ذكر وفاته:
وفي يوم الخميس الثامن والعشرين من رجب فُصِدَ القائمُ بأمر الله من ماشرا (١) لحِقَتْه عن أكل كمأة مشوية في جدي وقطايف بدهن الفستق، وأُخرِجَ مئة وخمسون درهمًا دمًا فسكن مابه، وقد كان جسمُه منذ ورد ما ورد من حديث ذلك الماء الغاشم، وفعله ما فعل بالدار والحرم من الغَرَقِ طرق قلبه من المصائب في ذلك والأمراض تتداركه، فلمَّا كان في يوم فَضدِه نام ولم يكن عنده أحد إلى آخر النهار، فانتبه وقد انفجر فِصادُه، وخرج منه دمٌ كثيرٌ، وسقطت قوَّتُه، وانقضَتْ مُدَّتُه، ووقع اليأسُ منه، وانتفخ وجهُه وأطرافُه، وكثُر الإرجافُ به، وظهرت أماراتُ الخوف عليه، ولمَّا أحس القائم بانقراض المُدَّة استدعى الأميرَ عدة الدين وأجلسه بين يديه، وقال له: قد استخدمتُ ابنَ أيوب وابنَ المُسلمة وابن دُرُسْت وابنَ جهير، فما رأيتُ أوفقَ وأصلحَ للدولة من ابن جَهير وولده الصحيح المقاصد المأمون على الدولة والمال، الجيد الرأي والمقال، فلا تعدِلْ عنهما ولا تخالِفْهما. وأوصاه بهما، فقبَّل عدة الدين يده وبكى، وقال: سمعًا وطاعة. وأحضر الدَّواة، وكتب القائمُ رُقعةً بذلك، وقال له: اكتُبْ جوابها بخطِّك بالإجابة والتعويل على عميد الدولة في وزارتك. فكتب، وأُحضِرَ قاضي القضاة والنقيبان من الشهود، أبو محمد ابن أخت قاضي القضاة، وأبو الحسين ابن السبي مؤدِّب الأمير، وأبو الحسين البيضاوي شيخ الشهود، في يوم الأحد تاسع شعبان، وأقاموا في الديوان إلى الليل، ثم استدعوا مع الوزير إلى الحجرة ولم يصِلْ غيرُهم، وكان الخليفة من وراء شُبَّاك مسنده والأمير عدة الدين قائمٌ على رأسه، والقوم يسمعون كلامه ولا يرون شخصه، وأُخرجت رُقعةٌ فقال: اشهدوا بما تضمَّنتِ الرُّقعة التي كتبتُ فيها سطري بخطي. فقالوا: السمع والطاعة. وأُسبِلَت الستارة، وخرج الجماعة، وكان مضمونُ الرُّقعة ولايةُ العهد للأمير عدة الدين، وردَّ الأمر إليه، والتعويلَ عليه، وأن لا يُغيِّر على الخدم وغيرهم شيئًا، وكان في الرُّقعة:
стр. 9207
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:
إنَّ أمير المؤمنين بحُكم ما وكَلَه اللهُ إليه من أمور عباده وبلاده، وأوجبَ عليه من صلة طريقه في الإحسان إليه، رأى أن يُفوِّض أمورَ المسلمين والنظرَ في مصالحهم وإسباغَ ظل المعاطفة على أكابرهم إلى الحدِّ الذي يُخلي مشاربهم من الكدر، ويعري ملابِسَهم من ملابس الحَذَر، فكذلك اقتضَتْ عزائمُه الميمونة إحضارَ وزيرِ دولته محمد بن محمد بن جَهير وولدَه محمد، … وذكر الجماعة المُسَمين، وحين مثلوا بين يَدَي سُدَّته، أنعم متبرعًا بمشافهة سلالته [الطاهرة] (١) أبي القاسم عبيد الله بن محمد بن أمير المؤمنين بتولية أمر المسلمين، وتصييره خليفته بعده في العالمين، وذكر ما يقتضي الوصية ويتضمن الإحسان إلى الناس، واتَّفقت وفاتُه يوم الخميس الثالث عشر من شعبان، وجلس الوزير فخر الدولة وولده عميد الدولة في الديوان على الأرض حافِيَين، وقد خرقا ثوبيهما، ونحَّيا عمامتيهما، وطرحا رداءين لطيفين عِوَضَهما، وفعل الناس مثل ذلك، ومنع المقتدي الجواري والخدم من الصراخ واللَّطم، وغُلِّقت الأبواب، وكان القائم قد أوصى بأن يُغسِّله الشريف أبو جعفر بن أبي موسى الهاشمي الحنبلي، وأُعْطِي ما كان عنده وعليه، فامتنع ولم يقبل شيئًا.
وقال أبو محمد التميمي: ما حسدتُ أحدًا قطُّ إلَّا الشريفَ أبا جعفر في ذلك اليوم، وقد نال مرتبة التدريس والتذكرة والسفارة بين الملوك، وروايةَ الأحاديثِ، والمنزلةَ اللطيفة عند الخاصِّ والعام، فلمَّا كان ذلك اليوم خرج علينا الشريف وقد غسَّل القائم عن وصيةٍ منه بذلك، وأمر له بمال وبما عنده، وأعطاه الأمير عدة الدين جميعَ ذلك فلم يأخذ منه شيئًا، وكان له قيمة، وأخرج منديلًا من كمِّه نشَّف به القائم، وقال: هذا يكون في كفني. ثم خرج علينا ونحن قعود على الأرض كلٌّ منا قد مزَّق ثوبه، وغيَّر حالته على قدر منزلته في الدولة، وهو على حاله لم يغيَّر شيئًا، ومضى إلى مسجده، فعلمتُ أن الرجل هو ذاك.
ثم انتقل الوزير والجماعة من الديوان إلى صحن السُّلَّم بعد صلاة الظهر، وجلس المقتدي على كرسيٍّ، ودخل عليه الوزير عميد الدولة والقضاة والأعيان فبايعوه بالخلافة، وبرز المقتدي من وراء السَّيبة (٢) فصلى بالناس العصر، وبعد ساعة حُمِلَ
стр. 9208
تابوت القائم على سكون ووقار من غير صياح ولا عويل، وصُلِّي عليه وكُبِّر أربعًا، ونُقل إلى حجرة كانت برسم جلوسه فدُفِنَ فيها، وجلس الوزير أبو عميد الدولة في صحن السلم ثلاثة أيام، وكان أبو الأغر دُبيس قد استُدعي في مرض القائم فقدم يوم الخميس بكرةً، ومات القائم بعد حضوره، ودخل مع الناس، وبايع المقتدي، وحضر [العزاء] (١) مع الوزير والجماعة، وخرج في اليوم الرابع توقيع التعزية والنهوض من العزاء، وغُلِّقت الأسواق، وعُلِّقت المسوح، وفُرشت بالبواري، وناح النُّواح، ولطم الهاشميات بالحريم ليلًا بالطرف.
وعاش القائم خمسًا وسبعين سنة وثمانية أشهر وأربعة وعشرين يومًا، وقيل: أربعًا وسبعين سنة -وأقام في الخلافة أربعًا وأربعين سنة وثمانية أشهر ويومًا- وقيل: وخمسة وعشرين يومًا، وقيل: وثمانية وأربعين سنة -وكان رَبْع القامة، غليظَ المحاسن، في وجهه أثرُ جُدَريٍّ وصفار من أكل الطين.
وأُحضِرَ نورُ الدولة ابنُ مَزْيَد إلى الديوان والجنائبُ بين يديه من عند الخليفة، وأُعطيَ لواءً أبيضَ مكتوبًا عليه بسواد، وقميصًا من ثياب القائم التمسه، وامتنع من الخِلَع التي عُرِضَتْ عليه لأجل موت الخليفة، وحزن عليه حزنًا شديدًا، وسار من يومه إلى بلده، وإنما استُدعي إلى بغداد خوفًا من فتنة؛ فإنَّ العيَّارين واللصوص كانوا قد استدانوا على موت القائم لينهبوا دار الخلافة ودُور الناس، فاحترز الوزير فخرُ الدولة، وأقام الغلمان على أبواب دار الخليفة وعلى الدروب، وكانت النفوس خائفةً وَجِلةً، فكان من قضاء الله تعالى من السكون والهيبة ما لم يكن في الحساب، وكأنَّه لم يَمُتْ سلطان، ولا فُقِدَ صاحبُ العصر والزمان، ﵀.
عبد الرحمن بن محمد (٢)
ابن المُظفَّر بن محمد بن داود، أبو الحسن بن أبي طلحة، الداودي، الحافظ، وُلدَ سنة أربع وسبعين وثلاثة مئة، وسمع الحديث، وقرأ الفقه، ودرَّس، وأفتى ووعظ،
стр. 9209
وصنَّف، وكان له حظٌّ من النظم والنثر، وكان لا يفتر عن ذكر الله، وقع في بلده نهبٌ فامتنع من أكل اللحم سنين.
ودخل عليه نظام الملك زائرًا له، فقعد بين يديه فوعظه، فكان من جملة ما قال: إنَّ الله قد سلَّطَكَ على عباده فانظر كيف تُجيبه إذا سألك عنهم، وإنما أنت في أضغاث أحلام، وقد رأيتَ مصارع مَنْ تقدَّمك. فبكى نظام الملك.
وكانت وفاة الداودي ببوشنجة.
سمع الحديث من أبي الحسن بن الصلت وأبي عمر بن مهدي وخلقٍ كثير.
وروى عنه أبو الوقت عبد الأول صحيحَ البخاري، وأنشد أبو الوقت من شعره فيما رواه عنه: [من الخفيف]
كان في الاجتماعِ للناس نورٌ … فمضى النورُ وادلهمَّ الظلامُ
فسدَ الناسُ والزمانُ جميعًا … فعلى الناس والزمان السلامُ
عبد السلام بن أحمد (١)
ابن محمد بن عمرو، أبو الغنائم، نقيب الأنصار، ولد سنة سبع وثمانين وثلاث مئة، وسمع الكثير، ولقي الشيوخ، وتُوفِّي في شعبان، ودُفِنَ بمقبرة جامع المنصور.
أبو الحسن بن علي (٢)
ابن الحسن بن علي بن الطيب، الباخَرْزي، صنَّف "دمية القصر في شعر أهل العصر"، والعماد الكاتب حذا حَذْوَه، فكان الباخَززي فريدَ دهرِه، وله ديوان مشهور، ومن شعره: [من الكامل]
قالوا التحى ومحا الإلهُ جمالهُ … وكساهُ ثوبَ مَذَلَّةٍ ومَحاقِ
كتبَ الزمانُ على محاسِنِ وجههِ … هذا جزاءُ مُعذِّبِ العُشَّاقِ
ومن شعره أيضًا: [من الكامل]
стр. 9210
أقْوَتْ مغانيهم (١) بشطِّ الوادي … فبقيتُ مقتولًا بذاك النادي (٢)
وسكرتُ من خمرِ الفراقِ فرقْرَقَتْ (٣) … عيني الدُّموعَ على غناءِ الحادي
قالتْ وقد ساءلتُ عنها كلَّ مَنْ … لاقَيتُه من حاضرٍ أو بادي
أنا في فؤادك فارمِ طرفَكَ نحوَهُ … تَرَني فقلتُ لها وأينَ فؤادي
ومن شعره أيضًا: [من الطويل]
أرى حضرةَ السُّلطانِ تقضي عُفاتُها … إلى روض مجدٍ بالسماحِ يجودُ
فكم لجباهِ الرَّاغبين لديهِ مِنْ … مجالِ سجودٍ في مساجد جودُ
وقال: [من الطويل]
زكاةُ رؤوسِ الناسِ في عيدِ فِطْرِهم … بقولِ رسولِ الله صاعٌ من البُرِّ (٤)
ورأسُكِ أغلى قيمةً فتصدَّقي … بفيكِ علينا فَهْوَ صاعٌ من الدُّرِّ
وقال: [من الطويل]
وإنَّ اغترابَ المرءِ من غيرِ فاقةٍ … ولا حاجةٍ يسمو لها لَعجيبُ
وحسبُ الفتى ذُلًّا وإنْ أدركَ الغنى … وقد نال ملكًا أن يُقال غريبُ
ومن نثره يصف رجلًا:
اكتحلَتْ بغرَّتِه الزهراء، واستضاءت بزهرتِه الغَرَّاء.
وقال: له هممٌ تنطحُ الجوزاء بالقِمم، ومحلُّ يعصر عنقودَ الثريا تحت القدم.
وقال: الكريم مرتجى، إن أساء بأنه يرتجى، وسالزم حاجبَه حتى يقضي من حقي واجبَه، ولا أُفارق حضرتَه حتى يفارق الآسُ خضرتَه.
وبلغه عن إنسان تهديد قال: أمَّا تهديدُ فلان وإيعادُه وإبراقُه وإرعادُه فما أولاه بأن ينساني، ويتركَ في الغد لساني، فلستُ بالذي يتضعضع من سنانه، ولا يتقعقع من شنانه، وكيف أُجرب ذُباب السيف على ذُباب الصيف.
стр. 9211
قُتِل الباخَرزي على مجلس الشوب في هذه السنة، وذهب دمُه هدرًا، سامحه الله تعالى.
