← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

ومِنُوشَهر هو الذي خَطَب تلك الخُطبة الطويلة التي ذكرناها فيما تقدَّم، لمّا تغلَّبَ التركُ على البلاد (١). فصل وملك بعده أفَرْاسياب بن فارس من ولد أفريدون، ويقال له: التركي؛ لأنه أقام ببلد التُّرك فنُسِب إليها، لا أنه تركيٌّ. وذكره ابن مسكويه فقال: ثم نشأ أفراسياب بن ترك، وإليه تُنسب الترك من ولد طوج بن أفريدون، فحارب منوشهر، وحصره بَطبَرِسْتان، ثم إن منوشهر وأفراسياب اصطلحا وضربا بينهما حدًّا لا يجاوزه واحد منهما، وهو نهر بَلْخ، فلما مات منوشهر تغلَّبَ أفراسياب على بابل ومملكة فارس، وأقام بِمهْرِجان قَذَق، وعاث في الأرض ودَفَن القُنِيَّ، وغَوَّر المياه، فقَحِطَ الناسُ وأصابهم الجَهْد والبلاء (٢)، وقد أشرنا إلى هذا فيما تقدم (٣). فلما مضى من مُلكه اثنتا عشرة سنة، خرج عليه رجل من ولد منوشهر، واختلفوا في اسمه على أقوال، أحدها: زو بن (٤) بهماسب، والثاني: زاب بن طهماسب، قاله هارون بن المأمون، والثالث: زوبا، والرابع: زاغ (٥)، واتَّفقوا على أنه من ولد منوشهر. وقال هارون بن المأمون: لما مات منوشهر تَغلَّب أفراسياب على الفرس، وأخرب البلاد، وظلم وجار، فقَحِط الناس، فظهر زاب بن طهماسب، وكان منوشهر قد طرد أباه إلى بلاد الترك، فتزوج هناك امرأة فولدت له زاب بن طهماسب، فلما كبر زاب قتل جدَّه لأمه، وتبعه جنده، فسار نحو أفراسياب، فأخرجه عن بلاد فارس إلى الترك،

стр. 947

فكانت مدة افراسياب على بابل لما أخرجه عن بلاد فارس اثنتي عشرة سنةً. وملك زاب فأحسن السيرةَ، ووضع الخراج عن العراق سبع سنين، واستخرج النهر المعروف بالزاب من بلاد أرمينية، وقيل: إنما أخرج الأنهار الثلاثة: التراب الكبير والأوسط والصغير، وسماهم باسمه، وبنى على جانب النهر مدينة، وهي المسمَّاة بالعتيقة، وغرس حولها البساتين، وعدل وأحسن، فأخصبت البلاد، وكثرت الخيرات (١). وقيل: إن أفراسياب قتل الملك الذي يقال له: زو، وكان مقام زو ثلاث سنين، وأقام زاب في المُلك سبع سنين، ومات. فصل وخلف بعده ولدُه كَي قَباذ، وكان جبارًا، وله مع التّرك وقائعُ، وكان نازلًا على جانب نهر بَلْخ، يمنع التُّرك من الغارات على بلد فارس، وهو أولُ مَن أَخَذ العُشر من الغَلَّات، وكان له وزيرٌ من ولد أفريدون يقال له: كاشف، ويقال: إنهما شركاء في المُلْك، وأقام عشرَ سنين ثم مات (٢). ويقال: إن كيقباذ ابنُ زو، وزو ابن زاب، ويقال: إن زو كان وزيرًا لزاب؛ ذكره ابن مسكويه، وملك ثلاث سنين (٣). فصل ثم ملك بعد كي قباذ ولدُه كي كاووس، وقيل: كي قابوس بن قباذ، وكان يسكن بناحية بلخ، ووُلد له ولدٌ سماه سياووس أو سياخوس (٤)، ولم يكن في عصره أجملَ

стр. 948

منه، فسلَّمه إلى إصبَهْبَذ سِجِسْتان، واسمُه: رستم بن كاشف الذي ذكرناه، وقيل: رستم بن ديسان، ويُعرف بالشديد، فحمله إلى سجستان، وتخيَّر له المراضع، ثم فُطِم، فأدَّبه أحسن تأديب، وعلَّمه الفروسية فبرع فيها، وقَدِم على أبيه فامتحنه فرآه كاملًا فأعجبه. وكان لكي قابوس امرأةٌ بارعة الجمال، وهي بنت أفراسياب ملك الترك، وقيل: بنت ملك اليمن، فهَوِيت سياووس وهَوِيها، ودَعَتْه إلى نفسها فامتنع احترامًا لأبيه، فقالت لأبيه: إنه تعرَّضَ لي، فأفسدت ما بينهما، فأعرض عنه. وفهم سياووس فسأل رستمًا أن يسأل أباه أن يُولِّيه حرب أفراسياب ليَبْعُد عن أبيه، فأجابه إلى ذلك، وأرسل معه جيشًا عظيمًا، فلما نزل بلاد أفراسياب صالحه بواسطة وزيره، وعاد عسكر [كي] قابوس إليه (١). وزوَّج أفراسياب سياووس ابنتَه، ويقال لها: شافرند (٢)، فحبلت منه بولد سمّاه: كي خسرو. وأقام سياووس عند أفراسياب، فأحبَّه الناس ومالوا إليه، فدَسَّ إليه أفراسياب مَن قتله غِيلةً. وبلغ كي كاووس ما فعل أفراسياب بابنه، فدَسَّ إلى بلد الترك مَن حمل إليه زوجة ابنه سياووس وولده كي خسرو، ثم أرسل كي كاووس رستمًا إلى أفراسياب، وبعث معه طوس بن نوردان، وكان مَرزبانًا على رُبع العراق، فأوغلا في بلاد أفراسياب وقتلا، وقتل طوسٌ قاتلَ سياووس، وقتل رستم ولدين لأفراسياب، ويُقال لهما: سهرة وشهرة. ثم إن كي كاووس تجبَّر وطغى، وحَدَّث نفسه بصعود السَّماء، فعمِل النسور، ويقال: هو أحد النماردة، وبلغ إلى السحاب فسقط وكاد يهلك، واضطرب عليه مُلكُه. وكان باليمن يومئذٍ ملكٌ يقال له: ذو الأذعار بن أبرهةَ ذي المنار [ابن] الرائش، فغزاه كي كاووس فخرج إليه ذو الأذعار بجيوشه، والتقيا فظَفِر بكيكاووس، واستباح

стр. 949

عسكره، وألقاه في جُبٍّ، وأطبق عليه طبقًا من نحاس، ووَكَّل به خواصَّه، وبلغ رستمًا وهو بسِجِسْتان، فجيَّش الجيوش، وسار إلى اليمن، واجتمع إليه عسكرُ كي كاووس، فأَخرج كي كاووس من الجُبِّ وظَفِر باليمن وعاد إلى بابل. ويقال: إن رستمًا لما قصد اليمن خرج إليه ذو الأذعار بجيوشه، فخندق كلُّ واحدٍ منهما على عسكره، وطال الأمرُ بينهما، وخافا الهلاكَ على عسكريهما، فاصطلحا على تسليم كي كاووس إلى رستم، فسلَّمه إليه، وعاد به إلى بابل، فأعفاه كيكاووس لرستم من الخِدمة، وأقطعه سِجِسْتان وغيرها، وعَرَف له ما فعل معه. وقيل: إن كي كاووس أقام في الجُبِّ سبعَ سنين (١)، وفيه يقول أبو نُواس يفتخر باليمن على الفرس: [من المنسرح] وقاظَ كاووسُ في سلاسِلنا. . . سنينَ سبعًا وَفَتْ لحاسِبِها (٢) ويقال: قابوس. وكان كي كاووس بين يوسف وأيوب، واختلفوا في مُدَّة مُلكِه على قولين: أحدهما: أربعون سنة، والثاني: مئة سنة. فصل وملك بعده ابنُ ابنِه كي خسرو بن سياووس، الذي أمه بنت أفراسْياب، وتَحيَّل جدُّه كيكاووس حتى حملها إليه إلى بابل، وقد ذكرناه. فجلس كي خسرو على السَّرير وعلى رأسه التَّاج، وسار يطلب ثأر أبيه من جدِّه لأمه افراسياب، وكتب إلى إصبَهْبَذ خُراسان واسمه جودر (٣) يأمره بالتقدم إلى أفراسياب، فسار، ثم بعث طوس بن بوذران في ثلاثين ألفًا ومعه عم لكي خسرو يقال له: برزافره (٤) بن كي كاووس، وكان سياووس بن كي كاووس قد تزوج في الترك امرأة،

стр. 950

فولدت له ولدًا فسمَّاه فردوين، ووُلد قبل أن يُولد كيخسرو، وأم فردوين من بعض نساء الأتراك. وأوصى كي خسرو طوسًا ورستمًا أن لا يقتلا أخاه لأبيه فردوين، فلما التقى العسكران خرج فردوين يقاتل، فقتله طوس -وقيل: قُتِل في جملة الناس- وبلغ كي خسرو فحزِن على أخيه، وكتب إلى عمه برزافره أن يقيد طوسًا ويبعثَ به إليه، ففعل. وعبر كي خسرو النهر، وقسم عسكره قسمين من ناحيتين، ودخل إلى التُّرك، فلم يكن لأفراسياب به طاقة، فانهزم، وأكثرت الفرسُ القتلَ في الترك. قال ابن مسكويه: فلم يكن قط مثل ذلك، كان القتلى خمس مئة ألف وستين ألفًا على ما تَزعُم الفرس، والأسرى ثلاثين ألفًا، والغنائم لا تُحصى (١). وتَبع كي خسرو أفراسياب، فظفر به عند سيره، فأسره، ثم أحضر الملوك والموابِذةَ والعلماء وقال لهم: ما جزاءُ مَن استجار به خائف والتجأ إليه فعدا عليه فذبحه؟ فقالوا: يُفعَل به كما فَعل. فقال له: لم ذبحت أبي؟ فلم يكن لأفراسياب حجةٌ، فذبحه. وعاد إلى خراسان وقد صَفَت له الدنيا، فبنى مدينة بَلْخ وسمَّاها الحسناء (٢)، وأقام بها. ولما استقامت له الدنيا تزهَّد وتنسَّك، وعَهِد إلى ولده لهراسب، فلما رأى ذلك أهلُ مملكته جزعوا لفقدِه، وتضرَّعوا إليه، فقال: قد أقمتُ لكم مَن ينظرُ في أموركم، وهو ولدي لهراسب. وقيل: إنه لم يكن ولدَه، وإنما كان صاحبَه خصيصًا به، وكان ملك كي خسرو ستين سنة، وخَفِي أمرُه. فصل ثم مَلَك بعده لهراسب، ويقال: إنه الذي كان بُختُ نَصَّر إصبَهْبَذَ عسكره، وفي أيامه فعل بخت نصر ببني إسرائيل ما فعل. قالوا: وفيه بُعْد، بينهما زمان طويل، ومَلك لهراسب عشرين ومئة سنة، ثم مات.

