور بن طاس (١) حاجب الخليفة وأبو صالح الموقر قاضي الأتراك، وأدَّوا الرسالة، وأشار أبو الوفاء نائب المملكة بانحدار الأقوياء منهم إلى واسط، ويبقى الذين ليس لهم حَيلٌ وتحمُّلٌ ببغداد، وكتبوا إلى جلال الدولة بذلك، فكتب مُنكِرًا على أبي الوفاء ويقول: كيف يجوز أن أستدعيَ عسكري لبَيكارٍ (٢) قبل الاجتماعِ معهم والنظرِ في أمورهم وإعانتِهم على سفرهم بالنفقاتِ، وطلب أيمانهم (٣)، فاجتمعوا في دار المملكة، وجدَّدوا الأيمان.
و [كان مسيرُه إليها من البصرة] وفي يوم الأحد لثمانٍ بَقِيَن من رجب اقترن زُحل ومريخ اقترانًا عجيبًا بَحيث ركب أحدُهما الآخرَ بمرأى العين.
وتُوفِّي أبو القاسم ابن [الخليفة] القادر بالله (٤).
وفيها وردَ كتاب محمود بن سُبُكْتِكين إلى الخليفة يذكر ما فتحه من بلاد الهند وكَسْرِه الصَّنمَ المعروفَ بسومنات [عنوان الكتاب مثل ما تقدَّم في كتبه ويُسلِّم على الخليفة
стр. 8716
على جاري العادة ويدعو له، فقال: أمَّا بعد، فأطال الله بقاء سيِّدنا ومولانا الإمام، وأدام له العِزَّ والتأييد، والعلوَّ والتمهيد، والبسطةَ والسُّموَّ والغبطة، وأمضى شرقًا وغربًا أحكامَه، ونصر برًّا وبحرًا أعلامَه، ولا أخلى من الدولة مكانَه، ومن النضارة زمانَه، ثم ذكر آدم والأنبياء صلى الله عليهم وسلم بألفاظ طويلة، منها: والحمد لله الذي خلق صفة آدم ﵇ لاتِّحاد البريَّة، وأجراه في أحواله على سابق المشيَّة، وشرَّفه بسجود ملائكته الكرام، فخصُّوه بالتحية والإعظام، وابتلاه بمواقعة خطيئته، ثم تاب عليه عقيب إنابته، ورحِمَه عقيب استغفاره، وجعل الدنيا دار قراره، ثم صلَّى على النبي ﷺ ]. ومن جُمْلَتِه: أصدر العبدُ كتابَه من مستقرِّه ببلْخٍ لخمسٍ بَقِين من المُحرَّم [من هذه السنة]، وقد تناهى إلى الموقف (١) الأشرف ما يسَّره اللهُ من الفتوح التي زهَتْ على سائر الأنام، وانتهت راياتُها إلى بقاعٍ من (٢) بلاد الكفار ما كانت تخطر على الأوهام، وكُسِرتْ أصنامُها التي كانت تُعبد من دون الله؛ اغترارًا بطول زمانها، وانقراضِ القرونِ بعدَ القرونِ على تعظيم شانها، حتى فقدَ الكفارُ كلَّ صنمٍ منحوتٍ من الحجر والخشب، ومصوغٍ من الفضة والذهب، وأيقنوا ببُطلان اعتقاداتهم في معبودهم، وتحيَّروا في أمرِ دينهم الذي ورثوه عن آبائهم وجدودهم، وكان لهم صنمٌ عظيم يقال [له]: سومنات، وهو أعظمُ أصنامهم، وجاهروا بأنَّه يُحيي ويميت، ويفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وأنَّه إذا شاء أبرأ من جميع العلل، حتى من البرص والعمى والشَّلل، وربما كان يتَّفق لسُفائِهم إبراءُ عليلٍ يقصِدُه، فيزدادون به افتتانًا، ويأتونه من أقصى البلاد رجالًا ورُكبانًا، ويزعمون أنَّ الأرواح إذا فارقتِ الأجسامَ اجتمعت لديه على مذهب التناسخ، فينشِّئها فيمن شاء قبل الولادة، ويُجريها بعد دخولها في الوجود على ما يختاره لها من أسباب الشقاء والسعادة، وأنَّ ظهورَ مَدِّ البحر المتَّصل به وجَزْرِه عبادةٌ له على قَدْر طاقتِه ووُسْعِه، فكانوا بحكم هذا الاعتقاد يحجُّونه من كل صَقْعٍ [بعيد]، ويأتونه من كلِّ فَجٍّ عميق، ويُتحِفونه بكلِّ مالٍ جزيل، ويتصدَّقون على سَدَنتِه بكل مُدَّخرٍ جليل، ولم يَبْقَ في بلاد الهند والسِّند -على تباعُدِ أقطارِها، وتبايُنِ
