ولبس الفَرَجية، ووضع العمامة على المخدَّة، وأحضر الفرس، وأوى إلى تقبيل الأرض] وقال: قد تتابع الإنعام عليَّ من غير استحقاق، فقال له رئيس الرؤساء: موضِعُك من أمير المُؤْمنين الكبير، ومَحلُّك الخطير، وأنت النائب عنه في رعيته، وقد حصل -بحمد الله- من الثقة ما لم يبقَ معه احتشام، وسيتواصل إنعام أمير المُؤْمنين على ما يوجبه حُسنُ رأيه، وجميلُ اعتقاده، فقال: قد زاد شوقي إلى مشاهدة تلك الطلعة الكريمة، وكثُر ارتياحي إلى رؤية تلك الغرة الشريفة. فقال: لن يتأخر ذلك. ثم التفت السلطان إلى ابن وَرَّام وبدران وقال: كيف نور الدولة؟ فقاما وخدما، وذكر قريشًا فقال: ذاك الغدَّار الكذَّاب الخوَّان. فشكر رئيس الرؤساء دبيسًا وقال: ما فعل الذي فعل مع البساسيري الملعون إلَّا رعايةً لنزوله عليه، وانضوائه إليه، وإلا فنور الدولة الموثوق بعهده المرغوب في مثله.
وفي يوم السبت الخامس والعشرين من ذي القعدة وصل السلطان إلى الخليفة، وكانت الرسائل منه قد تكرَّرت بطلب الاجتماع، وكان جلوس الخليفة جلوسًا عامًّا مشهودًا، جلس رئيس الرؤساء في صحن السلام، واستدعى النقباءَ والقضاةَ والشهودَ والأعيانَ وبدرانَ وابنَ وَرَّام وعميدَ العراق وحواشي السلطان، وبعث إلى السلطان ابنَي المأمون الهاشميين وخادمين وحاجبين، واستدعاه إلى دار الخلافة، فنزل في طيار الخليفة، وكان قد زيَّن وأرسل إليه، وانحدر خواصُّه في الزبازب وعلى الظهر فِيلان يسيران بإزاء الطيار والعساكر، والناس من جانبي بغداد، ثم قُدِّم له مركبٌ من مراكب الخليفة، فنفر من الفيلين، فقُدِّم له من خيله فرسٌ أشهبُ، فركبه وعليه قَباءُ ديباج أسود، وعمامة مثلَّثة مذهبة، ودخل الدار وبين يديه أولاد الملوك أبو علي وأبو طالب كامروا ابنا أبي كاليجار بن بُوَيه، وقُتُلْمِش ابنُ عمه، وأشراف القُوَّاد والديلم، ونحوٌ من خمس مئة غلام من الترك، والكلُّ بغير سلاح، فلما بلغ باب دهليز صحن السلام وقف طويلًا على فرسه إلى أن فتح له الباب، فنزل ودخل ماشيًا، وتلقَّاه رئيس الرؤساء، وكان الخليفة في بيت في صدر البهو، وعلى بابه ستور ديباج، فرُفِعت، وإذا بالخليفة جالسٌ على سرير ارتفاعُه من الأرض سبعةُ أذرع في دَسْتِ ديباج منقوشًا وعليه العمامة والقميص المُصْمَتان، وعلى منكبه بردة رسول الله ﷺ وبيده القضيب، فلمَّا رآه
стр. 8927
السلطان قبَّلَ الأرض دفعاتٍ كثيرة، ونُصِبَ له كرسيٌّ دون السرير لطيفٌ، فقال الخليفة لرئيس الرؤساء: أصعِدْ ركن الدولة إليه، وأصعِدْ معه محمَّد بن منصور الكُنْدُري مفسِّرًا له ومعبِّرًا عَنه. فصَعِدا، وقال الخليفة لرئيس الرؤساء: قُلْ لركن الدين: أمير المُؤْمنين حامدٌ لسعيك، شاكرٌ لفضلك، زائدُ الشغف بك، وقد ولَّاك جميعَ ما ولَّاه الله من بلاده، وردَّ إليك مراعاةَ عبادة، فاتَّقِ الله فيما ولَّاك، واعرِفْ نعمته في ذلك، واجتهِدْ في عمارة البلاد، وصلاح العباد، ويسِّر العدل، وكُفَّ الظلم. ففسَّر له عميدُ الملك القول، فقام وقبَّل الأرض، وقال: أنا خادم أمير المُؤْمنين وعبدُه ومتصرِّفٌ على أمره ونهيه، ومتشرِّفٌ بما أهَّلني به واستخدمني فيه، ومن الله أستمدُّ المعونة والتوفيق.
ثم أذن أمير المُؤْمنين أن تُفاض (١) عليه الخِلعُ، فنزل إلى بيتٍ في جانب البهو، وخلع عليه الخلع المعهودة، وعاد فجلس بين يدي الخليفة، ومنعه التاج أن يُقبِّل الأرض، وقلَّده الخليفةُ سيفًا، وخاطبه بملك المشرق والمغرب، وزاده لواءً ثالثًا عقده بيده، وأحضر العهدَ وقال: ليُسلَّمْ إليه. وقُرِيء صدرٌ منه، وقال له: اعمَلْ بموجبه. ثم قال: آمرك بما أمرك الله به، وأنهاك عما نهى الله عنه، وهذا منصور بن محمَّد نائبُنا لديك، وخليفتُنا عندك، فاحتفِظْ به، وارْعَه فإنَّه الثقة الأمين، انهض -على اسم الله تعالى- مصاحَبًا محروسًا. فسأله مصافحته، فأعطاه يده فقبَّلها ووضعها على وجهه دفعتين، وخرج والأكابر بين يديه، ورُفعت الألويةُ من سطح صحن السلام، وخطب من الرَّواشن لئلا يكسر في الأبواب، وجلس للهناء، وبعث في اليوم الثالث للخليفة خمسين غلامًا أتراكًا على الخيول بالسيوف والمناطق، وعشرين رأسًا من الخيل، وخمسين أَلْف دينار، وخمس مئة ثوب أنواعًا، ولرئيس الرؤساء خمسة آلاف دينار وخمسين ثوبًا.
وفي ذي الحجَّة قبض صاحبُ مصر على وزيره أبي محمَّد الحسن بن عبد الرَّحْمَن اليازوري وعلى ثمانين من أصحابه، وقُرِّرت عليهم أموالٌ عظيمة، وكتب خطة بثلاثة آلاف أَلْف دينار، وأصله من يازور؛ قريةٍ بالساحل من أعمال الرملة، وترامت به الحال إلى أن صار قاضيها، وله بها أملاك نفيسة، فاتَّفق أنَّه لحقها أمرٌ عجز به عن ارتفاعها، ولم يوفِ للسلطان ما يجب له عليها، وأدى البعض، وبقي البعض، فطالبه مُعِزُّ الدولة
стр. 8928
والي الرملة، فقال: ليس لي طاقة. فكتب إلى مصر، فأمر بحمله إليها، فأقام على باب الديوان مطالبًا، وخرج النَّاس إلى الحجِّ، فسأل السيدةَ والدة المستنصر بالله أن تفسح له في الحج، فأذِنَتْ له في الإشراف على خزانتها الخارجة إلى مكة، فحجَّ وعاد إلى المدينة، فزار قبرَ رسول الله ﷺ ، وجلس يدعو، فسقطت على كتفه من حائط حجرة النَّبِيّ ﷺ قطعةٌ من الخَلوق (١) الذي عليه، ورأى ذلك أحد الخُدَّام، فجاء إليه وقال له: يُهنيك ولايةٌ كبيرة جليلةٌ، تملك بها أمور المسلمين. قال: ومن أين لك هذا؟ فقال: هذه عادة هذا الحائط إذا وقع منه قطعة على أحد، فعاهِدْني على ما تفعله معي إذا صحَّ ذلك. فقال: مهما شئتَ. وعاد إلى مصر فلم يَحُلِ الحولُ عليه حتَّى تقلَّد الوزارة، ووفَّى للخادم بما ضمن له، وصارت له بالمسجد وساكنيه عناية عظيمةٌ، ومراعاةٌ شديدة.
وقال ابن الصابئ: وفي العشر الآخر من ذي الحجة قُبِضَ بمصر على الوزير أبي محمَّد الحسن بن عبد الرَّحْمَن البازوري وعلى ثمانين نفسًا من أصحابه، وقُرِّر عليه ثلاثةُ آلاف أَلْف دينار، وعلى ابن زكريا القاضي -وكان خِصِّيصًا به- مئةٌ وخمسون أَلْف دينار، ومن أبي الفرج ابن أخي أبي القاسم المغربي مثلُه، ومن قرابته خمسون أَلْف دينار، واختلفت الروايات في سبب ذلك، وكانت فيه سماحةٌ وكرمٌ وجودٌ وسَعةُ صدر، وله ألقاب كثيرة: الناصر لدين الله، غياثُ المسلمين، الأوحد، الأجَلُّ، سيد الوزراء، وتاج الأصفياء، وقاضي القضاة، وداعي الدُّعاة، وعلم المجد، خليل أميم المُؤْمنين وخاصته، أبو الفرج البابلي، صاحب الديوان لتنفيذ الأمور. وكان البازوري حنفيَّ المذهب.
وقال أبو يوسف القزويني: التقاني يومًا وهو متوجِّهٌ إلى الديوان، فلما رآني وقف، فوقف النَّاس لأجله، فقال لي: إلى أين؟ فقلت: إليكَ. قال: في أيِّ شيء؟ قلت: قصدني النَّاس في حوائج التزمتُ قضاءها. فقال: لا أبرحُ من مكاني حتَّى تذكرها. فجعلتُ أذكر له حاجةً حاجة وهو يقول: نعم وكرامة، حتَّى قال في الحاجة الأخيرة: السمع والطاعة. ومضى، فانفرد أميرٌ كان معه إلي وقال لي: أيُّ شيء أَنْتَ؟ قلت: لا شيء. قال: لا شيء، يقول له الوزير: السمع والطاعة، عرِّفني ما أَنْتَ؟ قلت: من أهل العلم. فقال: استكثِرْ مما معك، فإنَّه إذا كان في شخص أطاعَتْه الملوك.
стр. 8929
وفيها تُوفِّي
أَحْمد بن عبد الله (١)
ابن سليمان بن محمَّد بن سليمان بن داود بن المُطهّر بن زياد بن ربيعة بن الحارث بن ربيعة بن أنور بن أسحم بن أرقم بن النُّعمان بن عدي بن عبد بن غطفان بن عمرو بن بَريح بن جَذيمة بن تيم الله بن أسد بن وَبْرة بن تَغْلِب بن حُلوان بن عمران [بن الحافِ] (٢) بن قُضاعة، أبو العلاء، التنوخي، المعرِّي، وتنوخ: قبيلةٌ من اليمن، تُوفِّي يوم الجمعة ثالث عشر ربيع الأول بمعرة النُّعمان من الشَّام، ومولده يوم الجمعة لثلاثٍ بَقِينَ من ربيع الأول سنة ثلاث وستين وثلاث مئة، وأصابه جُدريٌّ في سنة سبع أواخر سنة ست وستين وثلاث مئة، فغشي حدقتيه بياضٌ فعمي، وقال الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة، أو اثنتي عشرة، وسمع اللغة وأملى فيها كتبًا، وله بها معرفة تامة، ودخل بغداد سنة تسع وتسعين، وأقام بها سنةً وسبعة أشهر، ثم عاد إلى منزله، فلزم منزله، وسمَّى نفسه: رَهينَ المحبِسَين -يعني منزلَه وبصرَه- وأقام خمسًا وأربعين سنة لا يأكل اللحم ولا البيض ولا اللبن، ويُحرِّم إيلام الحيوان، ويقتصر على ما تنبت الأرض، ويلبس خشن الثياب، وأقواله تدلُّ على اختلاط عقيدته.
وقال الخَطيب التبريزي: قال لي المعرِّي: ما الذي تعتقد؟ فقلت في نفسي: اليومَ أعرف اعتقاده، فقلتُ: ما أنا إلَّا شاكٌّ. فقال: وكذا شيخك. وكان ظاهرُ أمره الميل إلى مذهب البراهمة؛ لأنهم لا يرون ذبح الحيوان، ويجحدون الرسل.
وقد رماه جماعة بالزندقة والإلحاد، وذلك أمر ظاهر في كلامه وأشعاره، وأنه يردُّ على الرسل، ويَعيب الشرائع، ويجحد البعث.
