معلومٌ في السنة، وكان ما انتهى إلينا أن السبب في تجديد ما تجدَّد مسألة سئل عنها أبو نصر بن القشيري من الأصول، فأجاب عنها بخلاف ما عرفوه من معتقداتهم، وألِفوه من عادتهم، فنقموا ذلك عليه، وليس في العادة أن يُجبَر الإنسان على الانتقال من مذهبه، ولا عن الانحراف عن معتقده، ومعلومٌ أنَّ أهل قاشان كانوا على مذهب أبي حنيفة، فلم يكن يلزمهم أصحاب الشافعي الدخول في معتقدهم، وكذا أصحاب الظاهر اعتقدوا مذهب الشافعي، فلم يُلزمهم أصحابُ الرأي الخروجَ عن مذهبهم، وقد منع اللهُ عن ذلك مَنْ تقدَّم، فقال: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] وقد كان أهلُ المذاهب بأصبهان وغيرها من البلاد أكثرَ انتشارًا منه ببغداد، فلم يتقدَّم إليهم في ذلك بما يشقُّ به عليهم، والشيخ أبو إسحاق فرجلٌ سليمُ الصدر، سلسُ الانقياد، يُصغي إلى كلِّ ما يُنقل إليه، ويقع تعويلُه عليه، وعندنا مِنْ تضادُدِ كتُبه ما يدلُّ على ما وصفناه من سهولة مجتذبه، والسلام. وبلغَ الحنابلةَ، فسُرُّوا واطمأنُّوا، وانبسطوا واستطالوا، فلمَّا كان في اليوم الثامن من شوال ومجتمع الناس للبطالة والفرجة خرج من مدرسة النظامية فقيهٌ يُعرَفُ بالإسكندراني - وكان معروفًا بإثارة الفتن - ومعه جماعةٌ من أبناء جنسه إلى سوق الثلاثاء، فتكلم بتكفير الحنابلة، فثاروا عليه وضربوه، ونُهِبَ السوقُ، وقُتِلَ بينهم رجلٌ من الشافعية، وثارت الفتنة، وترامَوا بالنُّشَّاب، وبعث الخليفةُ أصحابَه وخدمَه الخواصَّ، ففرَّقوا بينهم، وحُمِلَ القتيلُ إلى الديوان، وكُتِبَ إلى نظام الملك بشرح الحال، فجاءت منه مكاتبات بضد الأول، وأن يُدخِلَ العميدُ يدَه في بعض إقطاع الخدمة الذين نشِبتْ إليهم الفتنة، ووصل تاج الدولة تُتُش أخو ملك شاه إلى الشام.
وفي يوم السبت التاسع عشر من شوال وُلد للخليفة مولودٌ سمَّاه أحمد، وكنَّاه أبا العباس، وجلس الوزير فخر الدولة في باب الفردوس للهناء، وغُلِّقت بغداد من الجانبين سبعة أيام، وهذا المولود ولي الخلافة وهو المستظهر بالله، ووُلِدَ له في ذي القعدة آخرُ سمَّاه هارون، وتُوفِّي في العشر الثاني من رمضان سنة إحدى وسبعين وأربع ومئة (١).
стр. 9242
وفيها توفِّي
أحمد بن عبد الملك بن علي (١)
أبو (٢) صالح، النيسابوري، المؤذن، ولد سنة ثمان وثمانين وثلاث مئة، وحفظ القرآن وهو ابن تسع سنين، وسمع الحديث الكثير، وصنَّف الأبواب والشيوخ، وكان يؤذِّن ويَعِظ، وكانت وفاتُه بنيسابور في رمضان، وكان قد سأل اللهَ أن لا يُميتَه إلَّا فيه، فاستجاب دعاءَه، وخرج عن ألف شيخ له ألف حديث، كلُّ حديث عن شيخ، وكان شيخ الصوفية في وقته علمًا وعملًا وصدقًا وأمانةً وصلاحًا، وكان حافظًا صدوقًا، أنشد لغيره (٣): [من البسيط]
يا رُبَّ ساعٍ له في سعيهِ أملٌ … يفنى ولم يَقْضِ من تأميلهِ وطَرا
ما ذاقَ طعمَ الغنى من لا قنوعَ لهُ … ولن ترى قانعًا ما عاش مفتقرا
العُرْفُ مَنْ يأتِهِ يحمَدْ مغبَّتَهُ … ما ضاعَ عُرْفٌ ولو أوليتَهُ حَجَرا
عبد الخالق بن عيسى (٤)
ابن أحمد بن محمد بن عيسى بن أحمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن سعيد بن العباس، أبو جعفر بن أبي موسى، الشريف، الهاشمي إمام الحنابلة ومُقدَّمهم في زمانه، وُلدَ سنة إحدى عشرة وأربع مئة، كان إمامًا ورعًا فاضلًا، قوَّالًا بالحق، لا تأخذه في الله لومة لائم، تفقَّه على القاضي أبي يعلى، وكان يشهد، ثم ترك الشهادة قبل وفاته، ولم يزَلْ يُدرِّس بمسجده في سكة الخرقي بباب البصرة وجامع
стр. 9243
