← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 8996–9035 · переход к 9001.

стр. 8996

وثار الهاشميون وأهل باب البصرة إلى الكَرْخ فنهبوه، وطرحوا النار في أسواقه ودُوره ودُروبه، فاحترق منه ألفٌ ومئتا دار، وكلّ دار تساوي ثلاث آلاف دينار، وفيها دور تساوي كلّ دار ثلاثين ألف دينار. ذكر أحوال الخليفة: كان قد استخلف مهارش العقيلي وتوثَّق منه في حراسة نفسه، وأن لا يُسلِمَه إلى عدوِّه، وكان مهارش قد تغيَّر على البساسيري لبذول بُذِلَتْ له، ولم يقع الوفاءُ بشيء منها، وبعث قريش أبا الحسن بن المُفرِّج إلى مهارش يقول: قد كنّا أودعنا الخليفة عندك ثقة بأمانتك، وسكونًا إلى ديانتك، ولنكُفَّ به عاديةَ الغزو عن بلادنا ونفوسنا وعشائرنا، وقد عادوا الآن وأطلّوا علينا، وربما قصدوك وحاصروك وأخذوه منك، فخُذْه وارحَلْ به وبأهلك وولدك إليَّ، فإنهم إذا علموا حصولَه في أيدينا لم يقدَموا علينا خوفًا على نفسه، فإذا طلبوه منا اشترطنا عليهم أن لا يتعرَّضوا لبلادنا ولا لعشائرنا، ونقترح عليهم ما شئنا من المال والبلاد، وما أرومُ تسليمه إليَّ، بل يكون على حاله في يدك، بحيث لا يُؤخَذُ قهرًا من أيدينا. فقال مهارش لرسوله: قُلْ له: البساسيريُّ غدر بي، ولم يَفِ بما ضمن، ما بقي لكم في رقبتي أيمان، وقد قلتُ: أرسِلْ خُذْ صاحبَكم الذي عندي، فلم يفعل، وعرف الخليفةُ خلاصَ رقبتي من اليمين، فاستحلفني لنفسه، فعاد ابن المُفرِّج بغير شيء. وقال مهارش للخليفة: الرأيُ أن نخرج ونقصد بلد ابن مهلهل، ونكون في موضع نأمن به على نفوسنا، فلا نأمن أن يأتي البساسيري فيحاصرنا ولا نقدر أن ندفعه عنا. فقال: افعَلْ ما تراه. فخرجا من الحديثة يوم الاثنين حادي عشر ذي القعدة، وسارا حتى قطعا دجلة، وحصلا بقلعة تل عُكْبَرا. قال ابن فورك: عُدْتُ من عند قريش إلى حُلَّةٍ لبدر بن مهلهل وأنا على وجَلٍ من أمر الخليفة لِما سمعتُه من قريش في معناه، وحذرًا أن يقصد الحديثةَ فيأخذه معه، ويصير بحكمه، فبينا أنا مفكر في ذلك وعودي إلى السلطان بميله، إذ جاءتني رسالة بدر بن مهلهل، فحضروا عنده، وإذا بسواديٍّ قد حضر (١) إليه، فقال: أعِدْ ما حكيتَه. فقال:

стр. 8997

رأيتُ البارحةَ عسكرًا يقصد تل عُكْبَرا، فسألتُ عنه، فقيل: هذا الخليفة مع مهارش قد جاء من الحديثة. قال: فاستبعدتُه، فلم أبرَحْ من مكاني حتى ورد رسولٌ من قلعة تلّ عُكْبَرا يقول: قد نزلوا تلَّ عُكْبَرا، فحققت الحال، وطِرْتُ فرحًا، وقمنا إلى القلعة، وضرب له بدرٌ خيمًا ونزل إليها، وسلَّمتُ إليه ما كان معي من المال والثياب، وجاء السلطان فدخل بغداد، وعبر إلى الجانب الغربي، ونزل بالنَّجمي، وكتبتُ إليه وعرَّفتُه صورةَ الحال، وطلبتُ للخليفة خيمًا وسرادقًا وفرشًا، ولمَّا وقف على كتابي طار فرحًا، وجاءه ما لم يكن في حسابه ولم يخطُرْ بباله، وأنفذ أنوشروان في ثلاث مئة غلام ومن استعقله من الحُجّاب، ومعهم البَخاتي، عليها السرادق الكثيرة، وعدة خيم وخركاوات وآلات، وفرشًا كثيرة، وبغالًا عليها الأواني والثياب، وغير ذلك، وبغلًا عليه مهدٌ مُسَجَّفٌ (١) بالديباج الأسود، وثلاثة أفراس بمراكب الذهب، وبعث بالجميع مع عميد الملك، وعرفتُ خبرهم، فركبتُ واستقبلتُهم، فسألني عميد الملك عمّا جرى من ذلك، فشرحتُه له، فقال: تقدَّمْ واضرِب السُّرادقَ والخِيمَ، وانقُل أمير المؤمنين إليها لتلقاه فيها، وإذا حضرنا فلتؤخِّرِ الإذن لنا ساعةً كبيرة، فسبقتُ وطالعتُ الخليفةَ بذلك، فأجاب إليه، وضُربَتِ السُّرادِقُ والخِيمُ، وانتقل إليها، وجاء عميد الملك والأمير أنوشروان، فنزلوا عليَّ في خيمة لهم ساعةً، ثمَّ أذن لهم فدخلوا، وقبَّلوا الأرض، وذكر عميد الملك رسالةً عن السلطان وسرورِه بخلاصِ الخليفة، وشكر مهارشًا على فعله، وقال: نُسَمِّ اللهَ ونسير. فقال: قد تعِبْنا ونستريح يومين. ثم ترجَّل، فكتب عميد الملك إلى السلطان كتابًا يخبره بصورة الحال، وأحبَّ أن يأخذ خطَّ الخليفة عليه تصديقًا لما تضمَّنه، ولم يكن عند الخليفة دَواةٌ، فأحضر عميد الملك من خيمته دواةً على مرقع فيها ألف وسبع مئة مثقال من الذهب، فتركها بين يديه، وأضاف إليها سيفًا مُحلًّى، وقال: هذه خدمة منصور بن محمد -يعني نفسه- خدم بها، وقد جمع بين السيف والقلم، فشكره الخليفة، وكتب من الدَّواة، وسِرْنا بعد يومين إلى النَّهروان، فوصلنا إليه يوم الأحد رابع عشرين ذي الحجة، وجاء السلطان للقاء الخليفة، فلمّا وقعت عينُه على السُّرادق ترجَّل ومشى إلى أن وصل، فلمّا دخل قبَّل

стр. 8998

الأرضَ سبع مرات، فقال الخليفة: يا ركن الدين، ماذا لقينا بعدَك؟ وأخذ مخدَّةً من دَسْتِه فطرحها بين يديه، وقال: اجلِسْ عليها. فأخذ المِخَدَّة وقبَّلها وجلس عليها، وأخرج من بند قَبائه الحبل الياقوت الأحمر الذي كان لبني بويه، فقبَّله وطرحَه بين يديه، ثم أخرج اثنتي عشرة لؤلؤة كبارًا مثمنة، وقال: هذه تقدمة أرسلان خاتون -يعني زوجة الخليفة- أنفذَتْها معي، وسألت أن يُسبِّح بها أمير المؤمنين، وكان السلطان يكلِّم عميد الملك وهو يفسره للخليفة، واعتذر من تأخُّره بعصيان أخيه إبراهيم ينّال، وقال: قد عصى غيرَ مرة، وعفوتُ عنه، فلمّا دخل الضررُ على أمير المؤمنين بسببه كان جوابُه: إنني خنقتُه بوتر قوسي، وقتلتُ ولدَي أخيه الذين استنجد بهما، ثم شفع ذلك وفاة الأخ الأكبر داود، فاحتجتُ إلى المقام حتى رتَّبتُ أولادَه مكانه، وكنتُ على نية المسير إلى الخدمة لأُخلِّص المُهجة الشريفة، فوصلني الخبر بما كان -بفضل الله تعالى- بخلاصها، وخدمةِ هذا الرجل -يعني مهارشًا- في معناها، بما أبان من صحيحِ ديانته، وصادقِ عقيدته، وأنا إن شاء الله أمضي وراء هذا الكلب -يعني البساسيري- وأقتنصه، وأُيمِّم إلى الشام، وأفعل بصاحب مصر ما يكونُ جزاءً لفعل البساسيري. فدعا له الخليفة، وشكره وقلَّده بسيفٍ كان إلى جنبه، وقال: لم يسلَم معي وقتَ خروجي من الدار غيرُه، وقد تبرَّكتُ به، فقبَّل الأرض وقام، فاستأذن في دخول العسكر إلى الخدمة ليشاهدوا الخليفة، فأذِنَ، فكشف السُّرادق والخليفة في خَرْكاة، فدخلوا وشاهدوه، وقبَّلوا الأرضَ وانصرفوا، وقال الخليفة: اضربوا خيمتي عند خيم السلطان، فإني أريد أن أكون معه حتى يقضي الله في هذا اللعين -يعني البساسيري- فقال السلطان: هذا ممَّا لا يجوز فِعْلُه، ونحن الذين نصلح للحرب والسفر والتهجم والخطر دون أمير المؤمنين، فإذا خرج بنفسه فأيُّ حكمٍ لنا؟ وأيُّ خدمةٍ تقع منا؟ والمصلحة دخول أمير المؤمنين إلى داره، فأجاب على كُرهٍ، وكان يقول: أخاف من غائلة اللعين. وجرَتْ لمهارش خطوبٌ في اقتراحاته أن إلى أن أطلق له السلطان عشرة آلاف دينار أُحيلَ منها بسبعة آلاف على مال الأهواز، وسَلَّمت إليه هَيت بالثلاثة آلاف الباقية، ولم يَكُ راضيًا بما فَعَلَ معه، ولا طيِّبَ النفس بما جعل له (١).

стр. 8999

ولمّا كان لخمسٍ بَقِينَ من ذي الحجة ركب القائم وعساكر السلطان بين يديه والجنائب والملوك الأسفهسلارية، والمهد بين يديه، والأعلام على رأسه، وعليه السَّواد وأُبَّهة الخلافة، وبيده سيف مسلول، والعجم مُحدِقون به، ولم يبقَ مَنْ يستقبله من أهل بغداد سوى القاضي وثلاثةُ أنفُسٍ من الشهود؛ لهرب الناس من مصادرات البساسيري والضرب والعقوبات. وسبقَ السلطانَ وجلس على دَكَّة الباب النُّوبي مكان الحاجب، وكان قد سأل الخليفةَ أن يمشي بين يديه من النهروان فامتنع، فلمّا ورد الخليفةُ باب النُّوبي قام السلطان وقبَّل الأرض، وأخذ بلجام دابَّته، ودخل يمشي إلى باب حجرة الخاص، فدخل الخليفة بالبغلة إلى أماكن قد فُرِشَتْ بفُرشٍ عظيمة من عند السلطان، واعتذر من قِلَّتها، ثمَّ قبَّل الأرض واستأذنه في المسير وراء البساسيري، فأذِنَ له، فعَبرَ من وقته إلى النَّجمي، وتجهَّز للمسير خلفَه، وقال أبو علي الحسن بن جعفر الضرير البندنيجي -ويعرف بابن الهَمَذاني- من أبيات: [من الوافر] ولمّا أن طغَتْ عُصَبٌ وطاشَتْ … حُلومٌ أورثَتْ لهمُ ضِراما وقادهمُ القضاءُ إلى عُتُل … زنيمٍ قاد للفتن السُّواما أتاحَ اللهُ ركنَ الدين لطفًا … وتأييدًا فأخزى مَنْ ألاما وأردى العبدَ لا جادَتْ يداهُ … سوى النِّيرانِ تضطرمُ اضطراما وأتعس جَدَّهُ فأدال منهُ … وأقعصَهُ وقد جَدَّ انهزاما أقام ثقافه الإِسلام لمّا … تأوَّدَ إذ بأمرِ الله قاما أميرَ المؤمنينِ رضًا وعفوًا … لعارضِ نَبْوةٍ طرقَتْ لِماما فإنَّ اللهَ أبلاكَ امتحانًا … كما أبلى النبيينَ الكِراما لقد قَرَّتْ بأوبتهِ عيونٌ … [تجافَتْ] (١) منذ زايل أن تناما وأسفرتِ الخلافةُ بعد يأسٍ … وحال قطوبُ دولتِها ابتساما

стр. 9000

ذكر مقام الخليفة بالحديثة: أقام عند مهارش البدري هذه المدة يخدمه بنفسه، وقال الخليفة: لما كنت بحديثة عانة قمتُ في بعض الليالي إلى الصلاة، فوجدتُ في قلبي حلاوة المناجاة، فدعوتُ الله تعالى بما سنح لي، ثمَّ قلتُ: اللهمَّ أعِدْني إلى وطني، واجمَعْ بيني وبين أهلي وولدي، ويسِّر اجتماعنا، وأعِدْ روض الإنس زاهرًا، ورَبْعَ القرب عامرًا، فقد قلَّ العزاء، ونزح الجفاء، فسمعتُ قائلًا يقول على شاطئ الفرات بأعلى صوته: نعم نعم. فقلتُ: هذا رجل يخاطب آخر، ثمَّ أخذتُ في السؤال والابتهال، فسمعتُ ذلك الصائح بعينه يقول: إلى الحول. فعلمتُ أنَّه ناطقٌ أنطقه الله تعالى بما جرى عليه الأمر. وكتب القائم في السجن دعاءً وسلَّمه إلى بدويِّ، وقال: اذهب إلى الكعبة وعلِّقه عليها، وكان في الكتاب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، إلى الله العظيم، من عبده المسكين، اللهمَّ إنك العالم بالسرائر، المحيط بمكنونات الضمائر، اللهمَّ إنك غنيّ بعلمك واطِّلاعك على أمور خلقك، عن إعلامي بما أنا فيه عبدٌ من عبادك، قد كفر نعمتك وما شكرها، وألقى العواقب وما ذكرها، أطغاه حِلْمُك، واغترَّ بأناتك، حتى تعدَّى علينا، وأساء إلينا عتوًا وعدوانًا، اللهمَّ قَلَّ الناصر، وأُعِز الظالم، وأنت المُطَّلع العالِم، والمنصف الحاكم، بك نُعَزُّ عليه، وإليك نهرب من بين يديه، فقد تعزز علينا بالمخلوقين، ونحن نعتزُّ بك يا رب العالمين، اللهمَّ إنّا حاكمناه إليك، وتوكلنا في إنصافنا منه عليك، وقد رفعتُ ظُلامتي إلى حرمك، ووَثِقتُ في كشفها بكرمك، فاحكُمْ بيني وبينه وأنت أحكم الحاكمين، اللهمَّ أظهِرْ قدرتَك فيه، وأرِنا ما نرتجيه، فقد أخذته العِزَّة بالإثم، اللهمَّ فاسلُبْه عِزَّه، ومَلِّكْنا ناصيتَه، يا أرحم الراحمين، وصلَّى الله على سيدنا محمَّد وسلَّم وكرَّم. فحملها البدويُّ وعلَّقها على الكعبة، فحسب ذلك اليوم، فوجد البساسيريَّ قُتِلَ وجيء برأسه بعد سبعة أيام من التاريخ، ومن شعر القائم قاله في الحديثةِ: [من البسيط] خابَتْ ظنوني ممَّنْ كنتُ آمُلهُ … ولم يَجُلْ [ذِكْرُ] (١) من واليت في خَلَدي تعلَّموا من صروف الدهر كُلِّهمُ … فما أرى أحدًا يحنو على أحدِ