стр. 951

فصل ثم ملك بعده بشتاسف بن لهراسب، فغزا بلاد الترك وأوغل فيها، ويقال: إن أباه لم يمت، وإنما عَهد إليه. ولما دخل بلاد الترك خلف أباه لهراسب ببلْخ في أثقاله، فجاء ابن أخي أفراسياب فقطع النهر وحاصر بَلْخًا، ولم يثبت له لهراسب، وكان قد كبر وأسنَّ فقتله ابن أخي أفراسياب، وأسر ابنتين كانتا لبستاسف، يقال لإحداهما: خُمانى، والأخرى: ياذفوه (١). وبلغ بشتاسف فعاد، وكان قد حبس ولده اسفنديار، فأطلقه وجَهّز معه الجيوش، فدخل بلاد الترك، وهزم ابن أخي أفراسياب، وقتل عسكره، وسبى، واستنقذ أختَيْه، وعاد إلى أبيه، فخاف منه أبوه، فأرسله إلى رستم وكان قد عصى عليه، فقتله رستم. وفي أيام بشتاسف رجع بنو إسرائيل إلى القدس، وعاش العُزير، فظهرت المجوسية على يد زَرَادُشْت المجوسي. فصل في ذِكره قال علماء السِّيَر: هو زَرادُشْت بن أسبيمان (٢)، من ولد مِنُوجِهر، ادَّعى أنه نبيُّ المجوس، وظهر بأَذْرَبيجان، فكان يُخبر بالعجائب، فيقول: يموت فلانٌ في اليوم الفلاني، ويُولد فلان في الوقت الفلاني، وأشباه هذا. وقيل: كان ساحرًا. وجاءهم بكتاب سمّاه: "بستاه"، يدور على ستين حرفًا من حروف الهند، فيه الغرائبُ، حتى قيل: إنه يكتبُ في الرفوف، ويُجلَّد بجلد اثنتي عشرة ألف بقرةٍ (٣). قلت: وهو قول بعيد. ولم تزل ملوك الفرس تُعظِّمُه وتعمل به، وتبني له الهياكلَ، حتى غزاهم الإسكندر اليونانيُّ فأحرق بعضَه، وبقي بعضُه في خزائن الهند.

стр. 952

ويقال: إن زرادُشْت كان خادمًا لبعض تلامذة العُزير إو إرميا، فسرق من علوم بني إسرائيل، فدعا عليه أستاذُه فبَرِصَ، ولحق بأَذْربيجان، ثم سار منها إلى بُشتاسف وهو ببَلْخ، فادَّعى النبوَّة وجاء بهذا الكتاب، وقال: أُوحي إليَّ به، فصدَّقه بشتاسف، وبنى له هيكلًا بإِصْطَخْرَ، ووكَّل به الموابِذة (١)، وألزم الخواصَّ والحكماء تعليمه، وخالف زرادُشت جماعةٌ، فقتلهم بشتاسف حتى أفنى خلقًا كثيرًا، فانقادوا له، وبنى له بيوتَ النِّيران. وقد ذكره الجاحظ فقال: كان زَرادُشْتُ يزعُم أن الوحي يَنزِلُ عليه على جبل سيلان أو جِيْلان، فدعا أهل تلك النواحي الباردة الذين لا يَعرِفون الحرَّ، وجعل الوعيد بتضاعُفِ البَرْد، وقال: لم أُبعث إلا إلى أهل الجبال فقط. وأباح الوضوءَ بأبوال الإبل، وأَباح غِشيان الأمهات والبنات والأخوات وذوات المحارم، وقال: أنتم أحقُّ بهِنَّ من غيركم. وعظَّم أمر النيران (٢). وكان يقول: كان اللهُ ولا شيءَ معه، فطالَتْ وحدتُه ففكَّر، فتولَّد من فكره إبليس، فلما مَثَل بين يديه أراد قتله، فامتنع عليه، فوادعه إلى مُدَّةٍ، وسالَمه إلى غاية (٣). وكانت نبوَّةُ زَرادُشْت على زَعْمه خمسًا وثلاثين سنة، وهلك وهو ابنُ سبع وسبعين سنة. وما زال كتابه يُعمَل به إلى زمان كِسرى أنوشِرْوانَ، فأبطل العملَ به، وأحرقه الإسكندرُ، وبَقِيَت منه سورةٌ، فلما ظهر أرْدَشير بن بابَك جمع الفرس على تلك السورة، ويقال لها: اسناجه (٤)، الفرسُ إلى هلمَّ جرًا يعظِّمونها، وقيل: اسمها اسمار. ولما مات زرادُشت أقام لهم بشتاسف جاباس (٥) من أهل أَذْرَبيجان، وهو أول مُوبِذ قام ديهم بعد زرادُشت.

стр. 953

قلت: وقد كان للمجوس نبيٌّ وكتابٌ، إلا أنه لا يتحقَّقُ ذلك، فروى أبو زُرعة المقدسي أو الدمشقي: أن فروة بن نوفل قال بمحضر من الصحابة: علامَ تُؤخذ الجزية من المجوس وليسوا أهلَ كتاب؟! فقام إليه المستورد بن شداد فقال: يا عدوَّ الله، أتَردُّ على الخلفاء الراشدين؟! وذَهَب به إلى علي ﵇، وأخبره بما قال، فقال علي: أنا أعلمُ الناس بالمجوس، كان لهم علم يتعلَّمونه، وكتابٌ يدرسونه، وإن ملكهم سَكِر، فوقع على أمه أو ابنته، فاطلع عليه بعضُ أهل مملكته، فلما صحا جاؤوا يُقيمون عليه الحدَّ، فامتَنَع، وقال: هل تعلمون دِينًا خيرًا من دين آدم؟ قالوا: لا. فقال: قد كان يُزوِّج ابنه من ابنته. فاتَّبعوه - أو تابعوه - على ذلك، وقتلوا مَن خالفه، فأصبحوا وقد أسري بكتابهم، وذهب ذلك العلم الذي في صُدور الباقين (١). وقال ابن عباس: لما مات نبيُّهم كتب لهم إبليس المجوسية. قلت: وقد أخذ النبي ﷺ الجزية من مجوس هَجَرَ على يد العلاء بن الحضرمي، وكذا الخلفاءُ الراشدون بعده. وعامَّةُ العلماء على أنه لا يجوز للمسلم نكاحُ المجوسية، وقال أبو ثور: يجوز، قياسًا على أهل الكتاب، فإنه يُؤخذ منهم الجزية. ولعامة العلماء قوله ﵇: "سُنُّوا بهم سنةَ أهل الكتاب، غير آكِلي ذبائحهم، ولا ناكحي نسائهم" (٢)، وقد بيَّنا أنهم ليسوا بأهل كتاب. قلت: وبشتاسف بن لُهراسف صاحب هذه الترجمة أقام في الملك مئة وعشرين سنة، ثم مات. وظاهر الروايات يدل على أن لُهراسب والد بشتاسف ولي بعد كي خسرو بن سياووس على ما ذكرنا.

стр. 954

وقال بعضهم: إنما ولي بعد كي خسور [كي] قابوس من ولد أفريدون، وتجبَّر وطغى، وسار إلى اليمن وبها ملك يقال له: شمريرعش، فخرج إليه [شمر]، فأسر كي قابوس وحبسه في أضيق الحبوس، فنظرت إليه ابنةٌ لشمر فهويته، واسمها: سعدى، وكانت تحسن إليه وإلى أصحابه سرًّا مدة أربع سنين، فسار إليه رستم من خراسان في أربعة آلاف سرية (١)، فلم يشعر به شمريرعش إلا وقد بغته، فقتله، واستنقذ كي قابوس وردَّه إلى مُلكه، فأخذ سعدى معه إلى بابل، وأحسن إليها، فهويت ولده سياووس فلم يطاوعها، فأغرت بينه وبين أبيه حتى كان من أمره مع أفراسياب ما ذكرناه، وتزويجه ابنته وقتله إياه، وقتل كي خُسرو أفراسياب بأبيه على ما ذكرناه. ويقال: إن رستمًا قتل سعدى. والرواية الأولى أشهر. وقيل: إن كي خسرو لم يكن له عقب، فعمد إلى لهراسب لأنه من بيت الملك. ويُروى أن كي خسرو غزا الشام والمغرب، وسبى امرأةً من بني إسرائيل اسمُها دنيا، فتزوجها، فيقال: إنها كانت سببًا لرجوع بني إسرائيل إلى القدس. فصل ولما مات بشتاسف مَلَك بعده ولدُه اسفنديار، ويقال: أردشير، ويقال: بَهْمَن، وهو جدُّ دارا الأكبر وأبوساسان، ومعنى بَهْمَن: الحسن. ويقال: إن بَهْمَن ابنُ اسفنديار بن بشتاسف، وكانت أمُّ بَهْمَن من بني إسرائيل ولدِ سليمان ﵇، وجرت له مع رستم حروب، وكان ملك بهمن عشرين ومئة سنة (٢). وفي أيامه رُدَّ البيتُ المقدَّس إلى بني إسرائيل، وقيل: إنما رُدَّ في زمان كورش الفارسي نائب بَهْمَن بالعراق، وكان بَهْمَن ببلخٍ يومئذٍ، ويقال: إن دانيال الأصغر خالُ بَهْمَن. وملك يَهْمَن الأقاليم كلَّها.

стр. 955

وقال الجاحظ: كان بهمن يُدعى أردشير الطَّويل الباع، لأنه كان يتناول ما تمتدُّ إليه يده من الممالك، ويقال: إنه بنى الأُبُلَّة، ويقال: إنه جدُّ دارا الأكبر، وقيل: أبوه وأبو ساسان (١). وكانت لبهمن ابنةٌ يقال لها: خُمانى، حملت من أبيها بدارا الأكبر (٢)، وكانت أديبةً عاقلةً، وكان ساسان قد ولده بهمن من امرأةٍ أخرى، فسألت خمانى أباها أن يَعقِد التاج على بطنها لدارا، ففعل، وكان ساسان يتوقَّع المُلك، ومات أبوه، ومال إليها أهلُ المملكة لإحسان أبيها إليهم فملَّكوها. فلما رأى ذلك ساسان تعبّد وتنسَّك، ولَحِق بجبال إصطَخْر، واتّخذ غُنَيْمَةً، وكان يتولَّاها بنفسه -وهذا هو ساسانُ الأكبر، أما ساسان الأصغر فهو أبو الفرس الثانية- ولما اتَّخذ الغُنَيمة استقبح الناسُ هذا، وقالوا: صار ساسانُ راعيًا. ثم وضعت خمانى بعد شهور من موت بهمن دارا بن بهمن، وكانت قد استولت على الممالك، وجَهَّزت الجيوش إلى الروم، فمنعَتْهم عن التطرف إلى بلاد فارس، وعاش الناس في أيامها. فلما وضعت دارا أَنِفت من إظهاره لاستقلالها بالملك، فجعلته في تابوتٍ، وجعلت معه جوهرًا نفيسًا، وألقتْه في نهرٍ من أنهار إصطخر، فساقه الماء إلى طاحونةٍ لرجل من أهل إصطخر، ففتح التابوت، فرآه ورأى ما معه فقال: لهذا شأنٌ. وكتم أمره، وربَّاه، وعلَّمه الفروسية. وظهر أمره للفرس، وبلغ أمَّه، فأحضرت الأساورة وأحضرتْه، واعترفت أنه ابنُها من بهمن، وحوَّلت التاج عن رأسها ووضعته على رأسه، وفوَّضت إليه أمرَ المُلك، وانتقلت خمانى إلى إصطخر، وبنت مدينةَ إصطخر، وأقامت ثلاثين سنةً عادلة محسنة عاقلة.