وصنَّف أبو الحسن عليٌّ البيهقي كتابًا سمَّاه "وشاح دمية القصر" وهو من جنس الذيل لكتاب الباخَرْزي، وكان البيهقي فاضلًا فصيحًا، وهو القائل: [من الطويل]
يشيرُ بأطرافٍ لطافٍ كأنَّها … أنابيبُ مسكٍ أو أساريعُ مندلِ
ينمُّ على ما بيننا من إشارةٍ … نسيمُ الصّبا جاءت بريَّا القَرَنفُلِ
علي بن الحسين (١)
ابن أحمد بن الحسين، أبو علي، التغلبي، ويعرف بابن صَصْرَى، دمشقي، ذكره الحافظ ابن عساكر وأثنى عليه، وتوفِّي بدمشق، حدَّث عن تمام بن محمد وغيره، وروى عنه الخطيب وغيره، وكان ثقةً.
وأصل بني صَصرَى من قرية بالموصل، وسكنوا دمشق.
علي بن عبد الملك (٢)
أبو الحسن، المعدَّل، كان حسن الصوت، عالمًا بالقراءات، فاضلًا، تُوفِّي في شعبان، ودُفن بباب حرب، وكان ثقة.
كوهر خاتون
عمة السلطان ملكشاه، أخت ألب أرسلان، كانت دَيِّنةً عفيفةً، صادرها نظام الملك لمَّا مات أخوها ألب أرسلان، وأخذ منها أموالًا وجواهر، وخرجت إلى الري لتمضي إلى الناوكية تستنجد بهم على قتال نظام الملك، فأشار نظام الملك على السلطان بقتلها، وقال: اقتُلْها وإلَّا فَتَحتْ علينا بابًا عظيمًا. فقتلها، ولمَّا وصل الخبر إلى بغداد ذمَّ الناسُ نظامَ الملك وقالوا: ما كفاه بناء هذه المدرسة النظامية، وغصبُه لأراضي الناس، وأخذُ أنقاضهم حتى دخل في الدماء. فأشار على ملكشاه بقتلِ عمه قاروت بك وخنْقِه بوَتَر، وكحَلَ أولاده، وقتل عمَّته، وبلغ نظام الملك فقال: ما أقام هذه الشناعة عليَّ إلَّا فخر الدولة ابن جَهير.
стр. 9212
محمد بن الحسين (١)
ابن أحمد بن منصور، الحِميري، القاضي، الكوفي، ولي القضاء بدمشق والخطابة نيابةً عن الشريف أحمد الزيدي، ثم خرج إلى طرابلس فأقام بها حتى تُوفي، وكان يصحب الوزير ابن الماسكي قبل وزارته، فلمَّا ولي الوزارة قصَّر في حقِّه، فكتب إليه: [من الوافر]
أسيِّدَنا الوزير نسيتَ عهدي … وقد شبَّكتَ خمسكَ بين خمسي
وقولُكَ إن وَليتُ الأمرَ يومًا … لأتخذنَّ نفسَكَ قبل نفسي
فلمَّا أنْ وَليتَ جعلتَ حظِّي … من الإنصافِ بَيعَكَ لي ببَخْسِ
محمد بن عبد الله بن عبيد الرحمن (٢)
أبو الحسين، الدمشقي، يُعرف بابن أبي العجائز، الأزدي، سمع الحديث، وتُوفِّي بدمشق، وكان ثقةً.
محمد بن علي (٣)
ابن محمد بن موسى بن جعفر، أبو بكر، الخياط، البغدادي، المقرئ، ولد سنة سبع وسبعين وثلاث مئة، تُوفِّي في جمادى الآخرة، ودُفن بمقبرة جامع المنصور، وكان قد توحَّد في زمانه بعلم القراءات، وسمع الحديث، وكان فاضلًا ثقةً.
محمود بن نصر بن صالح (٤)
صاحب حلب، ويُعرف بابن الزَّوقلية، وكان عمُّه عطية قد أخذها منه، فحصره مدةً حتى أخذها، وقد مدحه أبو الفتيان محمد بن حَيُّوس، فقال لمَّا أخذ حلب: [من الطويل]
стр. 9213
أبى اللهُ إلَّا أن يكونَ لكَ السَّعدُ … فليسَ لِما تبغيه منعٌ ولا رَدُّ
قضَتْ حلبٌ ميعادَها بعد مَطْلِها … وأطيبُ وصلٍ ما مضى قبلَهُ صَدُّ
تهزُّ لواءَ النصرِ حولَكَ عصبةٌ … إذا طلبوا نالوا وإن عقدوا شدُّوا
وخطيَّةٌ (١) سمرٌ وبيضٌ صَوارِمٌ … وضافيةٌ (٢) زَغْفٌ (٣) وصافنةٌ جُردُ
وله قصائد، وكان محمود ذا فضلٍ ومروءةٍ وسماحةٍ وسخاءٍ، جوادًا، ممدَّحًا، كريمَ الأخلاق، ولمَّا أخرج العميد عمَّه عطية من حلب مضى إلى بالِس فأرسل إليه مناشير بإقطاعات ومال، فلم يرضَ، ومضى إلى القسطنطينية مستصرخًا بملك الروم، فمات عنده في ذي الحجة سنة خمس وستين وأربع مئة، وكانت وفاة محمود ليلة الخميس ثالث عشر شعبان الليلة التي مات فيها القائم بأمر الله، وسبب موته أنه عشق جارية لزوجته، وكانت تمنعه منها، فماتت الجارية، فحزن عليها، ومات بعد يومين، ولمَّا مات وقع بين العسكر الخلاف، وكان محمود قد أوصى إلى ولده أبي المعالي شبل بن محمود، وأسكنه القلعةَ، والخزائن عنده، وأسكنَ ولده نصر بن محمود البلد، وكان كارهًا له، فكانت العساكر مائلة إلى نصر، وكان شبل بن محمود صغيرًا، فاستولى عليه النساء والخدم، فبذل نصر العطاء، ونشر العدل، فمالَ الناس إليه وملَّكوه، وكان نصرٌ مُمدَّحًا، وقد مدحه ابن حَيُّوس بقصائد منها: [من الطويل]
كفى الدينَ عِزًّا ما قضاهُ لكَ الدهرُ … فمَنْ كانَ ذا نذرٍ فقد وجبَ النَّذرُ
ثمانيةٌ لم تفترِقْ مُذْ جمعتَها … فلا افترقَتْ ما افترَّ عن ناظرٍ شُفْرُ
ضميرُكَ والتقوى وجودُكَ والغنى … ولطفُكَ والمغني وعزُّكَ والنَّصرُ
وقد جاد محمودٌ بألفٍ تصرَّمَتْ … وغالبُ ظنِّي أن سيَخلِفُها نصرُ
فأعطاه ألف دينار، وقال: واللهِ لو قال: سيُضعِفُها نصر، لأضعفْتُها له. وكان على بابه جماعة من الشعراء، فكتبوا إليه: [من الطويل]
على بابِكَ المعمورِ مِنَّا عصابةٌ … مفاليسُ فانظُر في أمورِ المفاليسِ
стр. 9214
وقد قنِعَتْ منكَ العصابةُ كلُّها … بعُشرِ الذي أعطيتَهُ لابنِ حَيُّوسِ
وما بينَنا هذا التَّفاوتُ كلُّهُ … ولكن سعيدٌ لا يُقاسُ بمنحوسِ
فقال: ولمَ بعُشرٍ؟ وهلَّا قالوا: بمِثْل. ثم وصلهم وأحسن إليهم.
وقُتِلَ نصر في السنة الآتية.
أبو الفتح منصور بن أحمد (١)
ابن دارست، وزير القائم بأمر الله، كان له مالٌ عظيم، فقيل للقائم: هذا أمين وهو غني النفس. فاستوزره، فلم يكن له دربة بالوزارة، وكان سيئ التدبير.
السنة الثامنة والستون وأربع مئة
فيها في يوم الثلاثاء ثالث المُحرم خرج مؤيد الملك بن نظام الملك من بغداد يريد والده، وكان أبوه قد مرض، وخرج معه أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد البيضاوي الشاهد رسولًا من الديوان إلى إبراهيم بن مسعود صاحب غزنة يخبر بوفاةِ القائم وإقامة المقتدي.
وفي يوم الاثنين سابع صفر فُتحت قلعة منبج، وارتُجعت من يد الروم بعد حصار طويل سلَّمها الحافظ لها بأمان إلى نصر بن محمود صاحب حلب، وأعطاه إقطاعًا ومالًا، وكانت مدة بقائها في يد الروم سبع سنين وشهرًا، فإنها أُخذت في المُحرَّم سنة إحدى وستين وأربع مئة.
وفي صفر ورد العميد أبو نصر إلى بغداد مطالبًا للديوان بمئة ألف دينار من إقطاعه وإقطاع حواشيه، وقال: العساكر كثيرة، وما عند السلطان مالٌ. فلم يُجِبْه الخليفةُ، وأخرج عميد الدولة وظفر الخادم إلى السلطان بهذا السبب، ولم يلتفت العميد إلى مجيء الجواب، بل أدخل يده في الإقطاع، وصرف بُوَّاب الخليفة وولاها الأعاجم، وورد سعيد الدولة الكوهراني إلى بغداد بسبب الوزير ابن جَهير، وعزله لأجل نظام الملك، فخرج الوزير إليه فتلقَّاه، فلم يلتفت إليه، ونزل أصحابه في دور الناس،
стр. 9215
وفعلوا كلَّ قبيح، وجاء الحلباشية إلى الديوان، وخرقوا الهيبة، وصالوا وجالوا،
وخاف الوزير، وقال: أنا أخرج إلى السلطان وأُبيِّن له كذبَ ما قيل عني، وأذكر سابقَ
خدمتي، وبالأمس بعث قاروت بك إلى القائم يبذل له ثلاث مئة ألف دينار ليولِّيه الأمر، فأشرتُ بأن لا يولِّيه خدمة السلطان، ويكون جزائي هذا التهديد، وكان مع سعد الدولة كتاب مختوم إلى الخليفة، وأظهر أن عزل الوزير فيه، فلمَّا فتح الكتاب لم يكن فيه عزله، وإنما كان فيه في بعض الفصول: أيها الوزير، إن أصحابنا العائدين من بغداد يذكرون اتِّفاقك لحوائجهم وإعراضهم، ويجب أن تزول هذه الطريق عن هذه الخلائق، وإلَّا كاتبنا الحضرة الإمامية بالكراهة لك، التي تقتضي الاستبدال بك، والتعويل على من يكون أصحابنا له شاكرين، ولأفعاله حامدين. فندم الوزير على ما بدر منه في معنى قاروت بك، وقال لسعد الدولة: لو أَعلمتَني أن الكتاب يشتمل على ما يتعلق بك لكنتُ جمعتُ من الناس أكثر مما جمعت، لكنَّك أساتَ التدبير [وفعلتَ ضدَّ الصواب. وطاب قلب الوزير] (١) وبعث بالكتاب إلى الخليفة، فطابَتْ نفسُه ونفوسُ الحاشية، ثم جاءت كتب السلطان بعد ذلك بالإفراج عن إقطاع الخليفة والحاشية.
وفي جمادى الأولى ورد رسول أتْسِز التركماني صاحب الشام ومعه ولد قُتُلْمِش المأسور وأخ له صغير، فتسلَّمهما سعد الدولة الكوهراني، وبعث بهما إلى السلطان، وفي هذا الوقت أخذ أتْسِز رَفنيَّة (٢)، ونهب أعمالها، وراسل نصر بن محمود صاحب حلب وقد طمع في شيء من أمواله وأموال أبيه التي خلَّفها، وطالبه بتزويج أخته، وتسليم البلاد، واستقرَّ الأمر على أن بعث له خمسة عشر ألف دينار، وعاد إلى حصار دمشق، فإنه ما زال مضايقًا لها، ونازل طرابلس وصور وأخذهما خفارةً، فكانت الخطبة المصرية بها لم تتغيَّر، والغُزُّ يدخلون إلى صور فيبيعون ويشترون ولا يقيمون فيها، وعلى هذا كانت الهدنة.
وفيها قُتِلَ محمود بن نصر صاحب حلب، وسنذكره إن شاء الله تعالى.
стр. 9216
وفيها وردت الأخبار بأن بدرًا أميرَ الجيوش بمصر لبس الدُّرَّاعة (١) التي برسم الوزارة، حتى لا يترتَّب في الوزارة مَنْ يُفسد عليه الأمور، وخرج إلى الصعيد لقتال السودان واستعادته منهم، فإنهم كانوا قد استولوا عليه.
وفيها ظفر القاضي جلال الملك بن عمار بكتب من بدر الجمالي إلى جماعة من وجوه طرابلس تدني عن موافقة تجري بينهما في القبض على جلال الملك، وتسليم البلد إلى مَنْ بيديه القبض عليه، فقبض عليهم، وصادرهم، وقَتَل منهم، ونَفَى الباقين.