المنصور مدةً، ثم انتقل إلى الجانب الشرقي، فكان يُدرِّس بمسجد مقابل دار الخلافة، ودرَّس بجامع الرُّصافة وغيره، ولمَّا غسَّلَ القائمَ أوصى له بأشياء كثيرة، فلم يأخذ منها شيئًا، فلمَّا فرغ من غسله استدعاه المقتدي فبايعه في مكانه منفردًا، وأسكنه المقتدي في داره خوفًا عليه، ولمَّا اشتدَّ مرضُه قال: احملوني إلى باب حجرة الخليفة. فحملوه، فقال: يا أمير المؤمنين، قد قرُبَ الوقتُ، وما أُحِبُّ أن أموت إلَّا بين أهلي. فأذِنَ له، فمضى إلى بيت أخته بالحريم الطاهري، ولم يُخلِّف شيئًا من الدنيا سوى الحبل والدلو الَّذي كان يستقي به الماء، وكتابًا يُطالع فيه، وكانت وفاتُه ليلةَ الخميس النصف من صفر، وصُلِّي عليه يوم الجمعة بجامع المنصور، وكان يومًا مشهودًا، يُقال في جنازته: ترحَّموا على الشهيد المسموم القتيل. فيُقال: إنه سمَّه بعضُ المخالفين في مداسه. ودُفِن إلى جانب الإمام أحمد رحمة الله عليه، وكان الناسُ يبيتون هناك كلَّ ليلة أربعاء، ويبيعون المأكول والفواكه، فيُختَم عنده في تلك المدة عشرةُ آلاف ختمة، ثم جاء الشتاء، فانقطعوا. وكان صدوقًا، ثقة، زاهدًا، عابدًا، وصنَّف التصانيف في مذهب الإمام أحمد ﵀.
عبد الرحمن بن محمد (١)
ابن إسحاق بن محمد بن يحيى بن إبراهيم، أبو القاسم، الأصفهاني، ويعرَفُ بابن مندة، ومندة لقب إبراهيم جدِّه، إمامٌ ابنُ إمام، وُلد سنة ثلاث وثمانين وثلاث مئة، وسمع خلقًا كثيرًا، وكان عظيمَ الشأن، كثيرَ السماع، سافر البلاد، وصنَّف التصانيف، وخرَّج التاريخ، وكان له سمتٌ ووقارٌ، وأتباعٌ فيهم كثرة، وكان متمسكًا بالسنة، معرضًا عن أهل البدع، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، وكانت وفاتُه بأصبهان، وصلَّى عليه أخوه عبد الوهاب، وكان في جنازته خلقٌ لا يُحصَون كثرةً.
стр. 9244
السنة الحادية والسبعون والأربع مئة
فيها في يوم الاثنين عاشر المُحرَّم ورد سعد الدولة الكوهراني من أصفهان، وضرب على بابه بباب الطاق الطبل في أوقات الصلوات الثلاث؛ الفجر والمغرب والعشاء الآخرة، فأُنكر عليه، فقال: معي توقيع السلطان بذلك. وحضر باب الفردوس، وأخرج كتابًا معه من السلطان إلى الخليفة، فقال: لا أجتمع مع الوزير فخر الدولة وقد أُمرتُ بذلك. وظهرَتْ لوائحُ الشكوى من الوزير وكراهيته، وكان في الكتاب رسالةٌ لا يسمعها الوزير، فلم يُجِبْه الخليفةُ، وتردَّد إلى باب الفردوس أيامًا، وجرى منه من سوء الأدب وخرق الهيبة ورفع الحشمة ما لا يُذكر، ثم مضى إلى دار المملكة، وجمعَ القضاةَ والشهود، وقال: اشهدوا أني سألتُ الوصول إلى الخليفة لأؤدِّي رسالةً حمَّلني إيَّاها السلطان فمُنِعتُ، وأُريد خطوطكم بهذا لأعودَ إلى السلطان وأُعرِّفَه، فيزولَ العيبُ عني. فأشاروا عليه بالتوقف والمعاودة، ووقع الخوض في ذلك إلى أن أُجيب إلى الوصول، فجلس الخليفةُ يوم الثلاثاء ثاني صفر والوزير حاضرٌ، فلمَّا حضر سعد الدولة دفع رقعةً كانت معه إلى بعض الخدم، فناولها الخليفة من وراء الشباك الحديد، فقرأها وتقدَّم بإسبال الستارة بينه وبين الجماعة وانصرفوا، وكانت مشتملةً على كراهية الوزير، والمطالبة بصرفه، وأن لا يُنفذ إلى بغداد رسولٌ من خراسان من دار الخلافة، وأن لا يكون فيها غلمان أتراك للخاصِّ ولا للخدم والأتباع، ثم أنفذ الكوهراني أصحابه إلى باب الفردوس للمطالبة بعزل الوزير، فامتنع الخليفة، وقيل في الجواب: إن فخر الدولة ما هو وزيرنا (١) وإنما الوزير ولده، وقد أنفذناه إليكم، ووالده نائبٌ عنه. ثم أنفذ سعدُ الدولة إلى رجلٍ مُعيَّن يُقال له: أبو الحسن بن دُبَّه، وكان يسكن بحريم دار الخلافة، وهو الَّذي تولَّى حريق مشهد موسى بن جعفر ﵄، فقُبِضَ عليه، فثار الناسُ مع ابن دُبَّه، فقال الكوهراني لأصحابه: أحرقوا حريم دار الخلافة وانهبوه، واقتلوا مَنْ فيه. ثم صلب ابن دُبَّه في السماكين قريبًا من الكَرْخ.