وقال أبو الوفاء بن عقيل: ومن العجائب أنَّ المعرِّي أظهر ما أظهره من كفره البارد الذي ما بلغ فيه مبلغ شبهات الملحدين، بل قصَّر فيه كلَّ التقصير، وسقط من عيون
стр. 8930
النَّاس، ثم اعتذر بأنَّ لقوله باطنًا، وأنه مسلمٌ في الباطن، فلا عقلَ ولا دين؛ لأنه يظاهر بالكفر، وزعم أنَّه مسلم في الباطن، وهذا عكس قضايا المنافقين والزنادقة، فإنهم تظاهروا بالإسلام، وأبطنوا الكفر، فهل كان في بلاد الكفار حتَّى يحتاج إلى هذا، فلا أسخفَ عقلًا ممن سلك هذه الطريقة التي هي من طريقة الكفار والمنافقين والزنادقة، وهو مثل ابن الرِّيوَندي وأبي حيان، فإنهم انكشف كلامُهم عن مثل هذا، يتكلمون في التوحيد والتحميد والتقديس، ويدسُّون في أثناء ذلك المحن.
قال ابن الصابئ: وله شعر كثير، وفيه أدب غزير، ويرمى بالإلحاد، وأشعاره دالَّةٌ على ذلك، ولم يَكُ يأكل لحوم الحيوان ولا البيض ولا اللبن، ويقتصر على ما تُنبته الأرض، ويُحرِّم إيلام الحيوان، ويظهر الصوم في زمانه جميعه، ونذكر طرفًا مما بلغَنا من شعره الدال على إلحاده، فمنه: [من الكامل]
صَرْفُ الزمانِ مُفرِّقُ الإلفَينِ … فاحكُمْ إلهي بينَ ذاكَ وبيني
أَنهَيتَ عن قتلِ النفوس تعمُّدًا … وبعثْتَ تقبضُها مع الملَكَينِ
وزعمتَ أنَّ لها مَعادًا ثانيًا … ما كان أغناها عن الحالينِ (١)
ومنه: [من البسيط]
تناقضٌ ما لنا إلَّا السكوتُ لَهُ … وأن نعوذَ بمولانا من النَّارِ
يدٌ بخمسِ مئينٍ عسجدٍ وُدِيَتْ … ما بالُها قُطِعَتْ في ربعِ دينارِ (٢)
ومنه: [من الوافر]
قِرانُ المشتري زُحلًا يُرجَّى … لإيقاظِ النواظرِ من كراها
وهيهاتَ البريةُ في ضلالٍ … وقد فَطِنَ اللبيبُ لما اعتراها
تقضَّى النَّاسُ جيلًا بعد جيلٍ … وخُلِّفَتِ النجومُ كما تراها
تقدَّمَ صاحبُ التوراة موسى … وأوقَعَ بالخسارِ من اقتراها
فقال رجالُهُ وحيٌ أتاهُ … وقال الناظرونَ بلِ افتراها
وما حجِّي إلى أحجارِ بيتٍ … كؤوسُ الخمرِ تُشرَبُ في ذُراها
стр. 8931
إذا رجع الحكيمُ (١) إلى حِجاه … تهاونَ بالمذاهبِ وازْدَراها
ومنه: [من الوافر أيضًا]
عقولٌ يستخِفُّ بها حليمٌ … ولا يدري الفتى لمن الثُّبورُ
كتابُ محمدٍ وكتابُ موسى … وإنجيلُ ابنِ مريمَ والزَّبورُ (٢)
ومنه: [من الطويل]
إذا كانَ لا يحظى برزقِكَ عاقلٌ … وترزقُ مجنونًا وتُعطي أحمقا
فلا ذنبَ يَا ربَّ السماءِ على امرئ … رأى منكَ ما لا يشتهي فتزندقا
ومنه: [من الطَّويل أَيضًا]
ضَحِكنا وكان الضِّحكُ منا سفاهةً … وحُقَّ لسُكَّانِ البسيطةِ أن يبكوا
تُحطِّمُنا الأيامُ حتَّى كأنَّنا … زجاجٌ ولكن لا يُعادُ لهُ سَبْكُ (٣)
ومنه: [من الكامل]
خبرُ المقابرِ في القبورِ ومَنْ لهُمْ … بمبشِّرٍ يأتي بصدقِ المحشرِ
هيهاتَ يُرجى ميتٌ في قبرِهِ … لو صحَّ ذاكَ لكانَ عينَ المتجرِ
خسِرَتْ تجارتُهم فهَلْ من ميِّتٍ … يرجو التِّجارةَ من ضريح المحفرِ
ومنه: [من البسيط]
في كلِّ أمرِكَ تقليدٌ تدينُ بِهِ … حتَّى مقالُكَ ربي واحدٌ أحدُ
وقد أُمِرْنا بفكرٍ في بدائعهِ … فإنْ تَفَكَّرَ فيه معشرٌ لَحدوا
لولا التنافسُ في الدنيا لما وُضِعَتْ … كتبُ التناظرِ لا المغني ولا العمَدُ (٤)
ومنه: [من البسيط أَيضًا]
أستغفِرُ اللهَ في أمني وأوجالي … مِنْ غفلتي وتوالي سوءِ أعمالي
قالوا هَرِمْتَ ولم تطرُقْ تِهامةَ في … مُشاةِ وفدٍ ولا ركبانِ أجمالِ
стр. 8932
فقلتُ إنِّي ضريرٌ والذينَ لهمْ … رأيٌ رأَوا غير فرضِ الحجَ أمثالي
ما حجَّ جدِّي ولم يحجُجْ أبي وأخي … ولا ابنُ عمي ولم يعرِفْ منًى خالي
وحجَّ عنهم قضاءً بعدما ارتحلوا … قومٌ سيقضون عني بعد ترحالي
فإن يفوزوا بغفرانٍ أَفُزْ معهُمْ … أو لا فإنِّي بنارٍ مثلُهمْ صالِ
ولا أرومُ نعيمًا لا يكونُ لهمْ … فيه نصيبٌ وهم رهطي وأشكالي
فهَلْ أُسَرُّ إذا حُمَّتْ محاسبتي … أم يقتضي الحكمُ تَعْتابي وتَسْآلي
مَنْ لي برضوانَ أدعوهُ فيرحمُني … ولا أُنادي مع الكفارِ أمثالي
باتوا وحتفي أمانيٌّ لباكيهم … وبِتُّ لم يخطروا منِّي على بالِ
قالوا وهم لقبولٍ في كنافهمُ … ولا نجاحَ لأفيالٍ كأفيالِ
لمَّا هتفتُ بنصرِ اللهِ أيَّدني … كأَنْ نُصِرْتُ بجبريلٍ وميكالِ
وجاءني ذاك عزرائيل يغضب لي … فيقبض الروحَ مغتاظًا بإعجالِ
فما ظنونُكَ إذْ جندي ملائكةٌ … وجندهُمْ بين طوَّافٍ وبقَّالِ
تباركَ اللهُ لا أرجو مثوبَتَهُ … لكن تعبُّدَ إعظامٍ وإجلالِ
ومنه: [من الكامل]
هَفَتِ الحَنيفَةُ وَالنصَارى ما اهتَدَتْ … ويَهودُ حارَتْ وَالمَجوسُ مُضَلَّلَهْ
اِثنانِ أَهلُ الأَرضِ ذو عَقلٍ بِلا … دينٍ وَآخَرُ دَيِّنٌ لا عَقلَ لَهْ (١)
ومنه: [من الوافر]
كَأَنَّ مُنَجِّمَ الأَقوامِ أعمى … لَدَيهِ الصُّحْفُ يَقرَؤُها بِلَمْسِ
لَقَد طال العَناءُ فَكَم يُعاني … سُطورًا عادَ كاتِبُها بِطَمْسِ
أتى عيسى فعطَّلَ دينَ موسى … وجاءَ مُحَمَّدٌ بِصَلاةِ خَمْسِ
وقيلَ يَجيءُ دينٌ بعد هَذا … وأَودى النَّاسُ بَينَ غَدٍ وَأَمْسِ
ومَن لي أَن يَعودَ الدينُ غَضًّا … فيقنعَ مَنْ تنسَّكَ بالتأسِّي
ومَهما كانَ من دُنياكَ أَمرٌ … فَما تُخليكَ مِن قَمَرٍ وشَمْسِ
стр. 8933
لَحا الرحمنُ دارًا لا تُدارى … بمِثلِ المَينِ في لُجَجٍ وقَمْسِ
قُدومُ أَصاغِرٍ ورَحيلُ شيبٍ … وهِجرَةُ مَنزِلٍ وحُلولُ رَمْسِ
إذا قُلتُ المُحال رَفَعتُ صَوتي … وإِن قُلتُ اليَقينَ أطلْتُ (١) هَمْسي
ومنه: [من مخلع البسيط]
قلتُمْ لنا خالِقٌ قديمٌ … صدقتمُ هكذا نقولُ
زعمتموهُ بلا زمانٍ … ولا مكانٍ ألا فقولوا
هذا كلامٌ له خبيءٌ … معناهُ ليستْ لكم (٢) عقولُ
ومنه: [ومن البسيط]
دينٌ وكُفرٌ (٣) وأنباءٌ تُقال وفُرْ … قانٌ ينُصُّ وتوراةٌ وإنجيلُ
في كلِّ جيلٍ أباطيلٌ يُدانُ بها … فهلْ تفرَّدَ يومًا بالهدى جيلُ
ومن ذلك أَيضًا: [من البسيط]
الحمدُ للهِ قَدْ أصبحتُ في لُجَجٍ … مُكابِدًا من همومِ الدهرِ قاموسا (٤)
قالت معاشرُ لم يَبعَثْ إلهكُمُ … إلى البريَّةِ عيساها ولا موسى
وإنما جعلوا الرَّحْمَن مأكلةً … وصيَّروا دينهم للملك (٥) ناموسا
ولو قدَرْتُ لعاقبتُ الذين طغَوا … حتَّى يعودَ حليفُ الغيِّ مغموسا (٦)
ومنه: [من الوافر]
ولا تحسَبْ مقال الرُّسْلِ حقًّا … ولكِنْ قولُ زورٍ سطَّروهُ
стр. 8934
وكانَ النَّاسُ في عيشٍ رخيٍّ (١) … فجاؤوا بالمِحالِ فكدَّروهُ
ومنه: [من البسيط]
والروحُ أرضِيَّةٌ في رَأي طائِفَةٍ … وعِندَ قَومٍ تَرقَّى في السماواتِ
تَمضي عَلى هَيئَةِ الشَّخصِ الَّذي سَكَنَتْ … فيه إلى دارِ نُعمى أو شَقاواتِ
وكَونُها في صفيحِ (٢) الجِسمِ أَحوَجَها … إلى مَلابِسَ عَنَّتها وَأَقواتِ
وإنَّما حَمَّلَ التَّوراةَ قارِئَها … كَسبُ الفوائِدِ لا حُبُّ التلاواتِ
إنَّ الشَّرائِعَ ألقَت بَينَنا إِحَنًا … وأَورثَتْنا أَفانينَ العَداواتِ
وهَلْ أُبيحَتْ نساءُ الرومِ عن عُرُضٍ … للعُربِ إلَّا بأحكام النبوَّاتِ
ومنه: [من المتقارب]
لعمري لقدْ طال هذا السَّفَرْ … عليَّ وأصبحتُ إحدى النُّكَرْ (٣)
أأخرجُ من تحتِ هذي السماءِ … فكيفَ الإباقُ وأينَ المفرّ
لحا اللهُ قومًا إذا جئتَهُمْ … بصدقِ الأحاديثِ قالوا كفَرْ
وإنْ غُفِرَتْ موبقاتُ الذُّنوبِ … فكلُّ معايبهمْ تُغتَفَرْ
هنيئًا لجسمي إذا ما استقَرّ … وصارَ لعنصرهِ في العفَرْ (٤)
ومنه: [من الطَّويل]
أفيقوا أفيقوا يَا غواةُ فإنَّما … ديانتُكُمْ مكرٌ من القُدماءِ (٥)
ومنه: [من السريع]
لا يكذبِ النَّاسُ على ربِّهمْ … ما حُرِّكَ العرشُ ولا زُلْزِلا (٦)
стр. 8935
ومنه: [من البسيط]
كونٌ يُرى وفسادٌ جاء يتبعُهُ … تباركَ اللهُ ما في خلقهِ عبَثُ
وإنْ يُؤذِّنْ بلالٌ لابنِ آمنةٍ … فبعدَه لسَجاحٍ قد دعا شَبَثُ (١)
وله كتاب عارض به السور والآيات، سمَّاه "الفصول والغايات" وغير ذلك، [وشعره فيه إلحادٌ ما اشتهيتُ أذكرُه.