وفي يوم الأربعاء ثامن عشر شوال خلع الخليفةُ على عميد الدولة بن فخر الدولة الخِلَع السنيَّة، وفوَّض إليه الأمور، وكتب له التوقيع، وكانت الجُبَّةُ سقلاطون، وفَرَجيةَ ديباجٍ نسيج بالذهب، وحُمِلَ على فرس بمركب ذهب، بعد أن استدعاه ووالده وخاطبهما بما طيَّب به نفوسهما، وفوَّض إلى عميد الدولة أَزِمَّةَ التدبير، وخرج معهما توقيع الخليفة إلى بيت النُّوبة، وقُرئ بحضرة الأعيان، وكان من إنشاء أبي سعد بن الموصلايا النصراني، وفيه بعد البسملة: إن أمير المؤمنين إذا تصفَّح مواقف خلصاء دولته وأصفيائها المُبرِّزين في المقاصد التي عند الجمال في مطاويها وأبياتها، وجد أوفاها في الكمال زيدًا، وأكسبَها في الزمان ثناءً وحمدًا، ما اختصَّ به مؤيد الدولة بن فخر الدولة شرف الوزراء أبو نصر صفي أمير المؤمنين من المقامات التي غَبَرَ فيها على من مضى، وأحرز ألقابًا تتنافس فيه من كرم الرضا، وأحلَّته من أمير المؤمين بالمنزلة التي لا يدانيه نظيرٌ في جلالها، ولا طمع أحدٌ قبله في أمثالها، وحين تَفَردتَ بالآثار التي أصبحَتْ غُررًا في الدهر لامعة، وأحلامًا لأقسام الفخار حاويةً جامعة، والمساعي التي أوجبت بها على الدولة الحقَّ الذي لا يُنكر، وأوجدت منها الطرق إلى التي اعتمادِك بالمكرمات التي يبقى شرفُها على الأَيّامِ ويُذْكَر، فأدناك من مقرِّ سُدَّته، وناجاك من مزايا الإكرام بما لا يبلغ مداك من خدمته، وذكر كلامًا طويلًا.
وفيها عزم السلطان على أن يُنفذ أخاه تاج الدولة تُتُش إلى الشام، وكان نظام الملك لا يؤثر ذلك، وبلغ أتْسِز الخُوارَزمي صاحب الشام، فكتب إلى السلطان: أنا الخادم الطائع النائب في هذه الأعمال التي أفتَتِحُها بنفسي من غير أن أُكلِّفه فيها مؤونةً، ولا
стр. 9217
طلبتُ معونةً، وأقمتُ له الدعوة وما أَخْلَيتُه مما أقدر عليه من حمل الأموال، وقد بلغني ما عليه العزم من إنفاذ الأمير تاج الدولة تُتُش، وما هاهنا من يقتضي استعمال ذلك وإبعادي عن الخدمة ونظري في جملة الأعداء والأضداد، وذكر كلامًا كثيرًا هذا معناه. وقال: وأنا بإزاء مَنْ بمصر من خليفة وجند ورجال ودولة وأموال لا بُدَّ لمن يقاومها أن يجعل نفسه في عدادها، ويتحمَّل لحمالها، ولمَّا وقف نظام الملك على كتابه بعث إليه بقَباء السلطان وقَلَنْسوته [وفرسه] (١) وسيفه وتُرسه تشريفًا له وإكرامًا، وطيَّب قلْبَه.
وفيها قبض بدر الجمالي على قاضي الإسكندرية ابن المُحَيرق وجماعةٍ من صالحيها وفقهائها، وأخذ منهم أموالًا عظيمة.
وفي ذي الحجة وردت كتب أتْسِز على الخليفة بفتوح دمشق صلحًا وتسليمها إليه، وسببه اتِّصالُ الحصار، وغلوُّ الأسعار، وموتُ أهلها، وأن كارة الطعام بلغت نيِّفًا وثمانين دينارًا مغربية، وبقيت على ذلك أربع سنين، والكارتين ونصف غرارة بالشامي، وهذا شيء كثير، الغرارة بمئتي دينار ثمنها ثلاثة آلاف درهم.
وفي ذي الحجة أُعيدت الخطبة، وسببه أنَّ السلار الخراساني قرَّر مع الشريف أبي هاشم أمير مكة أن يزوِّجه أختَ السلطان ملكشاه، فتعلَّق طمعُه بذلك، ومنَّتْه نفسُه الأماني، فقال لبني عمه: إنما كنا نخطب للدولة المصرية لمالٍ يُرجى، أو خوفٍ يُخشى، والآن فلم يبقَ هناك ما نخافه، وليس من الصواب خروجُنا عن دولة السلطان خوفًا على نفوسنا، وينبغي أن نبعث إلى هناك رسولًا يخبرنا بشرح الحال، فإن كانت الأمور على السداد ثَبَتْنا على ما نحن عليه، وكان بنو عمِّنا أحبَّ إلينا وأكرمَ علينا، وإن كان بخلاف ذلك دبَّرنا أحوالنا. فأنفذوا إلى مصر اثنين من ثقاتهم، وأمروهما أن يظهروا أنهما وردا للإفادة والتماس الصِّلات، واستدعاء المال المحمول كلَّ سنة مع الكسوة، واستجلاب بدر الجمالي لهم، فذهبا وعادا ومعهما رسول من مصر بعشرةِ آلاف دينار -وقيل: قيدٌ من ذهب أيضًا مع المال وزنُه ثلاثة آلاف مثقال ليحلف ابن أبي هاشم لصاحب مصر ويُقَيِّدَ نفسَه على عادتهم- وكسوةِ البيت دبيقية، وخِلَعٍ لأمير مكة
стр. 9218
والعلويين، ونفقةٍ برسوم كانت لهم، وخلا ابنُ أبي هاشم بالرسولين، وسألهما عمَّا شاهداه، فقالا: ما بقيَ هناك ما يُستند إليه، ولا يُعوَّل عليه، والأحوال قد فسدَتْ، والأموال قد ذهبَتْ، والرجال قد قُتلوا، وخلَتِ البلاد. فقال ابنُ أبي هاشم لبني عمه: قد علمتُم الحال. وورد عليه كتاب سلار الحاج الخراسانية أنه قد فصل الأمر مع السلطان، والمهر عشرة آلاف دينار، فقال لرسول مصر: السلطانُ قاصدٌ العراق، وأخاف منه، فأجروا الخطبة لكم حتى نُبصر ما يكون. ودفع به، وأخذ المال والخِلَع، وبطل خطبة المصريين، وخطب للمقتدي ولملكشاه.
وفيها خطب أتْسِز للمقتدي على منبر دمشق، وكان بها الأمير وزير الدولة لمَّا هرب مُعلَّى بن حيدرة بن منزو، فاجتمعت المَصامدة (١) على وزير الدولة انتصار بن يحيى، فاختاروه لِحُسن سيرته، فغلَتِ الأسعارُ بدمشق [وأكل الناس الميتات، ووقع بين المصامدة والأحداث] (٢)، وكان أتْسِز قد أخرب ظاهرها خرابًا كليًّا، وضيَّق على أهلها، فراسلهم في الصلح، فاستوثقوا منه بالأيمان، ودخلها في ذي القعدة واستولى عليها، وحلَّ بأهلها منه قوارعُ البلاء، ونزل أصحابُه في دورهم، وأخذوا حريمهم، وصادرهم بحيث لم يُبقِ مع أحدٍ منهم درهمًا، واتَّصلت دعوات الناس عليه وعلى أصحابه في المساجد، ثم إنه نظر في عمارة البلاد لا في عمارة دمشق، فأطلق الغِلال للفلاحين، وألزمهم الزراعات، فرخصتِ الأسعار، وطابت نفوس الرعية.
وفيها تُوفي
أحمد بن علي (٣)
ابن محمد بن الحسين بن عبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵈، أبو الحسين، جلال الدولة، قاضي دمشق، في أيام المستنصر، وهو آخر قضاة المصريين بدمشق، قال يومًا وعنده [أبو] (٤) الفتيان بن حَيُّوس: وددتُ أني في الشجاعة
стр. 9219
مثلُ جدي علي، وفي السخاء مثل حاتم. فقال له ابنُ حيُّوس: وفي الصدق مثلُ أبي ذر.
فخجل الشريف؛ لأنه كان يتزيَّد في كلامه.
توفي بدمشق في ذي القعدة، ودُفِنَ بداره، ثم نُقِلَ إلى الباب الصغير.
أحمد بن منصور (١)
الغسَّاني، أنشد لغيره: [من المنسرح]
أعتقني سوءُ ما صنعت من الرِّقِّ … فيا بَرْدَها على كَبِدي
فصِرْتُ عبدًا لِلسُّوءِ فيكَ وما … أحسن سوءٌ قبلي إلى أحدِ
إسماعيل بن علي (٢)
أبو محمد بن العين زَربيّ، الشاعر، سكن دمشق، ومات بها، ومن شعره [من الطويل]:
وحَقِّكمُ ما زُرتُكُم في دُجُنَّةِ … من اللَّيلِ تُخفيني كأنِّيَ سارِقُ
ولا زُرتُ إلَّا والسيوفُ شواهرٌ … عليَّ وأطرافُ الرِّماحِ لواحِقُ
وقال: [من المتقارب]
أحِنُّ إلى ساكنات الحجاز … وقَد حَجزتني أمورٌ ثِقالُ
بكيتُ ففاضَتْ بحورُ الدموعِ … كأنَّ لها من جفوني انثيالُ
وظنَّ العواذلُ أني سلوتُ … لِفَقدِ البكاءِ وجاروا وقالوا
حقيقٌ حقيقٌ وجدتَ السلوَّ … فقلتُ محالٌ محالٌ محالُ
وقال: [من الطويل]
ألا يا حَمامَ الأيْكِ عَيشُكَ آهِلٌ … وغصنُكَ ميَّاسٌ وإلفُكَ حاضرُ
أتبكي وما امتدَّتْ إليكَ يدُ النَّوى … ببينِ ولم يَذْعَر جناحَكَ ذاعِرُ (٣)
стр. 9220
محمد بن علي (١)
ابن محمد بن أحمد، أبو علي، الهاشمي، ابن عم الشريف أبي جعفر بن أبي موسى الحنبلي، سمع الكثير، وتوفِّي في ربيع الأول، ودُفِنَ بباب حرب، وكان سيدًا ثقةً.
مسعود بن المحسن (٢)
ابن الحسن بن عبد الرزاق، أبو جعفر، البياضي، الشاعر، البغدادي، برع في الأدب، وتوفِّي ببغداد في ذي القعدة، ودُفِنَ بباب أبرز، ومن شعره: [من الخفيف]
حبَّذا مسجدًا بباب مُعلَّى … سخنَتْ فيهِ أعينُ القُرَّاءِ
كان للدرسِ والصلاةِ محلًّا … فهُوَ اليومَ مجمعُ الأهواءِ
كمْ قتيلٍ فيهِ بسهمِ لَحاظٍ … صرَعَتْهُ من مُقلَةٍ حَوراءِ
وتراني إذا دخلتُ إليهِ … أتخطَّى مصارعَ الشُّهداءِ
وقال أيضًا: [من الوافر]
إذا هبَّتْ له نسماتُ وَجدٍ … يعيشُ لمَرِّها ميتَ البعادِ
إذا غنَّى به الحادي ركابًا … ترنَّحتِ الغواربُ والهوادي
وطابَ السَّيرُ وانقضتِ الفيافي … وعادت بعد حدبٍ كالنِّجادِ
أُحبُّ القُربَ من سُكَّان نجدٍ … كان طابوا نفوسًا بالبِعادِ
وأُخلِصُ في مودَّتِهم ضميري … وإن لم يعرِفوا حقَّ الودادِ
وقد أغلقْتُ باب السَّمعِ عن مَنْ … ينازِلُهُ بألسنةٍ حِدادِ
إذا ركبوا ملامَهُمُ لِعَذْلي … ركبتُ هوايَ في ذاكَ الجهادِ
وعَزَّ عليَّ أنهمُ صديقٌ … ألاقي فيهمُ ملقى الأعادي
ولكنَّ الهوى فرسٌ جموحٌ … يُجاذبني العِنانَ إلى الطِّرادِ
وقال: [من الكامل]
يا مَنْ لبِسْتُ بهجْرِهِ ثوبَ الضَّنا … حتى خفيتُ به عن العُوَّادِ
стр. 9221
وأنِسْتُ بالسهرِ الطويلِ فأُنسِيَتْ … أجفانُ عيني كيفَ كان رُقادي
إنْ كانَ يوسفُ بالجمالِ مُقطِّعَ الـ … أيدي فأنتَ مفتِّتُ الأكبادِ
وقال: [من المديد]
قلتُ للعاذلِ لمَّا جاءني … من طريقِ العذْلِ يُبدي ويعيدُ
أيُّها العاذِلُ لي في زعمهِ … لا تُرِدْ نُصحًا لمن ليس يُريدُ
فالذي أنتَ له مُسْتَقبِحٌ … ما على إحسانهِ عندي مَزيدُ
فإذا نحنُ تشاكينا الهوى … فاستماعُ العَذْلِ شيءٌ لا يُفيدُ
حبَّذا الليلُ الذي أسهرُهُ … في هوى مَنْ هو عن ليلي رَقودُ
ونَعمْ أهلًا بسربال ضنا … جسدي يبلى به وهو جديدُ
