الْأَرْضَ﴾ [النحل: ٤٥] ثم بالغ في الوعظ والتخويف، وتغيَّر في الحال، وأُنزل من المنبر وهو يصيح من وجع بطنه، وحُمِلَ إلى الحمام ثم إلى بيته فأقام سبعة أيام ومات، وصلَّى عليه خلق عظيم، وقيل: مات سنة خمسين وأربع مئة، وقيل: إنه تكلم على المنبر، فغرق في علم المشاهدة، وغلب فوقع، فأقام سبعة أيام لا يفيق، وتوفي فلم يبْقَ بنيسابور بِكْرٌ ولا عانس إلا وحضَرْنَ جنازته، وكان يومًا مشهودًا في المُحرَّم.
حدَّث عن الحاكم أبي عبد الله وغيرِه، وروى عنه الخطيب وغيرُه، وكان يحضر مجالسه الأئمة، وجلس مكان أبيه وكان عمره سبع سنين، وكان أبوه عبد الرحمن من كبار العلماء الزُّهَّاد، وكان يعظ بنيسابور، ففتكوا به؛ لأجل التعصُّب في المذهب، فجلس أبو عثمان مكانَه، واتَّفقوا على فضله وزهده وورعه وصدقه وثقته.
الحسين بن أحمد (١)
ابن القاسم بن علي بن محمد بن أحمد بن إبراهيم بن طَباطَبا بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵇، النسَّابة، وُلدَ في ذي القعدة سنة ثمان وثمانين وثلاث مئة، وتوفي في صفر، وكان مميزًا من بين أهله بعلم النسب ومعرفة أيام الناس.
سعد بن أبي الفرج (٢)
محمد بن جعفر، أبو الغنائم، علاء الدين بن فسانْجِس، وزَر للملك أبي نصر بن أبي كاليجار، ونظر بواسط أول قدوم طُغْرُلْبَك إلى بغداد، ثم عصى وخطب للمصريين بواسط، وقد ذكرنا مقتله وكان يوم قُتِلَ ابنَ سبع وثلاثين سنة.
عدنان بن الشريف (٢)
الرضي، الموسوي، ولي نقابة الطالبيين بعد عمه المرتضى، وكان فاضلًا، وتوفي في رجب، روى عن أبيه وعمه.
стр. 8962
علي بن هندي (١)
أبو الحسن، قاضي حمص، ولد سنة أربع مئة، وكان فاضلًا [نزهًا عفيفًا فصيحًا]، وتوفي بدمشق ودفن بالباب الصغير، ومن شعره: [من البسيط]
تَخلُّقٌ حسنٌ إنْ لم يكُنْ خُلُقٌ … تورُّعٌ حسنٌ إنْ لم يكُنْ ورَعُ
فما أرى قيمة الدنيا وإن عظُمَتْ … أنْ تأتيَ الحرَّ ما من نفسِه يضَعُ
السنة الخمسون والأربع مئة
فيها استولى البساسيري على بغداد، وأخرج منها القائم بأمر الله، ودرس آثارها [والمعالم]، وجرى على الخليفة وداره وأهله منه ما لم يَجْرِ من الكفار، ثم إن الله تعالى أخذ [له] منه بالثأر [وكان مآلُه إلى الاستئصال والبوار]، وردَّ [اللهُ] الخليفةَ إلى مقرِّه، وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
وفي المحرَّم صرف أبو علوان ثِمال بن صالح بن الزَّوقلية أمير حلب منها، وأقطعه عكَّا وقيسارية وصيدا والبلاد الساحلية عوضًا عنها، وولَّاها صاحبُ مصر لأبي علم بن ملهم الخويلدي، وخرج صحبتَه القاضي ابن أبي عقيل قاضي صور حتى تسلَّم ابنُ ملهم حلبَ، وعاد القاضي إلى صور، وكان بقلعة حلب أبو نصر بن أبي عمران الداعي، فرتباه بحلب، وعاد الداعي إلى مصر، وفي المحرَّم بعث السلطان بِتارْتكِين إلى الخادم الخاص ومعه فَرَجيَّة ديباج مطمومةٌ بالذهب، وعمامةٌ مكبة مذهبة، وفرس بمركب ذهب إلى أخيه إبراهيم ينَّال، وأحبَّ أن يزُفَّه بملابس الخليفة، وكان إبراهيم بالموصل، وأمره السلطان بالمسير إليه عاجلًا.
وفي صفر ورد الخبرُ بأن البساسيري أقطعَ الرحبة لخاصَّته، وارتفاعها ثمانون ألف دينار، ووعد بإنفاذ ستين ألف دينار من مصر في كلِّ سنة، مضافةً إلى ذلك تنصرف في إقامة العسكر البغداديين الذين معه، وكتب إليه من مصر أن لا يعبر الفرات، ولا يتعرَّض لأعمال العراق إلى أن يرى صاحب مصر رأيه في المسالمة أو المنافرة.
стр. 8963
وقدم إبراهيم ينَّال بغداد سلخ المُحرَّم، وقيل: في صفر.
وفي صفر قصد الوزيرُ رئيسُ الرؤساء دارَ المملكة، واجتمع بالسلطان، وخاطبه في معنى أخيه إبراهيم ينَّال، وقال عن الخليفة: قد راسلتُك أيها السلطان عند وقوع الإرجاف عليه بعصيانه عليك، بأن لا تقبلَ فيه قولَ قائل، ولا تعجَلَ عليه، فللناس أغراض يبلغونها بك، ويتشوَّفون بها عندك، وقد قال الله تعالى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] وما يبلغني عنه إلا الطاعة الخالصة، والمحبة الصادقة، والموالاة المؤكدة، بحيث إنني قد اشتهيت أن أراه، وقد شوَّقني ما أسمع عنه إلى مشاهدته. فقال السلطان: إذا أمرَ أميرُ المؤمنين سيَّرتُه إلى خدمته. ثم شرع يشكوه فقال: لمَّا سلَّمتُ إليه الحبل وعوَّلتُ عليه عصى عليَّ وجاهرني، فسِرْتُ إليه، فظفِرتُ به، وعملتُ معه الجميل، ولو كان ما ذُكِرَ عنه الآن من العصيان حقًّا لسرتُ إليه بنفسي، وأخذتُه برقبته، وما أخاف إلَّا من شغلي به، فتبْقَون أنتم ها هنا بحيث يتمكَّن العدوُّ من انتهاز الفرصة فيكم. فقال له رئيس الرؤساء: بعد قَصْدِه بابَك، ووَطْئِه بساطَك، وتشرُّفه بالحضرة الإمامية المقدسة ما يكون منه ما يتوزَّع الخاطرُ لأجله، أو يقع الاهتمام بأمره. ثم شكا إليه رئيسُ الرؤساء فسادَ الجند، فقال: الأمر إليك في هذا، افعَلْ ما تراه، وقد كنتُ الساعةَ قبل حضورك تقدَّمت إلى عميد الملك بأن يتقدَّم إلى الحواشي والحُجَّاب ويقول لهم: مَنْ أرجفَ بأنِّي عائدٌ إلى خراسان أدَّبتُه وعذَّبتُه، وقد كنتُ أجوبُ الأرض حتى أصِلَ إلى هذه الرتبة من خدمة الدار العزيزة، وقد بلغتُ منها نهاية الأمنية، ولم يبقَ بخراسان مَنْ أخاف منه على بلادي، كلُّهم لبسوا خِلَعي، ودخلوا تحت طاعتي، ولا بُدَّ لي من نطحةِ الشام بعد تقضِّي الصيف، وحضورِ المهرجان.
ثم خرج رئيس الرؤساء من عنده، واجتمع بإبراهيم ينَّال، وقال له: أمير المؤمنين قد أنِسَ بقربك، وسكن إلى سلامتك، وصرَّ بما يبلغه من طاعتك. فقام وقبَّلَ الأرض وقال: أنا خادمُ الدار العزيزة، وباذلٌ مهجتي في نصرتها، وحيث ورد كتابُكَ وأمرُكَ إليَّ بالحضور سارعتُ متشرفًا بهذا المحلِّ الشريف، ومتجمِّلًا بهذا الاستدعاء الكريم، وأنا واقفٌ على الأوامر والمراسيم. فشكره الوزير، ودعا له.
стр. 8964
وفي هذا الشهر أنفذ أهل شفاثا وقلعة العين التي لمحمود بن الأخرم أمير بني خفاجة -وهي معقل الخفاجيين- إلى السلطان، فسلَّموها إليه، فأعطاها أنوشروان زوجتَه، فتسلَّمها أصحابُه.
وفيه أُخرِجَ خُمارتاش الحاجب في جماعة من العسكر إلى الأنبار، وباتِكين ويارختِكين الحاجبان إلى الموصل، وسببه أنه ورد الخبر أن البساسيري وقريش بن بدران ومَنْ معهما من الغلمان البغدادية والأكراد، قطعوا الفرات، ومدُّوا أيديَهم في أعمال الجزيرة.
وفيه ورد الخبر بأن الغلمان البغدادية شغبت على البساسيري، وقالوا: قد أقطعت الرَّحبة، وليس لنا ما يقوم بنا. وانفصل عنه جماعة إلى دمشق.
وفيها أتوا نصر بن أبي عمران الداعية، وشكوا إليه، وطلبوا أن يذهبوا إلى مصر، فنهاهم عن مصر، ووقَّع لهم بما سألوا وأرضاهم، وأعادهم إلى البساسيري، فعادوا كارهين له، فقطع عليهم الطريق بنو كلاب، فقاتلوهم، فنُصِرَ الغلمان عليهم، فقتلوا منهم، ونهبوا خيولهم، وجاؤوا إلى حلب وبها أبو علي بن ملهم، فشكوا إليه حالهم، وعرف منهم أنهم يكرهون العود إلى البساسيري، فارتبطهم عنده، وقرَّر لهم ما يرضيهم، ودخلوا إلى حلب فأقاموا بها.
وفي مستهلِّ ربيع الآخر ورد البساسيري وقريش إلى تل أعفر، وخرج عنها نائب السلطان إلى الموصل، وجاءا فنازلا الموصل، وكان غلمان السلطان يخرجون فيقاتلونهم، واستظهروا على العرب، وبلغ السلطان، فأنفذ إلى الجبال بطلب الحلباشية، وجهَّز إليهم سبع مئة غلام مع الحُجَّاب، وورد بغداد سلطان بن دُبَيس في عسكره نجدةً للسلطان، فتلقاه عميد الملك، وقبَّل الأرض بين يدي السلطان.
[وفيها في ربيع الآخرة توفِّي الملك الرحيم بن نوبة في قلعة الريِّ، ودُفِنَ بقيده].
وفي جمادى الأولى برز إبراهيم ينَّال من بغداد متوجهًا إلى الموصل، وكان بقلعتها ابنانجيل الذي خلفه السلطان بقلعة تل أعفر، جاء منهزمًا من البساسيري، وكانت كتبه متواترة إلى السلطان تطلب النجدة، وأنهم في ضيق، فأراد السلطان يسير بنفسه، فمنعه الخليفة، وأشار بتسيير إبراهيم يَنَّال، وأشار على السلطان بمداراته وإزالة علله، فامتثل
стр. 8965
وطيَّبَ قلبه، وخلع عليه خلعةً نفيسةً من ثيابه، وأعطاه مالًا، وبعث إليه الخليفة خِلَعًا وثيابًا وفرسًا من مراكبه، وراسله بألطف الرسائل، وسار نحو الموصل.
وفي جمادى الآخرة ولَّى الخليفةُ نقابة الطالبيين لأبي عبد الله بن أبي طالب نقيب الكوفة والمظالم والحج، وخلع عليه، ولقَّبه بالمرتضى ذي العِزَّين، وحضر قاضي القضاة أبو عبد الله الدامَغاني والأعيان عند رئيس الرؤساء ببيت النوبة، وخلع عليه فيه، وقرأ رئيس الرؤساء عهده، وخرج القاضي معه والحُجَّاب، وعبر إلى الجانب الغربي إلى الدار التي كان ينزلها المرتضى أبو القاسم الموسوي عند بركة زلزل، فلما كان يوم الأربعاء لخمس بَقِين من جمادى الآخرة عبر الأعيان ليهنِّؤوه، وفيهم أبو منصور بن يوسف، والشريف أبو الحسين بن المهتدي الخطيب، وأبو محمد التميمي، وجماعة، فأخذت عمائمهم في الطريق من قِلَّة الناس ببغداد وكثرة اللصوص، ومضى أبو نصر بن الصباغ إلى الجامع يوم الجمعة، فأُخِذَتْ عمامته، وكان العجم من أصحاب السلطان يفتحون الدكاكين نهارًا ويأخذون الأموال، ولا يتجاسر أحدٌ أن ينطق، وخاف الناس خوفًا عظيمًا، وعزم السلطان على نهب الجانب الغربي، وقتل من فيه من كثرة إرجافهم عليه، فمنعه عميد الملك وقال: هذا يُفضي إلى خراب البلد واندراسه.
ولمَّا سار إبراهيم يَنَال من بغداد إلى واسط أجفل بين يديه أهل تلك البلاد، وكان قد مضى إلى أزبك آل بن موسك، وعاد وهو مريض والعسكر مرضى من الوباء وجماعة المقدَّمين، فأُنزلوا في سفينة إلى بغداد، فلمَّا وصلوا إليها ماتوا، ولحق عميد الملك على خُمارتاش حزنٌ عظيمٌ، وقعد على التراب، وامتنع من الطعام والشراب، وكان يحبُّه ويعتمد عليه، ثم نقله في تابوت إلى خراسان.
وفي يوم الاثنين مستهل رجب برز السلطان خيمة نحو الموصل، فخرج إليه رئيس الرؤساء، وحمل معه خِلْعةً من خِلَع الخليفة وفرسًا، وقال: قد رسم أنَّ السلطان يسير يوم الأربعاء عاشر الشهر، فإنه اختبر من طريق النجوم، وكان الخليفةُ قد أشار على السلطان أن لا يخرج بنفسه وقال: أصحابي محصورون بالموصل، وقد قلَّ زادُهم، والبساسيريُّ قريبٌ منهم، وكنتُ قد قلت في أول الأمر: إنني أخرجُ، فمُنِعتُ، فجرى
стр. 8966
على عسكري ما جرى، ولا بُدَّ من الخروج، فخرج وطلب من الخليفة مالًا ينفقه في الغلمان، فبعث إليه بمال سرًّا لا يدري ما مَبْلَغُه، ولمَّا خرج السلطان رأى في عسكره قلَّةً، فشقَّ عليه، وقال لعميد الملك: هلَّا أخبرتني لأتوقف حتى تجتمع العساكر. وكان عدة من معه نحوٌ من ألفي غلام.