стр. 9001

وقال أيضًا: [من الرجز] ما لي من الأيام إلَّا موعدٌ … فمتى أرى ظفَرًا بذاك الموعدِ يومي يمرُّ وكلَّما قضَّيتُهُ … علَّلتُ نفسي بالحديثِ إلى غدِ أحيا بنفسٍ تستريحُ إلى المنى … وعلى مطامعِها تروح وتغتدي وأقام القائم مدةَ مقامه يتوقَّع البساسيريَّ وحصارَه القلعة ساعةً بعد ساعة، ويحسب أنَّه يبعث به إلى مصر، فكان ذلك أشدَّ عليه من الحبس، ويتمنى الموتَ على عدد الأنفاس، إلى أن أتاه الفرج. ذكر مسير السلطان خلف البساسيري ومقتله: لمّا عبر الخليفةُ دارَه عبر السلطانُ دجلة، ونزل بالنَّجمي قاصدًا للبساسيري، فجاءه سرًّا من باب منيع مُقدَّمه من خفاجة، وقال له: أيها السلطان، الرأيُ أن تُنفِذَ معي ألفي غلام من العسكر لأمضي على طريق الكوفة، وأُشغِلَ البساسيريَّ عن الإصعاد إلى الشام، وتنحدر أنت وراءه فتأخذه من غير فوتٍ، فلم يُعجبِ السلطانَ ذاك، إلا أنَّه قد خلع عليه وأعطاه سبع مئة دينار، فلمّا انتصف الليل انتبه السلطان واستدعى خُمارتِكين الطغرائي، وقال له: رأيتُ الساعةَ في منامي كأني قد ظفرت بالبساسيريّ وقتلتُه، فالواجب أن تُسيِّر إليه عسكرًا من طريق الكوفة -كما قال- سرايا، فخُذْ معكَ ألفَي غلام وسِرْ. فقال: سمعًا وطاعةً. واشتغل بتجريد الغلمان، فدخل أنوشروان على السلطان، واستأذنه في المسير إليه مع الغلمان، وانضاف إليهما يارختِكين، وسارتِكين الحاجب، وجماعة من العرب محمد بن منصور العقيلي، وساروا إلى طريق الكوفة، وسار السلطان بنفسه إلى واسط يوم الجمعة تاسع عشرين ذي القعدة منحدرًا على دجلة، ولمّا فارق بغدادَ شرع أصحابُه في خراب البلد، فأحرقوا الأسواق والدروب، وأخذوا الناس فعاقبوهم، واستخرجوا الدفائن، ودام النهب والحريق والقتل حتى خربت بغداد ودُثِرَتْ من الجانبين، ولم يبقَ غيرُ حريم دار الخلافة، وما فيه إلا آحادُ الناس، ومات بالجوع والبرد كثيرٌ من الناس، وأمَّا البساسيريُّ فإنَّه أقام بواسط مستهينًا بالسلطان، متشاغلًا بجمع الغلّات والتمور يصعد بها إلى بغداد، فبلغه دخول الخليفة والسلطان إلى بغداد، فعزم على الهرب، وتحيَّر في أمر الغلّات والتمر ماذا يفعل فيها،

стр. 9002

فوقعت نار في زورق كبير فاحترق فتطيَّر، وكان فارسطغان الحاجب لمّا عصى على جلال الدولة سنة ثمان وعشرين وأربع مئة ونزل بدير العاقول جمع الزواريق، فاحترق زورق كذا، فقُتِلَ بعد سبعة أيام، وكذا البساسيري، فاحتاج أن ينزل على دُبيس ويستجير به، وقد كان شاكًّا فيه؛ لما يعرفه من انحرافه عنه، وما فعل معه لمّا فتح بغداد، وإنما ألجأَتْه الضرورةُ إليه، وكان دُبيس خائفًا من السلطان ولم يحضر إليه، فنزل البساسيري عليه، وطرح نفسه بين يديه، واستجار به، واجتمعت العرب عند دُبيس وهو بين الحلَّة وواسط على الفرات، وحدر دُبيس ماله ورجاله إلى البَطيحة، وصاحبها أبو نصر بن الهيثم، وانحدر معهم جماعةٌ من أهل بغداد، منهم أبو عبد الله المردوسي وغيره، ولمّا وصلت السرية التي بعثها السلطان إلى حِلل دُبيس نزلوا قريبًا منهم، فأرسل البساسيريُّ إليه، وقال: المصلحة تواقعهم الليلة، فإنهم كالُّون، وخيلُهم قد تعبت. فامتنع عليه، وقال: نُباكرهم غدًا، وأصبحوا، فراسل أنوشروان بن مَزْيَد، والتمس به الاجتماع، فمضى إليه، واجتمعا، فقال له: عميد الملك يُسلِّم عليك ويقول: قد مكَّنْتُ في نفس السلطان منكَ ما جعلْتُ لك منه المحلَّ اللطيف، والموقعَ المنيف، وشرحْتُ له ما أنت عليه من طاعته، ويجب أن تُسلِّم هذا الرجل، وتَسْلَم أنت ومَنْ في صحبتك، فما المطلوب سواه لما اقترفه من عظيم ذنبه، وارتكبه من كبير جُرْمه، وإن امتنعتَ واحتجبتَ بالعربية وذمامها وحرمة نزوله عليك والتزامها فانصرِفْ عنه ودَعْنا وإيّاه. فقال: ما أنا إلا خادم السلطان، سامعٌ مطيع لأوامره ومراسيمه، إلَّا أنَّ البدرية حلمها وذمامها، وقد نزل هذا الرجل عليَّ نزولًا ما آثرتُه ولا اخترتُه، بل كرهتُه وأبيته، وقد عرفتَ ما فعلتُ معك ومع عميد الملك ببغداد لمّا التجأتما إليَّ ونزلتُما عليَّ، وكيف خدمتكما وسَيَّرتكما، والصواب أن تُسرع في صلاح حال البساسيري مع السلطان وتصطنعه وتستخدمه، فما يُستغنى عن مثله وقد فات ما ذبح، وعفا الله عما سلف. فقال له أنوشروان: هذا هو الرأيُ، ونحن نبعد [عنكم من حِلَّة، وتبعدون عنا مثلها؛ لئلا يتطرَّق البعض إلى البعض] (١) بوقوع العين في العين، والسلطان قد وصل إلى النعمانية، وأنا أراسله في هذا وما نخالفك، وما فيهما إلا من

стр. 9003

قصد خديعة صاحبه، أما دُبَيس فإنَّه قصد مدافعة السلطان لما تحقَّق وصولُه، حتى يبعد عنه السرية، فإنه يصعد في البرية إلى حيث يأمن على نفسه وحِلَّته وعشيرته، ويدبِّر أمر البساسيري في مُضيّه عنه، وأما أنوشروان فإنه قصد أن يبعد عن القوم، ويفسح لهم في البرية، فإذا رحلوا تبعهم وأكبَّ عليهم؛ لأنهم حينئذ يكونون قد اشتغلوا برحيلهم وأهلهم عن الحرب، فكان ما قصد صحيحًا، وفعله الله تعالى، وعاد دُبيس إلى البساسيري وأخبره، فقال: الأمر إليك، قد أشرتُ بما أشرتُ وما قُبِلَ مني، افعَلْ ما تراه. وأصبح دُبيس يوم الثلاثاء حادي عشر ذي الحجة هو والبساسيري، فرحلا ورحل أنوشروان بمقابلتهم قُذًّا (١) كمن يراصدهم، فلمّا أخذوا في الرحيل أكبُّوا عليهم، فثبت البساسيري، وتبيَّن لدُبيس غلطُه، فسارع إلى أوائل الظعن ليردَّه فلم يقبلوا منه ولا التفتوا إليه، وصار الواحدُ يُردف ولدَه خلفه وامرأتَه، وتشاغلوا بنفوسهم، وألقى الله في قلوبهم الرعب، فانهزم دُبيس بن مَزْيَد، ووقف البساسيري فقاتل، وكثروا عليه وأسروا أبا الفتح بن وَرّام أميرَ الأكراد بالحِلَّة، فأفرج عنه أنوشروان واصطنعه، وثقُلَ ذلك على السلطان لمّا بلغه، وأسر منصورًا وبدرانَ وحمادًا أولادَ مَزْيَد، وانهزم البساسيري بعد أن تورَّط فيهم على فرس بتجافيف، فلم يتَّجِه، وضربه بنُشّابة، واجتهد في قطع التجافيف فلم ينقطع، وأدركه بعض الغلمان فضربه في وجهه بالسيف ولم يعرِفْه، ورآه بعض العرب المجروحين وأسره كُمُشْتِكين، فنازعه عليه أردم الخادم، فنزل إليه، وحزَّ رأسه، وجاء به إلى السلطان. وقال محمد بن هلال الصابئ: اعتبرتُ دخولَ أصحاب البساسيري بغداد، فكان اليوم السادس من ذي القعدة سنة خمسين، وخرج أهلُه وأولادُه منها في مثل ذلك من السنة الآتية، وانتزع الخليفةُ من داره يوم الثلاثاء ثامن عشر كانون الثاني في سنة خمسين، وقُتِلَ البساسيريُّ يوم الثلاثاء الثامن عشر منه في السنة الآتية، وهذا من الاتفاقات الغريبة، ودخل الأتراك في الظعن جميعه فساقوه، وكان فيه أموالُ بغداد جميعُها مع الأكابر، وأموالُ العرب بأسرها مع نسائها وأولادها، وكان في السبي نساءُ البساسيري وأولادُه وبناتُه وزهرة وزوجتُه وأختان لابن مَزيَد وابنتان له، وارتكب من

стр. 9004

النساء المحظور، ونجا من نجا على فرسه دون ماله وحرمه، وبقيت الثياب والأموال مطروحةً في البرية لكثرتها، وعجز الغلمان عن حملها، وهلك مِن الناس العددُ الكثيرُ، والجمُّ الغفير. وكان الفتكُ من العرب، فإنهم أفسدوا، والتُّرك لم يفسدوا، وإنما أخذوا الأموال، وأحضر السلطانُ جماعةً، فعرفوا رأس البساسيري، فوجدوا في جيبه خمسة دنانير، فدفعها السلطان إلى من قوَّر رأسَه، وأخرج مخَّه، ثمَّ بعث به إلى بغداد، فوصل يوم السبت منتصف ذي الحجة، فتُرِك على قفاه، وطِيفَ به، وضُربت بين يديه الدبادب والبوقات، وعُلِّقَ مدةً، ثمَّ حُمِلَ إلى خزانة الرؤوس، فيقال: إنه باقٍ إلى هلُمَّ جرًّا. وهرب ابن مَزْيَد إلى البَطيحة، ومعه أبو البركات بن البساسيري وأخواه الصغيران -وقيل: زهرة والدتهما وأخته- ووصل السلطان إلى واسط، فرأى أصحابه قد نهبوها، فعزَّ عليه، ولام أريسغى، وكان قد تقدَّم إليها، وعبر السلطان إلى الجانب الشرقي قريب من البطائح، وجاءه هزارسب، وتوسَّط خالُ ابن مَزْيَد معه، وحضر باب السلطان، وداس بساطه، ثمَّ أصعد في خدمته إلى بغداد، وكذا صدقة بن منصور، وردَّ السلطانُ على ابن مَزْيَد وأولاده وإخوته الأسرى، وقَبْلَ إصعادِ السلطان أنفذَ من واسط والدةَ الخليفة ووالدةَ الأمير أبي القاسم علاء الدين بن ذخيرة الدين وصلف -وقيل: اسمها وصال القهرمانة- وتبعهم خلقٌ كثيرٌ من أهل بغداد، وكانوا في أسر البساسيري ومعه في الوقعة فأُخِذوا. ذكر ما جرى لابن البساسيري الصغير: كان نائبًا عن أبيه في الرحبة، فوصله الخبر في يوم الأحد الحادي والعشرين من ذي الحجة، فارتاع وخاف المقام، وبلغه أن مهارشًا قد خرج من بغداد في ثلاث مئة غلام من الأتراك يريد الرحبة، فأراد أن يقصد بالِس، وكانت لعطية بن الزَّوقلية الكلابي، وكان بينه وبين أبيه مودةٌ وصداقة، وأغارت بنو شيبان على سواد الرحبة وأحرقوا، فخاف الصبيُّ أن يخرج لقبيح فعل بني شيبان وغَدْرِهم، فاستدعى وجوههم وقال: تسيرون معي إلى بالِس، وجعل لهم على ذلك خمس مئة دينار، واستحلفهم وتوثَّق منهم، وأودع الذهب عند مَنْ رضوا به، فإذا قاربوا بالِس رجعوا، واستدعى جماعةً من

