← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

وقد أخرج أحمد بمعناه بإسناده عن جابر بن عبد الله وذكر حديثًا طويلًا في الدجَّال، وفيه: "ومَعَه جِبَالٌ مِن خُبْز وَنَهْرَانِ وشَيَاطِيْن تُكَلِّمُ النَّاسَ، ويَأْمُرُ السَّماءَ فَتُمْطِرُ، ويَقْتُلُ نَفْسًا ثم يُحْييها، لا يُسلَّط على غَيْرِها مِنَ النَّاسِ، وَقَد حَرَّمَ الله عليه مَكَّةَ والمَدِينَة، فالملائكة قائمةٌ على أَبْوَابِها، ويفرُّ المسلمونَ منه إلى جبلِ الدُّخَان بالشَّام، فَيَأتيهم فَيَحْصُرُهُم فيه، وَيَشْتَدُّ حِصَارُهم، فَيَنْزِلُ عيسى فَيُنَادِي وَقتَ السَّحَر، أَيُّها النَّاسُ مَا يَمْنَعُكُم أَنْ تَخْرُجُوا إلى الكَذَّابِ الخَبِيْثِ، فَيَنْطَلِقُونَ معهُ ويَقولُون: هذا رجل جِنِّيٌّ، فتُقام الصَّلاةُ، فيقال لعيسى: تَقَدَّم يا رُوحَ اللهِ، فيقول: ليَتَقَدَّم إمَامُكُم فَلْيُصَلِّ بكم. فإذا صَلَّوا صَلاةَ الصُّبحِ، خَرَجُوا إليه، فحين يَرَاهُ الكَذَّابُ يَنْمَاثُ كما يَنْمَاثُ المِلْحُ في الماء، فَيَمْشِي إليه فَيَقْتُلُه، حتى إنَّ الشَّجرَةَ والحَجَرَ لَيُنَادِي: يَا رُوحَ الله، هذا يَهُودِيٌّ، فلا يَتْرُك أَحَدًا ممن كَان يَتْبَعُهُ إلا قَتَلَهُ" (١). وقيل للحُسين بن الفضل البَجَلِيِّ: هل تجد نزول عيسى في القرآن؟ قال: نعم، في قوله تعالى: ﴿وَكَهْلًا﴾ [آل عمران: ٤٦] وهو لم يكتهل في الدُّنيا، فصار معناه: وكهلًا بعد نزوله. وأنبأنا غير واحد، حدثنا يوسف بن محمد بن محمد بن عمر الأرموي بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "كَيْفَ تَهْلكُ أُمَّةٌ أَنَا في أَوَّلِهَا، والمَهْدِيُّ مِن أَهْلِ بَيْتِي في أَوْسَطِها، وعيسى في آخِرِها" (٢). وقد روى الشافعي عن محمد بن خالد (٣) الجَنَدي عن أبان بن صالح عن الحسن عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَزْدَادُ الأَمْرُ إلَّا شِدَّة، ولا الدُّنيا إلا إدْبارًا، ولا النَّاسُ إلا شُحًّا، ولا تَقُوم السَّاعةُ إلَّا على شِرَار الناس، ولا مَهْدِيَّ إلا عيسى ابن مريم" (٤). إلا أنه حديث لا يصح، قال البيهقي: لم يروه عن الشافعي غير يونس بن عبد

стр. 912

الأعلى (١). ولما سئل الشافعي عنه قال: كذب علي يونس، ما حدثته به، ولا حدثني به أحد. ومحمد بن خالد الجندي مجهول. وقال البيهقي: إنما أنكروه لأن الأحاديث في خروج المَهْدي من ولد نبينا ﷺ مشهورة، فلا يعارضها هذا الحديث الواهي. وقد رُويَ أن عيسى يُدفن مع نبينا ﷺ في الحجرة، وقد ذكرناه في الحديث الذي في أول الفصل، وهو قوله ﵇: "ويُدفن في مسجدي أو حجرتي". وفي حديث عروة عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، أَتأْذَنُ لِي إذَا مِتُّ بَعْدَكَ أَنْ أُدْفَنَ إلى جَانِبِكَ، فقال: "ما بقي في الحُجْرَة إلا مَوْضِعُ قَبْرِ عيسى" (٢). وأخرج الترمذي عن عبد الله بن سلام قال: نَظَرْتُ في التَّوراة صِفَةَ رَسُولِ الله ﷺ وعيسى ابن مريم، وأَنَّه يُدفن معه (٣). والجواب أنَّه ليس في هذه الأخبار ما يصح، أما الحديث الأول فالصحيح من الرواية "ويُدفَنُ في مسجدِي"، وأما حديث عائشة، فقد ضعَّفه الحفاظ، وقالوا: لا يصح عن عائشة، وأما حديث ابن سلام، ففي إسناده أبو موْدُود المَدَنيِّ. قال البخاري: وهذا لا يصح عندي ولا يتابع عليه (٤). وقال ابن عباس: يدفن عيسى عند باب حجرة النبي ﷺ ، وهو الأصح لوجوه: أحدها: تأدبًا مع رسول الله ﷺ . والثاني: ليكون موافقًا لقوله ﵇: "ويدفن في مسجدي". والثالث: لأنه حاجبٌ، لقوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]. والحاجب ينبغي أن يكون قريبًا من المحجوب لا أن يكون معه.

стр. 913

فصل في وفاة مريم ﵍ واختلفوا فيه على قولين: أحدهما: أنها توفيت بعده، فقال السُّدي عن أشياخه: توفيت بعده بست سنين. وكذا قال ابن عباس وغيره. والثاني: أنها توفيت قبله، فرُويَ أن عيسى كان لا يأكل إلا من غزلها إذا لم يكن زمان اللّقاط، وكانا يصومان الدهر، فجاء ليلةً عند الإفطار وهي نائمة قد ماتت، فناداها: يا أُماه، قد أفطر الصائمون، أما آن لك أن تفطري، فأوحى الله إليه أنها قد توفيت، فسَلْها تجيبك، فقال: يا أماه، فقالت: لبيك يا بني، فقال: كيف وجدت الموت؟ فقالت: يابني، والله لو وقعت عليَّ جبال الدنيا لكان أهون عليَّ من الموت. والقول الأول أشهر. وكان سنها يوم ماتت نيفًا وخمسين سنة (١)، وقيل أقلُّ من ذاك. وقال السُّدي: حملت به وهي بنت ثلاث عشرة سنة، ورفع وهو ابن ثلاثين، وعاشت بعده ست سنين (٢). ومن قال: حملت به وهي بنت خمس عشرة (٣) سنة قارب الحساب (٤). ودفنت بالجسمانية (٥) شرقي بيت المقدس عند قبر داوود ﵇. وقال علماء السير: ولما رفع عيسى انقطع الوحي بعده ووقعت الفتوة حتى بعث نبينا ﷺ . وقال وهب: كان بين عيسى ونبينا ﷺ أربعةٌ من الأنبياء، ثلاثة منهم ذكروا في قوله تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤]. والرابع: خالد بن سنان العبسي (٦). وسنشير إليهم في الفترة إن شاء الله تعالى.

стр. 914

فصل فإن قيل: فكم كانت معجزاته؟ فالجواب: كثيرة، منها: ولادته من غير أب، وتعليمه الكتاب والحكمة، والنطق في المهد، ورفعه إلى السماء، وغير ذلك مما ذكرناه (١). فإن قيل: فلِمَ رفعه إلى السماء؟ فلوجوه: لتصحبه الملائكة فتصل بركته إليهم كما وصلت إلى أهل الأرض. والثاني: لأنه ضمن له النجاة من أعدائه (٢) لما ضاقت به الأرض. والثالث: لقوله: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] قال محمد بن إسحاق: أماته سبع ساعات ثم أحياه ثم رفعه (٣). وقد بيناه. فإن قيل: فلِمَ لم يردَّه إلى الأرض؟ فالجواب: ليكون علمًا للساعة، ولِيُؤمن به الكفار لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]. فإن قيل: فقد ذكرتم أنه كان زاهدًا، فكيف قال: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم: ٣١]؟ فالجواب من وجوه: أحدها: أوصاني بالزكاة على شرط وجود المال (٤). والثاني: أنَّ الزكاة ها هنا: الإسلام. والثالث: الطهارة (٥)، لأن الزكاة طهارة. والرابع: الثناء على الله. ومذهب (٦) النصارى: أنَّ من هبوط آدم إلى رفع عيسى، خمسة آلاف سنة وخمس مئة واثنان وثلاثون سنة (٧).

стр. 915

فصل في عدد الأنبياء والمرسلين، وذكر ما بينهم من السنين (١) حدثنا عبد المحسن بن عبد الله بن أحمد الطُّوسي بإسناده عن ابن المسيب عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله، كمِ الأنبِيَاءُ؟ قال: "مئةُ ألفٍ وأربعةٌ وعِشرُونَ أَلفًا" قال: قلت: كم الرُّسُلُ منهم؟ قال: "ثَلاثُ مئةٍ وثَلاثَةَ عَشرَ جَمًّا غفِيرًا" قلت: من كان أولهم؟ قال: "آدمُ نبى مُرسَلٌ، خَلَقَهُ اللهُ بِيده، ونَفَخَ فيهِ من رُوحِهِ، وسَواهُ قُبُلًا. ثُم قال: أربعةٌ مِنهم سُريَانِيونَ آدمُ، وشيثُ، وخَنُوخُ، وهو: إدريس، ونُوحٌ. وأربعةٌ من العربِ: هودٌ، وصالحٌ، وشعيبٌ ونَبِيُّكَ، وأولُ الأنبِياءِ من بَني إسرائِيلَ: مُوسى وآخِرُهم: عيسى". قال: فقلت: فكم أَنزَلَ الله مِنَ الكُتُبِ؟ فقال: "مئةٌ وأربَعة كُتُبٍ" (٢). وقوله: "قبُلًا" أي: عيانًا. ومنه: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ [الكهف: ٥٥]، وقوله: "أول أنبياء بني إسرائيل موسى" أي: بعد يعقوب ويوسف. وروى مجاهد عن ابن عباس قال: المرسلون ثلاث مئة وخمسة عشر أو ستة عشر على عدة قوم طالوت. وروى عنه عكرمة أنه قال: بعث الله من بني إسرائيل أربعة آلاف نبي. قال: وكل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: إدريس، ونوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ولوط، وشعيب، ومحمد ﷺ ، وقال: ليس من نبي له اسمان إلا يعقوب وهو إسرائيل، وعيسى وهو المسيح (٣). فصل في مقدار ما بينهم من السنين واختلفوا فيه على أقوال: أحدها: أنه كان بين نوح وآدم ألفا سنة ومئتا سنة وثمانٍ وعشرون سنة، قاله ابن عباس في رواية مجاهد، وذكره جدي في "التلقيح" (٤).