стр. 8717
أمصارها- مَلِكٌ ولا سوقةٌ إلَّا وقد تقرَّب إلى هذا الصنم بما عزَّ (١) عليه من أموالِه وذخائِره وحُليِّه وجواهرِه، حتى بلغت أوقافُه عشرةَ آلاف قرية من مشهورات القُرى في تلك البقاع، وامتلأت خزائِنُه من أصناف الأموال والمتاع، ولأهل الهند نهرٌ كبير [يُعرف بكَنك] يُعظِّمونه غاية التعظيم، ويُلقون فيه عظامَ كُبرائهم [على تقدير أنها تُساق إلى جنَّات النَّعيم]، وبينهم وبين سومنات الصنم المذكور مسافةُ مئتي فرسخ على التحقيق، وكانوا يغسلون وجهَ هذا الصنم كلَّ يوم بماء هذا النهر إكرامًا يخصُّ به على طول الدهر (٢)، فرتبوا في كلِّ مرحلةٍ قاصدين يتعاقبون البِدار بهذا الماء في بُكرة كلِّ يوم إلى الصنم [المذكور]، وقد وقفوا الأوقافَ على هذا البريد [المأمور]، فكانوا كلَّ يومٍ يغسلون وجَه [هذا] الصنم بالماءِ الجديد، المشوبِ بالعسل واللبن الحليب، ورتبوا حولَه ألفَ رجل من البراهمة لخدمتِه، وتقديم الوفودِ إلى عبادتِه، وأقاموا ثلاثَ مئةِ رجلٍ يحلقون رؤوسَ حجيجه ولحاهم عند الوفود، وثلاثَ مئة رجلٍ يُغنُّون ويرقصون على باب بيت الصنم [المعبود] (٣)، وثلاثَ مئة جارية برسم زوَّاره، وقيل: خمس مئة. وكان العبد يتمنَّى طولَ عمره قلْعَ هذا الوثن الفتَّان، ويطلب فيه فُرصة الإمكان، ويسأل الصادرَ والواردَ، ويستقصي عن ممالِكها، ويخبر عن مفاوزِها، وصعوبةِ مسالِكها، واستيلاءِ الرمل السيَّال على طرقِها، ما يُحيِّر المسامع، ويُبلِّد العزائم، فاستخار العبدُ اللهَ تعالى في الانتداب لهذا الواجب، ومَثَلَ في وَهَمه أضعافُ المسموعِ من المتاعب، فنهض من غرَّته صبيحةَ يوم الأربعاء لثمانِ ليالٍ بَقِين من شعبان سنة ست عشرة وأربع مئة، فسلَكَ سَمْتَ المُلْتَان، فانتهى إليها في نصف [شعبان أو] (٤) رمضان، وسأل عن سلوك المفازات، فأُخبِرَ بصعوبتها من جميع الجهات، فاختار من جماهير الأولياء الذين هذَّبَتْهم الحروب، وثقَّفتْهُم الخطوب، ثلاثينَ ألف فارس، بعد أن رتب في كلِّ ثغرٍ وأطرافِ كلِّ بلدٍ من العساكر جمعًا لدفع من غشاه، يتطلب فرصةً في امتداد هذه الغيبة، وفرَّق في المُطَّوِّعة خمسين ألف دينار، بعد أن أخبرهم بصعوبة المفازات،
стр. 8718
فاختاروا الجهاد في سبيل الله، وسار من المُلتَان يقصد الصنم [المعبود]، وجهادَ أهلِ الشرك، وذلك يوم الجمعة الثاني من شوال، فاخترق المفاوزَ الموصوفة، فوجدها أعظمَ ممَّا وُصِفَتْ به من صعوبة المسالك المتلفة للسالك، وسارت المواكب والنفوس راضيةٌ بدرك الشهادة، والقلوب خاليةٌ من الأوطار المعتادة، وكان بين يديه قلاع كثيرة، فيسَّر اللهُ افتتاحَها بعد قَتْلِ سُكَّانِها، وقَلْعِ أوثانِها، وعَرَضَ في بعض الغَدَواتِ ضَبابٌ سدَّ الآفاق، ومَنَعَ ضوءَ الشمس من الإشراق، فزعمت طائفةٌ من الهنود أن هجوم هذا الظلام من مكايد [هذا] الوثن المقصود.