стр. 956

وقد قيل: إن خماني إنما حملت بساسان من بهمن، وأنه الذي ألقته في النهر، وليس بصحيح، والأول أصحّ. وتُوفِّيت خمانى بعد عمارة القُدس في زمان دانيال الأصغر بست وعشرين سنة (١). فصل ولما تُوفِّيت استقلَّ ابنُها دارا بالملك، فضبط الممالك، وأحسن السيرة، ونزل بابل، فكان مَن حوله من الملوك يُؤدُّون إليه الإتاوة، يعني الخراج. ووُلد له ولد فسمَّاه دارا الأصغر، وكان معجَبًا به، وبلغ من حبه إياه أنه سماه باسمه، وعهد إليه بعده. وملك دارا الأكبر اثنتي عشرة سنة، ومات. فصل فملَكَ بعده ولدُه دارا الأصغر، فأساء السيرة، وظلم الرعية، وتجبَّر وطغى وبغى، وقتل الأساورة. وكان سببُ فساد حاله أنه كان لأبيه دارا الأكبر وزيرٌ يقال له: رشين (٢)، وكان عاقلًا، وكان لدارا غلامٌ قد رُبِّي معه اسمه. بيري، فجرى بين بيري وبين الوزير كلامٌ، فأساء أدبَه على الوزير، فأخبر الوزير دارا الأكبر بذلك، فسقى الغلام شربة فمات، فحقد دارا الأصغر على الوزير، فلما مات دارا الأكبر وولي دارا الأصغر قتل جماعة الوزير، واستوزر أخا الغلام بيري، ولم يكن أهلًا للوزارة، فأفسد عليه قلوبَ الناس، فاستوحشوا منه، ونفروا عنه، وكاتبوا الإسكندر الرومي، فسار إليه فقتله لما نذكر. واختلفوا في مدة ملك دارا الأصغر؛ فقيل: ملك أربع عشرة سنة، وقيل: خمس عشرة سنة، وقيل: ثلاثين سنة، وهو آخر ملوك الفرس الأُول. قلت: وقد اختلفوا في عددهم وسنينهم اختلافًا كبيرًا، أشار إليه الجاحظ، ومحمود بن الحسن الأصبهاني في "تاريخه"، وأبو معشر، والمسعودي. وقد ذكرت في

стр. 957

كتابي هذا ما اشتهر من عدد ملوكهم، وسنينهم، وما قالوه. قال الجاحظ فيما حكاه: فعدَّة ملوك الفرس الأولى ستة عشر ملكًا وامرأة، ومدة ما ملكوا من السنين ثلاثة آلاف سنة وزيادة. وقد ذكرنا ذلك، فإن كان كيومرت عاش ألف سنة، وجم شيد ألف سنة، والضَّحاك ألف سنة، فيكون المبلغُ أكثر مما ذكر الجاحظ. وقد قسمهم محمود بن الحسن الأصبهاني في "تاريخه" أربع طبقات قال: الفيشدانية، والكيانية، والأشغانية، والساسانية. قال: فالفيشدانية عددهم تسعة ملوك، أولهم أوشهنج، ويلقب: فيشاد، وزمان ملكهم ألفان وأربع مئة وسبعون سنة. والطبقة الثانية: وهم الكيانية، وعددهم عشرة، وأولهم كي قباذ، وزمان ملكهم سبع مئة سنة. والطبقة الثالثة: وهم الأشغانية، وعددهم أحد عشر ملكًا، وزمان ملكهم ثلاث مئة وأربع وأربعون سنة، وأولهم أشك بن أشك. والطبقة الرابعة: الساسانية، وعدتهم أربع وعشرون ملكًا، وزمان ملكهم أربع مئة وتسع وسبعون سنةً، وأول ملوكهم أردشير بن بابك، وآخرهم يزدجرد بن شهريار المقتول في أيام عثمان بن عفان. قلت: وقد لحق الأصبهاني ما ذكر في كتابه وزيادة، لأنه قال: تواريخ الفرس مدخولةٌ غير صحيحة، لأنها نُقلت من لسان إلى لسان، ومن خط متشابه إلى مثله. قال: وقد لخّصت ما وقع لي من كتب ابن المقفع، ومحمد بن الجهم، وخزانة المأمون، وغير ذلك. وقد وهم؛ لأنه خلَط الفرس الأولى بالثانية، وجعل الجميع أربعًا وأربعين ملكًا، وعدد سنينهم -على ما قالوا- زيادة على أربعة آلاف سنة. وقال ابن الكلبي: ملوك الفوس ستون ملكًا. وقال السدي: ثمانون، وثلاث نسوةٍ. وسنذكر الفرس الثانية فيما بعد إن شاء الله تعالى.

стр. 958

فصل في سيرة الإسكندر اليوناني وهو الثاني واختلفوا في نسبه، قال الغزالي: إن الإسكندر الروميَّ هو الصَّعب بن جابر، وكان أبوه نسَّاجًا، واسم أمه هيلانة، وكان يتيمًا في حمير، سمعت أمُّه ببيت الصنائع في القُسطنطينية فحملتْه إليه، فشاهد صور الأشياء، فقالت له: اختر ما تريد، فوضع يده على تاج الملك، فنَهَتْه مرارًا فلم ينته، فنظر إليها يونان متولِّي بيت الصنائع، فقال لها: أنت هيلانة؟ قالت: نعم. قال: وهذا ابنُك الصعبُ بن جابر (١)؟ قالت: نعم. فأخذ عهده وذمامه أنه وذريته في أمانه، وقال له: أبشر، فأنت الملك الذي يسحب ذيلَه على أقطار الدنيا شرقًا وغربًا. فرجعت به أمه إلى بابل وكتمت أمره. فرأى في ثلاث ليالٍ ثلاثَ منامات: رأى في الأولى كأنه شرب مياه البحار كلَّها، وأكل طينها، ورأى في الثانية: كأنَّ الأرض صارت خُبزةً فأكلها، ورأى في الثالثة: كأنه رقي إلى السماء، فعد نجومها ورمى بها إلى الأرض، وركب الشمس، وسحب بناصيةِ القَمر. فاجتمع بالخضر فأخبره بما رأى، فبشّره بنَيْل الممالك، وقال له: استصحب نبيًا حكيمًا. قال المصنف ﵀: يا ليت شعري، من أين روى أبو حامد الغزالي هذه الروايات؟! وهل توجد في كتاب يُوثَق به من المنقولات؟ وهل قال قائل: إن الإسكندر الثاني اسمُه الصعبُ بن جابر؟ إنما هو الأول. وقوله: كان أبوه نسَّاجًا، وقد اتَّفق أرباب السِّير أنه ملك اليونان. وقوله: يتيمًا في حِمْير، وأين اليونان من حمير؟! وقوله: حملته أمّه إلى القُسطنطنية، وهل بُنيت إلا بعد رفع عيسى ﵇ بمدة طويلة؟! وقوله: رأى الخضر، وأين هو من الخضر؟! بينهما زمانٌ طويل، وقوله: استصحب معك نبيًا، وهل كان اليونان يقرون بالنبوات؟!. وقد نسبه الشيخ أبو الفرج بن الجوزي ﵀ في "المنتظم" فقال: هو الإسكندر ابن فيلفوس بن مرطويس (٢) بن هرمس بن هردس بن منظور (٣) بن رومي بن لمكي (٤) بن

стр. 959

يونان بن ثوبة بن سرحون بن رومية بن بوبط بن زرمي بن الأصفر بن إيلنفز (١) بن العيص ابن إسحاق ﵇، وكان أبوه ملك اليونان. وقال علماءُ السير: وُلد الإسكندر لثلاثَ عشرة سنةً مضت من ملك الأراكنة، وسلَّمه أبوه إلى أرسطاطاليس الحكيم، وكان مقيمًا بمدينة اقمينية (٢)، فأقام عنده خمسَ سنين يتعلَّم منه الحكمة والأدب، فنال منه ما لم ينلْه أحدٌ من تلامذته. ومرض أبوه فخاف على الملك، فاستردّه وعهد إليه ومات، فاستولى الإسكندر على الملك، وكانت الملوك تهابه. قصته مع دارا (٣) كان أبوه ملكًا على بلاد اليونان، وتهابه الملوك إلا الفرس، فصالحه دارا بن دارا ملك فارس على أن يحمل إليه في كل سنة ألف بيضة من ذهب، في كل بيضةٍ مئة مثقال. فلما مات فيلفوس لم يَحمل إليه الإسكندرُ شيئًا، فكتب إليه دارا يهدِّده ويتوعَّدُه حيث أخّر الإتاوة، وبعث إليه بكرة وصولجان وخرقةٍ فيها سِمسم، وقال: أنت صبي، فالعب بهذه الكرة والصَّولجان، فإن أديت الإتاوة وإلا بعثت إليك بجنودٍ بعدد هذا السمسم، وأتيتُ بك في وثاقٍ. فكتب إليه الإسكندر: أما بعد، فقد تَيمَّنت بالكرة والصولجان، فإن الدنيا مثل الكرة وسألعب بها، وأضيف ملكك إلى ملكي، وأما السمسم فقد تَيَمَّنْتُ به لأنه بعيد عن الحَرافة (٤) والمرارة، وأما الدجاجة التي كانت تبيض ذاك البيض فقد ذبحتُها وأكلتُ لحمها. فغضب دارا وسار إليه بجموعه، وسار إليه الإسكندر بجموعه، فالتقيا على نصيبين الجزيرة، وقيل: مما يلي الخزر من ناحية خراسان، والأول أصحُّ. فلما همَّ دارا باللقاء، بعث إليه الإسكندر يقول له: أيها الملك لا تفعل، فإن دماء

стр. 960

الملوك لا يجوز إراقتها، وهدم البيوت القديمة غير محمودٍ، والبغيُ مصرعه وخيم، والحرب غير مأمونة، وأصحابك قد مَلُّوك وكرهوك لسوء سيرتك، فارجع من حيث جئت، فإنك تَحمد قولي. فلم يلتفت دارا، وأقاما يتحاربان سنة، فمَلّا وكَلّا، والحرب بينهما سجال. ذكر حيلةٍ دبَّرها الإسكندر لما وقع الملَلُ من الفريقين برز منادي الإسكندر فقال: يا معاشر الفرس، علمتُم قديمًا [ما] كان من مكاتباتكم إلينا، وما كتبنا لكم من الأمانات، فمَن كان منكم مقيمًا على الوفاء فليتحوَّل إلينا، فله منا الوفاءُ بالعهد. فاتَّهمت الفرسُ بعضها بعضًا واضطربوا، فكان ذلك سببًا لخذلان دارا، ووَثب عليه رجلانِ في المعركة ممن أحسن إليهما من خلْفِه، فطعناه، فوقع. وكان الإسكندرُ قد نادى: مَن ظَفِر بدارا فلا يؤذِه، وجاء الرجلان إلى الإسكندر فقالا: قد قُتِل دارا. فجاء الإسكندر إليه ونَزَل عن فرسه ووجده بَعدُ حيًا، فقعد عند رأس دارا، وقال: والله ما هَمَمْتُ بقتلك، ولا سَرَّني ما أنت فيه، ولقد نَهيتُ عنه، ويعزّ عليَّ ما أصابك، ثم رَقَّ له وبكى عليه، وقال: سلني حاجةً، فقال: تقتلُ فلانًا وفلانًا اللذين قتلاني، فإني كنتُ محسنًا إليهما، وأن تتزوج ابنتي روشنك، فقال: سمعًا وطاعة. وأحضر الرجلين ومثَّل بهما، وقال: هذا جزاء مَن يتجرَّأ على مَلِكه. وتفرق مُلك فارس بقتل دارا، وكان مجتمعًا، واجتمع ملك اليونان والروم بالإسكندر، وكان متفرقًا. ثم سار الإسكندر إلى بابل، وجلس على سرير الملك، ثم قال: أدالنا اللهُ من دارا، ورزقَنا خلافَ ما كان يتوعَّدُنا به. ثم استولى على خزائنه وذخائره وسلاحه وجواهره، فلم يقدر على إحصائها، وتزوج ابنته روشنك، وبنى لها دارًا، وقيل: مدينة عند بابل، ولم يكن لها في زمانها نظير. وقيل: إن روشنك كانت زوجةَ دارا، ولم يكن في زمانها أجمل منها، فقيل له: ألا تتزوجها، فقال: أكره أن يُقال: غلب الإسكندر دارا، وغلبت عليه روشنك.