وفي رابع رجب هرب جماعةٌ من أصحاب السلطان من قلعة الموصل، فسَلِمَ البعضُ، وغَرِقَ البعض، وبقي منهم جماعةٌ في القلعة، وكانت العامة عليهم تقاتل، ثم جاء البساسيري فنزل دار الإمارة، وكان يقيم فيها نهاره، ويخرج منها إلى عسكره ليلًا، ووصل أصحاب السلطان من الجبل، وجاءته العساكر، وسار يوم الجمعة لأربع بَقِينَ من رجب، ولمَّا قَرُبَ من الموصل هرب البساسيريُّ وقريش بن بدران وأهل الموصل، فهدم السلطان قلعة الموصل، ونزل العسكر في دور أهل الموصل، ولم يكن بقي منهم بها أحد، وكان شتاء، فنقض العسكر أخشابها وأوقدوها، وخرب أكثرها، وإنما هرب أهل البلد لأنهم قاتلوا أصحاب السلطان الذين كانوا في القلعة، ولم يَطُلْ مقامُ السلطان بها، وسار إلى نَصِيبين، فلمَّا قَرُبَ منها ولم يَبْقَ بينها وبينه إلا ليلة واحدة خرج إليه شيوخها، وبذلوا عن البلد ثلاثين ألف دينار تُدفع إلى العسكر، فالتمس منهم مئة ألف دينار، وقال: ما يكفي العسكر أقلُّ منها. وبات أهل البلد على أسوأ حال، فأصبحوا فلم يروا للسلطان والعساكر أثرًا، وذلك يوم الأربعاء ثالث عشر رمضان، والسبب فيه أنَّ إبراهيم يَنَّال استشعر من السلطان وما زال إبراهيم عنه نافرًا، وقيل: إنه كان يكاتب البساسيري باطنًا، وأشار عليه البساسيري بالعصيان لأخيه، وأطمعه أن ينفرد بالملك ويساعده على ذلك، وكان رئيس الرؤساء قد ظفر بكتاب المصري والبساسيري إلى إبراهيم يَنَّال بذلك، فأخذ الوزير الكتب من الجاسوس وأطلقه، ولم يُسِئْ إليه ليتألَّف قلب إبراهيم، فعاد فِعْلُه بالوبال وسوء الحال، فإن الجاسوس مضى من فوره إلى إبراهيم يَنَّال، والتقاه في تلك الليلة وأخبره، فانزعج وسار في الليل في قطعة عظيمة من الجيش إلى هَمَذان، ولم يشعر السلطان لأنه كان بعيدًا عنه، ولمَّا علم سار فعدا خلفه خوفًا أن يسبقه إلى هَمَذان وبها حلل التركمان فيملكها، ويأخذ من هَمَذان ما بها من خزائن السلطان وأمواله وذخائره وسلاحه، وتقدَّم إلى خاتون وعميد
стр. 8967
الملك وأنوشروان بن خاتون وجميع الحاشية حتى طبيبه ومنجمه الذين لم يخلوا قط من صحبته بالانحدار سرعة إلى بغداد، ليمضي هو جريدة بنفسه خلف إبراهيم، ثم يكاتبهم من هناك بما تقتضيه الحال، فانحدروا مُجِدِّين، فدخلوا بغداد يوم الاثنين رابع شوال، وأمَّا السلطان فإنه وصل إلى هَمَذان ليلة الخميس الحادي والعشرين منه، ثم وصل إبراهيم يَنَّال بعده إلى حلل التركمان، فحلَّفهم واستوثق منهم أن لا يصالح أخاه، ولا يُكلِّفهم المسير إلى العراق من بلادهم ولا إلى غيرها، ولا يستوزر وزيرًا إلا برأيهم، فحلف لهم، وتحصَّن السلطان بهَمَذان، وقاتل أهلُها بين يديه، ووردت كتبه إلى عميد الملك وخاتون بالإسراع إليه والعسكر الذين معهم ليتقوَّى به، فعزمت خاتون على المسير، فمنعها الخليفة خوفًا من انصراف الجند وخلوِّ البلد، وقال لها عميد الملك: مَنْ يوصلنا إلى هَمَذان والعساكر مُحيطةٌ بها، ومتى ظفر بنا إبراهيم كان وهنًا عليكِ وعلى السلطان؟! ودفعها رئيس الرؤساء عن ذلك، وشرع عميد الملك باطنًا في ترتيب أنوشروان ابنها من خُوارَزم شاه في الإمارة، وطالبه العسكر بالمال، فأنفق فيه عميد الملك قطعةً من ماله ومال خاتون ومال أنوشروان، وساعدهم الخليفة بالغِلال، ومن الناس أيضًا، وأعلم عميد الملك لرؤساء الترك بما عزم عليه، وأطلع ابنانجيل وعمر على شيء منه، فلم يَرَيا أنوشروان أهلًا، فنقضا عليه ما دبَّره، وبلغ عميد الملك ذلك، فأحفظه، فلمَّا كان يوم السبت الخامس والعشرين من شوال حضروا في دار المملكة، فقال عميد الملك لعمر: ما تدع الفساد على السلطان، ولا تصفي نيَّتك له، وقد بلغني أنك تفسد العسكر لإبراهيم، وتحملهم على مفارقة باب الخليفة، ونحن بإزاء هذا العدو -يعني البساسيري- فقال له عمر: أنت تعلم من هو ذا يسعى في الفساد -يشير إليه- ولكن قد كرهتَ كوني معك، وأنا ألحقُ بالسلطان، وأدَعُكَ، فنفر من ذلك، ونهض عازمًا على القبض عليه، وأحسَّ عمرُ، فخرج وجرَّد سيفه، وركب فرسه، ومضى إلى داره، واعترضه جماعة من أصحاب عميد الملك، فلم يقدروا عليه، واتَّبعه ابنانجيل مائنًا لعميد الملك، خائفًا منه، ووصل عمر من ساعته في غلمانه وخاصَّته بالأسلحة والسيوف المسلَّلة إلى الجبل، وجاءت رسالة خاتون إلى رئيس الرؤساء بإصلاح ما بين ابنانجيل وبين عميد الملك؛ لئلَّا يلحق بعمر فيتضاعف
стр. 8968
الضرر، فأحضره رئيسُ الرؤساء، واستحلفه على الطاعة للخليفة والسلطان وعميد الملك، وأخرج له من حضرة الخليفة دست ثياب تشريفًا له وتطييبًا لقلبه، فخرج من دار رئيس الرؤساء وقت العتمة، فسار متبعًا لعمر من غير التفات إلى ما حلف عليه في الديوان، ودخل عميد العراق إلى بغداد لمَّا مضى السلطان إلى الجبل واختلَّت الأمور عليه، وكان مقيمًا بواسط لجباية الأموال، فأصعد إلى بغداد، ودخلها في شوال.
وفي ليلة السبت ثامن شوال نقب جامع المنصور، وأخذ منه المطرز الذي ينصب عليه المنبر والستر والسجادة وثياب المكبرين.
وفي ليلة الثلاثاء ثامن عشره كانت بين المغرب والعشاء زلزلةٌ عظيمةٌ، ولحق الناس منها خيفةٌ شديدة، ووصلت الأخبار بأنها اتصلت من هَمَذان إلى بغداد وواسط وسَقي الفرات وعانة وتكريت، وكان ببغداد رَحًى تدور فبطلت، وبعد هذه الزلزلة بشهر أخرج القائم من داره وجرى ما جرى، ولمَّا خرج ابنانجيل وعمر اتبعهما جميع من كان ببغداد من التركمان والأتراك، ولم يرضَ أحد منهم بتأمير أنوشروان عليه، وقد كان عميد الملك خاطب الخليفة على أنوشروان وإظهاره في الملك، فقال الخليفة: هذا أمرٌ ينبغي [أن] يُستر، فقد تحدَّث الناس (١) بوفاة ركن الدين، فإن فعلنا ذلك صحَّ ما أرجفوا به، وطمع فينا العدو، والمصلحة الآن تدبير العساكر؛ لئلا يخلو البلد منهم، وهذا الأمر لا يفوت. وبعث رئيس الرؤساء إلى أبي الأغر دُبيس يستحِثُّه في القدوم إلى بغداد خوفًا من البساسيري، فقدم يوم الاثنين ثاني ذي القعدة في مئة فارس، فنزل النجميَّ مقابل دار الخليفة، واستأذن في ضرب الطبل على باب خيمته في أوقات الصلاة، فأذن له في بعضها، فلمَّا كان يوم الأربعاء إذا بعميد الملك وأنوشروان قد عبرا دجلة وهجما على دُبيس الخيمة في مئة غلام، فاستشعر وظنَّ السوء، فخرج إليهما وعرَّفاه أنهما هربا من خاتون، وأنها أرادت القبض عليهما، فضرب لهما خيمةً وأنزلهما فيها. وقيل: إن خاتون كانت على اللحاق بالسلطان خوفًا من أن ينحدر البساسيري إلى بغداد، وأيضًا فبلغها أن السلطان قد دخل ببنت الملك أبي كاليجار بن بويه، وأنه قد مال إليها، وخافت أيضًا أن يعلم السلطان بما عزم عليه أنوشروان وعميد
стр. 8969
الملك، فربما أنه يحيد عن رأيهما، فعزمت على القبض عليهما. وقيل: إن كتاب السلطان ورد عليها بالقبض عليهما؛ لأن الخبر وصله بما شرعوا فيه، فأطلعَتْهُما على الكتاب، وأشارت عليهما بالانصراف، فلمَّا عبرا دجلة ونهبَتْ دورَهما، واستدعَتْ الحلباشية والتركمان وحاشية السلطان، وأخبرتهم بذلك، وأطلقت لسانها في عميد الملك وأنوشروان، وأنهما منعاها من اللحاق بالسلطان لسوء نيتهما، وأظهرت الندم على إفلاتها لهم (١)، وتقدَّمت إلى الجماعة بالمسير، ورحلت بكرة يوم الأربعاء خامس ذي القعدة، فبعث إليها الخليفة بالتوقف، فزبرت الرسول وسارت، وخاف الحريم من عبث العرقية يعني حريم دار الخلافة، فرمى الناس أقمشتهم في الآبار، وأقام الوزير على أبواب الدروب من يحفظها وباتوا على وجل، وسار الغُزُّ مع خاتون ونهب من تخلَّف منهم دارَ المملكة وما فيها من السلاح والرجال، وكان شيئًا كثيرًا، وعبر عميد الملك من خيم ابن مَزْيد وقت العصر إلى بيت النُّوبة، واجتمع رئيس الرؤساء، واستقرَّ الرأي مع الخليفة عبور ابن مَزْيد إلى الجانب الشرقي لتهمتهم إيَّاه بالبساسيري، وجرَتْ بينهم وبينه مراسلاتٌ إلى أن عبر يوم الخميس سادس ذي القعدة، وتواترت الأخبار بانحدار البساسيري وقريش ونزولهما على هِيت منتهزين الفرصة في بغداد، ولم يبقَ مع عميد الملك غير غلمانه، فانحدر إلى دير العاقول يوم الخميس طالبًا خُوزستان، فلقي في طريقه أبا كاليجار هزارسب، وكان قد استُدعِيَ إلى بغداد، فعرَّفه مسير خاتون بالعساكر، فرجع معه ومضيا جميعًا إلى الأهواز، وأما أنوشروان فسار لاحقًا بوالدته، وكثُرت الأخبار بقرب البساسيري، وضعُفَتْ نفس الخليفة ووزيرِه، ورجع الناس وخصوصًا حاشيةُ الخليفة وخدمُه، وقال الخليفة: مَنْ أراد الانصراف فلينصرِفْ فإني خارج من البلد. فأخرج الناسُ أموالهم وأولادَهم إلى شاطئ دجلة، وضجَّ النساء والأطفال، وأنزل الحاشيةُ والعجمُ أموالهم إلى السفن. وفي وقت هذه الثورة صاح على دار الخليفة نحو عشر بومات صياحًا مزعجًا، وكرَّرت تكريرًا موحشًا. [قلت: وأهل العراق يتطيَّرون من صياح البوم ويتشاءمون بهنَّ، وليس في صياحهنَّ بؤسٌ ولا شؤم، وقد يوافق صياحهنَّ جريان القدر في بعض الصور، وفي الخبر الذي اشتهر: "لا
стр. 8970
عدوى ولا طِيرة ولا هامة ولا صفر" (١)]. ولمَّا تحقَّق أبو الأغر دُبيس وصولَ البساسيري قال لرئيس الرؤساء: مَنْ بقي من ها هنا من هؤلاء العجم يدافع، والرأي عندي خروجي وخروجك عن البلد وانحداركما ومَنْ يتعلَّق بكما في دجلة إلى البلاد السفلية، بحيث تأمنا عدوَّكما، ويجتمع هزارسب معي في خدمتكما، ويجتمع إليكما مَنْ نقوى به. فوافق على هذا الرأي، وخاطب الخليفةَ مراتٍ، فأجابه إليه، ثم صعب عليه مفارقةُ داره وماله، وسمع من والدته ما قوَّى قلبه وعزمه في المقام، فاجتهد به رئيس الرؤساء في الانحدار، فأبى، فقال دُبيس: قد محَّصتُ الرأي، وأنا أتقدم إلى ديالى، فإن قبلتُم انحدرتُ في خدمتكم، وإن تكن الأخرى فالله يقيكم ويدافع عنكم وانصرف إلى ديالى، وأقام متوقعًا خروج الخليفة، ولم يُقبل، وانحدر معه قوم من الحواشي، وخاف الغُزُّ من غدره فتوقَّفوا، وأقام الخليفة على كُرْهٍ وضرورةٍ لا عن رأي وإرادة، وجمع إليه من بقي، وأمر بإصعاد العجم من السفن التي كانوا يبحرون فيها، وخرج عميد العراق أبو نصر أحمد المستوفي لينحدر، فخرج الخليفة بنفسه إليه فردَّه، واجتمع مع الخليفة نحو مئة فارس وألف راجل، وأمر أهلَ الجانب الغربي أن يعبروا إلى الجانب الشرقي، وأمر الزُّهيري وابن اليدن الحنان وابن المُذْهِب -وهم رؤوس الفتن- أن يعبروا إلى الجانب الشرقي إلى الحريم، ومضى رئيس الرؤساء وعميد العراق إلى دار المملكة، وأخذ من الساج الذي فيها ما صلح، وضربا الباقي بالنار، واحترق بيتٌ كبير يقال له: السُّبُكْتِكيني، بناه سُبُكْتِكين حاجب مُعِزِّ الدولة، كان فيه السلاح، ولمَّا بنى عضد الدولة دار المملكة وغيرها لم يتعرَّض لهذا البيت، وقال: هذا فخر بني بويه، يشاهده الناس في دار المملكة. ودخل يوم الجمعة سابع ذي القعدة أو سادس عشره غلمان من البغدادية الذين مع البساسيري إلى بغداد إلى الجانب الغربي، واجتازوا بالكَرْخ، فوثب إليهم أهل الكَرْخ، وخلفوا دوابهم، ودَعَوا لهم وللبساسيري ولصاحب مصر، وسبوا رئيس الرؤساء، وكان أبو طالب كامرو بن الملك أبي كاليجار محبوسًا في دارٍ في الجانب الغربي، فأخرجوه وشدُّوا له علمًا أحمر، وأقاموه بإزاء دار المملكة، وبعثوا إلى البساسيري يخبرونه بدخولهم بغداد وما فعلوا،
стр. 8971