стр. 916

وفي رواية عكرمة: مئتي سنة لا غير. وفي رواية أبي صالح عن ابن عباس: أنَّ بين آدم ونوح ألف سنة عشرة قرون. قال: وكلهم كانوا على الإسلام (١). وبين نوح وإبراهيم ألف ومئة وثلاث وأربعون سنة. ذكره جدي في "التلقيح" (٢)، وقد اختلفوا فيه: فروى الوالبي عن ابن عباس قال: بين نوح وإبراهيم ألف ومئة سنة: أحد عشر قرنًا. قال في "التلقيح": ومن إبراهيم إلى موسى خمس مئة وخمس وسبعون سنة. وروي عن ابن عباس: أنَّ بينهما ست مئة سنة. قال: ومن موسى إلى داود خمس مئة وتسع وسبعون سنة. وروي عن ابن عباس: أن بينهما لست مئة سنة. وقيل: خمس وخمسون. ومن داود إلى عيسى ألفُ سنة وثلاث وخمسون سنة. وقال غيره ألف وثلاث مئة وخمسون سنة. ومن عيسى إلى محمد ست مئة سنة. وهذه الرواية بالاتفاق ما بين عيسى ومحمد ﷺ ، ولهم فيما عدا ذلك اختلاف كثير اقتصرنا على الأصول. وحكى في "التلقيح" عن ابن أبي خيثمة قال: منذ خلق الله آدم إلى أن بعث محمدًا ﷺ خمسة آلاف سنة وثمان مئة سنة (٣). وقد أشرنا إلى طرفٍ من هذا في خطبة الكتاب. وأنبأنا جدي قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد القزاز بإسناده إلى الضحاك عن ابن عباس قال: كانت فترتان فترة بين آدم ونوح، وفترة بين عيسى ومحمد ﷺ ، فكان أول نبي بعث بعد آدم إدريس، وبين موت آدم وبعث إدريس مئتا سنة، لأن آدم عاش ألف سنة إلا خمسين عامًا، وولد إدريس وآدم حي، ومات آدم ولإدريس مئة سنة، ورُفِعَ وهو

стр. 917

ابن أربع مئة سنة وخمس وستين، وكان الناس من لدن آدم إلى إدريس ملةً واحدة، مستمسكين بالإسلام، وتصافحهم الملائكة، فلما رُفِعَ إدريس فتر الوحي إلى أن بعث الله نوحًا، وكان يوم بُعِثَ: ابن أربع مئة سنته وثمانين سنة، وكانت نبوة نوح ألف سنة إلا خمسين عامًا، ثم عاش بعد الغرق خمسين عامًا، ومات. وقيل: مئتي عام. وانقطع الوحي ما بين إدريس ونوح، وكان سام ابن نوح بعدما مات نوح ابن أربع مئة سنة، وعاش بعده مئتي سنة. وكان بين نوح وهود ثمان مئة سنة، وعاش هود أربع مئة وستين سنة. وكان بين هود وصالح مائة سنة، وعاش صالح ثلاث مئة سنة وثلاثين سنة، وقيل: ثلاث مئة إلا عشرين سنة. وكان بين صالح وإبراهيم لست مئة وثلاثون سنة، وعاش إبراهيم مئة سنة وخمسًا وسبعين سنة، وقيل: مئتي سنة. وعاش إسماعيل مائة سنة وتسعًا وثلاثين سنة، وعاش إسحاق مئة وثمانين سنة، وعاش يعقوب مئة وتسعًا وأربعين سنة. وكان بين موسى وإبراهيم سبع مئة سنة، وكانت الأنبياء بين موسى وعيسى متواترة. وبين عيسى ومحمد ست مئة سنة (١). قلت: وقد وهم الخطيب (٢) في هذه الرواية بإسقاط شيث، ولم يتدبر حقيقة التاريخ، فإنهم لا يختلفون أنه كان بين آدم وإدريس، وأنه نبي مرسل، ووصيُّ آدم، وكان أفضل أولاده، وقد ذكرناه بعد آدم ﵊. فصل في ترتيب كبار الأنبياء قال جدي في "التلقيح": كان من بعد آدم شيث وهو وصيُّه، ثم إدريس، ثم نوح، ثم

стр. 918

هود، ثم صالح، ثم إبراهيم، ثم لقمان الحكيم. قلت: وأين لقمان من إبراهيم، وبينههما ألوف سنين، ولقمان كان في زمان داود؟ والصحيح: أنه كان عبدًا صالحًا، ولم يكن نبيًا وقد ذكرناه. ثم قال: وكان لوط، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، وشعيب، ويوسف، ومن بعد يوسف موسى بن ميشا. قلت: موسى هذا ابن ميشا مختلف فيه، ولم يُذكر في جملة الأنبياء، إلا في رواية شاذة. قال: ثم موسى بن عمران، ثم يوشع بن نون، ثم كالب بن يوفنا، ثم حزقيل، ثم إلياس، ثم طالوت الملك، ثم داود، ثم سليمان، ثم أيوب، ثم يونس بن متَّى، ثم شعيا بن أمصيا، ثم زكريا ويحيى، وعيسى، وإرميا. قلت: وقد أخلَّ بهارون وجماعة، وقد ذكرناهم (١). ثم قال جدي ﵀: وكان ذو القرنين بين عيسى ومحمد في الفترة، ثم قال: كذا ذكروا، والصواب: أنَّ ذا القرنين كان في أيام الخليل ﵇، إلا أن يعنى به اليوناني (٢). * * *

стр. 919

فصل في مذهب أرباب الرَّصَد ذكر يعقوب بن طارق المنجم في كتاب "الأفلاك" وقال: إن الماضي من سني العالم من هبوط آدم إلى الهجرة على سير الشمس أربعة آلاف ألف ألف ألف ألف سنة -ذكره أربع مرات- وثلاث مئة ألف ألف وعشرين ألف ألف سنة. وقال النُّوْبَختي: من ابتداء حركة الفلك بالكواكب من أول نقطة في برج الحمل أول سنة اثنتين وثمانين وخمس مئة للهجرة أربعة آلاف ألف ألف ألف ألف سنة وذكرها النوبختي أربع مرات. قلت: وهذا ضرب من المالنخوليا (١)، لأن هذا باب لا يدرك بالتخمين والحدس، وهل في طاقة بشر أن يحقق تاريخ مئة سنة على الوجه؟ وإنما هذه تخيلات وظنون، ونظير هذا قول ابن طارق والنُّوبختي وأبي معشر: إنَّ لكل كوكبٍ من الكواكب السبعة سلطان وزمان يتعلق بعمر العالم الذي هو فيه، فإذا استكمل قطع المسافة، وقع التعاد، ودثر ذلك العالم، وعاد التدبير إلى الكواكب الأُوَل، وعادت أشخاص كل عالم إلى ما كانت عليه، وذلك يتعلق بالبروج والكواكب. قالوا: فسلطان الحمل وماله من الكواكب -وقد ذكرنا في صدر الكتاب ما لكل برج من الكواكب (٢) - اثنتا عشرة ألف سنة، وسلطان الثور وماله أحد عشر ألف سنة، وسلطان الجوزاء وماله عشرة آلاف سنة. وما زالوا ينقصون من كل برجٍ وماله من الكواكب سنة سنة حتى قالوا: وسلطان الحوت وماله من الكواكب ألف سنة، فجميع عمر العالم ثمانية وسبعون ألف سنة. قلت: وهذه الأقوال تأباها العقول السليمة، وتردها الشرائع المستقيمة، والاعتماد في هذا الباب على ما ورد من سيدنا المصطفى زاده الله عزًا وشرفًا. أنبأنا جدي ﵀، وعبد العزيز بن محمود البزاز قالا: حدثنا أبو القاسم ابن

стр. 920

السمرقندي (١) بإسناده عن قتادة الحسن عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن صَدَّقَ مُنجمًا بما يَقُولُ فَقَد كَفَرَ بِما أُنزلَ عَلى مُحمدٍ". أخرجه ابن ماجه (٢). وفي رواية: "مَن أتَى مُنجمًا أو كاهِنًا فَصَدَّقَهُ فَكأنَّما كَذَبَ بِما أُنزِلَ على محمدٍ". وروى عكرمة عن ابن عباس قال: لما انصرف عليٌّ ﵇ من الكوفة لقتال الخوارج بالنَّهروان، وكان معه مُسافرُ بنُ عَوفٍ بن الأحمر، وكان يَنظرُ في النجوم، فقال: يا أمير المؤمنين، لا تَسِرْ في هذه الساعة، فإنك إن سِرتَ فيها، أصابك وأصحابَك بلاء وشدة، وسِرْ في الساعة الثانية، فإنك تظفر بما تطلب. فقال أمير المؤمنين: الله لا إله إلا هو، وعلى الله فليتوكل المؤمنون. وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول، وذكر هذا الحديث، ثم قال: ما كان لمحمد ﷺ منجم، ولا للخلفاء بعده، فمن صدَّقَكَ بما تقول، فقد كذَّب بالقرآن، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]، ثم قال: يا ابن الأحمر، نخالفك ونسير في هذه الساعة التي نَهيتَ عنها. ثم أقبل على الناس، وقال: إياكم وتعلّم النجوم، إلا بما تهتدون به في ظلمات البر والبحر. يا ابن الأحمر، لئن بلغني بعدها أنك تنظر في النجوم، لأجلدنك جلد المفتري، ولأخلِّدتك الحبس ما بقيت، ولأحرمنك العطاء ما عشت وكان لي سلطان. ثم سار في الساعة التي نهاه عنها، فظفر بالخوارج وأبادهم (٣). وقال: المنجمون أعداء إلى الرسل يكذبون بما جاؤوا به من عند الله، يتسترون بالإسلام ظاهرًا، ويستهزؤن بالأنبياء باطنًا. وذكر كلامًا طويلًا. وفي رواية: أنَّ المنجم قال له: لا تسر في هذه الساعة، فإن القمر في العقرب. فقال له: قمرنا أو قمرهم. وحكى لي شيخنا يوسف بن يعقوب الحربي قال: كان ببغداد رجل مُرجف، يقال

стр. 921

له: ابن بِشْران، يقف في الأسواق، ويقول: ترك السلطان مسعود هَمَذان، وصلت مقدماته إلى حُلْوان، خرج أتابُك زنكي من الموصل، وصل تَكْرِيت، فتغلو الأسعار، ويخاف الناس. ولم يكن جرى شيء مما ذكره. وبلغ الخليفة المستنجد، فبعث إلى الوزير وقال له يؤدب ابن بِشْران وينهاه. فأحضره الوزير ونهاه، وأراد أن يوقع به الفعل، فاستحيا منه، وقال له: والله لئن بلغني عنك بعدها كلمة من هذا لأعملنَّ معك الواجب. فخرج من عنده، فأقام أيامًا لا يستجري يتكلم، فأعيته الحيل، فاشترى تقاويم وقعد على دكة بغداد، وشرع يقول: يقترن الكوكب الفلاني مع الكوكب الفلاني، فتهب ريح سوداء تأخذ بأنفاس (١) العالم، فيهلكون، تنشف دجلة بعد أيام، وشرع في مثل هذا، فمرَّ به بعض ظرَّاف بغداد، فوقف عليه وهو يقول كذا، فعمل فيه هذا الشعر (٢): [من الكامل] إنَّ ابنَ بِشْرانٍ ولستُ ألومُهُ … من خِيفةِ السُّلطَانِ صَارَ مُنجِّمَا طُبعَ المشومُ على الفُضُولِ فلم يُطق … في الأرضِ إرجَافًا فأرجَفَ في السَّما وحكى لي جماعة عن بعض المنجمين ببغداد: أنَّه مرَّ به شاعر وبيده اسطرلاب، فقال: أين الشمس؟ فقال المنجم: في الثور، فقال الشاعر (٣): [من السريع] قامَ إلى الشَّمسِ بآلاتِه … يَنظُرُ بالتَّخمِينِ والحَدْسِ فَقُلتُ: أين الشَّمسُ؟ قَالَ الفتى … في الثَّور قُلتُ الثورُ في الشَّمسِ وحكى لي أيضًا جماعة: أنه كان ببغداد منجم يقال له: الحُدَاني، عبر عليه شخص وهو في حلقة يقول: يا قوم، كيف تصنعون؟ قد نظرت في علومي، وإذا بكم تلاقون سنينًا كسني يوسف، تبقون سبع سنين لا تمطرون، وتأكلون الجيف والميتة، وجعل يعظم الأمر، قال: فنشأت سحابة مثل الترس، وامتدت، وجاءت كأفواه القرب، وخاض الناس في الوحل، فقال ذلك الشخص هذه الأبيات: [من الكامل] جَمَعَ الحُدَانِيُّ المُنَجِّمُ حلْقَةً … وبدا يُسفسِطُ في النُّجومِ ويَحدِسُ