قال ابن الصابئ: وحدثني الوزير فخر الدولة أبو نصر بن خميس قال: حدثني] المنادي الشاعر [قال]: اجتمعتُ بأبي العلاء بمعرة النعمان، فقلت له: ما هذا الذي يُحكى عنك؟ فقال: حسدني قوم، فكذبوا عليَّ. فقلتُ: علامَ حسدوك، وقد تركتَ لهم الدنيا والآخرة؟ فقال: والآخرة؟! قلت: إي والله. ثم قلتُ: فلِمَ تمتنِعُ من أكل الحيوان، وتلوم من يأكله؟ فقال: رحمةً مني له، وإنهم يأكلون ما تأكلون. قلت: لا، بل تقول: إنه من شرِّ الناس، فلَعمري إنهم يجدون ما يأكلون، وعن اللُّحمانِ يتعوَّضون. [قلت]: فما تقول في السباع والجوارح التي خُلِقَتْ لا غذاءَ لها غير لحوم الناس والبهائم، ولا طعامَ تعتاضُ به عنها، وما أنت بأرأفَ من الخالق بخلقه، ولا أحكمَ منه في تدبيره وإن كانتِ الطبائع المحدثة لذاك على مذهبك، فما أنتَ بأحذقَ منها، ولا أتقنَ صنعًا له، ولا أحكمَ عملًا حتى تعطِّلها ويكون رأيُكَ وعقلُكَ أرجحَ منها؟ فسكت.
وقال محمد بن الصابئ: أذكر عند ورود الخبر بموته، وقد تذاكرنا أمرَه وكفرَه ومعنا غلام يُعرف بأبي غالب بن نبهان من أهل الخير والسلامة والعفة (٢) والديانة، فلمَّا كان من غد ذلك اليوم قال: رأيتُ البارحةَ في منامي رجلًا شيخًا ضريرًا وعلى كتفيه أفعيان قد تدلَّيا إلى فخذيه، وكلٌّ منهما يرفع فمه إلى وجهه، فيقطع منه قطعةَ لحم فيزدردها وهو يصيح ويستغيث، فقلت: مَنْ هذا؟ وقد أفزعني ما رأيتُه، وروَّعني ما
стр. 8936
شاهدتُه، فقيل لي: هذا المعرِّي الملحد. قال: فعجِبْنا من ذلك، فاستظرفناه حيث وقع عقيب ما تفاوضناه من كفره (١).
وقال الشيخ أبو الفرج [ابن] (٢) الجوزي: مات المعرِّي بمعرة النعمان عن ستٍّ وثمانين سنة إلا أربعة وعشرين يومًا، في ربيع الأول، وذُكِرَ لنا أنه أُنشِد على قبره ثمانون مرثيةً رثاه بها أصحابُه ومَنْ قرأ عليه ومال إليه، حتى قال بعضهم: [من الكامل]
إنْ كنتَ لم تُرِقِ الدماءَ زهادةً … فلقَدْ أرَقْتَ اليومَ من عيني دما (٣)
وهؤلاء بين أمرين، إمَّا جُهَّالٌ بما كان عليه، وإمَّا قليلو الدِّين، ومن سبر خفيات الأمور بانت له، فكيفَ بهذا الكفر الصريح في هذه الأشعار؟!
[قلت: وقد ذكره الغزالي في كتاب له سمَّاه "سر العالمين وكشف ما في الدارين" وقال:] (٤) حدثني يوسف بن علي بأرض الهركار قال: دخلتُ معرة النعمان وقد وشى وزيرُ محمود بن صالح صاحب حلب إليه بأنَّ المعرِّي زنديق لا يرى إفساد الصور (٥)، ويزعم أن الرسالة تحصل بصفاء العقل، فأمر محمود بحمله إليه من المعرَّة إلى حلب، وبعث خمسين فارسًا [إليه] ليحملوه، فأنزلهم أبو العلاء دار الضيافة، فدخل عليه عمُّه مسلم بن سليمان وقال له: يا ابن أخي، قد نزلَتْ بنا هذه الحادثة، الملك محمود يطلبك، فإن منعناك عجزنا، وان أسلمناك (٦) كان عارًا علينا عند ذوي الذمام، ويركب تنوخًا العارُ والذِّلةُ. فقال له: هَوِّنْ عليك يا عم، فلا بأس علينا، فلي سلطانٌ يذُبُّ عني. ثم قام فاغتسل وصلَّى إلى نصف الليل، ثم قال لغلامه: انظُرْ أين (٧) المريخ. فقال: في منزلة كذا وكذا. فقال: زِنْه واضرِبْ تحته وتدًا، وشُدَّ في رجلي خيطًا واربُطْه إلى الوتد. ففعل غلامُه ذلك، فسمعناه وهو يقول: يا قديمَ الأزل، يا علةَ العِلَل، يا صانعَ
стр. 8937
المخلوقات، وموجدَ الموجودات، أنا في عزِّكَ الذي لا يُرام، وكنفك (١) الذي لا يُضام، الضيوفَ الضيوفَ، الوزيرَ الوزير، ثم ذكر كلمات لا تُفهم، وإذا بهدَّةٍ عظيمة، فسأل عنها، فقيل: وقعت الدار على الضيوف الذين كانوا بها، فقتلت الخمسين.
وعند طلوع الشمس وقعَتْ بطاقةٌ من حلب على جناح طائر، فيها: لا تُزعجوا الشيخ، فقد وقع الحِمامُ على الوزير. قال يوسف بن علي: فلمَّا (٢) شاهدتُ ذلك دخلتُ على المعرِّي، فقال: من أين أنت؟ قلت: من أرض الهركار. فقال: زعموا أني زنديق. ثم قال: اكتُبْ. وأملى عليَّ [أبياتًا من شعره] وقال: [من البسيط]
باتوا وحَتْفي أمانيهم مصوَّرةٌ (٣) … وبِتُّ لم يخطروا منِّي على بالِ
وفوَّقوا لي سهامًا من سهامهمُ … فأصبحَتْ وقَّعًا عنِّي بأميالِ
فما ظنونُكَ إذْ جندي ملائكةً … وجندهُمْ بين طوَّافٍ وبقَّالِ
لقيتُهم بعصا موسى التي منعَتْ … فرعونَ مِلكًا ونَجَّتْ آلَ إسرالِ
أُقيمُ خمسي وصومُ الدَّهرِ آلَفُهُ … وأُدمِنُ الذِّكرَ (٤) أبكارًا بآصالِ
عيدَينِ أُفطرُ في عامي إذا حضرا … عيدُ الأضاحيِّ يقفو عيدَ شوَّالِ
إذا تنافستِ الجُهَّالُ في حُلَلٍ … رأيتني من خشين القطن سربالي
لا آكلُ الحيوانَ الدَّهرَ مأثُرةً … أخافُ من سوءِ أعمالي وآمالي
وأعبدُ اللهَ لا أرجو مثوبتَهُ … لكنْ تعبُّدَ إكرامٍ وإجلالِ
أصونُ دينيَ عن جُعْلٍ أُؤمِّلُهُ … إذا تعبَّدَ أقوامٌ بأجعالِ
قال المصنف ﵀: ولا خلاف في سَعةِ علم الرجل، وغزارةِ فضله، وصحةِ نسبه، وأنه أوحد زمانه، وله المصنفات الحِسان، [التي فاق بها على أبناء الزمان] منها: "لزوم ما لا يلزم" في عدة مجلدات، و"استغفِرْ واستغفري" في ست مجلدات، و"رسالة الغفران" و"رسالة الملائكة" و"زجر النابح" و"بحر الرجز" و"سَقط الزَّنْد"
стр. 8938
و"اللامع العزيزي في شرح المتنبي" و"السجع السلطاني" و"الأيك والغصون" وغير ذلك.
وقال التبريزي: كان لأبي العلاء عشرة من الكُتَّاب يملي على كلِّ واحدٍ فنونًا غيرَ ما يملي على الآخر، وهم يكتبون له النثر البليغ، فمنه:
القولُ ذهبَ في الهواء، والقومُ غرقوا في الأهواء.
و: إذا حانَ القضاء ضاق الفضاء.
و: نِعْمَ النساءُ المُغتَزِلات، وأبعدَ الله المُتغزِّلات؛ الأول من الغَزْل، والثاني من الغَزَل.
وقال: قبضَ ما شاء وبسط، وأقسطَ وما قسط.
وقال: الْقَ مقاديرَ الله ولا تَلِقْ (١)، وخَلِّقْ لفظَكَ ولا تختلِقْ، وأضِئ بالمعروف وأْتلِقْ (٢)، وأطلِقْ يمينك فغدًا تنطلِق.
وقال: أين النَّثْرةُ من العَثْرة، والفَرْقَدُ من الغَرْقَد.
وقال: الساعي في أثره فارس عصا بصير، لا فارس عصا قصير.
وقال: سَعْفُ النخيل خيرٌ من إسعاف النحيل.
وقال: وأين موضع السَّيل من مطلع سُهيل.
وقال: إذا لقيتَ جارك فحَيِّه، وإن نزح بك الزمنُ عن حَيِّه.
وكان يقول: أورَدني أبي موردًا لا بُدَّ أن أرِدَهُ، وواللهِ لا أوردتُه أحدًا بعدي.
ولمَّا احتضر قال: [من مجزوء الكامل]
هذا جناه أبي عليَّ … وما جنيتُ على أحد
стр. 8939
[وذكر ابنُ الهَبَّاريَّة في "فلك المعاني" وقال]: بلغَ أبا نصر بن أبي عمران داعي الدُّعاة لصاحب مصر حديثُه، فاستدعاه إلى حلب وكان بها، فسمَّ أبو العلاء نفسه فمات. [قلت] ولم يوافق ابنَ الهبارية على هذا أحد، وقد أجمعوا على أنه مات على فراشه الموت الطبيعي، ومن شعره: [من الخفيف]
يا مريضًا أحلَّ بي كلَّ داءِ … إنَّ نفسي تفديكَ كلَّ الفداءِ
حلَّ ما بي فليس يُرجى شفائي … كيفَ يَشفى المريضُ من ألفِ داءِ
وقال: [من الطويل]
إذا ما خَبَتْ نارُ الشَّبيبةِ ساءَني … ولو نُصَّ لي بينَ النُّجومِ خِباءُ
[وقال: من البسيط]
يأتي على الناسِ إمساءٌ وإصباحُ … وكلُّهمْ لصُروفِ الدَّهر نَسَّاءُ
وكم مضى من قبيلٍ أو يماثِلُهُ … من المَقاولِ سرُّوا الناس أم ساؤوا
تتوى (١) الملوكُ ومصرُ في تغيُّرِهِمْ … مصرٌ على العهدِ والأحساءُ أحساءُ
خَسِسْتِ يا أُمَّنا الدنيا فأُفِّ لنا … بني الخسيسةِ أوباشٌ أخِسَّاءُ
وقد نطقتِ بأصنافِ العِظاتِ لنا … وأنتِ فيما يظنُّ القومُ خَرْساءُ
يموجُ بحرُكِ والأهواءُ غالبةٌ … لِراكِبيهِ فهلْ للسُّفْنِ إرساءُ
إذا تعطَّفْتِ يومًا كنتِ قاسيةً … وإنْ نظرتِ بعينٍ فهي شَوساءُ
نالوا قليلًا من اللَّذاتِ وارتحلوا … برَغْمِهم فإذا النَّعماءُ بأساءُ
وقال: [من الكامل]
البابِليَّةُ بابُ كلِّ بليَّةٍ … فَتَوقَّيَنَّ هجومَ ذاكَ الباب
جَرَّتْ مُلاحاةَ الصديقِ وهجْرَهُ … وأذى النديمِ وفُرقةَ الأحبابِ (٢)
قال المصنف ﵀: من ها هنا أخذ جدي ﵀ فقال في "المدهش" (٣): محبة الدنيا مِحنة، عيونها بابلية، كم فتحت باب بلية؟ ولا حيلة كحيلة، من عين كحيلة.