ويستحثونه على لحاقهم، وأقاموا مع كامرو إلى وقت المساء، ثم حمله إلى قرية عَقْرَقُوف (١)، فباتوا بها، ووافاهم البساسيري، وقيل: لم يُصلِّ الناسُ الجمعة بجامع المنصور، وإنما صلُّوا الظهر بغير خطبة، ونزل البساسيري يوم السبت بعَقْرَقُوف، ولقيه كامرو فلم يَرَ عنده ما قدَّره، وجهده بما يكره، وحصل في جملته غيرَ مُهتَمٍّ بأمره، ولا مُراع لحقِّه، فلما كان يوم الأحد ثامن ذي القعدة دخل بغداد، فخرج إليه أهل الكَرْخ، وتضرَّعوا في أن يجتاز عندهم، فعدلَ معهم، ودخل الكَرْخ، فنثروا عليه الدنانير والدراهم، وعليه جبة عتابي، وعمامة خَزٍّ، وكان دائمًا ينتخب الملابس الفاخرة، وعن يمينه أبو الحسن بن عبد الرحيم، وعن يساره من الغلمان البغدادية العددُ القليلُ، وعلى رأسه نحو من عشرين قصبة من القنا، منها عشرة ملبَّسة بالفضة مشدودة، عليها تسعة مطارد سقلاطون، مكتوب عليها بالذهب والفضة: الإمام المستنصر بالله أبو تميم مُعِدُّ أمير المؤمنين، ومنها عشرة ملبَّسة بالحرير الأحمر، على واحدة منها راية بيضاء، منسوجٌ فيها بالذهب اسم المستنصر أيضًا، فنزل بمشرعة الزوايا، ونزل قريش في نحو من مئتي فارس في مشرعة لباب البصرة في بني عقيل، ولمَّا استقرَّ بالقوم المنزل ركب عميد العراق من الجانب الشرقي في العسكر وحواشي الدار والخدم والهاشميين والعلويين والعوام، وقد ألبسهم السلاح، فكانوا عددًا كثيرًا، ومعهم فيلٌ صغيرٌ حمله السلطان إلى الخليفة لمَّا زفَّ إليه ابنةَ أخيه، وضربوا الدَّبادب والبوقات، وصاحوا عليهم إلى آخر النهار، ثم انصرفوا ولم يجاوَبوا بكلمة من عسكر البساسيري بكلمة ولا فعل، ونُهِبَتْ دارُ قاضي القضاة أبي عبد الله الدامغاني، وكانت بالجانب الغربي، وتلف أكثرُ السجِلَّات والكتب الحكمية، ونُهِبَتْ دور المتعلقين على الخليفة والعجم، إلا من كان في داره فإنهم لم يتعرضوا له ولا لداره، وأوصى البساسيريُّ الغلمان أن لا ينهبوا ويُحسِنوا العشرة مع الناس، وطرحت النار في باب البصرة، وكان أكثرُ أهلها قد عبروا (٢) إلى دار الخليفة، فنُهِبَتْ وأُحرِقَتْ، واجتهد البساسيري في منع ذلك فلم يقدر؛ لأن أهلَ الكَرْخ أظهروا ما كان في قلوبهم، وخرج مَنْ بقي من أهل باب البصرة
стр. 8972
عراةً ومعهم النساء والأطفال، وقعدوا على الطرق والدكاكين، وكان الزمانُ شتاءً، والبرد شديد، فمات أكثرُهم، وأعاد أهل الكَرْخ الأذان بحيَّ على خير العمل، وأظهروا الفرح والسرور والتشفي بإزاء ما قاسوه من الخوف والذُّلِّ، وعملوا راية بيضاء وكتبوا عليها اسم المستنصر، ونصبوها في وسط الكَرْخ، وعقد البساسيري الجسر عند باب الطاق ليضيِّق رجله، وجرى بينه وبين عميد العراق حربٌ على عقده، وجمع إليه البساسيري العوامَّ وأهلَ الكَرْخ، وأطمعهم في نهب دار الخليفة، واجتمع إليه العيَّارون، وكان كلُّ مَنْ عبر إليه إلى الجانب الغربي خلع عليه وزفَّه بالبوقات والدبادب، وخطب بجامع المنصور للمستنصر، وألبس الخطيب والمؤذنين الثياب البيض، وزيد في الأذان: حيَّ على خير العمل، وركب عميد العراق إلى جامع الرُّصافة، وأقام الخطبة للقائم على العادة، ولمَّا تكامل الجسر والقتالُ يُعمَلُ عليه سيَّر جماعةً يوم الاثنين سادس عشر ذي القعدة، فوافاهم عميد العراق عند الزاهر، واقتتلوا، فانهزم عميد العراق ومَنْ كان معه، وقُتِلَ من الدَّيلم نحو من ثلاثين رجلًا، وعبر البساسيري بعسكره، وخرج إليه عميد العراق وبنو هاشم وغيرهم، وقاتلوه من نهر مُعلَّى إلى باب أبْرَز، وكان القتالُ يُعمل كلَّ يوم، وخُطِبَ يومَ الجمعة بجامع الرُّصافة للمستنصر أيضًا، وكان الخطيب في جامع المنصور والرُّصافة يقال له: ابن شعيب الأَرَّجاني، وكان شريرًا مبغضًا، وكان البساسيري يعرفه بالشر، فنال من الخليفة ومن رئيس الرؤساء [على المنبرين، وكان عميد العراق ورئيس الرؤساء] (١) والخدم والزهيري وابن اليدن وابن المذهب القاص يقفون بباب النُّوبي، ويقاتلون ويجمعون العوامَّ ورئيسُ الرؤساء يحرِّضهم ويقول: اقتلوهم حيث ثقفتموهم، وكان النساء يقاتِلْنَ وبأيديهنَّ الدفوف، وحُفِرَتِ الخنادق والآبار حول دار الخلافة، وخلا جانب الحلية من المقاتلين، واشتغلوا بحفظ باب النُّوبي، فلما كان يوم الأحد التاسع والعشرين من ذي القعدة قصد البساسيريُّ دارَ الخلافة من ناحية باب النُّوبي، وعرف العوامُّ خلوَّ باب الأزج والحلبة، فجاؤوا إلى ناحية باب الأزج، وهدموا حائطًا، وأحرقوا أماكِنَ، وعلم البساسيري، فساق إليهم، فوجدهم قد اشتغلوا بالنهب من باب الأزج، ولمَّا
стр. 8973
رآهم أصحابُه ينهبون شرعوا في النهب، فبقي في عسكر قليل، وحمل أصحاب عميد العراق إليه، وقتلوا أحدَ مماليكه، فانصرف وقد غاظه ما جرى، ونادى في أصحابه: من نهبَ حلَّ دمه، وباكر القتال من غدٍ عند الحلية، وكان عميد العراق واقفًا بباب أبْرَز في أصحابه وهو مستظهرٌ عليهم، ولو قبل رئيس الرؤساء رأيه لطال الأمرُ، ولكنه عدل إلى رأي نفسه، وجاء إلى باب الحلية فشجَّعه القاضي أبو الفضل الهَمَذاني، وقال: افتَحْ لي الباب لأخرُجَ إلى هذا الكلب وآخذ به برقبته، ولم يكن رئيس الرؤساء يقيم الحرب، ولا له به خبرة، ففتح الباب، فخرج أبو الفضل فيمَنْ يخلف عن عميد العراق من العجم، ومعه الخدم والخواصُّ والهاشميون والعوام إلى الحلية، وانتشروا فيها، وعميد العراق في باب أبْرَز، ووقف رئيس الرؤساء بالباب يُفرِّق النُّشَّاب، فاستجرَّهم البساسيري إلى آخر الحلية، ثم أكَبَّ عليهم فانهزموا، وقُتِلَ من الخدم والخواصِّ جماعةٌ، وكذا من الهاشميين، منهم: أبو علي بن أبي تمام نقيب الهاشميين، وجماعةٌ كبيرة، واستأمن بعضُهم، وازدحم في باب الحلية خلقٌ فمات منهم جماعةٌ، منهم القاضي أبو الفضل الهَمَذاني وجماعةٌ من العوام حتى امتلأ العقد بهم، وصَعِد الناس على القتلى، وازدحموا فوقهم، وهرب رئيس الرؤساء إلى دار الخلافة، ورجع البساسيري إلى معسكره، وعبر العوام وغيرهم من دار الخلافة إلى الجانب الغربي، وأخذوا نساءهم وأموالهم، ونهبوا حريمَ الخلافة، وخرج رئيس الرؤساء إلى باب النُّوبي، واستدعى عميدَ العراق وقال له: احفَظْ باب العامة، وكُنْ على سور دار الخلافة. ودخل إلى القائم وقد أطاف بالقائم خدَمُه وخواصُّه، فقال له: ما الرأيُ يا علي؟ فقال: تحفظ الدار، ويكون القتال على السور، ونسألُ الله حُسنَ المقدور. فقال له بعض الهاشميين: يا رئيس الرؤساء، قامرتَ في الدولة العباسية فقمرتَها، وبينا هم على ذلك إذ سمعوا صراخًا في الدار، فقال: انظروا ما هذا؟ قالوا: العوامُّ والعسكر دخلوا الدار، ونهبوا ديوان الخاص، ودواب الخدم والخواص، وأشاروا على الخليفة بالركوب ليشاهده الناس، فإمَّا يرجعوا، وإمَّا استُذِمَّ قريشٌ، فركب وعليه السواد، وعلى كتفه البردة، وبيده سيفٌ مُجرَّد، وعلى رأسه اللواء (١)، والهاشميون حولَه
стр. 8974
والجَواري حاسراتٌ [ناشراتٌ] (١) الشعورَ، معهنَّ المصاحف على رؤوس القصب، وبين يديه الخدم بالسيوف المسلَّلة، فوجدوا جماعةً من النَّهابة قد وصلوا باب الفردوس (٢)، فقتلوهم ورجع إلى باب العامة يريد عميد العراق، فوجده قد استأمن إلى قريش بن بدران، ورمى أكثرُ أصحابه سلاحهم، واستأمنوا معه، فعاد إلى الحلية الصغيرة، وعرف أن البساسيري وقريشًا في الحلية الكبيرة، فصعد إلى منظرة له، واطَّلع رئيس الرؤساء وصاح بقريش: يا علم الدين، أمير المؤمنين يستدنيك. فدنا إلى تحت المنظرة، فقال: قد آتاك الله رتبة لم ينَلْها أمثالُك، وأحلَّكَ منزلةً لم يُحِلَّها أشكالَك، فإن أمير المؤمنين يستذمُّ منك على نفسه وأهله وماله وأصحابه بذمام الله تعالى وذمام رسوله ﷺ وذمام العرب. فقال قريش: قد أذمَّ الله له. قال: ولي ولمن معه؟ قال: نعم. وخلع قَلنسوةً من تحت عِمامته، وأعطاها ذمامًا للخليفة، وأعطى مِخْصَرته لرئيس الرؤساء ذمامًا، ففتح الباب، ونزل الخليفة ورئيس الرؤساء إلى قريش، وحصلا معه، فقبَّل قريش الأرضَ دفعاتٍ، وكان ابنُ المسلمة قد تسرَّح من الحائط فنزل، وبلغ البساسيري، فأرسل إليه يقول: أتذمُّ لهما وقد استقرَّ بيني وبينك ما اسْتَحلفتُكَ عليه؟! وكانا عند انحدارهما قد تحالفا أن لا ينفرد أحدهما عن الآخر بشيء، ويكون العراق بينهما نصفين. فقال قريش: ما عدلتَ عن ما استقرَّ بيننا عدول ابن المسلمة -يعني رئيس الرؤساء- فخُذْه وأنا آخذ الخليفة. فرضي بذلك، وبعث رئيسُ الرؤساء إليه مع منصور بن مَزْيَد، فحين رآه البساسيري قال: مرحبًا بمدمِّرِ الدولة، ومُهلِكِ الأمم، ومُخرِّبِ البلاد، ومُبيدِ العباد. فقال له: أيها الأجلُّ، العفو عند المقدرة. فقال: قد قدرتَ فما عفوتَ، وأنتَ تاجرٌ صاحبُ طيلسان، ولم تُبْقِ على الحريم والأطفال والأموال، فكيف أعفو عنك وأنا صاحب سيف، وقد أخذتَ أموالي، وعاقبتَ حرمي، ونفيتَهم إلى البلاد والقلاع، واعتقلتَهم فيها، وقتلتَ أصحابي، ودرسْتَ دوري، وسبيتني وأبعدتني، وفعلتَ تلك الأفاعيل، ولكن هذا من تصوُّرك الفاسد، وعقلك الناقص. واجتمع العامة على ابن المسلمة، ولعنوه وسبُّوه
стр. 8975
وهمُّوا به، فأخذ البساسيري بيده، وسيَّره إلى جنبه؛ خوفًا عليه من العامة، ولم يزَلْ يوبِّخه ويُعنِّفه -وهو يعتذر إليه- ويستعطفه، وحلَّ الركابية حزامَ البِرْذَون الذي كان تحته ليسقط ويتمكن منه العامة، فسقط، فوقف البساسيري حتى أركبه، ومضى به إلى خيمته، وانتزع أحدُ الأتراك ما كان عليه، وألبسه قميصَ خَزٍّ وعمامةً لطيفةً بيضاءَ، وقيَّده بقيدٍ، ووكَلَ به، وحصل في يده جميعُ مَنْ كان يطلبه، مثل: ابن المردوسي، وأبي عبد الله بن الدامغاني قاضي القضاة، وهبة الله بن المأمون، وأبي علي بن السيرواني، وأبي عبد الله بن عبد الملك، وكان من التجار الكبار، وبينه وبين البساسيري عداوةٌ، وكان قد سكن دار الخليفة خوفًا منه على ماله ونعمته، وظفر بالسيدة خاتون بنت الأمير داود زوجة الخليفة، فأحسن معاملتها، ولم يتعرَّض لها، وسلَّمها إلى أبي عبد الله بن جردة البيع، وأما قريش فحصل في يده الخليفة، وعميد العراق، وأبو منصور بن يوسف وولده، فحُمِلَ الخليفةُ إلى معسكره راكبًا، عليه الثياب السُّود، وعلى كتفه البُردةُ، وبيده سيفٌ مسلول، وعلى رأسه اللواء، فمال، فأنزله قريش خيمةً لطيفةً، ومعه من خواصِّ خدمه ريحانُ وموفق وعفيف، ووكل بالخيمة قومًا من أصحابه، ولحق الخليفةَ ذَرَبٌ عظيم، فامتنع من الطعام والشراب، فسأله قريش وألحَّ عليه حتى أكل وشرب، ثم إن قريشًا أذمَّ لأبي عبد الله بن جردة، وكان تاجرًا، لم يُدخِلْ نفسَه في غير التجارة، وأخذ أبا منصور بن يوسف وابنيه إلى حُلَّته وأكرمَه، وأصلح حاله مع البساسيري، وكان ابن جردة قد ضمن لقريش عشرةَ آلاف دينار إن حمى له داره وما فيها من أموال التجارة، فحماها، وعبر العوامُّ من الكَرْخ وغيرِه يوم الثلاثاء، فأحرقوا رباط أبي سعيد الصوفي بباب المدرسة النظامية، ثم صعدوا إلى دار الخليفة وفتحوا أبوابها ونهبوها، وأُخذ منها من الأموال والجواهر والثياب والأواني والياقوت والمصاغ وجميع الأشياء ما لا تُحصر قيمتُه، واستغنى أهلُ الكَرْخ والعرب والغلمان، فلما كان يوم الأربعاء رفع البساسيريُّ النَّهبَ عن دار الخليفة، واستُخرجَتِ الأموالُ منها، واقتسمها البساسيريّ وقريشٌ على ما اتَّفقا عليه، وقُتِلَ ابنُ المُذْهِب القاص بباب النُّوبي، وأفلت الزُّهيري وابنُ اليدن الحيَّان، وكان هؤلاء الثلاثة القائمين القاعدين المتهدِّدين والمتوعِّدين، وكان في قلوب الناس منهم ما فيها، وعبر