стр. 922

ويَقُولُ هذا العَامُ أزعُمُ أنَّهُ … مِن عامِنَا الماضِي أجفُّ وأيبَسُ فَتَدفَّقَت سُحبٌ فَما قَامَ امرُؤٌ … مِنْ عِندِهِ إلا يشقُّ ويَرفُسُ وأما الأبيات التي ذكرناها في ترجمة المأمون، فقليل لها أن تكتب بماء الذهب على صفحات الأحداق، وأن يحث في طلبها كوم النياق، وهي هذه الأبيات: (١) [من الخفيف] أيُّها الجاهِلُ المُفَكِّرُ في الشَّمـ … ـسِ المُعنَّى بها اعتنَاءَ المجُوسِ تارِكًا خُطَّة المسِيرِ من السَّبـ … ـتِ يروم المسِير يوم الخَمِيسِ ما رأينَا النُّجومَ أغنَتْ عن المأ … مُونِ في عِزِّ مُلكه المأسُوسِ خلَّفُوه بِعرصَتَيْ طرسُوس … مثلما خلَّفُوا أبَاهُ بِطُوسِ * * *

стр. 923

فصل في ذِكر الأمم الماضية والقرون الخالية الأوَّل: في ذِكر الهِندِ وأنبائها وبُدوِّ ممالكها وآرائها (١) قال الجوهريُّ: هندٌ وسِندٌ: اسمُ بلادٍ، والنِّسبةُ إليها: هِنديٌّ وسِنديٌّ (٢). وذكر العلماءُ بأخبار العالم أنَّ الهندَ في قديم الزَّمان كانت الفِرقةَ التي يُنسَبُ إليها الصَّلاحُ والحكمة والخَيْرُ، فاستَضْعَفَهمُ الناس لطيب بلادهم وسَعَتها، وكثرةِ المال فيها. وكان عندهم حكيمٌ قد فاق أهل عصره، يقال له: البرهمن (٣)، من وَلَد إبراهيم على ما قيل، فنَصَّبوه ملِكًا لهم، وسمَّوه: السُّلطانَ الأعظم، والإمامَ المقدَّم -وبعضُهم يقول: هو آدم- وإليه تُنسب البراهمةُ، فقام بالأمر أحسنَ قيام، وقرَّب الحكماءَ والعلماءَ، وبنى الهياكلَ، والهيكل الأعظمَ، ورصَّعه بالجواهر المُشْرِقة، وصوَّر فيه الأفلاكَ والبروجَ الاثنَي عشر، والنُّجومَ الثابتةَ والسَّيَّارةَ، وبَيَّن في الصُّور كيفيَّة العالَم وتأثيراتِ النَّيِّرَيْنِ، وأشار إلى واجب الوجود، وقرَّر في أذهان الخواصِّ معرفته، وأن نُورَه فائضٌ على خَلْقه، وصنَّف كتابًا سماه: "سِند هِند"، وتفسيره: دهر الدُّهور، ومنه تَفرَّعت كتبُ الحِكْمِيَّات مثل: المِجِسْطِي (٤) ونحوه، وعمل الزِّيجات، واستخرج الحروفَ التِّسعَةَ المحيطةَ بالحساب الهندي، وهو أولُ مَن أحدَث القَولَ بالأكرار (٥) والأدوار، وأن الأعمار في أوّل البُدُوِّ تَطولُ لسَعَة الدائرة، وتَقصُر عند قِصَرِها. وتكلَّم على سير الشَّمس وأَوْجِها، وأنها تقطعُ الفَلَكَ في ستة وثلاثين ألف سنة، وتُقيم في كل برجٍ ثلاثة آلاف سنة، ومتى انتقلتْ إلى البُروج الجنوبية صار العامرُ

стр. 924

خرابًا، والخرابُ عامرًا، وسَمَّى العالم في ابتداء كل ثمانية وسبعين (١) سنة: هازروان، وأَن العالم متى قطع هذه المدةَ عاد الكونُ والنَّسل. على حسب ما ذكرنا في الباب الماضي (٢)، وله في هذا كلامٌ طويلٌ، فانقادت له الهند وأطاعتْه. وكان قد بنى بيتًا من ذَهَب يُجالس فيه الحكماءَ، فجمعهم يومًا وقال لهم: تعالَوْا ننظر في أمر هذا العالَم والسِّرِّ في إيجاده، وهل له غاية، وما وَجْهُ إعدامِنا بعد إيجادنا؟ فقال حكيم منهم: الواجبُ علينا أولًا أن نبتدئ بمعرفة نفوسِنا، التي هي أقربُ الأشياء إلينا منافعَ نعدُّها، فكيف بالمُبدِئ الأوّل؟ وقال آخر: لو تناهَتْ حكمةُ الخالق في أحد العقُول، كان نقصًا في الحكمة، ولكان الغرضُ غيرَ مُدرك، لأن البارئ تعالى لا بدايةَ له ولا نهاية. فقال البرهمن (٣): ما أدري ما تقولون، غير أنا خرجنا إلى الدنيا مُضطرِّين، وعِشْنا فيها حائرين، ونخرجُ منها مُكرَهين، فأقَرُّوا له بالفضل. وأقام فيهم البرهمن ثلاثَ مئةٍ وستًّا وستين سنةً، ثم مات، وجَزِعت الهندُ عليه. وكان قد أوصى إلى ولده واسمُه: الباهبوذ. فصل فأقام فيهم على منهاج أبيه، وزاد في بناءِ الهياكل، وضاعف الإحسانَ إلى العلماء والحكماء، وزاد على أبيه بأن وَضَع أشياءَ منها: النَّرْدُ، وجُعِلت مثالًا للمكاسب، وأنها لا تُنالُ بالحِيل، وأن الرزق لا يَحصُل في هذه الدُّنيا بالحِذْقِ والاحتيال، بل بالأقدار، ورتَّب اثني عشرَ بيتًا بعدد الشُّهور، وجعل كِلابَه ثلاثين كلبًا بعدد أيام الشَّهر، وجعل الفُصوصَ مثالًا للقَدَرِ (٤) وتقلُّبِه بأهل الدُّنيا، وأن الإنسان يُلْعبُ به، فيبلُغ بإسعادِ القَدر إياه ما يريد، وأن الحازمَ الفَطِنَ لا يَنتفع بحَزْمِه إذا لم يُساعده القَدرُ. ويقال: إن أَرْدَشير بن بابك أولُ مَن وضَع النرد، وليس كذلك، وإنما وضعَه

стр. 925

الباهبُوذ، ومضى عليه زمان فدَثَر، فجدَّدَه أَرْدَشير، فأُضيفَ إليه، فقيل: نَرْدَشير. وأولادُ البرهمن أشرافُ الهند وأكابرُهم، ولا يرون ذبحَ الحيوان، ومَن ذبح حيوانًا ذبحوه، ولو كان دجاجةً، وفي أعناق النِّساء منهم والرِّجال خيوطٌ صُفْرٌ، يُعرفون بها، مثلُ الغِيار (١). وأقام الباهبوذ فيهم مئةَ سنةٍ، ثم مات. فصل وملَّكوا بعده رجلًا يقال له: زامان (٢)، فأقام فيهم مئةً وخمسين سنة على سيرة مَنْ تقدَّمَه، ثم مات. فصل فملَّكوا عليهم رجلًا اسمه: فور (٣)، فقام بالمُلك أحسنَ قيام، ويقال: إنه الذي قتله الإسكندرُ اليوناني مبارزةً، وكان صاحبَ مدينة المانكير، وعاش مئةً وأربعين سنةً ولم يُجدّدْ شيئًا من الحكم. فصل فولَّوا بعده رجلًا يقال له: دَبْشَلم، وكان فاضلًا، وضع شيئين: أحدهما: كتاب "كليلة ودمنة" الذي نقله ابن المقفَّع من الهندية إلى العربية، وصنَّف سهل بن هارون للمأمون كتابًا على وَصْفِه وسماه: "ثُعْلَة وعُمرة" (٤)، وهيهات، بينهما كما بين مصر والبصرة. والثاني: الشِّطْرَنج (٥)، وحكم لها على النَّرد، وجعلها على وضع الحيوان ناطقٍ

стр. 926

وصامتٍ، ومثَّل الشاه بالرئيس الأعظم، وما يليه من القطع على المراتب، وأقام ذلك أمثلةً للأجرام العُلوية من السَّبعة والاثني عشر، وجعل كلَّ قطعةٍ منها لكوكب، وهي تتضاعفُ إلى ألوف ألوف على حساب الهند. وأقام دَبْشَلم في الملك مئةً وثمانين سنةً، ثم مات. فصل ومَلَك بعده كورش، فأحدث آراءً في الديانات، وعَدَل عن مذاهب البراهمة، وفي أيامه كان السِّنْدِباد، وله تصانيف -أعني السِّندباد- منها: كتاب "الوزراء السبعة"، وكتاب "معرفة العِلل والعلاجات"، و "أشكال الحشائش" وغيرها. وأقام كورش مئةً وعشرين سنةً، ثم مات. فصل وافترقت الهندُ، وتحزَّبت الأحزابُ، وانفرد كلُّ واحد بناحية، فكان مُلْك الهند على الاجتماع ثمان مئة ونيفًا وخَمْسين سنة، ولما افترقوا، أطاعوا ملكًا من ولد البرهمن يقال له: البلهري، صاحب مدينة المانكير (١)، وملوك الهند يصلون إليه، وتحت يده ملوك كثيرة، وكلُّهم مآلهم إلى ولد البرهمن لا ينتقل عنهم إلى غيرهم، وكذا بيوت الوزراء والكبراء والقضاة معروفة لا يتعدَّونَ إلى غيرها. والهندُ بلاد واسعة برًّا وبحرًا، والبحرُ أعظم، وهي من ناحية الشَّرق متصلةٌ بالصين والزابج (٢) والمهرات والقِمار، وحدُّها من الغرب ما وراءَ النَّهر بأربعين يومًا. ولا يُملِّكون عليهم رجلًا حتى يَبلُغَ أربعين سنة، ويقولون: هي منتهى كمال العقل وقوّة النظر. ولا يَظهَرُ المَلِكُ للعوام إلا في وقت معلوم، ويكون ظهوره بسبب النظر في أمور