стр. 9005

العجم ممن استأمن إلى أبيه، فأعطاهم ثلاثة آلاف درهم وسلاحًا، فأظهروا طاعتَه، وأبطنوا مخالفتَه، والتجؤوا إلى محلة في الرحبة يُقال لها: القصر، وعليها سور، واجتمع القاضي وابن محكان وأبو الكرم كاتب الديوان على الخطبة للسلطان طُغْرُلْبَك والقائم، ولم يتحقَّقوا حقيقة الحال، إلا أن مهارشًا البدري قصد الرحبة في سرية، وخرج ابن البساسيري في خامس عشرين ذي الحجة مبرزًا، فأغلقوا وراءه الأبواب، ورماه العجم الذين أعطاهم الأموال والسلاح والنُّشّاب، وسبُّوه وشتموه، وخرج معه خلقٌ كثير من أهل البلد كانوا مع أبيه، وسار طالبًا بالِس، ولم يقنع بنو شيبان بما قرَّره لهم، فتخطَّفوا (١) الناسَ ونهبوهم، ولو لم يكن في جماعة كثيرة لنهبوه، ووصل إلى بالِس واجتمع بعطية ولم يتعرَّض له، كلّ هذا وما عند أحدٍ خبرُ ما جرى للبساسيري، إلا أنهم على انتظاره، وابنُه يُمنِّيهم رجوعَه، ثم سار يطوي المنازل إلى حلب، فأقام على بابها. وفي هذا الشهر عزل القائمُ أبا الحسن محمد بن أحمد بن المهتدي عن خطابة جامع المنصور؛ لأجل خطبته لصاحب مصر، وولَّى مكانه أبا علي الحسن بن عبد الودود بن المهتدي، وخلع عليه خِلْعةً سوداء، وبرز له توقيع، فيه خرجت الأوامرُ الشريفة، والمراسيمُ العالية المتقنة (٢) أنفذها الله شرقًا وغربًا، وبُعدًا وقُربًا، بترتيب الشريف الجليل بهاء الشرف -أدام الله تأييده- في الخدمة وإقامة الدعوة الشريفة على المنبر بالمسجد جامع المنصور -صلواتُ الله على الآمر ببنائه- وأن يعتمد على المداومة في الخدمة وإيصالها، فليُتمثَّلِ المأمور، وليُعتمَدِ المرسوم إن شاء الله تعالى. ذكر ما اعتمده الخليفة بعد رجوعه: لمّا عاد إلى بغداد من الحديثة لم ينَمْ على وطاء، ولم يدَعْ أحدًا يحمل إليه فطوره؛ لأنه نذر أن يتولى ذلك بنفسه، وعقد مع الله العفوَ عمَّن أساء إليه، والصفحَ عن جميع من تعدَّى عليه، فوفى بذلك، وأشرف في بعض الأيام على البنّائين في داره، فأمر الخادم بإخراج واحد منهم، ثمَّ رآه في الدار، فقال للخادم: أعطِه دينارًا وأخرِجْه،

стр. 9006

وتهدَّده إن عاد ثانيًا. فأتاه الخادم وأعطاه دينارًا، وقال: إن عُدْنا رأيناك ها هنا قتلناك. فسأل الخليفةَ عن السبب، فقال: إنَّ هذا أسمعني يومَ خروجي من الدار الكلامَ الشنيع، وما كفاه حتى تبِعَني إلى المكان الذي بِتُّ فيه في المشهد، وجعل يشتمني، وما كفاه حتى تبِعَني إلى عَقْرَقُوف يُسمِعني ما أكره، فأمسكت عن معاقبته رجاءَ ثواب الله تعالى، وما عاقبتُ مَنْ عصى الله فيَّ بأكثرَ مِنْ أن نُطيعَ الله تعالى فيه. وفيها كان بمكة رُخْصٌ لم يُعهَدْ مثلُه، بلغ البُرُّ والتمرُ مئتي رطل بدينار، وهذا غريب في ذلك المكان. وفيها قُتِلَ أرسلان التركي أبو الحارث البساسيري، وكان يُلقَّب بالمظفَّر، وكان مُقدَّمًا على الأتراك، لا يقطع القائم أمرًا دونه، فتجبَّر وطغى، وأراد نقل الدولة؛ لفسادِ نيَّتِه وخُبثِ طويَّتِه، فقبِلَها وفعل ما فعل، فقُتِلَ أقبحَ قتلة، ويقال: إنهم أحرقوا جسده، وأطعموا بعضَه الكلاب. وقال أبو يعلى بن القلانسي: لم تَزلِ الأخبارُ متواترةً من ناحية العراق بظهور المظفَّر أبي الحارث أرسلان البساسيري، وقوَّةِ شوكته، وغلَبَةِ أمره على الإمام القائم بأمر الله، وقَهْرِ نُوَّابِه، وامتهانِ خواصِّه وأصحابه، وخوفِهم من شرِّه، حتى أفضى أمرُه بأخذ الجائي من حريم الخلافة لأدافع عنه، وهو واحد من الغلمان الأتراك، عَظُم أمرُه، واستفحلَ شأنُه؛ لعدم نُظرائه من الغلمان الأتراك والمُقدَّمين، فاستولى على العباد والأعمال (١)، ومدَّ يده في جباية الأموال، وشاع بالهيبة أمرُه، وانتشر ذِكرُه وتهيبته العرب والعجم، ودُعي له على كثير من منابر العراق والأهواز، وقد ذكرنا سيرته مفصَّلة. [وفيها تُوفِّي] الحسن بن أبي الفضل (٢) أبو علي الشَّرْمَقاني، -وشَرْمَقان: قريةٌ من قرى نيسابور -وقدم بغداد، وكان حدثنا حافظًا للقرآن ووجوه القراءات، زاهدًا، عابدًا، ورعًا، سليم الصدر، طاهر البدن (٣)، كان يخرج إلى دجلة فيقعد عند أقوام يغسلون الخسَّ فيأخذُ من الورق ما يحدره الماء [قال

стр. 9007

الخطيب: وكان الشَّرمقاني] يقرأ على ابن العلَّاف، و [كان] يأوي إلى مسجد بدرب الزعفران غربي بغداد، فاتَّفق أنَّ ابن العلّاف خرج يومًا يتوضأ على دجلة، وكان زمان مجاعة، فرأى الشَّرْمَقانيَّ يأخذ ما يرمي به أصحابُ الخسِّ من الورق فيأكلُه، فشقَّ عليه، وكان ابن العلّاف ينبسط إلى [أبي القاسم] رئيس الرؤساء الوزير، فأخبره بحاله، فقال: نبعث له شيئًا. قال: ما يقبل. فقال: نتحيَّل فيه. فقال لغلام له: اذهَبْ إلى مسجد الشَّرْمَقاني، واعمل لغَلَقِه مفتاحًا من حيث لا يشعر. ففعل الغلام، فقال له: احمِلْ في كل يوم ثلاثةَ أرطال خبز ودجاجةً مشوية وقطعةَ حلوى بسُكَّر. فكان الغلام يرصده، فإذا خرج من المسجد فتح الباب وترك ذلك في القبلة، وكان الشَّرْمَقاني يتعجَّب ويقول: المفتاح معي، وما هذا إلا من الجنة. فسكتَ ولم يُخِبرْ أحدًا خوفًا أن ينقطع، فأخصب جسمُه وسمِنَ، فقال له ابن العلَّاف: قد سَمِنْتَ [وحَسُنَ حالك] فأيش تأكل؟ فأنشده يقول: [من البسيط] مَنْ أطلعوه على سرٍّ فباحَ به … لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا وأخذ يُورِّي ولم يُصرِّح، [ويُكني ولا يُفصح]، فلم يزَلْ به حتى أخبره وقال: هذه كرامة لي، يبعثها اللهُ لي كلَّ يوم من الجنة، كذا وكذا. قال: من أين لك ذلك؟ قال: لأنَّ الباب مغلق، والمفتاح معي. فقال: ينبغي أن تدعو للوزير [ابن المُسلمة] ففهم، وانكسر قلبُه، وتنغَّص عيشُه، وتوفِّي عقيب ذلك اليوم السابع [سمع ابن شاهين وغيره، وكتب عنه الخطيب وغيرُه. وفيها تُوفِّي] أبو البركات، عَقيل بن العباس (١) ابن الحسن بن أبي الجِنّ الحسين بن علي، وُلِدَ بدمشق سنة اثنتين وتسعين وثلاث مئة، وولي نقابة العلويين بها، وكان جوادًا سمحًا، توفي بطرابلس، وحُمِلَ إلى دمشق ودُفِنَ بها، رحمه الله تعالى. [قال ابن عساكر: حدَّث عن عبد الله بن أبي كامل وغيرِه، وروى عنه أبو القاسم النسيب شيخ الحافظ ابن عساكر].

стр. 9008

علي بن الحسين بن هندي (١) قاضي حمص، [ذكره الحافظ ابن عساكر، وقال]: ولد سنة أربع مئة، وبرع في علم الأدب والشعر، وتوفي بدمشق، ودُفِنَ بباب الفراديس، ومن شعره: [من الكامل] يا ضاحكًا بمن استقلَّ غُبارهُ … سيثورُ عن قدميكَ ذاكَ العِثْيَرُ (٢) لا فارسٌ بجنودها منعَتْ حمى … كسرى ولا للرُّومِ خلِّدَ قيصرُ جددٌ مضَتْ عادٌ عليه وجُرْهُمٌ … وتلاه كهلانٌ وعقَّبَ حِمْيَرُ وسطا بغسَّانَ الملوكُ وكِنْدةٌ … فلها دماءٌ عندهُ لا تثأرُ لعبَتْ بهم فكأنَّهم لم يُخلَقوا … ونُسوا بها فكأنَّهم لم يُذكَروا علي بن محمود بن إبراهيم (٣) أبو الحسن، الزَّوزَني، المنسوب إليه الرباط المقابل لجامع المنصور، والرباط إنما بُني للحصري، والزَّوزَني صاحب الحصري، فنُسِبَ إليه، ولد عليٌّ سنة سبع وثلاثين وثلاث مئة، وصحب الحصري، وكان يقول: صحبتُ ألف شيخ، وأحفظ من كل شيخ حكاية. وكانت وفاتُه في رمضان، ودفن بباب الرباط. قريش بن بدران أبو المعالي، ويُلقَّب بعلم الدين، أمير بني عقيل، كان داهيةً، بخيلًا، سفاكًا للدماء، بعيدَ الغور، غدارًا، حمله شحُّه وقلَّةُ دينه على موافقة البساسيري على تغيير الدولة العباسية، شرهًا إلى ما كان في دار الخلافة، وطمعًا في الزيادة من صاحب مصر، وفعل تلك الأفاعيل، وذمَّ الوزير رئيس الرؤساء وغدر به، وسلَّمه إلى البساسيري، حتى فعل به ما فعل، ولم يمنعه، ولو منعه ما خالفه، وكان قد احتال على مهارش، وقال له: خُذِ الخليفة، وتعال إلينا، وكان قصدُه أن يُدخل الخليفةَ إلى الجِفار ويُسلِمَه إلى صاحب مصر، فبعثه السلطان، وخلص الخليفة، ولم يستصحِبْه البساسيري

стр. 9009

لأجل عسكره، فإنه كان شحيحًا والعرب ذامةٌ له، متفلِّلةٌ عنه لأجل اسمِه وذِكْرِه، فبذل له أن يُقطِعه أملاكَ الخليفة وإقطاعَه، وأن يكون ما عدا ذلك بينهما نصفين من البلاد والغنائم، وأن لا يكون لقريش ذمامٌ ولا إجارةٌ عليه، وتحالفا على ذلك وتكاتبا وتعاهدا، فلمّا دخلا بغداد تسلَّم قريش الأملاك والإقطاعات التي للخليفة، وخرج أصحابه إلى الضياع، فصادروا أهلها، وأخذوا ما قدروا عليه، ولمّا استوليا على دار الخليفة اقتسما ما كان فيها من مال وجوهر وقماش وثياب وخيل، وطلب قريشٌ أن يُسلِّم إليه نصف الإقطاعات المنحلَّة عن الغلمان البغدادية وغيرهم، فامتنع البساسيري من ذلك، ثمَّ اتَّفقا على الثلث، إلى أن وصل السلطان البلاد، فزال ذلك كلُّه، ودخل الخليفةُ إلى داره، وقُتِلَ البساسيري، ومات قريشٌ بالموصل خائفًا من السلطان، وقام بعده ولده مسلم، وكنيتُه أبو البركات. وقيل: إن قريشًا مات في السنة الآتية، وكان السلطان قد أباح دَمَه، وقال: لا عهدَ له عندي ذاك الكَذّاب الغَدّار المستبيحُ أموال الخليفة وبُلَغَه، فمات في صفر. السنة الثانية والخمسون والأربع مئة فيها في صفر نزل عطية صاحب بالِس إلى الرحبة وحصرها وفتحها، فلمّا دخلها أحسن معاملة أهلها، وخطب للمستنصر بعد أن كان قد خطبوا فيها للقائم والسلطان. وفي يوم الخميس سابع عشره دخل السلطانُ بغداد مصعدًا من واسط، وفي خدمته أبو كاليجار هزارسب، وأبو الأغر بن مَزْيَد، وأبو الفتح بن وَرّام، وصدقة بن منصور بن الحسين، وجلس الخليفة للسلطان، ووصل إليه يوم الاثنين الحادي والعشرين منه، وخلع عليه عمامةَ قصب مُذْهَبة مينا، وفَرَجية ديباج مُذْهَبة، وعمل الخليفةُ سِماطًا عظيمًا في رُواقِ رَوْشَن المكتفي المشرف على دجلة بعد أن أُعيدت شرافاته التي قلعها البساسيري، وحضر السلطانُ ومَنْ سمَّينا، واستحلفوا على طاعة السلطان والخليفة وخلع على الأمراء. وفي ثاني ربيع الأول توجَّه السلطان إلى الجبل، وتأخَّر عميد الملك بعده ليدبر الأمور، ثم لحق بالسلطان بعد أن دخل على الخليفة وخدمه، فشكره وخاطبه بالجميل الذي شرح صدره، ولقَّبه سيِّدَ الوزراء مضافًا إلى عميد الملك.