стр. 961

ولما استولى على مُلك فارس عرض جيشه فكان ألف ألف وأربع مئة ألف، وكان عسكرُ دارا ألف ألف، وعسكر الإسكندر أربع مئة ألف. وشرع فهَدم بيوت النِّيران، وقتل المَوابِذة، وأحرق كتبهم، وسار إلى الشرق فأوغل في الهند والصين، وفتح المدائن، ودانت له الملوك، وبنى مدينة أصبهان وهراة ومرو وسمرقند. ولما وصل إلى الهند خرج إليه ملكها في ألف فيل عليها المقاتلة، وفي خراطيمها السيوف، فلم تثبت لها خيل الإسكندر، فصنع فيلة من نحاس مجوَّفة، وربط خيله بينها حتى ألِفَتْها، وملأها نفطًا وكبريتًا، ثم ألبسها السلاح، وجرّها على العَجَل إلى ناحية العدو، وبينها الرجال، فلما نَشِبت الحرب أمر بإشعال النار في أجوافها، فلما أُشعِلت تنحَّت عنها الرجال، وغشيتها فيلة الهند، فضربتها بخراطيمها، فاحترقت وولَّت هاربةً، فكانت الدائرة على ملك الهند. ذكر قصته مع بود ملك الصين وهو صاحب مدينة المانكير، ولما نزل الإسكندر على المانكير خرج إليه الملك، وأرسل إليه يقول: علام تُفني العالم؟ ابرُزْ إليَّ، فإن قتلتني كنت الملك، وإن قتلتك فأنا الملك. فتيمَّن الإسكندرُ لكونه بدأ بنفسه في ذكر القتل، فبرز إليه، فتجاولا ساعةً، فقتله الإسكندر وأخذ بلاده. ذكر قصته مع كند (١) كان بأقصى الهند مَلِكٌ حكيمٌ عادل، صاحب سياسة، واسمه كند، أتت عليه سنون كثيرة. فكتب إليه الإسكندرُ يستدعيه ويتوعَّدُه إن تأخر عنه. فكتب إليه يتلطَّفُه ويعتذرُ إليه بِكبر السنّ ويقول: قد بعثت إليك بهدايا لم يقدر عليها أحد من الملوك، منها: فيلسوف يخبر بالمقصود قبل أن يُسأل عنه، وطبيب لا يُخاف معه إلا الداء المحتوم، وجارية لم تطلع الشمس على مثلها، وقَدَح إذا ملأتَه شرب منه جميعُ عسكرك لا ينقصُ منه شيء.

стр. 962

فلما وصلت الهدية إلى الإسكندر مع خواص الملك، أكرمهم وأحسن إليهم، وشاهد الجارية فحار في حُسنها، وأكرم الطبيب، وأنزل الفيلسوف قريبًا منه وامتحنه، فأرسل إليه قدحًا مملوءًا سمنًا لا يسع شيئًا آخر، فغرز الفيلسوف فيه إبرًا وردَّه، فأمر الإسكندر بسَبْك تلك الإبرِ كُرةً مدوَّرة متساويةَ الأجزاء، وردَّها إلى الفيلسوف، فأمر الفيلسوفُ بسَبْكها مرآةً صقيلةً وردَّها إلى الإسكندر، فأعادها إليه، فدعا الفيلسوفُ بطَشْت فتركها فيه، وأمر بصبِّ الماء عليها، ثم عَمِل منها مشربةً وجعلها في الماء فطَفَت، وأعادها إلى الإسكندر، فملأها ترابًا وردَّها إلى الفيلسوف، فلما رآها بكى وتغيَّرت أوصافُه، وردَّها، وجعل يبكي ويقول: ويحَكِ يا نفسُ، ما الذي قَذَف بك في هذه الظُّلمة؟ ألست إذا كنتِ تسرحين في النُّور، وتَمْرَحين في العلوِّ، ثم أُنزلت إلى العالم المظلم، عالم الكون والفساد، أين مصادرك الطيبة، ومواردك اللذيذة؟ حللتِ بين السِّباع الضَّارية، والأفاعي المهلكة، لا تشاهدين إلا غافلًا، ولا تُعاشرين إلا جاهلًا، وذكر كلامًا طويلًا. وبلغ الإسكندر، ففهم أنه أشار إلى نقل النفوس من العالم العلوي إلى العالم السفلي، فاستدعاه، فرآه حسن الصورة، مشوق اللون، فقال: ما معنى غرز الإبر في السَّمْن؟ فقال: فهمتُ من إرسال القدح أنك تقول: قد امتلأ قلبي بالحكمة كما مُلئ هذا القَدَحُ، فليس فيه مُستزاد، فأخبرتك أن حكمتي تزيد على حكمتك، وتدخل فيها دخول الإبر في السَّمن. قال: فلم عملت الإبر مرآةً؟ قال: لأني علمتُ أن قلبك قد قسا من سَفْك الدماء، وسياسة العالم، فأريتُك أفعالَك فيها. قال: فما الكرةُ؟ قال: الدنيا. قال: فما بالُ المشربة؟ قال: هي حبُّ الدنيا، تُشربُ ولا تُشْبعُ. قال: فلم طَفَت؟ قال: فلم يَطفو الأجل؟ قال: فما بالُ التراب؟ قال: فهمتُ أنك تقول: ما بقي غير النزول فيه، ومفارقة النفس الناطقة هذا الجسد، وذكر كلامًا طويلًا. فأعجب به الإسكندر، ودفع له أموالًا جليلة فلم يقبلها، وقال: لو أردت المال ما آثرتُ عليه العلم، ولست أَدخِل على علمي ما يُنافيه، وليس بعاقلٍ من خدم غير ذاته، واستعمل ما لا يصلح نفسه، والذي يصلحها صِقالُها بالحكمة، ورَدْعُها عن تناول

стр. 963

اللذات، فإنها صَدؤها، ومن عدم النظر في العالم العُلوي عدم القُربة من بارئه. فقال له الإسكندر: لله دَرُّك. ولأحسننَّ إلى صاحبك لأجلك، ثم صرفه مكرمًا. ذكر واقعة أخرى لما توغَّل الإسكندرُ [في] بلاد الصين، بينا هو في بعض الليالي جالسًا نصف الليل إذ دخل الحاجب، فقال: رسولُ ملك الصين على الباب. فأَذِن له، فدخل فجلس، فقال له: قُل. فقال: الأمر الذي جئتُ فيه لا يحتمل الزِّحام، فأَخْلِني. ففتَّشوه، فلم يجدوا معه حديدًا، فأُخلي المجلس وبقي هو وإياه، فقال له: قل، فقال: أنا ملكُ الصين. قال: وما الذي آمنك مني؟ قال: ليس بيني وبينك عداوةٌ، ولا مطالبة بذَحْلٍ، وبلغني أنك رجل عاقل حكيم، ولو قتلتني لم تظفر بطائل، فإنهم يُقيمون غيري، وتُنسب إلى الغدر، فأخبرني ما الذي تريدُ مني؟ فقال: ارتفاع مُلكِك ثلاث سنين آجلًا، ونصف ارتفاعها في كل سنةٍ عاجلًا (١). فقال: لقد أجحَفْت. فما زال ينقصه حتى اقتصر على سدس المغل، ثم قام مسرعًا فخرج، وبات الإسكندر يفكر فيه. فلما طلع الصباح، وإذا بملك الصين قد خرج في جيشٍ طبَّق الأرض، وعليه تاجه، وبين يديه الأمم، فركب الإسكندر واستعدَّ للقتال، ثم ناداه: يا ملك الصين أغدرًا؟ فانفرد عن أصحابه، وقال: لا، ولكني أردتُ أن أعرِّفَك أنني لم أطعك عن ضعف وقلة، وما غاب عنك من جنودي أعظم، ولكن رأيت العالم الكبير مقبلًا عليك، ممكنك ممن هو أقوى منك وأكثر عددًا، ومَن حارب العالم الكبير غُلِب. ثم ترجَّل وقبَّل الأرض بين يدي الإسكندر، فنزل الإسكندرُ من فرسه، وأجلسه معه على سريره، وقال: ليس مثلُك مَن يُؤخَذ منه خراجٌ، وقد أعفيتُك، فما أحقَّك بالإنصاف والفضل، ولم تر عيني مثلَك. فقال الملكُ: أما إذا فعلت هذا، فلا بُدَّ من مجازاتك. ثم انصرف وبعث إلى الإسكندر بأضعاف ما كان قرّره عليه، وبعث إليه الإسكندر بمثل ذلك.

стр. 964

وحكي عنه أنه رأى رجلًا وكان يُسمَّى الإسكندر، وكان كثير الهزيمة، فقال له: إمّا أن تغير اسمَك، وإما أن تغيّر شعلَك. ذكر وفاته وسِنِّه مَلَك وهو ابن إحدى وعشرين سنة، وتوفي وهو ابن إحدى وثلاثين سنة (١)، فكان مُلكُه عشر سنين، وقيل: ثلاثَ عشرةَ سنةً، وقيل: أربع عشرة سنةً أو ستَّ عشرة سنة، بمقدار مُلك دارا بن دارا الذي قتله الإسكندر، وكان قتلُه لدارا في السنة الثالثة من ملكه. وتُوفِّي بشَهْرَ زُور، وقيل: بنَصِيبينَ، وقيل: ببابل، والأول أصحُّ. وقال هارون بن المأمون: دخل الظلمات مما يلي القطب الشمالي، فسار فيها ثمانية عشرَ يومًا، ثم رجع إلى العراق، فاحتُضر، فأوصى أن يُحمل إلى أمه في تابوتٍ من ذهب، فطُلي بالأطلية المُمْسِكَة لذاته وأجزائه، وكانت أمه بالإسكندرية، وكتب إليها أيضًا كتابًا يعزيها بنفسه، فتلقته في نساء المملكة باكيةً حزينةً تقول: إن فقدتُ من ولدي أمره فما فقد قلبي ذكره. وقيل: إنه أوصى إلى أرسطاطاليس: أنه إذا مات يُجعل في تابوت من ذهب، ويتكلَّم الحكماء عليه، كما فُعل بذي القرنين. فتولاه أرسطاطاليس بنفسه، وجمع الحكماء وقال: ليتكلم كلُّ واحد منكم بكلام يكون للخاصة معزِّيًا، وللعامة واعظًا. فقاموا وأحدقوا بالتابوت، فقال الأول: أصبح مستأسرُ الأسرى أسيرًا (٢). وقال الثاني: ما أزهد الناس في هذا الجسد، وأرغبهم في هذا التابوت. وقال الثالث: من العجب أن القوي قد غُلب، والضعفاءَ لاهون. وقال الرابع: أيها الساعي الحريصُ، جمعتَ ما خذلك عند الاحتياج إليه، فعاد مغناه لغيرك، ووبالُه عليك.