стр. 927

الرعية، ويقولون: نظرُ العوامِّ إلى الملك يَخرِقُ الهيبة، وفيه استخفافٌ بالمملكة. وآراءُ الهند تختلف: منهم مَن يقول بتناسُخ الأرواح، ومنهم طائفة لا يشربون الخَمْرَ ويقولون: إنه يُفسِدُ العقل، ومتى شَرِب عندهم ملكٌ خَلَعوه، ويقولون: هو حارس، فمتى فَقَد عقله انتبه اللصوص. واتفقوا على سَماع الملاهي، قالوا: لأنها تزيدُ في العقل. وإذا مات الملك جعلوه على عَجَلةٍ وتحتها بَكَرة، وشَعرُه ينجرُّ على الأرض، وامرأة بيدها مِكنَسة تحثو التراب على رأسه، وهم يَجُرُّونه، والمرأة تقول: أيها الناس، هذا ملككم بالأمس، وقد جرى فيكم حكمُه، وقد صار إلى ما ترون من فِراق الدنيا، فلا تَغتَرُّوا بها. ثم يُطافُ به في شوارع البلد، ويُطلى بالكافور والطِّيب، ويجمعون بين يديه الملاهي، وخواصُّه وأهلُه مُحدِقُون به، ويأتون به إلى الهيكل الأعظم عندهم، وفيه هُوَّةٌ عظيمة فيها نار، يَزعُمون أنَّها نار الخليل ﵇، تُوقَد دائمًا بخشب الزيتون لا تَفْتُر، وعليها الكراسي تحت المَوابِذَة: وهم العلماءُ، ومُوبَذ مُوبَذان -وهو عالمُ العلماء عندهم- جالسٌ على كرسي من ذهب- والهند يَعبُدون هذه النار- فإذا جاؤوا بالملك قام المُوبَذ والمَوابِذة، ويأتون بالملك إلى بين يديه، فَيُزمْزِمُ عليه ساعةً (١)، ثم يأمر بارتفاع أصوات الملاهي جُملةً، ثم يُقذَف بالملك في النار، فيشير المُوبَذ إلى خواصِّه وأهله فيتهافَتُون في النار على حسب منازلهم عند الملك. وقال ابن المقفَّع: الهند يُعذِّبون أنفسَهم بأنواع العذاب، يتقرَّبون بأرواحهم إلى بارئهم. قلت: وقد حكى لي جماعةٌ من التُّجار الذين يَدخُلون الهند، أنهم شاهدوا الملوك وقد فَعلوا بهم ما ذكرنا. وحكى لي جماعة أن ببلاد المانكير جبلًا شامخًا، وله جانب أملسُ من أعلاه إلى الأرض على أسلوب واحد، وفي وسطه شجرةٌ ناتِئة شاهقةٌ كثيرةُ الأغصان قد ألبسوها الأسنَّةَ، ولهم عيدٌ في السنة يجتمعون فيه على رأس الجبل، ومعهم الملاهي والطبول

стр. 928

والبُوقات، فيضربون بها، وتجتمع الشباب وأولو البأس والقوة فيرقصون، ثم يتهافتون من أعلى الجبل إلى الشجرة، فتَلَقَّاهُم الأَسنَّةُ، منهم مَن يَدخُل السِّنانُ في جنبه فيخرج من الجنب الآخر، وتارةً يقع في عينه أو في بطنه، فإن مات وإلا بقي على حاله معلَّقًا حتى يموتَ ويَبْلَى ويتقطَّع ولا يدفنوه. وحكى شيخٌ من أهل بغداد قال: خرجتُ وأنا يومئذٍ ببعض بلاد الهند إلى ظاهر البلد، أتنزَّه بين البساتين؛ وإذا بشابٍّ قد رَبَط عجوزًا إلى شجرة، وجمع لها حطبًا، فقلتُ: مَن هذه منك؟ قال: أُمِّي. قلت: وما تصنعُ بها؟ قال: أحرقها. قلت: ولمَ؟ قال: قد ضَجِرتُ منها، وأريد أن أقرِّبَها. قال: فقلت لها: أَوَ تُحبِّين هذا؟ قالت: نعم، أمضي إلى هناك، وأشارت إلى السماء، فأَحْرَقَها. قلت: فانظُروا إلى هذه العقول التي كادها بارئها، فكيف تتعبَّدُ بإتلاف النفوس التي يُستَدلُّ بها على صنعة مُنشئها؟! وأين هذا من الحِكَم التي يَمنُون بها على جميع الأمم؟ فسبحان مَن أظهر فيهم أسرارَ حكمته، وعجائبَ قُدرته، وكم لهم من مَثَلٍ سائر، ولفظٍ أحسنَ من اللآلئ والجواهر! فنذكر طرفًا من ذلك. فصل ذكر العلماءُ بأخبار العالم فنونًا من كلامهم وأخبارًا من (١) أيامهم فمنه قول وزير البرهمن: الملكُ العاقل يزدادُ برأي الوزير الحازم زيادة البحر بموادّه من الأنهار، ويَنالُ بالحَزْمِ ما لا ينال بالقُوَّة والاستظهار، وقال: المستشيرُ وإن كان أفضلَ من المُشير، فإنه يَزدادُ برأيه رأيًا، كما تزدادُ النارُ بالسَّليط (٢) ضياءً. وقال حكيم آخر: إذا أحدَثَ لك العدوُّ صداقةً لعِلَّةٍ ألجأتْهُ إليك، فمع ذهاب العلَّة ترجِعُ العداوة، كالماءِ فإنك تُسَخِّنُه، فإذا أمسكتَ عنه رجع إلى الأصل باردًا. قلت: أخذه شاعر فقال: [من المتقارب]

стр. 929

وكُلٌّ إلى طبعِه عائدٌ … وإن صدَّه الصّدُّ عن قَصْدهِ كما الماء من بعد إسْخانِه … يعودُ سريعًا إلى بَرْدِهِ وأحسنُ من هذا، قولُ بعض عوامِّ بغداد في كان وكان (١): الشوك لو سقيته يحمل ما ورد عرق … ما يرجع إلا إلى أصله ويحمل الخرنوب وقال آخر: أجودُ الناس من جاد عن قلَّة. أخذه حمّاد عَجْرد فقال من أبيات: [من البسيط] بُثَّ النَّوالَ ولا يَمنَعْكَ قِلَّتُه … فكلُّ ما سدَّ فَقْرًا فَهْو محمودُ إذا تكرَّمْتَ عن بَذْلِ القليل ولم … تَقدِرْ على سَعَةٍ لم يَظهَرِ الجودُ إن الكريمَ لَيُخفي عنك عُسْرتَه … حتى تَراه غنِيًّا وَهْوَ مَجْهودُ وللبخيلِ على أموالِه عِلَلٌ … زُرْقُ العيونِ عليها أوجُهٌ سُودُ (٢) وقال آخر: إنَّ ذا المروءة لَيكونُ خامِلَ الذِّكْر، فتأبى له مروءتُه إلا أن يَستَعليَ؛ كالشُّعلة من النار يصونُها صاحبها وهي تأبى إلا ارتفاعًا، وإن ذا الفضائل لا يَخْفَى فَضْلُه وإنْ أخفاه، كالمِسك يُخفيه صاحبُه فلا يمنَعُه ذلك أن يفوح ريحُه. وقال آخر: لا ينبغي للعاقل أن يُرى إلا في مكانين: إمّا معَ الملوك مكرَّمًا، وإما مع العُبَّاد مُتبتِّلًا (٣). ومن أمثال الهند في الدُّنيا وآفاتِها، قالوا: مَثَلُ الإنسان المغرور بالدنيا، مثلُ رجل ألجأه الخوفُ إلى بئر، فتدلَّى فيها، وتعلَّق بغُصْنَيْن نابتَيْن على شفير البئر، فوقعَتْ رِجلاه على شيء، فنظر فإذا أربعُ حياتٍ قد أطلَعْنَ رؤوسهنَّ من حُجرتهنَّ، ونظر أسفلَ

стр. 930

البئر، فإذا ثعبانٌ عظيم قد فَغَر فاهُ نحوه، فرفع عينْه إلى الغُصنين اللَّذين تعلَّق بهما، وإذا في أصلهما جُرْذانِ: أبيض وأسود؛ يَقرِضان الغصنَيْن دائبَيْن لا يَفتُران. فبينْما هو يُعمِلُ الحيلةَ، يتخلَّص مما وقع فيه، إذ حانَتْ منه التفاتةٌ، فإذا بنحلٍ قد عشَّش في جانب البئر، فمدَّ يده إلى عُشِّه، فأخذ من العسل، فلَعِقَه فوجده حُلْوًا، فشَغَله عن الفكر في أمره، والتماسِ النَّجاة لنفسه، ونَسي أنَّ رجليه على أربع حيَّاتٍ لا يَدري متى تُساوِرُهُ إحداهُنَّ، وأنَّ الجُرذين دائبان شي قَرْض الغُصنَيْن، وأنهما متى قَطَعا ذلك وقع في البئر، فالتقمه التِّنِّينُ. فلم يزل مشغولًا بلَعْق العسل حتى قَرَض الجُرذان أصل الغُصنَيْن، فسقط في البئر، فالتقمه التنّين. فالدنيا هي البئر، والغُصنان الأمل، والطمعُ هو العَسَل، والجُرذان: الأبيض النهار، والأسودُ الليل، يقرضان العمر لا يفتران، والحياتُ الأربع: الأخلاط التي بُني عليها الجسدُ: وهي: البَلغم، والمِرَّةُ الصَّفراء والسوداء، والدمُ، والتنِّينُ الذي في أسفل البئر مَلَكُ الموت، واليسير من العسل لذات الدنيا تُلهيه عن عاقبة ما يَؤولُ إليه أمرُه (١). واقعة جرت بالهند حكى العلماءُ بأخبار الأوائل أنه كان بالهند ملكُ المِهْراج، وكان عظيمًا يَركَبُ في ثلاث مئة ألفٍ، وكان مجاوره ملك القِمار، فحسد ملكُ القمار ملك المهراج، فقال لوزيره يومًا: في نفسي أمرٌ أحبُّ بلوغَه قبل موتي. فقال له الوزير: وما هو؟ قال: أرى رأسَ ملك المهراج في طَشْت بين يديَّ، فشَقَّ على الوزير وقال: أيُّها الملكُ، وما الذي بدا من ملك المهراج إلينا ما يَستوجبُ به ما خَطَر في نفسك؟! ووالله إنه نِعم الجار، وكان بين المملكتين مِقدارُ عشرين يومًا في البحر، وكان الوزيرُ صالحًا ناصحًا، فقال: أُعيذُك بالله أن يَخطُرَ هذا ببالك، فضلًا عن أن يَشِيعَ عنك. فغضب عليه، وتحدَّث مع غير الوزير بذلك. وبلغ ملكَ المهراج ما جرى لملك القمار مع وزيره، وكان ملكُ المهراج رجلًا