стр. 9010

وفي يوم الثلاثاء تاسع جمادى الآخرة ورد الأمير عُدَّةُ الدين أبو القاسم عبد الله بن ذخيرة الدين وجدته وعمته مع أبي الغنائم بن المحلبان وسِنُّه أربع سنين، واستقبله أبو الفتح المظفَّر بن الحسين عميد بغداد، ولّاه السلطان في هذه السنة، والتقاه أيضًا الخدم والحُجّاب والأعيان في الماء وعلى الظهر، وجلس الأمير في الزبزب وعلى رأسه أبو الغنائم بن المحلبان والخدم والخواصُّ، وصعد بباب الغربة، وقُدِّم له فرسٌ فأركبه ابنُ المحلبان، ودخل به إلى حضرة الخليفة، وكان الخليفة قد أعدَّ لابن المحلبان مالًا وخِلَعًا، فامتنع مِنْ أخْذِه، وقال: ما أُريد إلَّا أن أُسلِّم الأمير من يدي إلى يد أمير المؤمنين. فأذن له، فدخل عليه، وقبَّل الأرض ويدَه، وسلَّم الأميرَ إليه، فشكره القائم، وأثنى عليه، ورفع منزلته. ذكر السبب في سلامة الأمير وما جرى لهم: قال أبو الغنائم بن المحلبان: لمّا فُتحت دارُ الخليفة دخلتُ إلى داري بباب المراتب، فوجدتُ بها زوجةَ رئيس الرؤساء ابنِ المُسلمة وأولاده، والبساسيري (١) يطلبهم أشدَّ الطلب، فقلتُ: من أنتم؟ قالت: أنا زوجة الوزير، وقد تحيَّرنا وما ندري ما نصنع ولا أين نهرب؟ وكنا قد استشرنا صاحِبَنا -يعني ابن المُسلمة- فقلنا: إلى من نقصد؟ فقال: ما لكم غير أبي الغنائم بن المحلبان، فإن كان لكم خلاصٌ فما أرجوه إلا منه (٢) وعلى يده، فاقصدوه فإنه يتعصَّب لكم، ويتوصَّل إلى حفظكم. فقلتُ: طيبوا قلوبَكم، نفسي دون نفوسكم، وخلطتُهم بأهلي عند سكون الثائرة، وأنزلتُهم بدار الخليفة، فلمّا صُلِبَ الوزير أخرجتُهم إلى من أثِقُ به إلى ميّافارقين، وقلت: هؤلاء أهلي أخاف عليهم، وخرجوا في محمل، فاتَّفق خروجُ البساسيري يودعُّ قريشَ بن بدران ومحملَهم إلى جانب البساسيري، وسلَّمَ اللهُ، ومضَوا سالمين، ثم جاءني محمد الوكيل فقال: قد عرفتَ [أنَّ] (٣) ابنَ الذخيرة وبنتَ الخليفة وأمَّها يبيتون في المساجد

стр. 9011

مع المُكْدين (١)، وينتقلون من مكان إلى مكان وما يشبعون بالخبز وهم عُراة، ولمّا علموا بما فعلتَ مع أهل الوزير واختلاطي بك سكنوا إليكَ وإليَّ، وأطلعوني على أمرهم، وسألوا في خطابك في معناهم وتدبير أمرهم، وقد ذكروا أنَّ أبا منصور بن يوسف أرشدهم إليك، فما رأيُكَ؟ وكان البساسيري قد أذكى (٢) عليهم العيون، فشدَّد في طلبهم، وقد عميت عليه أخبارُهم، واستعجبت آثارُهم، فقلت له: واعِدْهم المسجدَ الفلانيَّ حتى أُنفذ زوجتي إليهم. ففعل، وحصلوا في داري، فحملتُ إليهم ثيابًا سنيَّةً وكسوةً، وقلتُ: سَلْهم كم كانت مشاهرتُهم على الخليفة؟ فقالوا: كذا وكذا. فأضعفتُ ذلك، وأقاموا عندي ثمانية أشهو على أحسن حال، فلمّا تواترتِ الأخبار بمجيء السلطان وعسكره (٣) خافوا وراسلوني، وقالوا: لا نُقيمُ في هذا البلد مع دخول العسكر، فإنَّ خوفَنا منهم مثلُ خوفِنا من البساسيري، من أجلِ هذا الصبي، فإنَّ أرسلان خاتون ضرة جدته، وهي كارهة لسلامته، ونريد أن تخرجنا مع ثقة لك بحيث نأمنُ على نفوسنا، وننصرفُ على حسب اختيارنا، فانتدبتُ لهم صاحبًا لي ولم أُعلِمْه بهم، بل قلتُ: هؤلاء أهلي، وأُريد أن أُخرجهم خوفًا من البساسيري، واشتريتُ لهم الجمال، وجهَّزتُهم إلى قرية من قرى سِنْجار تُعرف بالحِيال، وجاء الغُزُّ فدخلوا بغداد، فخرجتُ نحوهم، وحملتُهم إلى حَرّان، فلمّا دخل الخليفةُ بغداد حملتُهم إليه (٤). قال المصنف ﵀: وقفتُ على تاريخ ميّافارقين، وفيه أن أبا نصر بن مروان الكردي -صاحب ديار بكر- أنزلهم في قصر بآمد، وأجرى عليهم الجرايات، فقال له القاضي أبو علي بن البغل: أُحِبُّ أن تكون ضيافتُهم عليَّ. فقال مروان: كيف يُسمَعُ عني أنَّ ابنَ الخليفة أقام عندي ولم يكن في ضيافتي. فقال: يسمع الناسُ أنَّ بعضَ خدمك أقام بابن الخليفة فلم يُجِبْه.

стр. 9012

وفي رجب وُقِفَتْ دارُ الكتب، فسارع ابنُ أبي عوف من غربي بغداد ونقل إليها ألف كتاب، وذلك لأنَّ الدار التي وقفها سابور الوزير -بين السُّورَين في الكَرْخ، سنة ثلاث وثمانين وثلاث مئة- احترقَتْ لمّا دخل طُغْرُلْبَك بغداد، وتمزَّقت الكتب، ونُهِبَ الباقي، وحُمِلَ [أكثرها إلى خراسان، ودَرَس العلم، والمكان الذي كانت فيه] (١) من حساب الكَرْخ ورواصعه (٢). وفي رجب ملَكَ محمود بن شبل الدولة بن الزَّوقلية ومنيعٌ ابنُ عمه حلبَ والقلعة، وأخرجا منها أبا علي بن ملهم النائب من قِبَل مصر، بعد أن أذمّا له، وسببُه: لمّا حصل عطية بن الزَّوقلية بالرحبة، ورأى أهلها قد أنفذوا إلى بغداد بالطاعة، وأقاموا الخطبة والسلطان، خاف من سرية من العساكر السلطانية، فأحدر صاحبًا له إلى بغداد في الطاعة والخدمة، فطلب من الخليفة خِلَعًا ولقبًا ليخطب له، وعرف أبو علي بن ملهم بذلك، فكتب إلى مصر، فانزعجوا وعملوا على من يقصد الرحبة ويُخرِجُ منها عطية، وكاتبوا إلى الرحبة، وأنفذوا جلال الدولة -مُقدَّم كتابه- والقاضي العلوي الزيدي -قاضي دمشق- إلى حلب شدًا من ابن ملهم، وعرفت بنو كلاب بمسير بني كلب إلى أرضهم، فخافوا وقصدوا ابن ملهم وجلال الدولة والقاضي، وقالوا: قد بلَغَنا مجيءُ بني كلاب إلى ها هنا لأجل عطية والرحبة، ونحن نعطيكم رهائن، ونكفيكم أمرَ عطية الرحبة، من غير أن تطأ بنو كلاب ديارنا، ومتى فعلتم ذلك أخرجتمونا إلى العصيان. فقالوا: هذا أمر جاء من مصر، ليس لنا فيه رأيٌ. فأيسوا منهم، وكتبوا إلى عطية بما جرى، واستدعوه ليؤمروه ويدفعوا بني كلب، فأصعد من الرحبة إليهم، واستحلفهم وتوثَّق منهم، واتفق أن خاتون يئست وقطعت من بني عقيل وبني سنان، وخَفاجةُ كانوا نازلين علي بني كلاب، فساروا بأجمعهم مع عطية إلى حمص وحماة، فأخذوهما وهما من أعمال بني كلب، وأخربوا سور حمص، ونهبوا الغلّات، وجاء أبو تغلب بن حمدان في جماعةٍ من أصحابه وبني كلب إلى فامية، ووصلتِ الكتب إلى عطية من

стр. 9013

مصر باستعطافه، فرجع عن ذلك، وانصلحت نيّتُه، وقد كانت علوية بنت وثاب أم محمود بن شبل الدولة -عند هذا الاختلاط- قد أفسدت جماعةً من أحداث حلب واستمالتْهم، وكتبت إلى محمود ولدها ومنيع ابن عمه -وكانا بالقرب من البلد- فقَرُبا، وفتح الأحداثُ الأبوابَ لهما، ونادَوا بشعارهما، فدخلا في جماعة من بني كلاب، وظفروا بجلال الدولة الكناني والعلوي القاضي قبل أن يصعدوا إلى القلعة، وقتلوا جماعةً من المغاربة والمصريين، وصعد قومٌ من الغلمان البغدادية إلى القلعة، وحصلوا مع المغاربة ومع أبي علي بن ملهم، وصارت الحربُ بينهم، ووثق محمود ومنيع بمن معهما من الأحداث واطَّرحا بني كلاب ولم يوصلا إليهم ما كان وعداهم به، فانحرفوا وقصدوا أبا تَغْلِب بن حمدان، وحصلوا معه، وثقُلَ على عطية تملُّكَها البلد، فانصلح لصاحب مصر، وحلف له، فسار أبو تَغْلِب بن حمدان حينئذ إلى حلب، وعرف محمودٌ ووالدتُه ومنيعٌ ذلك، فلم يقدروا على ذلك، فخرجوا ومعهم الكناني والقاضي مقيَّدَين، ونزل ابن ملهم من القلعة، وفتح الباب لأبي تَغْلِب، فدخل فقتل الأحداث وصلبهم، وأحرق أكثر البلد، وجاء عطية إلى أبي تَغْلِب فقيَّده بقيد من ذهب كان حُمِلَ معه من مصر، ثم فكَّ عنه، وأُفيضت عليه الخِلَعُ، وأُعطي مالًا كان ضُمِنَ له، وعزم أبو تَغْلِب على الخروج إلى بني كلاب الذين نزل عليهم محمودٌ ومنيع، فأُشير عليه أن لا يفعل، فلم يقبَلْ، وانعزل عطية عنهم بأهله، ومعه قطعةٌ من الغلمان البغدادية والنفيس (١) بن البساسيري الأصغر، وقد كان سلم من الحرب التي قُتِلَ أبوه فيها، ولمّا أصعد إلى حلب أكثر ابنُ حمدان القتل والنهب، وقرَّر عليهم مئتي ألف دينار التي أنفقها على العساكر المجردة، فرضُوا بذلك، ثم سار في عشرة آلاف من المغاربة والكلبيين وخفاجة وبني عقيل وبني شيبان إلى بني كلاب ليثبتهم، فثبتوا له، وقاتلوه يومهم، فلمّا كان من الغد نُصروا عليه، فهزموه وأسروه وأخاه، ووقع القتلُ في أصحابه بقيةَ يومه وليلتهم، فكان القتلى من المغاربةِ وغيرِهم سبعةَ آلاف رجل وخمس مئة، وقُتِلَ نبهان القرمطي أمير بني كلب، وأفلتَ ابنُ البساسيري، وأُخِذَ منه جميعُ ما كان معه من مال أبيه، ورجع محمودٌ ومنيعٌ وعلوية إلى حلب، وأمنوا ابنَ ملهم، وحلفوا له، فنزل

стр. 9014

وسلَّم إليهم القلعة بما فيها، وسار إلى فامية، واعتقلوا الكناني والقاضي في القلعة، وعاد عطية وابن البساسيري إلى الرحبة، وبلغ صاحبَ مصر، فأعاد أبا علوان وثِمال بن صالح بن الزَّوقلية إلى إمارة حلب، وأنفذه إليها بعد ما عزله [عنها] (١)، فدخلها وفكَّ ابنَ حمدان وأخاه من الأسر، وأفرج عن جلال الدولة والقاضي، وأطاعته العشيرة واحتشمَته، وكان محمود لمّا صعد القلعة أنشده ابن أبي حصين: [من الطويل] صبرْتَ على الأهوالِ صَبْرَ ابنِ حُرَّةٍ … فأعطاكَ حُسنُ الصبرِ حُسنَ العواقبِ وأتعبتَ نفسًا يا ابن نصرٍ نفيسةً … إلى أن أتاك النصرُ من كلّ جانبِ وأنتَ امرؤٌ تبني العلا غيرَ عاجزٍ … وتسعى إلى طَرقِ الرَّدى غير هائبِ تطوَّلَ محمود بنُ نصرٍ وفِعْلَهُ … كلابٌ كما طالتْ تميمٌ بحاجبِ وفي شعبان انحرف السلطان عن حصار توريز، وكان مقيمًا عليها من حين خرج من بغداد، وخربت تلك الأماكن من النهب، ومات أهلُها جوعًا، وتقدم فنزل بسامراء، وأمر العساكر بالمقام بها إلى حين يعبر الشتاء والثلج ويُعادوا إلى حصار توريز، فتعذَّرتْ على العساكر الأقواتُ والعلوفاتُ، فاجتمع الأعيانُ، ونزلوا على فرسخ من العسكر، وراسلوه بأنك قد فعلتَ ما فيه هلاكُنا وبلوغُ غرض العدو منا، فإن هذا المكان لا يحملنا، ولا نجد ما نأكل نحن وخيلُنا، ومتى أقمنا سقط الثلج علينا ومِتْنا، والرأيُ أن ننصرف إلى الريّ ونشتوا بها، وإذا جاء النَّوروز سِرْنا حيث نشاء، فلمّا سمع ذلك صَعُبَ عليه وتهدَّدهم، فنفروا وقالوا: ما نخرجُ عليك ولا نُغضِبُك، ولكن نمضي إلى بغداد ونستولي على أموالها، ونتفرَّق في أعمالها، ونستريحُ من هذه الأسفار المتَّصلة والتعب العظيم، ونَدَعُكَ ورأيَكَ، ومتى منعْتَنا حاربناك، وكان الخليفةُ معنا. فلمّا سمع ذلك صَعُبَ عليه وتهدَّدهم، وبان له منهم هذه المكاشفة، أعاد الجواب بأنكم أولادي، وما قلتُ ما قلتُ إلا بحكم الدالة، وإذا اخترتم الري فبعد خمسة أيام أتوجَّه إليها، وتقدَّم بضرب السرادق إلى ناحية الري، وحلف لهم وحلفوا له، ورتب أنوشروان وابنابجيل في تلك الأعمال، وسار نحو الري، وكان الذي أصلح هذه الأحوال خُمارتِكين الطغْرُلْبي، وهو المهتمُّ بوضع العساكر على السلطان، فأظهر له

