المهرجان يسيرون إلى الشَّام، وأمرهم أن يستصحبوا الملك الرَّحيم من قلعة السيروان إلى قلعة الري فيعتقلونه بقلعة طَبْرك، ففعلوا.
وفي يوم السبت ثاني عشر ربيع الآخر ورد ديلمٌ من دار السلطان إلى زوجة البساسيري المعتقلة بباب المراتب، وقد أُحيلوا بأرزاقهم عليها فعاقبوها، فضمنها حاجب باب المراتب على ألفي دينار، وأخذها منهم إلى داره، فلم يقدِرْ على إبقائها، فأعادها إلى اعتقالها، فاتصلت العقوبةُ والمطالبةُ لها.
وفي هذا الوقت قَلَّ العسكرُ ببغداد، ومضى أكثرهم إلى خراسان، وشنَّتْ بنو شيبان الغارات، وطلبوا الخفارات، وكثرت الأراجيف بانضمام جماعة من العرب إلى البساسيري ووصول أبي نصر بن أبي عمران الداعية رسولًا من مصر إليه بمالٍ كثيرِ وخِلَعٍ وألقاب، وأنه أخذ البيعة عليه وعلى من معه من الأتراك والأكراد والعرب، وأنهم على عزم قصد بغداد، وبعث السلطانُ عميدُ الملك إلى الخليفة يقول: إن العساكر قد تفرَّقت، وبقي منهم نفرٌ يسير، ولا بُدَّ لهم مما يقوم بهم، وإلا لحقوا بالباقين وخلا البلد، وكان رئيس الرؤساء قد ضمن لي ثلاثَ مئة أَلْف دينار إذا قدمتُ العراق، فأوصل إليَّ مئة وثمانين ألفًا، وارتدَّ الباقي، وتردَّد الكلامُ، فقال رئيس الرؤساء: إنما كنتُ أُحصِّلُها من أموال البساسيري وأصحابه، وقد ذهبت، ولكن أنا أقوم في هذا الوقت بعشرين أَلْف دينار. ثم صادر النَّاس حتَّى حصلَها، واعتقل زهرة جارية البساسيري وأولادها منه، وطُولِبَتْ بمال، فلم يكن لها شيء.
وفي سابع جمادى الأولى ولدت جاريةٌ كانت للذخيرة بن القائم ولدًا ذكرًا، وكان قد تُوفِّي عنها وهي حامل، يُكنى أَبا القاسم، وسُمِّي عبدَ الله، ولُقِّب عدة الدين عماد الإِسلام والمسلمين، وفرح الخليفة، وجلس وزيره للتهنئة، ولم يكن للقائم ولدٌ، ووَليَ هذا المولود الخلافةَ، وحمل السلطان وخاتون والوزير للخليفة أموالًا وثيابًا.
وفي هذا الوقت تجدَّدت العقوبة على زوجة البساسيري.
وفي هذا الشهر وردت طائفة من عسكر السلطان فأُنزلوا في دور النَّاس، وفرض عليهم لهم خمس مئة دينار، فاجتمعوا إلى عميد العراق، فقال: هذه عادتنا في بلادنا، وأنتم تُرجفون على الدولة وبُعدِ العساكر، وقد أعاد السلطانُ العساكرَ إليكم، فإقامتُها
стр. 8892
عليكم، فبادروا إلى جمعِه وحملِه، فجمعوا خمس مئة، وقسطوها على الكَرْخ وما حوله، فاجتمعوا إلى دار الخليفة وقالوا: هذا شيء ما ألِفْناه، وقد أفنى الحريقُ والنَّهبُ أموالنا. فبعث الخليفة إلى الكُنْدُري يقول: قد قَبُحَتِ السيرةُ، وساءتِ السُّمعةُ، وكثُرتِ الشَّناعة. فيُقال: إنه أسقطها عنهم.
وفي هذا الوقت مضى قوم من الخراسانية إلى محلَّة الحربية فطالبوهم بمال، فقالوا: نحن قوم مستورون، وبمساجدنا مشتغلون، ولما تقصَّدَنا [الناسُ] (١) به من زكواتهم وصدقاتهم محتاجون، فلم يلتفتوا إليهم وضربوهم، وأخذوا ما وجدوا لهم، وباع أهل الحربية نفوسَهم بما جمعوه من معارفهم، ثم جاؤوا إلى قصر عيسى فأخرجوا أهلَ الدور ورمَوْهم على الشوارع، فبَنَوا أكواخًا من قصب تحت دار الخليفة، وأقاموا بها، وفرشوا البواريَ على باب الغربة والمسوحَ وضجُّوا، وكان فيهم جماعةٌ من أهل البيوتات لهم حالٌ، فقُبِضَ عليهم من باب الدار، وصُودروا على قدر أحوالهم من الألف دينار إلى عشرة دنانير، واشتدَّ النبلاء على أهل بغداد وشحذوا، ومات أكثرهم تحت الضرب وفي الحبوس.
وفي هذا الوقت ورد الخبرُ من واسط بأنَّ أَبا الغنائم بن فَسانْجِس والتُّرك عصَوا على السلطان، وكان عميد الملك قد ولَّاه، فبلغه أنَّهم على عزم عزله ومصادرته، فاستمال الأتراكَ، وورد عليه طائفةٌ من الديلم والأكراد والرجَّالة فقدَّموه عليهم، فأنفق فيهم الأموال، وزوَّر كتبًا عن البساسيري يَعِدهم الإحسان والإقطاعات، ويَعِد أهلَ البلد العدل، وكان الترك قد نفروا من السلطان؛ لأنه قتل منهم جماعةً، وكاتبَ أهلَ البَطيحة فوافقوه، وحفر الخنادق حول واسط، وبنى أسوارًا عاليةً، وركَّب عليها أبوابَ الحديد، وبعث الكُنْدُريُّ رسولًا يصلح الحال، فاجتمع ابن فَسانْجِس والأتراك، فقالوا: نحن الخدم الطائعون، إلَّا أنَّ السلطان غيرُ محتاجٍ إلينا، ولا مهتمٍّ بنا، ومعه من العساكرِ الجمَّةِ المختلفة ما نصغُر نحن فيهم، وقد رأينا ما جرى على إخواننا البغدادية -وهم أعزُّ جانبًا منا- كيف أُخرجوا من ديارهم وأموالهم، وصُودرت إسْفَهْسَلاريتُهم، وقُتِلَ من قُتِلَ منهم، وبَقُوا مُطرحين على الطرق، وقد نفرت قلوبُنا من
стр. 8893
هذا، فإن قنع منا بإقامة الخطبة ونقشِ السَّكَّة، وحَمْلِ مالٍ من غير أن يُولِّي علينا خراسانيًّا، فنحن سامعون مطيعون، وإلا خلعنا الطاعة، واغتربنا إلى غير هذه الجهة، فإمَّا أن نعيش أعِزَّاء، أو نهلك عزيزين.
وفي ثاني عشر جمادى الآخرة استدعى الخليفةُ رئيسَ الرؤساء، وأظهر التذمُّرَ والامتعاض مما الرعية عليه، وقال: قد أُنهي إليَّ ما سمِعَتْه أُذني وشاهدَتْه عيني، ومن ارتفاع الدعاء ما أنا به مُطالب، هذا إلى ما أخافه من سريع المكافأة، وأنا مع ركن الدين بين قسمين؛ إمَّا اعتمادُ الحقِّ، واستعمالُ العدل، وإنصافُ الرعية وإعفاؤهم من كل أذيَّة، وإعادتُهم إلى مساكنهم، وصيانتُهم في معيشتهم، وأمانُهم على نفوسهم، وحراسةُ أموالهم، أو المساعدةُ على مفارقتي لهذا البلد، وبُعدي عن هذه البدع، ولا أقلَّ من اعتزالٍ عنها، والتبرِّي عند الله منها. فيستدعي منصور بن محمَّد الكُنْدُري، ويعرفه ذلك من غير مراقبةٍ في إيرادِهِ يستعملها، ولا مجافاةٍ في شَرحِهِ يقصدها، ويُحقِّق ما يكون من الجواب ويطالع به، فأرسل إلى الكُندُريّ فحضر، وأعاد عليه ما جرى، فمضى الكُنْدُريُّ إلى السلطان، وأعاد عليه ما قال، فردَّه بالجواب، وقال: أنا الخادم الطائع في كلِّ حال، وما علمتُ بما جرى، ولا أمرتُ به، ولا هو من عادتي، إلَّا أن هذا العسكرَ كثيرٌ لا قدرةَ لي على حفظه، وربما بدَتْ منهم أفعالٌ لا أرضاها، وسأتقدم بما يَبينُ أَثَرهُ، ويَحسُنُ موقعُه. قال الكُنْدُريُّ: ومضيتُ من عنده، فلما كان وقت السحر استدعاني وقال لي: اعلَمْ أنني نِمْتُ البارحةَ وأنا مشغولُ الفكر في الرسالة، عالمٌ بأن ما يجري من هذا العسكر في رقبتي، وأنني مسؤولٌ عنه، فرأيت في منامي كأنني بمكة إذ شاهدتُ شخصًا وقع لي أنَّه رسول الله ﷺ ، فقصدتُه لأُسَلِّمَ عليه، فلوى وجهه عني، وبَعُدَ مني، وقال: قد ملَّكَكَ اللهُ البلاد والعباد، وجعل يدَكَ عليهم عالية، وأوامركَ فيهم نافذة ماضية، فأحسِنِ السيرةَ فيهم، وأجمِلِ المعاملةَ معهم، وامنعِ الأذى عنهم، وارفَعِ الظلمَ، واستأمِنْ هذا الجيش [، ثم استيقظتُ فزعًا من هذه الرؤيا التي] (١) قد روَّعتني، فاذهب إلى الديوان، واشرَحْ ما جرى، ففعل ذلك، فخرج جواب الخليفة
стр. 8894
ببشارة السلطان بما رآه من مشاهدة النَّبِيّ ﷺ ، وهي أعظم مِنَّةً، ثم كتب توقيعًا إلى السلطان يتضمن العدل والإنصاف والوعظ، فقرأه رئيسُ الرؤساء، فبكى السلطان، وتقدم بالعدل وإخراج العساكر من دور النَّاس، وعاد إليها أربابُها، وطابَتْ قلوبُهم، وفتحوا دكاكينَهم، وعادوا إلى ما كانوا عليه.
وفي يوم الأحد سابع عشر جمادى الآخرة برز بعض العساكر السلطانية إلى الشَّمَّاسِية، وأمر أَبا الفوارس قُتُلْمِش بالتقدمة عليها.
وسبب ذلك تردُّد الرسائل (١) بين السلطان وبين قريش ودُبيس تتضمَّن الشكوى من الجند، ويسألان أن ينحدرا إلى تِكريت، ويخرج إليهم عميد الملك، ويُقرِّر ما يجب تقريره في بلادهما أُسوةً بتاج الملوك، وأعفاهما من الغُزِّ، فأرسل إليهما أن عميدَ الملك خارجٌ إلى تِكريت لتعزُّز ذلك، فجمعا أصحابهما وانحدرا، فأُشيع بأنَّ انحدارهما على نية فاسدة، وقاعدةٍ بينهما وبين البساسيري مستقرة، فتقدم عميد الملك إلى العسكر بالخروج إلى عُكْبَرا، ونهب الأعمال العليا والبلاد المريدية، فنُهِبَتْ سُوراء (٢) ومطارياد (٣) وغيرُهما، وحُمِلت المواشي إلى بغداد فبِيعت، وخربت البلاد، واندرست آثار القرى، وهَجَّ من كان بقي فيها، وجاء كتاب قريش يقول: بلغنا أنَّه أُرجِفَ علينا أنَّنا سِرْنا على نيةٍ فاسدةٍ وطويَّةٍ مخالفة، ومَعاذَ الله أن نشُقَّ عصا، أو نعِدَ وعدًا وما نفي به، وما نحن إلَّا الخدم الطائعون. فبعث عميدُ الملك إلى قُتُلْمِش أن يتوقف بعُكْبَرا حتَّى تتضح الحال.
وفي العشر الثاني من جمادى الآخرة ظهر وقت السَّحر في مطالع برج الأسد الجنوبية ذؤابةٌ بيضاءُ طولها في رأي العين نحوُ عشرة أذرع في عرض الذراع، ولبثت على هذه الحالة إلى نصف رجب، ثم اضمحلَّت وقيل: لرئيس الرؤساء [أبي القاسم]
стр. 8895
أنَّه كان بمصر ويسمع مستفاضًا بين أهلها أنَّه لمَّا طلعت هذه الذؤابة ملك الغُزُّ مصر.
قال: وأظنُّ أن القوم يملكون بغداد، فكان كما قال.
قلت: وقد ظهر مثلُ هذه الذؤابة من ناحية الشرق، إلَّا أنها كانت ذوائب [مثل هذه] (١) فكان خروج التتر عقبها [وذلك في] سنة سبع عشرة وست مئة.