وهنيئًا لفؤادي أنَّه … في جهادِ الأعينِ النُّجلِ شهيدُ
وقال: [من الطويل]
لئِنْ كانَ ذاك الوُدُّ كُدِّرَ شُربُه … فحاشى لِذاكَ القلبِ أن يتكدَّرا
فلا تحسبَنَّ الوُدَّ صارَ مُهوَّنًا … ولا أنَّ معروفَ الهوى صار مُنكَرا
فواللهِ إني ذلك المخلصُ الذي … عزيزٌ على الأيَّامِ أن يتغيَّرا
وإنْ تَسْعَ رجلي نحوَ غيرِكَ عن رضا … فلا برِحَتْ طولَ الزمانِ تَعثَّرا
وإنْ نظرَتْ عيني إليهِ بلذَّةٍ … فلا صافَحَتْ أجفانُها لذَّةَ الكَرى
وكتب إلى القائم بأمر الله وكان قد ستكتب أهل الذمَّة، وضمَّن ابن فضلان اليهودي ضياعه، وفتك في المسلمين: [من الكامل]
يا ابنَ الخلائفِ من قريشٍ والذي … طهُرَتْ أصولُهمُ من الأدناسِ
قلَّدتَ أمرَ المسلمين عدوَّهُم … ما هكذا فعلَتْ بنو العباسِ
حاشاكَ من قولِ الرعيةِ إنَّهُ … ناسٍ لقاءَ اللهِ أو مُتناسِ
ما العذرُ إنْ قالوا غدًا هذا الذي … ولَّى اليهودَ على رقاب الناس
أتقولُ كانوا وفَّروا أموالنا … فبُيوتُها قفرٌ بلا إيناسِ
لا تذكُرَنْ إحصاءَهم ما وفَّروا … ظلمًا وتنسى مُحصيَ الأنفاس
وخَفِ الجزاءَ غدًا إذا وُفِّيتَ ما … كسبَتْ يداكَ اليومَ بالقِسْطاسِ
стр. 9222
في موقفٍ ما فيه إلَّا شاخصٌ … أو مُهطِعٌ أو مُقنِعٌ بالراسِ
أعضاؤهم فيهِ الشهودُ وسجنُهُم … نارٌ وحاكمهم شديدُ الباسِ
إن تَمطُلِ اليومَ الدُّيونَ مع الغنى … فغدًا تُوفِّيها مع الإفلاسِ
لا تعتذِر عن صرفِهم بتعذُّر الـ … مُتصرِّفين الحُذَّقِ الأكياسِ
ما كنتَ تفعلُ بعدَهُم إن أُهلِكوا … فافعَلْ وعُدَّ القومَ في الأرماسِ
وقال أيضًا: [من البسيط]
قُلْ للذين جفَوني إذْ لَهجْتُ بهم … وصارَ ذِكرهُمُ يجري مع النَّفَسِ
صُدُّوا وأرضُوا مُحِبَّكُمْ إذا دَرسَتْ … آثارُ قريٍ جديدٍ غيرِ مُندَرِسِ
ماذا يضرُّكمُ أني أحِبكمُ … مع البراءةِ من عيبٍ ومن دَنَسِ
إنْ كنتُ أذكُرُ شيئًا غيرَ حبِّكُمُ … يا سادتي فرماني اللهُ بالخَرَسِ
وقال: [من الكامل]
إن كنتُ بعدَكمُ ألِفْتُ هجوعا … فحُرمْتُ سُؤلي في اللقاءِ سريعا
أو ذُقْتُ حلوًا غيرَ ذِكْرِكُمُ فلا … صدقَتْ مُنايَ أن نعودَ جميعا
للهِ ما صنع الفِراقُ ندامةً … ما انفَكَّ سِنِّي بعدها مقروعا
لو قلتَ سَلْ صارَتْ جميعُ جوارحي … في الحالِ ألسنةَ تقولُ رجوعا
وقال: [من البسيط]
لولا الخدودُ ولولا الأعينُ النُّجُلُ … ما تَمَّ قولٌ لإبليسٍ ولا عمَلُ
إنَّ العيونَ إذا استمكَنَّ من رجلٍ … فعَلْنَ في القلبِ ما لا يفعَلُ الأَسَلُ (١)
ليسَ الهُمامُ الذي يحمي مَطيَّتَهُ … يومَ النِّزالِ ونارُ الحربِ تشتعلُ
لكنَّ مَنْ غضَّ طَرفًا أو ثنى بصرًا … عن الحرامِ فذاكَ الفارسُ البطلُ
وقال أيضًا: [من البسيط]
يا ليلتيَّ بذاكَ الشيحِ والضَّالِ … ومنبتِ البانِ من نُعمانَ عُودا لي
ويا مراتعَ أترابي بذي سَلَمِ … لهفي على ما مضى من عصرِكِ الخالي
стр. 9223
قد كانَ قلبي بكُم مأوى السرورِ فَمُذْ … نأيتُمُ صار مأوى كلِّ بَلبالي (١)
فلو شَرَيتُ بعمري ساعةً سَلَفَتْ … من عيشتي معكُم ما كانَ بالغالي
ما في أُعلِّلُ نفسي بالوقوفِ على … منازلٍ أقفرَتْ منكم وأطلالِ
قد بُدِّلتْ صامتًا من ناطقٍ لَسِنٍ … ونافرٍ عاطلًا (٢) من أُنسِكُم حالي
أُميتُ من حرِّ أنفاسي خمائِلَها … طورًا وأَبكي فأحييها بتَهمالي
وأبتغي من رسومٍ قد دَرسْنَ بها … رجْعَ الكلامِ وما يُبْهمنَ تسآلي
أأرتجي البُرءَ منها وهْيَ باليةٌ … هيهاتَ كيفَ يُداوي باليًا بالي
مَنْ لي بكتمانِ ما ألقاهُ من ألمٍ … وظاهري مُعْرِبٌ عن باطنِ الحالِ
قالوا تشاغلَ عنَّا واصطفى بدلًا … منا وذلك فِعلُ الخائنِ السالي (٣)
وكيفَ أُشغِلُ قلبي عن محبَّتكُم … وغيرِ ذِكركمُ يا كُل أشغالي
لِيهْنَ قومٌ أطاعوا في عواذِلهم … إني على العهدِ في عصيانِ عُذَّالي
وقال أيضًا: [من الكامل]
قد حانَ من سفرِ الصُّدودِ قدومُ … فإلى متى هذا الصُّدودُ يدومُ
لم يبقَ منِّي ما يبينُ لناظرٍ … إلا ثيابٌ تحتهنَّ رسومُ
لو أنها ظهرت لأَقصرَ عاذلي … ولَقال كيف يُخاطَبُ المعدومُ
إنَّ الذي يَهوَى ظلومَ وينتهي … عنها بعَذْلٍ إنَّهُ لظَلومُ (٤)
ما لامَ فيها عاذلٌ فبدَتْ لَهُ … عمدًا فأبصرَها يكادُ يلومُ
وقال: [من الطويل]
أبثُّهُمُ وجدي وهُمْ بيَ أعلمُ … وأرجو شفائي منهمُ وهمُ هُمُ
وكَمْ عذلوني فيهمُ غيرَ مرَّةٍ … فقلتُ لهم واللهُ بالصِّدقِ أعلمُ
وجدتُمْ ولكنِّي وجدتُ عليكُمُ … لأنَّكُمُ ما جُدتُمُ إذْ وجْدتُمُ
стр. 9224
إذا كانَ قلبي موثَقًا في حبالكمْ … وجسمي لديكُم كيفَ أفهمُ عنكمُ
فإنْ شئتمُ أنْ تعذِلوا فترفَّقوا … إلى أنْ يعودَ القلبُ ثمَّ تكلَّموا
وكتب إلى القائم بأمر الله: [من الوافر]
أميرُ المؤمنين نداءُ عبدٍ … يراكَ الصِّرفَ صرفَ الدَّهرِ أهلا
فلي في الأرضِ مُتَّسَعٌ وقومٌ … ألاقي عندهُمْ أهلًا وسهلا
ولستُ بضارعٍ إلَّا إليكُم … فأمَّا غيرُكم حاشا وكلَّا
وهذا شرحُ حالي فاسمَعَنْهُ … فقد أنهيتُهُ والأمرُ أعلى
وقال: [من الطويل]
ألفتُ الضَّنا من بعدكُم فَلَوَ أنَّهُ … يُغيَّبُ عن جسميَ جئتُ إليهِ
وصارَ البُكا لي مؤنسًا فَلَوَ أنَّهُ … تباعدَ عن عيني بَكيتُ عليهِ
وقال أيضًا: [من الخفيف]
ليسَ لي صاحبٌ مُعينٌ سوى الليـ … لِ إذا طال بالصُّدودِ عَليا
أنا أشكو همَّ الحبيبِ إليهِ … وهو يشكو بُعْدَ الصَّباحِ إليَّا
ناصر [بن محمد] بن علي (١)
أبو منصور، التركي، والد محمد بن ناصر، ولد سنة تسع وثلاثين وأربع مئة، وقرأ القرآن بالروايات، وسمع الحديث الكثير، وقرأ الأدب واللغة، وتُوفِّي ببغداد في ذي القعدة شابًّا لم يبلغ ثلاثين سنة، وكان صالحًا ثقةً، ورثاه أبو عبد الله الحسين بن محمد البارع بقصيدة طويلة أولها: [من المتقارب]
سلامٌ وأنَّى يردُّ السَّلاما … معاشرُ في التُّربِ أمسَوا رِماما
لدى البيضِ صرعى كأنَّ الحِمام … سقاهُمْ بكأسِ المنايا مُداما
أأحبابَنا في بطونِ الثرى … مقيلٌ لكم إن أردتُم مُقاما
تبدَّلتُمُ بالقصورِ القبور … فأبلَينَ تلكَ الوجوهَ الوساما
стр. 9225
ألا هل أرى لكمُ أوبةً … وللشَّملِ بعد الفراقِ التئاما
أرى كلَّ يومٍ مطايا المنون … تحفُّ بكم موحدًا أو تؤاما
نُحيِّي ضرائِحَكُم إنَّها … تَضَمَّنَّ قومًا علينا كراما
سلامٌ على جدَثٍ بالعرا … قِ أغمدتُ بالأمسِ فيهِ حُساما
دفنتُ العُلا والتُّقى والعفا … فَ والحلمَ والعلمَ فيه حماما
أناصرُ يفديكَ مَنْ لَوْ أطا … قَ دافعَ عنكَ المنايا وحامى
أناصرُ لو أنَّ لي ناصرًا … شننتُ (١) [على] (٢) الموت موتًا زؤاما (٣)
هو الدَّهرُ لا يُتقَّى ضيمُهُ … [لشيءٍ] (٤) فأجدَرُ أنْ لا يُضاما
أُناديكَ إذ لاتَ حين الدُّعاء … بمُسْمعةٍ لو أطَقْتَ الكلاما
لقدْ خصَّني يا قرينَ الشَّبا … بِ فيكَ المُصابُ وعَمَّ الأناما
وأوجدني منكَ ريبُ المنو … نِ ظمآنَ لم أشفِ منك الأُواما (٥)
وكيف يطيرُ قصيصُ الجنا … حِ خانَتْهُ عند النهوضِ القُدامى
وأُطفِئُ بالدمعِ نارَ الحشا … ويأبى لها الوجدُ إلَّا ضِراما
وكنتُ أُلامُ على أدمعي … فأيقنتُ بعدكَ أن لا أُلاما
فلا استشعرَ القلبُ عنكَ السُّلُو … ولا ازدادَ بعدَكَ أن لا أُلاما
إذا رامَ صبرًا تمثَّلْتَ فيهِ … فأقصى خَيالُكَ ذاك المَراما
وما أنا من بعد علم اليقين … أحسَبُ يومَكَ إلَّا مناما
لقد كنتَ غُرَّةَ وجهِ الزَّمان … فقد عادَ من بعد (٦) بِشْرٍ جَهاما
وكنتَ على تاجِهِ دُرَّةً … تُضيءُ الدُّجى وتُزين النِّظاما
فأضحى بكَ الدهرُ مستأثرًا … وجلَّلَنا بعد نورٍ ظلاما
стр. 9226
وضَنَّ بكَ الدهرُ عن أهلِهِ … فثُبْتَ (١) حميدًا ولم تلقَ ذاما
وأيقنتَ أنَّ الدُّنا للفنا … ءِ فاعتضْتَ في الخُلدِ عيشًا دواما
لتَبْكِ عليكَ فنونُ العلوم … فقد كنتَ في كلِّ فنٍّ إماما
وما كنتَ إلَّا قريعَ الزمان … والناسُ بعدَك إلا سواما
ألا لا أرى مشكلاتِ الأمور … يَزْدَدنَ بعدَكَ إلا انعجاما (٢)
فمَنْ ذا يُفرِّجُ عنَّا الهمو … مَ إذا ازدحمَتْ في الصُّدورِ ازدحاما
ومَنْ للمجالسِ صدرٌ سِواك … إذا اضطربت أبحرُ العلمِ عاما
ومَنْ للمحاريبِ أهلٌ سِواك … وقدمًا تقدَّمتَ فيها غلاما
وقال أيضًا (٣):
تجاوزتَ في العلم حدَّ الشيوخ … وكلُّ سِنيكَ ثلاثون عاما
ولم [أر] (٤) كاليومِ بدرًا سوا … كَ عاجلَ فيه السَّرارُ (٥) التماما
فحاشا لسانًا تلا ما تلو … تَ يُصبحُ للدُّودِ يومًا طعاما
وهوَّنَ وجدي أنِّي غدًا … كما قد لقيتَ ألاقي (٦) حماما
وأن سوفَ يجمعُنا موقفٌ … ترى الخلقَ في حافَتيهِ قياما
عليكَ السلامُ فإني امرؤ … على القُربِ والبُعد أُهدي السَّلاما
السنة التاسعة والستون وأربع مئة
فيها في صفر غلب على المدينة محيط العلوي، وأعاد خطبة المصريين، وطرد منها الحسين مهنا أميرَها، فقصد خراسان إلى ملكشاه ونظام الملك، وكان قد أساء السيرة، ووضع على الواردين لزيارة قبر النبي ﷺ أتاوة، فقامت الشناعة، واجتمعت القبائل مع محيط بهذا السبب.
стр. 9227
وفي ربيع الأول تُوفي رئيس العراقيين أبو أحمد بن عبد الواحد بن الخضر النهاوندي على باب ملكشاه بأصبهان.
وفيه سار ملكشاه إلى خُوزستان، ودخل البصرة، فأقام يومًا واحدًا لمشاهدة المدِّ والجزر.