стр. 9245
وفي يوم الاثنين النصف من صفر جاء الكوهراني وهو سكران إلى باب الفردوس، وقال: إن سُلِّم الوزيرُ إليَّ وإلَّا دخلتُ وأخذتُه، وإن كلَّمني إنسان قتلتُه. وجاء الليل، وغُلِّقت الأبواب، وأقام على حاله إلى أن مضت قطعةٌ من الليل، ثم وعد بما يريد، وعاد من الغد، وشدَّ خيله على باب الفردوس وبات هناك، وجاء الظهر والعصر والمغرب، فضُربت الطبولُ على باب الفردوس، وخاف الناسُ، ونقلوا أموالهم، فخاف الوزيرُ على الخليفة، فكتب إليه يستعفي، ومضى إلى داره، وبرز توقيع إلى الكوهراني، معناه: لمَّا علم محمد بن محمد بن جَهير ما عليه جلالُ الدولة ونظامُ الملك من المطالبة بصرفه سأل الإذن في ملازمة داره، فأذِنَّا له في ذلك، فقام الكوهراني ومضى.
وأما عميد الدولة فإنه وصل إلى أصفهان في يوم الاثنين عاشر مُحرَّم، فوجد نظام الملك على تغيُّرٍ شديد، فأظلمتِ الحالُ، وكان عميد الدولة جلدًا حاذقًا، فما زال حتَّى أصلح الحال، واستَلَّ ما في نفس نظام الملك، فكتب الكوهراني كتابين أحدهما عن السلطان، والثاني عنه يقول: أُنهي إلينا ما فعلتَ وعبتَ عليه. فأُحضِرَ إلى باب الفردوس، وسلَّم إليه الكتابين، وعوتب فقال: ما فعلتُ إلَّا بعضَ ما أمرتني به، وإنَّني ماضٍ إلى هناك، فإني قد استُدعيتُ، وسأوقَفُ على ذلك بحضرة عميد الدولة. ثم خلع السلطان على عميد الدولة الخِلَع الجميلة، وخرج الحُجَّاب والأمراءُ يمشون بين يديه، وفي جملتهم الكوهراني، وبعث نظامُ الملك لفخر الدولة فرسين بعدَّتهما وعشرين قطعةً ثيابًا؛ إظهارًا لرجوع مودَّته، وكتب معه تواقيع بما يريد الخليفة، ووصل في جمادى الأولى إلى الحلبة، وبلغَ الخليفةَ عنه ما أوحشه، فبعث إليه ورقةً بخطِّه: لكلِّ أجلٍ كتاب، وقد أعدناك إلى والدتك لِما سلفَ من خدمتك، والله يُحدِثُ في كلِّ يوم أمرًا، لا مُعَقِّبَ لِحُكمه، ولا مراجعةَ لك بعد اليوم إلى خدمتنا. فانكفأ مُصاحبًا، فمضى إلى دار ابنه بباب عمورية وكان قد خرج الناسُ لاستقباله فرحين، فعادوا متفرِّقين. ثم رتب الخليفة في الديوان أبا شجاع محمد بن الحسين نائبًا (١).