ولما تحقَّق السلطان أنَّ ما قيل عن قريش وابن مَزْيَد لا أصل له أمر الكُنْدُري بإنفاذ أبي الفتح المظفر بن محمَّد العميد وجماعة من الأعيان إلى تِكريت ليجتمعوا بقُريش ودُبيس، فاجتمعوا في خيمة قريش، فقال العميد: السلطان على نية الانحدار إلى شيراز، فهذه البلاد ما تحمله، ويفوِّض الأمور إليكما لتكونا نائبين عنه بالعراق، ويريد أن تخلُفا. فقال قريش: هذا ولدي يكون في دار الخلافة رهينةً. فطلبوا من دُبَيس رهينة. فقال: السلطان قد أعفاني. فقال العميد: فهذا قريش قد أعطانا رهينةً، ولستَ بخير منه. فقال: ما أعطيكم شيئًا. فقال له العميد: فأحد أولادك عند اللعين البساسيري، وأعيان أصحابك، وهذه أمور تُوجِبُ الارتياب بك، وقلَّةُ السكون إليك، وهذا علم الدين أبو المعالي المبرَّأُ من هذه الأسباب، والموالي للسلطان في كل حال، والذي يجب أن نكون به واثقين، قد أعطانا الرهائن، وحلف لنا بالأيمان المؤكدة مع أننا لا نرتاب بصحة موالاته وخالص طاعاته، فأنت أولى. فقال: ما انحدرتُ إلَّا معتقدًا للطاعة، وأنتم الذين رجعتم عمَّا قررتموه، ونهبتم بلادي بعد انحداري، وكسرتم جاهي، وقطعتم معاشي، وإذا كان هذا حالي معكم فلِمَ أغِلُّ يدي وأنت خليٌّ (٢) ممن يبذل الأموال، ويوسعني في الأعمال؟ وأغلق للرسل، ثم قام فركب راحلته ومضى إلى البساسيري، وسلَّم قريشٌ ولدَه عليًّا إلى الرسل رهينةً وعمره ثلاث سنين، ومعه دابة وبدوي، وقال: تكون في الدار العزيزة عند الخليفة. ثم إن العرب نفرت عن قريش، وصوَّبَتْ رأي دُبيس، وأصعد قريش إلى الموصل خائفًا منهم ومن أخيه مقبل، ثم بعث إلى بغداد في رجب يطلب نجدةً ومالًا يُفرِّقه في العشيرة، فإن البساسيري على قصْدِه، فجهَّز إليه خمسَ مئة غلام، فأقاموه بباب الشَّمَّاسية مع باتكين الحاجب.
стр. 8896
وفيه نقضت الروم الهدنةَ التي كانت بينها وبين صاحب مصر، وجاؤوا بالمراكب، فنزلوا على طرابلس الشَّام، وأحدقوا بها، فبعث محمَّد بن أبي عقيل قاضي صور إلى الروم جمعًا كبيرًا، ووقعت بين الفريقين وقائعُ قُتِلَ فيها خلقٌ عظيم، فرحلوا عن طرابلس، وصعدوا من المراكب، ووصلوا إلى الخوابي وأنطَرسوس (١) فسبوا وقتلوا ثم عادوا فنزلوا على اللاذقية.
وفي تاسع شعبان برز قُتُلْمِش بالعساكر نحو واسط لقتال ابن فَسانْجِس، ثم أعيدت الخيم في ذلك اليوم، وسببه ورود كتاب قريش إلى البساسيري ودُبيس ومقبل وابن وَرَّام وابن خَفاجة نزلوا الخابور قاصدين الموصل، فَردَّ الكُنْدُري العسكرَ، وبعث الخليفةُ رسالةَ إلى واسط بتطييب قلوب مَنْ فيها، فقالوا: نحن طائعون بحيث نبقى على ما نحن عليه. وجرَّد السلطانُ ابنَ عمه قُتُلْمِش والحاجب الكبير وغيرهما في ألفي فارس من الأتراك والغُز والتركمان وعشرةِ آلاف دينار ومئتي ثوب؛ ليفرِّقها قريش في بني عقيل، وخِلعةٍ جميلة لقريش، وقريشٌ بمركب ذهب ومُنجوق، ولمسلم بن قريش مثلُ ذلك، ثم ورد الخبر بأن القوم في الرحبة على عزم إنفاذ مقبل لقتال أخيه وانتزاع الموصل من يده، فكوتب قتلْمِش بالإصعادِ على حالة إلى الموصل، وقَصْدِ القوم ومناجزتهم أينما كانوا.
وفي رمضان أخرج الخليفةُ والسلطانُ جميعَ من كان ببغداد من الأتراك العُتَّق الذين كانوا يفعلون بجلال الدولة ما فعلوا، فلم يبْقَ لهم أثر، ونفاهم إلى الدِّينَور وحُلوان، ومزَّقَهم كل مُمزَّق.
وفيه أسلم كاتب البساسيري من شدة العقوبة والمطالبة بالأموال، فَزِيد في عقوبته.
وفيه عزم السلطان على الخروج بنفسه إلى البساسيري، فمنعه القائم وقال: أقِمْ وابعَثِ العساكر.
وفي شوال سار عميد العراق أبو نصر إلى واسط، ناصر جماعةَ من الأتراك، وغَرَّق آخرين، وقَتَلَ، وانهزم الباقون في السفن إلى البَطيحة هاربين، وهدم سورَ واسط، وطمَّ الخنادق، وكتب إلى السلطان بالفتح، وكان ابن فَسانْجِس قد هرب إلى البَطيحَة.
стр. 8897
وفيه كانت وقعة سنجار بين البساسيري وقُتُلْمِش، فكانت الدَّبَرة (١) على قُتُلْمِش، وسببه أنَّه سار من بغداد بالغُزِّ، فنهبوا بلاد العرب، وسبَوا نساءهم، فمالوا إلى البساسيري، وكان قريشٌ نازلًا بتلِّ أعفر، فلما قربوا منه حَذِرَ مقاربتهم، وسار بعيدًا عنهم، ولم يختلط بهم، وراسل دُبيس بني عقيل الذين مع قريش، وبذل لهم العطاء، وخوَّفهم ما يؤول إليه أمر العرب مع الغُزِّ، وكان البساسيري ودُبيس ومقبل وابن وَرَّام وبطون العرب والغلمان البغدادية والأكراد نزولًا على فرسخين منهم، وكاتبوا قريشًا، فلم يلتفت إليهم، فأفسدوا القبائل، فلما كان أول ذي القعدة ظهر أوائل خيل البساسيري، فركب أصحاب قريش نحوها، ثم انضووا إليها أولًا أولًا، وقليلًا قليلًا، حتَّى بقي قريش في عدد يسير من أصحابه وحاشيته، وأظلَّه القوم، ولحقه دُبيس فأغلظ له، وقال: انْجُ بنفسك. فترك قُريشٌ التجافيف، وركب فرسًا خفيفًا، ونجا بنفسه، وأراد مقبل أن ينهب حلةَ قريش، فمنعَتْه أختُه وزوجة دُبيس، ونزلت في الحلة فحمتها، وعرفت الغُزُّ [الذين فيها] (٢) الخبر، فجاؤوا صفوفًا، والتقوا، فاقتتلوا إلى العصر، فحمل البساسيري ودُبيس ومَنْ معهم عليهم حملةً واحدةً، فهزموهم وقتلوهم وشردوهم، وقتل الحاجب الكبير، وهرب قُتُلْمِش ومن معه، وغنم البساسيري وأصحابُه غنائمَ كثيرةً، وقتل خلقًا كثيرًا، وبعث إلى مصر بألفي فارس (٣) ومئتي رأس.
وفي رواية: كان مسير البساسيري من الرحبة عاشر رمضان بعدما فرَّق الأموال الواردةَ إليه من مصر والخِلَع، وكانت خِلَعًا نفيسةً؛ طميم الذهب، وعمائم ملونة، ومراكب الذهب، والأعلام على القصب والفضة، ومهد على رأسه رصافية ذهب عليها اسم صاحب مصر، وسِجافُه دَبيقيٌّ (٤) أزرقُ مُصْمَتٌ بالذَّهب، وحمل إليهم الأموال، فإلى دُبيس ثلاثين أَلْف دينار، وإلى أمراء العرب على أقدارهم، وأعطى دُبيسًا ثلثَ الموصل، ومقبلًا الثلثين، وأقطع الجزيرة للعرب، وسار إلى الخابور وقريشٌ بتلِّ أعفر
стр. 8898
في بني عقيل، ولم يعلم البساسيري أن السلطان قد أنجده بقُتُلْمِش، ونزل البساسيري بالشَّمَّاسية وبينها وبين تل أعفر عشرون فرسخًا، وبين سنجار اثنا عشر فرسخًا، ثم علم بنجدة السلطان لقريش، فانزعج وخاف، واتفق مع الجماعة على إفساد بني عقيل عن قريش، وتمَّ لهم ذلك، وساروا وقد جعل البساسيري في الميمنة دُبيسًا، وفي الميسرة جابر بن ناشب والأكراد، ووقف في القلب والإماء بين أيديهم يضرِبْنَ بالدفوف، ويُنشِدْن الأشعار التي فيها ذكرُ الحروب، وتوافى العسكران وقريش في عشرة آلاف فارس، وعسكر السلطان عنهم نحو فرسخ، وتطاردوا [فبرز من عسكر قريش نحو مئتي فارس، وتطاردوا] (١) وقلبوا أرماحهم واستأمنوا، ثم تلاهم آخرون وآخرون حتَّى تقوَّض مَنْ كان مع قريش وبقي وحدَه، وبلغ السلطان، فكتب إلى أخيه لأمه إبراهيم يَنَّال بالمسير إليه في العساكر، وكتب إلى عميد العراق يستدعيه من واسط، وعرض على الجند من الديلم وغيرهم، وأنفق فيهم الأموال والسلاح، وتأهَّب للمسير بنفسه.
وفي خامس عشرين شوَّال أُخرِجَ أبو الحسين بن عبيد كاتب البساسيري إلى النَّجمي ومعه ابن النسوي، فقدَّمه وضرب عنقه بعد ما أسلم، وجاء الخبر إلى السلطان بأن البساسيري دخل الموصل، وخطب لصاحب مصر بها، وأمن النَّاس، وأنه على عزم الانحدار إلى بغداد، فبرز السلطان بعسكره إلى باب الشَمَّاسية في ذي القعدة، وكان لم يزل مُؤثِرًا للمسير إلى العرب ومناجزتهم استطالةً لمُقامه بالعراق، وطلبًا للعود إلى خراسان، والخليفةُ يراسله بالتوقف عن خروجه بنفسه، ويُهوِّن الأمرَ عليه، ومضى لهذه الوقعة نيِّفٌ وثلاثون يومًا، لم يقِفْ لهم على خبر، فيئس من سلامتهم، ووصل الخبر بأن البساسيري وصل الموصل، وضرب معسكره على سمت بغداد، فراسل الخليفةَ في الخروج إلى الموصل، فما أمكنَه دَفْعُه؛ لأنه دفعه مرات فقال: افعَلْ ما تراه، فنحن ما نُؤثِرُ بُعدَكَ عنا. ثم بعث إليه رئيس الرؤساء وهو بالمخيم، وقال: [إنَّ] أمير المُؤْمنين ما يُؤثِرُ خروجك، وإذا أقمتَ وبعثت العساكر كان أكثرَ للهيبة. فقال: قد كان الصواب أن أخرُجَ إلى هؤلاء، وعسكري متوفر، والهيبة قائمة فمنعتَ، فأُشير عليَّ بإنفاذ العساكر إليهم والمُقام، فجرى ما جرى، وقد قووا وكثروا، ولا بُدَّ من مسيري
стр. 8899
إليهم قبل أن يتفاقم الأمر. وأغلظ لرئيس الرؤساء وقال: أنتم فعلتُم هذا. فثقُلَ عليه ما سمع، وظنَّ أنَّه قد تغيَّر اعتقادُه، فرجع واجمًا (١)، وطالع الخليفة بذلك، فعزَّ عليه.
وسار السلطان في سادس ذي القعدة، ومعه الخزائن وآلات الحصار، فكان مُقامه ببغداد ثلاثة عشر شهرًا وثلاثة عشر يومًا، ولم يلقَ الخليفة على العادة.
وفي تاسعه سُلِّمتْ زوجةُ البساسيري وزهرةُ جاريتُهُ ابنتُه منها إلى أصحاب السلطان من محبسهم (٢) بباب المراتب، وحملوهم إلى الجبل ليعتقلوهم في بعض القلاع، وأقام عميد العراق في دار المملكة.
وفي هذا الشهر عاد ابن فَسانْجِس ومَنْ معه من الديلم والترك إلى واسط، ونهب قرية عبد الله من ضياع الخليفة، وقتل مَنْ فيها، وأخذ سفنًا فيها متاع للخليفة، وبيَّضَ حائط جامع واسط، ومحا ما كان على قبلته من ألقاب بني العباس، ونصب على المنبر لواءين أبيضين، وخطب لصاحب مصر، ونقش على الدنانير والدراهم اسمَه، وخطب لصاحب مصر -أَيضًا- بالكوفة، وفرَّق في المشهد مالًا على العلويين، وبيَّضَ حائط الجامع، وأُزيل اسمُ القائم، وكُتب مكانه اسم صاحب مصر، والذي فعل ذلك بدر بن علي أخو دُبيس. وقيل: محمود بن الأخرم الخفاجي.
وفيه سار قريش إلى دُبيس ونزل عليه، فتكفَّل بأمره، وأزال الوحشة بينه وبين أخيه والبساسيري، ولبس قريش خِلْعة آتيةً من مصر، وأخذ مالًا بعث به إليه، وسار السلطان من عُكْبَرا رابع عشر منه بعد أن نهبها العسكر، وجمع تلك البلاد، وهرب الرجال والنساء على أقبح صورة.