стр. 965

وقال الخامس: رب حريصٍ على سكوتك [إذ لا تسكت]، وهو اليوم حريصٌ على كلامك [إذ لا تتكلم]. وقال السادس: يا عظيم الشأن، اضمحلَّ سلطانُك كما اضمحل ظلُّ السحاب، وعَفَت آثارُك كما عفت آثار السَّراب (١). وقال السابع: يا مَن ضاقت عليه الأرضُ، ليت شعري كيف حالُك فيما احتوى عليك منها. وقال الثامن: هذا الذي كانت الآذانُ تنصت لكلامه، قد سكت فلْيتكلَّم الآن كلُّ ساكتٍ. وقال التاسع: سيلحق بك مَن سرَّه موتُك، كما لحِقْتَ بمن سرَّك موتُه. وقال العاشر: كنتَ تأمرنا بالحركة، فما بالك ساكنًا. ولما مات الإسكندر عرضوا على ولده إسكندروس المُلك فامتنع، واختار النُّسُك والتعبُّد، فملَّكت اليونان عليها بطليموس. فصل في ذكر أرسطاطاليس اعلم أن أرسطاطاليس حكيمُ اليونان، ورئيسهم المطلق، وصاحب المنطِق، وكان يُؤدِّب الإسكندر في صغره، وكان الإسكندر يُعظِّمُه ويكاتبه ويشاوره، فكان بمنزلة الوزير عنده. وقيل للإسكندر: إنك تُعظِّم مؤدِّبَك أكثرَ من تعظيم والدك؟ فقال: لأن أبي كان سببًا لحياتي الفانية، ومؤدبي سببًا لحياتي الباقية. وقال مرة أخرى: أبي كان سببًا في رِقِّي، ومؤدبي سببًا في نُطقي (٢). وجلس يومًا كاملًا لم يسأَلْه أحد حاجةً، فقال لجلسائه: ما أعد هذا اليومَ من عمري. قيل: ولم؟ قال: لأن الملك لا يَلتذُّ إلا بالجود على السائل وإغاثة الملهوف،

стр. 966

ومكافأةِ المُحسِن، وإنالةِ الراغب، وإسعافِ الطالب. وشاوره أصحابُه في السجود له، فقال: لا يستحق ذلك إلا البارئُ تعالى، لأنه كسانا بهجة الفضائل. وأغلظ له رجل، فقام بعضُ أصحابه إليه ليقتله، فقال له الإسكندر: لا تنحطَّ إلى دناءته، وارفعه إلى شرفك. وقال: من انتجعك فقد أسلَفَك حُسنَ الطْنِّ بك (١). وكتب إلى أرسطاطاليس: بم تأمرني؟ فكتب إليه: اجمع في سياستك بين بِدارٍ لا حِدَّة فيه، وريثٍ لا غفلة (٢) معه، وامزج كل شيء بشكله، وصُنْ وعدك عن الخلف فإنه شَيْن، وشِبْ وعيدك (٣) بتأخير العقوبة فإنه زَيْن، وكن عبد الحق فإن عبد الحق حرٌّ، وليكن خُلقك الإحسانَ إلى جميع الخلق، وأَطهر لأهلك أنك منهم، ولأصحابك أنك بهم، ولرعيتك أنك لهم. وكتب الإسكندر إليه يخبره أن في عسكره جماعةً لا يأمنهم على نفسه، لبُعْد هممهم وشجاعتهم وقلَّة عقولهم، ويكره أن يُقدم عليهم بالقتل على وجه الظِّنَّة، مع وجوب الحُرمة وسابق الخدمة، فكتب إليه أرسطاطاليس: أما ما ذكرتَ من بُعد هممهم، فإن الوفاءَ من بُعد الهمة. وأما ما ذكرتَ من شجاعتهم وقلة عقولهم، فإن كانت هذه الحالة فرفِّهْهُم في معيشتهم، وخُصَّهم بحسان النساء، فإن رفاهية العيش تُوهي العزم، وتُحبِّب السلامة، وتُباعد من ركوب الغرور، وأحسن خُلُقك تَخلُص لك النيّات، ولا تتناول من لذيذ العيش ما لا يمكن أوساط رعيتك مثله، فليس مع الاستئثار محبة (٤)، ولا مع المساواة بِغْضة. واعلم أن المملوك إذا اشتُرِي لا يَسأل عن مال من اشتراه، وإنما يَسأل عن خُلُق مولاه. وكتب إليه الإسكندر: إني أرى رجالًا ذوي أصالة في الرأي، وحُسنِ التَّدبير،

стр. 967

واعتدال الخلق، ولهم مع ذلك صرامة وشجاعة، ولا آمنهم أن يَثِبوا عليَّ، ولا تستقيم الأمور إلا ببوارهم. فكتب إليه: أما بعد: فإنك إذا قتلتهم؛ أَنْبت إقليم بابل أمثالَهم، لأنه إنما يُنبت الرجالَ العقلاء، أهل الرأي والسداد، والاعتدال في التركيب، فصاروا أعداءً لك، وإخراجُهم من عسكرك مخاطرةٌ بنفسك وأصحابك، فافعل ما هو أنفع لك من قتلهم، استدع أولاد الملوك منهم؛ فقلِّدهم البلدان، وولّهم الولايات، ليصيرَ كلُّ واحد منهم ملكًا برأسه، فتتفرَّق أجسامهم، وتجتمع كلمتُهم على الطاعة. ففَعَل الإسكندرُ ذلك، فصَلَحت الأحوالُ (١). وكتب إليه: إنما تُملَك الرعايا بالإحسان إليها، فأحسن تظفرْ بالمحبة منها، واعلم أنك إنما تملك الأبدان، فاجمع إليها القلوب. وقال الجاحظ: أرسطاطاليس تلميذ أفلاطن، وأفلاطن تلميذ سُقراط (٢). وقال الهيثم: رؤساء الفلاسفة ستة: سُقراط، وبُقراط، وأفلاطن، وفيثاغورس، وثالس، وأرسطاطاليس، وهو الفيلسوفُ الأعظم عندهم، وهو الذي رتَّب علومهم وهذَّبها وحذف الحشو منها، وانتخب الأقرب إلى الصواب، وزاد على مَن تقدَّمَه حتى على أستاذه أفلاطن الألمعي. وقد اعتذر عن ذلك فقال: أفلاطن أستاذ وصديق، والحق صديق، وهو أصدقُ منه. وقال: لكلِّ شيءٍ صناعة، وصناعة العقل حُسنُ الاختيار. وقال: اعصِ الهوى، وأَطِعْ من شئت. وقال: الأديانُ أوطان. وقال: إذا خان السفيرُ بطَلَ التدبير، وإذا كان الجاهلُ عدوًّا لنفسه، فكيف يكونُ صديقًا لغيره؟! وقال للإسكندر: إن الناس إذا قدروا أن يقولوا، قدروا أن يفعلوا، فاحترز من أن يقولوا، تسلم من أن يفعلوا. فقال له: صدقت أيها الحكيم (٣).

стр. 968

وقيل له: ما البلاغة؟ فقال: حسنُ الاستعارة، وقيل: الاستدلالُ بالقليل على الكثير، وقيل: فتق المشكل، وإيضاح المعضل. وكتب إلى بعض الملوك وكان قد اشتغل باللهو عن النظر في أمور الرعية: أما بعد، فإن الرعية إذا علمت تسلُّط الهوى على المَلك تسلَّطت عليه، فاقهر هواك بفضل يقظتك. فكتب إليه الملك: إذا كانت بلادنا عامرة، وعُمَّالنا عادلة، وسُبُلُنا آمنةً، فلِمَ نمتنعُ من لذةٍ عاجلةٍ؟ فكتب إليه: إنما تمهدت الأمور على ما ذكرت باليقظة دون الغفلة، كما أخوفني أن تهدم ما بنته اليقظة بما جنته الغفلة. فانتبه الملك وكتب إليه: صدقتَ أيها الرشيد (١). وكانت وفاةُ أرسطاطاليس بعد وفاة الإسكندر بيسيرٍ، وعاش ستين سنة، وقال ابنُ حَوقل: إنه مُعلَّق في خشبة بجزيرة صِقِلِّية بالكنيسة، وكانت النصارى تستقي به (٢)، وعاش أفلاطن أيضًا ستين سنة. قال المصنف ﵀: وقد وازن أبو علي بن حسن الحاتمي بين أرسطاطاليس والمتنبي (٣)، فقال: قال أرسطاطاليس: مَن علم أن الكون والفسادَ يتعاقبان الأشياء، لم يحزن لورود الفجائع. قال المتنبي: [من الطويل] إذا استقبلَتْ نفسُ الكريم مُصابَها. . . بخُبْثٍ ثَنَتْ فاستدبرته (٤) بطيبِ وقال: النفس المتجوهرة تأبى مقارنة الذّل [جدًا، وترى فناءها في ذلك بقاءها]، والنفس الدنية بضد ذلك. قال المتنبي: [من الطويل]

стр. 969

فحُبُّ الجبانِ النَّفسَ أَورده التُّقى … وحبُّ الشجاعِ النَّفسَ أَورده الحَرْبا (١) وقال: أَقبحُ الظلم حسدُك لعبدك الذي تُنعم عليه. قال المتنبي: [من الطويل] وأظلمُ أهلِ الأرض مَن بات حاسِدًا … لمَن بات في نعمائه يتقلَّبُ (٢) وقال: موتُ النفس حياتُها، وعُدْمُها وجودُها، لأنها تلحقُ بعالَمها. قال المتنبي: [من المتقارب] كأنك بالفقر تَبغي الغنى … وبالموت في الحرب تبغي الخُلودا (٣) وقال: أقربُ القُربِ مَودَّات القلوب وإن تباعدت الأجسام، وأبعدُ البُعد تنافر التداني. قال المتنبي: [من الوافر] وأبْعدَ بُعدَنا بُعدَ التداني … وأقربَ قُربَنا قُربَ البعادِ (٤) وقال: إذا كان البناءُ على غير قاعدةٍ، كان الفساد أقربَ إليه من الصلاح. قال المتنبي: [من الوافر] وإن الجُرحَ يَنفِرُ بعد حين … إذا كان البناءُ على فسادِ (٥) وقال: تعاقُبُ أيام الزمان مفسدةٌ لأحوال الحيوان. قال المتنبي: [من المنسرح] فما تُرجِّي النفوسُ من زمنٍ … أَحْمدُ حالَيه غيرُ محمودِ (٦) وقال: أَتعَبُ الناس من اتَّسعت مروءَتُه، وقصرت مقدرتُه. قال المتنبي: [من الطويل] وأتعبُ خلقِ الله مَن زاد همُّه … وقصَّر عما تشتهي النفسُ وُجْدُه (٧)