стр. 8976
البساسيريُّ بابن المسلمة إلى حريم ابن طاهر، واعتقله فيه، وثقَّله بالحديد، وضربه بيده ضربًا مُبرِّحًا حتى انتفخت قدماه، فَفُكَّ قيدُه حتى سكنت، ثم أُعيد القيد، واعتُقل أيضًا القاضي ومَنْ سَمَّينا، وواصل العقوبة عليهم، وأقام بالحريم، وجعله داره، وشدَّ الفِيلَة على بابه، وطلب الخليفةَ من قريش فلم يفعل، فاتَّفقا على أن أيديهما متساوية في حفظه، وأن لا يكون في يد أحدهما إلى أن يتقرَّر لهما عزمٌ في بابه، وأن يبعثا به إلى مهارش صاحب الحديثة، وأن يكون معتقلًا عنده، وعرف الخليفة ذلك، فخاف أن تكون مكيدة، فراسل قريشًا في المجيء إليه، فامتنع، فقام الخليفة ومشى إلى خيمة قريش، ودخل عليه، وعلق بذيله، وقال: قد عرفتَ ما استقرَّ من إبعادي عنك، وإخراجي من يدك (١)، وما سلمتُ نفسي إليك، إلَّا لمَّا أعطيتني ذمامك الذي يلزمك الوفاء به، وقد دخلتُ عليك بذمام آخر، فاللهَ اللهَ في نفسي، فإنك إن أسلمتني أهلكتني وضيَّعتني، وما ذاك معروف في العرب. فقال له: ما ينالُكَ سوءٌ، ولا يلحقُكَ ضيمٌ، غير أن هذه الخيمة ليست لك بدار مقام، وأبو الحارث لا يُؤثِر مقامك معه في هذا البلد، وقد جرى ما جرى في أمرك، وأنا أنقلك إلى الحديثة وأُسلِّمك إلى ابن عمي مهارش، وفيه دين وتألُّه، فلا تخَفْ، واسكُنْ إلى مراعاتي لك، وعُدْ إلى مكانك. فلمَّا يئس منه قام عنه وهو يقول: لله أمرٌ هو بالِغُه. واسترجع، وعبر قريش ليلة الأربعاء تاسع ذي الحجة إلى الجانب الغربي، فضرب خيمةً بقرب جامع المنصور، وحُمِلَ الخليفةُ إلى المشهد بمقابر قريش، وقيل له: تبات الليلة فيه. فامتنع وقال: هؤلاء العلويُّون الذين به أعدائي ويشنؤوني، وربما جرى منهم قولٌ قبيح. فلم يلتفت إليه، وأُلزم الدخول، وبات في بعض البيوت، وكان القصد في إدخاله المشهد لما جرى على المشهد من الحريق والهوان، وفِعْلُ الزُّهيري وابن اليدن إنما كان عن أمره وإيثاره، فأرادوا الموافقة له على ذلك، وأنه عوقب بدخوله إليه، فأصبح أصحاب البساسيري وأصحاب قريش فتسلموه وأقعدوه في هودج على جمل وحده، وساروا به إلى الحديثة، فلمَّا بلغ الأنبار شكا وصولَ البرد إلى جسمه، وطلب شيئًا يلبسه، فلم يجد، وعرف شيخ من مشايخ الأنبار -يقال له: ابن مهدويه- ذلك، فأنفذ إليه جُبَّةَ بُرْدٍ
стр. 8977
فيها قطنٌ، وبقيارًا (١) ولحافًا، وكتب الخليفة رقعةً من هناك إلى بغداد يتلطَّف فيها بالبساسيري وقريش، ويسألهما إعادتَه إلى بغداد، وإحسانَ العشرة، وحلف بالأيمان المؤكِّدة على براءة ساحته من جميع ما نُسِب إليه، فلم يقع التفات إليها، ولا رَدَّ جوابًا عنها، وركب البساسيريُّ يوم الخميس العاشر من ذي الحجة إلى المُصلَّى في الجانب الشرقي، وعلى رأسه الألوية المضربة، وأكثرُ مَنْ في موكبه من العجم، وكانوا سبع مئة، فدنا منهم ولم يتعرَّضْ لهم، وعبر في طيار الخليفة، وعلى الطيار أعلام المصريين، فصلَّى العيد ونحن بين يديه، وأبو منصور بن بكران حاجب الخليفة على رأسه في النحر، وعليه ثياب بياض، وضرب البساسيري دنانير سمَّاها المستنصرية، وكان على جانبه: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، عليٌّ وليُّ الله. وعلى الجانب الآخر: عبد الله، ووليُّه الإمام المستنصر بالله أبو تميم معد أمير المؤمنين، وأما دُبَيس فإنه كان مقيمًا بديالى، ولمَّا بلغه ما جرى رحلَ منها، ودخل بغداد يوم السبت الثاني عشر من ذي الحجة، والتقاه البساسيري وقريش، وفي جملتهم أبو عبد الله المردوسي وجماعة من الحاشية؛ طمعًا أن يُصلحَ حالهم مع البساسيري، وضرب خيمةً على الصراة، وكان البساسيريُّ يقبض في الليل على جماعةٍ ويُفرِّقهم، وقدم عليه مَنْ كان بواسط من الغلمان والعجم، فاستخدمهم وطيَّب قلوبهم، وأقفر حريم دار الخلافة، ولم يبقَ فيه إلا عددٌ يسير، وخربتِ الدُّور والمساكن والأسواق، وكان بتكريت أصحابُ السلطان طُغْرُلْبَك، رتبهم عند عوده من الموصل، فندب البساسيريُّ رجلًا -يقال له: حيدر- من العجم، كان قد خدم البساسيريَّ، وقال: تمضي مع قريش لحصار تكريت.
وفي ذي الحجة غرَّق البساسيريُّ قومًا من العجم همُّوا بالفتك به، وغرَّق معهم جماعةً من العيَّارين ظفر بهم، فيهم الزُّهيري، وكان الزُّهيري لمَّا أُنزل في السفينة ليُغرَّق سأل بعض الملَّاحين -وكان من أهل السنة- أن يَحُلَّ كِتافَه (٢) ففعل، وسبح،
стр. 8978
وانحدر إلى مشرعة القصب، وصعد إلى زورق، فاستكَنَّ فيه من البرد، وأنكره ملَّاحوه، فضمن لهم خمسة دنانير، [على أن يحملوه إلى مربعة القطانين، فحملوه، فدخل دار العُكْبَري معلِّم أولاد ابن المسلمة، وأخذ من أحد أقاربه خمسة دنانير] فدفعها إليهم، وخاف العسكر أن يشيع ذلك فيُغَرِّمَه البساسيري عوضه، فبعث إلى البساسيري وأخبره، فأخذ الزهيري فقتله، وطُرِح في دجلة، وأمَّا ابن اليدن فإنه هرب إلى النهروان، فبعث به ناظر النهروان إلى البساسيري، فجاء به فارسان إلى الزاهر ليلًا، فناما، وهرب في الليل، وسبح (١) إلى باب البصرة، واختبا عند امرأةٍ فسَلِم.
وفي يوم الاثنين لليلتين بقِيتا من ذي الحجة قُتل رئيس الرؤساء، وسنذكره إن شاء الله تعالى.
وفي هذا اليوم ورد ركابيٌّ إلى بغداد ومعه كتابٌ إلى دور أحد حُجَّاب السلطان يخبر فيه أن السلطان كان محاصرًا بهَمَذان، وورد الخبر إلى أخيه إبراهيم يَنَّال أن زوجة السلطان واصلةٌ بالعساكر والخزائن، فحرص على أخذها، وبعث بقطعة كبيرة من العسكر وراءها، وتبعها أكثر التركمان طمعًا في نهب ما معها، ففلَّ عسكر إبراهيم يَنَال منهزمًا، وسار السلطان إلى الريِّ، ولحقت به خاتون، وفاتت التركمان، وعادوا فوجدوا أموالهم قد نُهبت، ووصلت خاتون بالسلطان وسلمت، وكان ابنُها أنوشروان معها مقيَّدًا، وقد كان لحقها بحلوان، فقيَّدَتْه واستصحبَتْه معها، فلمَّا رآه السلطان على تلك الصورة رَقَّ له، وفَكَّ قيدَه، وأفرج عنه. وكان البساسيريُّ لمَّا دخل بغداد أسر يارَخْتِكين حاجب السلطان، وكانت زوجتُه مع خاتون، فسألت السلطان أن يفدي زوجَها بنساء البساسيري وأولادَه، فأجابها، وبعث كتابًا إلى بدر بن المهلهل الكردي ليتسلَّم يارَخْتِكين، ويُسَلِّمَ أولاد البساسيري.
وفيه أفرج البساسيريُّ عن قاضي القضاة أبي عبد الله الدامغاني بعد أن قرَّر عليه ثلاثة آلاف دينار، وضمنه حموه ابن السِّمناني عليها، وأدَّى سبع مئة دينار، وسكت البساسيريُّ عن الباقي، ووصل الخليفة إلى الحديثة، والتقاه مهارش البدري، وكان حسنَ الطريقة، يخدم الخليفة بنفسه.
стр. 8979
وفيها قدم الحسن بن الحسين (١) بن حمدان -الملقب بناصر الدولة ذي المجدين- من مصر أميرًا على دمشق، فأقام بها واليًا إلى سنة اثنتين وخمسين وأربع مئة، وندب إلى حلب لقتال بني كلاب، فتوجَّه إليهم، وجرت له معهم وقعات، منها وقعة الفنيدق، فكُسِرَ ابنُ حمدان كسرةً عظيمةً قُتِلَ أكثرُ عسكره، وأُسِرَ الباقون، ومضى إلى مصر جريحًا. وقيل: كانت في شعبان.
وقال الرئيس أبو يعلى حمزة بن أسد بن علي التميمي: وفي سنة خمسين وأربع مئة وصل الأمير ناصر الدولة أبو محمد الحسن بن الحسين بن حمدان إلى دمشق واليًا عليها دفعةً ثانيةً بعد أن ولي (٢) يوم الاثنين النصف من رجب، فأقام يجمع أموالها، ويسوس أحوالها، إلى أن ورد عليه الأمر من مصر بالمسير إلى حلب، فتوجَّه إليها في ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين، واتفقت الوقعة المشهورة عند الفنيدق بظاهر حلب يوم الاثنين مستهلَّ شعبان، فانهزم ناصر الدولة مفلولًا جريحًا، واستولت العرب على ما كان معه. قال المصنف ﵀: ومعنى قوله: ورد دمشق دفعة ثانية؛ أن ناصر الدولة كان قد ولي دمشق سنة ثلاث وثلاثين بعد أمير الجيوش أنوشْتِكين، وورد في صحبة ناصر الدولة إلى دمشق الشريف فخر الدولة أبو يعلى حمزة بن الحسن بن العباس بن الحسن بن الحسين أبي الحسن نقيب الطالبيين، فأقام ناصر الدولة إلى سنة أربعين، فعُزِلَ في رجب، وحُمِلَ مقبوضًا عليه إلى مصر.
[وفيها] تُوفِّي
داود جُغري بك (٣)
أخو السلطان طُغْرُلْبَك، وهو الأكبر، ولم يقدم بغداد، وكان مقيمًا بخراسان بإزاء أولاد محمود بن سُبُكْتِكين وداود حمو القائم، وكان عاقلًا شجاعًا مدبِّرًا حليمًا جوادًا، رضي بخراسان، وكانت وفاته ببَلْخ، ومضى ولداه ياقوتي وقاوَرْت بك من
стр. 8980
حضرة السلطان؛ جهَّزهما إلى أخيهما المتملِّك الأمر بعد أبيهما، واسمه أَلْب أرسلان، وقرَّر (١) السلطان أمورهم، وكان بأصبهان، وقد عزم على قصد العراق.
[وفيها تُوفِّي]
طاهر بن عبد الله بن طاهر (٢)
أبو الطيب، الطبري، القاضي، الشافعي، ولد سنة ثمان وأربعين وثلاث مئة بآمُل، وتفقَّه بخراسان والعراق، وابتدأ بدرس الفقه والعلم وله أربعة عشر سنة، فلم يُخِلَّ به يومًا واحدًا حتى مات، وولي القضاء بربع الكَرْخ [بعد موت الصَّيمري. وذكره أبو إسحاق الشيرازي في "طبقات الفقهاء" (٣) وأثنى عليه، وقال]: وكان حسن الخُلق، دفع إلى خفَّافٍ خُفًّا ليصلحه، فكان يمرُّ عليه فيتقاضاه، فإذا رآه الخفَّاف أخذ الخُفَّ وغمسه في الماء وقال: الساعةَ أُصلحه. فلمَّا طال عليه ذلك مرَّ به يومًا، فأخذ الخُفَّ وغمسه في الماء على العادة، فقال له [أبو الطيب]: يا هذا، إنما دفعتُه إليك لتُصلِحه لا لتُعلِّمه السباحة.
[قال الخطيب]: وتُوفِّي يوم السبت لعشر بَقِين من ربيع الأول، وصلَّى [عليه] أبو الحسين بن المهتدي بجامع المنصور، [وحضرتُ الصلاة عليه]، ودفن بباب حرب، وقد بلغ [من السنِّ] مئة سنة وستين سنة، وهو صحيح العقل، ثابت الفهم، سليم الأعضاء والسمع والبصر، على رسمه في الجدال والنظر يقضي، ويفتي إلى حين وفاته، وكان يقول: رأيت النبيَّ ﷺ في المنام، فقال لي: يا فقيه. وكان يفرح بذلك، ويقول: سمَّاني رسول الله ﷺ الفقيه.
وقال الخطيب: أنشدني أبو الطيب لنفسه: [من البسيط]
ما زلتُ أطلبُ علمَ الفقهِ مُصطبرًا … على الشدائدِ حتى أُعقَبَ الظَّفَرا
فكان ما كان من درسٍ ومن سهرٍ … في عُظْمِ ما نِلْتُ في عُقباهُ مُغتَفَرا
стр. 8981
حفظتُ مأثورَهُ حفظًا وثِقْتُ بهِ … وما يُقاسُ على المأثورِ مُعتَبَرا
صنَّفتُ في كلِّ نوعٍ من مسائلِهِ … غرائبَ الكُتْبِ مبسوطًا ومختصَرا
إذا انتضيتُ بياني عن غوامضِهِ … حَسَرتُ عنها قناعَ اللَّبْسِ فانحَسرا
وإنْ تحرَّيتُ طُرْقَ الحقِّ مجتهدًا … وصلتُ منها إلى ما أعجزَ الفِكَرا
وكنتُ ذا ثروةٍ لمَّا عُنيتُ بهِ … فلم أدَعْ ظاهرًا منها ومُدَّخَرا
أقولُ بالأثرِ المرويِّ متَّبِعًا … وبالقياسِ إذا لم أعرفِ الأثَرا
وما أُبالي إذا ما العلمُ صاحبَني … ثم التقى فيه أنْ لا أصحبَ البَشَرا
ثَنَتْ عناني عنه هِمَّةٌ طمِحَتْ … إلى الهوى فاستطابَتْ عندهُ الصَّبرا
إذا أضقتُ سألتُ اللهَ مقتنِعًا … كفايتي فأطابَ الورْدَ والصَّدَرا
وقال أبو الوفاء علي بن عقيل الحنبلي: حكى لي بعض أهل العلم أن أبا الطيب الطبري صعد من سُمَّارية وقد تمَّ له عَشر المئة، فقفز منها إلى الشطِّ أمدًا بعيدًا، فقال له بعض مَنْ حَضَر: يا سيدنا، لا تفعَلْ هذا، فإن أعضاءك تضعف عنه، وربما أورثَتْ هذه الطفرةُ فتقًا. فقال له: يا هذا، إن هذه أعضاءُ حفظناها من معاصي الله في الصِّغَر، فحفِظَها علينا في الكِبَر.