وفي سابع ذي الحجَّة فتح السلطان تِكريت، وكان لمَّا نزل مقابِلَها راسل عيسى بن خميس صاحبَها، وطالبَه بمال وغَلَّة، فأذعن بذلك، فلما عبر الرسولُ لقبضه -وكان الغلاءُ قد عمَّ البلاد- فقام أهل تِكريت، وشتموا الرسول، وقالوا: هذه البلاد للبساسيري. فعبر السلطان إليهم من الجانب الشرقي فحاربهم، وصَعِدها ودخل أكثرُ أهلها إلى القلعة، وهلك في الزحمة جماعةٌ، ونهب البلد، وسبق الحريم، وقُتِلَ خلقٌ
стр. 8900
كثير، واتصل الحصار، وراسل صاحبُها السلطانَ في الصلح، وقرَّر على نفسه ثلاثة آلاف دينار، وطلب أعلامًا سوداء تُعلَّق على القلعة، ففعل السلطان، وسار منها سادس عشرة متوجهًا إلى الموصل بعد أن أفرج عن النساء المأخوذات من تِكريت وردَّهُنَّ إلى أهاليهنَّ، وكُنَّ زيادةً على ثلاثة آلاف امرأة، وسار إلى البَوازيج، وأقام ينتظر إبراهيم يَنَّال والنجدة التي تأتيه من الشرق، ونهبَ أصحابُه النواحي، وجَلا أهلُها عنها، وأمَّا أهل الموصل فأجفلوا هاربين، ولم يبقَ فيها إلَّا الضعفاء والفقراء، وسار البساسيري ومن معه عن الموصل سبع فراسخ، وخطب محمَّد بن الأخرم الخفاجي للمصريين في الكوفة والحِلَّة والعين وشفاثا وسُوراء والوقف، وخطب ابن فَسانْجِس لهم بواسط وجميع أعمالها، ولم يبقَ غيرُ بغداد.
وفيها أُقيم الأذان في مشهد موسى بن جعفر ومساجد الكَرْخ بالصلاة خير من النَّوم، وأزيل ما كانوا يقولونه من: حيَّ على خير العمل، ودخل من أهل باب البصرة قوم، فأنشدوا الأشعار في مدح الصَّحَابَة، وتقدَّم رئيس الرؤساء إلى النسوي صاحب الشرطة بقتل أبي عبد الله بن الجلاب شيخ البزَّازين بباب الطاق؛ لِما كان يتظاهر به من سبِّ الصَّحَابَة، فقُتِلَ وصُلِب على باب دُكَّانه، وهرب أبو جعفر الطوسي فقيهُ الشيعة ومُصنف التفسير، فنُهبت دارُه.
ولم يحج أحد من العراق [في هذه السنة].
وكان صاحب حلب ثِمال بن صالح بن مِرداس ووالي دمشق حيدرة بن الحسن بن مفلح.
وفيها تُوفي
جعفر بن محمَّد بن عبد الواحد
أبو طالب، الجعفري، الشريف، الطُّوسي، شيخ الصوفية بنوقان، سافر إلى البلاد في طلب الحديث، وسمع بالعراقين وخراسان والشَّام وغيرها، وكان زاهدًا عابدًا ورعًا صدوقًا ثقةً، قال الشَّافعيّ: [من المنسرح]
صبرًا قريبًا ما أقربَ الفرجا … مَنْ راقبَ اللهَ في الأمور نجا
مَنْ صدقَ اللهَ لم ينلهُ أذى … ومَنْ رجَاهُ يكونُ حيثُ رَجا
стр. 8901
وأخرج له القشيري أبياتًا وهي: [من الطَّويل]
فكيف وما استدعانيَ الذِّكرُ ساعةً … لغيرِكَ إلَّا كنتَ فاتحةَ الذِّكرِ
ولا سنحَتْ لي خطرةٌ نحوَ حاضرٍ … ولا غائبٍ إلَّا وأنتَ لها المُجري
بفقري بوجدي باغترابي بوحدتي … بطولِ البُكا مني على فائتِ العمرِ
تَلافَ الذي قد ماتَ مني بنظرةٍ … أصولُ بها يوم القيامةِ في الحشرِ
[وفيها تُوفِّي]
علي بن أَحْمد بن عليّ (١)
أبو الحسن، المؤدِّب، من قرية ببلد البصرة يقال لها: فالله، بفاء. أقام بالبصرة مدة، وسمع الحديث، وقدم بغداد، وأقام بها، وتُوفي في ذي القعدة، ودفن بمقبرة جامع المنصور، وكان شاعرًا فصيحًا، ثقةً، ومن شعره: [من الكامل]
لمَّا تبدلتِ المجالسُ أوجهًا … غيرَ الذين عهدتُ من علمائها
ورأيتُها محفوفةً بسِوى الأُلى … كانوا ولاةَ صدورِها وفِنائها
أنشدتُ بيتًا سائرًا متقدمًا … والعينُ قد شرقَتْ بحَمَّةِ (٢) مائها
أمَّا الخيامُ فإنها كخيامهم … وأرى نساءَ الحيِّ غيرَ نسائها
وقال: [من الطَّويل]
تصدَّرَ للتدريسِ كلُّ مُهوِّسِ … بليدٍ يُسمَّى بالفقيهِ المدرِّسِ
فحُقَّ لأهل العلم أن يتمثَّلوا … ببيتٍ قديمٍ شاعَ في كلِّ مجلسِ
لقد هزُلَتْ حتَّى بدا من هُزالِها … كُلاها وحتى سامها كلُّ مُفْلِسِ
وكان قد باع "الجمهرة" لابن دريد وندم بعد ذلك، فقال: [من الطَّويل]
أنِسْتُ بها عشرين حولًا وبِعْتُها … فقد طال وجدي بعدها وحنيني
وما كان ظنِّي أنني سأبيعُها … ولو خلَّدَتْني في السجونِ ديوني
стр. 8902
ولكن لضعفٍ وافتقارٍ وصبيةٍ … صغارٍ عليهم تستهِلُّ شؤوني
فقلتُ ولم أملِكْ سوابقَ عَبْرتي … مقالةَ مكويِّ الفؤادِ حزينِ
لقد (١) تخرج الحاجاتُ يَا أمَّ مالكٍ … ذخائرَ من ربٍّ (٢) بهن ضنين
[وفيها تُوفِّيت]
فاطمة بنت القادر [بالله (٣)
أمير المُؤْمنين] أخت القائم بالله، توفيت فأُخرج تابوتُها، ونُقل معها الذخيرة بن القائم، فصلى عليهما الخليفة في صحن السلام، وأُنزِلَ التابوتان في الطيار، ونزل معهما رئيس الرؤساء، وحُمِلا إلى الرُّصافة فدُفِنا، وجلس رئيس الرؤساء للعزاء، فلم يجلس معه (٤) أربعون رجلًا؛ لاشتغال قلوب النَّاس بالموت والوباء والغلاء والخوف من كل ناحية.
[وفيها تُوفِّي]
محمَّد بن أَيُّوب (٥)
أبو طالب، عميد الرؤساء، ولد سنة سبعين وثلاث مئة، وكتب للقائم ستة عشر سنة، وتوفي عن ثمان وسبعين سنة، وكان فاضلًا شجاعًا.
[وفيها تُوفِّي]
محمَّد بن عبد الواحد (٦)
ابن محمَّد، أبو الفرج، الدَّارميّ، البغدادي، ولد سنة ثمان وخمسين وثلاث مئة، وقيل: سنة ثمانين وثلاث مئة، سكن دمشق، وكان أحد العلماء، موصوفًا بالفهم
стр. 8903
والذكاء والفطنة والفقه والحساب وقول الشعر، سافر عن بغداد، وسكن الرَّحبة، ثم انتقل إلى دمشق فاستوطنها، وتوفي بها ليلة الجمعة، وصُلِّي عليه يوم الجمعة مُستهلَّ ذي القعدة، ودُفن بباب الفراديس، وحضر جنازته خلقٌ عظيم، وكان صدوقًا، وقال: مرضتُ فعادني أبو حامد الإسفراييني، فقلت: [من السريع]
مرضتُ فارتَحْتُ إلى عائدِ … فعادني العالمُ في واحدِ
ذاك الإِمام ابنُ أبي طاهرٍ … أحمدُ ذو الفضلِ أبو حامدِ
وقال: [من المنسرح]
أعراضُ قلبي غَدَتْ معرَّفةً … فاجتمعَتْ في الحبيب أعراضي
لا بُدَّ منه ومِنْ هواهُ ولو … قرَّضني سيِّدي بمقراضِ
تودُّه مُهجتي وإن تَلِفَتْ … تَوَدُّهُ في التُّراب أبعاضي
[وفيها تُوفِّي]
هلال بن المُحسِّن (١)
ابن إبراهيم بن هلال، أبو الحسين، الكاتب، الصابئ، صاحب التاريخ، ولد سنة تسع وخمسين وثلاث مئة، وجدُّه [أبو أبيه أبو إسحاق] إبراهيم صاحب الرسائل، وكان أبوه المحسن صابئًا أَيضًا، فأمَّا هو فأسلم متأخرًا [وكان يطلب الأدب]، و [كان] سبب إسلامه [ما أَنْبأنا به غير واحد عن أبي الفضل بن ناصر، حَدَّثَنَا الرئيس أبو علي محمَّد بن سعيد بن نبهان الكاتب قال: حَدَّثني هلال بن المحسن الصابئ قال: رأيتُ في المنام سنة تسع وتسعين وثلاث مئة رسولَ الله ﷺ قد جاء إلى الموضع الذي أنا فيه، والزمان شتاء، والبرد شديد، فأقامني، فأرعدتُ حين رأيتُه، فقال لا تُرَعْ، فإنِّي رسول الله، وحملني إلى بالوعة في الدار عليها دورق خزف وفيه ماء، وقال: توضأ، فتوضأت وضوء الصلاة، وكان الماء في الدورق جامدًا، فكسرته، ثم قام فصلَّى بي، وجذبني إلى جانبه، وقرأ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ وركع وسجد، وأنا أفعل مثل فعله، وقام ثانيًا وقرأ الحمد وسورة، ثم سلَّم وأقبل عليَّ وقال: أَنْتَ رجل عاقل
стр. 8904
محصل، واللهُ يريد بك خيرًا، فلِمَ تدَعُ الإِسلامَ الذي قامت عليه الدلائل والبراهين، وتقيمُ على ما أَنْتَ عليه، هاتِ يدَكَ وصافِحْني، فأعطيتُه يدي، فقال: قل: أسلمتُ وجهيَ لله، أشهد أن لا إله إلَّا الله الواحد الصَّمد (١)، الذي لم يكن له صاحبةٌ ولا ولد، وأنك يَا محمَّد رسولُ الله إلى عبادة بالبينات والهدى، فقلت ذلك، ونهض ونهضتُ معه، فرأيتُ نفسي قائمًا على الصُّفَّة، فصِحْتُ صياحَ الانزعاج والارتياع، فانتبه أهلي، وسمع أبي، وجاؤوا فقصصتُ عليهم القصة، فوجموا إلَّا أبي، فإنَّه تبسَّم وقال: ارجعْ إلى فراشك، فالحديث يكون عند الصباح، وتأملنا الدَّورق، فإذا الجمد الذي فيه متشعب بالكسر، وتقدَّم والدي إلى الجماعة بكتمان ما جرى، وقال: هذا منام صحيح، وبشرى محمودة، إلَّا أن إظهار هذا الأمر فجأةً والانتقال من شريعة إلى شريعة يحتاج إلى مقدمةٍ وأُهبةٍ، ولكنِ اعتقِدْ ما وُصِّيتَ به، فإنني معتقدٌ مثلَه، وتصرَّفْ في صلاتك ودعائك على أحكامه، ثم شاع الحديث، ومضت مدةٌ، فرأيتُ رسولَ الله ﷺ ثانيًا على دِجلة في مشرعة باب البستان، فتقدَّمتُ إليه وقبَّلْتُ يده، فقال: ما فعلتَ شيئًا مما وافقتني عليه وقرَّرتَه معي. قلت: بلى يَا رسول الله، تصرَّفتُ في صلاتي ودعائي على موجبه. فقال: لا، وأظنُّ أنَّه بَقِيَتْ في نفسك شبهةٌ، تعال. وحملني إلى باب المسجد الذي في المَشرعة وعليه رجلٌ خراسانيٌّ نائمٌ على قفاه وجوفه كالغِرارة (٢) المحشوَّة من الاستسقاء، ويداه وقدماه منتفختان، فأمرَّ يدَه على بطنه وقرأ عليه، فقام الرَّجل صحيحًا معافًى، فقلت: صلَّى اللهُ عليكَ يَا رسول الله، وانتبهتُ ثم رأيتُه في سنة ثلاث وأربع مئة في بعض الليالي راكبًا على باب الخيمة التي أنا فيها، فوقف وانحنى على سرجه، حتَّى أراني وجهَه، فقمتُ إليه وقبَّلتُ ركابه، فنزل، وطرحتُ له مِخَدَّة، فنزل وجلس وقال: يَا هذا، كم آمُرُكَ بما فيه الخير لك وأنت تتوقف عنه؟ فقلتُ: يَا مولاي، ما أنا متصرِّفٌ عليه. قال: بلى، ولكن لا يُغني الباطنُ الجميل مع (٣) الظاهر القبيح، وإن كنتَ تراعي أمرًا فمراعاتُكَ اللهَ أولى، قُمِ الآنَ وافعَلْ ما يجب ولا
стр. 8905
تخالف. قلت: السمع والطاعة، وانتبهتُ فدخلتُ الحمام، وجئتُ إلى المشهد فصليتُ فيه، وزال عني الشك، فبعث إليَّ فخرُ الملك فقال: ما الذي بلغني عنك؟ فقلت: هذا أمر كنت أعتقده وأكتمه، حتَّى رأيت البارحة كذا وكذا. فقال: قد كان أصحابنا يُحدِّثوني أنك [كنت] (١) تصلِّي صلاتنا، وتدعو دعاءنا، وحَملَ إليَّ دستَ ثياب ومئتي دينار، فرددتُها وقلت: ما أُحِبُّ أن أخلط بفعلي شيئًا من الدنيا. فاستحسَنَ ذلك مني، وعزمتُ أن أكتب مصحفًا، فرأى بعضُ الشهود رسولَ الله ﷺ في المنام وهو يقول له: تقول لهذا المسلم القادم: نويتَ أن تكتب مصحفًا، فاكتُبْه فيه يتِمُّ إسلامُك. قال: وحدَّثتني امرأةٌ تزوجتُها بعد إسلامي قالت: لمَّا اتصلتُ بك قيل لي: إنكَ على دينِكَ الأول، فعزمتُ على فراقك، فرأيتُ في المنام رجلًا - قيل: إنه رسول الله ﷺ ومعه جماعة -قيل: هم الصَّحَابَة- ورجل معه سيفان -قيل: إنه علي بن أبي طالب رضوان الله عليه- وكأنك قد دخلتَ، فنزع عليٌّ أحدَ السيفين فقلَّدكَ إياه وقال: ها هنا ها هنا، وصافحك رسولُ الله ﷺ ، فرفع عليٌّ رضوان الله عليه رأسه إليَّ وأنا مُطَّلعةٌ من الغرفة فقال: ما تَرَينَ إلى هذا؟ هو أكرم عند الله وعند رسوله وعندي منكِ ومن كثير من النَّاس، وما جئناه إلَّا لنُعرِّفك موضِعَه، ونُعلِمَك أننا زوجناكِ به تزويجًا صحيحًا، فقرِّي عينًا، وطيبي نفسًا، فما ترينَ إلَّا خيرًا. قالت: فانتبهتُ وقد زال عني كل شكِّ وشبهة. وفي رواية: أن النَّبِيّ ﷺ قال له في المرة الثالثة: وتحقيقُ رؤياكَ إيايَّ أن زوجتَكَ حاملٌ بغلام، فإذا وضعَتْه فسمِّه محمدًا، فكان كما قال، وُلدَ له ذكرٌ فسمَّاه محمدًا، وكناه أَبا الحسن، وهو صاحب التاريخ أَيضًا (٢).