стр. 970

وقال: مَن استعمل الفكر في موضع البديهة فقد أضرَّ بخاطره، وكذا من استعمل البديهة في موضع الفكر. قال المتنبي: [من الطويل] ووَضْعُ النَّدى في موضعِ السيف بالعُلا … مُضِرٌّ كوَضْع السَّيف في مَوضع النَّدى (١) وقال: مَن لم يَرفع نفسَه عن قَدْر الجاهل، رفع الجاهلُ قَدرَه عليه. قال المتنبي: [من الطويل] إذا الفَضْلُ لم يَرفَعْك عن شُكر ناقصٍ … على نفسِه فالفضلُ فيمن له الشُّكرُ (٢) وقال: مَن أفنى مُدَّتَه في جمع المال خوفَ العُدْم، فقد أَسلم نفسَه للعدم. قال المتنبي: [من الطويل] ومَن يُنفِقُ الساعاتِ في جَمْع ماله … مخافةَ فقرٍ فالذي فَعَل الفقرُ (٣) وقال: مَن تخلَّى عن الظُّلم بظاهره، وسَكن إليه بحواسِّه، فهو ظالم. قال المتنبي: [من الطويل] وإطراقُ طَرْفِ العينِ ليس بنافعٍ … إذا كان طَرْفُ القَلب ليس بمُطْرقِ (٤) وقال: يَقبحُ بذي الجِدَة أن يفارقَه الجُود، لأنهما كشيءٍ واحد يحويهما إنسان. قال المتنبي: [من الخفيف] والغنى في يد اللئيم قبيحٌ … قَدْرَ قُبْحِ الكريم في الإملاقِ (٥) وقال: نفوسُ الحيوان أغراضٌ لحوادث الزَّمان. قال المتنبي: [من الكامل] [والمرءُ من حَدَثِ الزمان كأنه … عَوْدٌ تداوَلَه الرُّعاةُ ركوبا غَرضٌ لكل مَنيَّةٍ يُرمى بها … حتى يُصابَ سَوادُه منصوبا وقال: مَن استمرت عليه الحوادث لم يألَمْ بحلولها. قال المتنبي (٦)]: [من الوافر]

стр. 971

إذا اعتاد الفتى خَوْضَ المنايا … فأهونُ ما يَمُرُّ بهِ الوُصُولُ (١) وقال: نَقْلُ الطِّباع من ذوي الأطماع، شديدُ الامتناع. قال المتنبي: [من المتقارب] يُرادُ من القلب نِسيانُكم … وتأبى الطِّباعُ على النَّاقلِ (٢) وقال: مَن علم أن الفناء مُسْتَولٍ على كونه، هانت عليه المصائب. قال المتنبي: [من البسيط] فالهجرُ أَقتلُ لي مما أُحاذِرُه … أنا الغريقُ فما خَوفي من البللِ (٣) وقال: العِيان شاهدٌ لنفسه، والأخبار يتداخلها الزيادة والنقصان، فأَولى ما أخذ الإنسان ما كان دليلًا على نفسه. قال المتنبي: [من البسيط] خُذْ ما تَراه ودَعْ شيئًا سَمعتَ به … في طَلْعة الشمس ما يُغنيكَ عن زُحَلِ (٤) وقال: قد يفسد العضو الواحد لصلاح أعضاءٍ كثيرة. قال المتنبي: [من البسيط] لعلَّ عَتْبَك محمودٌ عواقِبُه … وربَّما صَحَّت الأجسامُ بالعللِ (٥) وقال: عِلَلُ الأفهام أشدُّ من عِلَل الأجسام. قال المتنبي: [من الطويل] يَهونُ علينا أن تُصابَ جُسومُنا … وتَسلمَ أعراضٌ لنا وعُقولُ (٦) وقال: الحكيم تُريه الحكمةُ أن فوق علمه علمًا، فهو يتواضع لتلك الزيادة، والجاهل يظنُّ أنه قد تناهى، فيسقط [بجهله، فتَمقُته النفوس]. قال المتنبي: [من الطويل] وما التِّيهُ طِبِّي فيهمُ غيرَ أنني … بَغيضٌ إليَّ الجاهلُ المُتَعاقِلُ (٧) وقال: كلُّ ما له أول، تدعو الضرورةُ إلى أن يكون له آخِر. قال المتنبي: [من الكامل]

стр. 972

اِنْعَمْ ولَذَّ فللأمورِ أواخرٌ … أبدًا إذا كانت لهنَّ أوائلُ (١) وقال: عدم الغِنى من النَّفس أشدُّ من عدم الغِنى من الملك (٢). قال المتنبي [من الطويل] غَثاثةُ عَيشي أن تَغَثَّ كرامتي … وليس بغَثٍّ أن تَغَثَّ المآكِلُ (٣) وقال: مَن لم يقدر على فِعْل الفضائل، فلتكن فضيلتُه تَركُ الرَّذائل. قال المتنبي: [من البسيط] إنَّا لفي زمنٍ تَرْكُ القبيح به … من أكثر الناس إحسانٌ وإجمالُ (٤) وقال: تخليد الذِّكر في الكتب عمرٌ لا يبيد، وهو في كل يوم ذكر (٥) جديد. قال المتنبي: [من البسيط] ذِكرُ الفتى عُمْرُه الثاني وعيشَتُه … ما قاتَه وفُضولُ العيشِ أشغالُ (٦) وقال: إذا كانت الشَّهوةُ فوق القُدرة، كان هلاكُ النفس دون بلوغ الشهوة. قال المتنبي: [من الخفيف] وإذا كانت النفوسُ كبارًا … تَعبتْ في مُرادها الأجسامُ (٧) وقال: مَن لم يُرِدْك لنفسه فهو النائي عنك [وإن كنتَ قريبًا منه، ومن يُرِدْك لنفسه فأنت قريبٌ منه وإن تباعَدْتَ عنه]. قال المتنبي: [من البسيط] إذا تَرحَّلْتَ عن قومٍ وقد قَدَروا … ألّا تُفارقَهم فالراحلون همُ (٨) وقال: بالصبر على مَضَض السياسة تنال شوف الرئاسة. قال المتنبي: [من الكامل]

стр. 973

لا يَسلَمُ الشَّرفُ الرفيعُ من الأذى … حتى يُراقَ على جوانبه الدَّمُ (١) وقال: الظلم في طباع النفوس مُركَّب، وإنما يَصدُّها عن ذلك عِلَّةُ ديانة، أو عِلَّةُ سياسة (٢). قال المتنبي: [من الكامل] والظُّلمُ من شِيَمِ النفوسِ فإن تَجِدْ … ذا عِفَّةٍ فلعِلَّةٍ لا يَظلمُ (٣) وقال: إذا لم تتصرَّف النفوسُ في مُراداتها، فحياتُها موت، ووجودُها عدم. قال المتنبي: [من الخفيف] ذَلَّ مَن يَغْبِطُ الذَّليلَ بعيشٍ … رُبَّ عيشٍ أخفُّ منه الحِمامُ (٤) وقال: الفرقُ بين الحِلم والعجز أن الحِلم لا يكون إلا عن مَقدِرة، والعجزَ لا يكون إلا عن ضعفٍ، فليس للعاجز أن يَتسَمَّى بالحليم. قال المتنبي: [من الخفيف] كلُّ حِلمٍ أتى بغير اقتدارٍ … حُجَّةٌ لاجئٌ إليها اللئامُ (٥) وقال: النفسُ المَهينة الذليلة لا تَجِدُ ألمَ الهوان، والنفسُ الشريفة العزيزة يؤثّر فيها يسير الكلام. قال المتنبي: [من الخفيف] مَن يَهُنْ يَسهُلِ الهوانُ عليه … ما لجرحٍ بميِّتٍ إيلامُ (٦) وقال: بإنفاذِ سَهْم الحزم، تُدرك صِحَّة الحزم (٧). قال المتنبي: [من الطويل] مع الحَزْمِ حتى لو تَعمَّد تَرْكَه … لأَلحقَه تَضييعُه الحزْمَ بالحزْمِ (٨) وقال: مَن نظر بعين العقل، ورأى عواقبَ الأيام، لم يَجزع لحلول النَّوائب (٩).

стр. 974

قال المتنبي: [من الطويل] عَرفْتُ الليالي قبلَ ما صَنعتْ بنا … فلما دَهَتْنا لم تَزِدْني بها عِلما (١) وقال: حُلول الفناء في عظيم الأمور، كحلوله في صغيرها. قال المتنبي: [من الوافر] فطعمُ الموتِ في أمرٍ صغيرٍ … كطَعْمِ الموت في أمرٍ عظيمِ (٢) وقال: مَن أَثرى من العَدم، افتقر من الكَرم. قال المتنبي: [من البسيط] ورَبَّ مالٍ فقيرًا (٣) من مُروءتِه … لم يُثْرِ منه كما أَثْرى من العَدَمِ وقال: كُرور الأيام أحلام، وغذاؤها أسقامٌ وآلام. قال المتنبي: [من البسيط] هَوِّن على بَصَرٍ ما شَقَّ مَنْظَرُه … فإنَّما يَقظاتُ العينِ كالحُلُم (٤) وقال: ثلاثة إن لم تَظلمْهم ظلموك: ولدُك وعبدُك وزوجتُك، لأن صلاح أحوالهم في التعدّي عليهم. قال المتنبي: [من الطويل] من الحِلم أن تَستعملَ الجهلَ دونَه … إذا اتَّسعتْ في الحِلم طُرْقُ المظالمِ (٥) وقال: أيامُ الحياة لا خَوفَ فيها، كما أن أيام المصائب لا بقاءَ لها. قال المتنبي: [من البسيط] لا تَلْقَ دَهرك إلا غيرَ مُكترِثٍ … ما دام يَصحَبُ فيه رُوحَك البَدَنُ (٦) وقال: الأيام لا تُديم الفرح، كما أنها لا تُديم التَّرح، فالأسف على الماضي تَضييع للعمر (٧) من غير فائدةٍ. قال المتنبي: [من البسيط] فما يُديمُ (٨) سُرورًا ما سُرِرْتَ به … ولا يَرُدُّ عليك الفائِتَ الحَزَنُ

стр. 975

وقال: العشقُ أمر ضروري داخلٌ على النفس، والعاشق جاهلٌ بتلك الضّرورة الداخلة عليه (١). قال المتنبي: [من البسيط] مما أَضرَّ بأهل العِشقِ أنَّهمُ … هَووا وما عَرفوا الدُّنيا ولا فَطَنوا (٢) وقال: على قَدْر الهِمَم تكون الهُموم. قال المتنبي: [من البسيط] أَفاضِلُ الناسِ أغراضٌ لذا الزَّمَنِ … يَخلو من الهمِّ أَخلاهم من الفِطَنِ (٣) وقال: ليس جمال الإنسان بنافعٍ له إذا كان ميِّتَ القلب من العلم. قال المتنبي: [من البسيط] لا يُعجِبنَّ مَضِيمًا حُسْنُ بِزَّته … وهل يَروقُ دَفينًا جَودَةُ الكَفَنِ (٤) وقال: ليس من الحزم فناء النفوس في طلب الشهوات، بل في دَرْك العالم العلوي. قال المتنبي: [من الخفيف] ومُرادُ النُّفوسِ أصغرُ من أن … تَتَعادى فيهِ وأن تَتَفانى (٥) وقال: خوفُ وقوعِ المكروه قبل تناهي المدّة، خَوَرٌ في الطبع. قال المتنبي: [من الخفيف] وإذا لم يكن من الموتِ بُدٌّ … فمن العَجْزِ أن تموتَ جَبانا (٦) وقال: الكَلال والمَلال يتعاقبان الأجسامَ لضعف آلة الجسم، لا لضعف [آلة] الحسّ. قال المتنبي: [من الخفيف] وإذا الشَّيخُ قال أُفٍّ فما مَلَّ حياةً ولكنِ الضَّعفَ مَلّا (٧) وقال: الدنيا أبدًا تلد، وتأكلُ أولادها (٨). قال المتنبي: [من الخفيف]