стр. 931

عاقلًا ثابتًا، فقال لوزيره: قد بدا من ملك القمار كذا وكذا، ولا ينبغي أن نسكت عن هذا الجاهل، بعد أن شاع عنه هذا، فإنه قَدْحٌ في المُلك. ثم تجهَّز وأظهر أنه يقصد بلدًا سمَّاه، وسار في ألوف مراكب، وطابت له الريحُ، فما شعر ملك القمار به إلا وقد بغته، فحاصره في بلده، وانهزم أصحابُه، فأخذه أسيرًا، وأحضره وأحضر الوزير، وقال للملك: ما الذي حملك على تمنِّي ما ليس في وُسعِك، ولا أوجبه سببٌ من الأسباب؟ فلم يُحِرْ جوابًا. فقال له ملك المهراج: أما إنك لو تَمنَّيت ما تمنيت من أن ترى رأسي بين يديك لتأخذ مُلكي، لاعتمدتُ ذلك فيك، ولكنك تمنَّيت شيئًا بعينه، فأنا فاعلُه بك وراجعٌ إلى بلادي من غير أن أمدَّ يدي إلى شيءٍ من بلادك، لتكونَ عِظَة لمَن بعدك، فلا يتجاوز قدره. ثم ضرب عنقه، وجعل رأسه في طَشْتٍ بين يديه، ثم أقبل على الوزير فقال: وأما أنت، فجُزيت خيرًا من وزيرٍ، فقد صَحَّ عندي أنك أشرت عليه بالرأي لو قبل منك، فانظر مَن يَصلحُ للملك بعد هذا الشقي فولِّه. ثم نزل من ساعته إلى المراكب، وسار إلى بلاده، ولم يَمَسَّ شيئًا من المملكة لا هو ولا أصحابُه. ولما عاد إلى بلاده جلس على سريره، ووضع رأس ملك القمار بين يديه في طشتٍ، وجمع أرباب دولته وخواصَّه، وعرَّفهم بالقصَّة، فعَظُم في عيونهم ودعوا له. ثم ردَّ الرأسَ إلى القمار، وكتب معه: رُدُّوا رأسَ صاحبكم إلى جسده، فإنَّ الذي حملَنا على ما فعلنا به بَغيُه علينا، فأدَّبْنا أمثالَه، وبلَغْنا فيه ما رامه فينا من غير سببٍ نستحقُّ به إلا حُسنَ جواره، ورأينا ردَّ رأسه إلى جسده، إذ لا فخر لنا في تركه عندنا. وبلغ ملوكَ الصين ما فعل، فصاروا كل يوم عند طلوع الشمس يسجدون نحو المهراج تعظيمًا له (١). * * *

стр. 932

فصل في ذكر ملوك الصّين في سالف الدَّهر والحين (١) قال الجوهريُّ: والصِّينُ بلدٌ، والصَّواني: الأواني، منسوباتٌ إليه (٢). وقال غيره: اسم رجل (٣). وقال علماء السير: لما قسم فالغُ بن غابر بن أرْفخْشَذ بن سام بن نوح ﵇ الأرضَ بين ولد نوح، نزل أولادُ عابورا -وقيل: عامورا بن سويل (٤) بن يافث بن نوح، وقيل: عامورا بن يافث- عن يسار المشرق ويمينه، وانتشروا في تلك النواحي، ووصلوا إلى جبل القبق (٥)، وانقسموا عدّة ممالك، منهم التّرك -قال الجوهري: وهم جيلٌ من الناس (٦) - فنزلوا براري عن يمين المشرق، وامتدُّوا إلى الشمال، وكان مَلِكُهم في ذلك الزمان يقال له: زنجان، ثم صار اليوم خاقان، ومنهم: أفراسياب التركي المتغلِّب على أرض فارس، وكلُّهم من ولد عامورا. ثم من أولاد عامورا: الدَّيلم، والأكراد، واللان، والخَزَر، وأهل مملكة السّرير، وكذا النازلون على بحر الخَزَر والبُوْغَز والصُّغْد والأُشْروْسَنَة، وهم بين بُخارى وسَمَرْقَنْد والجبل، ويسكنون جِيلان، وليس فيهم أقوى شوكةً من الترك. وسار مع أولاد عامورا طائفةٌ، فنزلوا في تخوم الهند وبلاد التُّبَّت، وبَنَوْا للملك مدينةً عظيمة وسمَّوها أنموا، وبينها وبين البحر الشرقي -وهو بحر الصين- ثلاثةُ أشهر عمائر متصلة، ومصَّروا الأمصار، وعَمَروا المدن. وأولُ ملوك بني عامورا: انسطوناس بن باعورا بن بريح (٧) بن عامورا بن سويل بن

стр. 933

يافث بن نوح، أقام بأنموا حاكمًا عليهم نيفًا وثلاث مئة سنة ثم مات. وملك بعدَه ابنُه غرون (١)، فجعل جسد أبيه في تمثال من الذهب، وتركه على سرير من الذهب مُرصَّع بالجواهر، وكان يجلس دون مجلس أبيه، وأقام يسجُد للتمثال هو وأهلُ مملكته خمسين ومئتي سنة، ثم مات. فملك بعده ولده عيثرون (٢)، ففعل بأبيه ما فعل أبوه بجدِّه، وأقام مئتي سنة، ثم مات. وملك بعده ولده عيتبان (٣)، ففعل بأبيه كذلك، وأقام ملكًا أربع مئة سنة، ثم مات. فملك بعده ولده خرابان (٤)، ويقال: إنه أول مَن عَمِل المراكب بالصين وبعث بها إلى الأمصار، وجلب إليه التجارُ الأمتعةَ من الدنيا، وملك مئتي سنة، ثم مات. فملك بعده ولده يونان (٥)، فبنى هيكلًا عظيمًا ورصَّعَه بالجواهر، وبنى فيه بيوتَ العبادات، ونقل أجسام آبائه وأجداده إليه، وجعلهم في قُبَّةٍ لها طاقات، وأمر بتعظيمها، وجمع خواصَّ مملكته، وقال: الرأي أن نجمع الناس على مِلَّةٍ وديانةٍ يرجعون إليها، فإن الملك متى عَدِم شريعة (٦) دخل عليه الخلل، ولم يأمَنِ العِثارَ. فرتَّب لهم شريعةً عقليةً، وفرض عليهم فرائضَ جعلها رِباطًا، ورتَّبَ المناكح، والقصاص في النفوس، على حسب ما وردت به الشرائعُ، وجَعل عليهم صلواتٍ مفروضةً لخالقهم في اليوم والليلة، وفيها ركوعٌ وسجودٌ يختصان بأزمنةٍ، وأوجب الحدَّ علي الزاني والزانية، وأقام للكواكب أبْخِرةً من العقاقير (٧). وساس الناسَ سيرةً عادلةً، فأحبَّه الناس، واعتقدوا فيه. وعاش مئةً وخَمسين سنة ثم مات، فجَزِعُوا عليه جَزَعًا عظيمًا، وجعلوه في تابوت من الذهب ورصَّعوه بالجواهر

стр. 934

النَّفيسة، وبَنَوا له هيكلًا عظيمًا على حِدَةٍ، وزيّنوه بأنواع اليواقيت، وبَنَوه على هيئة الكواكب السَّبعة، وجعلوا له عيدًا يجتمعون إليه فيه مثلَ يوم وفاتِه، وصَوَّروا صورتَه وما شرعه في لوحٍ من ذهب، وجعلوه في أعلى الهيكل، وكتبوا اسمه وما فعل على أبواب المدن والدنانير والدراهم والفلوس وذلك بمدينة أنموا. ولما مات اختلفت الآراءُ والنِّحل والممالك بعده، إلا أنهم مع اختلافهم لم يخرجوا عن قضية العقول في نَصْب القُضاة والعدل، والنظر في أمور الخواصِّ والعوام. فروي أن بعض التجار قصد بعض ملوكهم بهدية، فأخذها منه بعض الخدم، ودَفَع له ثمنًا بَخْسًا وظلمه، فأحضر الملكُ التاجرَ وسأله، فقال: إنما قَصَدْتُ بالهديَّةِ الملكَ، فقطع عليَّ الخادمُ الطريقَ وظلمني، فدعا بالخادم، وقال له: ويلَك، عَمَدْت إلى رجل قَصَدنا، وخاطر بنفسه يُؤمِّلُ فَضلَنا، ثقةً بكرمنا وعدلنا، يرجو إحساننا، ففعلتَ في حقِّه ما فعلتَ، فما الذي أمَّنَك أن ينصرف عنا فيسيء الأُحدوثة والسيرة؟ أما والله لولا سابقُ خِدمتك لنَكَّلْتُ بك، ولكن قد جَعلتُ عقوبتك ولايةَ قبور الموتى لما عَجزت عن سياسة الأحياء، ثم أعطى التاجر أضعافَ ما كان يظنُّ وقرَّبه (١). وأهلُ الصين قبائلُ وأفخاذ وشعوب مثل العرب، وَيعتنون بالأنساب، وربما انتسب الرجلُ منهم إلى خمسين أب حتى يصل إلى عامورا. واقعة جرت بالصين قال علماءُ السِّير: كان بالبصرة رجلٌ من ولد هبَّار بن الأسود، فلما دخل الزَّنْج البصرة، ركب البحر هاربًا منهم، فلم يزل ينتقلُ من بحر إلى بحر وبلدٍ إلى بلد حتى وصل إلى الصين، إلى مدينة يقال لها: خانقوا (٢)، وبلغ الملكَ خبرُه، فاستدعاه، وقال: مَن أنت؟ قال: أنا رجل من العرب، من ولد صاحبٍ لرسول الله ﷺ . فقال له: كيف قهرتِ العربُ العجمَ مع ضعفهم وقوة العجم؟ فقال: إنما قهروهم بالله تعالى. فقال: لقد غلبت العربُ على أجلِّ الممالك وأوسعِها، وأعقلها رجالًا وأبعدِها صيتًا.

стр. 935

ثم قال: ما منزلةُ الملوك عندكم؟ قلت: لا أدري. قال الملك: أما نحن فنعدُّ الملوك خمسة: فأوسعُهم ملكًا ملك العراق؛ لأنه وسط الدنيا والملوك به محدقة، وبعده ملِكُنا، وبعد ملكنا ملكُ السِّباع، وهو ملك الترك الذي يلينا وهم سباع الإنس، وبعده ملك الفِيَلة وهو ملك الهند والحكمة، وبعده ملك الروم، وهو ملك الرجال. ثم قال: أتعرف صاحبَك -يعني النبي ﷺ إن رأيته؟ قال الرجل: فقلت: كيف ترينيه وهو عند الله تعالى؟ فقال: إنما أردتُ صورتَه. ثم أخرج لي دُرْجًا فيه صفةُ الأنبياء وعلى صورة كلّ نبيٍّ اسمُه، وإذا نوح ﵇ في سفينة، فقلت: الحمد لله الذي أغرق أهل الأرض ونجاه، فضحك وقال: لا نعرف غرقَ الأرض، ولا وصل إلينا ولا إلى الهند والسِّند، ولا نقله إلينا أسلافُنا. قال: ورأيتُ موسى ﵇ وبيده العصا، وعيسى ﵇ على حمارٍ، ونبينا ﷺ (١) على جمل، وعند كلِّ نبيٍّ نسبُه وعمرُه وبلدُه وسيرتُه. ورأيتُ حول نبينا ﷺ أصحابه وفي أوساطهم حبال الليف، وقد علَّقوا فيها المساويك، وفي أرجلهم نِعالٌ من جلود الإبل، فبكيت، فقال: ما يبكيك؟ فلقد ملك نبيكم أجلَّ الممالك، غير أنه لم يُعاين ذلك، وإنما عاينه مَن بعده. ثم قال: ما تقولون في عُمر الدنيا؟ فقلت: قد اختلف الناس في ذلك، فمن قائل: سبعة آلاف سنة، وقائل: ستة آلاف. فقال: عمَّن تنقل هذا، عن نبيك؟ فغلطت وقلت: نعم. فضحك ضحكًا عاليًا، وضحك وزيرُه أيضًا، وقال: ما أحسب نبيَّكم قال هذا، قلت: بلى، فرأيت أثر الكآبة على وجهه، وقال: ميِّز كلامك، فإن الملوك لا يُخاطَبون إلا عن تحقيق، وما تقولُه الأنبياء فمُسلَّم لهم لا يُختَلَف فيه، وهذا مُختلَف فيه، فإياك أن تحكيَ عن نبيِّك مثلَ هذا، فإنه لا يقوله. قلت: لله درُّ هذا الملك، ما كان أعقله وأبصره بحقائق الأشياء، فإنه لم يَثبُت عن نبينا ﷺ في هذا الباب شيء، وقد ذكرناه في خطبة الكتاب (٢)، وإنما الجاهل الذي هو من ولد هبَّار الذي عَرَّض نبيَّنا ﷺ لمثل هذا، ولكن الله أنطق الملكَ بالحق، معجزةً لنبينا ﷺ .