стр. 9246
وفي هذا الشهر عاد تُتُش أخو ملك شاه من حصار حلب، وعبر الفرات، ونزل بالبارعية، وكان من العقلاء الساسة، وكان مقيمًا ببلاد حِيرة وبَرْذَعة، فلمَّا جرى على أتْسِز بن أوفى الخُوارَزمي بمصر ما جرى كتب ملك شاه إلى تُتُش بالمسير إلى الشام، فسار على تؤدة، فلمَّا انتهى إلى ديار بكر بلغه أن أتْسِز لم يهلك، وأنه قد أخرب الشام وقتل أهله لعصيانهم عليه، فكتب إلى السلطان بخبره، وطلب منه عسكرًا، فإنه كان في قلَّةٍ من العساكر، وعرف أتْسِز، فبعث إلى السطان هدايا ومالًا وقال: ما فعلتُ فعلًا يقتضي إنفاذَ الأمير تُتُش نحوي، فإنني العبد الطائع، وأنا نائب في هذه البلاد عن السلطان، ما آخذُ منها غير ما أصرفه في مؤنتي والجند الذين معي، وأنا أحمل في كل سنة إلى الخزانة ثلاثين ألف دينار. فكتب السلطان إلى تُتُش أن لا يتعرَّض إلى الشام الأعلى، ويقصد ناحية حلب، وبعث إليه الأمير الأفشين وصُرَّق الحاجب بمن معهما من التركمان، وكان الحاجب أيتكين قد انضمَّ إليه إلى تُتُش من ديار بكر، ثم عبروا الفرات، وبدؤوا بمنبج، فحصروها وأخذوها، وأقاموا عليها شهورًا، وكان صاحبها سابق بن محمود، وجاءهم مسلم بن قريش نجدةً، واستدعى السلطان الحاجب أيتكين إليه بسؤال مسلم؛ لأنه كان عدوَّه، وتحالفت بنو كلاب على قتال الغُزِّ ودفعِهم عن البلاد، وكان مع مسلم غِلالٌ كثيرةٌ له ولأصحابه، وكان بحلب غلاء شديد، فباعهم، فعاتبه تُتُش وقال: أنتَ أتيتَ في مساعدتي عليهم أو في نفوسهم؟ ارجعْ إلى أعمالك، ما لي إليك حاجة. فعاد إلى سنجار، ولقي عليها بهاء الدولة من أمراء التركمان نجدةً لتُتُش، فخوَّفه المسيرَ من بني كلاب، فلم يلتفِتْ، وقطع الفرات، ونزل وادي بزاعة، فقصدته بنو كلاب وجماعةٌ من بني عقيل، فأوقعوا به، ونهبوه، وقتلوا معظم أصحابه، وبلغ تُتُش، فخرج من حلب يريد بني كلاب، وترك أثقاله على حلب، فخرج أهلُها، وقتلوا جماعة من أصحابه، وانصرف التركمان عنه، وعبروا الفرات، وجاء إلى بزاعة، فعبر الفرات يريد أعمال مسلم؛ لأنه اتَّهمه، فوجده قد جمع واستعدَّ، فسار إلى ديار بكر، فاجتاح أعمال نصر بن مروان، وأقام بها يُخرِّبها وينهبها، وينفق الأموال في العساكر، وكتب تُتُش إلى ملك شاه يعرِّفه الأحوال، ويطلب نجدته.
стр. 9247
وفي شوال ورد خطلج أدراز من باب السلطان، مضى إليه وطلب مالًا ينفقه في طريق الحج، فلم يُعْطِه شيئًا، فعاد وقد اجتمع ببغداد جماعةٌ ليمضوا في صحبته، فامتنع مَنْ لم يكن معه ما يبلغه، ونَجَمَ (١) من أعطى أجرة الجمال ومال الخفارة، وأخذوا من الخُفراء الرهائن، وأعطاهم من الحاجِّ ما قرَّره لهم، وسار معهم كالمودِّع، ونَجَمَ وعاد سالمًا إلى الكوفة مستهلَّ ربيع الأول سنة اثنتين وسبعين، وكانت العرب قد ذلَّتْ له وأطاعتْه لشهامته، ونفى بني خفاجة عن البلاد، ووحَّد الخطبة بمكة لصاحب مصر، وكان القحط شديدًا وليس لهم مؤونة إلَّا من مصر، فاجتمع بابن أبي هاشم، وكان مائلًا إلى بني العباس وأهله آل أبي طالب، فاعتذر إليه وأنه لم يقدِرْ على المنع مع انقطاع ما كان يحمل إليه من المال كلَّ سنة، وإدرار المال والغِلال من مصر، فقال خطلج: المال يأتيك عن قريب. ووحَّد الخطبة بالمدينة لصاحب مصر، وكان خطلج قد أساء عُشرة الحاجِّ وعاقهم، وأخذ من كلِّ حملٍ عن الخفارة تسعين دينارًا، ومن كلِّ راجل خمسةَ دنانير، ومن كلِّ واحد عن زيارة قبر رسول الله ﷺ ستة دنانير.