стр. 976

أبدًا تَسترِدُّ ما تَهَبُ الدُّنـ … ـيا فيا ليت جُودَها كان بُخلا (١) وقال: الجُبْنُ ذِلَّةٌ كامنة في نفس الجبان، فإذا خلا أظهر شجاعته. قال المتنبي: [من الخفيف] وإذا ما خَلا الجبانُ بأرضٍ … طَلبَ الطَّعنَ وحدَه والنِّزالا (٢) وقال: على قدر بصيرة العقل [يرى الإنسان الأشياء، فالسالم العقل] يَرى الأشياء على حقائقها، والنفسُ اللئيمة ترى الأشياء بطبعها. قال المتنبي: [من الوافر] ومَن يكُ ذا فمٍ مُرِّ مريضٍ (٣) … يَجِدْ مُرًّا به الماءَ الزُّلالا وقال: الغَلَبةُ بطبع الحياة، والمسألةُ بطبع الموت، والنفسُ لا تُحب الموتَ، فلذلك لا تُحَبُّ الأشياءُ إلا بالغَلَبة لا بالمسألة. قال المتنبي: [من الخفيف] مَن أطاقَ التماسَ شيءٍ غِلابًا … واغتصابًا لم يَلْتَمِسْه سُؤالا (٤) وقال أبو يعلى محمد بن محمد بن الهبَّارية العباسي في "فلك المعالي": ذُكر لعبد الله بن المعتز قول أرسطاطاليس: إن الضَّبُع تضَعُ سنة أُنثى وسنة ذكرًا، وتَلقَح عامًا ولا تلقح عامًا (٥)، فقال: انظُروا إلى هذا الجاهل الذى يَدفع معجزات الأنبياء، ويقول: لا أقبل إلا ما يقوم برهانُه بالعقل، ويقول مثل هذا. وقيل لابن المعتزِّ: إنه يقول: إن الجراد لا يُفسِد في الأرض إلا بوحيٍ من السماء. فقال: هذا يَمنع جواز الوحي إلى بني آدم، ويُجيزه إلى الجراد. فصل في "الغالب والمغلوب" ألَّفه أرسطاطاليس للإسكندر، يُعرِّفُ به الغالبَ والمغلوب في وقت الحرب، وغلبة الشريك لشريكه، والزوجِ لزوجته، والخَصْمِ لخصمه، ومَن هو المستظهر منهم.

стр. 977

قال: احسب اسم كلِّ واحد من الاثنين على حِدَة بحساب الجُمَّل، وأسقِط مما جمعتَه من الحساب تسعةً تسعةً حتى يبقى تسعة أو أقل، فإن بقي من الاسم تسعةٌ ومن الآخر تسعةٌ، فاحكم بالغلبة للصغير منهما على الكبير إن كانا من جنسٍ واحدٍ، وإن كان أحدهما صاحب قلم، والآخر صاحب سيف، فاحكم لصاحب السَّيف على صاحب القلم، ولا تسقط الألف من إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وسليمان ونحوه لأنها أصلية، وأسقطه من الحسن والحسين لأن لامهما وألفهما زائدتان، وإن كان للرجل اسمان فاحسب أشهرهما. وقد اعتبروا الغالب والمغلوب من قديم الزمان، فوجدوه مستقيمًا على هذا الحساب، فإن وقع اختلال كان منسوبًا إلى الغلط في الهجاء. قالوا: ومن ذلك داود ﵇ وجالوت، فالباقي من اسم داود ستةٌ، لأن الدال أربعة، والألف واحد، والواو ستة، والدال أربعة، والجملة خمسة عشر، لأنهم أسقطوا الواو الواحدة لأنها زائدة، وأسقطوا تسعة وبقي ستة، والباقي من اسم جالوت ثمانية، لأن الجيم ثلاثة، والألف واحد، واللام ثلاثون، والواو ستة، والتاء أربع مئة، فإذا حسبت تسعة تسعة سقط الجميع إلا ثمانية، فقد غلب القليل الكثير، ولا تسقط الألف من داود وجالوت. ومن ذلك موسى ﵇ وفرعون، فالميم أربعون، والواو ستة، والسين ساقط، والألف واحد، لأنهم يكتبونه على اللفظ موسا بغير ياء، فإذا أسقطت تسعة تسعة بقي اثنان، وقيل: واحد، وهو الأصح، لأنه لما كان موسى يكتب بالياءِ والألف، أسقطوا الألف، وفرعون أربع مئة وستة، لأن الفاء ثمانون، والراء مئتان، والعين سبعون، والواو ستة، والنون خمسون، إذا أسقطت تسعةَّ تَسعةً بقي واحد في قبالة ما بقي لموسى ﵇، لكن موسى ﵇ أصغر من فرعون، لأنه عاش مئة وعشرين، وفرعون أربع مئة سنة. وقيل: هذا الحسابُ (١) إنما وضعه فيثاغورس صاحب العلوم الأربعة التي كشف بها أسرار الطبيعة وتركيبها.

стр. 978

فصل في ذكر اليونان وحكمائهم ويُونان بن يافث بن نوح ﵇. وقال ابن الكلبي: يونان بن ثوبة بن سرحون، ونسبه إلى إسحاق ﵇. وقال يعقوب بن إسحاق الكندي: يونان أخو قحطان من العرب من ولد عابر، خرج من اليمن فنزل ديار المغرب، فأقام بها واستعجم لسانُه، وتكلَّم بلغة مَن هناك من الروم والفرنج. وقد ردَّ عليه أبو العباس عبد الله بن محمد الناشئ (١) فقال: [من الطويل] أبا يوسُفٍ إني نظرتُ فلم أَجد … على الفَحص رأيًا صحَّ منك ولا عَقْدا وصرتَ حكيمًا عند قومٍ إذا امرُؤٌ … بَلاهُمْ جميعًا لم يجد عندهم عندا أَتَخلِطُ قحطانًا بيونانَ ضلَّةً … لَعَمري لقد باعدتَ بينهما جِدَّا قال الناشئ (٢): والأصحُّ أن يونان ابنُ يافث بن نوح ﵇، وليس من العرب ولا من الروم، وإنما جاوَر الرومَ على ساحل البحر الرومي. وكان جسيمًا وسيمًا، حسنَ العقْلِ، كبيرَ الهمة، عظيمَ القَدْر، فأقام هناك حتى كَثُر ولده، فخرج يطلب مكانًا يسكُنُه، فانتهى إلى مدينة بالمغرب يقال لها: أقنينة (٣)، وهي مدينة الحكماء، وقيل: اسمُها مقدونية، فأقام بها وكَثُر نسلُه، وبنى بها قصُورًا وأبنية شاهقةً. ولما احتُضِر أوصى إلى ولده الأكبر واسمه: حربوش (٤)، فقال: يا بني، إني قد وافيتُ الأجلَ المحتُوم، وإني مُفارقكم، وقد كانت أحوالكم حسنةَ النظام بي، وكنت لكم كهفًا في الشدائد، وعونًا على المحن، فعليكم بالجود فإنه قُطْب الملك، ومفتاح السِّياسة، وباب السِّيادة، وكن حريصًا على اقتناء الرجال، وإياك والحَيْد عن الطريقة

стр. 979

المُثلى التي بُني عليها العقْل، فإن من ترك النظر في العواقب؛ تَورَّط في المهالك، ووقع في المغائص (١). ثم مات، فاستولى ولدُه على بلاد المغرب من ناحية إفرنجة والنيوكرد (٢) والصقالبة ومَن جاورهم. ولما ظهر بُختُ نَصَّرُ على مصر دخل المغرب، ووصل إلى بلاد اليونان، وقَرَّر عليهم أن يؤدُّوا الخراج إلى ملوك فارس، وفي الجملة بيض من ذهب (٣). واستقر ذلك حتى مات فيلفوس أبو الإسكندر، فأزاله الإسكندر على ما ذكرنا. وما زالت الملوكُ في اليونان إلى الإسكندر، فلما مات عَرَضوا الملكَ على ولده إسكندروس فأبى وتنسَّك، ولَحِق بالجبال وتعبَّد، فملكوا عليهم بطليموس الحكيم، وكان خليفةَ الإسكندر إذا غاب، وهو أولُ مَن لعب بالبُرْاة والصُّقور والجوارح. وكان المُلْكُ بالمغرب لليونان، والرئاسةُ بالقُدْس لبني إسرائيل، إلى أن وُلد يحيى ابن زكريا ﵉، وجرى ما جرى. وهذا اللقب -وهو بطليموس- لملك اليونان ككسرى وقيصر. فأقام بطليموس الأول مالكًا أربعين سنةً، ثم مات. فصل فملك بعده بطليموس الصائغ، وكان حاذقًا بمعرفة الصِّياغة حكيمًا، فأقام ستًا وعشرين سنةً، ثم مات. فصل فملك بعده بطليموس محبُّ الأب، ويقال: إنه ملك الشام، وبنى مدينة فامية بين شيزر وأنطاكية، وأقام ملكًا سبع عشرة سنة. فصل ثم ولي بطليموس صاحب النجوم وكتاب "المِجِسطي"، وأظهر علوم الكواكب،

стр. 980

وقَدَّر مطالعها وما يتعلَّقُ بها، وأقام أربعًا وعشرين سنةً يجمَعُ الحكماء والعلماء ويذاكرهم، ثم مات. فصل ثم ولي بطليموس، ويقال له: محبُّ الأمّ، فأقام خمسًا وثلاثين سنةً، ومات. فصل وولي بطليموس المخلِّص، وكان صالحًا، فأقام سبع عشرة سنة، ثم مات. فصل فولي بطليموس الإسكندري عشرين سنةً، وقيل: عشر سنين، ثم مات (١). فصل فولي بطليموس الحديدي ثمان سنين، ثم مات. فصل فولي بطليموس الجَوَّال، وكان سائحًا منفردًا، فأقام ثماني سنين، ثم مات. فصل فولي بطليموس الخبيث، وكان فاجرًا ظالمًا خرج عن قانون اليونان، فأقام ثلاثين سنةً، ثم مات. فصل فملكت ابنتُه قلان طره، وقيل: بلو قطرا (٢)، وكانت عاقلةً فاضلة حكيمة، لها التصانيفُ في الحكميات والطبيات، وهي آخر ملوك اليونان. وكان لها زوج مُشارِك لها يُقال له: أنطونيوس، وكان له مصر والسواحل، ومصر داخلةٌ في مُلك اليونان.