стр. 8940
وقال: [من المتقارب]
تجيءُ يهودُ بتوراتها … وفيها مواعيدُ عرقوبِها
وإسحاقُها جرَّ إسحاقَها … وقائبةُ الطير من قُوبِها (١)
ورَقُّوا لأملاكهم عنوةً … وقالوا أحاديث رَقُّوا بِها
إسحاقُها الأول النبي ﵇، والثاني إبعادُها.
وقال: [من الخفيف]
سلكَ النَّجْدُ في قِطار المنايا … قَطَرِيّ ونَجدةٌ وشَبيبُ (٢)
شبَّ فِكرُ الحصيفِ نارًا فما يَحْـ … ـسُنُ يومًا بعاقلٍ تشبيبُ (٣)
وقال: [من الخفيف أيضًا]
زارَه حتفُهُ فقطَّبَ للمو … تِ وألقى من بعدها التَّقطيبا
زوَّدوه طِيبًا ليلحقَ بالنَّا … سِ وحَسْبُ الدَّفينِ بالتُّربِ طيبا
باتَ في قبرهِ وَوُسِّدَ يُمنا … هُ فخِلناهُ قامَ فينا خطيبا
للمنايا حواطِبٌ لا تبالي … أهشيمًا جَرَّتْ لها أم رطيبا
صرفَتْ كأسَها فلم تَسْقِ شَرْبًا … مرةً خالصًا وأخرى قطيبا (٤)
وقال: [من الخفيف]
أسطرٌ لابَ حولَهنَّ جهولُ … فهو يرجو هدًى بأَسْطُرْلابِ
والبرايا لفظُ الزمانِ ولا بُدَّ … له من تغيُّرٍ وانقلابِ (٥)
وقال: [من البسيط]
الحمدُ لله قد أصبحتُ في دعةٍ … أرضى القليلَ ولا أهتمُّ بالقوتِ
وشاهِدٌ خالقي أنَّ الصلاةَ لهُ … أجَل عنديَ من دُرِّ وياقوتِ
стр. 8941
ولا أعاشِرُ أهلَ العصرِ إنَّهمُ … إنْ عُوشِروا بين محبوبِ وممقوتِ
يسيرُ بي وبغيري الوقتُ مبتدرًا … إلى محلٍّ من الآجالِ موقوتِ (١)
وقال: [من المخلع البسيط]
الصَّونُ (٢) في جملةِ العوافي … لا الكونُ في جُملة العُفاةِ (٣)
قد خَفَتَ القومُ واستراحوا … آهِ منَ الصَّمتِ والخُفاتِ
أرى انكفائي إلى المنايا … أغنى عن الأسْرةِ الكُفاةِ (٤)
ومن صِفاتِ النِّساءِ قِدْمًا … أنْ لَسْنَ في الوُدِّ مُنصفاتِ
وما يبينُ الوفاءُ إلَّا … في زَمَنِ الفَقدِ والوفاةِ
وقال: [من البسيط]
خلَصتُ من سَبَرات في السّباريتِ … ورُبَّ يومٍ كَريتِ دونَ تكريتِ (٥)
كم بالسَّماوةِ من صِلٍّ ومن أسدٍ … كلاهما خُصَّ في شِدْقٍ بتهْريتِ (٦)
ما زُرْتُ داركَ حتى شفَّني تعبي … وخارَتِ العِيسُ في آثار خِرِّيتِ (٧)
والخيرُ في الأرض كالأترجِّ مَنبِتُهُ … شافي وأُلزمَ تدخينًا بكبريتِ (٨)
وقال: [من الطويل]
ثيابيَ أكفاني ورمسيَ منزلي … وعَيشِي حِمامي والمنيةُ لي بَعْثُ
تحلَّي بأسنى الحَلْيِ واحتلبي الغنى … فأفضَلُ من أمثالكِ النُّفَرُ الشُعْثُ
يسيرونَ بالأقدامِ في سُبُلِ الهدى … إلى الله حَزْنٌ ما تَوَطَّأْنَ أو وَعْثُ (٩)
стр. 8942
وقال: [من الوافر]
تجمَّعَ أهلُهُ زُمرًا إليهِ … وصاحَتْ عِرْسُهُ أَودى فصاحوا
تُخاطِبُنا بأفواهِ المنايا … من الأيامِ ألسنةٌ فِصاحُ (١)
وقال يرثي أبا حمزة الفقيه الحنفي: [من الخفيف]
غيرُ مُجْدٍ في مِلَّتي واعتقادي … نَوْحُ باكٍ ولا ترنُّمُ شادِ
وشبيهٌ صوتُ النَّعيِ إذا قيـ … ـسَ بصوتِ البشيرِ في كلِّ نادِ
أَبَكَتْ تلكُمُ الحمامةُ أم غنَّـ … ـت على فَرْعِ غُصنِها الميَّادِ
صاحِ هذي قبورُنا تملأُ الأرْ … ضَ فأينَ القبورُ من عهدِ عادِ
خَفِّفِ الوطءَ ما أظنُّ أديمَ الْـ … أرضِ إلا من هذه الأجسادِ
سِرْ إنِ اسطعتَ في الهواءِ رُويدًا … لا اختيالًا على رُفاتِ العبادِ
فقبيحٌ بِنا وإنْ بَعُدَ العَهْـ … ـدُ تناسي الآباءِ والأجدادِ
رُبَّ لحدٍ قد صار لحدًا مرارًا … ضاحكٍ من تزاحُمِ الأضدادِ
ودَفينٍ على بقايا دَفينٍ … من قديمِ الأزمانِ والآبادِ
فسَلِ الفرقدَينِ عن ما أحسَّا … من قَبيل وآنَسا من بلادِ
كم أقاما على البياض نهارًا … وأنار لمُدْلجٍ في سوادِ
تعبٌ كلُّها الحياة فما أَعْـ … ـجَبُ إلا من راغبٍ في ازديادِ
إنَّ حُزنًا (٢) في ساعةِ الموتِ أضعا … فُ سرورٍ في ساعةِ الميلادِ
خُلِقَ الناسُ للبقاءِ فضَلَّتْ … أمةٌ يحسبونَهُم لِلنَّفادِ
إنَّما يُنقَلون من دارِ أعما … لٍ إلى دارِ شِقْوةٍ أو رشادِ
ضجعةُ الموتِ رقدةٌ يستريحُ الْـ … ـجِسْمُ فيها والعيشُ مثلُ السُّهادِ
أبَناتِ الهديلِ أسْعِدْنَ أوْ عِدْ … نَ قليلَ العزاءِ بالإسعادِ
إيهِ للهِ دَرُّكُنَّ فأنتنَّ الـ … ـلَواتي تُحْسِنَّ حِفْظَ الودادِ
стр. 8943
ما نسيتُنَّ هالكًا في الأوانِ الـ … خالِ أودى من قَبْلِ هُلْكِ إيادِ
بَيدَ أنِّي لا أرتضي ما فعلتُنَّ … وأطواقُكُنَّ في الأجيادِ
فتَسَلَّبنَ واستَعِرْن جميعًا … مِنْ قميصِ الدُّجى ثيابَ حِدادِ
ثُمَّ غَرِّدْنَ في المآتمِ واندُبْـ … ـنَ بشَجْوٍ مع الغواني الخِرادِ (١)
قصدَ الدهر من أبي حمزة الأوَّابِ … مولى حِجًى ومولى اقتصادِ
وفقيهًا أفكارُه شِدْنَ للنُّعـ … ـمانِ ما لم يَشِدْهُ شِعرُ زيادِ
راويًا للحديث لم يُحْوجِ الـ … ـراوي من صدقِهِ إلى الإسنادِ
أنفق العمرَ (٢) دائبًا يطلب العِلْـ … ـمَ بكَشْفٍ عن أصلهِ وانتقادِ
[وَدِّعا أَيُّها الحَفِيّانِ ذاكَ الـ. . . ـشَخْصَ إنَّ الوداعَ أَيسَرُ زادِ (٣)]
فاغسِلاه بالدَّمعِ إنْ كان طُهْرًا … وادفِناه بين الحشا والفؤادِ
واتْلُوا النَّعْشَ بالقراءةِ والتَّسبيحِ … لا بالنَّحيب والتَّعدادِ
رُبما أخرجَ الحزينُ جوى الثُّكْـ … ـلِ إلى غيرِ لائقٍ بالسَّدادِ
مِثْلَ ما فاتَتِ الصلاةُ سُليما … نَ فأحنى على رقابِ الجيادِ
وهو من سُخِّرت له الإنس … والجِنُّ بما صحَّ من شهادةِ صادِ
كيفَ أصبحتَ في محلِّكَ بعدي … يا جديرًا منِّي بحُسْنِ افتقادِ
قد أقرَّ الطبيبُ منهُ بعجْزٍ … فتقضَّى تردُّدُ العُوَّادِ
والذي حارتِ البريَّةُ فيهِ … حيوانٌ مستخرَجٌ من جمادِ
واللبيبُ الأريبُ مَنْ ليس … يغترُّ بِكَوْنٍ مصيرُه لفسادِ
وقال: [من المنسرح]
سِرْتُ ثمانينَ طالبًا أجَلي … والحَينُ إثري كأنَّهُ حادي
ما أنا بالمُلْحدِ الكفورِ ولا … أسألُ مولايَ غيرَ إِلحادي
ناديتُ أينَ الذين كان بهم … يشرُفُ هذا الفناءُ والنَّادي
стр. 8944
مزادتي الآنَ لا بِلال بها … ومِزْوَدي مُنفِضٌ من الزَّادِ
والمسفرُ الدائمُ المواصَلُ يَحْـ … ـتاجُ إلى عُدَّةٍ وعتادِ
وقال: [من الطويل]
ألا إنَّ أخلاقَ الفتى كزمانهِ … فمنهنَّ بِيضٌ في العيونِ وسُودُ
وتأْكُلُنا أيامُنا فكأنَّما … تمرُّ بنا الساعاتُ وهْيَ أسودُ
وقَدْ يخملُ الإنسانُ في عُنْفوانِهِ … ويَنْبُهُ من بعد النُّهى ويسودُ
فلا تحسُدَنْ قومًا على فضلِ نعمةٍ … فحسبُكَ عارًا أن يُقال حسودُ
عرفتُ سجايا الدَّهرِ أمَّا شرورُهُ … فنقدٌ وأمَّا خيرُهُ فوعودُ
إذا كانتِ الدُّنيا لذاكَ محلُّها … ولو أنَّ كلَّ الطالعاتِ سُعودُ
رقَدْنا ولم نملِكْ رُقادًا عن الأذى … وقامت بما (١) خِفْنا ونحن قُعودُ
وكَمْ أنذَرَتْنا بالسيولِ صواعقٌ … وكَمْ خبَّرَتْنا بالغمامِ رُعودُ
حياتيَ بعد الأربعينَ منيةٌ … ووجدانُها في الأربعين فُقودُ
فما لي وقد أدركتُ خمسةَ أعقُدٍ … أبيني وبينَ الحادثاتِ عُقودُ
كأنَّا من الأيامِ فوقَ ركائبٍ … إذا قِيدَتِ الأنضاءُ فهْيَ تَقودُ
ألا إنَّما الدنيا نُحوسٌ لأهلها … فما في زمانٍ أنتَ فيه سُعودُ
ويوصي الفتى عندَ الحِمامِ كأنَهُ … يمرُّ فيقضي حاجةً ويعودُ
وما يئسَتْ من رَجْعَةٍ نفسُ ظاعنٍ … مضَتْ ولها عند القضاءِ وُعودُ
تسيرُ بنا الأيامُ وهْيَ حثيثةٌ … ونحنُ قيامٌ فوقَها وقُعودُ
وقال: [من البسيط]
جاءَتْ أحاديثُ إنْ صحَّتْ فإنَّ لها … شأنا ولكنَ فيها ضعفَ إسنادِ
فشاورِ العقلَ واترُكْ غيرَهُ هدَرًا … فالعقلُ خيرُ مُشيرٍ ضمَّهُ النادي
وعظتُ قومًا فلم يُرْعُوا لموعظتي … مثلَ امرئِ القيسِ ناجى طائرَ الوادي
والعفوَ (٢) آمُلُ من ربي إذا حُضِرَتْ … نفسي وفارقْتُ عُوَّادي لأعوادي
стр. 8945
وقال: [من الوافر]
تلفَّعَ بالعَبا إخوانُ صِدْقٍ … وأُوسِعَ غيرُهمُ سَرَقًا ولاذا
فلا تعجب لأحكام (١) الليالي … فإنَّ صروفَها بُنيَتْ على ذا