стр. 936

فصل في ذكر السُّريانِييِّن والكَلْدانيين والحَرّانيين أول السُّريانيين آدمُ ﵇، حتى إنه قيل: لو تُرِك كلُّ مولود وطَبْعَه لتكلَّم بالسُّريانية. وامتدَّ الزمان عليهم، ولم يكن لهم بين آدمَ ونوحٍ مُلْكٌ، فلما كان الطُّوفان عاد مُلْكُهم بعده. فأولُ ملوكهم نبيط بن سور بن سام بن نوح، وهم النَّبَط، وقيل: أولُ ملوكهم سوشان (١) وكان جبارًا، ويقال: إنه أولُ مَن وضع التاج على رأسه، فأقام ستَّ عشرة سنة، ثم هلك، وكانت الرعية قد صرفت الهِمم إلى هلاكه. وكان مُلْكُ السُّريانيين ببابل، فوَلي منهم جماعةٌ دون المئة سنة، وآخِر مَن ملك منهم أَخوان، يقال لأحدهما: أزود، والآخر: خلنجاس، فأحسنا السيرة وتعاضدا. فحُكي أن أحدهما كان جالسًا ذات يوم في قصره، فنظر إلى أعلاه، فرأى طائرًا قد فَرَّخ هناك، وهو يَصيح وَيضرب بجناحيه، وإذا بحيَّة قد دبَّت تريد أن تأكل فِراخه، فرماها الملكُ بنُشَّابة فقتلها، وسَلِمت الفراخ. فلما كان بعد أيام جاء الطائر وفي منقاره حبة، وفي رجليه حبَّتان، فصَفَق بجناحيه وألقى الحبَّ بين يدي الملك، فتأمَّله وقال: لأمرٍ ما ألقى هذا الطائرُ الحبَّ، ولا شكَّ أنه قصدَ مكافأتَنا على ما فعلنا معه. ثم أخذه ولم يعرف أحدٌ في إقليمه ما هو، فقال له بعض الحكماء: أَودِعْه الأرض. فأودعه الأرض فنبت، وأقبل يلتفُّ، فحَصْرم وأعنب، ولم يتجاسروا أن يذوقوه خوفًا أن يكون سمًّا، فقال الحكيم: اعصروه، فعصروه، وأودع ماءَه الآنية، فهدر وقذف بالزَّبَد، وفاحت له ريحةٌ عطِرة، فأحضر الحكيم شيخًا كبيرًا، فسقاه منه قَدَحًا فتهلَّل وجهُه، ثم سقاه آخر فضحك، ثم سقاه آخر فصفّق وطرِب ورفع صوته يتغنَّى، فقال الحكيم (٢): هذا شرابٌ يَذهب بالعقل، ألا ترون الشيخ كيف عاد إلى الصِّبا وقوَّة الشباب وسلطان الدم! ثم أفاق الشيح وقال: ما أرى هذا الطائر إلا أراد مكافأتكم بهذا

стр. 937

الشراب الشريف، لقد أذهب عني الهمومَ والأحزان. ثم أمر الملك بغَرْسِ الكروم بأرض بابل، وأكثروا منع العامَّة عنه. وقد جرت مثل هذه الواقعة لكسرى في الرَّيحان لما نذكر. وأما الكلدانيُّون (١) فهم ملوكُ بابل بعد النَّبَط، وأوَّلُهم نمرود بن كنعان، فإنه غَرَس الأشجار، ورتَّب العالَم، وأجرى الأنهار، وحفر نهر كُوثَى (٢) بين قصر ابن هُبَيْرة وبغداد، وتوالت الممالكُ بعده إلى زمان سنحاريب، وآخرهم بُخْتُ نَصَّرُ، فيقال: إنهم ملكوا ألفَيْ سنة. وأما الحَرَّانيون فهم الصابئة، وكانوا يسكنون حَرّان يعبدون الكواكب، وكان لهم بِحَرَّان أربعة هياكل مدوَّرات الشكل؛ أحدهم: هيكل العقل الفعَّال، والثاني: هيكل السلسلة، والثالث: هيكل الصورة، والرابع: هيكل النفس، وكانت لهم الهياكل السبعة على النجوم السبعة، فهيكل القمر مثمَّن، وهيكل عُطارد والزُّهَرة مربَّعان، وكذا هيكل الشمس، وهيكل المشتري مُثلَّث، وهيكل المرِّيخ وزُحَل مُسدَّسان، وقيل: هيكل المريخ مستطيل. وكان على أبواب حران تماثيلُ وهياكل، منها على باب الرقَّة هيكل يقال له: مغلسا (٣)، وكان لآزَر والدِ الخليل ﵇، لأنه كان يَعبُد الكواكب، وكان تحت مغلسا سراديبُ فيها تماثيلُ الأجسام العُلوية، ولها مَنافخ وبَرابخ (٤) تَصفِر فيها السَّدَنةُ من وراء السُّترة، فتدخل الأصوات في المنافذ، فتظهرُ منها أصوات مُطرِبة يصيدون بها عقولَ الناس مثل الأُرْغُن الذي للرُّوم.

стр. 938

وأصل الصابئة: من صَبأ، إذا مال إلى ما يهواهُ. واختلف العلماء فيهم (١)، فقال مقاتل: هم صنفٌ من النصارى وافقوهم في بعض الأحكام وخالفوهم في البعض، وهو قولٌ عن الشافعي وأحمد. وقال ابن زيد: هم يعبدون الكواكب، ويقرؤون الزَّبور، والكواكبُ عندهم الآلهةُ المدبِّرات للعالَم. وقال عبيد بن عمير (٢): كانوا فبانوا وذهبوا فلم يبقَ لهم عينٌ ولا أثرٌ. قلت: وليس كما ذكر، فإن الصابئةَ اليوم بأرض البطائح منهم خلق كثير، وهم الذين يُسَكِّرون الأنهار، ولا يُطلِعون أحدًا على مذاهبهم، فانتقلوا عن حَرَّانَ إلى العراق. وأما حكم مناكحتهم فعند أبي حنيفة: هم قومٌ يقرؤون الزَّبُور، ولا يعبدون الكواكب بل يُعظِّمونها، كما يعظِّم المسلمون الكعبةَ، ومخالفتُهم للنصارى في بعض الأحكام لا يُخرِجُهم من أن يكونوا من جُملتهم، كنصارى بني تَغلب، فإنهم يُخالفون النَّصارى في الخمور والخنازير، وهم من جملتهم، وإذا كان لهم كتاب، وهو الزَّبور فتجوز مناكحتهم كاليهود مع النصارى، إلا أنه يكره مناكحتُهم للخلاف. وعند أبي يوسف ومحمد: يعبدون النجوم، ويخالفون اليهود والنصارى في عقائدهم، فلا يكونون من جملتهم، وإذا كانوا يعبدون الكواكب فهم عبَّاد الأوثان، فلا يجوز مناكحتهم، واتفقوا على أنهم لو كانوا يعبدون الكواكبَ ولا كتاب لهم، أنه لا يجوز مناكحتُهم. وقال بعضُ المشايخ: لا خلافَ على حقيقة؛ لأنَّ أبا حنيفةَ أجاب في فِرقةٍ لها كتابٌ، وهما أجابا فيمن ليس له كتابٌ وهو يعبُد الكواكب، فحينئذٍ ليس بينهم خلاف،

стр. 939

وكذا حُكم حِلِّ ذبائحهم (١). وقيل: إن الصحيح أنهم لا كتابَ لهم، لأن الزَّبور إنما أُنزِلَ على داود، وليس فيه أحكام ولا حلال ولا حرام، بل كلُّه مواعظ، وقد ذكرناه (٢) وليس في سيرة داود أنه بُعِث إليهم، ولا لهم ذِكْر. ولمّا ولي القاهرُ محمد بن أحمد المعتضد بَلَغه ما هم عليه، فاستفتى الفقهاءَ فيهم، فأفتَوْه بقتلهم (٣)، وقالوا: لا كتابَ لهم ولا نبي، وهم يعبدون الكواكب، فنظر، فرآهم خلقًا كثيرًا، فبذلوا للقاهر مالًا فكَفَّ عنهم. وقيل: إنهم طائفةٌ من اليونان. وقال ابنُ الكلبي: الذي أظهر مذاهبهم رجل يقال له: يوداسف (٤)، في زمان طهمورث، وكان من كلامه: إن معالي الأمور، والشَّرف الكامل، والصلاح الشامل، ومعدن الحياة الأبدية، في هذا السَّقف المرفوع، وإن الكواكب هي المدبِّرات والواردات والصادرات، وذكر كلامًا طويلًا. فصل في ذِكْر الفُرس الأُوَل، وتَنقُّل الأحوال بهم وتَقَلُّب الدول واختلفوا في فارس على أقوال (٥): أحدها: أنه فارس بن سام بن نوح ﵇، والثاني: فارس بن ياسور (٦) بن سام بن نوح، وأن نبيط وفارس كانا أخوين، وأبوهما ياسور بن سام، والثالث: أن فارس اسمُه أميم بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح، وأميم أولُ من حلَّ ببلاد فارس فنُسبت إليه، ذكر هذه الأقوال الثلاثة هشام بن محمد الكَلْبي. والرابع: أن فارسَ من ولد يوسف ﵇.