وذكر في الكتاب أنه فتح بلادًا (١) كثيرةً، وقطع مفازاتٍ عظيمةً، وقتل خلقًا من الأمم والملوك، وذكر قلعة سومنات، وأنها قلعة عظيمة قد بُنِيَتْ على جانب البحر المحيط، وبحيث يبلغها إمدادُه إذا جزَرَت (٢)، [ويضرب أمواجُه حيطانَها إذا اضطربت]، وصَعِد أهلُها على أسوارها بأكمل عدة، وأيقنوا من معبودهم بالنَّصر والتأييد، والظَّفر والتسديد (٣) في قتالهم، فلمَّا عاينَ أحزابُ الشياطين من قتال المسلمين شأنًا، وشاهدوا من معبودهم خذلانًا، خابَتْ آمالُهم، وتغيَّرتْ أحوالُهم، ووافق الوقتَ الذي نطقت (٤) فيه ألسنُ الخطباء بالدعاء لجيوش الإسلام بالنصر [في أقطار الشرق والغرب والحضرة]، فزلَّت حينئذٍ أقدامُهم، ونُكِّسَتْ أعلامُهم، وخلَتِ البروج من أبطالهم، فنصب المسلمون عليها السلالمَ، وما كان إلا قليلٌ، حتى دُرِسَتْ منها المعالم، والتجؤوا إلى وثنهم يقبِّلونه تقبيلًا، فأُخذوا عليه وقُتِّلوا تقتيلًا، وحين خَلَتِ القلعةُ من سُكَّانها [وصفَتْ عن اتِّباع شيطانها]، صُرِفتِ الأبصارُ إلى مشاهدة الصنم [المذكور]، وكان بيتُه في صدر القلعة على جانب البحر المحيط، وأساس البيت من الصخور العِظام، وارتفاعُه على ستٍّ وخمسين سارية، وعلى شرافاته رُمَّان الذهب يلوح من بعيد كالشموس [ويحلُّ محل لمعانها من القلوب والنفوس]، وحولَه
стр. 8719
أصنامُ الذهب والفضة، وكلُّ صنمٍ قد بولِغَ في نقْشِه، ووُضِعَ الأصنامُ حولَه بمنزلة الملائكة حولَ عَرْشِه، وعلى بابه ستورٌ مُرخاةٌ، ومواقفُ الحُجَّاب مُهيَّأةٌ، وكان يجتمع إليه أيامَ الكسوف نحوٌ من مئة ألف إنسان، [ويحجُّون من كلِّ مكان]، وبين يديه جرسٌ معلَّقٌ من ذهب، في سلسلةٍ وزنُها مئتان وسبعون منا (١)، يُحرِّكونه في أوقات الصلوات [وساعات العبادات، وكان] إلى جانب الصنم خزانةٌ فيها من الأصنام الذهبية والفضِّية والمَناطق والقلائد وغيرِها ما بلغت قيمتُه عشرين ألف ألف درهم، غير الذهب (٢)، ثم أَمر العبدُ بكسر الصنم وقَلْعِه، فأُزيلَ في ساعةٍ (٣) عن قرارِه، [واستولى المحوُ على آثاره]، وأُوقِدَتْ عليه النارُ حتى صار جُذاذًا، وتقطَّع أفلاذًا، ولعبتِ النارُ في القلعة وجدرانِها، واشتمل القتلُ على خمسين ألف قتيل من سُكَّانها، [وهو كتاب طويل حاصله ما ذكرناه].