وفي ذي القعدة وقع الرضا عن عميد الدولة ابنِ جَهير وعودِه إلى الخدمة، وسببه كتاب نظام الملك إلى الخليفة يشير بردِّه، وأنَّ أحدًا لا يقوم مقامه، وإنني ما رضيتُ عنه، وزوَّجتُه بولدي، ورميتُ كلَّ عداوة كانت من جهتي، وصافيتُه، إلَّا لقُربه من الخدمة، وكان نظامُ الملك دائمًا يثني على عميد الدولة؛ يقول: ما أحسِدُ أحدًا إلَّا فخر الدولة على ولده. ويصفه بالعقل والحلم، وانقطع أبو شجاع عن الديوان، ورتَّب على باب الحجرة مجلسًا كلَّ يوم ينهي الأمورَ إلى الخليفة، ويخرج إليه الأجوبة، ثم أذن للوزير فخر الدولة فَتْحَ بابهِ، ففتح، ودخل الناس عليه للتهنئة، حتَّى النساء، ثم استدعى الخليفةُ ولدَه فشافهه بما طيَّب به نفسَه، وكتب له توقيعًا منه: إنَّ أمير المؤمنين يرى من أخبار رسوم مواهبه وآلائه، وأحلى مذاق النعمة عند المتمسكين بشروط مسابغته، وولاية واختصاص مَنْ أحسن الطاعة في إثر يومه وأمسه، وتخشَّن على أعداء الدولة وَقْعَ مسِّه ولمسه، ولمَّا عدوتَ يا عميد الدولة منفردًا في الكمال بما عُلِمَ كونُكَ ممَّن لا يُجارى فيه، ولا يُبارى في إحراز وافيه، وأنك قد حُزْت هذه المرتبة، فُقْتَ
стр. 9248
السبق، وقُمتَ فيها بالحق، أعاد أمير المؤمنين من وزارتك ما كان قد تجاوز في الإعراض حدَّه، مما لا يستطيع الجاحدُ جحدَه، وذكر كلامًا آخر.
وفيها مات أبو الفضل بن التركماني، صاحب سعد الدولة الكوهراني، وكان شِرِّيرًا، إلا أنَّه انحدر إلى واسط مع سعد الدولة، وكان ابنُ فضلان اليهودي ضامنُ ضياع الخليفة قد فعل بالمسلمين كلَّ قبيح، وصادرهم، ومدَّ يده إلى حريمهم، وكان إذا كتب فيه إلى الخليفة لا يُؤخذ لأحدٍ بيد، فقتله ابنُ التركماني بواسط، وأخذ منه عشرة آلاف دينار، وعزَّ ذلك على الخليفة، وكتب إلى نظام الملك بسببه، ولمَّا مات ابنُ التركماني رآه إنسان في المنام، فقال: ما فعلَ اللهُ بك؟ فقال: غفرَ لي. قيل: بماذا؟ قال: بما أزَلْتُ عن المسلمين بقتل ابن فضلان اليهودي من النصرة، وعن الخلافة من المعرة، وابنُ التركماني هو الَّذي قتل ابنَ دُبَّة النوبي الَّذي أحرق المشهد، وصلبه بالسماكين.
وقال أبو يعلى بن القلانسي: وفي سنة إحدى وسبعين خرج من مصر عسكر كبير مع نصير الدولة الجيوشي، ونزل على دمشق محاصرًا لها، واستولى على أعمالها وعلى فلسطين، فاضطرَّ أتْسِز إلى مراسلة تُتُش بعده بتسليم دمشق ويكون في الخدمة بين يديه، فتوجَّه نحوه، وبلغ نصير الدولة قُربَه، فرحل إلى الساحل، وكان ثغر صور وطرابلس في يدي قاضيهما قد تغلَّبا عليهما، ولا طاعة عليهما لأمير الجيوش، بل يصانعان الملوك بالهدايا، ووصل تُتُش إلى مرج عدرا، فخرج إليه أتْسِز بعد أن استخلفه، وسلَّم إليه دمشق، فدخلها، ولاحَتْ له من أتْسِز أماراتٌ استوحش منها، فقبض عليه واعتقله، وقتل أخاه أولًا، ثم خنقه بوتر قوسه غدرًا منه في ربيع الأول، واستقام الشام لتُتُش، ثم مضى إلى حلب فنازلها، وأقام عليها أيامًا، ثم رحل عنها، وقطع الفرات مشرقًا، ثم عاد إلى حلب في ذي الحجة، وملك حصن بزاعة والبيرة، وأحرق ربض أعزاز، ورحل عنها عائدا إلى دمشق. وغيرُ ابنِ القلانسي يقول: كان ذلك في السنة الآتية، وسنذكره إن شاء الله تعالى.
стр. 9249
وفيها تُوفِّي
إبراهيم بن علي بن الحسين (١)
أبو إسحاق، شيخ الصوفية بالشام، ولد سنة أربع وتسعين وثلاث مئة، وسمع الحديث الكثير، وكان صاحب رياضات ومجاهدات، وأقام بصور أربعين سنة، وبها مات، وكان صدوقًا ثقة.