عبد الله بن علي بن عياض (١)
أبو محمد، الصُّوري، ويُلقَّب بعين الدولة، كان جليلًا نبيلًا، ولي القضاء بصور، وسمع الكثير، وخرَّج له الخطيب فوائد في أربعة أجزاء، وقرأها عليه بصور، وكانت وفاته فجأةً في الزِّيْب قريةٍ بين عكا وصور، في شوال، وكان فاضلًا صدوقًا ثقةً.
ويقال: إن الخطيب قطعه من تصانيفه وادَّعاها لنفسه.
علي بن الحسن (٢)
ابن أحمد بن محمد بن عمر بن الحسن بن عبيد بن عمرو بن خالد بن الرُّفَيل، أبو القاسم، الوزير، [ابن المُسْلِمَة] (٣)، والرُّفَيل من أولاد كسرى أبرويز، أسلم في
стр. 8982
زمن عمر بن الخطاب ﵁، وهم أهل بيت رئاسة ومكانة، وتقدُّمٍ وعدالةٍ وفضائل، والمُسلمة جدَّتُهم من قِبَل الأم، واسمُها حميدة بنت عمرو، أسلمت سنة ثلاث وستين وثلاث مئة، وتزوَّجت يزيد بن منصور الكاتب، فأولدها ابنَه أبا جعفر محمد بن يزيد، وأولدها أبو جعفر أمَّ كلثوم واسمها قُرَّةُ العين، وهي ابنةُ المُسلمة، فتزوَّجها أبو القاسم الحسن بن عبيد بن عمر بن خالد، وبنوه بها يُعرفون ببني المُسلمة، وكان الوزير أحدَ الشهود العدول المبدئين ببغداد، ثم استكتبه القائم بأمر الله، واستوزره ولقَّبه رئيس الرؤساء، شرف الوزراء، جمال الوزراء، ومولده في شعبان سنة تسع وتسعين وثلاث مئة، وكان مضطلعًا بعلوم كثيرة، مع سداد رأي، ووفور عقل. قال: رأيتُ في منامي كأنَّني وَطِئت على نَبْقةٍ كبيرةٍ، فأخذتُها فملأتْ كفي، وأُلقي في رُوعي أنها من الجنة، فعضضتُ منها عضةً، ثم نويتُ بذلك حفظ القرآن، وعضضتُ أخرى ونويت درس [الأصول، وعضضتُ أخرى ونويتُ درس] الفرائض، وأخرى ونويتُ النحو والعربية، فما عِلْمٌ من هذه إلا وقد رزقني الله منه.
وقال لأبي إسحاق الشيرازي في قول القائل لزوجته: إن دخلتِ أو خرجتِ إلَّا بإذني فأنتِ طالق، هل يُكتفى بإذنه فيه مرةً واحدة؟ قال: لا. قال الوزير: أليس قولُه: إن دخلتِ شرطٌ، وهو لا يقتضي التكرار، فلا حاجة إلى اعتبار الإذن في كل مرة؟ فقال أبو إسحاق: عَوِّلوا على هذا الدليل في المسألة.
ذِكْرُ مقتله:
[حكى الخطيب وقال]: لمَّا كان يوم الاثنين لليلتين بَقِيتا من ذي الحجة، أُخرِجَ [الوزيرُ أبو القاسم ابن المُسلمة] من حبس البساسيري بالحريم الطاهري مقيَّدًا، وعليه جُبَّة صوف وطرطور من لُبدٍ أحمر، وفي رقبته مخنقةٌ فيها جلود مثل التعاويذ، على جمل، ووراءه إنسان يضربه بقطعة من جلود، وابن المُسلِمة يقرأ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦]، وشُهِّرَ ببغداد، ومرُّوا به في الكَرْخ، فنثروا عليه خُلْقان المداسات، ولعنوه وسبُّوه، وأُوقف بإزاء دار الخلافة ساعةً، ثم أُعيد إلى العسكر عند سوق المارستان، وقد نُصِبت له خشبةٌ بباب خراسان بإزاء تربة الحال، فحُطَّ من الجمل، وخيَّطوا عليه جلد ثور قد سُلِخَ في الحال، وجُعِلَتْ قرونُه على رأسه، وعُلِّق
стр. 8983
بكُلَّابين من حديد في فكَّيه (١)، ولمَّا أصعدوه الخشبة قال: قولوا للأجلِّ: قد بلغتَ أغراضَك مني، فاصطنعني لتنظر خدمتي، وإن قتلتني فغدًا يأتي سلطان خراسان فيُهلك العباد والبلاد. فسبُّوه واستقوه (٢)، وكان البساسيريُّ قد أمر أن يُتْرَكَ الكُلَّابان في تَرقوته ليبقى حيًّا أيامًا، يُعذَّب ويُطعم في كلِّ يوم رغيف لحفظ نفسه، فخاف متولِّي أمره أن يعفو البساسيري عنه، فضرب الكُلَّابين في مقتله، فقال عند موته: الحمد لله الذي أحياني سعيدًا، وأماتني شهيدًا. ولم يزل يضطرب عامة نهار الاثنين، ومات في آخره (٣).
[وذكر محمد بن عبد الملك الهَمَذَاني في تاريخه وقال]: ومن أعجب الاتفاقات أنَّه لمَّا ولي [الوزير أبو القاسم، الوزارة ركب إلى جامع المنصور بعدما خلع عليه، فأتى إلى تلٍّ وهو في موكبه، فقال: هذا مكانٌ مباركٌ، وفيه صُلِبَ الحلَّاج، وكان بيتَ عبادة قديمًا، ثم نزل فصلَّى ركعتين، وأخذَتْه رعدةٌ شديدةٌ، فقال الناس: هو حلَّاجيُّ المذهب. فأقام في الوزارة اثنتي عشرة سنة، ثم صلب في ذلك المكان بعينه، فعلم الناس (٤) أنَّ رعدته كانت لذلك، وبلغ من العمر اثنين وخمسين سنة.
[وقال الخطيب: سمع أبا أحمد الفرضي وغيره]، وكان بين مقتله ومقتل البساسيري سنة. [قيل: في السنة الآتية في ذي الحجة أيضًا، وطيف برأسه ببغداد، في الجانبين، وسنذكره.
وفيها تُوفِّي]
علي بن محمد بن حبيب (٥)
أبو الحسن [القاضي]، الماوردي، البصري، الإمام، الفاضل، الشافعي [كان أحد الأئمة الفضلاء]، له تصانيفُ حِسان، منها: التفسير، وسمَّاه: "النكت"، وكتاب
стр. 8984
"الحاوي"، و"الأحكام السلطانية"، و"قوانين الوزارة"، وكتاب "الأمثال والحكم"، وكتاب "الإقناع"، وولي القضاء ببلدان كثيرة، وكان محترمًا عند الخلفاء والملوك [وقد ذكرنا قصته مع جلال الدولة، وامتناعه من الفتوى في قولهم: شاهنشاه، وأرسله القائم إلى طُغْرُلْبَك، فأعطاه ثلاثين ألف دينار، وقد ذكرناه]، وكان زاهدًا عابدًا ورعًا مَهيبًا، ما رأى أصحابُه شيئًا من بدنه قط، [وكان يقول: بسطتُ الفقه في أربعة آلاف ورقة.
وقال محمد بن الصابئ وغيره]: تُوفِّي بعِلَّة الفالج يوم الثلاثاء سلخ ربيع الأول، ودُفن بمقابر باب حرب، وقد بلغ ستًّا وثمانين سنة [وبينه وبين أبي الطيب عشرون يومًا]، وكان ثقةً صالحًا، سيِّدَ أهل زمانه.
السنة الحادية والخمسون وأربع مئة
فيها في يوم الخميس ثاني المُحرَّم انصرف أبو الأغر دُبيس بن صدقة عن بغداد على غضب ومنافرة، وخيَّم على صرصر، فركب البساسيريُّ إليه، فردَّه وحدَه بغير مُخيَّمه، وبلغ له بعض غرضه، وانصرف يوم الأحد رابع المُحرَّم إلى بلده غير راضٍ، وسببه أنه كان قد احتجم عن المجيء إلى بغداد لمعاونة البساسيري؛ لعلمه ما اتَّفق عليه البساسيريُّ وقريش، ووقع فتحُها، فخاف من التأخَّر، واضطُرَّ إلى المجيء، وعرف ما أُخِذ من دار الخلافة وما أخذ قريش من الأموال الجليلة والأعمال المقسومة على تأخُّره، ونقم البساسيريُّ عليه بسبب ذلك، وخاطب البساسيريُّ في أمر أبي عبد الله بن المردوسي وحاشية الخليفة، وأن يُؤمنهم على نفوسهم، ويردَّهم إلى منازلهم، فلم تقع إجابة، ونسب البساسيريُّ أبا عبد الله المردوسي أنه منع زهرة جاريته وولديها المعتقلين بالجبل من الهرب حتى التجؤوا إلى داره، وسلَّمهم إلى ابن المُسلمة، فاعتذر المردوسي وأنكر، وقال: غُلِبتُ عليهم. فلم يقبَلْ عذره، ثم طالبه دُبيس بإقطاعه من السلطان، فما ردَّه، فرحل إلى بلاده وفي نفسه ما فيها.
وفي هذا الشهر تصالح أبو منصور بن يوسف مع البساسيري بواسطة قريش، وركب البساسيري وقريش إليه، وكان قد ضمن على نفسه مالًا يحمله إليهما.
стр. 8985
وفي هذا الشهر كتبت والدة القائم إلى البساسيري -من مكان كانت فيه مستترةً- رقعةً تشكو إليه ما لَحِقَها من الأذى والضرر، وهي جارية أرمنية قد ناهزت التسعين، فأفرد لها دارًا في الحريم، وأعطاها من جواريها جاريتين تخدمانها، وأجرى عليها في كل يوم اثني عشر رطلًا من الخبز، وأربعة أرطال لحم (١).
وفي يوم الثلاثاء لليلتين بقِيَتا من المُحرَّم أصعد قريشٌ إلى تكريت ومعه خاتون بنت أخي السلطان زوجة القائم، وعميد العراق مقيدًا، وكان قد راسل (٢) البساسيريُّ قريشًا في معناه، وقال: ما يجيءُ منه خير، وما في أصحاب طُغْرُلْبَك أشرُّ منه، فدعني أصلُبْه إلى جانب ابن المُسلمة، وأُعطيك من مالي خمسة آلاف دينار. فلانَ قريشٌ -وكان شحيحًا- وعلم عميدُ العراق، فراسل قريشًا وقال: أنا أفتَحُ لك قلعة تكريت، فإنَّ فيها من لا يخالفني، ثم أعطيك مالًا كثيرًا، وأُنفِذُ زوجتي إلى خراسان تُحضره. فبعث إليه البساسيريُّ بسببه، فقال قريش: أنا ما أستبقيه، وقد استقرَّ أنه يدفع إليَّ القلعة [ومالًا، فابعَثْ معي صاحبك، فإذا فُتحتِ القلعةُ] (٣) سلَّمتُه إليكَ فتقتله، فبعث معه سُخْتِكين أحدَ غلمانه الأتراك، ولم يعلم العميد بذلك، ولمَّا وصل قريشٌ إلى تكريت لم تكن له على فتح القلعة قدرةٌ ولا حيلة، فقال لعميد العراق: قد حفظتُ مُهجتَكَ من أبي الحارث مع علمِكَ بما تردَّد منه فيك، فراسلِ القومَ بتسليم القلعة كما وعدتني. فاستدعى قومًا من العجم، وراسلَ مَنْ في القلعة بالتسليم، فلمَّا حصلوا في القلعة اجتمع من فيها ووقفوا على سورها، وسبُّوا قريشًا ولعنوه، وقالوا: يا ملعون، أين ذِمامك للخليفة ورئيس الرؤساء وأعهُدِكَ وقد جرى عليهما ما جرى؟ وبالغوا في لعنته، وظنَّ قريش أن العميد وطن إليهم بذلك، فرحل عن البلد يوم الاثنين ثاني عشر صفر طلبًا للموصل بعد أن سلَّم عميد العراق إلى سُخْتِكين، وأنفذ معه صاحبًا له، فحطُّوه في سُمَّارية، وكتَّفوه وغرَّقوه.
وفي يوم الاثنين ثاني عشر صفر جمع البساسيريّ قاضي القضاة أبا عبد الله الدامغاني وأبا منصور بن يوسف وأبا الحسين بن الغريق الهاشمي الخطيب وجماعةً من
стр. 8986
وجوه العباسيين والعلويين، وأخذ عليهم البيعة للمستنصر، واستحلفهم له، وكان ذلك في دار الخليفة، وهو معهم جالس في مجلس الخليفة (١).