وقال: [من الخفيف]
ما مُقامي إلا مُقامةُ عانٍ … كيف أسري وفي يدِ الدَّهرِ أسري
إنَّ جَسْرًا (٢) على المنيةِ حَزْمٌ … والبرايا من فوقِهِ فوق جَسْرِ
تبِعَتْ تُبَّعًا وفي القصرِ غالتْ … قيصرًا وانتحَتْ لكسرى بكَسْرِ
وطَوَتْ طَيِّنًا وآدَتْ (٣) إيادًا … وأصابَتْ ملوكَ قَسْرٍ بقَسْرِ
ولقابوسَ (٤) كان قيسٌ وفَنَّا … خُسْرُ (٥) أروَتْهُ من فناءٍ وخُسْرِ
سوفَ ألقى من الزمانِ كما لا … قَوا بعنفٍ لا باستقالٍ ودَسْرِ (٦)
ولوَ أنِّي السُّها أو النَّسرُ قد شا … هَدْتُ عصرينِ من يَغوثٍ ونَسْرِ
وقال في بني شيبة: [من الوافر]
وفي بطحاءِ مكةَ شرُّ قومٍ … وليسوا بالحُماةِ ولا الغَيارى
وإنَّ رجال شيبةَ سادِنيها … إذا راحَتْ لكعبتها الجُمارى (٧)
قيامٌ يدفعون الناس شفعًا … إلى البيتِ الحرامِ وهم سُكارى
إذا أخذوا الزوائفَ أولجوهُمْ … وإن كانوا اليهودَ أو النصارى
لعلَّ قِرانَ هذا النَّجمِ يهدي … إلى طُرقِ الهدى أممًا حيارى
فقد أودى بِهِمْ نصبٌ وَظِمءٌ … وأَينُقُهُم بمَهلكةٍ نفارى
أَتَتهُم دَولَةٌ قَهَرَت وعَزَّتْ … فَباتوا في ضلالتِها أُسارى
стр. 8946
وظَنُّوا الطُّهرَ مُتَّصلًا بِقَومٍ … وأحلِفُ أَنَّهُم غَيرُ الطَّهارى
لَهُم كَلِمٌ تُخالِفُ ما أَجَنُّوا … صُدورُهُمُ بِصِحَّتِهِ تَمارى
وقال: [من المتقارب]
أرى الشُّهدَ (١) يَرجِعُ مِثلَ الصَّبِرْ … فَما لابنِ آدمَ لا يَعتَبِرْ
وخَبَّرَهُ صادِقٌ في الحَديثِ … فإنْ شَكَّ في ذاكَ فَليَختَبِرْ
وجَبرٌ وكَسرٌ لَهُ في الزَّمانِ … ويُكسَرُ يَومًا فلا يَنجَبِرْ
ولَكِنَّني أَستخيرُ المليكَ … وإِن يَأتِني حادِثٌ أَصطَبِرْ
ودُنيايَ أَلقى بِطولِ الهَوانِ … فهَل هِيَ إِلّا كَجِسرٍ عُبِرْ
وقال: [من الكامل]
يا ظالمًا عقَدَ اليدين مُصلِّيًا … من دونِ ظُلمك يُعقَدُ الزُّنَّارُ
أتظُنُّ أنَّكَ للمحاسنِ كاسِبٌ … هيهاتَ هذا العارُ ثم النَّارُ (٢)
وقال: [من البسيط]
نادَتْ على الدِّينِ في الآفاقِ طائفةٌ … يا قومُ مَنْ يشتري دينًا بدينارِ
جَنَوا كبائِرَ آثامٍ وقد زعموا … أنَّ الصغائرَ تجني الخُلْدَ في النَّارِ (٣)
وقال: [من الوافر]
تَمرُّ حوادث ويطولُ دهرٌ … ويفتقرُ المجيزُ إلى المُجازي
وليس على الحقائقِ كلُّ قولي … ولكن فيه أصنافُ المَجازِ (٤)
وقال: [من الطويل]
تُشادُ المغاني والقبورُ دوارِسُ … ولا يمنعُ المطروقَ بابٌ وحارسُ
стр. 8947
يقولون إنَّ الدِّين يُنسَخُ مِثْلَ ما … تولَّتْ بإقبالِ الحنيفةِ فارسُ
وما لم يكُنْ فاللهُ ليسَ بزائلٍ … ويجني الفتى من بعدُ ما هو غارسُ
وقال: [من الطويل أيضًا]
جزى اللهُ عنِّي مُؤْنِسي بصدودِهِ … جميلًا ففي الإيحاشِ ما هُوَ إيناسُ
يخافون شيطانًا من الجنِّ ماردًا … وعنديَ شيطانٌ من الإنسِ خنَّاسُ (١)
وقال: [من المديد]
المَشيداتُ الَّتي رُفِعَتْ … أَربُعٌ مِن أَهلِها دُرُسُ (٢)
قامَ لِلأيَّامِ في أُذُني … واعِظٌ مِن شَأنِهِ الخَرَسُ
كَم أبَنَّ الغابُ مِن أسَدٍ … أَيُّ لَيثٍ ليسَ يفترسُ
مُهجَتي ضِدٌّ يُحارِبُني … أنا مِنِّي كيفَ أحتَرِسُ
إنّما دُنياكَ غانِيَةٌ … لم يُهَنِّئ زَوجَها العُرُسُ
فالقَها بِالزُّهدِ مُدَّرِعًا … في يدَيكَ السَّيفُ والتُّرُسُ
إنَّ من حانَتْ مَنيَّتُهُ … لم يُدافِعْ دونَهُ حَرَسُ
ليسَ يبقى فَرعُ نابِتَةٍ … أَصلُها في الموت مُنغرِسُ (٣)
وقال: [من البسيط]
قد يُخطِئُ الموتُ سارٍ في تَنوفتِهِ (٤) … ويَهلِكُ المرءُ في قصرٍ له حَرَسُ
ظنَّ الحياةَ عروسًا خَلْقُها حسنٌ … وإنَّما هي غُوْلٌ خُلْقُها شَرِسُ
ونحنُ في غيرِ شيءٍ والبقاءُ جرى … مجرى الرَّدى ونظيرُ المأتمِ العُرُسُ (٥)
وقال: [من البسيط أيضًا]
هل يغسِلُ الناسَ عن وجهِ الثَّرى مطرٌ … فما بَقُوا لم يفارِقْ وجهَها الدَّنَسُ
стр. 8948
تناسلوا فنمى شرٌّ بنسْلِهمُ … وكم فُجورٍ إذا شُبَّانُهمْ عَنَسوا (١)
وقال: [من الوافر]
تعالى اللهُ أينَ ملوكُ لَخْمٍ … لقد خَمدوا فما لهمُ حَسيسُ
تُحدِّثُ هذه الأيامُ جهرًا … وتحسبُ أنَّ ما نطقَتْ هَميسُ
وزوجُكِ أيُّها الدنيا تمنَّى … طلاقَكِ قبلَ أن يقعَ المَسيسُ (٢)
وقال: [من الرجز]
يا ربِّ أخرِجْني إلى دارِ الرِّضا … عَجِلًا فهذا عالمٌ منكوسُ
ظلُّوا كدائرةٍ تحوَّلَ بعضُها … من بعضِها فجميعُها معكوسُ
وأرى ملوكًا لا تحوطُ (٣) رعيةً … فعلامَ تؤخذ جزيةٌ ومكوسُ
وقال: [من الطويل]
خصاؤُكَ خيرٌ من زواجِكَ حُرَّةً … فكيفَ إذا أصبحتَ زوجًا لمومسِ
وإنَّ كتابَ المهرِ فيما التمسْتَهُ … نظيرُ كتابِ الشاعرِ المتَلَمِّسِ (٤)
ولُبْسُكَ ثوبَ السُّقمِ أحسَنُ منظرًا … وأبهَجُ من ثوب الغَويِّ (٥) المُنَمِّسِ (٦)
وقال: [من الطويل أيضًا]
إذا قصَّ آثاري الغواةُ ليحتذوا … عليها فوُدِّي أن أكون قَصيصا
وكَمْ مَلِكٍ في الأرضِ لاقى خَصاصةً … وكانَ بإكرامِ العُفاةِ خَصيصا (٧)
وقال: [من المتقارب]
أرى جوهرًا حَلَّ فيه عَرَضْ … تباركَ خالِقُنا ما الغرَضْ
يُداوي العليلَ لِكَيما يصحَّ … وهَلْ صِحَّةُ الجسمِ إلَّا مَرَضْ
стр. 8949
فلا تترُكَنْ ورَعًا في الحياةِ … وأدِّ إلى ربِّكَ المُفتَرَضْ
فكَمْ ملكٍ شيَّدَ المَكْرُماتِ … ونال بها الصِّيتَ ثم انقرَضْ (١)
وقال: [من الطويل]
ظمئتُ إلى ماءِ الشَّبابِ ولم يزَلْ … يغورُ على طولِ المدى ويَغيضُ
تراهُ مع الإخوانِ حِبًّا مُكرَّمًا … فإن زال عنه الماء فهو بغيضُ (٢)
وقال: [من الكامل]
أمَّا اليقينُ فإنَّنا سَكَنُ البِلى … ولنا هناكَ جماعةٌ فُرَّاطُ (٣)
ولكلِّ دهرٍ حليةٌ من أهلِهِ … ما فيهمُ حَيفٌ ولا إفراطُ
كم لاحتِ الأشراطُ في جُنْحِ الدُّجى … فمتى تَبينُ لِبَعْثِنا أشراطُ
وكأنَّ هذا الخلقَ أهلُ قيامةٍ (٤) … ولهم من الموتِ الزُّؤامِ (٥) سِراطُ
لوْ لم تكُنْ مثلَ الجماعَةِ زائفًا … لم يَشْجُكَ الدِّينارُ والقيراطُ
وقال: [من الخفيف]
يَسبُكُ الصائِغُ الزُّجاجَ ولا يَسْـ … ـتَطيعُ سَبْكًا للدُرِّ إن يَتَشَظَّى
ليَخَفْ صاحِبُ الديانةِ والصَّو … نِ مَقالًا مِن جاهِلٍ يَتَحَظَّى
كيفَ لي أن أكونَ في رأسِ شمَّا … ءَ وأَرعى آسًا وبُطْمًا ومَظَّا (٦)
وقال: [من البسيط]
مَنْ رامَ أن يُلزِمَ الأشياءَ واجِبَها … فإنَّهُ بحياةٍ ليسَ يَنتَفِعُ
أُرْضِي انتباهي بِما لَمْ يَرضَهُ حُلُمي … قِدْمًا وأَدفَعُ أوقاتي فَتَندَفِعُ
وَخَفَّ بِالجَهلِ أقوامٌ فَبَلَّغهُمْ … منازِلًا بِسَناءِ العِزِّ تَلتَفِعُ
стр. 8950
أما رَأَيتَ جِبال الأرضِ لازِمَةً … قَرارَها وغُبارُ الرَّكْضِ يَرتَفِعُ (١)
وقال: [من الطويل]
إذا خَطَبَ الحسناءَ كَهلٌ وناشِئٌ … فإنَّ الصِّبا فيها شَفيعٌ مُشَفَّعُ
وَلا يُزْهِدَنْها عُدْمُهُ إنَّ مُدَّهُ … لأَبرَكُ مِن صاعِ الكَبيرِ وَأنفَعُ (٢)
وقال: [من المتقارب]
أخو سَفَرٍ قَصْدُهُ لَحْدُهُ … تَمادى بِهِ السَّيرُ حَتَّى بَلَغْ
ودُنياكَ مِثلُ الإناءِ الخَبيثِ … وصاحِبُها مِثلُ كَلب وَلَغْ (٣)
وقال:
الفِكرُ حَبلٌ متى يُمْسَكْ على طَرفٍ … مِنهُ يُنَط بالثُرَيّا ذلكَ الطَّرَفُ
والعقلُ كالبحرِ ما غيضَتْ غَوارِبُهُ … شيئًا ومنهُ بَنو الأيَّامِ تَغتَرِفُ
أبني بجهليَ دارًا لَستُ أسكُنُها … أُقيمُ فيها قليلًا ثُمَّ أنصَرِفُ
أَأُنكِرُ اللهَ ذَنبًا خَطَّهُ مَلَكٌ … وبالَّذي خَطَّهُ الإنسانُ أَعتَرِفُ
سَرِفْتُ واللهَ أرجو أن يُسامِحَنا … وفي القديمِ خَلا مِن أهلِها سَرِفُ
تَرومُ رِزقًا بأَن سَمَّوكَ مُتَّكِلًا … وأَدْيَنُ الناسِ من يَسعى ويحتَرِفُ
إذا افتكَرنا عَلِمنا أنَّ ذا ضَعَةٍ … أعلى النُّجومِ وللهِ انتَهى الشَّرَفُ (٤)
وقال: [من البسيط]