الحسن بن أحمد بن عبد الله (٢)
أبو علي، ابن البنَّاء، الحنبلي، ولد سنة سبع وتسعين وثلاث مئة، وتفقَّه على ابن الفرَّاء، وصنَّف في كلِّ فن، وكان يقول: صنَّفتُ خمس مئة مصنف، وسمع الكثير، وكان له حلقة بجامع القصر مقابلة مقصورة الخطيب يفتي فيها ويُقرئ الحديث، وتوفي ليلة السبت خامس شهر رجب، وصلَّى عليه أبو محمد التميمي، ودُفن بمقبرة باب حرب، واتَّفقوا على فضله وصدقه وزهده وورعه، وتكلَّم فيه ابنُ السمعاني ولا يُسمع منه.
الحسين بن عَقيل (٣)
ابن محمد بن (٤) علي بن ريش، الدِّمشقي، تُوفِّي في جمادى الآخرة، ودُفن بباب الصغير، وكان ثقةً، ومن شعره: [من الطويل]
ولمَّا حدا البَينُ المُشتِّتُ شملَنا … ولم يَبْقَ إلَّا أن تُنائي (٥) الأيانقُ
ولم نستطِعْ عند الوداعِ تصبُّرًا … وقد غالنا وَجْدٌ عن الدمعِ ناطقُ
وقفنا [لتوديعٍ] (٦) فكادَتْ نفوسُنا … لأجسادِنا قبلَ الفراقِ تُفارِقُ
فباكٍ لما يلقاهُ من فقدِ إلْفهِ … وشاكٍ لهُ قلبٌ بهِ الوجْدُ ناطقُ
стр. 9250
سعد بن علي (١)
ابن محمد بن علي بن الحسين، أبو القاسم، الزَّنجاني، الحافظ، الصوفي، ولد سنة ثمانين وثلاث مئة، وطاف البلاد، وانقطع في آخر عمره بمكة، وصار شيخ الحرم، ولمَّا عزم على الإقامة بمكة والمجاورة بالحرم عزم على نفسه نيِّفًا وعشرين عزيمة من المجاهدات والعبادات، ففعل الجميع، ومات بعد ذلك بأربعين سنة، ولم يُخِلَّ منها بعزيمة واحدة.
وقال أبو المظفر بن السمعاني جدُّ صاحب "الذيل": كُنْتُ على عزم المجاورة بمكة، فرأيتُ والدتي في المنام وكانت بخراسان، وقد كشفتْ رأسها وهي تقول: باللهِ عليك ولدي، لا تُجاوز، ارجِعْ إليَّ فلا صبرَ لي على فراقك. فانتبهتُ مغمومًا، وتردَّدتُ بين المقام والرجوع إليها، فقلت: لابُدَّ أن أشاور أبا القاسم الزَّنجاني، فأتيتُه وعنده خلقٌ عظيم، وكان إذا خرج من بيته ترك الناسُ الطوافَ بالبيت، وقبَّلوا يديه أكثر مما يُقبِّلون الحجر الأسود، فتقدَّمتُ إليه وقد قام ليدخل بيته، فمشيتُ إلى جانبه ولم أُكلِّمْه، فالتفتَ إليَّ وقال: يا أبا المظفر، العجوزُ تنتظرك. ولم يَقُلْ غيرَ هذا. فخرجتُ مع الحاجِّ إلى مرو، واجتمعتُ بوالدتي، ولمَّا مات بمكة أميرُها محمد بن أبي هاشم ما كان في الحرم من يُستحى منه غير هذا الشيخ. وكان إمامًا، حافظًا، ورعًا، زاهدًا، عابدًا، مفتيًا، وكان ينشد لغيره (٢): [من الخفيف]
ما تطعَّمتُ لذَّةَ العيشِ حتَّى … صِرْتُ للبيتِ والكتابِ جليسا
ليس عندي شيءٌ أعزَّ من العلْـ … ـــــمِ فلا أبتغي سواه أنيسا
إنَّما الذُّلُّ في مخالطة النَّاسِ … فدَعْهُمْ تعِشْ عزيزًا رئيسا
стр. 9251
[وفيها توفِّي]
محمد بن علي (١)
أبو عبد الله بن المهتدي، الهاشمي، ويُعرف بابن الحَنْدَقوقي، سمع الحديث، وكان يسكن بباب البصرة، ومات في ذي الحجة، ودُفِنَ في داره، وكان صحيحَ السماع ثقةً.
السنة الثانية والسبعون والأربع مئة
فيها وقف العميد أبو نصر القريةَ المعروفةَ بالمالكية من طريق خراسان على مشهد موسى بن جعفر ﵈، وكان مُحبًّا للعلويين، يقضي حوائجهم، وزوَّجَ عددًا منهم، وخَتَنَهم (٢)، وخرج في ثالث مُحرَّم إلى أصفهان، وبعد خرجه تُوفِّيت والدة فخر الدولة ابنِ جَهير بباب العامة، وحُمِلت إلى تربة الرُّصافة، فدُفِنت بها ليلًا، وتبعها الخدم والحواشي.
قال محمد بن الصابئ: في ربيع الآخر وصل الأمير تاج الدولة تُتُش إلى دمشق وملكها.