وفيها في رمضان دخل جلالُ الدولة بغداد، وخرج القادر لتلقِّيه على العادة، وصَعِد إلى طيار الخليفة، وقبَّل الأرض، ثم نزل في زَبْزَبه إلى دار المملكة، وضُربَ الطبلُ على بابه في أوقات الصلوات، فراسله الخليفةُ، وقال: هذا فيه مماثلةُ الخلافة. فاقتصر على الثلاث، وقيل: إنه دام على الخمس مدة أيام، وقال (٤): لي أسوةٌ بعضد الدولة والصَّمْصام وبَهاء الدولة وغيرهم، فأجابه الخليفة لمَّا أصرَّ.
وفي شوال قُبِضَ على شمس الملك أبي الحسين بن علمكار، وكان في داره نخلةٌ غضَّةٌ صحيحة، والدار بدرب النخلة ببغداد، فلمَّا قُبِضَ عليه بالحِلَّة يبست النخلة في ذلك اليوم ببغداد.
وفيها توجَّه أبو كاليجار من شيراز إلى الأهواز، فدخلها في رمضان، واستخلف على فارس بَهرام بن مافنة، وسببه أنَّ أبا كاليجار كان قد صالح أبا الفوارس واتَّفقا،
стр. 8720
وعَلِم بخروج العراق عن يده، وأنَّ وزيره أبا محمد ابن بابشاذ أتسز خاطب أبا منصور بَهرام في النيابة عنه بفارس، فامتنع واعتذر، فراجعه مرارًا، فأجاب على شروط أنَّه لا يُلَقَّب لقبًا، ولا يلبَس خِلْعةً، وأن يُدبِّر الأمورَ على ما يقتضيه رأيُه، من غير توقُّفٍ على إذنٍ ينتظره، إذْ كان بُعْدُ المسافة لا يحتمل تأخير ما يوجب الصلاحُ إنجازَه، وأن تُجعلَ الأعمالُ كلُّها إليه من غير مشاركة ولا مشارفة، فأجابه إلى جميع ذلك، وسار يوم السبت تاسع عشر شعبان، ولمَّا فصل عن فارس رتبَ أبو منصور الأمورَ الترتيبَ الحسن، ورفعَ المصادراتِ، وأفاض العدلَ، وأمَّنَ الناسَ كافَّةً، وأسقطَ التأويلات، حتى سُمِّي الأجل العادلَ، واستناب الوزيرَ أبا علي بن بُندار في ذلك، وكان الأكرادُ قد أفسدوا البلاد، فجمع العسكر وخرج إليهم، فلمَّا بلغَهَم سيرتُه أطاعوه، وجاؤوا إلى خدمته، فزال الفساد، وارتفع شَنُّ الغارات على الأطراف، وأمِنَتِ السُّبلُ، وأحسن إليهم، وأقطعهم الإقطاعات، ولزموا خدمته، ومما فعل أنه كان بفارس معايشُ ورواتبُ وتَشريفاتُ الأكابر من الكُتَّاب وذوي الحرُمات والبيوتات ما هو مُجرًى على طول الزمان، ما مقداره ألف ألف درهم في كل سنة، فلمَّا ضاق المالُ على السلطان قطعَ هذه الرسوم، وأحال على أربابها بما عسفوا فيه أشدَّ العسف، فأعادَ أبو منصور الرسومَ إلى أربابها، وأزال عنهم العَسْف والظُّلمَ، فأحبَّه الناس.
وفي ذي القَعدة شغب الجند ببغداد على جلال الدولة، وقالوا: كم مواعيد؟ وخرجوا إلى ظاهر البلد، وسُئلوا (١) فلم يلتفتوا، فقبضَ جلالُ الدولة على جماعةٍ من الأعيان، وصادرهم، وأرضى به الترك.
وفيها نُقِضتْ دارُ مُعِزِّ الدولة بباب الشَّماسية، وكان غرم عليها اثني عشر ألف ألف درهم، سوى ما أخذ من أنقاض البلاد [ولم يبقَ لها أثر إلا مسناتها، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم].
ولم يحُجَّ أحدٌ من خراسان ولا من العراق.