لا تَشْرُفَنَّ بدنيا عنكَ معرِضةً … فما التشرُّفُ بالدنيا هو الشَّرفُ
واصرِفْ فؤادكَ عنها مثلَما انصرفَتْ … فكُلُّنا عن مغانيها سينصرِفُ
يا أُمَّ دَفْرٍ لحاكِ اللهُ والدةً … فيكِ العناءُ وفيكِ الهمُّ والسَّرَفُ
لَوْ أنَّكِ العِرْسُ أوقعتُ الطلاقَ بها … لكنَّكِ الأمُّ ما لي عنكِ مُنصَرَفُ
وقال: [من الوافر]
стр. 8951
رددتُ إلى مليكِ الخلقِ أمري … فلمْ أسأَلْ متى يقعُ الكسوفُ
وكم سَلِمَ الجَهولُ من المنايا … وعُوجِلَ بالحِمامِ الفيلسوفُ (١)
وقال: [من الطويل]
فؤادُكَ خَفَّاقٌ وبرقُكَ خافِقٌ … وأعياكَ في الدنيا خليلٌ موافقُ
أرَدْتَ رفيقًا أن ينالكَ رِفْقُهُ … فدَعْهُ إذا لم تأتِ منه المرافقُ (٢)
وقال: [من الطويل أيضًا]
مَنْ مُبلِغٌ عنِّي الممالِكَ معشرًا … عليًّا ومحمودًا وخانًا وآلِكا (٣)
فما أتمنَّى أنَّني كأقلِّهم (٤) … ولكِنْ أُضاهي المُقتِرين الصعالِكا (٥)
فما فيهمُ من ناهضٍ يُدَّعَى بهِ … يُفَرِّجُ عنِّي بالمضيقِ المسالِكا
وينفر عقلي مغضبًا إنْ ترَكْتُهُ … سُدًى واتَّبعْتُ الشافعيَّ ومالكا
وقال: [من السريع]
يا خالقَ البدرِ وشمسِ الضُّحى … مُعَوَّلي في كلّ أمرٍ عليكْ
وكُلُّ مَلكٍ لَكَ عَبدٌ وما … يبقى لهُ مُلكٌ فَيُدعى مُلَيكْ
قد رامَتِ النَّفسُ لها مَوئلًا … فقلتُ مَهلًا ليسَ هذا إلَيكْ
إنَّ الَّذي صاغَكِ يقضي بما … شاءَ ويمضي فازْجُري عاذلَيكْ
البحرُ (٦) في قُدرَتِهِ نُغبَةٌ (٧) … والفَلَكُ الأعظَمُ فيها فُلَيكْ
وقال: [من الطويل]
стр. 8952
ذَرِ (١) الناسَ واصحَبْ وَحْشَ بَيداءَ قَفرةٍ … فإنَّ رِضاهُم غايَةٌ ليس تُدرَكُ
إذا ذكروا المخلوقَ عابوا وأطنَبوا … وإن ذكروا الخَلَّاق حابوا وأَشرَكوا
كَلِفْتَ بِدُنياكَ الَّتي هي خُدعَةٌ … وهلْ خُلَّةٌ منها أغَرُّ وأفرَكُ
إذا فاتَكَ الإثراءُ من غيرِ وَجهِهِ … فإنَّ قليلَ الخَلِّ خيرٌ (٢) وأَبرَكُ
وقال: [من الطويل أيضًا]
تسمَّى رجالٌ بالملوكِ سفاهةً … ولا مُلْكَ إلَّا للَّذي خلقَ المُلْكا
أرى فلكًا ما دارَ إلَّا لحكمةٍ … فلا تنسَ مَنْ أجرى لحاجَتِكَ الفُلْكا
وقال: [من البسيط]
في الوحدةِ الراحةُ العظمى فأحيِ بها … قلبًا وفي الكونِ بين الناس أثقالُ
إنَّ الطبائعَ لمَّا أُلِّفَتْ جَلَبَتْ … شرًّا تولَّدَ منه القيلُ والقالُ (٣)
وقال: [من السريع]
كم تنصحُ الدنيا ولا نقبَلُ … وفائزٌ مَنْ جَدُّهُ مُقبِلُ
إنَّ أذاها مثلُ أفعالِنا … ماضٍ وفي الحالِ ومُستقبَلُ
أجبَلَتِ الأبحرُ في عصرِنا … هذا كما أبحَرَتِ الأجبُلُ
فاتْرُكْ لأهلِ المُلكِ لذَّاتِهمْ … فحسبُنا الكمأةُ والأحبُلُ (٤)
ونشربُ الماءَ براحتِنا … إنْ لم يكُنْ في بيننا جُنْبُلُ (٥)
لا تأمنُ الأغفارُ في النِّيقِ أنْ … تُصبِحَ موصولًا بها الأحبُلُ (٦)
لو نطقَ الدَّهرُ هجا أهلَهُ … كأنَّه الرُّوميُّ أو دِعْبِلُ (٧)
стр. 8953
وَهْو لَعمري شاعرٌ مُفْلِقٌ (١) … بالفعلِ لكنْ لفظُهُ مجبِلُ (٢)
يذبُلُ غصنُ العيشِ حقًّا ولَوْ … أضحى ومِنْ أوراقِهِ يذبُلُ
فليتَ حوَّاءَ عقيمًا غَدَتْ … لا تلِدُ الناسَ ولا تحبَلُ
تفكَّروا باللهِ واستيقظوا … فإنَّها داهيةٌ ضِئْبِلُ (٣)
في حبَّةٍ تُخلَقُ من سُنبُلٍ (٤) … ثَمَّتَ منها يُخلَقُ السنبُلُ
يكرَهُ عولَ الشيخِ أبناؤه … وهَلْ تَعولُ الأُسُدَ الأشبُلُ
ننزل من دارٍ لنا رحبةٍ … تُطَلُّ بالآفاتِ أو تُوبَلُ (٥)
وكلُّ مَنْ حَلَّ بها يكره الـ … ـنقلةَ عنها وهي تسْتَوبِلُ
وقال: [من الطويل]
أَسَكْنُ الثَّرى هل تبعثون رسالةً … إلينا ولستُمْ سامعي كلمِ الرُّسْلِ
ولم تَسْلُ نفسي عنكمُ باختيارِها … ولكنَّ طولَ الدهرِ يُذهِلُ أو يُسلي
وما بردَتْ أعضاءُ مَيْتٍ مُكَرَّمٍ … وإنْ عَزَّ حتى أُغليَ الماءُ للغَسْلِ (٦)
وقال: [من الوافر]
إذا ما شئتَ موعظةً فعرِّجْ … بيثربَ سائلًا عن آل قيلهْ
وقِفْ بالحيرةِ البيضاءِ وانظُرْ … منازلَ منذرٍ وبني بقيلهْ (٧)
وقال: [من السريع]
لو تعلَمُ النَّحلُ بمُشْتارها (٨) … لم ترَها في جبلٍ تعسِلُ
стр. 8954
والخيرُ محبوبٌ ولكنَّهُ … يعجزُ عنه الفَسْلُ (١) أو يكسَلُ
والأرضُ للطُّوفانِ مشتاقةٌ … لعلَّها من دَرَنٍ تُغْسَلُ
قد كثُرَ الشرُّ على ظهرها … وأُتْهِمَ المُرْسِلُ والمُرْسَلُ
وقال: [من الكامل]
كم توعظون (٢) ولا تلينُ قلوبكُمْ … فتباركَ الخلَّاقُ ما أغناكُمُ
إنَّ الغوايةَ كالغريزة فيكُمُ … يأوي إليها كهلُكُمْ وفتاكُمُ
وقال: [من الوافر]
دموعي لا تُجيب على الرَّزايا … ولولا ذاكَ ما فَتِئَتْ سُجوما (٣)
رِضًا بقضاءِ ربِّكَ فَهْوَ حَتْمٌ … ولا تُظِهرْ لحادثةٍ وُجوما (٤)
وقال: [من الطويل]
ومولِدُ هذي الشمسِ أعياكَ حَدُّهُ … وخَبَّرَ لُبٌّ أنَّهُ مُتقادِمُ
وما آدمٌ في مذهبِ العقلِ واحدًا … ولكنَّهُ عندَ القياسِ أوادِمُ
تخالفَتِ الأغراضُ ناسٍ وذاكرٌ … وساقٍ وسبَّاقٌ وبانٍ وهادِمُ (٥)
وقال: [من الوافر]
وما دنياكَ إلَّا دارُ سَوْءٍ … ولستَ على إساءتِها مُقيما
أرى ولد الغنى عِبْئًا عليهِ … لقد سَعِدَ الذي أمسى عقيما
أما شاهدتَ كلَّ أبي وليدٍ … يؤمُّ طريقَ حتفٍ مستقيما
فإمَّا أن يُرَبِّيهِ عدوًّا … وإمَّا أن يُخَلِّفَهُ يتيما (٦)
وقال: [من الخفيف]
стр. 8955
كلُّ ذِكْرٍ من بعدِه نسيانُ … وتَغيبُ الآثَارُ والأعيانُ
إنَّما هذهِ الحياةُ متاعٌ … فلتُخَبِّرْكَ عن أذاها العِيانُ
نَفَسٌ بعدَ مِثْلهِ يتقضَّى … فتمرُّ الدُّهورُ والأحيانُ
قد ترامَتْ إلى الفسادِ البرايا … واستوَتْ في الضلالة الأديانُ (١)
أنا أعمى فكيفَ أُهدي إلى المَنْـ … ـهجِ والناسُ كُلُّهم عُميانُ
والعصا للضريرِ خيرٌ من القا … ئدِ فيه الفُجورُ والعِصيانُ
ليس في هذه المجرَّةِ ماءٌ … فيُرَجِّي وُرودَه الصَّدْيانُ (٢)
وقال: [من الخفيف أيضًا]
المُجبرون يناظرونَ بباطلٍ … فاسمَعْ مقالهُم بغيرِ بيانِ
كلٌّ يقولُ أرى الإلهَ أضلَّني … وأرادني ما كانَ عنه نهاني
إنْ صَحَّ ذا فتعوَّذوا من ربكم … ودَعوا تعَوُّذَكُمْ من الشيطانِ
وقال: [من الطويل]
أرى الحِيرةَ البيضاءَ حارَتْ قُصورُها … خلاءً ولم تثبُتْ لكسرى المدائِنُ
وهَجَّنَ (٣) لَذَّاتِ الملوكِ زوالُها … كما غدَرَتْ بالمُنذِرَينِ (٤) الهجائِنُ (٥)
ركِبْنا على الأعمارِ والدَّهرُ لُجَّةٌ … فما صَبَرَتْ للموجِ تِلكَ السَّفائِنُ
تجيءُ الرَّزايا بالمنايا كأنَّما … نفوسُ البرايا للحِمام رهائِنُ
لَعمري لقدْ خادعتُ نفسيَ بُرهَةً … وصدَّقْتُ في أشياءَ مَنْ هو خائِنُ (٦)
وخانَتْنيَ الدُّنيا مرارًا وإنَّما … يُجَهَّزُ بالذَّمِّ الغواني الخوائِنُ
أُعلِّلُ بالآمالِ قلبًا مُضَلَّلًا … كأنِّيَ لم أشعُرْ بأنِّيَ خائِنُ
يصونُ الكريمُ العِرْضَ بالمالِ جاهدًا … وذو اللؤمِ للأموالِ بالعرضِ صائِنُ
стр. 8956
وقال: [من الطويل]
لعمرُكَ ما الدُّنيا بدارِ إقامةٍ … ولا الحيُّ في حالِ السلامةِ آمِنُ
وإنَّ وليدًا حَلَّها لَمُعذَّبٌ … جَرَتْ لِسواهُ بالسعودِ أيامِنُ
عجبتُ لكهلٍ قاعدٍ بينَ نِسْوَةٍ … يُقاتُ بما جَرَّتْ عليه الرَّوادِنُ (١)
تُحارِبُنا أيامُنا ولنا رضًا … بذلك لو أنَّ المنايا تُهادِنُ
إذا كانَ جِسمي لِلرَّغام أكيلَةً … فكيفَ يَسُرُّ النَّفسَ أنِّيَ بادِنُ
ومِنْ شَرِّ أَخدانِ الفَتى أَمُّ زَنْبَقٍ … وتلكَ عَجوزٌ أهلَكَتْ مَنْ تُخادِنُ
تُخَبِّرُ عن أسرارِهِ قُرَناءَهُ … ومِنْ دويها قُفْلٌ مَنيعٌ وَسادِنُ (٢)
وقال: [من الطويل]
أيا أنفُسًا ما صومُها وصلاتُها … بدينٍ لها بل تَرْكُها الظُّلمَ دينُها
يؤثِّرُ في حرِّ الجباه سجودُها … ويشكو أذاها جارُها وخَدينُها
وقال: [من الطويل]