стр. 9015

السلطان جميلًا، وخلع عليه، واستخلفه عميدُ الملك، وكان بينهما عداوةٌ متقدمة، وكان السلطان قد قلَّد أمر بغداد إلى أبي الفتح المظفَّر بن الحسين العميد، فشرع في عمارتها من الجانبين، وأحسن إلى الناس، وأقام الهيبة، ونهى أهلَ الكَرْخ عن العبور إلى الحريم والجانب الشرقي، فما كان إلَّا القليل حتى عمرت الأسواق، وكان قد ضمن بغداد في هذه السنة بمئة ألف دينار، وفيما بعدها بثلاث مئة ألف. وفيها تُوفِّي أحمد بن عبد الله بن فَضالة أبو الفتح، الموازيني، الحلبي، الشاعر، ويُعرف بالماهر، [قال ابن عساكر: وقد روى عنه أبو عبد الله الصوري شيخ الخطيب وغيره، وقال ابن الأكفاني: كان من أهل حلب فسكن دمشق، ومات بها في صفر، ودُفِنَ في داره، ثمَّ نُقِلَ إلى الباب الصغير، وكان ينظم الدرة ورأسَ الحرة، ويقول الجيدَ والرديء [ولا يُفرِّق بينهما]، ومن شعره: [من الكامل] من صحَّ قبلَكَ في الهوى ميثاقُهُ … حتى يصِحَّ ومَنْ وفي حتى تفي عرفَ الهوى في الخلقِ مُذْ خُلِقَ الهوى (١) … بمذلَّةِ الأقوى وعِزِّ الأضعفِ يا مَنْ توقَّدُ في الحشا بصدودِهِ … نارٌ بغيرِ وصالهِ لا تنطفي وظننتُ جسمي أنْ سيخفى بالضَّنا … عن عاذِليَّ فقد ضَنيتُ وما خفي وقال أيضًا: [من الوافر] أرى نفسي تجِدُّ بها الظُّنونُ … بأنَّ البَينَ بعدَ غدٍ يكونُ وما تركَ الفراقُ عليَّ دمعًا … يسِحُّ ولا تسِحُّ به الجفونُ وفرضُ البينِ (٢) منهزمٌ فقُلْ لي … عليكَ بأيِّ دمعٍ أستعينُ كأنِّي من حديثِ النفسِ عندي … جهينةُ عندها الخبرُ اليقينُ وقال أيضًا: [من المنسرح]

стр. 9016

الشِّعرُ كالبحرِ في تلاطُمِهِ … ما بينَ ملفوظِهِ وسائغِهِ فمنهُ كالمِسْكِ في لطائمِهِ … ومنهُ كالمَسْكِ (١) في مدابغِهِ الترنجان زوجة السلطان طُغْرُلْبَك، أمّ أنوشروان، زوجة خُوارَزْم شاه، كانت أم ولد، وفيها دينٌ وافر، ولها معروف ظاهر، وكانت تتصدق كثيرًا، وتفعل أفعال البرِّ، صاحبةَ رأيٍ وحزمٍ [وعزم] (٢)، وكان السلطانُ سامعًا لها مطيعًا، والأمور مردودةٌ إلى عقلها ودينها، وكانت وفاتُها بجُرْجان بعلة الاستسقاء، فحزن السلطان عليها حزنًا شديدًا، وحمل تابوتها معه إلى الري، فدفنها بها، ولمّا احتضرت قالت للسلطان: اجتهِدْ في الوصلة بابنة الخليفة لتنال شرف الدنيا والآخرة، وأوصَتْ بجميع مالها بأن يكون لبنت القائم. [وفيها تُوفِّي] الحسن بن أبي الفضل (٣) أبو محمَّد، النَّسَوي، صاحب شرطة بغداد، [و] كان صارمًا فاتكًا، يقتل الناس، ويأخذ أموالهم، وشهد عليه الشهود عند القاضي أبي الطيب، فحكم بقتله، فصانع بمال فسَلِم، وعُزِلَ من الشرطة، ثم بذل مالًا فرُدَّ، فاتَّفق أهل [باب] (٤) البصرة والكرْخ ومَحالّ السنة والشيعة أنهم متى ظفروا به قتلوه [واصطلحوا على ذلك، وقد ذكرناه فيما تقدم]. وكانت فيه فطنة، [وله واقعاتٌ عجيبة، منها أنه] سمع في ليالي الشتاء صوتَ برادة تحطُّ، فأمر بكبس الدار، فوجدوا رجلًا مع امرأة، فقيل له: من أين علمت؟ فقال: برادة لا تكون في الشتاء، فعلمتُ أنها إشارة بين اثنين. [ومنها أنه] أُتيَ بجماعة من المُتَّهمين فأقامهم بين يديه، واستدعى بكوز من ماء، فشرب، ثم رمى بالكوز من يده، فانزعجوا إلا واحدًا منهم، فإنه ما تغيَّر، فقال:

стр. 9017

العملة مع هذا. فقرَّروه فاعترف، فقيل له: من أين علمت؟ فقال: اللصُّ يكون قويَّ القلب. [ومن هذا شيء كثير] و [كان قد] سمع الحديث [من ابن شاهين وغيره]، وكان أصحاب الحديث إذا جاؤوا للسماع عليه يقول: ويحكم، هذا سمعناه على أن يكون فينا خير. أم القائم بأمر الله (١) واسمها قطر الندى، وقيل: بدر الدجى، وقيل: علم، وهي التي حبسها البساسيري، ولمّا انحدرت إلى واسط وأخذها معه فكانت في أسره، فلما وصل السلطان إلى واسط حُمِلَتْ إليه، كانت في الوقعة مع البساسيري، فبعث بها إلى الخليفة، وكانت قد أسنَّت وجاوزت التسعين سنة، وكانت أرمينيةً، وتوفيت يوم السبت الحادي والعشرين من رجب، وصلَّى عليها القائم في صحن السلام المغرب بمن حضر للخدمة، وكبَّر عليها أربعًا والتابوت بين يديه، ثمَّ حُمِل إلى الرُّصافة ودُفِنت عند القادر بالله، وجلس للعزاء عليها ببيت النُّوبة. [وفيها تُوفِّي] محمَّد بن عبيد الله بن أحمد (٢) أبو الفضل، المالكي، المعروف بابن عُمْروس، ولد سنة اثنتين وسبعين وثلاث مئة [واشتغل بالفقه على مذهب مالك وبرع فيه حتى] انتهت إليه رئاسة المالكية ببغداد، وكان من القُرّاء المجوِّدين، وتُوفِّي في المُحرَّم [سمع أبا القاسم بن حَبابة والمخلِّص بن شاهين وغيرهم، وقال الخطيب: كتبتُ عنه] وكان ثقةً ديِّنًا، وأخرج له الخطيب حديثًا عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من عيَّر أخاه بذنبٍ لم يمُتْ حتى يعمَلَه" (٣).

стр. 9018

السنة الثالثة والخمسون والأربع مئة فيها في يوم الجمعة غُرَة المُحرَّم تُوفِّي السلطان ابن أبي الأغر دُبيس بن مَزْيَد، وكان أبوه قد أهَّله أن يكون موضعه، وكان المميز لذلك من بين إخوته، وكان الخليفة في السنة الماضية قد طلب رد خاتون زوجته إلى دار الخليفة، وكان قريش قد بعث بها إلى السلطان بالري، فتأخَّرت عن الوصول، حتى ورد في هذا الشهر أبو يحيى سعد بن صاعد قاضي الري، مع صلف قهرمانة الخليفة [وموفق خادم الخليفة الخاص، وكان الخليفة] قد بعث بهما ليحملا إليه أرسلان خاتون زوجته، فعادا بغير شيء، وكان مع القاضي رسالةٌ من السلطان إلى الخليفة تتضمن خطبة السيدة بنت الخليفة، فثَقُل ذلك عليه. وقيل: إن صلفًا عرضت للسلطان بذلك وأطمعته فيه، وتكلَّم قاضي الري في بيت النُّوبة كلامًا يشبه التهدُّد، فأجاب الخليفة إلى ذلك إجابةً خلطها بالاقتراحات التي ظنَّ أنَّها تبطل الأمر، وقال: ما جَرَتْ بهذا عادة لأحد من الخلفاء، وركنُ الدين عضدُ الدولة وركنُها، والمحامي عنها، والماحي لكلِّ أذى منها، وما هذا ممَّا يجوز؛ سومُنا إيّاه، ومطالبتُنا به. وتردَّد في ذلك ما انتهى إلى إجابته، ثم اقترح عن ذلك تسليمَ واسط وما كان لخاتون زوجة السلطان من الأملاك والرسوم في سائر الأصقاع، وثلاث مئة ألف دينار قهرًا، وأن يكون مقام السلطان ببغداد ولا يرحل عنها. فقال العميد أبو الفتح -وكان المُخاطَب مع ابن صاعد يُحكم نظره ببغداد- أمَّا الملتَمَس من المهر وغيرِه فمُجابٌ إليه من جهتي عن السلطان، ولو أنه أضعافُه، فإن أمضيتم الأمر، وعقدتُم العقد، سَلِمَ جميعُه، وأما مجيء السلطان إلى بغداد ومقدمه فيها فهذا أمر لا بُدَّ من عرضه عليه. وندب في جواب هذه الرسالة للخروج إلى الري أبا محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي القاضي، وأصحبه بذكره، ورسم له الخطاب بالاستعفاء من ذلك، فإن تمَّ فهو المراد، وإلا سلَّم ليذكره إليه على مضض وكُره، ورسم (١) له أن يستعين بعميد الملك على ذلك، وأنفذ معه الكامل أبا الفوارس طراد بن أبي تمام نقيب

стр. 9019

الهاشميين وأبا نصر غانم صاحب قريش بن بدران في رسالة من الخليفة في العفو عن قريش، وإظهار رضا السلطان عنه، والتقدُّم بردِّ أعماله المأخوذة عنه، وكان قد بذل للخليفة عشرة آلاف دينار، وقدَّم منها ثلاثة آلاف، وحلف له الخليفة على صفاء النية والتجاوز عما مضى والعفو عنه، وبعث الخليفة للسلطان خلعًا وهدايا (١). وفي ربيع الأول قَبِلَ قاضي القضاة أبو عبد الله الدامغاني شهادةَ أبي جعفر بن أبي موسى الهاشمي وأبي يعلى يعقوب بن إبراهيم الحنبلي وأبي الحسن المبارك بن عمر الخرقي (٢). وفيه ورد الأمير أبو الفتح منصور بن أحمد بن دارست من شيراز للنظر في أمور الخليفة، فاستدعى له، وشرح القصة أن الخليفة لمّا عاد من الحديثة استَخْدَمَ أبا تراب بن الأثيري في الإنهاء وحضور المواكب، ولقَّبه حاجبَ الحُجّاب عِزَّ الأمة، وجلس على باب الغربة، وقد كان خرج مع الخليفة إلى الحديثة وخدمه، وقام بكبير أمره وصغيره، وجميع خدمه وأغراضه، وصلح له، وقيل للخليفة: إن عميد الملك يؤثر هذا المنصب. فكَرِه أن يعلم إيثار عميد الملك له فلا يرشِّحه، فراسله بالجميل، وقال: ما بقي بعد أبي القاسم مَنْ يصلُح لهذا إلا أنت، ويجب أن يُقرَّر مع ركن الدولة (٣) ذلك، فأظهر عميد الملك الامتناع إظهارًا أَراد في جوابه إلزامًا، فأمسك الخليفة عن الخطاب، وكان عميد الملك إذا دخل دار الخليفة تجنَّب المكان الذي فيه أبو تراب، وخرج عميد الملك من بغداد وهو غير طيب القلب بهذا السبب، واتفق أن أبا منصور بن يوسف عاد إلى بغداد من أسر البساسيوي، فآذاه (٤) أبو تراب، فاستوحش منه، ثم وقع الخوض فيمن يصلح لخدمة الخليفة، فذكر ابنُ يوسف أبا الفتح بن دارست، وقال: رجل غني، واسع الحال، مأمون الأفعال، وكان على خزائن الملك أبي كاليجار بن بُويه، مع سلامة صدره وثقته. فكتب الخليفةُ إليه يستدعيه [فوصل فاستكتبه

стр. 9020

وخلع عليه، وعزَّ على عميد الملك، فكتب إلى الخليفة، (١) عن لسان السلطان كراهيته له، ويشير بأن لا يُستخدم، فقال الخليفة: لو ورد هذا الكتاب قبل أن نَسْتَدعيه لكان، أمَّا بعد ما فارق بلدَه وأهلَه وعرف الناس خبرَه فلا يمكن. ولزم أبو تراب دارَه، واستقلَّ ابنُ دارست في الخدمة، وأوصله الخليفة إليه، وكانت خِلعتُه قميصَ قصب، وجُبَّةَ سِقْلاطون (٢)، ودُرّاعةً سوداء، وعِمامةً سوداء مُشبكةً مُذهَبةً بذؤابة، وبغلةً بمركب ذهب، ودَواةً مُحلّاةً، وسيفًا تحت ركابه، وكتب عهده. وفيه عَزَلَ السلطانُ أبا الفتح عميد العراق، وولَّى أبا أحمد بن عبد الواحد بن الخضر النهاوندي، ولقَّبه رئيسَ العراقَين، وأذِنَ له في القبض على أبي الفتح عميد العراق، وبلَغَه، فالتجأ إلى دار الخليفة، فلم يقدروا عليه. وفي ربيع الآخر جهَّز السلطانُ العساكر إلى قلعة كُردكوه، وكان بها ابنُ عمه قُتُلْمِش، قد تحصَّن بها، وانضمَّ إليه التركمان والأتراك، فكسرَ عسكرَ السلطان، وأوقع بهم. وفيه دخل رئيس العراقَين بغداد، واجتاز بدار الخليفة، ولم يدخل إليها، ونزل في خيم تحت دار المملكة، ومنع أصحابه من العبور إلى الجانب الغربي، وأذِنَه الناس، ومدَّ يده إلى إقطاع الخليفة وغيره، وصرف أناسٌ من الهاشميين غلامين له، فبعث غلمانه في السفن، فرموا التاج بنُشّابَتيِن، وأخذوا زورق الخليفة فيه شعير، وانزعج الخليفة والناس، وجرت منه أسباب ثقُلَت على الخليفة، ثمَّ عُوتب، فلم يُفِدْ معه عتاب. وفي ربيع الآخر قَدِمت أرسلان خاتون إلى دار الخلافة ومعها عميد الملك وجماعة من الحُجّاب، ومعهم المهر والجهاز؛ لتحرير أمر الوصلة ببنت الخليفة. ذكر القصة: قد ذكرنا وصية خاتون للسلطان وإرساله لابن صاعد مع الكامل أبي الفوارس التميمي وغانم صاحب قريش وابن المعوج، ورَدَّ بكُتب ابن وثّاب تتضمن خدمتَه، وأن يقطع خطبة صاحب مصر من حَرّان والرقة، ويقيم الخطبة للخليفة والسلطان، فلمّا