ذكر القصة: كان بدر الجمالي قد سيَّر من مصر إلى دمشق الجيوش من العرب والغُزِّ والأكراد والصنهاجة والبربر والسودان وبني خفاجة، والأمير عليهم غلامٌ له متقدِّمٌ عنده، والأمر مردودٌ إلى أبي الفرج المصري، فساروا إلى دمشق، وحصروا أتْسِز، فأرسل إلى تُتُش وهو يحاصر حلب يستنجده، فرحل والأفشين معه، وبلغ العسكر المصري، فتأخَّر إلى الرملة، ووصل تُتُش إلى دمشق، وخرج إليه أتْسِز فقبض عليه وقتله، واستولى على البلد، فاستوحش الأفشين منه، فعاد هاربًا، فنهب المعرة وكفر طاب ورفنية، وذهب إلى أنطاكية فأخرب وقتل ونهب، وصانعه أهلُها على ثلاثين ألف دينار، وجرت فيها قصص، ولم يعطوه شيئًا، وراسلوا تُتُش وضمنوا له مالًا، وكان في قلبه منه، فسار يطلبه، فهرب إلى ديار بكر، وعاد تُتُش إلى دمشق، وأظهر العدل،
стр. 9252
فعُمِّرت، وزُرعت البلاد، وأمنت السُّبل، ودرَّت القوافل، وبعث إلى القدس فحاصره وبه أصحاب أتْسز، وكان قريبٌ له في برج داود، ومعه قطعة من أمواله، وكان بين قتل أتْسِز وما فعله بالقدس مدة يسيرة.
وفي رجب وصل السلطان ملك شاه إلى الأهواز متصيدًا، وقبض على ابنِ عَلَّان اليهودي ضامنِ البصرة وقتلَه، وأخذ منه أربع مئة ألف دينار، وكان منتميًا إلى نظام الملك، وكان بين يدي نظام الملك وسعد الدولة الكوهراني وخُمارتكِين الشرابي عداوةٌ، فتوصَّلا في هلاك ابن عَلَّان، وكان ابن عَلَّان قد استولى على البصرة، وماتت زوجتُه، فمشى في جنازتها كلُّ مَنْ فيها إلَّا القاضي، وكانت أسامي الأماكن التي فيها أمواله معه مكتوبة، فلمَّا أمر ملك شاه بتغريقه غرقَتْ معه، ومع هذا فوجدوا له أموالًا عظيمةً، وكان نظام الملك باصبهان، فغضب وأغلق بابه ثلاثة أيام، فقيل له: المصلحة الرجوع. فرجع، ولمَّا عاد السلطان إلى أصبهان دعاه نظام الملك إلى دعوة خسر فيها جملة، ثم عاتبه عتابًا كان من جوابه ما طيَّبَ به نفسه وإن لم يَرْضَ.
وفي ذي القعدة ورد خطلج أدراز من أصبهان، واجتمع إليه الحاجُّ، وخرج بهم على القاعدة في أكريتهم وخفارتهم.
وفي ذي الحجة توفِّي نصر بن مروان الكردي صاحب آمِد وميَّافارقين، وجلس ولدُه منصور بن نصر موضِعَه، والناظرُ في أموره ابنُ الأنباري من أهل الرحبة.
وفيه فتح مسلم بن قريش حلب.
ذكر القصة:
لمَّا اشتدَّ بأهلها الحصار والغلاء هَجَّ معظمُهم، وجاءت طائفة منهم إلى الموصل، واجتمعوا بمسلم، وأشاروا عليه بقصدها، وكاتبه الأحداث وبنو كلاب ليدفع عنهم الغُزَّ، فأنفذ ولده من خاتون عمة السلطان ملك شاه إليه، وشرط على نفسه في كلِّ سنة ثلاثَ مئة ألف دينار، وللسلطان، فأجابه، وأمره بقَصْدها، فسار إلى قلعة جَعْبَر وحصرها، وكان بها جَعْبر وأصحابُه يقطعون الطرق، فصالحوه على أنهم لا يعودون إلى شيء من ذلك، وسار إلى حلب، فوصلها ثاني عشر ذي الحجة، ومعه بنو كلاب وكلب ونمير وجميع القبائل، وقد أطاعوه خوفًا من الغُزِّ، وأنفق فيهم الأموال، فكسر
стр. 9253
الأحداثُ الأبوابَ يوم الجمعة لعشرٍ بقين من ذي الحجَّة، ودخل أصحابُه إليها، ولم يتأذَّ أحدٌ من أهلها، ولا أغلق فيها دُكَّانًا، وراسل سابق بن محمود وهو في القلعة، مراسلة، انتهت إلى أن يزوِّجه سابقٌ بابنته ويعوِّضه مالًا على أن يُسلِّم القلعة، فرضي، وحطَّ سابقٌ رَحْلَه وماله إلى البلد، ولم يبقَ إلا أن ينزل، فوثب عليه أخواه ووثَّاب فقبضا عليه، واستوليا على القلعة، فجمع مسلم مُقدَّمي بني كلاب، وقال: قد علمتم أني أنفقتُ أموالي، وبعدتُ عن بلادي في حراسة بلدكم وأموالكم وكفَّ عادية الغُزِّ عنكم، وهذه مقابلةٌ ما أعرفها، فإن كنتم رجعتم فها أنا أرجع إلى بلادي ومسيري منكم. فأنكروا ما جرى، وشرطوا السعيَ فيه، وإزالةَ ما تجدَّد منه.