وكان [أبو الحسين] هلال من كبار العلماء الأدباء، وله التاريخ الذي ذيَّله (٣) على تاريخ سنان بن ثابت، وبدأ به من سنة إحدى وستين وثلاث مئة إلى سنة سبع وأربعين وأربع مئة.
[قلت: وكان هلال من الفصحاء، وله الكلام المليح، والنثر الفصيح، والمِلَح والنوادر، والفضائل والفواصل].
стр. 8906
وكانت وفاة هلال في رمضان ببغداد، وكان قد سمع قبل أن يسلم جماعة من النُّحاة وتأدَّب بهم، منهم: أبو علي الفارسيّ، وعلي بن عيسى الرُّمَّاني، وغيرهما. وقد ذكره ولده غرس النعمة في "تاريخه" فقال في خطبة الكتاب: وبعد، فكان والدي وصَّى إليَّ لما أحسَّ بقدوم الوفاة، ويئس من أيام الحياة، ولمعَتْ له لوامع المنية، وقرعت سمعَه قوارعُ البلية؛ رغبةً في زيادة الذكر ونمائه وانتشاره وبقائه، بصلة كتاب التاريخ الذي ألَّفه إلى آخر سنة سبع وأربعين وأربع مئة تأليفًا يعجز عنه من يروم مثلَه، يفتضح فيه من يتعاطى فضله، إذ هو السحر الحلال، والعذب الزلال، والصادر عن أوْحَدِ دهره، وفريدِ عصره، وشَرَع فيه وقد أتَتْ عليه سنة جرَّب فيها الأمور ومارسها وخبرها ولابسها، وأنا عارٍ من جميع صفاته، وخالٍ من سائر سِماته: [ومن البسيط]
وابنُ اللَّبون إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ … لم يستطِعْ صولةَ البُزْلِ القناعيسِ (١)
لكنَّ قوله مستمَعٌ، ومرسومَه متَّبعٌ، وأمرَه مطاع، ورأيَه غيرُ مُضاع.
ثم إنه قال في سنة ثمان وأربعين وأربع مئة: وفي يوم الأربعاء سادس عشر رمضان تُوفِّي والدي الرئيس أبو الحسين هلال بن المُحسِّن بن إبراهيم بن هلال، ومولده يوم الأحد النصف من شوال سنة تسع وخمسين وثلاث مئة، فانتقض السُّؤدَدُ بمصابه، وانثلم الفضلُ بذهابه، فهو كما قيل: [من البسيط]
لا أُمَّ للموتِ كم يُبلي بجِدَّتِهِ … في كل يومٍ حكيمًا ما لَهُ خلَفُ
أصابَ قصدًا هلَالًا في تكامُلهِ … وبحرُ منطقِهِ ما ليسَ يُغتَرَفُ
لم يُبلِهِ الدهرُ ما دامَتْ بدائِعُهُ … تُطوى على جَمْعِها الأخبارُ والصُّحفُ
وأَنشد أَيضًا: [من البسيط]
ماتَ البديعُ وغارَتْ دُرَّةُ الفَطِنِ … واستدرجَ الموتُ بحرَ الفضلِ في كفنِ
للهِ دَرُّ المنايا ما صنعْنَ به … وما تضمنتِ الأكفانُ من بدنِ
стр. 8907
قولُه: للهِ دَرُّ المنايا ما صنعْنَ بهِ، فيه نظر؛ لأن لفظة "دَرّ" إنما تُستعمل في استحسان الأفعال، وقد كان هلال من الفصحاء؛ قال يمدح رجلًا: هو خارجٌ من منبع الصفا، والجٌ في مربع الوفا. وقال: فلانٌ مَعلَمُ الرُّبا، منعم للرِّبا، حاضر الدعوى، غائب العدوي، جلَّت عنده الحِباء، لمَّا جلَتْ عنده النِّهاء. وقال: واللهُ يجعل أبكارَ عرائسِه مقبولةَ المُجتلى، وثمارَ غرائسه مَعْسولَةَ المُجتنى. وقال: امتناع اللقاء يحلُّ عقد الإجار بحبل عهد الوفاء. وقال: أنا واحد من أوليائك، وإن كنت واحدًا في ولائك. وقال: تولَّاه الله فيما ولَّاه، ووالى إليه جميلَ ما أولاه. وقال: دوامًا لا انفصامَ لِعُراه، ولا انفصال لِعُلاه. وقال: وليس شكري إياك عن بِرٍّ ائتَسَيتَه لما أسْدَيتَه، وعُرفٍ واليتَه لما أوليتَه، ولا لمُهجةٍ حويتَها ما أجبتَها، وحُشَاشَةٍ ملَكْتَها لما تداركتها، بل لأجل الحُرمة التي تمكَّنت فتملَّكت، والثقة التي استحكمت فتحكَّمت. وقال: فلأن روضة الدهر وزهرتُه، ومستراد الطَّرف ونزهتُه، وخِلْسةُ العيش ونُهزَتُه، وأريحية السرور وهزَّتُه. وقال: ذو العلم المشهور، والعلم المنشور. وقال: في دولةٍ مؤذِنةٍ بالمقام والاستقرار، ضامنةٍ للدوام والاستمرار. وقال: هو لأسباب المعالي جائز، ولغايات المساعي حائز. وقال: أقتدي بالخلفاء فيما حكَوه من ذلك المثال، أو حاكُوه على ذاك النَّوال. وقال: صحيفة مجلوَّة، وصحيفة مملوَّة. وقال: الحمد لله الذي أعطى الإنسان بفضيلة النُّطْق، مزيَّة السَّبْق، وجعل له من العقل الصحيح، واللسان الفصيح، مُبينًا عن نفسه، ومخبرًا عما وراء شخصه، فأضحى بذلك قويًّا على استنباط واستخراج المستنبَطات. وقال يذمُّ رجلًا: لا يبدو له وجه حياء، ولا يندى منه كفٌّ حِباء. وقال: عَدلَ عن التجبُّر والاستعلاء، إلى التحتُّر (١) والاستجداء. وقال: ذلك ما جنَيتَه على نفسك، وجنَّبتَه من غرسك. وقال: عَلِقَتْهم النحوس، فعقلتهم الحبوس.
стр. 8908
مرآة الزمان في تواريخ الأعيان
تصنيف
شمس الدين أبي المظفر يوسف بن قز أوغلي بن عبد الله
المعروف بـ «سبط ابن الجوزي» (٥٨١ هـ - ٦٥٤ هـ)
الجزء التاسع عشر
[٤٤٩ - ٤٩٩ هـ]
حقق هذا الجزء وعلق عليه
محمد أنس الخن - كامل محمد الخراط
стр. 8909
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 8910
مِرْآةُ الزَّمَانِ فِي تَوَاريخ الأعْيَانِ
[١٩]
стр. 8911
السنة التاسعة والأربعون وأربع مئة
فيها في المحرَّم استعفى ابن النسوي من ولاية الشرطة ببغداد؛ لاستيلاء العيَّارين واللصوص عليها، بحيث أُقيم تحت تاج الخليفة مَنْ يحفظ الزبازب والطيار الذي للخليفة من الحريق.
وفيه فُتحت واسط، وهرب ابن فَسانْجِس وابن يانس في ثالث عشرة، وأُقيمت الدعوة للقائم، وفي العشر الآخر منه اشتدَّ الغلاء ببغداد، فبِيعت العقارات بالرُّغفان، وأُكِلت الميتات والكلاب والقطاط. قال غرس النعمة: لقد شاهدتُ امرأةً بنهر مُعلَّى ومعها فخذ كلب ميت قد اخضرَّ وجفَّ وهي [تنهشه و] (١) تأكله. ورأيتُ امرأةً رمَتْ من سطح طائرًا ميتًا، فاجتمع عليه خمس أنفُس واقتسموه وأكلوه.
وخرب البلد (٢) والسواد جميعه خرابًا دارسًا، ونقضت الدور الشاطية وغيرها، وسُدَّت أبوابٌ كثيرةٌ مات أهلها [وخلا منها من كان بها] وكان الإنسان يمشي ببغداد في الجانبين فلا يرى إلَّا الواحد بعد الواحد.
وفي المُحرَّم مات [عيسى بن] خميس بن ثعلب صاحب تِكريت، وقَتلَتْ زوجتُه أميرةُ بنت غُريب أخاه أَبا الغشَّام (٣)، وكان معتقلًا في القلعة، فخافت منه أن يستولي عليها وعلى القلعة، وتسمَّت بعيسى، وقيل: إن عيسى أمرها بقتله، وأصعدت إلى الموصل، فنزلت على [نور الدولة] دُبَيس [بن مزيد] وكان [أبو المعالي] قريش قد خطبها وأرغبها، فمالت إلى عيسى [بن خميس هذا المتوفى وتزوَّجته]، ووقع بين عيسى وقريش لأجلها، وخطب البساسيري، ونزع طاعة قريش، فلما أصعدت إلى الموصل بعث إليها قريش فأطاعته.
[وقال ابن الصابئ: ووجدت في أتون بباب البصرة إنسانًا بصيرًا وآخر ضريرًا كانا يُكديان (٤) على القنطرة، قد شويا صبيةً صغيرةً في نار التنور وهما يأكلانها، وقد بقي
стр. 8912
رأسها وأطرافها، فقتلوا الضَّرير ورموا به في بئر، ونكسوا البصير من باب القنطرة على رأسه إلى الصراة، وكان الضعفاء يعملون مثل ذلك، ولا يُعلم بهم].
وفيه قبض عميد العراق على صندل خادم الخليفة، فقامت عليه القيامة، وكتب إلى رئيس الرؤساء رقعةً طويلةً بخطِّه يقول فيها: قد عرفت ما كان الانقباض واقعًا منه عند النص على استخدام أَحْمد بن عليّ -يعني العميد- على الباب العزيز، فإن أسباب الكراهة لذلك كانت باديةً، ثم ظنَّ أنَّ ما سوَّفه به من اللفظ العالي السامي المعظَّم يوم الوداع كافٍ لملوك الأرض، فضلًا عنه، وذكر أفعال العميد وما عامل به أمراء الأطراف، وقال: ومن العناء رياضة الهَرِم (١)، فأطلق الخادمَ، واعتذر بأنه لم يعلم أنَّه من خدم الخاصة، وفي هذا الوقت أُسِرَ أبو الغنائم بن فسانْجِس، وسببه أن أَبا الفضل الهَمَذاني عميد العراق خرج من بغداد في جماعة من الجند والعجم والعرب لاعتراض ابن فسانْجِس في إصعاده من واسط، فصادفوه يوم الثلاثاء رابع عشر صفر، وهو في جمع كثير من الغلمان الواسطية والدَّيلم وبين خَفاجة ورجاله، وكان الهَمَذاني في نَوْشير (٢)، فلما رآه العميد رمى بنفسه ومَنْ معه عليهم، فهزمهم وقتلهم، وأَخذَ ابنَ فسانْجِس أسيرًا وأخاه وأهلَه، وكتب إلى بغداد على جناح طائر، فضُربت البشائر، وحُمل إلى بغداد يوم الأحد تاسمع عشر صفر على [جمل] (٣) وعليه قميص أحمر، وطرطور أحمر بوَدَعٍ، وأُخِذَ من رَحْله دراهم عليها اسم صاحب مصر، فعُلِّق بعضُها في عصابة على جبينه، وطِيفَ به بغداد من الجانبين، وصعد الخليفة ورئيس الرؤساء إلى المنظرة بباب الحلبة حتَّى شاهداه، ووراءه النَّاس يضربونه، ويُنادى عليه: هذا جزاء من كفر النعمة، وأساء إلى من أحسن إليه. فلمَّا بلغ النجميَّ حُطَّ وقد نُصِبت له خشبة فصُلِبَ عليها، وشُدَّت رجلاه في رأسه، وقُطِعَ رأسُه، ورُميت جثَّتُه إلى الكلاب فأكلتها، وبعث العميد رأسه إلى السلطان مع المنجوق الذي له، وعليه اسم صاحب مصر، فأمر السلطان بأن يُعلَّق رأسُه على المنجوق ويُطاف به في العسكر.