رأيتُ سوادَ الرأسِ يسلُبُ لونَهُ … من الدَّهرِ بِيضٌ يختلِفْنَ وجُونُ (٣)
فلا يغَترِرْ بالمُلْكِ صاحبُ دولةٍ … فكَمْ من مليكٍ غيَّبَتْهُ دُجونُ (٤)
وإنِّي أرى أنصارَ إبليس جَمَّةً … ولا مِثْلَ ما أوفى به الزَّرَجونُ (٥)
وإنْ كانتِ الأرواحُ بعد فراقِها … تنالُ رخاءً فالجسومُ شُجونُ (٦)
وقال: [من الطويل]
كأنَّ نجومَ الليلِ زُرْقٌ أسِنَّةٌ … بها كلُّ مَنْ فوقَ الترابِ طَعينُ
стр. 8957
ولائحُ هذا الفجرِ سيفٌ مُجرَّدٌ … أعانَ به صَرْفَ الزَّمانِ لَعينُ (١)
وقال: [من الطويل]
حياتيَ تعذيبٌ وموتيَ راحةٌ … وكلُّ ابنِ أُنثى في التراب سجينُ
توهَّمتَ يا مغرورُ أنَّكَ دَيِّنٌ … عليَّ يمينُ اللهِ ما لكَ دِينُ
تسيرُ إلى البيتِ الحرامِ تنسُّكًا … ويشكوكَ جارٌ بائسٌ وخَدينُ (٢)
وقال: [من الخفيف]
بِئستِ الأُمُّ لِلأنامِ هِيَ الدُّنيا … وبِئسَ البَنونَ لِلأُمِّ نَحنُ
فَسَدَ الأَمرُ كُلُّهُ فاترُكوا الإعْـ … ـرابَ إنَّ الفَصاحَةَ اليومَ لَحنُ (٣)
وقال: [من البسيط]
لقدْ أتَوا بِحَديثٍ لا يُثَبِّتُهُ … عَقلٌ فَقُلنا عنَ أيِّ النَّاسِ تَحكونَهْ
فَأَخبَروا بِأَسانيدٍ لَهُم كَذِبٍ … لم تَخْلُ مِن ذكر شَيخٍ لا يُزكُّونَهْ
عَجِبتُ لِلأُمِّ لَمَّا فاتَ واحِدُها … بَكَتْ وَساعَدَها ناسٌ يُبَكُّونَهْ
هُمُ أَسارى مَناياهُم فَما لَهُمُ … إذا أتاهُم أَسيرٌ لا يَفُكُّونَهْ
فَلَو تَكَلَّمَ دَهرٌ كانَ ساكِنهُمْ … كَما تَراهُم على الإحسانِ يَشكونَهْ
أما تَرَونَ دِيارَ القَومِ خالِيَةً … بَعدَ الجماعاتِ والأَجداثَ مَسكونَهْ
يصومُ ناسٌ عن الزَّادِ المباحِ لهُمْ … ويغتذون بلحمٍ لا يُزكُّونَهْ (٤)
وقال: [من الوافر]
إذا ما شئتُمُ دَعَةً وخفضًا … فعيشوا في البريَّةِ خامِلينا
ولا يُعقَدْ لكم أملٌ لخلقٍ … وبيتوا للمهيمنِ آمِلينا (٥)
وقال: [من المتقارب]
стр. 8958
إذا جاءكَ الموتُ فافرَحْ بِهِ … لِتَخلُصَ من عالم قد لُعِنْ
هُمُ ضربوا حيدرًا ساجدًا … وحسبُكَ من عُمَرٍ إذْ طُعِنْ (١)
وقال: [من الطويل]
إذا ما ذكَرْنا آدمًا وفِعالهُ … وتزويجَ إبْنيهِ لبنتَيهِ في الدُّنا (٢)
علِمْنا بأنَّ الخلق من أصل زِنْيةٍ … وأنَّ جميعَ الناسِ من عنصرِ الزِّنا
فأجابه القاضي أبو محمد الحسن بن أبي عُقامة من اليمن -وكان فاضلًا- فقال:
لَعمرُكَ أمَّا فيكَ فالقولُ صادقٌ … وتكذِبُ في الباقينَ مَنْ شَطَّ أو دنا
كذلِكَ إقرارُ الفتى لازمٌ لَهُ … وفي غيرِهِ لغوٌ كذا جاءَ شَرْعُنا
وقال أبو العلاء: [من الوافر]
[عليك السابغاتِ فإنَّهُنَّهْ … يُدافِعْنَ الصَّوارِمَ والأسِنَّهْ (٣)]
ومَنْ شَهِدَ الوغى وعليه درعٌ … يُلَقَّاها بنفسٍ مُطمئِنَّهْ
وحبَّاتُ القلوبِ يَكُنَّ حَبًّا … إذا دارَتْ رحاها المُرْجَحِنَّهْ
على أنَّ الحوادثَ كائناتٌ … وما تُغني الدروعُ ولا الأكِنَّهْ
وقال: [من المنسرح]
تَسَوَّقوا بِالغِنى لِرَبِّهمُ … وأَظهَروا خِيفَةً لَهُ وَدَعَوا
سعَوا لِدُنياهُم بِآخِرَةٍ … فَبِئسَ ما حاوَلوا غَداةَ سَعوا
ولَمْ يَعوا ما يَقولُ واعِظُهُم … لَكِنَّ قَولَ المُخَرِّصينَ وَعَوا (٤)
وقال: [من السريع]
بِخِيفَةِ اللهِ تَعَبَّدْتَنا … وأنتَ عَينُ الظَّالِمِ اللَّاهي
تأمُرُنا بِالزُّهدِ في هَذِهِ … الدُّنيا وما هَمُّكَ إلّا هي (٥)
стр. 8959
وقال: [من مخلع البسيط]
يا أمةً ما لها عقولٌ … وقُبْحُ ألبابِها (١) دهاها
بأيِّ جُرْمٍ وأيِّ حُكْمٍ … سُلِّطَ ليث على مهاها
[فحدِّثوني بغيرِ مَيْنٍ … عن الثُّريا وعن سُهاها] (٢)
وعُذِّرَتْ حاجَةٌ بِعُسرٍ … على لبيبٍ قَدِ اشتَهاها
وظالِمٌ عِندَهُ كُنوزٌ … من أُمِّ دَفرٍ ومِن لُهاها (٣)
كانَ إذا ما دجى ظَلامٌ … صاحَ بِأَجمالِهِ وَهاها (٤)
وقال: [من الوافر]
وجدتُ غنائِمَ الإسلام نَهبًا … لأربابِ المعازِفِ والملاهي
تُنازعُني إلى الشَّهواتِ نفسي … فلا أنا مُنجِحٌ أبَدًا وَلا هي
وكيف يصِحُّ إجماعُ البَرايا … وَهُمْ لا يجمِعونَ على الإلهِ (٥)
وقال: [من الخفيف]
لا تُهادِ القضاةَ كي تظلمَ الخَصْـ … ـم ولا تَذْكُرَنَّ ما تُهديهِ
[إنَّ من أقبحِ المعايب عارًا … أن يَمُنَّ الفتى بما يُسديهِ] (٦)
وقال: [من السريع]
نُمسي ونُصبِحُ في ضلالاتنا (٧) … وما على الغبراء إلَّا سفيهْ
فنسألُ الواحدَ (٨) إنقَاذنا … من عالم السوءِ الذي نحنُ فيه
وقال: [من البسيط]
стр. 8960
لو كان جسمك متروكًا بهيئتِهِ … بعد التَّلافِ طمِعْنا في تلافيهِ
كالدَّنِّ عُطِّلَ من راحٍ تكونُ بهِ … ولم يُحطَّمْ فعادَتْ مرَّةً فيهِ
لكنَّهُ صارَ أجزاءً مُقسَّمةً … ثم استمرَّ هباءً في سوافيهِ (١)
وذاكَ في هذه الدنيا ويبعثُهُ … يومَ القيامةِ مُخفيهِ وخافيهِ
[وفيها توفِّي]
إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد (٢)
أبو عثمان، الصابوني، النيسابوري، الحافظ، الواعظ، المفسِّر، طاف الدنيا في طلب الحديث، وسمع بهَرَاة وخراسان ونيسابور وما وراء النهر والعراق والشام والحجاز [واليمن] والهند وطبرستان وغزنة وغيرها، ووعظ بنيسابور وله سبع سنين، ولد سنة ثلاث وسبعين وثلاث مئة، [وله الكلام المليح. قال: وقدم الشام حاجًّا في سنة اثنين وثلاثين وأربع مئة، وحدَّث بدمشق ووعظ بها]، ومن شعره: [من الطويل]
إذا لم أُصِبْ [أموالكُمْ] (٣) ونوالكُمْ … ولم آمُلِ المعروفَ منكُمْ ولا البِرَّا
وكنتُمْ عبيدًا للذي أنا عبدُهُ … فمِنْ أجلِ ماذا أُتْعِبُ البدَنَ الحُرَّا
وقال أيضًا: [من البسيط]
ما لي أرى الدَّهرَ لا يسخو بذي كَرَمٍ … ولا يجودُ بمعوانٍ ومِفْضالِ
ولا أرى أحدًا في الناس مشتريًا … حسنَ الثناءِ بإنعامٍ وإفضالِ
صاروا سواسيةً في لومهِمْ شرعًا … كأنَّما نسجوا فيه بمنوالِ
ذكر سبب وفاته:
[حكى أبو الحسين الفاسي قال]: وقع وباء عظيم بنيسابور، فصعد المنبر، واجتمع الناس، ودعا، فورد كتاب من بخارى يذكر فيه أن رجلًا تقدَّم إلى خباز يشتري منه خبزًا، فدفع إليه درهمًا والخباز بخبز، فمات الخبازُ، وصاحبُ الدكان والمشتري في ساعة واحدة، فلمَّا قرأ الكتاب هاله ذلك، ثم أمر القارئ فقرأ: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ
стр. 8961
الْأَرْضَ﴾ [النحل: ٤٥] ثم بالغ في الوعظ والتخويف، وتغيَّر في الحال، وأُنزل من المنبر وهو يصيح من وجع بطنه، وحُمِلَ إلى الحمام ثم إلى بيته فأقام سبعة أيام ومات، وصلَّى عليه خلق عظيم، وقيل: مات سنة خمسين وأربع مئة، وقيل: إنه تكلم على المنبر، فغرق في علم المشاهدة، وغلب فوقع، فأقام سبعة أيام لا يفيق، وتوفي فلم يبْقَ بنيسابور بِكْرٌ ولا عانس إلا وحضَرْنَ جنازته، وكان يومًا مشهودًا في المُحرَّم.
حدَّث عن الحاكم أبي عبد الله وغيرِه، وروى عنه الخطيب وغيرُه، وكان يحضر مجالسه الأئمة، وجلس مكان أبيه وكان عمره سبع سنين، وكان أبوه عبد الرحمن من كبار العلماء الزُّهَّاد، وكان يعظ بنيسابور، ففتكوا به؛ لأجل التعصُّب في المذهب، فجلس أبو عثمان مكانَه، واتَّفقوا على فضله وزهده وورعه وصدقه وثقته.
الحسين بن أحمد (١)
ابن القاسم بن علي بن محمد بن أحمد بن إبراهيم بن طَباطَبا بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵇، النسَّابة، وُلدَ في ذي القعدة سنة ثمان وثمانين وثلاث مئة، وتوفي في صفر، وكان مميزًا من بين أهله بعلم النسب ومعرفة أيام الناس.
سعد بن أبي الفرج (٢)
محمد بن جعفر، أبو الغنائم، علاء الدين بن فسانْجِس، وزَر للملك أبي نصر بن أبي كاليجار، ونظر بواسط أول قدوم طُغْرُلْبَك إلى بغداد، ثم عصى وخطب للمصريين بواسط، وقد ذكرنا مقتله وكان يوم قُتِلَ ابنَ سبع وثلاثين سنة.