وفي صفر أصعدَ ابنُ البساسيري الأصغر إلى الرَّحبة للمُقام فيها، ومجيءِ أخيه الأكبر فيها، وكتب البساسيريُّ كتابًا إلى مصر مع ختِكين، وبعث أبا طالب كافور بن الملك أبي كاليجار بن بُوَيه والفِيلة الصغيرة فقط، ولم يبعث مالًا ولا غيره، وكان البساسيريُّ مستوحشًا من أبي الفرج بن المغربي وزير مصر؛ لقبيحٍ كان يبدو منه في حقِّه، وإهمالٍ لمراسلته، واطراحِ جانبه، وإزراءٍ على رسله، وصوَّر ابنُ المغربي في نفس صاحب مصر أنَّ هذا قد أخذ الأموال، واستولى على البلاد، وهو بين أمرين؛ إمّا أن يقوى علينا فيفعلَ بنا كما فعل بالغير، أو يكون طريقًا إلى مجيء العساكر الخراسانية إلى بغداد ثم إلى الشام، وأنَّ الذي فعله ما كان برجاله ولا باجتهاده، وإنما كان بسعادتنا ومالنا، وكان في الكتاب إلى مصر: سلامُ الله على سيدنا ومولانا الإمام المستنصرِ بالله أميرِ المؤمنين -وصلاتُه وتحيّاتُه- المُنتجبِ من العنصر الطاهر، والشيخِ ذي المفخر الباهر، والكوكب الطالع الزاهر، المستخلَص لحفظ الدين ورعاية الأمم أجمعين، أصدرَ مملوكُ المواقف المقدسة- زاد الله في أنوارها، وأعَرَّ (٢) كافر (٣) أنصارها -وأطال الدعاء، إلى أن قال: وأمكنتِ الفرصةُ في بلوغ الغرض؛ من قصد العراق، والانتقام من أهل الشقاق، وإقامة الدعوة الشريفة في الآفاق، فحينئذ سار في خَفارة (٤) أدعية المواقف الشريفة، والبركاتُ عليه غادية ورائحة، وأيدي الرشيد ليمينه معاهدةٌ مصافِحة، فكان دخولُه بغداد في يوم الأحد ثاني ذي القعدة في طالعٍ توفَّرَتْ سعودُه، وعظُمَتْ جدودُه، وانتظمَتْ عقودُه، فألفى مدينة السلام متهدِّمةَ البنيان، ساقطةَ الجدران، قائمة على عروشها، مَرْتعا لِبُومِها ووُحوشِها، ووجد أهلَها كما [لو] نُبِشوا من القبور؛ لما قاسوه من تصاريف الأمور، فوقع دخولُه عندهم موقعَ الشفاء من
стр. 8987
الألَم، والبرء من السَّقَم، وتلقَّوه مُتنسِّمين نسيمَ السلامة، راجين افتتاح تلك الغمامة، مُتمسكين به تمسّكَ الولد بالوالد، والطالب للواجد، فتعطَّفَ عليهم بقلبٍ خاشع، وطَرْفٍ دامع، ثمَّ إنه أقام الدعوة في الجانب الغربي، وعقد الجسر وأقامها في الجانب الشرقي، وخيَّم بمكان يقال له: الزاهر، وهو على دجلةَ في وسط البلد قريب من الدار، التي احتقنَتْ فيها الآثامُ والأوزار، فآذَنَتْ بالخِذْلان والبوار، وكان أعداءُ الله الطاغون قد جمعوا ما يزيد على أحد عشر ألف نفْسٍ من التُّرك والعجم والهاشميين والخَوَل، ظنّا منهم أنهم يُثبِتون المقارعة والمساجلة والمنازعة، إلى أن تأتيهم من خراسان نجدةٌ تُخلِّصهم من الحصار، ويكون بعدوّهم سببًا إلى الرجوع والانكسار، وكانوا في مضايقَ لا تجول فيها الخيول ولا تتمكن، وإن كثُرَ فهو مقهور إلى يوم الاثنين سلخ ذي القعدة، فإنهم فتحوا بابًا من الأبواب، ورشقوا بالنُّشّاب، فأكبَّ عليهم الشجعان، وركبتهم الفرسان، فما كانت إلا ساعة من ساعات الزَّحْف، حتى حلَّ بهم الخَسْف، وصاروا تحت أيدي الخيول كالسحيق، ودماؤهم تنزل كالرحيق، فأجلَتِ الوقعةُ عن القتلى، وهم ثمان مئة نفس، فيهم نقيب الهاشميين والقاضي النائب عن عميد العراق، وابن المأمون، وغيرهم، فاستأمن منهم جَمّ غفيرٌ، منهم: العميد، وخلقٌ كثير، وملك العباسي -يعني الخليفة- وقاضي القضاة، والحجَّاب، والأعيانُ، والأصحاب، ووقعوا كالسمك تحت الشبك، ونُهِبَتِ الدار، وأُخِذَ منها من الأموال والجواهر واليواقيت والخيل والثياب ما يكثر عددُه، ولا يُحصى أمدُه، وحُمِلَ العباسيُّ إلى حديثة عانة محتاطًا عليه إلى أن يخرج الإذن الشريف في معناه، وأمَّا ابن المُسلمة فإنَّه عذَّبه بأنواع العذاب، وصلبه على أقبح الوجوه، وجعله عبرةً لمعتَبِر، وموعظةً لمفتَكِر، وذكر كلامًا طويلًا، وكتب إلى العزيز كتابًا من هذا الجنس، وصادر البساسيريُّ كتابَ الخليفة والوزير وغيرهم على ألوف كثيرة.
وفي ربيع الأول خرج البساسيري إلى زيارة المشهدين، وكان دُبيس بمُطيراباذ، فراسله بأن يجعل طريقه عليه، فجاء إليه، فخرج واستقبله وأضافه، وسأله في معنى أبي عبد الله المردوسي، فاستعفاه من الخطاب في أمره، وعدَّد أشياء كانت في نفسه، ثمَّ استقر بينهما الانحدار إلى واسط، وتدبَّر أمر أبي كاليجار هزارسب -وكان بالبصرة-
стр. 8988
إما صلحًا وإما حربًا، وعاد البساسيري إلى المدائن، وأقام ينتظر الغلمان، وأنفذ مَن ابتدأ بنقض تاج [قصر] الخليفة، فنقضت شرافاته، فقيل له: هذا ممَّا لا معنى له، والقباحة فيه أكثر من الفائدة. فأمسَكَ عنه، وجاءته كتب الوزير ابن المغربي، وكان كاتَبَ صاحبَ مصر أبي نصر بن أبي عمران بصفات (١) ما تأثَّل له من الحرمات بهذا الفتح، ولم يكتب إليه صاحب [مصر] (٢) جوابًا.
وفي يوم السبت سلخ ربيع الأول عاد البساسيري إلى بغداد، وتلقى ابنَه الواصلَ من الرَّحبة في ثاني ربيع الآخر، وقَدِم صُحْبتَه يارَخْتِكِين الحاجب المأسور بالموصل مُقيَّدًا في عَمّارية، وضُرِبَتِ القبابُ بالجانب الغربي لابن البساسيري، وطيَّبَ ابنُه قلوبَ الناس ومحالَّ أهل السنة، وحمل الناس على شرع واحد. وفي هذا اليوم وصل غلام ليارَخْتِكِين يخبره بحصول حرم البساسيري بشَهرزُور عند بدر بن المهلهل، وذكر أن السلطان ظفر بإبراهيم ينَّال ومحمد وأحمد ولدي أرباش أخوي إبراهيم ينّال وقتلهما، وخَنَقَ إبراهيمَ بوتر قوسه، وقَتل ألوفًا من التركمان، وهربوا، وجاء السلطان بعد أن كسرَ إبراهيمَ والتركمانَ إلى الري، واجتمع بخاتون.
قال محمَّد بن الصابئ: لما انهزم إبراهيم عن هَمَذان كاتبَ إخوته محمدًا وأحمدَ، واستعان بهما، فسار إليه في نحو ثلاثين ألفًا، ونزل بقزوين وبينها وبين الري عشرون فرسخًا، وخرج السلطان من الريِّ إليه وواقعه، فظهر عليه إبراهيم، فعاد إلى الريِّ، فاستولى إبراهيم، وقوي، فورد على السلطان الأمراءُ قاروت بك صاحب كرمان وياقوتي وألب أرسلان أولاد أخيه داود، وقوي بهما، فخرج إلى إبراهيم، فانهزم إبراهيم من بين يديه، وقُتِلَ من أصحابه مقتلةٌ كبيرةٌ، وأُسِرَ إبراهيمُ فانهزم، وأُسِرَ أحمد (٣) ومحمد أخواه، وحُملوا إلى السلطان، فأمر بقتلهم، فسُئِلَ فيهم، فتوقَّف وفي قلبه النار ممَّا تمَّ على الخليفة وهم ينصّون أن إبراهيم فعل ذلك، ثمَّ أحضرَ إبراهيمَ بين يديه وخنقَه بوتر قوسه، وقتل أخويه محمدًا وأحمد، وبعث إلى هزارسب بقَباء
стр. 8989
إبراهيم؛ ليتحقَّق الحال، وكان هزارسب مقيمًا بالأهواز، وعنده الكُنْدُري عميد الملك، فأخذ منه دنانيرَ وثيابًا وخيلًا، وسار نحو السلطان على أصبهان.
وفي ربيع الآخر انحدر البساسيري إلى واسط متيممًا غَزْنة في أمر هزارسب، بعد أن أنفذ أنوشْتِكين أحدَ حُجّابه إلى قريش يشير عليه بأن يُنفِذَ أرسلان خاتون إلى السلطان، وكان السلطان قد أرسل قريشًا يلتمسها، ويخلط بذاك ذكر الخليفة، ورَدِّهِ إلى مكانه، ويكون البساسيري وأصحاب الأطراف على عادتهم بالعراق بعد أن ينقشوا السّكَّة باسم السلطان، وبعث لها البساسيري ثلاثَ مئة دينار تنفقها في سفرها، فردَّتها على الحاجب استقلالًا لها، وقالت: هذه نفقة يوم، وقد وهبتُها لك. وشرع قريش في تجهيزها، وهيَّأ لها عَمّاريةً، وجلَّلها بالديباج، وبعث لها دنانير وثيابًا وخيلًا وبغالًا، ولم يبْقَ إلا مسيرُها، وكان عميد الملك قد كتب إلى السلطان يقول: ما كان سبب ما جرى ببغداد إلا من ابنابجيل وعمر، فإنهما فسخا التدبير، وفلّا المجموع، فخافا من السلطان، واستوحشا منه، وتحصنا بقلعتين.
وفي جمادى الأولى عاد أنوشْتِكين الحاجب من الموصل، وذُكِرَ أنه ورد إلى قريش خادمٌ من جهة السلطان يقال له: زيرك، ومعه ثيابٌ، ومالُ أرسلان خاتون، وكتابٌ إلى قريش يتضمَّن شُكره على ما فعله، من استصحاب خاتون، والإرهاب فيما يتعلَّق بالخليفة، والإشارة إلى إعادته إلى داره وإعادة الخطبة والدعوة له، وأن يكون للبساسيري على باب الخليفة، ويقيم السلطان في بلده إلى حين ما يرى من مسيره إلى العراق، وكتب قريش في الجواب: إنني العبد الخادم، وما جرى كان عن قضاء الله وقَدَرِه، وفِعْلِ ابنِ المُسلمة -ذلك الغالط- وقلَّةِ تدبيره، وقد جرى على البلاد ما أخربَها ودرسَها، وليس ها هنا ما نُثابر عليه، وتطمح العينُ إليه، ومتى وقع تسرع في المسير إلى العراق، فلستُ آمَنُ أن يتِمَّ على الخليفة أمرٌ يفوت، وسببٌ يسوء، ولسنا بحيث نقِفُ لكَ ولا نُحاربُكَ، بل نَبعُدُ عنكَ، وأمَّا هذا الرجل -يعني البساسيري- فأنا أتوصَّل إلى كلِّ ما يُراد منه، والسلام.
وراسل قريشٌ البساسيريَّ مع أنوشْتِكِين، وقال له: إن السلطان قد التمس كذا وكذا، فإيّاك والمخالفَةَ، ونحن قد خدمنا سلطانًا بيننا وبينه ستُّ مئة فرسخ، وفعلنا معه
стр. 8990
ما لم يظُنَّه، وقد مضى لنا منذ ستة أشهر منذ فتحنا العراق ما كتب إلينا حرفًا، ولا التفت إلينا، وقد [عادت] (١) رسلنا بعد سنة منه صِفْرًا، ولم يُنفِذْ لنا رسالة فضلًا عن مال ورجال، ومتى تجدَّد أمر فما يشقى به إلا أنا وأنت، وما المطلوب سواي وسواكَ، والصواب المهادنة، وردُّ الخليفة إلى أمره، وتستكتبُ له مَنْ تأمنُه، وتحقنُ الدماء، وتحفظ الأموال، ونعيش باقي العمر في سكون وطمأنينة، والسلام.
وكان البساسيريُّ قد انحدر إلى واسط، فلمّا كان يوم الاثنين لتسعٍ بَقِين من جمادى الأولى سار من واسط يُريد الأهواز، وابتدأ بالبصرة، فرتب أصحابَه فيها ولم يدخلها، وكان معه دُبيس وصدقة بن منصور وأبو الفتح بن وَرّام، واجتمع إليه جماعةٌ كثيرةٌ من الدَّيلم والأكراد والتُّرك والعرب، وكتب هزارسب إلى دُبيس يقول: ما أُخالف أبا الحارث في شيء، وإنما بيني وبين السلطان متاخمةٌ في الأعمال، ومجاورةٌ في البلاد، ومتى انحرفتُ عن طاعته لم آمَنْه، وجاءني من قِبَلِه ما لا طاقة لي به، وكذا أمري معكم، لا أقاتلكم، ولا أواجهكم، بل أبعُدُ عنكم، والمصلحة مصالحةُ السلطان، وأن يُجاب إلى ما أمر به، من رَدِّ الخليفة إلى داره، وهو مع ذلك يكاتب السلطان ويستنجده، ويُهوِّن عليه أمرَ البساسيري.
وفي جمادى الأولى سيَّر قريشٌ أرسلان خاتون إلى السلطان، ومضى معها جماعةٌ من العجم الذين سَلِموا من القتل، وكانوا قد أصعدوا مع قريش إلى الموصل، وبعث أيضًا بأولاد عميد العراق وزوجتِه، وهي مظهرةٌ الشكر لقريش، مُبطنةٌ الشكوى منه.
وفي جمادى الآخر ورد رسولُ البساسيري من مصر، وكان قد أنفذه من الرَّحبة قبل فتوح بغداد يطلب الأموال، فأقام سنة وعاد بغير شيء، وذكر أنَّ بعض أصحاب المستنصر خلا به وقال [له] لمّا وصل الخبر بفتوح بغداد: لم يصِلْ من صاحبك كتابٌ بصورة الحال على الفور، وإنما سمعناه من نُوَّابنا بالشام، وليست العادةُ جاريةً بهذا، وهذا الرجل قد التجأ إلينا فآويناه، ونصرناه وأمددناه وأعطيناه، وكان العسكرُ منه شاكين، والرعيةُ في الأعمال عنه نافرين؛ لما استعمله معهم في طريق العراقيين من الظلم والعسف، واستبدَّ برأيه فيما يفعله، وكنا نكاتبه ولا يفعل إلا ما يريد، ولا يجيب عن شيء، ومضى إلى
стр. 8991
الموصل بغير أمرنا، وقلنا له: سالِمْ أهل العراق إلى أن نأمرك، فما التفتَ، وسار إلى العراق بغير إذن، ثم فتح دار العباسي التي هي قلعة أموال العباسيين والناسِ، وذخيرةُ أهل الدنيا من سائر الأقطار، وأخذَ أموالهم، ونهبَ الرعية وصادرهم، وفعل ما لا يحِلُّ ولا يسوغُ ولا يُحمَلُ عليه، واحتجز الأموال لنفسه، وأخذ منها ما عَظُم خطرُه، وأخذ العباسيَّ واعتقلَه، بحيثُ لا يدَ لنا عليه، ولا أمرَ ينفُذُ لنا فيه، وقتلَ أصحابَه وصلبَهم من غير استئمار ولا استئذان، ولا رأى على نفسه أن يُعيد بعض الأموال [التي حُمِلت إليه، ونحن إنَّما نُطلق الأموال] لنفتح بها البلاد، ثمَّ نستعيدَها وأضعافَها، وكلُّ هذا جميعُه داخلٌ في حكم العصيان، خارجٌ عمّا ألِفْناه من أوليائنا، وقد بَلَغَنا أنَّ حاجبه ابن خِتِكين واصلٌ إلينا، وإذا وصل أنفذنا صحبتَه الجواب، وأنتَ مُخيَّرٌ في المُقام والمسير. قال: فقلتُ: المسيرُ إلى أهلي وولدي أحبُّ إليَّ، وانفصلتُ عنهم.