стр. 8913
وفي صفر كُبِسَت دارُ أبي جعفر الطُّوسي فقيه الشيعة بالكَرْخ، وأُخِذَ ما كان فيها من الكتب وغيرها، وكرسيٌّ كان يجلس للكلام عليه، وسَناجق (١) بِيض كان الزوَّار من أهل الكَرْخ قديمًا يحملونها معهم إذا قصدوا زيارة المشهدين، فأحرق الجميع في سوق الكَرْخ، وكان ببغداد الزهيريُّ وابنُ اليدن، وكانا فاتِكَين، فجرى منهما في هذا اليوم على أهل الكَرْخ من السب والشتم شيءٌ عظيم، وقالا: أنتم أعداء الخليفة، ولم تستعملوا مع ابن فَسانْجِس قبيحًا في قول ولا فعل لمَّا شهروه في محالِّكم، وأطلق رئيس الرؤساء لسانَه في الشيعة، وتهدَّدهم بالقتل والصلب.
وفي ربيع الأول عقد السلطان جسرًا على الزاب الأول وعبر إلى قلعة كُشاف (٢)، وكانت لمحلي بن درع، ففتحها وأخذ منها غلَّاتٍ كثيرة، وأصنافًا مختلفةً، وكان قد ضاقت به الميرة.
وفي مستهلِّ ربيع الآخر قصد الزُّهيري وابن اليدن وجماعةٌ من أهل باب البصرة والحربية ونهر طابق ودرب الشعير والقلَّائين مشهدَ موسى بن جعفر، ومعهم النوائح فيه بقصائد في حريق المشهد، وسنَّموا قبور المشهد، وفعلوا كلَّ قبيح، وانتقل العلويُّون منه، ولم يبقَ فيه إلَّا القليل، فمن القصائد: [من السريع]
يَا مُوقِدَ النيرانِ (٣) بالمشهدِ … بُورِكَ في كفَّيكَ من مُوْقِدِ
طهَّرتَ أرضًا كلُّ سُكَّانها … ما بين زنديقٍ إلى مُلحدِ
لا حافظ للذِّكر فيهِمْ ولا … مقدِّسٌ يركعُ في مسجدِ
من كلِّ بِدْعيٍّ له مذهبٌ … متخذًا للرِّفضِ بالمسندِ
لا تابِعٌ للدين فيهمْ ولا … معتقِدٌ للبعثِ من مرقدِ
بلى يظنُّون وويلٌ لهم … أنَّ المنايا آخرُ المَورِدِ
وأنَّهم مثلُ حشيشٍ ذوي … بعد اخضرارٍ ليس بالعُوَّدِ
стр. 8914
فهل بهذا أحدٌ راضيًا … كلَّا وربِّ الحجرِ الأسودِ
فلا سقاهم أبدًا وابلًا … من بارقٍ يلمعُ أو مُرْعِدِ
ولا رعى من عهدهم ذمةً … في مولدٍ يولد أو والدِ
ومن أخرى: [من المجتث]
سَلْ دارساتِ الطُّلولِ … كم بينها من قتيلِ
واربَعْ على عَرَصاتٍ … بين النَّقَا والدَّخولِ
فسلِ القبابَ العوالي … بالمشهدِ المخذولِ
وللعيونِ اللواتي … تجري ببول (١) الوُعول
عن كلِّ زنديقِ كفرٍ … عن كلِّ حقٍّ عَدولِ
يا مشهدًا يشهد الكفْـ … ـرَ في ليالي القَبولِ
تجولُ فيه البغايا … على ذكورِ الفُحولِ
يُمازحون البلايا … بسبِّ صَحْبِ الرسولِ
حبلُ الرَّوافضِ أهونُ … بالرَّفضِ من شُرَحبيلِ
وفي ثامن ربيع الآخر عاد الزهيري وابن اليدن والجماعة المُقدَّم ذِكْرُهم إلى المشهد وسنَّموا ضريح موسى بن جعفر والجواد وجميع القبور، وصَعِد على شريح الإِمام رجلٌ وقال: يَا موسى بن جعفر، إن كنت تُحِبُّ أَبا بكر وعمر فرحمك الله، وإن كنت تبغضهما، وذكر اللعنة. وصَعِد آخرُ يُعرف بابن فهد، فركض عليه، فيقال: إنه انتفخت قدماه، وعالجهما الطبيب وبطَّهما، وأخذ الزُّهيري طاسة فضة كانت عند رأس الإِمام يُطرح فيها الخَلوق، وقال: هذه يُثرد فيها، وأنت يَا موسى ممَّن يدَّعي الروافض؛ أنك تسمع الكلام وتردُّ الجواب، وما قدرتَ على منعي مما فعلت، وصارت الجماعة في كل سبت يقصدون المكان ومعهم النوائح، فينوحون ويلعنون الشيعة، وكذا في جميع مشاهد الشيعة، وكانوا يدخلون الكَرْخ فينهبون ويقولون: أسلموا يَا كفار. وفتح في المشهد باب إلى الحربية، وجُعِلَ طريقًا للسابلة، وكل هذا يتقدم رئيس الرؤساء، وجاء كتاب سيف الدولة إبراهيم ينَّال إلى أخيه السلطان يتعلَّل ويُسوِّف، فغاظ ذلك
стр. 8915
السلطان، وكان ينَّال مقيمًا بطُوس، ووصل داود ابن أخي السلطان بِنيَّة غزاة الروم، وكان معه خلقٌ كثير، فتعوَّض به عن إبراهيم يَنَّال، وسار السلطان إلى الموصل، واندفع البساسيري عنها مقدار عشرة فراسخ، ونزل السلطان تل بُوَيه، وهرب أهلُ الموصل، وعبر السلطان إليها يوم الثلاثاء رابع الشهر، فنزل دار الإمارة، ونزل أصحابه دور النَّاس، وكانت قد خَلَتْ منهم، وكتب السلطان إلى الخليفة يخبره بنزوله الموصل، وسار منها، فنزل الدَّكَّة، والبساسيري ومَنْ معه بِنَوْشَرى (١) وبينهم عشرة فراسخ، وأقطع السلطان الموصل لهزارسب، وطالبه العسكر بنهبها، فقال: هذا بلد قد أقطعناه لهزارسب وقد خَدَمنا، ونحن محتاجون إلى الإقامات والعلوفات. فقالوا: إمَّا تأذن لنا في نهبه، وإلَّا انصرفنا. وسأله هزارسب في حريم المسلمين وأموالهم، فقال: قد دافعتُ عنهم وما أطقتُ، ولا بدَّ لهم من إقامات أو عطاء، وما معي مال، فنمضي الليلة ونُخرِجُ مَنْ في البلد إلى معسكرك ليحرزوا نفوسهم، فأرسل إلى أهل البلد، وأخبرهم، فارتاعوا، وخرج مَنْ قَدَر منهم، وأصبح العسكر فدخلوا البلد، فما أمسى إلَّا وهو خراب دارس، وحمي لهزارسب النساءُ والرجالُ، وفرَّق فيهم مالًا، وأعادهم إلى البلد.
ذكر ما جرى بين عسكر السلطان والعرب:
لمَّا طالت المدة في المقام ضجر كلُّ واحد من الفريقين، فقال هزارسب للسلطان وكان عنده في المنزلة العالية يستشيره في أمور المصلحة: أسير وأُشرف على حلل العرب، فإما أن نُنتج صلحًا، أو نُثير حربًا، فقد طال المُقام، وإني أجود معي ألفَ غلام [ممن أختار. فقال له السلطان: أَلْف غلام] (٢) لا يكفونك، فخذ ثلاثة آلاف. فقال: في أَلْف كفاية، وفي الزيادة عليهم تعب. وإنما أسري جريدةً (٣). فقال: افعَلْ. وسار وأقام الكمناء، فوافق العربَ راحلين إلى بَرْقعيد، فلما رأوا طلائعه لم يشكُّوا أنَّه السلطان بنفسه، فانهزموا، وتبعهم أسرًا وقتلًا، وأُخذ محمَّد بن منصور أسيرًا، وعاد
стр. 8916
فجلس السلطان على كرسي، وأحضر منهم جماعةً وأرماهم تحت أرجل الفِيَلة، وفيهم غلامٌ أمردُ وضيء الوجه، فامتنع الفيل من قتله، فعفا عنه السلطان.
ولمَّا جرَتْ هذه الواقعة جاءت رسلُ قريش ودُبيس إلى السلطان يسألان (١) العفو والصفح ويدخلان في الطاعة، ويقولان: إنَّ البساسيري حُكْمُه حُكْمُنا، ويدخل فيما دخلنا فيه، ويؤدي في كل سنة ما جرَتْ به العادة، ويخطب للدولة العباسية، ويعود إلى ما كُنَّا عليه. فقال السلطان: إننا لكما مؤثرون، وبما جرى منكما مسامحون، ويجب أن تُنفِذا مَنْ تَثِقا به ليتوثَّق منا، ويسمع لفظنا لتسكن نفوسكما إلينا، وتطآ بساطنا، ونُفيض الإنعام عليكما، وأما البساسيري فالعفو فيه راجع إلى أمير المُؤْمنين، فإن عفا عَفونا وسلَّمنا إليه من الأعمال ما يختار، فقد بلَغَنا من شهامته ما يقتضي الاهتمام بمراعاته. وانصرف الرسلُ ثم عادوا بالشكر، وسألوا إبعادَ ابن وَرَّام ليقرر ذلك، وذكروا أن البساسيري لمَّا عرف ذلك رحل إلى الرَّحبة ومعه الغلمان البغدادية ومَنْ تَبِعه من بني شيبان والأكراد ومقتبل وجماعة، ومضى خائفًا وقد ثَقُل عليه حديث الصلح.
وفي رواية: أن سبب هذه الرسالة من السلطان أنَّ محمَّد بن منصور لمَّا أُسِر قال لهزارسب: قد أنعم عليَّ السلطان ببقاء نفسي، وأنا واللهِ أُشير عليه بما أنصحه فيه، وأجلب به الخير لبني عمي وعشيرتي والناس أجمعين، وقد خربت بلاد العراق، وضاعت الأموال، وهلكت الدنيا التي يقع عليها القتال، والمصلحة أن تأمرني أن أدخل بينه وبين العرب، وأرُدَّ الجميع إلى طاعته وخدمته، وتُقرِّرَ ما في أيديهم على ما كانوا عليه مع (٢) ملوك العرب، فلو أمنوا ثغرة هذا الجيش ما عصوا، وتحقِنَ هذه الدماء، وتكون أَنْتَ الواسطة، فعرف هزارسب السلطان، فقال: مصلحة، أُطلقه وأبعثه رسولًا إليهم. فقال محمَّد: بل أبقى ها هنا وأُراسلهم. فبعث إليهم بعضَ العرب، وبيَّن لهم وجه الصواب، فأجابوا، ولمَّا عرف البساسيري رحل عن الحلل مغاضبًا لقريش ودُبيس، فنزل على فرسخ منهم، فركبا إليه وعايناه وقالا: قد خرِبَتْ بلادُنا،
стр. 8917
وقُتِلَ رجالُنا، وسُبي حريمُنا بسببك، والحرب سِجال، وما ندري ما يكون، وهذا السلطان معه أممٌ لا طاقةَ لنا بهم، وما راسلناه حتَّى اقترحنا عليه أن تكون البصرة لك، وحكمك حكمنا في صلحنا، وإلا فقد خربت ديارنا. فقال: لستُ لما يُبذل لكم متحققًا، وما غرضُه إلَّا تبديدُ جمعنا، وإنهاءُ حيلةٍ علينا، وسخرية بنا، وبعد فأنا صاحب سلطانٍ بعيدِ عني، ولستُ مالكًا لأمري، ولا بُدَّ من مطالعته، واستدعاء إذنه فيما أفعل. وأغلظَ لهم فانصرفوا، وعاد رسولُهم ابنُ وَرَّام وقرَّر ما أرادوه، فأفرج السلطان عن محمَّد بن منصور والجماعة المأسورين، واستقرَّ الأمر على مسير هزارسب إليهم؛ لاستخلافهم وإحضارهم إلى الخدمة، وقال: أنا رهينةٌ عندكم، فإن رأيتم ما تُحِبُّون وإلا فنفسي لأولادكم وأهليكم. فقالوا: نحن له طائعون، وإذا ردَّ علينا بلادَنا وانحدر إلى العراق نطأ بساطه بين يدي العتبة الشريفة، ويكون الخليفة هو المتوثق لنا منه. فقال هزارسب: إذا كنتم لهذا الأمر كارهين، فأنا أضمن عنه الإجابة إلى ما سألتم. فانتدبوا سبعين فارسًا من أعيانهم ووجوه القبائل، وساروا مع هزارسب وابن وَرَّام، فركب عميد الملك لاستقبالهم، وأنزلهم هزارسب في خيمته، وبعث لهم السلطان خيمةَ كبيرةً ينزلونها إكرامًا لهم وتشريفًا، وجاء غلمانٌ من الترك في الليل، فضربوا خيل العرب بالنُّشَّاب، فقتلوا منها أربعةَ أفراس لها قيمة، وبلغ السلطان فأنكر ذلك، واعتقل الغلمان، وحضر القوم من الغد عند السلطان، فأكرمهم، واعتذروا إليه، فقَبِلَ عذرهم، وخاطبهم بالجميل والصفح، وأنه مُؤثِرٌ لخدمتهم، مختارٌ لقُربهم، وتوثَّق منهم، وطابت قلوبُهم، وتقدَّم بكَتْبِ أعمالهم لهم، وزاد في إقطاعهم، وخلع على أبي الفتح بن وَرَّام وأعيان القوم، وعادوا طائعين.