عدنان بن الشريف (٢)
الرضي، الموسوي، ولي نقابة الطالبيين بعد عمه المرتضى، وكان فاضلًا، وتوفي في رجب، روى عن أبيه وعمه.
стр. 8962
علي بن هندي (١)
أبو الحسن، قاضي حمص، ولد سنة أربع مئة، وكان فاضلًا [نزهًا عفيفًا فصيحًا]، وتوفي بدمشق ودفن بالباب الصغير، ومن شعره: [من البسيط]
تَخلُّقٌ حسنٌ إنْ لم يكُنْ خُلُقٌ … تورُّعٌ حسنٌ إنْ لم يكُنْ ورَعُ
فما أرى قيمة الدنيا وإن عظُمَتْ … أنْ تأتيَ الحرَّ ما من نفسِه يضَعُ
السنة الخمسون والأربع مئة
فيها استولى البساسيري على بغداد، وأخرج منها القائم بأمر الله، ودرس آثارها [والمعالم]، وجرى على الخليفة وداره وأهله منه ما لم يَجْرِ من الكفار، ثم إن الله تعالى أخذ [له] منه بالثأر [وكان مآلُه إلى الاستئصال والبوار]، وردَّ [اللهُ] الخليفةَ إلى مقرِّه، وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
وفي المحرَّم صرف أبو علوان ثِمال بن صالح بن الزَّوقلية أمير حلب منها، وأقطعه عكَّا وقيسارية وصيدا والبلاد الساحلية عوضًا عنها، وولَّاها صاحبُ مصر لأبي علم بن ملهم الخويلدي، وخرج صحبتَه القاضي ابن أبي عقيل قاضي صور حتى تسلَّم ابنُ ملهم حلبَ، وعاد القاضي إلى صور، وكان بقلعة حلب أبو نصر بن أبي عمران الداعي، فرتباه بحلب، وعاد الداعي إلى مصر، وفي المحرَّم بعث السلطان بِتارْتكِين إلى الخادم الخاص ومعه فَرَجيَّة ديباج مطمومةٌ بالذهب، وعمامةٌ مكبة مذهبة، وفرس بمركب ذهب إلى أخيه إبراهيم ينَّال، وأحبَّ أن يزُفَّه بملابس الخليفة، وكان إبراهيم بالموصل، وأمره السلطان بالمسير إليه عاجلًا.
وفي صفر ورد الخبرُ بأن البساسيري أقطعَ الرحبة لخاصَّته، وارتفاعها ثمانون ألف دينار، ووعد بإنفاذ ستين ألف دينار من مصر في كلِّ سنة، مضافةً إلى ذلك تنصرف في إقامة العسكر البغداديين الذين معه، وكتب إليه من مصر أن لا يعبر الفرات، ولا يتعرَّض لأعمال العراق إلى أن يرى صاحب مصر رأيه في المسالمة أو المنافرة.
стр. 8963
وقدم إبراهيم ينَّال بغداد سلخ المُحرَّم، وقيل: في صفر.
وفي صفر قصد الوزيرُ رئيسُ الرؤساء دارَ المملكة، واجتمع بالسلطان، وخاطبه في معنى أخيه إبراهيم ينَّال، وقال عن الخليفة: قد راسلتُك أيها السلطان عند وقوع الإرجاف عليه بعصيانه عليك، بأن لا تقبلَ فيه قولَ قائل، ولا تعجَلَ عليه، فللناس أغراض يبلغونها بك، ويتشوَّفون بها عندك، وقد قال الله تعالى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] وما يبلغني عنه إلا الطاعة الخالصة، والمحبة الصادقة، والموالاة المؤكدة، بحيث إنني قد اشتهيت أن أراه، وقد شوَّقني ما أسمع عنه إلى مشاهدته. فقال السلطان: إذا أمرَ أميرُ المؤمنين سيَّرتُه إلى خدمته. ثم شرع يشكوه فقال: لمَّا سلَّمتُ إليه الحبل وعوَّلتُ عليه عصى عليَّ وجاهرني، فسِرْتُ إليه، فظفِرتُ به، وعملتُ معه الجميل، ولو كان ما ذُكِرَ عنه الآن من العصيان حقًّا لسرتُ إليه بنفسي، وأخذتُه برقبته، وما أخاف إلَّا من شغلي به، فتبْقَون أنتم ها هنا بحيث يتمكَّن العدوُّ من انتهاز الفرصة فيكم. فقال له رئيس الرؤساء: بعد قَصْدِه بابَك، ووَطْئِه بساطَك، وتشرُّفه بالحضرة الإمامية المقدسة ما يكون منه ما يتوزَّع الخاطرُ لأجله، أو يقع الاهتمام بأمره. ثم شكا إليه رئيسُ الرؤساء فسادَ الجند، فقال: الأمر إليك في هذا، افعَلْ ما تراه، وقد كنتُ الساعةَ قبل حضورك تقدَّمت إلى عميد الملك بأن يتقدَّم إلى الحواشي والحُجَّاب ويقول لهم: مَنْ أرجفَ بأنِّي عائدٌ إلى خراسان أدَّبتُه وعذَّبتُه، وقد كنتُ أجوبُ الأرض حتى أصِلَ إلى هذه الرتبة من خدمة الدار العزيزة، وقد بلغتُ منها نهاية الأمنية، ولم يبقَ بخراسان مَنْ أخاف منه على بلادي، كلُّهم لبسوا خِلَعي، ودخلوا تحت طاعتي، ولا بُدَّ لي من نطحةِ الشام بعد تقضِّي الصيف، وحضورِ المهرجان.
ثم خرج رئيس الرؤساء من عنده، واجتمع بإبراهيم ينَّال، وقال له: أمير المؤمنين قد أنِسَ بقربك، وسكن إلى سلامتك، وصرَّ بما يبلغه من طاعتك. فقام وقبَّلَ الأرض وقال: أنا خادمُ الدار العزيزة، وباذلٌ مهجتي في نصرتها، وحيث ورد كتابُكَ وأمرُكَ إليَّ بالحضور سارعتُ متشرفًا بهذا المحلِّ الشريف، ومتجمِّلًا بهذا الاستدعاء الكريم، وأنا واقفٌ على الأوامر والمراسيم. فشكره الوزير، ودعا له.
стр. 8964
وفي هذا الشهر أنفذ أهل شفاثا وقلعة العين التي لمحمود بن الأخرم أمير بني خفاجة -وهي معقل الخفاجيين- إلى السلطان، فسلَّموها إليه، فأعطاها أنوشروان زوجتَه، فتسلَّمها أصحابُه.
وفيه أُخرِجَ خُمارتاش الحاجب في جماعة من العسكر إلى الأنبار، وباتِكين ويارختِكين الحاجبان إلى الموصل، وسببه أنه ورد الخبر أن البساسيري وقريش بن بدران ومَنْ معهما من الغلمان البغدادية والأكراد، قطعوا الفرات، ومدُّوا أيديَهم في أعمال الجزيرة.
وفيه ورد الخبر بأن الغلمان البغدادية شغبت على البساسيري، وقالوا: قد أقطعت الرَّحبة، وليس لنا ما يقوم بنا. وانفصل عنه جماعة إلى دمشق.
وفيها أتوا نصر بن أبي عمران الداعية، وشكوا إليه، وطلبوا أن يذهبوا إلى مصر، فنهاهم عن مصر، ووقَّع لهم بما سألوا وأرضاهم، وأعادهم إلى البساسيري، فعادوا كارهين له، فقطع عليهم الطريق بنو كلاب، فقاتلوهم، فنُصِرَ الغلمان عليهم، فقتلوا منهم، ونهبوا خيولهم، وجاؤوا إلى حلب وبها أبو علي بن ملهم، فشكوا إليه حالهم، وعرف منهم أنهم يكرهون العود إلى البساسيري، فارتبطهم عنده، وقرَّر لهم ما يرضيهم، ودخلوا إلى حلب فأقاموا بها.
وفي مستهلِّ ربيع الآخر ورد البساسيري وقريش إلى تل أعفر، وخرج عنها نائب السلطان إلى الموصل، وجاءا فنازلا الموصل، وكان غلمان السلطان يخرجون فيقاتلونهم، واستظهروا على العرب، وبلغ السلطان، فأنفذ إلى الجبال بطلب الحلباشية، وجهَّز إليهم سبع مئة غلام مع الحُجَّاب، وورد بغداد سلطان بن دُبَيس في عسكره نجدةً للسلطان، فتلقاه عميد الملك، وقبَّل الأرض بين يدي السلطان.
[وفيها في ربيع الآخرة توفِّي الملك الرحيم بن نوبة في قلعة الريِّ، ودُفِنَ بقيده].
وفي جمادى الأولى برز إبراهيم ينَّال من بغداد متوجهًا إلى الموصل، وكان بقلعتها ابنانجيل الذي خلفه السلطان بقلعة تل أعفر، جاء منهزمًا من البساسيري، وكانت كتبه متواترة إلى السلطان تطلب النجدة، وأنهم في ضيق، فأراد السلطان يسير بنفسه، فمنعه الخليفة، وأشار بتسيير إبراهيم يَنَّال، وأشار على السلطان بمداراته وإزالة علله، فامتثل
стр. 8965
وطيَّبَ قلبه، وخلع عليه خلعةً نفيسةً من ثيابه، وأعطاه مالًا، وبعث إليه الخليفة خِلَعًا وثيابًا وفرسًا من مراكبه، وراسله بألطف الرسائل، وسار نحو الموصل.
وفي جمادى الآخرة ولَّى الخليفةُ نقابة الطالبيين لأبي عبد الله بن أبي طالب نقيب الكوفة والمظالم والحج، وخلع عليه، ولقَّبه بالمرتضى ذي العِزَّين، وحضر قاضي القضاة أبو عبد الله الدامَغاني والأعيان عند رئيس الرؤساء ببيت النوبة، وخلع عليه فيه، وقرأ رئيس الرؤساء عهده، وخرج القاضي معه والحُجَّاب، وعبر إلى الجانب الغربي إلى الدار التي كان ينزلها المرتضى أبو القاسم الموسوي عند بركة زلزل، فلما كان يوم الأربعاء لخمس بَقِين من جمادى الآخرة عبر الأعيان ليهنِّؤوه، وفيهم أبو منصور بن يوسف، والشريف أبو الحسين بن المهتدي الخطيب، وأبو محمد التميمي، وجماعة، فأخذت عمائمهم في الطريق من قِلَّة الناس ببغداد وكثرة اللصوص، ومضى أبو نصر بن الصباغ إلى الجامع يوم الجمعة، فأُخِذَتْ عمامته، وكان العجم من أصحاب السلطان يفتحون الدكاكين نهارًا ويأخذون الأموال، ولا يتجاسر أحدٌ أن ينطق، وخاف الناس خوفًا عظيمًا، وعزم السلطان على نهب الجانب الغربي، وقتل من فيه من كثرة إرجافهم عليه، فمنعه عميد الملك وقال: هذا يُفضي إلى خراب البلد واندراسه.
ولمَّا سار إبراهيم يَنَال من بغداد إلى واسط أجفل بين يديه أهل تلك البلاد، وكان قد مضى إلى أزبك آل بن موسك، وعاد وهو مريض والعسكر مرضى من الوباء وجماعة المقدَّمين، فأُنزلوا في سفينة إلى بغداد، فلمَّا وصلوا إليها ماتوا، ولحق عميد الملك على خُمارتاش حزنٌ عظيمٌ، وقعد على التراب، وامتنع من الطعام والشراب، وكان يحبُّه ويعتمد عليه، ثم نقله في تابوت إلى خراسان.
وفي يوم الاثنين مستهل رجب برز السلطان خيمة نحو الموصل، فخرج إليه رئيس الرؤساء، وحمل معه خِلْعةً من خِلَع الخليفة وفرسًا، وقال: قد رسم أنَّ السلطان يسير يوم الأربعاء عاشر الشهر، فإنه اختبر من طريق النجوم، وكان الخليفةُ قد أشار على السلطان أن لا يخرج بنفسه وقال: أصحابي محصورون بالموصل، وقد قلَّ زادُهم، والبساسيريُّ قريبٌ منهم، وكنتُ قد قلت في أول الأمر: إنني أخرجُ، فمُنِعتُ، فجرى