وفي ربيع الآخر تزوَّج الأمير قراقر بن كاكويه الديلمي أرسلان خاتون عمة السلطان وزوجة [الخليفة] (١) القائم، وحمل إليها مئتي ثوب أصنافًا وعشرة آلاف دينار. ودخل بها.
وفيه ورد كتاب أتْسِز الخُوارَزمي تاريخه سلخ صفر [من أول الجفار] بأنه قد سار إلى مصر.
وفيه زادت دجلة زيادةً عظيمةً، فنُقِلَ تابوت القائم من الدار إلى الرُّصافة في الليل خوفًا عليه من الماء، ولم يعلم به أحد.
وفيه سار أُرْتُق [بك] التركماني واسمه ساراكسك، فقطع حُلوان إلى القطيف، ومرَّ على البصرة، فنهب أصحابُه ما مرُّوا به، فأغلقت أسواقُها، وسُدَّت أبوابُ دروبها، وعَدِم الناسُ الماءَ ثلاثة أيام، وخرج إليه أعيان أهلها وقبَّحوا عليه ما فعل، فطلب منهم الجمال والروايا والزاد والمال ليذهب إلى الأحساء، فأعطوه بعض ما طلب، وسار منها في رجب إلى القطيف، فوجد يحيى بن العباس الخفاجي صاحبَها قد أخلاها ومضى إلى جزيرة أُوال، ونجم أرتق إلى الأحساء فنهبها، وكان بقلعتها جماعةٌ من القرامطة، فراسلوه وخدعوه، وقالوا: نحن نُعطيك عشرة آلاف دينار ونَخطُبُ للخليفة والسلطان. فأجابهم، فقالوا: ابعُدْ عنَّا مدة قريبة ليتراجع الناس، ونجمع المال. وأعطَوه رهائن، فرحل عنهم، فخرجوا إلى آبار غامضة في بساتينهم مملوءة طعامًا، فنقلوها إلى البلد، وعلم أرتق أنهم خدعوه، فعاد إليهم، وقتل من الرهائن عِدَّة، واحتبس منهم (٢) من رأى عنده رأيًا، وأخرب السَّواد، ونُهبت القرى، وامتلأت أيدي مَنْ معه من النهب، وقاسوا من شدة الحرِّ ما حملهم على طلب نفورهم، وكان هناك
стр. 9228
رجل -يقال له: عبد الله بن علي الغنوي- عدوًا للقرامطة، فأخذ أرتق ولده معه رهينة، ورتَّب معه مئتي فارس من التركمان، وأقام على حصار الأحساء، وكان للغنوي في تلك الأرض حصن يُعرَفُ بالمحصنة، وهو من بناء أبي البهلول المتغلب على جزيرة أُوال، والحصن قريب من الجرعاء، وقلَّتِ الغلال بها، ولا يعرف أهلها القوت إلا من التمر والسمك، ويُطعمون بهائمهم ذلك، والحنطةُ متعذِّرةٌ عندهم، فاشتدَّ الغلاء، وبلغ الرطل السمك الجرعاني مئتي درهم رصاصًا، ومعاملتهم بالرصاص، يبلغ الدينار إلى ثمانية عشر ألف درهم وإلى عشرين ألفًا بدينار، وعاد باقي التركمان إلى البلاد.
وفي رجب أغار خطلج أدران (١) على بني خفاجة، كانوا على واد السباك بالحجاز، ومعهم غَزْنة وزبيد، فخرج خطلج من الكوفة وصَحِبه جماعةٌ من التركمان طمعًا في النهب، فقال لهم: [المال لكم، والنساء لي، لا تتعرَّضوا للحريم. فقالوا] (٢): نعم، وساروا في البرية ثلاثة أيام، فصبّحهم وقتَ السحر، ودقَّ الطبول، وضُربت البوقات، فركبوا خيولهم وانهزموا، وجاء هو إلى الحلل، فأسبل أثواب البيوت، وحمى مَنْ فيها من النساء وما عندهنَّ من الأموال، ونهب التركمانُ الجمال والغنم، ولم يُمكن أحدًا من رفع سجاف عن امرأة، وكان عدد الجمال خمسة آلاف جمل، وأما الغنم فلا تُحصى، غير أنها لم تتبعهم؛ لضعفها، ورجع بطلب الكوفة، فرأى مع أصحابه من الإماء ثلاثًا، فأنكر عليهنَّ، فقالوا: هؤلاء سألْنَنا أن نأخذهنَّ لنخلصهنَّ من خدمة (٣) العرب، فقلن: نعم، فقال: لا، وردُّوهن إلى العرب.
وفي رجب عاد أتْسِز الخُوارَزمي إلى دمشق منهزمًا من القاهرة في خمسة عشر فارسًا، وقد نُهبت أموالُه، وقُتلت رجالُه، وكان لمَّا تسلَّم دمشق تصوَّر في عزمه قصدَ مصر، فجمع من التركمان والأكراد والعرب عشرين ألفًا، ووصل إلى الريف، وأقام نيِّفًا وخمسين يومًا يجمع الأموال، ويسبي الحريم، ويذبح الأطفال، وهو يراسل بدرًا الجمالي، ويطلب المال، وقد انزعج الناس، وكان عسكرُ مصر بالصعيد [يحارب
стр. 9229
العبيد، فضمِن له مئةً وخمسين ألف دينار، واستدعى من كان بالصعيد] (١) من العساكر والسودان، وكان مع أتْسِز بدر بن حازم الكلبي في ألفي فارس، فاستماله بدر، فانتقل إلى القاهرة، وورد القاهرةَ ثلاثةُ آلاف رجل في المراكب بنيَّة الحج، فقال لهم بدر: دَفْعُ هذا العدو أفضلُ من الحج. وأعطاهم المال والسلاح، وقالوا لوالد شكلي التركماني الهارب من أتْسِز: كاتِبِ التركمان. فكاتبهم، وأفسد منهم نحوًا من سبع مئة غلام، وكانوا كارهين لأتْسِزْ من شُحّه وعسفه، واتفقوا أن الحرب متى قامت استأمنوا إلى بدر، وسار أتْسِز إلى القاهرة في أواخر جمادى الآخرة، فأرسل بدرٌ ألفي فارس يصدمونه حتى يستأمن مَنْ أفسدهم أبو شكلي، فلم يستأمن أحدًا، وكسرهم أتْسِز، فرجعوا مفلولين إلى القاهرة، وكان قد التجأ إليها أهل الضياع والأصقاع ومصر والتجار، فوقفوا على باب القصر باكين صارخين، فخرج من [عند] (٢) المستنصر خادمٌ فقال: يقول لكم أمير المؤمنين: إنما أنا واحدٌ منكم، وعِوَضُ ما تتضرعون على بابي وتبكون، فارجعوا إلى الله تعالى وتضرَّعوا له، ولازموا المساجد والجوامع، وصوموا، وصلُّوا، وأزيلوا الخمور والمنكرات، فلعلَّ الله أن يرحمني وإيَّاكم، ويكشفَ عنَّا ما قد نزل بنا. فعاد الناس إلى المساجد [من الجوامع، وخرج النساء كاشفات الوجوه، منثورات الشعور] (٣) يبكينَ وششغِثْنَ، والرجال يقرؤون القرآن، وكان بدر الجمالي قد هيَّأ المراكب والسُّفن؛ إن رأى غلبةً نزل منها الإسكندرية، وكذا صاحب مصر، فضجَّ الناسُ، وقصدوا باب القصر، وقالوا: تمضي أنت وبدر في السفن ونهلِكُ نحن؟! فخرج الجواب: إني معكم مقيمٌ، فإن مضى أمير الجيوش إلى حيث يطلب السلامة فهاهنا من السفن ما يعمُّكم، مع أنني واثق من الله بالنصر، وعندنا في الكتب السالفة أنَّ هذه الأرض لا تؤتى من الشرق، ومن قصدها هلك، فلمَّا كان وقت السحر خرج بدرٌ إلى ظاهر القاهرة والعسكر معه، وأقبل أتْسِز في جحافله، والدبادب والبوقات بين يديه، فرأى بدرٌ ما لم يظنَّ له به طاقة، وكان بدر قد أقامَ بدرَ
стр. 9230
ابن خازم من وراء أتْسِز كمينًا في ألفي فارس، فخرج من ورائهم، فأخذ البغال المحمَّلة، وضرب النار في الخيم والخركاوات، واستأمن إلى والد شكلي السبع مئة غلام كانوا في الميسرة، وحمل بدرٌ على الميمنة فهزمها، وحمل السودان على القلب وفيه أتْسِز، فانهزم وقُتِلَ مَنْ كان حوله، وتبعهم السودان والعرب أسرًا وقتلًا إلى الرمل، وغنموا منهم غنائم لم يغنمها أحدٌ قبل ذلك، وكان فيما أخذ ثلاثةَ آلاف حصان وعشرة آلاف صبي وجاريةً، وأما من الأموال والثياب فما لا يُحصى، وأقاموا مدة شهر رجب يحوزون الأموال والخيل والأمتعة والأسارى، وجاء العسكر وأهل البلد إلى باب القصر، فضجُّوا بالأدعية، فخرج إليهم جواب المستنصر: قد علمتُم ما أشرفَ عليكم من الأمر العظيم والخطب الجسيم الذي لم يخطر في نفوسنا القدرة على دفعِه وردِّه، حتى كشفه الله تعالى، وما يجب أن يكون في مقابلته إلا الشكر لله تعالى على نعمته، ومتى وُجد إنسانٌ على فاحشة كان دمُه ومالُه في مقابلة ذلك، ثم وُجِدَ بعد ذلك ستةُ سكارى، فأُخذوا وخُنقوا، وزال (١) ما كان بمصر من الفساد، ولازموا الصلوات وقراءة القرآن، ومضى أتْسِز في نفر يسير، فلمَّا وصل غَزَّة ثار أهلُها به، وقتلوا جماعةً ممَّن كان معه، فهرب إلى [الرملة، فخرج إليه أهلها، فقاتلوه وقتلوا من كان معه، فهرب إلى] (٢) دمشق في بضع عشرة نفسًا، فخرج إليه ولدُه ومسمار أحد أمراء الكلبيين، وكان قد استخلفهما بدمشق في مئتي فارس من العرب، وكان وصوله في عاشر رجب، فنزل بظاهرها في مضاربَ ضربها له مسمار، وخرج إليه أهل البلد فخدموه، وهنَّوه بالسلامة، وشَكَوه، فشكرهم، وأطلق لهم خراج تلك السنة، وأحسن إليهم، ووعدهم بالجميل، فقام واحدٌ منهم فقال: أيها الملك العادل -وبه كان يُخاطب ويُخطَبُ له- قد حلفتَ لنا وما حلَفْنا لك، وتوثَّقتَ منَّا، وأنا والله أصدُقُكَ وأنصحُكَ. فقال: قُلْ. قال: قد عرفتَ أنه لم يبقَ في هذه البلدة عشرُ العُشرِ من الجوع والفاقة والفقر والضعف، ولم يبقَ لنا قوله، ومتى غُلقت أبواب هذا البلد من عدوٍّ قصدَه، ورُمْتَ منا منَعةً أو حفظًا، فإن كنت مقيمًا بيننا فنحن بين يديك مجتهدون، ولك
стр. 9231
ناصحون، وإن بَعُدتَ عنا فلا طاقة لنا بالقتال مع الفقراء والضعفاء، فلا تجعل غلبة العدو سببًا لهلاكنا ومؤاخذتنا. فقال: صدقتَ ونصحتَ، وما أبعدُ عنكم، ولا أُخليكم من عسكر يكون عندكم. ثم أقام بدمشق، جاءه التركمان من الروم، ولم يستخدم غيرهم، وعصى عليه الشام، وأعادوا خطبة صاحب مصر في جميع الشام، وقام بذلك المَصامِدة والسودان، وكان أتْسِز وأصحابُه قد تركوا أموالهم [بالقدس، فوثب القاضي والشهود ومن بالقدس على أموالهم] ونسائهم فنهبوها، وقسموا التركيات بينهم، واستعبدوا الأحرار من الأولاد واستَرقُّوهم، فخرج من دمشق فيمن ضوى إليه من التركمان، ووصل إلى قريب القدس، وراسلهم وبذل لهم الأمان، فأجابوه بالقبيح، وتوعَّدوه بالقتال، فجاء بنفسه إلى تحت السور، فخاطبهم وسبُّوه، فقاتلهم يومًا وليلةً، وكان مالُه وحرمُه في برج داود، ورام السودانُ والمَصامِدةُ الوصول إليهم فلم يقدروا، وكان في البرج نفق (١) إلى ظاهر البلد، فخرج أهلُه منه إليه، ودلُّوه عليه، فدخل منه ومعه جماعةٌ من العسكر، وخرجوا من المحراب، وفتحوا الباب، ودخل العسكر فقتلوا ثلاثة آلاف إنسان، واحتمى قومٌ بالصخرة والجامع، فقرَّر عليهم الأموال، حيث لم يقتلهم لأجل المكان، وأخذ من الأموال شيئًا لا يبلغه الحصر، بحيث بِيعَتِ الفضة بدمشق كلُّ خمسين درهمًا بدينار مما كان يساوي ثلاثة عشر درهمًا بدينار، وقُتِلَ القاضي والشهودُ صبرًا بين يديه، وقرَّر أمور البلد، وسار إلى الرملة، فلم يرَ فيها من أهلها أحدًا إلى غزة، وقتل كلَّ منْ فيها، فلم يدَع بها عينًا تطرف، وجاء إلى العريش فأقام فيه، وبعث سريةً فنهبت الريفَ وعادت، ثم مضى إلى يافا فحصرها، وكان بها رزين (٢) الدولة، فهرب هو ومن كان فيها إلى صور، فهدم أتْسِز صورها (٣)، وجاء كتابه إلى بغداد بأنه على نية العَوْد (٤) إلى مصر، وأنه يجمع العساكر، ثم عاد إلى دمشق، ولم يبقَ بها من أهلها سوى ثلاثة آلاف إنسان بعد خمس مئة ألف أفناهم الفقر والغلاء والجلاء، وكان بها مئتان وأربعون خبازًا، فصار بها خبَّازان، والأسواق خالية، والدار
стр. 9232
التي كانت تساوي [ثلاثة آلاف دينار يُنادى عليها عشرة دنانير، فلا يشتريها أحد، والدكَّان الذي كان يساوي] (١) ألف دينار ما تُشترى بدينار، كان الضعفاء يأتون إلى الدار الجليلة ذات الأثمان الثقيلة فيُضرمون فيها النار فتحترق، ويجعلون أخشابها فحمًا يصطلون به، وأُكِلت الكلابُ والسنانير، وكان الناس يقفون في الأزِقَّة الضيِّقة فيأخذون المجتازين فيذبحونهم ويشوونهم ويأكلونهم، وكان لامرأة داران قد أُعطيت قديمًا في كلِّ دار ثلاثُ مئة دينار أو أربع مئة دينار، ولمَّا ارتفعت الشدة عن الناس ظهر الفأر، فاحتاجت إلى سِنَّور، فباعت إحدى الدارين بأربعة عشر قيراطًا، واشترت بها سِنَّورًا.