وورد الخبرُ بأنَّ السلطان عاد من هَمَذان إلى أصفهان؛ إطماعًا للبساسيري، وتسكينًا إليه، وإظهارًا للبُعد عن العراق؛ ليكون ذلك داعيةً إلى خلاص الخليفة، وردِّه إلى وطنه، وحراسة مُهجته.
وفي تاسع عشر جمادى الآخرة وصلت زوجةُ البساسيري بنت الحازم وزهرة جاريته وولداها منه، فأفرج ابنُ البساسيري أبو البركات عن يارَخْتِكِين الحاجب، وخلع عليه، وحمله على عدة دواب، وسار يوم الجمعة لسِت بَقِين من الشهر، وخرج معه مَنْ بقي ببغداد من العجم، وحكَتْ زوجةُ البساسيري وزهرةُ بما قاسيا من القلعة بعد المصادرة والضرب العظيم من الجوع، فإن والي القلعة كان يُعطيهم كلَّ يوم من الخبز الشعير ما لا يكفيهم، وكانوا يغزلون الصوف ويبيعونه ويتقوَّتون به، وكان مع زوجة البساسيري صبيٌّ من أهل بغداد، وكان يحتطب ويبيع الحطب وينفق عليهم من ثمنه، وعاد البساسيريُّ إلى واسط بعد أن دخل قريبًا من الأهواز.
ذكر السبب:
لمّا قرب البساسيري من المأمونية ونزل بها، جاء وليُّ الدولة أبو العلاء بن هزارسب في رسالة إلى البساسيري تتضمَّن: بذل المال والمصالحة عن خُوزستان، وعَود العساكر عنها؛ لئلا يشعثها، فأجاب البساسيريُّ واقترح الخطبة لصاحب مصر،
стр. 8992
ونقش السِّكَّة باسمه، فامتنع هزارسب من ذلك، ونزل أبو العلاء على دُبيس، وبعث فأخذ أمواله وأسبابه من الأهواز ولم يعُدْ إليها، وكان صديقَ البساسيري قديمًا، وكان هزارسب في ثلاث مئة ألف وخمس مئة فارس وألف راجل، والبساسيريّ كذلك وأكثر، وكانوا قد وصلوا إلى المأمونية جياعًا عطاشًا قد ضاقت بهم العلوفات، وسبق هزارسب حتى نزل على قنطرة دون الأهواز، ونزل البساسيريُّ في مقابلته وبينهم نهران، أحدهما الذي هم عليه نزول، والآخر يلي عسكر البساسيري، ثم وقعت المراسلة على هدنة مقدارها ستة أشهر، آخرها سلخ ذي الحجة، ولا يتعرَّض أحد إلى بلد أحد، وأن تكون الخطبة للمستنصر بعد هذه المدة أول المُحرَّم، وأشاع هزارسب كراهيته لعسكر السلطان، وكان قصده المغالطة، ووقعت الأيمان عن المصافاة، وكان بين العسكرين نهر مقداره رمية سهم، ولم يُسمَعْ بعسكرين بينهما مقدار هذا، فقاتلوا أسبوعًا، ثم ورد أنوشروان إلى هزارسب من عند السلطان بالنجدة، فعاد البساسيريُّ مسرعًا إلى واسط، وكان قد عبر من رجالة البساسيري خلقٌ كثيرٌ إلى الأهواز بسبب النهب، فقتلهم أهلُها، وأقام البساسيري بواسط يجمع العساكر على نية العود إلى حرب هزارسب، وأصعد الأمراءُ الذي كانوا معه إلى بلادهم؛ دُبيس وأبو الفتح بن وَرّام وأبو منصور وغيرهم، وكتب البساسيريُّ إلى قريش، وبعث الرسول يشكو من دُبيس والجماعة، ويسأله الانحدار إلى واسط [ليُدبِّر] (١) على هزارسب تدبيرًا، وشكا إليه تقاعد دُبيس وابن وَرّام وكونَهما تخلَّيا عنه، وقال: مهما فتحتَ من خُوزستان فهو بيننا نصفان. وبعث إلى حلب يطلب الغلمان البغدادية، وكانوا قد انصرفوا عنه لمّا كان بالرحبة كراهية له، ولما كان يعاملهم به، وكانوا جمرةً قوية، ولمّا فتح بغداد قال له قريش: رُدَّهم فما نستغني عنهم. فامتنع، فلمّا كان في هذا الوقت راسلهم بكاتبه أبي علي بن فضلان، فلم يلتفتوا، وقالوا: قد فتح بغداد، ونهب أموالنا، فلمّا لم يبقَ إلا الخوف من طُغْرُلْبَك والقتال طلبنا ما لنا عنده حاجة، ووردت كتب ابن خُتِكين رسولِه الذي سار بكتابه بفتوح بغداد يقول بأنَّ ابن المغربي الوزير توقَّف في أمورك كلِّها، وقد كان أبو الفتوح بن المغربي هذا هرب من البساسيري إلى مصر [ووَزَرَ لصاحبها وفي
стр. 8993
قلبه ما فيه، فظنَّ عليه عند صاحب مصر] وقال له: ما قدَّمناه -وذكر ابن خُتِكين- في كتابه أنَّ الوزير أحضره وقال: صاحبُك فعل وفعل، وافتاتَ على أمير المؤمنين بكذا وكذا، وذكر بمعنى ما ذكرناه، وقال: قد أخذ الأموال العظيمة، وما هان عليه أن يُقدِّم للخزانة شيئًا، ثمَّ أخْذُه العباسيَّ واعتقالُه بالحديثة ولا سيَّره إلى ثابتة، واتفاقه مع قريش على مقاسمة البلاد كأنها كانت مِلْكَه، وصَلبُه لابن المُسلمة من غير استئمارٍ وإذنٍ منا، ثمَّ يكاتبنا بعد الفراغ من الأمور، ولَعمري إنَّ هذه لَعادةُ تلك البلاد في العصيان، واطِّراح أمر السلطان، وكان الوزير قد قال لصاحب مصر: إن الذي جرى ببغداد من أمر العباسي غير مأمون العاقبة، وربما يتأتَّى من عسكر خراسان على الشام ما لا يُمكِنُ استدراكُه، ويجب أن تدع العراق وما فيه، ولم يُجاوب البساسيري عن كتابه بحرف، وكلُّ غيظ المستنصر منه، حيث لم يبعث بالخليفة إليه، وقد كان عَزْمُه أن يبعث به إليه، لولا ذمام قريش إليه واتفاقهما، ثم أظهر السلطان التجهز إلى العراق، فكتب بدر بن مهلهل بن أبي الشوك الكردي إلى البساسيري يقول: السلطان قد قرُبَ، وقد كان التمس منك أن تُعيد الخليفة إلى مكانه، وتكون على بابه، ولا تطأ العراق، فلم تفعل، وأنا أدخل في القضية، وأُعطيك ولدي رهينةً، فلم يُجِبْه عن كتابه.
وفي شوال لاح في الليل في السماء ضوءٌ عظيمٌ كالبرق يلمع في موضعين؛ أحدهما أبيض، والآخر أحمر، وأقام إلى ثلث الليل، وكبَّر الناس وهلَّلوا.
وفي شوال عاد صاحب قريش إليه، وكان قد بعثه مع أرسلان خاتون، وورد معه أبو بكر بن أحمد بن أيوب المعروف بابن فُوْرَك وزَيرَك الخادم صاحب السلطان بكتاب إلى قريش، عنوانه: للأمير الأجَلِّ علمِ الدين عزِّ الدولة أبي المعالي قريش بن بدران، مولى أمير المؤمنين، من شاهنشاه المُعظَّم ملكِ المشرق والمغرب، ركنِ الدين، غياثِ المسلمين، سلطانِ بلاد الله، مُغيثِ عباد الله، طُغْرُلْبَك أبي طالب، محمد بن ميكائيل بن سلجوق، يمين خليفة الله أمير المؤمنين، وعلى رأسه بخطِّ السلطان: حسبي الله، ومضمونه: كتابنا: أطال الله بقاء الأمير علم الدين، أدام الله عِزَّه وتأييده وتمكينه وتمهيده، إنَّ نِعم الله علينا متظاهرة، وآلاؤه متوالية، ورَدَ كتابُه ووقفنا عليه، واعتدَدْنا
стр. 8994
بصنع الله له، وسابغ إحسانه إليه، فأمَّا ما بلغه الرسل من حُسنِ اعتقاده في خدمتنا، وسلامةِ صدره في طاعتنا فقد علمناه، ولمّا ورَدْنا العراقَ كان في عزمنا تسليمُ الأمر إلى علم الدين في تلك الولايات، استقلَّ بالخدمة الشريفة، والمواقف المقدسة، وحدثَتْ حوادثُ، وعرضت عوارض، ولم يحدُثْ منها -بحمدِ الله- في حقِّه ما يقدح في الاعتقاد السليم، وإزالةِ الحقِّ عن السنن المستقيم، وقد ظهرت نيّته الجميلة، وهِمَّتُه العالية الجليلة في خدمة سيدنا ومولانا الإمام القائم بأمر الله أمير المؤمنين، أطال اللهُ بقاءه، وأعزَّ أنصاره وأولياءه، حتى لم يظفرِ الأعداءُ منه بما حاولوه، ولم يدركوا فيه ما أمَّلوه، وهذه مِنَّةٌ عظيمة على الإِسلام وأهله، وأثرٌ جميلٌ في الدين، لم يوفَّق أحدٌ لمثله، ثم الذي وُفِّقَ له من المحافظة على سَنن العرب -من رعاية حُسن العهد- ما عظُمَتْ علينا وعلى المسلمين مِنّته، وزادَتْ عندنا مكرُمَتُه، فلو أعطيناه جميعَ ما حويناه ولا استقللناه، واحتقرناه واستصغرناه، وقد أقبلنا بخيول المشرق إلى خدمة سيدنا ومولانا الإمام، ولا فُسحةَ لنا في التأخير عنه ساعةً من الزمان، بعد أن أهلَكنا أعداءَنا، وذلَّلنا حُسّادنا، والمقصودُ أحدُ أمرين؛ إمّا أن يُقبِلَ الأميرُ سيدنا ومولانا إلى مقرِّ خلافته وسرير عظمته، وينتدب الأمير بين يديه متوليًا حكمه، ممتثلًا رسمه، فذلك هو المراد، وهو خليفتُنا في تلك الخدمة المفروضة، وتولية العراق بأسرها، وتصفية مشاريع بَرِّها وبحرِها، وإمّا أن يحفظ علينا شخصَ مولانا العالي بتحويله من القلعة إلى حين لحاقنا بخدمته، ويكون الأميرُ مُخيَّرًا بين أن يكتفي بنا، وبين أن يُقيم حيث شاء، فنولِّيه العراق، ونستخدمه في الباب الشريف، ونصرف أعيننا إلى الممالك الشرقية، وعشائره كلُّهم إخوانُنا، وهم في أماننا، فلا يدخُلُ قلوبَهم رهبةٌ منا، وكذا جميع العساكر المنسوبين إلى خدمته، ولكلِّ مُذنبٍ عندنا في العراق عفوُنا وأمانُنا، إلا الفاجرَ الكافرَ البساسيريَّ عدوَّ اللهِ ورسولِه، فإنه لا عهدَ له ولا أمانَ عندنا، فلقد ارتكب في دين الله عظيمًا، وخطبًا جسيمًا، وهو إن شاء الله مأخوذٌ حيث وُجِد، ودلَّتْ أفعالُه على سوء عقيدته، وخُبْثِ طويَّته، فإن سرِبَ في الأرض لحِقَه المكتوبُ على جبهته، وإن وقف فالقضاءُ سابقٌ إلى مُهجَتِه، وقد حَمَّلنا الأستاذَ العالم أبا بكر أحمد بن محمَّد بن أيوب -أدامَ الله عِزَّه- والشيخَ معتمِدَنا أبا الوفاء
стр. 8995
زَيرَك ما يؤدِّيانه من الرسالات، ويُبلِّغانه من التحملات، وهو يصغي إليهما، ويعتمد عليهما، ويُسرِّحهما إلى القلعة ليخدما مجلس سيدنا ومولانا الإمام عنا، ويأتيا ببشارة عالي شخصه المحفوف بالبركات، والبلاد كلُّها والقلاع للأمير مبذولة، في جنب مساعيه والثقة به، وكان مع رسولَي الخليفة أربعون ثوبًا أنواعًا، وعشرُ دُسوت ثيابًا مخيطةً، وخمسة آلاف دينار، وخمس دسوت مخيطةً من خاتون زوجة الخليفة، وحكى الرسولُ كثرةَ العساكر مع السلطان، فخاف قريش وانزعج، وبعث إلى الجِفار (١) من أصلح المياه، وعزم على دخول البرية، وبعث بالكتاب إلى البساسيري والرسالة، وحذَّر من الرسول ليعود الجواب بسرعة، وكان قريش يكاتب السلطان سرًّا، ويطيعه في البلاد حسدًا للبساسيري وتغيرًا عليه، فإذا صحَّ من السلطان عزمٌ أجفَلَ (٢) من قرية ولم يجتمع به، وبعث البساسيريُّ إلى بغداد، فأخذ دوابَّه وماله وسلاحَه إلى واسط، وتقدَّم بأن يسلخ جلد ثور ويكسى به رِمَّة ابن مُسلمة، ويجعل قرنيه على رأسه، وفوقهما طرطور أحمر، وكان السلطان قد اقترح فيهما أن يحطَّ رِمَّة ابن مُسلمة، وورد رسول قريش من عند البساسيري، وقال: قد أجاب بحيث لا يذكر السلطان ببغداد في الخطبة، وقَويتِ الأراجيفُ بقرب السلطان من بغداد، وأُقيمت له الإقامات بِحُلوان، وكتب أبو البركات بن البساسيري إلى أبيه يسأله ما يصنع، فكتب إليه يأمره بالمقام والثبات، ووصلت مقدمات السلطان إلى قصر شيرين، وانحدر حرم البساسيري وأولاده وأصحابه وجميع من يتعلق به إلى واسط، وذلك يوم الثلاثاء خامس ذي القعدة، وتبعهم أهل الكَرْخ، ووصلوا إلى صرصر، وهلك منهم في (٣) عبورهم خلقٌ كثير، ولحقهم العيّارون ونهبوهم، ومَنْ بقي منهم نهبهم بنو شيبان، وقتلوا أكثرهم، وسَبَوا نساءهم وغرقوهم.
واتَّفق دخولُ البساسيري بغداد يوم الأربعاء سادس ذي القعدة، وخروجُ أصحابه منها سادس ذي القعدة، فكان يملكها سنةً كاملة.
стр. 8996
وثار الهاشميون وأهل باب البصرة إلى الكَرْخ فنهبوه، وطرحوا النار في أسواقه ودُوره ودُروبه، فاحترق منه ألفٌ ومئتا دار، وكلّ دار تساوي ثلاث آلاف دينار، وفيها دور تساوي كلّ دار ثلاثين ألف دينار.