ولمَّا رأى العسكرُ الصلحَ قد تمَّ سألوا السلطان نَهْبَ بلاد ابن مروان، وقالوا: قد خرج عن الطاعة. وساعد البساسيري، فأذن لهم، فشفعت الجماعة الذين حضروا فيه وقالوا: قد أخطأ مثل ما أخطأنا، وقد وقع العفو عنا، فكذا هو. فقال السلطان: لا أدري هل هو مقيم على طغيانه أو رجع إلى الطاعة؟ فقالوا: نحن نسير إليه وننظر ما يكون منه. ثم ساروا نِصفَ جمادى الآخرة، وسار السلطان ثامن عشرة، فنزل على ظاهر بَلَد (١)، واتفق أن أَبا الفضل
стр. 8918
ناصر بن إسماعيل العلوي كان قد نفذه السلطانُ -لما قدم بغداد- إلى ملك الروم في المهادنة، فجعل طريقه في رجوعه على ابن مروان، ومعه رسول ملك الروم بهدايا كثيرة، فلما اجتمع بهما ابنُ مروان أنزلهما وأكرمهما، وقال: أَقيما عندي، فإن الطريق مَخوفٌ، والعرب قد انتشرت في الجزيرة، وأخاف عليكما. فأقاما، وبعث إليه البساسيري وقريش ودُبَيس يطلبون النجدة، فأنجدهم، ووقع للعلويِّ إنما احتبسهما انتظارًا لما يكون من السلطان مع العرب، فإن كانت لهم عليه أخذ ما معهما وفاز به، فكتب العلويُّ إلى السلطان يُعرِّفه ذلك، فوقر في صدر السلطان، ولمَّا وقع الصلح، وتفرَّق العرب، وانفصل البساسيري عنهم، أرسل ابنُ مروان خادمًا إلى خاتون زوجة السلطان، واستجار بها، وأهدى إليها هديةً، وقال: إنما فعلتُ ما فعلتُ خوفًا على بلادي، وأمَّا احتباس الرسولين فإنما كان شفقة عليهما، وأنا شيخٌ قد نيَّفْتُ على السبعين، وما قصدي إلَّا حفظ هذه الثغور من النهب والخراب. فأعادت خاتون على السلطان ما قال، وسألَتْه فيه، فقال: قد تيقَّنتُ احتباسه للرسولين طمعًا فيما كان معهما ومعاونته لأعدائنا، وتربُّصه الدوائر بنا، وهذا ذنبٌ لا يُغفر، وكان الأمير قوني بن داود -نسيب السلطان- أغار على بلاده وسبق، ولمَّا كان رسول الروم بميَّافارقين كتب إلى خاتون كتابًا عنوانه: عبدُ مولاتنا الملكة الجليلة والخاتون الكريمة البطريقُ غلامُ الملكِ القدِّيسِ المنفردِ بممالك الروم، وذكر فيه أن الأمير قوني بن داود قد شنَّ الغارات، ونهب أعمال الملكية، وأتى عليها بالكلية، ولولا تعويل الملك القِدِّيس صاحبي على ما بينه وبين الحضرة السلطانية من العهود والمواثيق لكانت عساكره قد خرجت إلى الأطراف، وأمرهم بالانصراف عنها، وذكر كلامًا طويلًا.
وأما العرب فتفرقوا في البلاد (١)، وسار بعضهم إلى البساسيري، وبعضهم إلى الجزيرة (٢).
وفي جمادى الآخرة ورد كتابٌ من بخارى [من وراء النهر] أنَّه وقع عندهم وباءٌ لم يُعهَدُ مثلُه ولا سُمِعَ به، حتَّى إنه خرج من هذا الإقليم في يوم واحد ثماني عشرة آلاف جنازة، وحُصِر من مات منه، فكانوا أَلْف أَلْف وست مئة وخمسين ألفًا إلى تاريخ الكتاب، ومن بقي من النَّاس يمرُّون في هذه البلاد فلا يرَون إلَّا أسواقًا خاليةً، وأبوابًا
стр. 8919
مغلقة، وتعدَّى الوباءُ إلى أذربيجان، ثم إلى الأهواز والبصرة وواسط وتلك الأعمال، حتَّى كانت تُحفر زُبية (١) فيُلقى فيها عشرون وثلاثون من النَّاس، وسببه قلة القوت والجوع، ومن مات قريبًا من دجلة سحبوه برجله وألقوه فيها، وكان الضعفاء ينبِشون الموتى ويشوونهم ويأكلونهم [وكذا الكلاب كانت تنبِش الموتى وتأكلهم] وكان لرجل أرض يسأل في بيعها بعشرة دنانير فلم يفعل، فباعها بخمسة أرطال خبز، فأكلها ومات من وقته. ووصل إلى بغداد نسخة كتابٍ كُتِبَ من سمرقند إلى إلخ مضمونه أنَّه يُدفن في كلِّ يوم من صالحي المسلمين خمسة آلاف وستة آلاف وأكثر، وغُلِّقت الأسواق، واشتغل النَّاس ليلًا ونهارًا بدفن موتاهم وغسلهم وتكفينهم، وكلُّ دار يدخلها الموت يأتي على الجميع، وكان المريض ينشقُّ قلبه عن دم المُهجة، فتخرج من فمه قطرة فيموت، أو دودةٌ لا يدري ما هي فيموت.
وغُلِّق من البلد من دور المُقدَّمين وأعيانهم أكثرُ من ألفي دار، ولم يبقَ فيها كبير ولا صغير ولا [حرٌّ ولا عبدٌ ولا] وارث، وتاب النَّاس [كلهم]، وتصدَّقوا بمعظم أموالهم، وأراقوا الخمور، وكسروا المعازف، ولزموا المساجد وقراءة القرآن، والنساءُ في البيوت يفعلن كذلك، وكلُّ دار فيها خمر يموت أهلها في ليلة واحدة، ومن كانت معه امرأة حرام ماتا معًا، ومات قيِّمُ مسجد وله خمسون أَلْف درهم، فلم يقبَلْها أحد، ووُضعت في المسجد تسعةَ أيام بحالها، فدخلت أربعة أنفُس من الخُلْجِ (٢) ليلًا، فأخذوها فماتوا عليها.
وكلُّ من أوصى إلى إنسان مات الموصى [له] قبل الموصي، وكلُّ مسلِمَين كان بينهما هجران فلم يصطلحا ماتا، وكان عند الفقيه عبد الجبار بن أَحْمد سبع مئة فقيه، فمات عبد الجبار والفقهاء بأسرهم، وكان في دار رجل من الأغنياء من الأولاد والأهل والغلمان ما يوفي على الخمسين، فماتوا كلُّهم في ثلاثة أيام، وخلفوا أكثر من ألفي أَلْف دينار، ولم يبقَ منهم إلَّا طفل صغير ابنُ خمس سنين، والمال جميعه في الدار لا يجسر أحدٌ أن يدخلها، ونزل تركى على مريض من السطح وعليه لحاف ديباج، فأخذه التركي، فمات ويده في طرف اللحاف، وباقيه على صاحبه.
стр. 8920
قال: ودخلنا على مريض قد طال نزعه سبعةَ أيام، فأشار بإصبعه إلى بيت في الدار، فدخلناه وفتَّشناه وإذا بخابية خمر، فأقلبناها، فخلَّصه الله تعالى من الموت. [قال: ولم يكن مثل هذه الواقعة منذ مات آدم وإلى الآن] ولا يعلم من مات في أرض المشرق، بل قيل: إن سمرقند من غُرَّة شوال وإلى سلخ ذي القعدة أُحصي مَنْ خَرَجَ من أبوابها من الجنائز، فكانوا مئتي أَلْف وستة وثلاثين ألفًا.
قال: وأصل هذا الوباء من تركستان بلاد الكفار، ثم خرج منها إلى بلاد ساغون وكاشغر والشاش وفَرغانة وتلك النواحي، ووصل إلى سمرقند في سابع عشرين رمضان في هذه السنة، ولم يعبر النهر، حتَّى إن جماعة من أهل بخارى عبروا إلى بَلْخ، فنزلوا في رباط منها، فماتوا بأجمعهم دون أهل بَلْخ، وكان الموت في الشباب والكهول والصبيان والنساء من العوام، فأما الملوك والعساكر والمشايخ والعجائز فلم يَمُتْ منهم إلَّا القليل، ثم انفجرت فوهة بما وراء النهر من مكان تجتمع فيه المياه من الأمطار والثلوج، فغرقت الجبال والقلاع والبلاد والضياع وعامة النَّاس، فلم يبقَ إلَّا القليل.
ورَدَّ عميد الملك على دُبيس ضياعَه فوجدها خرابًا لا أكَّار (١) فيها ولا حيوان، فبعث رسولًا إلى بعض النواحي ليجمع له الرجال، فلقيه جماعةٌ فقتلوه وأكلوه.
ووقع حريقٌ ببغداد لم يُعهَدْ مثلُه قبلَه (٢).
قال ابن الصابئ: عبرتُ إلى الجانب الغربي يوم الأربعاء لسبعٍ بَقِينَ من جمادى الآخرة وقد احترقت قطيعة عيسى وسوق الطعام والكنيس وأصحاب السقط وباب الشعير و [سوق] العطارين وسوق العروس وغير ذلك، فرأيت أمرًا موحشًا يدلُّ على خراب البلد وانقراضه، ورأيت المساكن قد علاها التُّراب وعليها دلائل السخط والانتقام (٣).
ولم تقع عيني على من عليه ثوب صحيح ولا نظيف، ورأيت في قطيعة عيسى خمسةَ أنفُس، وبطلت الصلاة في جوامع بغداد إلا جامع الخليفة ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إلا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨].
стр. 8921
[وفي هذا الشهر لمَّا سار طُغْرُلْبَك إلى مرج باغيدا من بَلَد، وقرُب من حلل العرب، أجفلوا منه إلى العين الباردة، وظفِرَ قوم من العسكر بأعقاب رحالهم فنهبوها، وكتب قريش وابنُ مزيد إلى هزارسب: أَنْتَ كنت الواسطة بيننا وبين السلطان، وضمنتَ لنا انصرافه عن جزيرتنا، وقد نهبَنا قوم من أصحابه. وبلغنا أن إبراهيم ينَّال ورد هَمَذان سائرًا نحونا، فعرض الكتاب على عميد الملك، فقال: ما نحن إلَّا على ما بذلناه، ولا كان مسيرنا لقُبح رأي تجدَّد لنا، وإنما قصدنا بلاد ابن مروان، وما أقدر أن أقول للسلطان: ارجِعْ عن بلادك، ولكن إذا تنجَّز أمر ابن مروان سألته أن يخفف الوطأة عن هذه الديار -واتَّفق أن ابن مروان سرَّح الرسولين ومعهما هدية فيها خمس مئة ثوب ديباج، وخيل، وغيرها- وسأل هزارسب للسلطان فيه شفاعة، ولا قبِلَ له هدية، وردَّها، وفي هذا الوقت أُخذ جاسوس في بغداد وعُوقب، فأقرَّ أنَّه من الرَّحبة، وأن البساسيري على عزم قصد بغداد، فانزعج النَّاس، وجمع عميد العراق أصحابه من البلد إلى دار المملكة، وأصعد إلى سورها الحجارة والنفط، وعمل الدَّبَّابات والعرادات والمجانيق، ووقع التشاغل بالتحصين، فصارت الدارُ مثل القلعة، فبينا هم على هذا ورد كتاب من عسكر السلطان يقول: وصل سيف الدولة إبراهيم ينَّال من همَذان في عشرين أَلْف رجل، فخرج النَّاس للقائه، ولم يتخلَّف إلَّا السلطان، ولمَّا وقعت عينه على عميد الملك قال له بالتركية: صالحت بين العرب والسلطان وجعلتهم أهلًا لذلك، وإنما يكون الصلح بين النُّظراء، ومَنْ هؤلاء الكلاب حتَّى لا يُقلَعَ أصلُهم؟ فقال: يَا أمير المُؤْمنين ما اقتضته الحال، فإن جموعهم كانت كثيرة، وكان الصلح الذي التمسوه سببًا لتشتُّتهم، فبلغت منهم من غير أن يُسفك دمٌ، والآن فأتِ نائب السلطان ونحن تبعٌ لك، فافعل ما تراه. وقال له: انزِلْ في خيمتك اليوم، وأرحْ واسترِحْ، وغدًا تُجمع بالسلطان. فنزل، وقُدِّمت إليه الهدايا وهو يفرِّقها في الغُزِّ الذين على رأسه، إلَّا عقد جوهر قدَّمه عميد الملك، فتركه في قَبائه، ولمَّا كان من الغد دخل على السلطان، فقام له، ومشى إليه، وقبَّل إبراهيم يده، فأكبَّ السلطان على رقبته فقبَّلها، وتحادثا ساعة، وعاد إلى خيمته، وأجفلت العرب من العين الباردة] (١).