стр. 9021

وصلنا إلى هَمَذان -وكان السلطان بها- اجتمعوا به، وأعطوه الكتب، وقدَّم التميمي هدية الخليفة وهي جُبَّةُ ديباج مُذْهبة مفرجة، وفَرَجيةَ نسيج بالذهب، وعمامةً مُشبكةً مُذْهبةً، وطرح الفَرَجية على كتفيه، وقاموا وحضروا من الغد في دار المملكة. وقيل: هذه الجُبَّة الكريمة الملتمَسة جهاز أُعِدَّ لها، وخدمةٌ عُجِّلَ بها، وكان فيها صدر بيت مُوزَر مفروش فيه سِماط ذهب، فيه تماثيل. قال عميد الملك: يوفي وزنه على أربع مئة ألف مثقال، وبيت مثله من السنجاب، قيل: قيمته مئة ألف دينار، وبيت سِمَّور مثله، وبيت أبو قَلَمُون (١)، وعدة بيوت من ذلك الجنس، وشيئًا كثيرًا من الجواهر واليواقيت، وانصرفوا، وبقي أبو محمد التميمي، فإنه خلا بعميد الملك، وفاوضه فيما ورد فيه، وعرض عليه التذكرة بعد المشافهة بالاستعفاء، فقال له: هذه الرسالة والتذكرة لا يَحسُنُ عرضُها، فإن الامتناع لا يَحسُنُ بعد السؤال والضراعة، ولا المطالبة بالبلاد والأموال، بإزاء الرغبة في الافتخار والجمال، ومتى طَرَقَ هذا سمعَ السلطان علم أن الرغبة في الشيء لا فيه، فربما تغيَّرت نيّته، وكان منه ما لا يؤثره، وهو يفعل في جواب الإجابة أكثرَ مما يُطلَبُ منه. فقال له التميمي: الأمر إليك، والتعويل عليك، فافعَلْ ما تراه. والآن له القول، فسكن عميد الملك إلى ذلك، وبنى عليه، وطالع السلطان بأنَّ الإجابة قد حصلت، فسُرَّ بذلك، وجمع الوجوه والأكابر وعرَّفهم، وذكر عميد الملك لهم في هذا فصلًا مضمونه: أن السلطان يذكر نعمة الله عنده، وبلوغَه ما لم يبلغه أحد من قبله، بسبب هذه الوصلة بأمير المؤمنين، فأظهرت الجماعةُ السرورَ، ثمَّ تقدَّم السلطان إلى عميد الملك بالمسير مع خاتون إلى بغداد متولي العقد، وبعث معها فرّوخًا الخادمَ الخاص، وأصحبها مئةَ ألف دينار من مهر بنت الخليفة، وآلاتِ ذهب وفضة، وقال: إن لم يُنعمِ الخليفةُ ويُجِبْ إلى تسليمها. فأخذ فروخ (٢) برسم خدمتها، والقيام على باب حجرتها، وجهَّز معها جماعةً من الأكابر، فأُشير على عميد الملك بأن يأخذ خَطَّ التميمي بذلك، فراسله وقال: السلطانُ شاكرٌ لِما عرفته من خدمتك، وأُريد أن تكتب

стр. 9022

خطَّك بذلك لنقف عليه، فنتحقَّق خدمتك، ونختصَّ مجازاتك، وأكون أنا على بينةٍ من أمري. فلم يقدم على ذلك، وقال: الذي وردَتْ فيه ما تضمَّنَته التذكرة إن لم تقع الإجابة إلى الإعفاء من هذا الأمر الذي لم تَجْرِ به عادة. وكتب خطَّه بهذا، فثَقُل على عميد الملك ما فعله، وقد كان وقع تقصيرٌ في تفقُّده والجماعةَ الذين في صُحبته، وسببُه عميدُ الملك؛ بأن كان متغيِّظًا على الخليفة، وعَلِم أنه لا شيء في يده منه، وأنه لم يتمَّ مُرادُه حيث لم يكتب [خطَّه] (١) ليجعله حجة على الخليفة، وخاف في إتمام العزم في المضيّ إلى بغداد، فيكون بصورة عاجز، ولم يتمَّ الأمر على يده، فدافع بالمسير، وأمره السلطان فقال: قد كتبتُ إلى هزارسب حتى يحضر مئة ألف دينار، ولا يُخرج من الخزانة شيئًا [وإنّا على انتظاره. فقال له السلطان: لا تفعَلْ، وخذ من الخزانة]، فإنا يقبُح بِنا أن لا يكون في خزانتنا ما نصرفه في هذا الأمر. فلمّا بطل ذلك وضع الأمراء والحُجّاب الذين أمرهم بالمسير إلى بغداد، فراسل السلطان وقال: هوذا يُنفِذُنا إلى الخليفة في هذه الوصلة، فما الثقة بأنّه يفعلها ويُسلّم ابنته إلينا، وربما لم يفعل فَعُدْنا وما قضينا حاجتَه، وصار من ذلك قباحةً وسُبَّةً. فقال: إنْ فعلَ فذاك، وإن لم يفعل فعودوا. وقد كان قال في أثناء ذلك: يجب أن تضرب عن هذا الأمر صفحًا، فإنما أردنا أن نعلم رأيَ الخليفة فينا، وموضِعَنا عنده، وتُقدِّمَ بتسريح الرسل. ثم عدل عن ذلك، ورجع فتمَّم العزم الأوّل، وأطلق للرسل ما لم يكن على قدر أملهم، ولا افتقدهم ولا رآهم إلا يومًا واحدًا وهو الأول، وأما قريش فذكره عند الملك بالقبيح، ونسبه إلى الغدر الصريح، ونهبِ دار الخلافة، ولا بُدَّ من مقابلته على فعلِه وطردِه عن أعماله، ثم جاءه خبرُ وفاته في أثناء ذلك، وأما ابنُ وثّاب فأجابه إلى ما التمسه، وسار عميد الملك والأمراء والحُجّاب وأرسلان خاتون والقضاة والشهود فوصلوا بغداد يوم الخميس، وخرج أمين الدولة ابن دارست إلى النهروان، والتقى عميدَ الملك وخدَمَه، وجاء عميد الملك فجلس على باب الري إلى أن جاءت خاتون، ودخل معها دارها، وانصرف إلى دار المملكة، فنزل بها، ولم يَعْلَم بالديوان، وأنفذ من وقته إلى العميد أبي الفتح وهو بدار

стр. 9023

الخليفة، وبعث إليه بخاتمه، فجاء فعاتبه وقال: أكلتَ ضمان بغداد سنة ولم توفِ دينارًا وتعتصم بدار الخليفة؟ ثمَّ وكَّلَ به، فشفع الخليفةُ فيه وخاتون، فأزال عنه التوكيل أيامًا، ثم قبض عليه وقيَّده ثم ضربه، وبقي في الاعتقال إلى خدمةٍ بألف دينار، وضمِنَه سُرْخاب، وحمله إلى باب السلطان، فلمّا كان يوم الاثنين لأربع بَقِين من جمادى الأولى حضر إلى بيت النّوبة وفيه أبو الفتح بن دارست، وأنهى إلى الخليفة حضورَه وحضورَ الجماعة الذين معه، فقيل: النهار قد انصرف، والوقت قد أزف، ويكون يومًا آخر. فنهض عميد الملك ولم يعُدْ، وظهر من ابن دارست في حقه تقصيرٌ، وبعث عميدُ الملك إلى أرسلان خاتون في خطاب الخليفة في معنى الوصلة، فخاطَبتْه، وبان له أنَّ الشروط التي شرطها مع التميمي، والاقتراحات لم يكن فيها جوابٌ مُحرَّر، وجرى كلام طويلٌ حاصلُه أنَّ الخليفة قال: إن أُعفيتَ من هذا الأمر، وإلَّا خرجتَ من البلد. وأطلق عميدُ الملك لسانَه، وأرعدَ وأبرق، فقال: قد كان يجب أن يقع الامتناع الكُلِّي من الأول، ولا يكون اقتراح، وهذا الامتناع سعى في دمي مع السلطان. ثم أظهر عميدُ الملك الغضبَ، وبعثَ خيمةً ضربها بالنهروان، وعزم على الخروج، فسأله أبو منصور بن يوسف وقاضي القضاة التوقُّفَ ويُكاتبا الخليفة، وخوَّفاه وأرهباه، وساق الأمرَ إلى العقد على أن يشهد عميد الملك وقاضي قضاة الري على نفوسهما أن لا يطلُبا الجهة إلى أربع سنين، وأفتى الحنفيُّون بأن العقد صحيحٌ والشرط باطل، وأفتى الشافعيون بأن العقد باطلٌ إذا دخله شرط، فرجع عن الإجابة. ووصل عميد الملك إلى الخليفة، فوعظه ومنعه ممَّا قد لجَّ فيه، وقال: أنا أردُّ هذا الأمر إلى رأيك وديانتك، وقد علمتَ ما فيه من الوهم علي بني العباس، ولم تجْرِ لهم به عادة، واتفق أن كتاب السلطان وصل إلى عميد الملك يأمره بالرفق بالخليفة، وأن لا يكون خطابُه إلا على الوجه الجميل، بسبب أنَّ كتابًا كُتب من الديوان إلى خُمارتِكين الطُّغْرُلْبي يشكو -فيما يبدو- من عميد الملك، واطّلاع السلطان عليه، وكتب الطُّغْرُلْبي إلى عميد الملك أنَّ السلطان غيرُ مؤثرٍ لشيء مما جرى، ولا يلزم الخليفةَ هذا الحال، فسكن الخليفةُ واطمأنَّ، وكتب عميد الملك إلى السلطان يستأذنه فيما يفعل، وأقام يرعد ويبرق، والخليفةُ يحتمله، واجتاز يومًا ومعه ابن دارست على مسجد وعلى بابه

стр. 9024

مكتوب: معاوية خال علي، فأنكر ذلك، وأمر بعضَ الغلمان بمَحْوه، وقال: أما تستحيون؟ تكتبون على مساجدكم هذا؟! ونال من معاوية وبني أمية، وعمل له ابن دارست دعوةً في الديوان، فشرع يأكل وغلمانه يتصافعون بمخادِّ الديوان حتى تقطَّعت. وحضر الديوان يومًا وعليه ثيابٌ بيض، وتحته بغلة بيضاء، فعُوتب، فقال: هذا هو السنة. وكان آخرُ الأمر أن الخليفة جلس في جمادى الآخرة، وحضر عميد الملك والقضاة وغيرهم، فشرع عميد الملك يستطعم الخليفة الكلام، ويقول: أسأل مولانا أمير المؤمنين الدخولَ بذِكْرِ ما شَرُفَ به ركن الدين الخادم الناصح العبد المخلص فيما رغب عنه (١)، وسمَتْ نفسه إليه؛ ليسمع الجماعة. فقال: نحن بنو العباس، خير الناس، فينا الإمامة والزعامة إلى يوم القيامة، من تمسَّك بنا أرشد واهتدى، ومن ناوأنا ضلَّ وغوى. وقد سطر في هذا المعنى ما فيه كفاية، وأسبلت الستارة، وانصرف عميد الملك مُغضَبًا، وسار عشية الثلاثاء السادس والعشرين من جمادى الآخرة طالبًا هَمَذان، ومعه المال والجواهر، وبقي الناس وَجِلين خائفين. قال محمد بن الصابئ: وقفتُ على ثَبْتِ ما حُمل إلى بغداد، وهو مئة ألف دينار، وألف ثوب من أجناس مختلفة، وألفان ومئتان وخمسون قطعة جوهر، ومئة وعشرون لؤلؤة، وزْنُ كلّ واحدة من مثقال إلى ثلاثة، ومن الياقوت الأحمر والبلخش ست مئة قطعة وأربعين قطعة، ومن الفيروزج ثمان مئة وخمسون قطعة، ومن الزُّمرُّد القصب الكبار ثمانية وعشرون قطعة، ومن المينا اثنتا عشرة قطعة، ومن الحُليِّ أربعة عشر قطعة، منها تاج مُرصَّع، وأسورةٌ وحلق وخواتيم وفصوص ياقوت وخلاخلة مُرصَّعة وسروج ومراكب وأواني وأخاوين وخوانجات وزبادي ذهب، كلّها مرصَّعة، وطسوتٌ وأباريق ونحوها، ومن الفُرش واللّحف والمخادّ والزلاول الروميات والطنافس الإبريسم وما أشبهها، ومن الجواري خمس وثلاثون جارية، كلُّ جارية على فرس بدَسْت ثياب وأطواق الذهب، وعشرون وصيفة، وثمانون من الخيل والبغال، ومئة

стр. 9025

حمارة، ومن الخِيم والخرْكاوات شيء كثير، وكلُّ هذا جهاز خاتون زوجة السلطان ما زاد فيه السلطان إلا مئة ألف دينار. و [فيها] كَسفت الشمس في هذا الوقت على ساعتين من يوم الأربعاء جميعها، وظهرت الكواكب بأسرها بالنهار، وسقطت الطيور من طيرانها، وكان المنجمون قد حكموا أنه يبقى سدسُها، فلم يبقَ منها شيء، وكان انجلاؤها على أربع ساعات وكسر، ولم يكن الكسوف في غير بغداد وأقطارها (١). وفيه ضمن ابنُ فضلان ضياع الخليفة بثمانين ألف دينار، وكان ظالمًا، فجاء أهل الضياع يتظلمون، ومنعوا الخطيب من الخطبة وشعثوا (٢) واستغاثوا، فلم يُجابوا بشيء، وثار العوام على ابن فضلان، وأرادوا قتله، فانهزم، فحمله الخدم إلى باب المراتب، [ونظم القاضي في القائم شعرًا يُذكر في ترجمته، وأوله: ولَّيتَ أمرَ المسلمين عدوَّهم]. وفي هذا الشهر برز السلطان من باب هَمَذان إلى الري، وأنفذ خُمارتِكين الطُّغْرُلْبي على مقدمته إلى الري، وحفظها من ابن عمه قُتُلْمِش، وعزم على المسير إليه بنفسه يحاصره في كُردكوه ونواحيها. وفي رجب ورد رسول عميد الملك إلى أبي نصر يذكر أن كتاب السلطان ورد عليه أن الخليفة إذا لم يُجِبْ إلى الوصلة التي سألناها فطالِبْه بتسليم أرسلان خاتون إليك، ورُدَّها إليَّ لأسير بنفسي إلى قتال قُتُلْمِش، وبعد انفصالي عنه أسيرُ بنفسي وأتولَّى الخطاب في هذا الباب، وأمر بترك المال والجهاز ببغداد، وأنه أراد العَوْدَ من الطريق، فخاف أن لا ينضبط له العسكر إذا عاد إلى بغداد للنُّفرة الواقعة بين الخليفة والسلطان، ويقول: وقد أعدتُ هذا الرسول لنقل خاتون إلى دار المملكة إلى حين اجتماعي بالسلطان وإصلاح هذه القضية، وكاتب أرسلان خاتون بمثل ذلك، فازداد الانزعاجُ، ودافع الخليفةُ عن الجواب، وشرع رئيس العراقَين في خرق الهيبة والحشمة، وهجم