ذكر أحوال الخليفة:
كان قد استخلف مهارش العقيلي وتوثَّق منه في حراسة نفسه، وأن لا يُسلِمَه إلى عدوِّه، وكان مهارش قد تغيَّر على البساسيري لبذول بُذِلَتْ له، ولم يقع الوفاءُ بشيء منها، وبعث قريش أبا الحسن بن المُفرِّج إلى مهارش يقول: قد كنّا أودعنا الخليفة عندك ثقة بأمانتك، وسكونًا إلى ديانتك، ولنكُفَّ به عاديةَ الغزو عن بلادنا ونفوسنا وعشائرنا، وقد عادوا الآن وأطلّوا علينا، وربما قصدوك وحاصروك وأخذوه منك، فخُذْه وارحَلْ به وبأهلك وولدك إليَّ، فإنهم إذا علموا حصولَه في أيدينا لم يقدَموا علينا خوفًا على نفسه، فإذا طلبوه منا اشترطنا عليهم أن لا يتعرَّضوا لبلادنا ولا لعشائرنا، ونقترح عليهم ما شئنا من المال والبلاد، وما أرومُ تسليمه إليَّ، بل يكون على حاله في يدك، بحيث لا يُؤخَذُ قهرًا من أيدينا. فقال مهارش لرسوله: قُلْ له: البساسيريُّ غدر بي، ولم يَفِ بما ضمن، ما بقي لكم في رقبتي أيمان، وقد قلتُ: أرسِلْ خُذْ صاحبَكم الذي عندي، فلم يفعل، وعرف الخليفةُ خلاصَ رقبتي من اليمين، فاستحلفني لنفسه، فعاد ابن المُفرِّج بغير شيء. وقال مهارش للخليفة: الرأيُ أن نخرج ونقصد بلد ابن مهلهل، ونكون في موضع نأمن به على نفوسنا، فلا نأمن أن يأتي البساسيري فيحاصرنا ولا نقدر أن ندفعه عنا. فقال: افعَلْ ما تراه. فخرجا من الحديثة يوم الاثنين حادي عشر ذي القعدة، وسارا حتى قطعا دجلة، وحصلا بقلعة تل عُكْبَرا.
قال ابن فورك: عُدْتُ من عند قريش إلى حُلَّةٍ لبدر بن مهلهل وأنا على وجَلٍ من أمر الخليفة لِما سمعتُه من قريش في معناه، وحذرًا أن يقصد الحديثةَ فيأخذه معه، ويصير بحكمه، فبينا أنا مفكر في ذلك وعودي إلى السلطان بميله، إذ جاءتني رسالة بدر بن مهلهل، فحضروا عنده، وإذا بسواديٍّ قد حضر (١) إليه، فقال: أعِدْ ما حكيتَه. فقال:
стр. 8997
رأيتُ البارحةَ عسكرًا يقصد تل عُكْبَرا، فسألتُ عنه، فقيل: هذا الخليفة مع مهارش قد جاء من الحديثة. قال: فاستبعدتُه، فلم أبرَحْ من مكاني حتى ورد رسولٌ من قلعة تلّ عُكْبَرا يقول: قد نزلوا تلَّ عُكْبَرا، فحققت الحال، وطِرْتُ فرحًا، وقمنا إلى القلعة، وضرب له بدرٌ خيمًا ونزل إليها، وسلَّمتُ إليه ما كان معي من المال والثياب، وجاء السلطان فدخل بغداد، وعبر إلى الجانب الغربي، ونزل بالنَّجمي، وكتبتُ إليه وعرَّفتُه صورةَ الحال، وطلبتُ للخليفة خيمًا وسرادقًا وفرشًا، ولمَّا وقف على كتابي طار فرحًا، وجاءه ما لم يكن في حسابه ولم يخطُرْ بباله، وأنفذ أنوشروان في ثلاث مئة غلام ومن استعقله من الحُجّاب، ومعهم البَخاتي، عليها السرادق الكثيرة، وعدة خيم وخركاوات وآلات، وفرشًا كثيرة، وبغالًا عليها الأواني والثياب، وغير ذلك، وبغلًا عليه مهدٌ مُسَجَّفٌ (١) بالديباج الأسود، وثلاثة أفراس بمراكب الذهب، وبعث بالجميع مع عميد الملك، وعرفتُ خبرهم، فركبتُ واستقبلتُهم، فسألني عميد الملك عمّا جرى من ذلك، فشرحتُه له، فقال: تقدَّمْ واضرِب السُّرادقَ والخِيمَ، وانقُل أمير المؤمنين إليها لتلقاه فيها، وإذا حضرنا فلتؤخِّرِ الإذن لنا ساعةً كبيرة، فسبقتُ وطالعتُ الخليفةَ بذلك، فأجاب إليه، وضُربَتِ السُّرادِقُ والخِيمُ، وانتقل إليها، وجاء عميد الملك والأمير أنوشروان، فنزلوا عليَّ في خيمة لهم ساعةً، ثمَّ أذن لهم فدخلوا، وقبَّلوا الأرض، وذكر عميد الملك رسالةً عن السلطان وسرورِه بخلاصِ الخليفة، وشكر مهارشًا على فعله، وقال: نُسَمِّ اللهَ ونسير. فقال: قد تعِبْنا ونستريح يومين. ثم ترجَّل، فكتب عميد الملك إلى السلطان كتابًا يخبره بصورة الحال، وأحبَّ أن يأخذ خطَّ الخليفة عليه تصديقًا لما تضمَّنه، ولم يكن عند الخليفة دَواةٌ، فأحضر عميد الملك من خيمته دواةً على مرقع فيها ألف وسبع مئة مثقال من الذهب، فتركها بين يديه، وأضاف إليها سيفًا مُحلًّى، وقال: هذه خدمة منصور بن محمد -يعني نفسه- خدم بها، وقد جمع بين السيف والقلم، فشكره الخليفة، وكتب من الدَّواة، وسِرْنا بعد يومين إلى النَّهروان، فوصلنا إليه يوم الأحد رابع عشرين ذي الحجة، وجاء السلطان للقاء الخليفة، فلمّا وقعت عينُه على السُّرادق ترجَّل ومشى إلى أن وصل، فلمّا دخل قبَّل
стр. 8998
الأرضَ سبع مرات، فقال الخليفة: يا ركن الدين، ماذا لقينا بعدَك؟ وأخذ مخدَّةً من دَسْتِه فطرحها بين يديه، وقال: اجلِسْ عليها. فأخذ المِخَدَّة وقبَّلها وجلس عليها، وأخرج من بند قَبائه الحبل الياقوت الأحمر الذي كان لبني بويه، فقبَّله وطرحَه بين يديه، ثم أخرج اثنتي عشرة لؤلؤة كبارًا مثمنة، وقال: هذه تقدمة أرسلان خاتون -يعني زوجة الخليفة- أنفذَتْها معي، وسألت أن يُسبِّح بها أمير المؤمنين، وكان السلطان يكلِّم عميد الملك وهو يفسره للخليفة، واعتذر من تأخُّره بعصيان أخيه إبراهيم ينّال، وقال: قد عصى غيرَ مرة، وعفوتُ عنه، فلمّا دخل الضررُ على أمير المؤمنين بسببه كان جوابُه: إنني خنقتُه بوتر قوسي، وقتلتُ ولدَي أخيه الذين استنجد بهما، ثم شفع ذلك وفاة الأخ الأكبر داود، فاحتجتُ إلى المقام حتى رتَّبتُ أولادَه مكانه، وكنتُ على نية المسير إلى الخدمة لأُخلِّص المُهجة الشريفة، فوصلني الخبر بما كان -بفضل الله تعالى- بخلاصها، وخدمةِ هذا الرجل -يعني مهارشًا- في معناها، بما أبان من صحيحِ ديانته، وصادقِ عقيدته، وأنا إن شاء الله أمضي وراء هذا الكلب -يعني البساسيري- وأقتنصه، وأُيمِّم إلى الشام، وأفعل بصاحب مصر ما يكونُ جزاءً لفعل البساسيري. فدعا له الخليفة، وشكره وقلَّده بسيفٍ كان إلى جنبه، وقال: لم يسلَم معي وقتَ خروجي من الدار غيرُه، وقد تبرَّكتُ به، فقبَّل الأرض وقام، فاستأذن في دخول العسكر إلى الخدمة ليشاهدوا الخليفة، فأذِنَ، فكشف السُّرادق والخليفة في خَرْكاة، فدخلوا وشاهدوه، وقبَّلوا الأرضَ وانصرفوا، وقال الخليفة: اضربوا خيمتي عند خيم السلطان، فإني أريد أن أكون معه حتى يقضي الله في هذا اللعين -يعني البساسيري- فقال السلطان: هذا ممَّا لا يجوز فِعْلُه، ونحن الذين نصلح للحرب والسفر والتهجم والخطر دون أمير المؤمنين، فإذا خرج بنفسه فأيُّ حكمٍ لنا؟ وأيُّ خدمةٍ تقع منا؟ والمصلحة دخول أمير المؤمنين إلى داره، فأجاب على كُرهٍ، وكان يقول: أخاف من غائلة اللعين. وجرَتْ لمهارش خطوبٌ في اقتراحاته أن إلى أن أطلق له السلطان عشرة آلاف دينار أُحيلَ منها بسبعة آلاف على مال الأهواز، وسَلَّمت إليه هَيت بالثلاثة آلاف الباقية، ولم يَكُ راضيًا بما فَعَلَ معه، ولا طيِّبَ النفس بما جعل له (١).
стр. 8999
ولمّا كان لخمسٍ بَقِينَ من ذي الحجة ركب القائم وعساكر السلطان بين يديه والجنائب والملوك الأسفهسلارية، والمهد بين يديه، والأعلام على رأسه، وعليه السَّواد وأُبَّهة الخلافة، وبيده سيف مسلول، والعجم مُحدِقون به، ولم يبقَ مَنْ يستقبله من أهل بغداد سوى القاضي وثلاثةُ أنفُسٍ من الشهود؛ لهرب الناس من مصادرات البساسيري والضرب والعقوبات.
وسبقَ السلطانَ وجلس على دَكَّة الباب النُّوبي مكان الحاجب، وكان قد سأل الخليفةَ أن يمشي بين يديه من النهروان فامتنع، فلمّا ورد الخليفةُ باب النُّوبي قام السلطان وقبَّل الأرض، وأخذ بلجام دابَّته، ودخل يمشي إلى باب حجرة الخاص، فدخل الخليفة بالبغلة إلى أماكن قد فُرِشَتْ بفُرشٍ عظيمة من عند السلطان، واعتذر من قِلَّتها، ثمَّ قبَّل الأرض واستأذنه في المسير وراء البساسيري، فأذِنَ له، فعَبرَ من وقته إلى النَّجمي، وتجهَّز للمسير خلفَه، وقال أبو علي الحسن بن جعفر الضرير البندنيجي -ويعرف بابن الهَمَذاني- من أبيات: [من الوافر]
ولمّا أن طغَتْ عُصَبٌ وطاشَتْ … حُلومٌ أورثَتْ لهمُ ضِراما
وقادهمُ القضاءُ إلى عُتُل … زنيمٍ قاد للفتن السُّواما
أتاحَ اللهُ ركنَ الدين لطفًا … وتأييدًا فأخزى مَنْ ألاما
وأردى العبدَ لا جادَتْ يداهُ … سوى النِّيرانِ تضطرمُ اضطراما
وأتعس جَدَّهُ فأدال منهُ … وأقعصَهُ وقد جَدَّ انهزاما
أقام ثقافه الإِسلام لمّا … تأوَّدَ إذ بأمرِ الله قاما
أميرَ المؤمنينِ رضًا وعفوًا … لعارضِ نَبْوةٍ طرقَتْ لِماما
فإنَّ اللهَ أبلاكَ امتحانًا … كما أبلى النبيينَ الكِراما
لقد قَرَّتْ بأوبتهِ عيونٌ … [تجافَتْ] (١) منذ زايل أن تناما
وأسفرتِ الخلافةُ بعد يأسٍ … وحال قطوبُ دولتِها ابتساما
стр. 9000
ذكر مقام الخليفة بالحديثة:
أقام عند مهارش البدري هذه المدة يخدمه بنفسه، وقال الخليفة: لما كنت بحديثة عانة قمتُ في بعض الليالي إلى الصلاة، فوجدتُ في قلبي حلاوة المناجاة، فدعوتُ الله تعالى بما سنح لي، ثمَّ قلتُ: اللهمَّ أعِدْني إلى وطني، واجمَعْ بيني وبين أهلي وولدي، ويسِّر اجتماعنا، وأعِدْ روض الإنس زاهرًا، ورَبْعَ القرب عامرًا، فقد قلَّ العزاء، ونزح الجفاء، فسمعتُ قائلًا يقول على شاطئ الفرات بأعلى صوته: نعم نعم. فقلتُ: هذا رجل يخاطب آخر، ثمَّ أخذتُ في السؤال والابتهال، فسمعتُ ذلك الصائح بعينه يقول: إلى الحول. فعلمتُ أنَّه ناطقٌ أنطقه الله تعالى بما جرى عليه الأمر.
وكتب القائم في السجن دعاءً وسلَّمه إلى بدويِّ، وقال: اذهب إلى الكعبة وعلِّقه عليها، وكان في الكتاب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، إلى الله العظيم، من عبده المسكين، اللهمَّ إنك العالم بالسرائر، المحيط بمكنونات الضمائر، اللهمَّ إنك غنيّ بعلمك واطِّلاعك على أمور خلقك، عن إعلامي بما أنا فيه عبدٌ من عبادك، قد كفر نعمتك وما شكرها، وألقى العواقب وما ذكرها، أطغاه حِلْمُك، واغترَّ بأناتك، حتى تعدَّى علينا، وأساء إلينا عتوًا وعدوانًا، اللهمَّ قَلَّ الناصر، وأُعِز الظالم، وأنت المُطَّلع العالِم، والمنصف الحاكم، بك نُعَزُّ عليه، وإليك نهرب من بين يديه، فقد تعزز علينا بالمخلوقين، ونحن نعتزُّ بك يا رب العالمين، اللهمَّ إنّا حاكمناه إليك، وتوكلنا في إنصافنا منه عليك، وقد رفعتُ ظُلامتي إلى حرمك، ووَثِقتُ في كشفها بكرمك، فاحكُمْ بيني وبينه وأنت أحكم الحاكمين، اللهمَّ أظهِرْ قدرتَك فيه، وأرِنا ما نرتجيه، فقد أخذته العِزَّة بالإثم، اللهمَّ فاسلُبْه عِزَّه، ومَلِّكْنا ناصيتَه، يا أرحم الراحمين، وصلَّى الله على سيدنا محمَّد وسلَّم وكرَّم. فحملها البدويُّ وعلَّقها على الكعبة، فحسب ذلك اليوم، فوجد البساسيريَّ قُتِلَ وجيء برأسه بعد سبعة أيام من التاريخ، ومن شعر القائم قاله في الحديثةِ: [من البسيط]
خابَتْ ظنوني ممَّنْ كنتُ آمُلهُ … ولم يَجُلْ [ذِكْرُ] (١) من واليت في خَلَدي
تعلَّموا من صروف الدهر كُلِّهمُ … فما أرى أحدًا يحنو على أحدِ