стр. 8922
وفيها دخل الأمير أبو منصور بن الملك أبي كاليجار على الوزير هبة الله بن أَحْمد النسوي إلى داره بشيراز ومعه الديلم، فقتله في دَسْته، وقتل أصحابه، ونهب ماله وأسبابه، وكان هذا الوزير جلدًا شهمًا، واسع الصدر، عزوف النفس، وهو كان السبب في تملُّك هذا القاتل شيراز وردِّه إليها بعد خروجه منها دفعات، وتكفَّل به وبأخيه أبي سعد تكفلًا أخلص ونصح فيه، ولم يعرف سبب قتله.
وسار السلطان إلى الجزيرة وحاصرها، فلاذَ أهلُها بالعفو، وقرَّروا على نفوسهم مالًا، فقُبِلَ منهم، وتقدَّم بعضُ العساكر إلى ميَّافارقين وقد خرج ابن مروان منها إلى آمِد، فنهبوها ودخلوها، وقتلوا وسبَوا، وبعث ابن مروان إلى إبراهيم ينَّال، واستجار به، فوعده أن يشفع فيه إلى السلطان.
و [فِي هذه السنة] صَعِد عشرون غلامًا (١) من الغُزِّ إلى دير النصارى في بلد ميَّافارقين فيها أربع مئة راهب، فذبحوا منهم مئة وعشرين، واشترى الباقون نفوسَهم بستِّ مكاكيك ذهبًا وفضة.
وفي شعبان نادى عميد الملك: لا يبقى غدًا أحدٌ إلَّا ويحضر إلى دار المملكة، فلم يتخلَّف أحد، وشرعوا في تتمة السور الجديد، وعمل فيه القضاة والشهود والطالبيون والعباسيون والتجار وغيرهم، [وكان القضاة يعملون والطيالس عليهم ينقلون فيها الآجرَّ والتراب].
وفي شعبان ورد دُبيس إلى هِيت قاصدًا بلاده، متسلمًا لها، وعاد قريش إلى الرَّحبة يريد البساسيري، وكان قد قال لدُبيس: أَنْتَ تنحدر إلى بلادك، وقد خَلَتْ من العساكر، فيمكنك المُقام بها وعمارتها، وأما أنا فبلادي خراب، والسلطان فيها، وما أرى من نِيَّتِهِ ما تطيب به نفسي، وأنا قاصد الرَّحبة، وأدبِّر أمري مع أبي الحارث.
وفي هذا الوقت نظر عميد الدولة (٢) في المارستان العضُدي، وكان قد خلا من دواء وطبيب وشراب، وكان المرضى على وجه الأرض، وعند رأس المريض بصلة يشمُّها، وعطش أحدهم فقام بنفسه إلى جُبِّ الماء فوجده حمأة ودودًا، وكان أبو الحسين بن
стр. 8923
المهتدي [ويُعرف بابن الغريق] قد ردَ أمره إلى يهودي [يُعرف بالهاردين]، فاستولى عليه، وأكل أوقافه، وبلغ عميد الملك، فصرف العنايةَ إليه، فأول ما فعل انتزع أوقافه من أيدي الطامعين فيها والمتغلبين عليها، وضمنها بما وفر به ارتفاعها توفيرًا لم يعهد مثله.
وشرع في العمارة، فقال: إنه طبق المارستان بخمسة آلاف طابق. وقيل: بعشرة آلاف، وكان على بابه سوق فيه مئة دكان قد دثرت، فأعادها وجمع فيه من الأشربة والأدوية والعقاقير التي يعزُّ وجودها شيئًا كثيرًا.
وأقام الفُرش واللُّحف للمرضى، والأرانيج الطيبة، والأشربة والثلج، والمستخدمين والأطباء والفراشين، فكان فيه ثمانية وعشرون طبيبًا، ونساء طبَّاخات، وبَوَّابون، وحُرَّاس، والحمام والبستان إلى جانبه فيه أنواع الثمار والبقول، والسفن على بابه تنقل الضعفاء والفقراء، والأطباء يتناوبونهم بكرةً وعشيًّا، وينامون عندهم بالنوبة.
وكان فيه عدة جباب فيها السكر الطَّبَرزَذ والأُبلوج واللوز والمشمش والخشخاش وسائر الحبوب، والبراني الصيني، وفيها العقاقير، وأربع قواصر فيها الإهليلج الأصفر والكابلي والهندي، وأربع قواصر تمر هندي وزنجبيلٌ وعودٌ ونَدٌّ (١) ومسكٌ وعنبر، والراوند الصيني في البراني، والترياق [و] الفاروق وجميع العقاقير، وصناديق فيها ثياب جُدُد للمرضى، ومناديل، وصناديق فيها أكفان، وقدور صغار وكبار، وآلات، وأربعة وعشرون فراشًا، و [ذكر ابن الصابئ] أشياء ما توجد في دور الخلفاء والملوك، وكذا فعل في مارستان باب محول، [وقد دُثِر، فلا عين ولا أثر، أما المارستان العضدي فقائم، ولكن على هذا الوجه فلا].
وخُتِن فيه في هذه السنة ثلاث مئة واحد وثمانون صبيًّا، وكان راتب المقيمين فيه من المستخدمين في كل يوم ألفًا وثمان مئة وسبعين رطلًا من الخبز، [ولعلَّ ما فيه اليوم عشرون رطلًا، وكان المتولي لهذه الأشياء الشيخ الأجلُّ ابنُ يوسف].
وفي هذا الوقت أصعد البساسيري من الرحبة إلى بالِس وهي بلد عطية بن الزَّوقلية صاحب حلب، وأخذ الرقَّةَ -من أصحاب ثِمال بن صالح بن الزَّوقلية- أميرُ حلب، وردَّها
стр. 8924
على منيع بن وثَّاب صاحب حَرَّان، وفي هذا الوقت صالحَ ابنُ مروان السلطانَ بعد جهد ومشقة على مئة أَلْف دينار، وسار إلى سنجار، فصعد أهلها على الأسوار وشتموه، وقالوا: قد غزونا أول في قُتُلْمِش لمَّا هزمه البساسيري، واليوم يغزو فيكم، وأخرجوا قلانِسَ الغُزِّ وجماجِمَهم ومَنْ قتلوه عام أول على القصب، وعرَّف قُتُلْمِش السلطانَ ما فعلوا به لمَّا انهزم، فزاد ذلك في حَنَقه، وكان أميرها مجلي بن جرجي، ففتحها السلطانُ عنوة، وسبى نساءَها وأطفالها، ونهب أموالها، وأحرق جامعَها، ونُقِضت أخشابُها، ودَرَسَتْ آثارُها -على (١) أن القتل أتى على أربعة آلاف نفس وأكثر- وخاف المنزل، فارتحل السلطان نحو فرسخ، ثم عاد إلى تل أعفر، وعزم على أن يُلحِقَها بسنجار، فراسلوا إبراهيم [ينَّال] (٢) فسفر لهم عند أخيه، فقال: أمَّنتُهم على أنَّهم لا يقيمون بالبلد، فأجابوه، فأوقف العسكر صفَّين، وقال: من تعرَّضَ لأحد قتلتُه. فخرج النَّاس بأموالهم وذخائرهم ونسائهم وأولادهم، وجاء إلى السلطان رجلٌ فقال: لي ذخيرة في بيتي قدرها ثلاثة آلاف دينار، فابعَثْ معي من يستخرجها. فبعث معه، وعاد الرَّجل بالدنانير إلى السلطان، فقال له إبراهيم يَنَّال: هذا المال لي. فقال: هذا لصاحبه خُذْه والحَقْ بأهلك.
ورتب أَبا علي الخازن بتل أعفر، وعاد إلى الموصل، وطالبه أخوه إبراهيم بإقطاع يُصْرَف وارتفاعه في إقامته، فقال: ما أُعطيك إلَّا ما تفتحه أَنْتَ، وإذا سِرْتَ إلى الرحبة فهي لك. فثَقُل عليه، وسرَّح جماعةً ممَّن كان معه إلى خراسان؛ لعدم الأقوات، وتجدَّد للسلطان رأيٌ في العود إلى بغداد، فسلَّم إلى إبراهيم ينَّال الموصل وأعمالها، وخلع عليه، وأعطاه عشرين أَلْف دينار، وانحدر السلطان إلى بغداد، فنصب إبراهيم خشبًا في العسكر، وقال: من تعرَّض لنهبٍ قتلتُه. فقامت الهيبة، ورجع النَّاس إلى أوطانهم، وعدل بهم فأحبُّوه.
وجاءه رجل فقال: أنا أحمل إلى الخزانة كلَّ يومٍ مئةَ دينار من ضرائب البلد، فأحضر القاضي وأعيان البلد وقال: هذا من بلدكم، وقد قال كذا وكذا، فهل أنتم راضون بفعله؟ فقالوا: إذا أعفيتَنا من العجم رضينا. فقال: إن الله قد وهب لكم ذاك،
стр. 8925
وقد اقتصرنا منكم على الخراجات عند إدراك الغلَّات. فدَعَوا له وشكروه، ونادى بذلك في البلد، وأظهر من حُسن السيرة ما سكنت إليه النفوس.
وفي [يوم السبت] سادس شوال وهو سادس كانون الأول طار بعُكْبَرا جراد أسود [يسمى الكيلون وكان كثيرًا] جاء من المشرق، وعبر الفرات [ولم يُسمع جراد طار في كانون إلَّا هذا] وعاش أهل العراق به، فإنهم كانوا يأكلونه نيئًا ومطبوخًا.
ونزل السلطان على باب تِكريت سادس عشر شوال، وسبق العسكر إلى بغداد، فنزلوا دور النَّاس، وأقام السلطان بقلعة تكريت إنسانًا يقال له: النَّسائيّ، وتسلَّم الحصين الذي بكرخ سامراء.
وفي نصف الشهر قدم بغدادَ بدرانُ بن دُبيس وأبو الفتح بن وَرَّام، فتلقَّاهما عميد العراق، وحمل إليهما الإقامة، واستدعاهما من الغد رئيسُ الرؤساء، وعَتَبَ على ابن وَرَّام بميله إلى البساسيري، فقال: أنتم أحوجتمونا إلى ذلك، فإن السلطان لمَّا ورد هذه البلاد أبعدتُم النَّاس كلَّهم بنهب عساكره الأموال والأولاد والأهل، فلم يبقَ لنا مكانٌ نأويه، فأصعدنا خوفًا على جوعنا وأموالنا. فخاطبه بالجميل، ووعده عن الخليفة بكل خير، ووصل السلطان إلى القُفْص (١) لستٍّ بقِينَ من الشهر، وخرج رئيس الرؤساء لاستقباله ومعه بدران وابن وَرَّام والخدمُ الخاصُّ، وبين يديه الأعيان والأمراء والجنائب والعَمَارية، وعلى رأسه مِطْرَد (٢)، وأصحبه الخليفةُ للسلطان فَرَجية ديباج مشجَّرة بالذَّهب، وعمامة قصب مُذهبة، وفرسًا أدهم بمركب ذهب، وتلقَّاه عميد الملك، ودخلوا إلى السلطان وهو جالس في خَرْكاة (٣) على سرير وعليه قَباءٌ أسود وقَلنسوة سمُّور، فلمَّا قَرُبَ منه جيشًا السلطان على ركبتيه، وتطاول له، وعانقه بيديه، ثم طرح كرسيًّا من ذهب مُرصَّعًا بالجواهر، فجلس عليه، ثم قام وأدَّى رسالة الخليفة، وهي تشتمل على الأُنس بقُربه، والسرورِ بسلامته، والإحماد لسعيه، فأومأ إلى تقبيل الأرض [وقال: أنا خادم هذه الدار العزيزة، ومتشرِّفٌ بخدمتها، ومبتهجٌ بقربي منها.
стр. 8926
ولبس الفَرَجية، ووضع العمامة على المخدَّة، وأحضر الفرس، وأوى إلى تقبيل الأرض] وقال: قد تتابع الإنعام عليَّ من غير استحقاق، فقال له رئيس الرؤساء: موضِعُك من أمير المُؤْمنين الكبير، ومَحلُّك الخطير، وأنت النائب عنه في رعيته، وقد حصل -بحمد الله- من الثقة ما لم يبقَ معه احتشام، وسيتواصل إنعام أمير المُؤْمنين على ما يوجبه حُسنُ رأيه، وجميلُ اعتقاده، فقال: قد زاد شوقي إلى مشاهدة تلك الطلعة الكريمة، وكثُر ارتياحي إلى رؤية تلك الغرة الشريفة. فقال: لن يتأخر ذلك. ثم التفت السلطان إلى ابن وَرَّام وبدران وقال: كيف نور الدولة؟ فقاما وخدما، وذكر قريشًا فقال: ذاك الغدَّار الكذَّاب الخوَّان. فشكر رئيس الرؤساء دبيسًا وقال: ما فعل الذي فعل مع البساسيري الملعون إلَّا رعايةً لنزوله عليه، وانضوائه إليه، وإلا فنور الدولة الموثوق بعهده المرغوب في مثله.