стр. 9026

دار الخليفة مرارًا، وأخذ من التجأ إليها، وقبض على ابن مهدويه مُقدَّم الأنبار الذي بعثه الخليفة، والعمامة واللحاف من تحت تاج الخليفة، والخليفة يشاهده، فاستغاث بالخدم الذين كانوا على الرَّوشن، فلم يُغنوا عنه، وعاقبه وأخذ خطَّه بمال، فأنفذ الخليفة منصور بن يوسف إليه، واستعظم ما جرى، ولطف به، ورفق حتى خلصه من يده، وأدخل يده في الإقطاعات للخليفة والحاشية والخدم، وطالبهم بما أخذ منهم، فجاء السوادية إلى تحت التاج، واستغاثوا وقالوا: إمّا أن تدفعَ عنا المطالبة أو ترُدَّ ما أخذتَ. وسار (١) رئيس العراقَين بالناس السيرة الجميلة، وجلس للمظالم بنفسه، وأباد المفسدين، واطَّرح كل لذة وراحة، حتى أمنت الطرق في البلد وجميع السواد، وصار الرجال والنساء يمشون في الليل والنهار كيف ما شاؤوا، وكفَّ (٢) أذى العجم عن الناس، وأقام الطرق للخُفراء، فدرَّت القوافل (٣)، وكثُرت واتسعت الأرزاق، وماتت بعض المغنيات فحُمِلَتْ تركتُها إلى داره، فقال: ما هذه؟ فأخبروه، فقال: ردُّوها على أهلها. ونادى أن السلطان قد ردَّ المواريث الحشرية إلى ذوي الأرحام، واتفق أنه مات إنسان وله بنت وخلف ثلاثة آلاف دينار، فقيل له: إن السلطان يستحقُّ النصف. فقال: بالأمس نادينا بأمر، واليوم ننقضُه، ردّوا عليها مال أبيها. واتَّفق في هذا اليوم أنَّ امرأةً ماتت بالحريم الخليفي، وخلفت بنتًا وخزانةً فارغةً، فاعترضها ابن العطار الناظر في المواريث من قِبل ديوان الخليفة، فباع الخزانة بدينار ونصف، فأعطى البنت خمس عشرة قيراطًا، وأخذ الباقي، فقال الناس: ياللهِ العجب من التفاوت بين الفعلين. وأرَّخوا ذلك، وضُرب الدراهم، ورُفع التعاملُ بالقراضة، وكان ذلك قد أعيى الوزير قبلَه ولم يراقب خليلًا في حق يتوجَّه عليه، ولم يُغْضِ عن صديق في رخصة تقع منه، ورفع عدة مكوس، فاتصلت الألسن بالدعاء له، وكانت سيرته وسياسته شبيهةً بسيرة

стр. 9027

عميد الجيوش، ومخالفةً لما عهد وعرف، وعمرت بغداد من الجانبين، وكان ميله إلى عمارة الجانب الغربي أكثرَ؛ لخرابه، وكانت أيامُه نعمة من الله؛ لأنه ورد بعد الحرب والفتن والخوف والحريق والنهب. وقد حكى (١) محمد بن هلال [الصابئ في "تاريخه" قضايا عجيبة، منها أنه قال]: حضرتُ يومًا عنده وهو على رَوْشن داره في قصر عيسى ينظر إلى دجلة، ويقول: لا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم]. فقلت: ما لَكَ؟ فقال: تعال وانظُرْ. فجئتُ، فإذا المقتولُ تحت داره غريقٌ يدور ولا يبرح. فقال: هذا يستغيث بي على من قتله، ولا أدري ما أصنع في أمره. فقلت: سعادتُكَ زائدةٌ، ونيّتكَ جميلة، وطويّتكَ سليمةٌ، وما أظنُّ الأمر يخفى عليك. فتقدم بإخراج المقتول وتجهيزه ودفنه، وانصرفتُ، فلما كان بعد أيام حضرتُ عنده زائرًا على عادتي، فقال لي: وجدتُ قاتله. قلتُ: وأين هو؟ قال: هم ثلاثة في الاعتقال. فأحضرهم وهم أكراد، فاستنطقهم، فأقرّوا بقتله، فقال: إنما أخَّرتُ قتلهم حتى تسمع إقرارهم، ثم أمر بقتلهم فقُتِلوا، فقلت: كيف وقعوا لك وهذا أمر لا يمكن البحث عنه ولا الاطِّلاع عليه؟ قال: بعثتُ إلى جميع النواحي العليا [إلى تكريت] أسأل، فلم أقِف له على خبر، فأحضرتُ أهلَه، وقلت لهم: حدِّثوني عنه. قالوا: خرج في اليوم الفلاني لبعض حوائجه ولم يَعُدْ. قلت: هل تعرفون له عدوًا [أو تتَّهمون به أحدًا؟] قالوا: قد كان بينه وبين قوم من الأكراد ينزلون بقُرْبنا سَواءٌ (٢)، فإن كان دُهِيَ (٣) فالظاهر أنه منهم. فأنفذتُ إلى الأكراد المذكورين، فسألتهم عنه، فتغيَّروا، فقرَّرتُهم، فأقرُّوا، وأنعم اللهُ عليَّ بإظهار ذلك على يدي. ومنها أنه كان ببغداد رجلٌ أعجميٌّ يعرف بأميرك، كان يهجم دور الناس نهارًا، ويأخذ أموالهم، وكان يؤدي إلى عميد العراق كلَّ يوم دينارًا [وعميد العراق هو الذي غرقه البساسيري]، فدخل أميرك على صيرفي وأخذ كيسه وفيه ذهب، فلمّا أصبح الصيرفي استغاث وضجَّ، وكانت دارُه إلى جانب دار قاضي القضاة ابن الدامغاني، فلم

стр. 9028

يشعر بأميرك إلا وقد قبض على يده وقال: ما لَكَ؟ أنا أخذتُ خرقتك وفيه بهرجٌ، وأريد [أن] أحملك إلى عميد العراق، وأضع الخرقة بين يديه، ويرى ضَرْبَكَ البُهرج. فخاف الصيرفيُّ، وقال: يا أخي، أنت في حِل من الخرقة. وهو يقول: لا واللهِ، وما أُفارقُكَ إلى عند العميد. فاستغاث بأصحاب القاضي، فسألوا أميرك فيه، حتى أخذ منه خمسة دنانير والخرقة ومضى، ولمّا ولي رئيسُ العراقيين بلغه خبر العجمي أميرك، فأخذه [ليلًا] [فغرقه] ولم يُطلِعْ أحدًا على خبره، فأمن الناس. وفي يوم الخميس لأربعٍ بَقِينَ من رجب خلع الخليفة على طراد الزينبي، وردَّ إليه نقابة العباسيين، فانحدر إلى البصرة، واستخلف ببغداد أخاه أبا طالب، وخلع بعد ذلك، فأقام على أبي الفتح أسامة بن أبي عبد الله أحمد بن أبي طالب العلوي، وولّاه نقابة الطالبيين (١). وفي يوم الجمعة الثاني عشر من شعبان هرب خُمارتكِين الطُّغْرُلْبي وهو على كُردكوه يحاصر قُتُلْمِش. ذكر السبب: كان السلطان مشغوفًا به حتى خَصاه، وكان يدخل معه على خاتون؛ لقلة صبره عنه، فاستفحل أمرُه، وصار الحُجّاب والأمراء يَقِفون على رأسه، وكان عميد الملك يحسده لقربه من السلطان، ولمّا شغب الحُجّاب والغلمان على السلطان عند انصرافه من توريز، خرج إليهم، وأزال شغبهم، فأطاعوه وتفرَّقوا، وقيل للسلطان: إن الذي فعلوه بمواطأةٍ منهم، فخلع عليه، وزاد في إقطاعه قِرْمِيسين وقريةً زيادة على ما يُعهد منه، ثم اطَّلع على ما في طوية السلطان له، فاستشعر منه، وسار إلى قِرْمِيسين -وكان قريبًا منها رجلٌ كرديٌّ يُقال له: سعدُ وحكان- في قِلاع (٢) وقد قطع الطُّرُق، وأخاف السُّبُل، وقتل من أصحاب السلطان جماعةً وفي قلب السلطان منه شيء عظيم، فاتَّفق لخُمارتِكِين من السعادة أنَّ سعدوحكان لمّا بلغه قربُه منه نزل إليه مستهينًا به، مكشوفَ

стр. 9029

الرأس، بقميص رومي، فقاتله، فاستظهر عليه سعدوحكان، فجاءه سهم عائر فذبحه، واستولى خُمارتِكِين على أصحابه وقلاعه، وأنفذ رأسه إلى السلطان وأقام بمكانه مدافعًا مقاطعًا، وبعث السلطانُ عميدَ الملك إلى بغداد، فاجتاز به، وقال له: أنا ماضٍ إلى بغداد، قد خلا السلطان بمن يأنس به، ويجب أن تعود إليه وتكون في خدمته، فربما طال تأخّري عنه. وتحالفا وتعاقدا، وسار عميد الملك إلى بغداد، وخُمارتِكِين إلى السلطان، ولمّا ورد عميدُ الملك بغداد ظهر له أنَّ بين خُمارتِكِين وبين أبي تراب بن الأثيري صاحب الخليفة مكاتباتٍ، يقول فيها خُمارتِكِين: إنَّ السلطان ما يُؤثر أن ينقل على الخليفة، وإنما عميد الملك يفعل هذا ليتقرب إلى السلطان، ولمّا عاد عميد العراق إلى السلطان عرَّفه ذلك، وأن مكاتباته إلى ابن الأثيري منعت الخليفة من الإجابة إلى الوصلة، واستشهد على ذلك بأشياء أثبتت في نفس السلطان ذلك، وبلغ الطّغْرُلْبي ذلك وأنَّ السلطان قد تغيَّر عليه، وكان السلطان يحاصر القلعة التي فيها قُتُلْمِش، فهرب الطُّغْرُلْبي في شعبان في ستةٍ من غلمانه، ومعه من الجَمّازات (١) والخيل ما استظهر به، فأرسل السلطان ابنابجيل خلفه، وكتب إلى البلاد بخبره والتحرُّز منه والتلطف في أخذه، وكوتب رئيس العراقيين [بذلك، ونسب عميد الملك هربه إلى أبي تراب بن الأثيري، وأن الخليفة علم به، وكان في كتاب السلطان إلى رئيس العراقيين]: وهذا جرى من الخليفة الذي قتلتُ أخي في خدمتِه، وأنفقتُ أموالي في نصرتِه، وأهلكتُ خواصي وحاشيتي وعسكري في محبَّتِه، أن يُخبِّب مملوكي، ويُفسد نظامي، ويفعل بي ما فعل، ثم تقدم إلى الرئيس بقبض ما في يد الخليفة ويد الحاشية من الإقطاعات، وبترك ما كان في أيام القادر، وأن يطالبه بتسليم أبي تراب المهتمّ بخُمارتكِين، فحضر الرئيس ببيت النُّوبة، وعرض ما أُنهي إليه، فقال الخليفة: أمَّا الإقطاعات فبين يديكم، وأما ابن الأثيري فليس لِما نُسِبَ إليه أصلٌ ولا حقيقة، ويحضر قاضي القضاة فنستحلفه بالأيمان التي تُبرئ ساحته، فأما المطالبة بتسليم

стр. 9030

خواصنا وأصحابنا وثقاتنا ممَّا لا يفعله، وتقدم لكم. فانزعج الناس وخافوا، وتوقَّفَ الخليفةُ، وفعل الرئيس ما أمره به السلطان، وأما خُمارتكِين فإن ابنابجيل تبعه، فسلك طريقًا أتلفت (١) جَمَّازاته وخيله، وبقي مع خُمارتِكِين فرسٌ واحدٌ وغلامان، فقصر به فرسُه، ووصل إلى ناحية بِيَزْدَجَرد، وكان بها خادم كان قد ضربه قديمًا وكسر يده وحنق عليه، فقال خُمارتكِين الطّغْرُلْبي للغلامين: ادخُلا فاشتريا لي فرسًا غيرَ هذا. ونام على سطح، فدخلا، فرآهما الخادم، فعرفهما، فقال: ما الذي تصنعان ها هنا؟ فاختلف كلامُهما، فقتلَ أحدَهما. وقال للآخر: اصدُقْني وإلا ألحقتُكَ به. فقال: نحن مع الطّغْرُلْبي. ودلَّه، فجاء وهو نائم فقيَّده، وقتل الغِلمان الذين كانوا معه، ووصل ابنابجيل في ذلك اليوم إلى يَزْدَجَرد، فتسلَّمه وعاد به إلى السلطان، فقام أولاد إبراهيم ينّال وقالوا: هذا قتل أبانا، ونسأل تسليمه إلينا. فسلَّمه إليهم بإشارة عميد الملك، فقتلوه، وجاؤوا برأسه إلى السلطان [وسنُّه نيِّف وعشرون سنة. وفي ذي القعدة كتب السلطان] (٢) إلى رئيس الرؤساء كتابًا يتضمن استعمال القبيح في حقِّ الخليفة، وخرقِ الهيبة، ورفعِ الحشمة، وإلى أرسلان خاتون بالانفصال عن دار الخليفة إلى دار المملكة إلى حين يَرِدُ من يسير معها إلى السلطان، وشرع رئيس العراقَين في أخذ أصحاب الخليفة من داره ومصادراتهم، ومدَّ يده إلى الجوالي، وكان مغلُّها في كل سنة ألفًا وخمسَ مئة دينار، وكانت داخلةً في إقطاع الخليفة، فصعُبَ عليه ذلك، فراسل رئيس العراقَين بأبي منصور بن يوسف وقال: إن ركن الدين ما جعل هذه لنا فيأخذها منا، وهذا أصل من أصول الشريعة تتعلَّق بنا فلا يجوز صرفُه عنا. فقال الرئيس: فهو ذا أُخاطر بنفسي مع سلطاني في خدمة الخليفة، وخلفي أعداء ينقلون إلى السلطان عني أنني مقصِّرٌ فيما أعتمده في حقِّ الخليفة، وقد كنتُ أرجو أن الأمر ينصلح، وما أراه إلا قد تفاقم، وتزايدت الوحشة، والكتب واردةٌ بكل ما يزيد الوحشة والنُّفرة. فقال له ابن يوسف: أفرِجْ عنا، فنحن في تدبير أمر الوصلة، ونريد أن نراسل السلطان فيها. فرفع يده.