стр. 940

والخامس: أنه فارس بن هدرام بن أرفخشذ بن سام بن نوح، قاله السدي. والسادس: أنه من ولد لوط، قال عكرمة: وكان ابنَ بنته. والسابع: أنه فارس بن بَوَّان بن إيران بن سام بن نوح ﵇، وبَوَّان هو الذي يُنسَب إليه شِعْب بَوَّان بفارس، وهو أحد المتنزَّهات الموصوفة، حتى قيل: إنه أنزهُ من غُوطة دمشق. والثامن: أنه فارس بن كيومرت. والتاسع: أنه فارس بن إيران بن كيومرت نفسه. والعاشر: أنه من ولد منوشهر بن إيرج بن أفريدون بن وترك، ووترك (١) هو إسحاق على قول ابن الكلبي. وقد فخرت العربُ العاربة بفارسَ عدى قَحْطان، وكان جرير بن الخَطَفَى يفتخر، ويذكر أن المرس والروم من ولد إسحاق، وأن الأنبياء من نسله: [من الطويل] وأبناءُ إسحاق الليوثُ إذا ارتَدَوْا … حمائلَ موتٍ لابسين السَّنَوَّرا (٢) إذا افتخروا عَدُّوا الصبَهْبَذَ منهم … وكسرى وعَدُّوا القَيْصَرَيْنِ وحميرَا (٣) ومنهم لسليمان النبيّ الذي دعا … فأُعطي تبياناً (٤) ومُلْكاً مُقَدَّرا أبونا أبو إسحاقَ يجمع بيننا … أبٌ كان مَهديًّا نبيًّا مُطهَّرا وَيجمعُنا والغُر (٥) أبناء فارس … أبٌ لا نُبالي بعده مَنْ تأخَّرا وقال آخر من ولد فارس، يفتخر بأن الذَّبيح إسحاق، وأن الفُرس من ولده: [من المنسرح] أيا بني هاجر أبانت لكم … ما هذه الكبرياء والعَظَمهْ (٦)

стр. 941

ألم تكن في القديم أمُّكم … لأمّنا سارة الجمال أَمَهْ والملكُ فينا والأنبياءُ لنا … إن تُنكروا ذاك تُوجدوا ظَلَمَهْ وزعم مَن يحفظ أنسابَ الفُرس ويعتني بها أن ملوك فارس كانت تحجُّ البيت الحرام، تمسُّكاً بهدي أبيها إبراهيم ﵇، وأن آخر مَن حجَّ منهم ساسان بن بابك جدُّ أرْدَشير بن بابك، وهو أول ملوك الفُرس الثانية، وإنما سُمِّيت زمزم بذلك لأنه لما جاء وقف عليها وزمزم، قالوا للملك: زَمْزِمْ، فسُمِّيت بذلك لزمزمته، وأن ساسان هو الذي أهدى إلى الكعبة الغزالَيْن من الذهب والسيوف، فأخرجهما عبد المطلب (١). وأنكر العارفون بالأنساب هذا، وقالوا بأن فارس من ولد سام بن نوح، وبينه وبين إسحاق ﵇ قُرونٌ كثيرة على ما ذكرنا، ولا يُلتَفت إلى قول جرير؛ لأن العصبية حملتْه على ذلك، ولا يَثبت أن الفُرس حكموا على البيت الحرام ولا حَجُّوه، وإن الغزالَيْن من دَفْنِ جُرْهُمٍ، وزمزم اسمٌ لها من زمان أمِّ إسماعيل، ولو كان من ولد إسحاق ﵇ فلم عبدوا النيران وتمجَّسوا وكفروا؟ وإنما نزل فارس بتلك الأرض فنُسِبت إليه. قال ابن قتيبة: وكان يَنزل بعضهم ببَلْخ، وبعضهم ببابل (٢). وقال ابن الكلبي: أول ملوك فارس كَيُومَرْت بالكاف، وقيل: جيُومَرْتِ بالجيم. وبعضهم يزعم أنه آدم نفسه، وبعضهم يقول: ابن آدم لصُلْبه من حوَّاء، وهو قول علماء الفُرس (٣). وقال قوم: هو أول بني الفرس، وكان منفردًا عن العالم، ولم يكن في زمانه ظلمٌ ولا فساد، فكَثُر الظلم والفسادُ والبغي، فاجتمع حكماءُ زمانه وقالوا: إن صلاح هذا العالم في إقامة مَلِك يُورِد الأمور ويُصدِرها، كما أن صلاح الجسد بالقلب، وإن العالَم الصغير من جنس العالم الكبير، لا تستقيمُ أمورُه ولا تنتظم أحوالُه إلا برئيس

стр. 942

يُدبِّره على ما تقتضيه قضايا العقول. فصاروا إلى كيومرت وقالوا: أنت أفضلُنا وأشرفُنا، وبقية أبينا آدم، ولا بدَّ لنا من تقديمك علينا، وتفويض أمورنا إليك. فأخذ عليهم العهود والمواثيق على السمع والطاعة وتَرْكِ الخلاف عليه، فوضعوا التاجَ على رأسه، وهو أولُ مَن لبسه من ملوك الدنيا. ثم خطب بالسُّريانيّة -وهو أول مَن خطب- فقال كلامًا معناه بالعربية: نحمد الله على نعمه (١)، ونشكُره على أياديه، ونرغب إليه في مزيده، فإن بالشكر تدوم النعم، ونسأله المعونة على ما دفعنا إليه، وحسن الهدايةِ إلى العقل (٢) الذي يجمع الشَّمل ويُصفّي العَيْشَ. وذكر كلاماً طويلاً. وهو أول مَن أمر بالسكون على الطعام لتأخُذَ الطبيعة بقِسْطها منه، فيَصلُح البدنُ بما يَرِدُ إليه من الغِذاء، وتسكن النفس عند ذلك. وقد اختلفوا فيه اختلافًا كثيرًا، فالفُرس تَزعُم أنه أول النَّسْل، وأنه عاش ألف سنة. ومنهم مَن يقول: إنه من نبات الأرض من الرِّيباس، وليس له أبٌ، وأنه حارب إبليس فقتله. ومنهم مَن يقول: هو جابر (٣) بن يافث بن نوح، وكان ينزل جبل دُنْباوَنْد من بلاد طَبَرِسْتان، ثم عَظُم أمره، وكَثُر ولده، وملك الأقاليم كلها، وبنى المدن والحصون، واتَّخذ الخيول والسلاح، وتسمَّى بآدم، وقال: مَن سمَّاني بغيره قتلتُه، وتزوج ثلاثين امرأةً. وهو أبو الفُرسِ كلِّهم، وأما غير الفُرْس فإنهم يقولون: أقام ملكًا أربعين سنة، ومات (٤).

стр. 943

فصل ثم قام بعده أوشهنج -ويقال: هوشنك- وهو أخو كَيُومَرْت- وقيل: كيومرت، وقيل: جيومرت بالجيم- وبعضهم يقول: كيومرت جدّ أبيه، فنزل الهند. وهو أولُ مَن اتخذ الصوف والشعر وبنى سابور بفارس، واتخذ الخيل والبغال والحمير وكلاب الصيد والماشية، وكتب بالفارسية. وكان عبدًا صالحًا مطيعًا لله تعالى، يهرُبُ الشيطان منه إلى المفاوز والجبال هو وجنوده. فلما تُوفِّي فرح إبليس بموته، ودخل إبليس وجنوده مساكنَ بني آدم. وقد اختلفوا فيه، فقال الكلبي: هو ابنُ آدم لصُلبه، وقيل: ابن نوح، والأول أصح، ويقال: إنه مَهْلائيل، وقيل: هو الذي يُسمى فيشداذ، ومعناه: أول مَن حكم بالعدل؛ لأن "فاش" معناه: أول، و"داذ": عدل. والفرْس تزعم أنه ابنُ ابنِ جيومرت، وأن الله بعثه عذابًا ونقمةً على الشياطين، وأنه قهرَ إبليس وجنوده، وكتب عليهم كتابًا، وأخذ عليهم المواثيقَ أنهم لا يتعرضون للإنس (١)، وقد ذكرناه (٢). وعاش أوشهنج في المُلك أربعين سنة ومات. فصل ثم ملك بعده ولده طهمورث، وقيل: هو ابن ابنه، قال ابن مسكويه: بينهما آباء كثيرة (٣). ونزل طهمورث سابور (٤)، وبعد مُضِيِّ سنةٍ من ملكه ظهرت الصابئة، وقد ذكرناه (٥).

стр. 944

ثم مات طهمورت، واختلفوا في سنه قيل: إنه عاش مئة سنة، وذكر جدي في "أعمار الأعيان" (١) أنه عاش ألف سنة. فصل ثم ملك بعده أخوه جَمْ شِيد، وتفسيره: سيّد الشعاع، وكان ينزل بفارس، وقد ذكره أبو جعفر الطبري في "تاريخه" فقال: ملك الأقاليمَ كلَّها، وسُخِّر له مَن فيها من الجن والإنس، وجعل الناسَ أربع طبقات: مقاتلةً، وفقهاءَ، وخدمًا، وحَرَّاثين، ووكَّل الشياطين بقطع الصخور وأذَلَّهم. والفرس تزعُم أنه سليمان ﵇، وأمر بعمل عجلة من زجاج، فكان يَركب عليها، وتحملُه الشياطين في الهواء من دُنْباوَنْد إلى بابل في يومٍ واحدٍ، فاتّخِذَ ذلك اليوم نَيروزاً، وهو الذي قتله الضَّحَّاك ونشَره بالمِنشار على ما بيَّنا فيما تقدَّم (٢). وهو أول مَن أحدث النَّيْروز، وأقام ست مئة سنة مطيعًا لله تعالى، ثم طغى وتجبَّر، وبغى وادَّعى الربوبية، فطلبه الضحاكُ فهرب من بين يديه مئة سنة، ثم ظَفِر به فنَشَره، وقيل: إنه مَلَك ألفَ سنة، وقيل: خمس مئة سنة (٣). فصل ثم ملك بعده الضحاك بن الأهبوب، والعرب تَزعم أنه منها (٤)، وقد ذكرناه في سيرة نوح، وأن أفريدون قتله وكابي، وأنه عاش ألف سنة (٥)، وفيه يقول أبو نُواس: [من المنسرح] وكان منَّا الضَّحاكُ تَحذَرُه الـ. . . ـخابِلُ (٦) والوحشُ في مسارِبِها

стр. 945

فصل ثم ملك بعده أفريدون بن قَباذ بن جَمْ شِيد، وقيل: إنه التاسع من ولد جَمْ شيد، وكانت دار مُلكه بابل، ومَلَك خمس مئة سنة، وقسم الأرض بين ولده، وملك الأقاليم كلَّها، ورَدَّ جميع ما أخذ الضحاكُ من الغُصوب على أهله، وما لا وَجد له أهلًا وَقَفه على المساكين. وكان له ثلاثةُ أولادٍ قسم الدنيا بينهم، فوثب اثنان منهما على واحد، واسمُه إيرج، فقتلاه، وقد ذكرناه فيما بين نوح وإبراهيم ﵉ (١)، وعاش أفريدون خمسَ مئة سنة. فصل ثم ملك بعده مِنُوجَهر -ويقال: مِنُوشَهر- بن إيرج الذي قتله أخواه، وهو ابن أفريدون، وكان ينزل ببابل، ويقال إن موسى ويوشع ﵉ كانا في زمانه، وجرت له وقائع مع عمَّيه اللذين قتلا أباه، وقيل (٢): كان في آخر أيام الخليل ﵇. قال ابن مسكويه في "تجارب الأمم": نشأ لإيرج بن أفريدون ولدٌ يقال له: منوجهر، فغلب على مُلْك أبيه، وقاوم عمَّيه طوجا وأخاه سرما، ونشأ لطوج (٣) ولدٌ، فنفى منوجهر عن بلاده، ثم أُدِيلَ منوجهر عليه فنفاه، وعاد إلى منوجهر ملكُ أبيه إيرج. وكان منوجهر عادلًا منصفًا محسنًا، وهو أولُ مَن حفر الخنادق، وجمع آلة الحرب، ووضع الدَّهْقَنة لكل قرية فجعل لها الدَّهاقين، وجعل لهم العبيد والخَوَل (٤). وسار نحو التُّرك، وطلب دمَ جدِّه إيرج بن أفريدون -وقيل: إنه أبوه- فأدرك ثأْرَه، ثم عاد إلى العراق، وقيل: إنه قتل طوجًا وأخاه، وأقام واليًا مئة وعشرين سنة (٥).