وفي شوال وقعت فتنة بين الشافعية (٢) والحنابلة، وسببها أنه ورد إنسان يُعرف بأبي نصر بن عبد الكريم القُشيري النيسابوري الواعظ المتكلم على مذهب الأشعري، فجلس في المدرسة النظامية، وخلطَ وعْظَه بالكلام، وذمَّ الحنابلة، وتكلَّم في القرآن، فأنكرت الحنابلة ذلك، وعَنَّ لأبي إسحاق الشيرازي إمام الشافعية وأصحابه معونته على الحنابلة، وتتبَّعَ بعضُهم بعضًا في الطرقات ضربًا وسبًّا، فالشافعية لقلة عددهم اعتضدوا بنظام الملك، وأما الحنابلة فمع كثرة عددهم تقوَّوا بسواد البلد، وكان في يوم مجلس ابن القُشيري يحضر قومٌ من اليهود والنصارى، ويرغبون فيما يعطون فيُسلمون، ويُخلَع عليهم، ويُحملون على الخيل ويُطاف بهم، فتقول العوام: هذا إسلام المغايظة والرِّشا، لا إسلامُ الدين والتُّقى. وزاد الأمر فيما بينهم، وجلس جماعةٌ، وكتب أبو إسحاق إلى نظام الملك يشكو أمر الحنابلة ويستدعي منه المعونة، وبعث جماعةً بكتُب، وكان أبو جعفر عبد الخالق بن أبي موسى الهاشمي مُتقدِّم الحنابلة مقيمًا بالرُّصافة، فبان له من شحنة بغداد، ويعرف بالسلار القاروني، تعصُّب عليه خدمة لنظام الملك، وبلغه أنَّ ابن القُشيري على عزمِ قصد جامع الرُّصافة يوم الجمعة ومعه الشحنة، فخاف، وجاء إلى دار الخليفة شاكيًا، وأقام بباب المراتب أيامًا، ثم مضى إلى مسجده بباب النُّوبي، فأقام به على عادته، وحُمِلَ إليه يهوديٌّ
стр. 9233
فأسلم، وخرجوا معه، وقصدوا باب النُّوبي، وعزموا على الهجوم على ابن أبي موسى [في] (١) مسجده، ورتب ابنُ أبي موسى أصحابَه على سطحِ المسجد وبابِه وجوانبِه، فلمَّا وصلوا رماهم الحنابلة بالآجر من سطح المسجد، فقُتِلَ واحدٌ من الشافعية خياطٌ من سوق الثلاثاء، وخرج آخرون، ووقع في صاحب الباب آجُرَّة، وانهزم الشافعية، وغلقوا أبواب النظامية، ونُهبت عمائمُ الناس، وصاحت الشافعية على باب النُّوبي: المستنصر يا منصور؛ تهمةً للمقتدي أنه يميل إلى الحنابلة، وأُدخِلَ ابنُ أبي موسى إلى دار الخليفة، وأُسكِنَ في موضع؛ حراسةً له، وحجرًا عليه، وكفًّا للفتنة، وغضب أبو إسحاق الشيرازي وجمعَ أصحابَه، وعزمَ على الخروج من البلد، فبعث الخليفةُ مَنْ ردَّه، وأحضر ابنَ القشيري وأبا سعد الصوفي وأبا إسحاق وابنَ أبي موسى إلى الديوان، وأُصلحت الحالُ، ووقع التراضي بأنَّ ابن القشيري يجلس بجامع القصر مجلسين أو ثلاثًا، فلمَّا كان يوم الجمعة الثاني والعشرين من ذي القعدة جلس بالجامع، وبعث الخليفةُ جماعةً من الرجالة بالسلاح يحفظونه من العوام، فشرع في الوعظ، وخلَّط بكلام الأشعري، فقام رجل أعمى وقف بإزائه وانتزع آياتٍ من القرآن، مثل: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو﴾ [الرحمن: ٢٧] وما أشبه ذلك، فشكى ابنُ القشيري إلى ابن جَهير، فحبس الأعمى، والفتن قائمة، ووردت رُسُلُ أبي إسحاق الشيرازي في المُحرَّم سنة سبعين ومعهم كتابان إلى فخر الدولة ابن جَهير وابنِه عميد الدولة أبي منصور، فمضمون كتاب فخر الدولة: كتابي أطال اللهُ بقاء سيِّدِنا الوزير الأجلّ السيد مؤيد الدين فخر الدولة شرف الوزراء، أدامَ الله رفعتَه وتمكينَه وبسطتَه، وذكر ما جرت به العادة من الدعاء، وقال: بلغنا ما تجدَّد ببغداد من القضايا المتعلِّقة بالدين التي تظهر في أثنائها على الصُّدفَة، واعتقادُ المداهنين يُشعر بأن الضمائر المنطوية على النفاق أبَتْ إلا ما تُكِنُّه، والسرائر المعقودة على الخِلاف والغلِّ لم تصبر على استحفاظ ما تُجِنُّه، حتى ورد إثرَ ذلك عدةٌ من الفقهاء ونفرٌ من العلماء، فأوضحوا ما يجري هناك مما كانت تخفى حقيقتُه وجَليَّتُه، وما ظهرت بذلك صورتُه، ولعمري إن هذه الطائفة -يعني
стр. 9234
الشافعية- إذا قَلَّتْ غواتهم ولم يجدوا فيما دَهمَهم مَنْ ينصرهم ويُظافرهم، ولم يقُم معهم فيما حزَبَهم ويؤازرهم، كان كانوا لم يزالوا مُقدَّمين مميَّزين مُكرَمين فلم يُصبحوا أغراضًا لِسهام النوائب يطعن فيهم كلُّ مخالفٍ ومُجانبٍ، لا يرعى لهم حُرمة، ولا يرقُبُ فيهم إلَّا ولا ذِمَّة، غير اعتقاد المذهب الذي هم به موسومون، ومن علومه يتعلمون، وقد بنينا لهم مدرسةً تفسير مأواهم، ويتَّخذونها في السراء والضراء مثواهم، وإن هؤلاء الذين ينتحلون مذهب أحمد بن حنبل ﵀ -وإن كان هو بريئًا من سوء دَخَلِهم وأفعالهم، منتفيًا من ذميم طرائقهم وأقوالهم، مع كثرةِ عددهم في تلك البقعة واشتداد شوكتهم، واتفاقِ أقاويلهم في الضلال وكلمتِهم- لم يتجاسروا في زمن الأزمة على ما جعلوه الآن بينهم سورةً يتدارسونها، وصَنْعَةً يمارسونها، مِنْ سبِّ الأئمةِ، والوقيعةِ في علماء الأمَّةِ، من غير منعٍ ولا معاقبة، ولا تخوُّفٍ ولا مراقبة، والعجبُ من إقدامهم في تلك البقعة الحرجة على أهل السنة، وإلقائهم إياهم في كلِّ محنة، وعندنا بخراسان وبلاد الترك -مع تباعُدِ أقطارها واتساع أكوارها- لا يُعرف فيها سوى مذهب الإمامين الشافعي وأبي حنيفة، ومَنْ سُمِعَتْ منه كلمةٌ عوراء في سائر كُوَرِها تُخالف المذهبين وتُباينُ اجتماعَ الفريقين نرى دمَه حلالًا، ونُوسِعُهُ ضربًا وإذلالًا، وليس الإغضاءُ عمَّا يبدو منهم من البدع، ويُضاف إليهم من شرٍّ مجتمع، إلا ترفُّقًا أن يجري في جوار الخِلافة المُعَظّمةِ وسُدَّةِ (١) الإمامة المكرمة ما يُخِلُّ بلوازم الهيبة، ويفلُّ جوانب التعظيم والرَّهْبَة (٢)، وأما ما يخصُّني أنا في ذلك البلد فما أجدُ أصلَحَ من حسم القول فيما يتعلق بتلك المدرسة؛ لئلَّا يجري على من يتفيَّأ ظلَّ عنايتي، ويلحَظُ بعين رعايتي ما يجري، وذكر كلامًا طويلًا ممزوجًا بتهديد، وكذا كتاب عميد الدولة.
وحكى أبو الفتح الحلواني -وكان قد حضر هذه القضية- أنَّ الخليفة لمَّا خاف من تشنيع الشافعية عليه عند نظام الملك أمر الوزير أن يُجيل الفكر فيما يحسم به الفتنة، فاستدعى ابنَ جردة، وأمره بإحضار الشريف أبي جعفر وأبي إسحاق الشيرازي وابن القُشيري وأبي سعد الصوفي على وجه التلطُّف، فأحضرهم، فعظَّم الوزيرُ أبا جعفر ابنَ أبي موسى ورفَعَه،
стр. 9235
وقال: إن أمير المؤمنين قد ساءه ما جرى، وهؤلاء يصالحونك على ما تريد، وأمرهم بالدنوِّ من الشريف، فقام أبو إسحاق الشيرازي إليه -وكان يتردَّد إلى مسجده أيام المناظرة بدرب البطيخ- فقال له: أنا الَّذي تعرف، وهذه كتبي في أصول الفقه أقول فيها خلافًا للأشعرية. ثم قبَّل رأسه، فقال له الشريف: قد كان ما تقول، إلَّا أنك لمَّا كنتَ فقيرًا لم يظهر لنا منك ما في نفسك، فلما جاء الأعوانُ والسلطانُ وخواجا بزرك أبديتَ ما كان مخفيًّا. ثم قام أبو سعد الصوفي وقبَّل يدَ الشريف وتلطَّف به، فالتفت الشريف إليه وقال: أيها الشيخ، أمَّا الفقهاء فإذا تكلَّموا في الأصول فلهم في مسائلها مدخل، أمَّا أنت فصاحب لهو وسماع وتغبير، فمن زاحمك على ذلك حتَّى أقمتَ الفتن وسوقَ التعصُّب؟!. وقام ابن القشيري -وكان أقلَّهم احترامًا للشريف لجروانه معه- فقال الشريف: من هذا؟ فقيل: أبو نصر بن القشيري. فقال: لو جاز أن يُشكرَ أحدٌ على بدعته لكان هذا الشاب؟ لأنه بادَهَنا بما في نفسه، لم ينافقنا كما فعل هذان. ثم التفت إلى الوزير، وقال: أيُّ صلحٍ بيننا؟ إنما يكون الصلح بين خصمين على ولايةٍ أو دَين أو قسمةٍ لميراث، أو تنازعٍ في ملك، فأمَّا هؤلاء القوم فيزعمون أننا كفار، ونحن نعتقد أنَّ من لا [يَعتقِدُ ما] (١) نَعتَقِدُهُ فهو كافر، وهذا الإمام مفزَعٌ للمسلمين، وقد كان جدُّه القادر وأبوه القائم أخرجا اعتقادًا للناس، وقُرئ عليهم في دواوينهم، وحمله عنهما الخراسانيون والحجيج إلى أطراف خراسان، ونحن على اعتقادهما. وأنهى الوزير إلى الخليفة ما جرى، فخرج الجواب: عُرِفَ ما أنهيتَه من حضورِ ابن العم - كثَّرَ اللهُ في الأولياء مثلَه - وحضورِ مَنْ حضر من أهل العلم - والحمد لله - على جمع الكلمة، وضمِّ الأُلفة، فليؤذَنْ للجماعة في الانصراف، وليقُلِ الشريفُ أنَّه قد أُذِنَ له موضعٌ قريبٌ من الخدمة ليراجع في كثير من الأمور الدينية، وليتبرَّك بمكانه، فلمَّا سمع الشريف هذا قال: أفعلمتوها؟. فحُمِلَ إلى موضع أُفرِدَ له، فكان الناس (٢) يدخلون عليه مدة، فقيل له: قد كثُرَ استطراق الناس لدار الخلافة، فاقتصِرْ على من يُعين دخوله. فقال: ما لي غرضٌ في دخول أحد عليَّ. فامتنع الناسُ عنه، ثم مرض مرضًا أثَّر في رجليه فانتفختا، فيقال: إن بعض المتفقِّهة من الأعداء ترك له في مداسه سمًّا، وسنذكره إن شاء الله تعالى.