стр. 9031

وفيها تُوفِّي الأمير أحمد بن مروان أبو نصر، الكردي، أمير ميَّافارقين وديار بكر. ذِكْرُ طرف من أخباره: قد ذكرنا بداية أمرهم ومقتل أخاه ممهد الدولة في سنة إحدى وأربع مئة، وإقامة أحمد مَقامه، ولقَّبه القادرُ نصرَ الدولة، واستولى على ديار بكر وميّافارقين وله اثنتان وعشرون سنة، فأقام واليًا ثلاثًا وخمسين سنة، وأحسن السيرة، وعمر الثغور وحصَّنها، وأمنت (١) الرعية في زمانه، ووَزَر له أبو القاسم المغربي مرتين، وعنده مات، ووَزَر له فخر الدولة محمد بن جَهير، وكان عنده الحبل الياقوت الأحمر الذي كان لبني بُويه، اشتراه من ورثة الملك أبي منصور بن أبي طاهر، وأنفذَه إلى طُغْرُلْبك مع هدايا كثيرة تساوي ثلاث مئة ألف دينار، ومعها مئةُ ألف دينار عينًا، وهذا الحبل الياقوت هو الذي قدَّمه السلطان للخليفة لمّا نزل من الحديثة واجتمع به في البهو، وكان أبو نصر مُداريًا للملوك، إذا قصده عدوّ يقول: كم مقدار ما تنفق لردِّه؟ فإذا قيل له: مئة ألف دينار مثلًا، بعث بها إلى العدو ليدفع شرَّه عنه، وأمِنَ على عسكره من المخاطرة. وكان جوادًا سخيًّا، والرعية معه آمنون على أموالهم وحريمهم، وتزوَّج عدة من بنات الملوك، ولم يتنعَّم أحد من الملوك مثل تنعُّمه، كان في قصره ثلاثةُ آلاف جارية عمالات، يبلغ شِرى الواحدة من ألف دينار إلى خمسة عشر ألف دينار، وملَكَ خمسَ مئة سُرِّية سوى توابعهنَّ، وخمسَ مئة خادم، وكان في مجلسه من الأواني والآلات والجواهر ما تزيد قيمته على مئتي ألف دينار، ورأى من الالتذاذ بالدنيا والراحة ما لم يرَه غيرُه، ورخُصتِ الأسعارُ في زمانه، وتظاهر الناس بالأموال، ووفد إليه الشعراء، وسكن عنده العلماء والزُّهّاد، وبلغه أن الطيور تخرج من الجبال إلى القرى في الشتاء فتُصاد، فتقدَّم بفتح الأَهْراء (٢)، وأن يُحمَلَ إليها من الحَبِّ ما يُشبِعُها، فكانت الطيور في ضيافته طول عمره، ولا يتجاسر أحدٌ أن يصيد طيرًا.

стр. 9032

وبعث له القائم بأمر الله الخِلَعَ السنيَّة، وفيها الطوق والسواران ما عدا التاج، وكان فيها فرش بمركب ذهب من مراكب الخليفة، وجاءه من مصر هدايا وتحف وخِلَعٌ، ولقَّبَه صاحبُ مصر عزَّ الدولة، وجاءه رسول ملك الروم بالهدايا والتُّحف، واجتمع الكلُّ عنده، فأحضرهم وجلس في قصره، وأجلس رُسُلَ الخليفة عن يمينه، ورُسُلَ صاحب مصر عن شماله، والروميَّ بين يديه، ولبس خلعةَ الخليفة، وأعطى الرسل عطاءً عظيمًا، ومالًا كثيرًا، وخِلَعًا سنيةً، فانصرفوا شاكرين. وأوقف الأوقاف على أبواب البر والصدقات، وأدار رسوم ميّافارقين، وقصده الشعراء، وامتدحه التهاميُّ بقصائد. قال المصنف ﵀: ورأيتُ في "تاريخ ميّافارقين" أنَّ الملك العزيز بن بُوَيه وفد عليه، وقدَّمَ له الحبل الأحمر الياقوت، ومصحفًا بخطِّ عليٍّ ﵇، وقال له: قد حملتُ إليك الدنيا والآخرة. فقبِلَ الجميع، وقدَّم له أموالًا كثيرة، وتُحفًا عظيمةً، وأنزله بأسعرد، فأقام بها إلى أن توفي مُكرَّمًا، وحُمِلَ تابوتُه إلى الكوفة، فدفنه عند أهله، وكان أبو نصر مع لذّاته واشتغاله بما كان فيه لم تفُتْه صلاة الفجر في وقتها طولَ عمره، ولا ظلمَ أحدًا من خلق الله تعالى، ولا تعدَّى على أحد، ولا مدَّ عينيه إلى حريم أحد، ولا خلا بامرأة ليست له بمحرم. وقيل لبعض أصحابه: قد قيل: إن أيام نصر الدولة كانت ثلاثًا وخمسين سنة. فقال: لا، بل مئة وستُّ سنين. قيل: وكيف؟ قال: لأن لياليه كانت أحسنَ من أيامها. ومن واقعاته أنه قدم عليه مُنجِّمٌ من بلاد الهند، وكان حاذقًا، فأنزله وأكرمه، وقال له يومًا: أيها الأمير، يخرج على دولتك بعدك رجلٌ قد أحسنتَ إليه وأكرمتَه، فيأخذ الملك من ولدك، ويقلع البيتَ، ولا يلبَثُ إلا مدةً يسيرة ويؤخذُ منه. فأفكر ساعةً، وكان الوزيرُ ابنُ جَهير واقفًا على رأسه، فرفع رأسَه إلى الوزير وقال: إن كان هذا صحيحًا فهو هذا الشيخ. فقبَّل ابنُ جَهير الأرض، وقال: اللهَ اللهَ يا مولانا، ومن أنا؟ قال: بلى، إن ملكتَ فأحسِنْ إلى ولدي. وكان ابن جَهير قد اطَّلع على الخزائن والذخائر وارتفاع البلاد، فقال ابن جَهير لبعض أصحابه من يوم ما قال المنجِّم ما قال: وقع في قلبي صِحَّةُ كلامه، فكان كما قال. قال: فلمّا مات الأمير في تاسع عشرين

стр. 9033

شوال من هذه السنة عن سبع وسبعين سنة -وقيل: تجاوز الثمانين- ودُفِنَ بجامع المحدثة بميَّافارقين، ثمَّ بنَتْ له ابنتُه ستُّ الملك (١) قبةً إلى جانب الجامع، ونُقِلَ إليها، وكان قد عهد إلى ولده نظام الدين أبي القاسم نصر بن أحمد، وكان أخوه أبو الحسن سعيد الكبير، وابنُ جَهير هو الوزير، فبايع ابنُ جَهير والناسُ أبا القاسم نصر بن أحمد، واستقرَّ الأمرُ له، ولم ينازعه أحدٌ من بني أعمامه وإخوته، ثم نازعه أخوه سعيد، فلم يقدِر عليه، فسار إلى باب السلطان طُغْرُلبَك وشكا إليه، فأرسل معه جيشًا خمسة آلاف فارس، فنزلوا على باب ميّافارقين، فخرج الوزير ابنُ جَهير إلى سعيد فأصلح أمره، وأعطاه مالًا، ووفَّقَ بينه وبين أخيه نظام الدين، وصرف عسكرَ السلطان، وأقام سعيدٌ عند أخيه مُكرَّمًا، ثم بعث القائمُ إلى نظام الدين في سنة خمس وخمسين وأربع مئة -وقيل: سنة أربع وخمسين- يستدعي إليه الوزير ابن جَهير، فجهَّزه في أحسن زيّ وأجمل جهاز، وبعث معه بالتُّحف والهدايا والأموال، فاستوزَره الخليفة، فكان بنو مروان يفتخرون ويقولون: وَزَر لنا ابنُ المغربي وزيرُ الحاكم خليفةُ مصر، ووَزَر وزيرُنا للخليفة. ثم كان زوال أمر بني مروان على يد ابن جَهير سنة سبع وسبعين وأربع مئة، وسنذكره إن شاء الله تعالى. وانفصل سعيد عن أخيه نظام الدين، ومضى إلى ألب أرسلان، وكان طُغْرُلْبَك قد مات (٢). [وفيها تُوفِّي] علي بن محمد بن يحيى (٣) أبو القاسم، السُّلمي، الدمشقي، صاحب دويرة الصوفية بدمشق، ويعرف بالسُّمَيساطي، وقفها على الصوفية، ووقف علوَّها على الجامع [قال الحافظ ابن عساكر]: ووقف أكثرَ أمواله على أبواب البر، وكانت وفاته عاشر ربيع الآخر، ودُفن بهذه الدار [قلت: وقد رأيت] قبره عند السقاية، [والواجب أن يكون عند المحراب؛ لأنه أجدر بتحصيل الأجر والثواب]، وزعم قومٌ أنه أوصى أن يُدفن هناك تواضعًا.

стр. 9034

[قال الحافظ: حدَّث عن أبيه وجده، وقد روى الحديث عن عثمان بن علّان الذهبي وغيره، وروى عن السُّميساطي جماعةٌ منهم الخطيب أبو بكر وأبو القاسم النسيب وغيرُهما]، وأثنى عليه ابن ماكولا وقال: كان متقدمًا في علم الهيئة والهندسة، فاضلًا في فنون كثيرة. السنة الرابعة والخمسون وأربع مئة فيها في المُحرَّم ورد الخبر بأن صاحب مصر قبض على أبي الفرج بن المغربي وزيره، [واستوزر أبا الفرج البابلي، ثم ردَّ ابن المغربي]، إلى كتابة الجيش، وهي رتبته قبل الوزارة، ولم يكن قبله وزير يُعزَلُ فيعود إلى قديم تصرُّفه. وفيه ولد صاحِبُ مصر الأمير مكين الدين. وفي يوم الخميس تاسع عشر صفر خرج أبو الغنائم بن المحلبان إلى باب السلطان طُغْرُلْبَك بإجابة الخليفة إلى الوصلة. ذكر السبب: كانت الكتب قد وردت من السلطان إلى بغداد وواسط والبصرة بإدخال اليد في إقطاع الخليفة والحاشية، وكانت الأطراف بتعديد ما فعل من الجميل دفعة [بعد دفعة] (١) وما كان من المقابلة من ردِّ عميد الملك وأعيان الدولة خائبين من الوصلة، وخرج الكلام إلى ما ينافي قانون الطاعة ومقتضى الخدمة وقطع المكاتبة إلى الخليفة، وكان من جملة ذلك كتاب إلى قاضي القضاة أبي عبد الله بن الدامغاني: من شاهنشاه المعظَّم ملك المشرق والمغرب، وذكر ما جرَتْ به العادة، وقال من جملته: وقاضي القضاة وإن كانت أوقاتُه مقصورة على العلم وتدريس الفقه فهو مندوبٌ إلى ما يؤدِّي إلى حسم الخلاف، وتمهيد أسباب الأسلاف، ولمَّا عاد الشيخ الجليل عميد الملك إلى حضرتنا شرح من حُسنِ سَمْتِه وهَدْيه وتجرُّدِه في إدراك ما طلبناه وخطبناه ما ازددنا ثقةً به، وهو يعلم أن تلك الوصلة لم تكن عن جفوة حتى يستوجبَ بها قبيحَ المكافأة على جميع ما قدَّمناه من المآثر، ولا يخفى ما قدَّمناه من أنواع الاهتمام، وأوحيناه من

стр. 9035

الإنعام، ثم ما أظهرناه من التذلُّل والخضوع الذي كنَّا نطلبه قُربةً إلى الله تعالى، فعاد ذلك وبالًا علينا في الدنيا والآخرة، ولكنَّا واثقين من الله أن الله لا يُضيع جميلَ أفعالنا، ويرِي سوء المغبَّةِ لمن أضمر فينا سوءًا. وذكر كلامًا يقتضي التهديد والوعيد، فأُشير على الخليفة بتلافي هذا الأمر، وإلَّا بَعُدَ المرام، واتَّسع الخرق، فوقع التعيين على أبي الغنائم بن المحلبان، وأن يخرج إلى السلطان يستعطفه ويسترضيه، فقال: إن لم يحصل غرضُه من هذه الوصلة التي خطبها لم يكن قصدي له نافعًا، بل زائدًا في غيظه. فتوقَّف عن الجواب، فتأخَّر الخروج، وطالت الأيام، وزاد من رئيس العراقيين الاستقصاء في قبح الأفعال، وأشار القاضي والأعيان على الخليفة باستدراك الفارط، فأجاب وكتب وكالةً لعميد الملك، وأذِنَ لقاضي القضاة أبي عبد الله بن الدامَغاني وأبي منصور، وأوصلهما إليه، حتى شهدا عليه بما سمعاه، وخرج أبو الغنائم في التاريخ المذكور، وورد بعد خمسة أيام كتابٌ من السلطان مع ركابية بردِّ إقطاع الخليفة إليه، والاعتذار ممَّا جرى، وأن أبا نصر بن صاعد واصل بهدية ومشافهة، فطابت القلوب، ووقعت البشائر، وخلع على الركابية، وضُربت بين أيديهم الدبادب والبوقات، ورُفعت يد رئيس العِراقَين عن الإقطاع، وسُلِّم إلى وكلاء الخليفة، وكان في كتاب عميد الملك إلى رئيس العراقَين بأن الأمور عادت إلى أحسن ما كانت عليه، فبادرتُ بهذه الأحرف مبشرًا بأن تلك اللَّوثة التي ظهرت فيما يتعلق بوكلاء الدار العزيزة النبوية المقدسة -عمَرَها اللهُ ببقاء سيدنا ومولانا الإمام القائم بأمر الله أمير المؤمنين- زالتْ بأسرها من غير واسطة، إلا بآرائه التي رآها مولانا السلطان، جريًا على كريم عادتِه، وخُلقِه وسجيَّتِه، ومراعاةً لما فعل في الدولة العباسية، واحترازًا من شماتة عدو أو مقال حاسد، مع ما ظهر من خُمارتِكين الخائن من العصيان، واستجلاب الخذلان، وقد عجل الله بروحه إلى النيران، في دار الهوان، فكان يظهر أن ما يفعله بإشارة الدار العزيزة، وقد أراح الله منه. وذكر كلامًا طويلًا، وقال في آخره: وعليك بالخدمة والوصية والتقدم إلى سائر الزعماء بالعراق بمثل ذلك، وكتابي هذا من جرجان غُرَّة ذي الحجة، والرايات القاهرة متوجهة نحو العراق، وبعدَ هذا يصل رئيس نيسابور أبو نصر محمد بن صاعد ومعه رسالة تتضمن الخدم والقربة، والسلام. فكتب الخليفة
следующие страницы →