стр. 946

ومِنُوشَهر هو الذي خَطَب تلك الخُطبة الطويلة التي ذكرناها فيما تقدَّم، لمّا تغلَّبَ التركُ على البلاد (١). فصل وملك بعده أفَرْاسياب بن فارس من ولد أفريدون، ويقال له: التركي؛ لأنه أقام ببلد التُّرك فنُسِب إليها، لا أنه تركيٌّ. وذكره ابن مسكويه فقال: ثم نشأ أفراسياب بن ترك، وإليه تُنسب الترك من ولد طوج بن أفريدون، فحارب منوشهر، وحصره بَطبَرِسْتان، ثم إن منوشهر وأفراسياب اصطلحا وضربا بينهما حدًّا لا يجاوزه واحد منهما، وهو نهر بَلْخ، فلما مات منوشهر تغلَّبَ أفراسياب على بابل ومملكة فارس، وأقام بِمهْرِجان قَذَق، وعاث في الأرض ودَفَن القُنِيَّ، وغَوَّر المياه، فقَحِطَ الناسُ وأصابهم الجَهْد والبلاء (٢)، وقد أشرنا إلى هذا فيما تقدم (٣). فلما مضى من مُلكه اثنتا عشرة سنة، خرج عليه رجل من ولد منوشهر، واختلفوا في اسمه على أقوال، أحدها: زو بن (٤) بهماسب، والثاني: زاب بن طهماسب، قاله هارون بن المأمون، والثالث: زوبا، والرابع: زاغ (٥)، واتَّفقوا على أنه من ولد منوشهر. وقال هارون بن المأمون: لما مات منوشهر تَغلَّب أفراسياب على الفرس، وأخرب البلاد، وظلم وجار، فقَحِط الناس، فظهر زاب بن طهماسب، وكان منوشهر قد طرد أباه إلى بلاد الترك، فتزوج هناك امرأة فولدت له زاب بن طهماسب، فلما كبر زاب قتل جدَّه لأمه، وتبعه جنده، فسار نحو أفراسياب، فأخرجه عن بلاد فارس إلى الترك،

стр. 947

فكانت مدة افراسياب على بابل لما أخرجه عن بلاد فارس اثنتي عشرة سنةً. وملك زاب فأحسن السيرةَ، ووضع الخراج عن العراق سبع سنين، واستخرج النهر المعروف بالزاب من بلاد أرمينية، وقيل: إنما أخرج الأنهار الثلاثة: التراب الكبير والأوسط والصغير، وسماهم باسمه، وبنى على جانب النهر مدينة، وهي المسمَّاة بالعتيقة، وغرس حولها البساتين، وعدل وأحسن، فأخصبت البلاد، وكثرت الخيرات (١). وقيل: إن أفراسياب قتل الملك الذي يقال له: زو، وكان مقام زو ثلاث سنين، وأقام زاب في المُلك سبع سنين، ومات. فصل وخلف بعده ولدُه كَي قَباذ، وكان جبارًا، وله مع التّرك وقائعُ، وكان نازلًا على جانب نهر بَلْخ، يمنع التُّرك من الغارات على بلد فارس، وهو أولُ مَن أَخَذ العُشر من الغَلَّات، وكان له وزيرٌ من ولد أفريدون يقال له: كاشف، ويقال: إنهما شركاء في المُلْك، وأقام عشرَ سنين ثم مات (٢). ويقال: إن كيقباذ ابنُ زو، وزو ابن زاب، ويقال: إن زو كان وزيرًا لزاب؛ ذكره ابن مسكويه، وملك ثلاث سنين (٣). فصل ثم ملك بعد كي قباذ ولدُه كي كاووس، وقيل: كي قابوس بن قباذ، وكان يسكن بناحية بلخ، ووُلد له ولدٌ سماه سياووس أو سياخوس (٤)، ولم يكن في عصره أجملَ

стр. 948

منه، فسلَّمه إلى إصبَهْبَذ سِجِسْتان، واسمُه: رستم بن كاشف الذي ذكرناه، وقيل: رستم بن ديسان، ويُعرف بالشديد، فحمله إلى سجستان، وتخيَّر له المراضع، ثم فُطِم، فأدَّبه أحسن تأديب، وعلَّمه الفروسية فبرع فيها، وقَدِم على أبيه فامتحنه فرآه كاملًا فأعجبه. وكان لكي قابوس امرأةٌ بارعة الجمال، وهي بنت أفراسياب ملك الترك، وقيل: بنت ملك اليمن، فهَوِيت سياووس وهَوِيها، ودَعَتْه إلى نفسها فامتنع احترامًا لأبيه، فقالت لأبيه: إنه تعرَّضَ لي، فأفسدت ما بينهما، فأعرض عنه. وفهم سياووس فسأل رستمًا أن يسأل أباه أن يُولِّيه حرب أفراسياب ليَبْعُد عن أبيه، فأجابه إلى ذلك، وأرسل معه جيشًا عظيمًا، فلما نزل بلاد أفراسياب صالحه بواسطة وزيره، وعاد عسكر [كي] قابوس إليه (١). وزوَّج أفراسياب سياووس ابنتَه، ويقال لها: شافرند (٢)، فحبلت منه بولد سمّاه: كي خسرو. وأقام سياووس عند أفراسياب، فأحبَّه الناس ومالوا إليه، فدَسَّ إليه أفراسياب مَن قتله غِيلةً. وبلغ كي كاووس ما فعل أفراسياب بابنه، فدَسَّ إلى بلد الترك مَن حمل إليه زوجة ابنه سياووس وولده كي خسرو، ثم أرسل كي كاووس رستمًا إلى أفراسياب، وبعث معه طوس بن نوردان، وكان مَرزبانًا على رُبع العراق، فأوغلا في بلاد أفراسياب وقتلا، وقتل طوسٌ قاتلَ سياووس، وقتل رستم ولدين لأفراسياب، ويُقال لهما: سهرة وشهرة. ثم إن كي كاووس تجبَّر وطغى، وحَدَّث نفسه بصعود السَّماء، فعمِل النسور، ويقال: هو أحد النماردة، وبلغ إلى السحاب فسقط وكاد يهلك، واضطرب عليه مُلكُه. وكان باليمن يومئذٍ ملكٌ يقال له: ذو الأذعار بن أبرهةَ ذي المنار [ابن] الرائش، فغزاه كي كاووس فخرج إليه ذو الأذعار بجيوشه، والتقيا فظَفِر بكيكاووس، واستباح

стр. 949

عسكره، وألقاه في جُبٍّ، وأطبق عليه طبقًا من نحاس، ووَكَّل به خواصَّه، وبلغ رستمًا وهو بسِجِسْتان، فجيَّش الجيوش، وسار إلى اليمن، واجتمع إليه عسكرُ كي كاووس، فأَخرج كي كاووس من الجُبِّ وظَفِر باليمن وعاد إلى بابل. ويقال: إن رستمًا لما قصد اليمن خرج إليه ذو الأذعار بجيوشه، فخندق كلُّ واحدٍ منهما على عسكره، وطال الأمرُ بينهما، وخافا الهلاكَ على عسكريهما، فاصطلحا على تسليم كي كاووس إلى رستم، فسلَّمه إليه، وعاد به إلى بابل، فأعفاه كيكاووس لرستم من الخِدمة، وأقطعه سِجِسْتان وغيرها، وعَرَف له ما فعل معه. وقيل: إن كي كاووس أقام في الجُبِّ سبعَ سنين (١)، وفيه يقول أبو نُواس يفتخر باليمن على الفرس: [من المنسرح] وقاظَ كاووسُ في سلاسِلنا. . . سنينَ سبعًا وَفَتْ لحاسِبِها (٢) ويقال: قابوس. وكان كي كاووس بين يوسف وأيوب، واختلفوا في مُدَّة مُلكِه على قولين: أحدهما: أربعون سنة، والثاني: مئة سنة. فصل وملك بعده ابنُ ابنِه كي خسرو بن سياووس، الذي أمه بنت أفراسْياب، وتَحيَّل جدُّه كيكاووس حتى حملها إليه إلى بابل، وقد ذكرناه. فجلس كي خسرو على السَّرير وعلى رأسه التَّاج، وسار يطلب ثأر أبيه من جدِّه لأمه افراسياب، وكتب إلى إصبَهْبَذ خُراسان واسمه جودر (٣) يأمره بالتقدم إلى أفراسياب، فسار، ثم بعث طوس بن بوذران في ثلاثين ألفًا ومعه عم لكي خسرو يقال له: برزافره (٤) بن كي كاووس، وكان سياووس بن كي كاووس قد تزوج في الترك امرأة،

стр. 950

فولدت له ولدًا فسمَّاه فردوين، ووُلد قبل أن يُولد كيخسرو، وأم فردوين من بعض نساء الأتراك. وأوصى كي خسرو طوسًا ورستمًا أن لا يقتلا أخاه لأبيه فردوين، فلما التقى العسكران خرج فردوين يقاتل، فقتله طوس -وقيل: قُتِل في جملة الناس- وبلغ كي خسرو فحزِن على أخيه، وكتب إلى عمه برزافره أن يقيد طوسًا ويبعثَ به إليه، ففعل. وعبر كي خسرو النهر، وقسم عسكره قسمين من ناحيتين، ودخل إلى التُّرك، فلم يكن لأفراسياب به طاقة، فانهزم، وأكثرت الفرسُ القتلَ في الترك. قال ابن مسكويه: فلم يكن قط مثل ذلك، كان القتلى خمس مئة ألف وستين ألفًا على ما تَزعُم الفرس، والأسرى ثلاثين ألفًا، والغنائم لا تُحصى (١). وتَبع كي خسرو أفراسياب، فظفر به عند سيره، فأسره، ثم أحضر الملوك والموابِذةَ والعلماء وقال لهم: ما جزاءُ مَن استجار به خائف والتجأ إليه فعدا عليه فذبحه؟ فقالوا: يُفعَل به كما فَعل. فقال له: لم ذبحت أبي؟ فلم يكن لأفراسياب حجةٌ، فذبحه. وعاد إلى خراسان وقد صَفَت له الدنيا، فبنى مدينة بَلْخ وسمَّاها الحسناء (٢)، وأقام بها. ولما استقامت له الدنيا تزهَّد وتنسَّك، وعَهِد إلى ولده لهراسب، فلما رأى ذلك أهلُ مملكته جزعوا لفقدِه، وتضرَّعوا إليه، فقال: قد أقمتُ لكم مَن ينظرُ في أموركم، وهو ولدي لهراسب. وقيل: إنه لم يكن ولدَه، وإنما كان صاحبَه خصيصًا به، وكان ملك كي خسرو ستين سنة، وخَفِي أمرُه. فصل ثم مَلَك بعده لهراسب، ويقال: إنه الذي كان بُختُ نَصَّر إصبَهْبَذَ عسكره، وفي أيامه فعل بخت نصر ببني إسرائيل ما فعل. قالوا: وفيه بُعْد، بينهما زمان طويل، ومَلك لهراسب عشرين ومئة سنة، ثم مات.
следующие страницы →