стр. 9236
وخرج ابنُ القشيري إلى الحج، وسكنت الفتنة، وكتب ابنُ أبي الصقر إلى نظام الملك يقول: [من مجزوء الرمل]
يا نظامَ المُلْكِ قد … حُلَّ ببغدادَ النِّظامُ
عَظُمَ الخطبُ ولِلْـ … ــحربِ (١) اتصالٌ ودوامُ
وابنُكَ القاطِنُ فيها … مستهانٌ مُسْتضامُ
وبها أَودى له قَتْـ … ـــلًا غلامٌ وغلامُ
والذي منهم تبقى … سالمًا فيه سهامُ
يا قِوامَ الدِّين لم يَبْـ … ـــقَ ببغداد مقامُ (٢)
فمتى لم تحسمِ الدا … ءَ بكفَّيكَ الحسامُ
ويكفُّ القومَ في بغْـ … ــدادَ فتْكٌ وانتقامُ
فعلى مدرسةٍ فيـ … ـــها ومن فيها السَّلامُ
ولمَّا وقف نظام الملك على الرُّقعة حنق على ابن جَهير، وقد كان النظام يعلم ميل الخليفة إلى الحنابلة وبُغضَه للأشاعرة، ولكنَّه كان يستأثر الأمور، لا يمكنه أن يصرِّح بذلك، وكان في الباطن يُحرِّض ملك شاه على الخليفة الوزير.
وفيها أزال الخليفة المواخير، ونفى المفسدات وكانت مغلة الشحنة، فأعطاه من عنده ألف دينار.
وفي ذي القعدة خرج أبو طالب بن أبي تمام الزينبي إلى مكة لأخذ البيعة للخليفة والسلطان، وخرج معه خطلج أدراز أمير الكوفة، وكان ذلك مخالسةً، وما علم به من أصحابه إلا رجلان أو ثلاثة، فتبعوه، وحجَّ وعاد مع الزينبي، وخلعا على أمير مكة.
وفي ذي القعدة بعث سابق بن محمود بن الزَّوقلية صاحبُ حلب إلى أنطاكية بأحمد شاه والتركمان الذين معه وعدد كثير من بني كلاب وأحداث حلب، فحصروها، فبلغ الخبزُ بها رطلين بدينار، وقرَّروا عليه مئةً وخمسين ألف دينار، وقبضوها وعادوا عنها.
стр. 9237
وفيها تُوفِّي
اسبَهْدُوست بن محمد بن الحسن (١)
أبو منصور، الديلمي، الشاعر، كان يهجو الصحابة ﵃ والناسَ، ثم تاب وحسُنت توبتُه، فقال: [من الكامل]
لاحَ الهُدى فجلا عن الأبصارِ … كالليلِ يجلوهُ ضياءُ نهارِ
ورأَتْ سبيلَ الرُّشدِ عيني بعدما … غطَّى عليها الجهلُ بالأستارِ
لا بدَّ فاعلَمْ للفتى من توبةٍ … قبل الرحيلِ إلى ديارِ بوارِ
يمحو بها ما قَدْ مضى من ذنبهِ … وينالُ عفوَ إلههِ الغفَّارِ
وعلمتُ أنهمُ هُداةٌ قادةٌ … وأئمةٌ مثلُ النجوم دراري
وعدلتُ عما كُنْتُ معتقدًا له … في الصَّحبِ صحبِ نبيِّكَ المختارِ
السيِّدِ الصدِّيقِ والعدلِ الرِّضا … عمرٍ وعثمانٍ شهيدِ الدارِ
وعليٍّ الطُّهرِ المُفضَّلِ بعدَهُمْ … سيفِ الإلهِ وقاتلِ الفُجَّارِ
صحْبُ النبيِّ الغُرُّ بل خلفاؤه … فينا بأمرِ الواحدِ القهَّارِ
رحماءُ بينهُمُ فتلكَ صفاتُهمْ … ورَدَتْ أشِدَّاءٌ على الكفَّارِ
وتَراهُمُ من راكعينَ وسُجَّدٍ … يستغفرونَ اللهَ بالأسحارِ
أيقنتُ حقًّا أنَّ من والاهمُ … سيفوزُ بالحسنى بدارِ قَرارِ
فعَدلْتُ نحوَهمُ مقرًّا بالولا … ومخالفًا للعُصبةِ الأشرارِ
مترجِّيًا عفوَ الإله ومحوَهُ … ما قدَّمتهُ يدي من الأوزارِ
وإذا سألتَ عن اعتقادي قلتُ ما … كانَتْ عليهِ مذاهبُ الأبرارِ
وأقولُ خيرُ الناسِ بعدَ محمدٍ … صِدِّيقُهُ وأنيسُهُ في الغارِ
ثمَّ الثلاثة بعده خيرُ الورى … أكرِمْ بهمْ من سادةٍ أطهارِ
هذا اعتقادي والذي أرجو بهِ … فوزي وعتقي من عذابِ النارِ
وكانت وفاته في ربيع، ودُفن بباب أبرز.
стр. 9238
حمزة [بن علي] (١)
أبو يعلى بن العين زربي، الشاعر، كان فصيحًا فاضلًا أديبًا، لما فتح أتْسِز بن أوق القدس وقتل بها ذاك العالم العظيم كان حمزة بالقدس، فقُتِلَ بالحرم في شوال ﵀، ومن شعره: [من السريع]
يا راكبًا يقطعُ عرضَ الفلا … بَلِّغْ أحبَّائي الَّذي تسمعُ
وقُلْ لهم ما جَفَّ مَدْمَعٌ … ولا هنا لي بعدَكُمْ مضجَعُ
ولا لَقيتُ الطَّيفَ مُذْ غبتُمُ … وإنَّما يلقاهُ مَنْ يهجَعُ
وقال: [من الطويل]
تناسيتُمُ عهدَ الهوى بعدَ تذكارِ … فأجرى حديثي عِندكُم دمعيَ الجاري
وأنكرتمُ بعدَ اعترافِ مودَّتي … فهيَّجتُمُ وجدي وأضرمتُمُ ناري
وهَلْ دامَ في الأيَّامِ وَصْلٌ لهاجِرٍ … ووُدٌّ لِخَوَّانٍ وعهدٌ لِغَدَّارِ
أَما حاكمٌ لي في هواكُمْ يُقيلني … أمَّا آخذٌ لي بعدَ سفكِ دمي ثاري
وإنِّي لصبَّارٌ على ما ينوبني … ولكن على هجرانكُمْ غيرُ صَبَّارِ
طاهر بن أحمد بن بابَشاذ (٢)
أبو الحسن، النَّحْوي، المصري، صاحب المقدمة المشهورة، كان عالمًا فاضلًا، وله تصانيف في النحو، وسمع الحديث ورواه، وقُرئ عليه الأدب بجامع مصر سنين، صعد يومًا إلى سطح جامع مصر فوقع فمات من ساعته في رجب.
السنة السبعون وأربع مئة
فيها في ثالث المُحرَّم قتل السلطانُ جلالُ الدولة ملك شاه أنموه بن أتابك صاحب الجيش، وكان قد عصى عليه.
стр. 9239
وفي يوم الخميس النصف من صفر قدم مؤيد الملك بن أبي بكر نظام الملك إلى بغداد، وخرج إلى لقائه الوزير فخرُ الدولة بن جَهير وولدُه عميد الدولة وجميعُ الخدم والحُجَّاب إلى الحلبة، وجاء إلى بيت النوبة، فخدم وانصرف.
وفي يوم الخميس سابع عشر ربيع الأول تُوفِّي القاضي أبو عبد الله محمد بن محمد بن البيضاوي، الشافعي.
وفي ربيع الأول ظهر في السماء حُمرةٌ مستديرةٌ كنصف دائرة كبيرة، ثم عقبها ريحٌ شديدةٌ ورعدٌ وبرقٌ شديد، ووقعت منه صاعقةٌ في محلة التُّوتةِ غربي بغداد على نخلتين في مسجد فأحرقَتْهما، واشتعل سَعَفُهما وكَرَبُهما ولِيفُهما، وأخذ الصبيان من السَّعَفِ والنار تشتعل فيه وهو يَقِدُ كالشمع وأُطفِئت النار (١).
وفيه جاء خطلج دُزْدار (٢) أمير المؤمنين إلى الديوان يطلب تشريفًا، وكان قد ظلم أهلَ الكوفة وأخذ أموالهم، فقيل له في الجواب: ما تقدَّم منك ما يوجب ذلك، ولا ما يقتضيه. فخرج مُغضَبًا، وعاد إلى الكوفة، واجتاز بنهر الملك، فقبض على نائب الخليفة في ضياعه، وأخذه معه إلى الكوفة، ثم أطلقه، فكتب الوزير إلى نظام الملك بما جرى وما أقدَمَ عليه خطلج من خرق الهيبة، فكتب نظام الملك من ديوان ملك شاه كتابًا إلى خطلج يُوبِّخه ويلومه ويقول: أيها السلار سيف الدولة، وفَّقكَ اللهُ للرشد، إن قوامَ الدين والدنيا ومصالحَ البلاد والعباد وسكونَ الدهماء ونظامَ الأحوال كلَّها معقودٌ بأُبَّهة المواقف الشريفة المقدسة النبوية الإمامية المقتدية، ظاهرَ اللهُ مجدَها، وقمعَ ضِدَّها، التي هي الظِّل الظليلُ في أرضه، ورحمتُه على خلقه، وجميعُ ما يشملنا ويصفو لنا ويصفو علينا، من عوارف الله تعالى ومواهبه ونعمه وعوائده، فمِنْ أيامِها الزاهرة، ودولتِها القاهرة، وبركاتِ توفُّرِنا على عبوديتها، وقيامِنا بمفروضِ طاعتها، وانتسابِنا أين كنَّا وحيث حلَلْنا إلى خدمتها، ومَنْ يبغِ في خلافِ خلافِها، ومدَّ عُنُقَه عن ربقة بياعتها، فلا همَّ لنا إلَّا شدْخَ هامته، وإقامةَ قيامتِه كيف وافى، ومن أين لكَ أن تُلِحَّ على السُّدَّة العزيزة بما لو ورد إلى فَمِكَ لهَتَمه (٣)، ولو حُمِلَ على ظهرك
стр. 9240
لقصَمَه، ثم تُلفي في منصرفك عنها بعضَ المنتمين إليها فتُرجِّله عن دابته وتمدُّ يَدَك إلى أذيته، ولقد عظُمَ علينا استماعُ ما تمادى منك إليه، وما بدا من فعلك المستنكرِ عليه، ولو رأتِ المواقفُ الجلاليةُ تقويمَكَ بأن تجعلك عبرةً لغيرك لأمرتُ به، ولكنَّها أبَتْ عواطفُها الكريمة، ورحمتُها الواسعةُ العميمة إلا إعراضًا عن جريمتك، وإغضاءً عن عقوبتك، ولعِلْمنا بأنَّ المواقف المقدسة الإمامية لا تستجيز عقوبتك، ولا ترى مقاتلتك، فمَرِّغْ خدودَك على تراب الهيبة الشريفة، وتضرَّعْ إلى مكارم تلك المراتب المُنيفة، وتعلَّق بأذيال تلك المكارم الفائضة، واستدِرَّ ظلال الرحمة الواسعة، وذكر كلامًا هذا معناه.
وفيها ورد كتاب أرتق بك من الأحساء باستظهاره على القرامطة وأخْذِ بلادهم وغنيمتِهم، فحضر أرتق بك في الديوان وقرأه، وخرج توقيع الخليفة يشكره، وخلع عليه، وأعطي الفرس بمركب ذهب والمنجوق وثيابًا.
وفي شعبان تُوفيت بنت الوزير نظام الملك زوجة عميد الملك، وجلس الوزيرُ ولدُه في العزاء، ودُفنت بدار الوزير بباب عمورية، ولم تكن العادةُ جاريةً بالدفن فيما يدور عليه السور.
وفي رمضان حُمِلَ إلى مكة منبرٌ كبيرٌ مُذْهَب، تولَّى عمَلَه فخر الدولة بن جَهير في داره، وكُتِبَ عليه اسم الخليفة وألقابُه والآياتُ المتعلقة بالحاج ومكة، فاتَّفق وصولُه إلى مكة وقد أُعيدت الخطبة المصرية، فآل أمرُه إلى أن أُحرِقَ.