وفي يوم السبت الخامس والعشرين من ذي القعدة وصل السلطان إلى الخليفة، وكانت الرسائل منه قد تكرَّرت بطلب الاجتماع، وكان جلوس الخليفة جلوسًا عامًّا مشهودًا، جلس رئيس الرؤساء في صحن السلام، واستدعى النقباءَ والقضاةَ والشهودَ والأعيانَ وبدرانَ وابنَ وَرَّام وعميدَ العراق وحواشي السلطان، وبعث إلى السلطان ابنَي المأمون الهاشميين وخادمين وحاجبين، واستدعاه إلى دار الخلافة، فنزل في طيار الخليفة، وكان قد زيَّن وأرسل إليه، وانحدر خواصُّه في الزبازب وعلى الظهر فِيلان يسيران بإزاء الطيار والعساكر، والناس من جانبي بغداد، ثم قُدِّم له مركبٌ من مراكب الخليفة، فنفر من الفيلين، فقُدِّم له من خيله فرسٌ أشهبُ، فركبه وعليه قَباءُ ديباج أسود، وعمامة مثلَّثة مذهبة، ودخل الدار وبين يديه أولاد الملوك أبو علي وأبو طالب كامروا ابنا أبي كاليجار بن بُوَيه، وقُتُلْمِش ابنُ عمه، وأشراف القُوَّاد والديلم، ونحوٌ من خمس مئة غلام من الترك، والكلُّ بغير سلاح، فلما بلغ باب دهليز صحن السلام وقف طويلًا على فرسه إلى أن فتح له الباب، فنزل ودخل ماشيًا، وتلقَّاه رئيس الرؤساء، وكان الخليفة في بيت في صدر البهو، وعلى بابه ستور ديباج، فرُفِعت، وإذا بالخليفة جالسٌ على سرير ارتفاعُه من الأرض سبعةُ أذرع في دَسْتِ ديباج منقوشًا وعليه العمامة والقميص المُصْمَتان، وعلى منكبه بردة رسول الله ﷺ وبيده القضيب، فلمَّا رآه
стр. 8927
السلطان قبَّلَ الأرض دفعاتٍ كثيرة، ونُصِبَ له كرسيٌّ دون السرير لطيفٌ، فقال الخليفة لرئيس الرؤساء: أصعِدْ ركن الدولة إليه، وأصعِدْ معه محمَّد بن منصور الكُنْدُري مفسِّرًا له ومعبِّرًا عَنه. فصَعِدا، وقال الخليفة لرئيس الرؤساء: قُلْ لركن الدين: أمير المُؤْمنين حامدٌ لسعيك، شاكرٌ لفضلك، زائدُ الشغف بك، وقد ولَّاك جميعَ ما ولَّاه الله من بلاده، وردَّ إليك مراعاةَ عبادة، فاتَّقِ الله فيما ولَّاك، واعرِفْ نعمته في ذلك، واجتهِدْ في عمارة البلاد، وصلاح العباد، ويسِّر العدل، وكُفَّ الظلم. ففسَّر له عميدُ الملك القول، فقام وقبَّل الأرض، وقال: أنا خادم أمير المُؤْمنين وعبدُه ومتصرِّفٌ على أمره ونهيه، ومتشرِّفٌ بما أهَّلني به واستخدمني فيه، ومن الله أستمدُّ المعونة والتوفيق.
ثم أذن أمير المُؤْمنين أن تُفاض (١) عليه الخِلعُ، فنزل إلى بيتٍ في جانب البهو، وخلع عليه الخلع المعهودة، وعاد فجلس بين يدي الخليفة، ومنعه التاج أن يُقبِّل الأرض، وقلَّده الخليفةُ سيفًا، وخاطبه بملك المشرق والمغرب، وزاده لواءً ثالثًا عقده بيده، وأحضر العهدَ وقال: ليُسلَّمْ إليه. وقُرِيء صدرٌ منه، وقال له: اعمَلْ بموجبه. ثم قال: آمرك بما أمرك الله به، وأنهاك عما نهى الله عنه، وهذا منصور بن محمَّد نائبُنا لديك، وخليفتُنا عندك، فاحتفِظْ به، وارْعَه فإنَّه الثقة الأمين، انهض -على اسم الله تعالى- مصاحَبًا محروسًا. فسأله مصافحته، فأعطاه يده فقبَّلها ووضعها على وجهه دفعتين، وخرج والأكابر بين يديه، ورُفعت الألويةُ من سطح صحن السلام، وخطب من الرَّواشن لئلا يكسر في الأبواب، وجلس للهناء، وبعث في اليوم الثالث للخليفة خمسين غلامًا أتراكًا على الخيول بالسيوف والمناطق، وعشرين رأسًا من الخيل، وخمسين أَلْف دينار، وخمس مئة ثوب أنواعًا، ولرئيس الرؤساء خمسة آلاف دينار وخمسين ثوبًا.
وفي ذي الحجَّة قبض صاحبُ مصر على وزيره أبي محمَّد الحسن بن عبد الرَّحْمَن اليازوري وعلى ثمانين من أصحابه، وقُرِّرت عليهم أموالٌ عظيمة، وكتب خطة بثلاثة آلاف أَلْف دينار، وأصله من يازور؛ قريةٍ بالساحل من أعمال الرملة، وترامت به الحال إلى أن صار قاضيها، وله بها أملاك نفيسة، فاتَّفق أنَّه لحقها أمرٌ عجز به عن ارتفاعها، ولم يوفِ للسلطان ما يجب له عليها، وأدى البعض، وبقي البعض، فطالبه مُعِزُّ الدولة
стр. 8928
والي الرملة، فقال: ليس لي طاقة. فكتب إلى مصر، فأمر بحمله إليها، فأقام على باب الديوان مطالبًا، وخرج النَّاس إلى الحجِّ، فسأل السيدةَ والدة المستنصر بالله أن تفسح له في الحج، فأذِنَتْ له في الإشراف على خزانتها الخارجة إلى مكة، فحجَّ وعاد إلى المدينة، فزار قبرَ رسول الله ﷺ ، وجلس يدعو، فسقطت على كتفه من حائط حجرة النَّبِيّ ﷺ قطعةٌ من الخَلوق (١) الذي عليه، ورأى ذلك أحد الخُدَّام، فجاء إليه وقال له: يُهنيك ولايةٌ كبيرة جليلةٌ، تملك بها أمور المسلمين. قال: ومن أين لك هذا؟ فقال: هذه عادة هذا الحائط إذا وقع منه قطعة على أحد، فعاهِدْني على ما تفعله معي إذا صحَّ ذلك. فقال: مهما شئتَ. وعاد إلى مصر فلم يَحُلِ الحولُ عليه حتَّى تقلَّد الوزارة، ووفَّى للخادم بما ضمن له، وصارت له بالمسجد وساكنيه عناية عظيمةٌ، ومراعاةٌ شديدة.
وقال ابن الصابئ: وفي العشر الآخر من ذي الحجة قُبِضَ بمصر على الوزير أبي محمَّد الحسن بن عبد الرَّحْمَن البازوري وعلى ثمانين نفسًا من أصحابه، وقُرِّر عليه ثلاثةُ آلاف أَلْف دينار، وعلى ابن زكريا القاضي -وكان خِصِّيصًا به- مئةٌ وخمسون أَلْف دينار، ومن أبي الفرج ابن أخي أبي القاسم المغربي مثلُه، ومن قرابته خمسون أَلْف دينار، واختلفت الروايات في سبب ذلك، وكانت فيه سماحةٌ وكرمٌ وجودٌ وسَعةُ صدر، وله ألقاب كثيرة: الناصر لدين الله، غياثُ المسلمين، الأوحد، الأجَلُّ، سيد الوزراء، وتاج الأصفياء، وقاضي القضاة، وداعي الدُّعاة، وعلم المجد، خليل أميم المُؤْمنين وخاصته، أبو الفرج البابلي، صاحب الديوان لتنفيذ الأمور. وكان البازوري حنفيَّ المذهب.
وقال أبو يوسف القزويني: التقاني يومًا وهو متوجِّهٌ إلى الديوان، فلما رآني وقف، فوقف النَّاس لأجله، فقال لي: إلى أين؟ فقلت: إليكَ. قال: في أيِّ شيء؟ قلت: قصدني النَّاس في حوائج التزمتُ قضاءها. فقال: لا أبرحُ من مكاني حتَّى تذكرها. فجعلتُ أذكر له حاجةً حاجة وهو يقول: نعم وكرامة، حتَّى قال في الحاجة الأخيرة: السمع والطاعة. ومضى، فانفرد أميرٌ كان معه إلي وقال لي: أيُّ شيء أَنْتَ؟ قلت: لا شيء. قال: لا شيء، يقول له الوزير: السمع والطاعة، عرِّفني ما أَنْتَ؟ قلت: من أهل العلم. فقال: استكثِرْ مما معك، فإنَّه إذا كان في شخص أطاعَتْه الملوك.
стр. 8929
وفيها تُوفِّي
أَحْمد بن عبد الله (١)
ابن سليمان بن محمَّد بن سليمان بن داود بن المُطهّر بن زياد بن ربيعة بن الحارث بن ربيعة بن أنور بن أسحم بن أرقم بن النُّعمان بن عدي بن عبد بن غطفان بن عمرو بن بَريح بن جَذيمة بن تيم الله بن أسد بن وَبْرة بن تَغْلِب بن حُلوان بن عمران [بن الحافِ] (٢) بن قُضاعة، أبو العلاء، التنوخي، المعرِّي، وتنوخ: قبيلةٌ من اليمن، تُوفِّي يوم الجمعة ثالث عشر ربيع الأول بمعرة النُّعمان من الشَّام، ومولده يوم الجمعة لثلاثٍ بَقِينَ من ربيع الأول سنة ثلاث وستين وثلاث مئة، وأصابه جُدريٌّ في سنة سبع أواخر سنة ست وستين وثلاث مئة، فغشي حدقتيه بياضٌ فعمي، وقال الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة، أو اثنتي عشرة، وسمع اللغة وأملى فيها كتبًا، وله بها معرفة تامة، ودخل بغداد سنة تسع وتسعين، وأقام بها سنةً وسبعة أشهر، ثم عاد إلى منزله، فلزم منزله، وسمَّى نفسه: رَهينَ المحبِسَين -يعني منزلَه وبصرَه- وأقام خمسًا وأربعين سنة لا يأكل اللحم ولا البيض ولا اللبن، ويُحرِّم إيلام الحيوان، ويقتصر على ما تنبت الأرض، ويلبس خشن الثياب، وأقواله تدلُّ على اختلاط عقيدته.
وقال الخَطيب التبريزي: قال لي المعرِّي: ما الذي تعتقد؟ فقلت في نفسي: اليومَ أعرف اعتقاده، فقلتُ: ما أنا إلَّا شاكٌّ. فقال: وكذا شيخك. وكان ظاهرُ أمره الميل إلى مذهب البراهمة؛ لأنهم لا يرون ذبح الحيوان، ويجحدون الرسل.
وقد رماه جماعة بالزندقة والإلحاد، وذلك أمر ظاهر في كلامه وأشعاره، وأنه يردُّ على الرسل، ويَعيب الشرائع، ويجحد البعث.
وقال أبو الوفاء بن عقيل: ومن العجائب أنَّ المعرِّي أظهر ما أظهره من كفره البارد الذي ما بلغ فيه مبلغ شبهات الملحدين، بل قصَّر فيه كلَّ التقصير، وسقط من عيون
стр. 8930
النَّاس، ثم اعتذر بأنَّ لقوله باطنًا، وأنه مسلمٌ في الباطن، فلا عقلَ ولا دين؛ لأنه يظاهر بالكفر، وزعم أنَّه مسلم في الباطن، وهذا عكس قضايا المنافقين والزنادقة، فإنهم تظاهروا بالإسلام، وأبطنوا الكفر، فهل كان في بلاد الكفار حتَّى يحتاج إلى هذا، فلا أسخفَ عقلًا ممن سلك هذه الطريقة التي هي من طريقة الكفار والمنافقين والزنادقة، وهو مثل ابن الرِّيوَندي وأبي حيان، فإنهم انكشف كلامُهم عن مثل هذا، يتكلمون في التوحيد والتحميد والتقديس، ويدسُّون في أثناء ذلك المحن.
قال ابن الصابئ: وله شعر كثير، وفيه أدب غزير، ويرمى بالإلحاد، وأشعاره دالَّةٌ على ذلك، ولم يَكُ يأكل لحوم الحيوان ولا البيض ولا اللبن، ويقتصر على ما تُنبته الأرض، ويُحرِّم إيلام الحيوان، ويظهر الصوم في زمانه جميعه، ونذكر طرفًا مما بلغَنا من شعره الدال على إلحاده، فمنه: [من الكامل]
صَرْفُ الزمانِ مُفرِّقُ الإلفَينِ … فاحكُمْ إلهي بينَ ذاكَ وبيني
أَنهَيتَ عن قتلِ النفوس تعمُّدًا … وبعثْتَ تقبضُها مع الملَكَينِ
وزعمتَ أنَّ لها مَعادًا ثانيًا … ما كان أغناها عن الحالينِ (١)
ومنه: [من البسيط]
تناقضٌ ما لنا إلَّا السكوتُ لَهُ … وأن نعوذَ بمولانا من النَّارِ
يدٌ بخمسِ مئينٍ عسجدٍ وُدِيَتْ … ما بالُها قُطِعَتْ في ربعِ دينارِ (٢)
ومنه: [من الوافر]
قِرانُ المشتري زُحلًا يُرجَّى … لإيقاظِ النواظرِ من كراها
وهيهاتَ البريةُ في ضلالٍ … وقد فَطِنَ اللبيبُ لما اعتراها
تقضَّى النَّاسُ جيلًا بعد جيلٍ … وخُلِّفَتِ النجومُ كما تراها
تقدَّمَ صاحبُ التوراة موسى … وأوقَعَ بالخسارِ من اقتراها
فقال رجالُهُ وحيٌ أتاهُ … وقال الناظرونَ بلِ افتراها
وما حجِّي إلى أحجارِ بيتٍ … كؤوسُ الخمرِ تُشرَبُ في ذُراها