стр. 981

وكانت قُلان طره تتردَّدُ من المغرب إلى مصر، وكانت الجزائر بأسرها داخلةً في ملك اليونان: صِقِلِّية وقبرس والأندلُس، وجميعُ ما على البحر الرومي من البلاد الروميةِ وأعمالها، فإنها كانت للروم. وأقامت قلان طره ملكةً عشرين سنة، وقيل: اثنتين وعشرين، ثم قتلت نَفْسَها لما نذكر. وقال علماء السير: فجميع ملوك اليونان بعد الإسكندر عشرةٌ والمرأة، وقيل: ثلاثةَ عشر آخرهم المرأة. ومدة ملكهم مئتان ونيف وأربعون سنة، وقيل: مئتان وستون سنة، وقيل: ثلاث مئة وأربع سنين. حديث المرأة مع ملك الروم لما اشتهر اليونانُ بالحكمة والفضائل والمُلك، حَسَدهم ملوك الروم، وكان مُلْك الروم برُومِيَة، ولم تكن القسطنطينية بُنيت بعد، وما كانوا يتجاسرون أن ينالوا من أطراف اليونان شيئًا، فنبغ فيهم ملك جبار يقال له: انطوطس (١)، ويُسمى بقيصر، ويقال: إنه أول مَن تسمَّى به، وإليه تُنسَب القياصرة. وبلغه أنَّ ملوك اليونان قد انقرضوا ولم يَبقَ منهم سوى امرأة، فجمع العساكر وسار إليها من رُومية، وهي وزوجها يومئذ بمصر، فخرج إليه زوجها فقتله قيصر. وكانت قُلان طره امرأة حازمة، فأرسل إليها يخطبها ويقول: ما قصدي إلا أن تصير المملكتين واحدة، وأن أقرب منك لفضلك وعقلك. وعَلمتْ أنه متى تمكن منها قتلها، فأجابته وقالت: تقيمُ في مكانك إلى يومٍ بعينه، فأقام. فأفكرت في حيلة تحتالُ بها عليه، فرأت أن تُهلكَ نفسها وتُهلكَه معها، ولا يتمكَّن منها. فعَمَدت إلى حَيَّة تكونُ بالصَّعيد في الرَّمل، تَثِبُ في الهواء فتضربُ الإنسانَ، فما يجتمعُ، فجعلتها في إناء من زجاج، وزّيَنَت قصرها، وفرشت مجلسها بالرياحين، ولَبِست تاجها، وجلست على سريرها، واستدعت قيصر. فلما دخل من باب القصر قَرَّبت يدها من الحية فضربتها، وانسابت في الرياحين، ووصل قيصر إلى السرير، ولم يشك أنها في عافيةٍ، فجلس إلى جانبها، فرآها ميتةً،

стр. 982

فعَجِب وفكَّر، وعبث ببعض الرياحين فضربته الحيةُ، فأيبست شِقَّه الأيمن، وأذهبت عينَه اليمنى وسمعَه الأيمن، ففهم وعلم أن قلان طره آثرت الموت في العزِّ على الحياة في الذل، ومات من ليلته. وانقضى مُلكُ اليونان، وزالت أيامُهم، ودَثَرت علومهم بموت قُلان طره. وكانت لهم بيوتٌ للعبادات يُعظِّمونها، ومنهم من يَعبد الفَرقَدينِ، وبعضهم يعبد الأصنام. وكان لهم بيوت عبادات بالمغرب وبالأندلس وبمصر. ويقال: إن الهَرَمين كان عليهما بيتان، بيتٌ على جبل أنطاكِيَة أخربه قسطنطين، وبيت بالقدس. وقال أبو معشر: كانت خزائنُ علومهم بقُبرس، فحُملت إلى المآمون فنقلها إلى العربية، فهي التي في أيدي الناس اليوم، من المنطقيات والعقليات والطب والنجوم والإلهيات والطبيعيات وغير ذلك، وملك الرومُ بلادهم. فصل في ذكر حكمائهم وفيهم كثرةٌ، فنذكر أعيانَهم، ويقال: إن أولهم سُقراط الحُب، وهو أستاذ الكل، وكان قد أقام في حُب مكسور سبعين سنة لم يخرج منه إلا لحاجةٍ. جاءه بعضُ ملوك اليونان فسَلَّم عليه وهو على فرسه، وقال له: أيها الحكيم الفاضل ألك حاجةٌ؟ قال: نعم. قال: وما هي؟ قال: تنحي فرسَك وتنصرفُ عني، فقد كنتُ أَستَدفئ بحر الشمس فمنعتَني. ومن كلامه: لا تخَفْ موت البدن، ولكن خَفْ موت النفس. فقيل له: ألستَ القائلَ بأن النَّفس الناطقة لا تموت؟ فقال: بلى، إذا انتقلت النفسُ الناطقة من حدِّ النطق إلى الحد البهيمي (١) بطل النطق؛ فالتحقت بالموت. وقال له رجل قد أَسنَّ: إني أريد أن أَنظر في العلوم وأستحيي. فقال له: أتستحيي أن تكون في آخر عمرك خيرًا من أوله؟ وقال: خساسةُ الرجل تُعرف بشيئين: بكلامه فيما لا يعنيه، وبجوابه فيما لم يُسأل عنه.

стр. 983

ورأى رجلًا حسنَ الوجه سيئ الأدب، فقال: سلبت فضائلَ نفسك محاسنُ وجهك. وتعرَّض له رجلٌ بكلام قبيح، فأعرض عنه، فقيل له في ذلك، فقال للقائل: لو رَمَحك حمارٌ أكنت ترمحه؟ أو نبح عليك كلبٌ أكنت تَنبح عليه؟ قال: لا. قال: فكذا السَّفيهُ ما يقابَلُ بأبلغَ من الإعراض عنه. ومنهم بُقراط الأول، وقد اعترف بفضله الأوائل والأواخر، وهو واضع الطب. ولما بلغ بهمن بن اسفنديار بن بشتاسف خبرُه، كتب إليه يستدعيه، وبعث له قناطير من الذهب فردَّها، وقال: لا حاجة لي في الدنيا، المال والحكمة لا يَجتمعان. ولم يخرج من بلده. وكان يعالجُ الفقراء، ولا يأخذ منهم شيئًا، ويُعينهم. وقال: استهينوا بالموت، فإن مرارته في خوفه. وقال: الأمنُ مع الفقر خيرٌ من الغنى مع الخوف. وقال: يُداوى كلُّ مريضٍ بعقاقير أرضه، فإن الطبيعة مُتطلِّعة إلى هوائها، ونازعةٌ إلى غذائها. وقيل له: لمَ يتكرَّبُ الإنسان بشُرب الدواء؟ فقال: البيتُ أكثر ما يكون غُبارًا إذا كُنِس. وعشق بعض أولاد الملوك حظيَّة لأبيه، فنحل وسقم وخولط، فقال أبوه لبُقراط: انظُر ما به، فجسَّ نَبضه فلم يجد به مرضًا، فأخذ يذاكره بحديث العشق والعُشاق، فمال إليه وتهلَّل وجهُه، فسأل عنه: هل خرج من الدار؟ قالوا: لا. فقال لأبيه: اعرض عليه كل حظية في الدار. فأَخرج كلَّ امرأة في الدار فعرضَهنَّ عليه، وهو لا يلتفتُ، حتى أخرج الخادمُ تلك الحظية، فتغيَّر وجهُه، فترك بُقراط يده على نبضه وهو يضربُ، فقال للملك: هو عاشقٌ لمن لا سبيل له إلى الوصول إليها. قال: ومن هي؟ قال: حليلتي. قال: انزل عنها ولك أمثالُها. قال: فأين العدل؟ تأمرني بطلاق زوجتي؟! قال: إن أبيت فالسيف، ولا يموت ولدي. فقال: أرأيت لو كانت حظية الملك أينزل له عنها؟ ففهم الملك باطن الحال، فقال له: عقلك أتم، ومعرفتك أعم. ونزل عنها لولده، فبرئ.

стр. 984

وقيل لبقراط: لم يثقل الميت؟ قال: لأنهما كانا اثنين: خفيفٌ [رافع] وهو الرُّوح، وثقيل [واضع] وهو البدن، فلما انصرف الخفيف الرافع، بقي الثقيل الواضع. وقال: علاجُ الجسد خمسة أضرب: ما في الرأس بالغرغرة، وما في المعدة بالقيء، وما في المدن بالإسهال، وما في أعماق البدن بالفَصْد، وما بين الجلدين بالعرق (١). ويقال: البقارطة أربعة، وهذا هو الأول، وبينه وبين جالينوس ستُّ مئة وخمسون سنة، وكان جالينوس في زمن عيسى ﵇ (٢). ومنهم أفلاطن أستاذ أرسطاطاليس، وهو صاحب المنطق (٣)، وقد برز عليه أرسطاطاليس وأخذ عليه في مواضع. ومن كلام أفلاطن: عقولُ الناس مدوَّنة في رؤوس أقلامهم، وظاهرةٌ في حُسن اختياراتهم. وقال: الله تعالى بقَدْر ما يُعطي من الحكمة يمنَعُ من الرزق. قيل له: ولم؟ قال: لأن الحكمةَ حظُّ النَّفس الناطقة، والمال حظُّ النفس الشهوانية، والناطقة عاليةٌ على الشهوانية، فالمال والحكمة متغايران لا يجتمعان. وقال أبو يعلى بن الهبَّارية: كان على خاتم أفلاطن: تحريكُ الساكن أسهل من تسكين المتحرك. وقال أفلاطن: لا ينبغي لك أن تفعل شيًا إذا عُيِّرتَ به غضبتَ، فإنك إذا فعلتَ ذلك، كنت أنت القاذفَ لنفسك. ومنهم بطليموس صاحب "المِجِسطي"، المتكلم في هيئات الأفلاك وما يتعلق بالهندسة كلامًا طويلًا.

стр. 985

وله كلام حسن، فمنه أنه قال: ما أحسنَ الإنسانَ أن يصبِر عما يشتهي، وأحسنُ منه أن لا يشتهي ما لا يَقدرُ عليه. وقال: لأن يستغنيَ الإنسان عن المُلْك، خيرٌ من أن يستغنيَ به (١). ومنهم صاحب إقليدس، وهو أولُ من تكلَّم في الرياضيات، وقال: الخطُّ هندسةٌ روحانية ظهرت بآلة جسمانية. وقال: لما علم العاقلُ أنه لا ثقةَ له بشيء من أمور الدنيا، ألقى منها ما منه بُدٌّ، واقتصر على ما لا بُدَّ له منه (٢). ومنهم جالينوس، وكان في زمن عيسى ﵇، ويقال: إنه قَصَد الاجتماع بعيسى ﵇، وسار إليه فمات في طريقه (٣). قال ابن حوقل: مات جالينوس اليوناني بمدينة الفرما، وهي شاطئ بحيرة تِنِّيس من أرض مصر، وبها قبرُه (٤). ومات ابن مئة وتسعة وثلاثين سنة (٥)، وإليه انتهى علمُ الطب. ومن كلامه: عِلَّةُ الاختلاف الذي يعرض للإنسان إنما سببُه الدماغ؛ وذلك لأن أوعية الدماغ ثلاثة: مقدَّم الرأس وهو للحِسِّ والخيال، ومُؤخَّره للحركة والفكر والحفظ، ووسَطُه للعقل والفِطنة والذكاء، فمتى اعتدل الدماغ، اعتدلت الروح واعتدلت الأفعال، فإن مال الاعتدال إلى البرودة، كان الفعلُ أبطأ، وإن مال إلى الحرارة، كان الفعل أسرع. ولما اشتد بجالينوس مرضُ الموت، قيل له: ألا تتداوى؟ فقال: إذا كان الداء من السماء بطل الدواء، وإذا نزل قَدَر الرب بطل حذرُ المربوب، ونعم الدواء الأجلُ، وبئس الداء الأملُ.
следующие страницы →