وفيها ورد كتاب نظام الملك إلى أبي إسحاق الشيرازي جوابًا عن كتابه المتقدِّم يشكو فيه الحنابلة نسخته: وردَ كتابُكَ أيها الشيخ بشرحٍ أطَلْتَ فيه الخطابَ، وندبتنا إلى استدعاء الجواب، وليس من الواجب أن نتحيَّز في المذهب إلى جهةٍ دون جهة، وليس ذلك مقتضى السياسة والمعدلة في الرعية، ونحن بتأييد السُّنن أولى من تشييد الفتن، ولم يتقدَّم بنيان هذه المدرسة إلا لضيافة العلم والمصلحة، لا للاختلاف وتفريق الكلمة، ومتى جرت الأمورُ على خلاف ما أردناه من هذه الأسباب فليس إلَّا التقدم على بغداد ونواحيها، ونقلهم عما جَرَتْ عليه عادتهم فيها، فإن الغالب هناك هو مذهب الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل رحمة الله عليه، ومحلُّه بين الأئمة وقدرُه
стр. 9241
معلومٌ في السنة، وكان ما انتهى إلينا أن السبب في تجديد ما تجدَّد مسألة سئل عنها أبو نصر بن القشيري من الأصول، فأجاب عنها بخلاف ما عرفوه من معتقداتهم، وألِفوه من عادتهم، فنقموا ذلك عليه، وليس في العادة أن يُجبَر الإنسان على الانتقال من مذهبه، ولا عن الانحراف عن معتقده، ومعلومٌ أنَّ أهل قاشان كانوا على مذهب أبي حنيفة، فلم يكن يلزمهم أصحاب الشافعي الدخول في معتقدهم، وكذا أصحاب الظاهر اعتقدوا مذهب الشافعي، فلم يُلزمهم أصحابُ الرأي الخروجَ عن مذهبهم، وقد منع اللهُ عن ذلك مَنْ تقدَّم، فقال: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] وقد كان أهلُ المذاهب بأصبهان وغيرها من البلاد أكثرَ انتشارًا منه ببغداد، فلم يتقدَّم إليهم في ذلك بما يشقُّ به عليهم، والشيخ أبو إسحاق فرجلٌ سليمُ الصدر، سلسُ الانقياد، يُصغي إلى كلِّ ما يُنقل إليه، ويقع تعويلُه عليه، وعندنا مِنْ تضادُدِ كتُبه ما يدلُّ على ما وصفناه من سهولة مجتذبه، والسلام. وبلغَ الحنابلةَ، فسُرُّوا واطمأنُّوا، وانبسطوا واستطالوا، فلمَّا كان في اليوم الثامن من شوال ومجتمع الناس للبطالة والفرجة خرج من مدرسة النظامية فقيهٌ يُعرَفُ بالإسكندراني - وكان معروفًا بإثارة الفتن - ومعه جماعةٌ من أبناء جنسه إلى سوق الثلاثاء، فتكلم بتكفير الحنابلة، فثاروا عليه وضربوه، ونُهِبَ السوقُ، وقُتِلَ بينهم رجلٌ من الشافعية، وثارت الفتنة، وترامَوا بالنُّشَّاب، وبعث الخليفةُ أصحابَه وخدمَه الخواصَّ، ففرَّقوا بينهم، وحُمِلَ القتيلُ إلى الديوان، وكُتِبَ إلى نظام الملك بشرح الحال، فجاءت منه مكاتبات بضد الأول، وأن يُدخِلَ العميدُ يدَه في بعض إقطاع الخدمة الذين نشِبتْ إليهم الفتنة، ووصل تاج الدولة تُتُش أخو ملك شاه إلى الشام.
وفي يوم السبت التاسع عشر من شوال وُلد للخليفة مولودٌ سمَّاه أحمد، وكنَّاه أبا العباس، وجلس الوزير فخر الدولة في باب الفردوس للهناء، وغُلِّقت بغداد من الجانبين سبعة أيام، وهذا المولود ولي الخلافة وهو المستظهر بالله، ووُلِدَ له في ذي القعدة آخرُ سمَّاه هارون، وتُوفِّي في العشر الثاني من رمضان سنة إحدى وسبعين وأربع ومئة (١).
стр. 9242
وفيها توفِّي
أحمد بن عبد الملك بن علي (١)
أبو (٢) صالح، النيسابوري، المؤذن، ولد سنة ثمان وثمانين وثلاث مئة، وحفظ القرآن وهو ابن تسع سنين، وسمع الحديث الكثير، وصنَّف الأبواب والشيوخ، وكان يؤذِّن ويَعِظ، وكانت وفاتُه بنيسابور في رمضان، وكان قد سأل اللهَ أن لا يُميتَه إلَّا فيه، فاستجاب دعاءَه، وخرج عن ألف شيخ له ألف حديث، كلُّ حديث عن شيخ، وكان شيخ الصوفية في وقته علمًا وعملًا وصدقًا وأمانةً وصلاحًا، وكان حافظًا صدوقًا، أنشد لغيره (٣): [من البسيط]
يا رُبَّ ساعٍ له في سعيهِ أملٌ … يفنى ولم يَقْضِ من تأميلهِ وطَرا
ما ذاقَ طعمَ الغنى من لا قنوعَ لهُ … ولن ترى قانعًا ما عاش مفتقرا
العُرْفُ مَنْ يأتِهِ يحمَدْ مغبَّتَهُ … ما ضاعَ عُرْفٌ ولو أوليتَهُ حَجَرا
عبد الخالق بن عيسى (٤)
ابن أحمد بن محمد بن عيسى بن أحمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن سعيد بن العباس، أبو جعفر بن أبي موسى، الشريف، الهاشمي إمام الحنابلة ومُقدَّمهم في زمانه، وُلدَ سنة إحدى عشرة وأربع مئة، كان إمامًا ورعًا فاضلًا، قوَّالًا بالحق، لا تأخذه في الله لومة لائم، تفقَّه على القاضي أبي يعلى، وكان يشهد، ثم ترك الشهادة قبل وفاته، ولم يزَلْ يُدرِّس بمسجده في سكة الخرقي بباب البصرة وجامع
стр. 9243
المنصور مدةً، ثم انتقل إلى الجانب الشرقي، فكان يُدرِّس بمسجد مقابل دار الخلافة، ودرَّس بجامع الرُّصافة وغيره، ولمَّا غسَّلَ القائمَ أوصى له بأشياء كثيرة، فلم يأخذ منها شيئًا، فلمَّا فرغ من غسله استدعاه المقتدي فبايعه في مكانه منفردًا، وأسكنه المقتدي في داره خوفًا عليه، ولمَّا اشتدَّ مرضُه قال: احملوني إلى باب حجرة الخليفة. فحملوه، فقال: يا أمير المؤمنين، قد قرُبَ الوقتُ، وما أُحِبُّ أن أموت إلَّا بين أهلي. فأذِنَ له، فمضى إلى بيت أخته بالحريم الطاهري، ولم يُخلِّف شيئًا من الدنيا سوى الحبل والدلو الَّذي كان يستقي به الماء، وكتابًا يُطالع فيه، وكانت وفاتُه ليلةَ الخميس النصف من صفر، وصُلِّي عليه يوم الجمعة بجامع المنصور، وكان يومًا مشهودًا، يُقال في جنازته: ترحَّموا على الشهيد المسموم القتيل. فيُقال: إنه سمَّه بعضُ المخالفين في مداسه. ودُفِن إلى جانب الإمام أحمد رحمة الله عليه، وكان الناسُ يبيتون هناك كلَّ ليلة أربعاء، ويبيعون المأكول والفواكه، فيُختَم عنده في تلك المدة عشرةُ آلاف ختمة، ثم جاء الشتاء، فانقطعوا. وكان صدوقًا، ثقة، زاهدًا، عابدًا، وصنَّف التصانيف في مذهب الإمام أحمد ﵀.
عبد الرحمن بن محمد (١)
ابن إسحاق بن محمد بن يحيى بن إبراهيم، أبو القاسم، الأصفهاني، ويعرَفُ بابن مندة، ومندة لقب إبراهيم جدِّه، إمامٌ ابنُ إمام، وُلد سنة ثلاث وثمانين وثلاث مئة، وسمع خلقًا كثيرًا، وكان عظيمَ الشأن، كثيرَ السماع، سافر البلاد، وصنَّف التصانيف، وخرَّج التاريخ، وكان له سمتٌ ووقارٌ، وأتباعٌ فيهم كثرة، وكان متمسكًا بالسنة، معرضًا عن أهل البدع، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، وكانت وفاتُه بأصبهان، وصلَّى عليه أخوه عبد الوهاب، وكان في جنازته خلقٌ لا يُحصَون كثرةً.
стр. 9244
السنة الحادية والسبعون والأربع مئة
فيها في يوم الاثنين عاشر المُحرَّم ورد سعد الدولة الكوهراني من أصفهان، وضرب على بابه بباب الطاق الطبل في أوقات الصلوات الثلاث؛ الفجر والمغرب والعشاء الآخرة، فأُنكر عليه، فقال: معي توقيع السلطان بذلك. وحضر باب الفردوس، وأخرج كتابًا معه من السلطان إلى الخليفة، فقال: لا أجتمع مع الوزير فخر الدولة وقد أُمرتُ بذلك. وظهرَتْ لوائحُ الشكوى من الوزير وكراهيته، وكان في الكتاب رسالةٌ لا يسمعها الوزير، فلم يُجِبْه الخليفةُ، وتردَّد إلى باب الفردوس أيامًا، وجرى منه من سوء الأدب وخرق الهيبة ورفع الحشمة ما لا يُذكر، ثم مضى إلى دار المملكة، وجمعَ القضاةَ والشهود، وقال: اشهدوا أني سألتُ الوصول إلى الخليفة لأؤدِّي رسالةً حمَّلني إيَّاها السلطان فمُنِعتُ، وأُريد خطوطكم بهذا لأعودَ إلى السلطان وأُعرِّفَه، فيزولَ العيبُ عني. فأشاروا عليه بالتوقف والمعاودة، ووقع الخوض في ذلك إلى أن أُجيب إلى الوصول، فجلس الخليفةُ يوم الثلاثاء ثاني صفر والوزير حاضرٌ، فلمَّا حضر سعد الدولة دفع رقعةً كانت معه إلى بعض الخدم، فناولها الخليفة من وراء الشباك الحديد، فقرأها وتقدَّم بإسبال الستارة بينه وبين الجماعة وانصرفوا، وكانت مشتملةً على كراهية الوزير، والمطالبة بصرفه، وأن لا يُنفذ إلى بغداد رسولٌ من خراسان من دار الخلافة، وأن لا يكون فيها غلمان أتراك للخاصِّ ولا للخدم والأتباع، ثم أنفذ الكوهراني أصحابه إلى باب الفردوس للمطالبة بعزل الوزير، فامتنع الخليفة، وقيل في الجواب: إن فخر الدولة ما هو وزيرنا (١) وإنما الوزير ولده، وقد أنفذناه إليكم، ووالده نائبٌ عنه. ثم أنفذ سعدُ الدولة إلى رجلٍ مُعيَّن يُقال له: أبو الحسن بن دُبَّه، وكان يسكن بحريم دار الخلافة، وهو الَّذي تولَّى حريق مشهد موسى بن جعفر ﵄، فقُبِضَ عليه، فثار الناسُ مع ابن دُبَّه، فقال الكوهراني لأصحابه: أحرقوا حريم دار الخلافة وانهبوه، واقتلوا مَنْ فيه. ثم صلب ابن دُبَّه في السماكين قريبًا من الكَرْخ.
стр. 9245
وفي يوم الاثنين النصف من صفر جاء الكوهراني وهو سكران إلى باب الفردوس، وقال: إن سُلِّم الوزيرُ إليَّ وإلَّا دخلتُ وأخذتُه، وإن كلَّمني إنسان قتلتُه. وجاء الليل، وغُلِّقت الأبواب، وأقام على حاله إلى أن مضت قطعةٌ من الليل، ثم وعد بما يريد، وعاد من الغد، وشدَّ خيله على باب الفردوس وبات هناك، وجاء الظهر والعصر والمغرب، فضُربت الطبولُ على باب الفردوس، وخاف الناسُ، ونقلوا أموالهم، فخاف الوزيرُ على الخليفة، فكتب إليه يستعفي، ومضى إلى داره، وبرز توقيع إلى الكوهراني، معناه: لمَّا علم محمد بن محمد بن جَهير ما عليه جلالُ الدولة ونظامُ الملك من المطالبة بصرفه سأل الإذن في ملازمة داره، فأذِنَّا له في ذلك، فقام الكوهراني ومضى.
وأما عميد الدولة فإنه وصل إلى أصفهان في يوم الاثنين عاشر مُحرَّم، فوجد نظام الملك على تغيُّرٍ شديد، فأظلمتِ الحالُ، وكان عميد الدولة جلدًا حاذقًا، فما زال حتَّى أصلح الحال، واستَلَّ ما في نفس نظام الملك، فكتب الكوهراني كتابين أحدهما عن السلطان، والثاني عنه يقول: أُنهي إلينا ما فعلتَ وعبتَ عليه. فأُحضِرَ إلى باب الفردوس، وسلَّم إليه الكتابين، وعوتب فقال: ما فعلتُ إلَّا بعضَ ما أمرتني به، وإنَّني ماضٍ إلى هناك، فإني قد استُدعيتُ، وسأوقَفُ على ذلك بحضرة عميد الدولة. ثم خلع السلطان على عميد الدولة الخِلَع الجميلة، وخرج الحُجَّاب والأمراءُ يمشون بين يديه، وفي جملتهم الكوهراني، وبعث نظامُ الملك لفخر الدولة فرسين بعدَّتهما وعشرين قطعةً ثيابًا؛ إظهارًا لرجوع مودَّته، وكتب معه تواقيع بما يريد الخليفة، ووصل في جمادى الأولى إلى الحلبة، وبلغَ الخليفةَ عنه ما أوحشه، فبعث إليه ورقةً بخطِّه: لكلِّ أجلٍ كتاب، وقد أعدناك إلى والدتك لِما سلفَ من خدمتك، والله يُحدِثُ في كلِّ يوم أمرًا، لا مُعَقِّبَ لِحُكمه، ولا مراجعةَ لك بعد اليوم إلى خدمتنا. فانكفأ مُصاحبًا، فمضى إلى دار ابنه بباب عمورية وكان قد خرج الناسُ لاستقباله فرحين، فعادوا متفرِّقين. ثم رتب الخليفة في الديوان أبا شجاع محمد بن الحسين نائبًا (١).