قال المصنف ﵀: وقفت على تاريخ لدمشق فيه: أن تُتُش لمَّا رحل عن حلب في السنة الماضية وقد ضعُفَ عسكره جاء إلى حماة فاستولى عليها وعلى القلعة التي للمعرة وما يليها، وأطاعه صاحب حمص، فأقرَّه عليها، فلمَّا دخلت هذه السنة بعث بدر الجِمالي بالعساكر مع يُمن الخادم بحصار دمشق، فأرسل أتْسِز إلى تُتُش يقول: أنجِدْني وأكونُ نائبك بدمشق. فجاء تُتُش إلى دمشق، وعاد العسكر المصريُّ إلى مصر، وقبض تُتُش على أتْسِز وخنقه، فكانت أيامُه ثلاثَ سنين وستةَ أشهر وأيامًا، ولمَّا استقامت دمشق لتُتُش حشد ليقصد حلبَ، وعَلِمَ سابقٌ، فراسل مسلمًا يستصرخه وقال: أنت أولى بي من الغير، والعربية تجمعنا، وكتب: فإن كنتُ مأكولًا فكُنْ أنت آكلي. فسار إليه مسلم بخيله ورَجِلهِ، فلم يفتح له الباب، ولم يَفِ له بشيء، وكان وعَدَه أن يُعطيه حماة والمعرة وكفر طاب ويقنع سابق بقصبة حلب، وكان أصحاب مسلم قد أسروا الشريف أحمد بن علي الهاشمي رئيس حلب، فاتَّفق مسلم معه سرًّا وأطلقه، فدخل البلد ومسلمٌ مُخيِّمٌ بظاهره، ففتح له الشريفُ الباب، فدخل، وتحصَّن سابق وإخوته بالقلعة، فحصرهم، ثم تقرَّر الصلحُ على مال وقلاع، وسلَّم إليه القلعة، ونزل منها هو وأهله، وانتهت دولة بني الزَّوقلية، وخطب بها مسلم للخليفة ولملك شاه، وكتب إلى الخليفة، فبعث بعهده إليه وتقليده إياها، وفي ذلك يقول ابن حيُّوس يمدح مسلم بن قريش: [من الكامل]
ما أدركَ الطَّلِباتِ غيرُ مُصمِّمِ … إن أقدمَتْ أعداؤهُ لم يُحْجِمِ
стр. 9254
تركَ الهُوَينا للضعيفِ مَطيَّةً … وسرى إلى العليا بليلٍ مُظْلِمِ
ولقد تحقَّقَتِ العواصمُ أنَّها … إنْ لم تُلِمَّ بقُطْرِها لم تُعصَمِ
حَنَّتْ إليكَ على البِعادِ فشوقُها … شوقُ الرياضِ إلى السَّحابِ المُثْجَمِ
يا رحمةً بُعِثَتْ فاحيَتْ أمةً … قد طال ما مُنِيَتْ بِمَنْ لم يَرْحَمِ
إنَّ الرعايا في جنابِكَ أمَّنتْ … كيدَ الغَشومِ وفتكةَ المُتَغَشرِمِ
ولقد ظَفِرْتَ بما يَعِزُّ مرامُهُ … إلَّا عليكَ فدُمْ عزيزًا واسْلَمِ
كانت تعدُّ من المعاقلِ بُرهةً … وسمَتْ بمُلْكِكَ فَهْيَ بعضُ الأنْجُمِ
مَنْ كُنتَ يا فخرَ الملوكِ ظهيرَهُ … فبناؤهُ في المجدِ لم يتهدَّمِ
والمجد شِنْشِنَةٌ لآل مُسيَّبٍ … ما كلُّ شِنْشِنةٍ تناطُ بأخزَمِ
وفي يوم الاثنين سادس عشر ذي الحجة جرَتْ بمكة فتنة سببها غلام تركي لخطلج أدراز، وجرت بينه وبين أحد السودان من جند مكة مشاجرةٌ في حمام، خرج إليه التركي منها، وثار السودان على خطلج وهو قائم يُصلي عند البيت الشريف، فقتلوا ثمانيةً من أصحابه عند الكعبة، وتلاحقه أصحابُه فاستنقذوه، وقتلوا عشرين أسود، وجاء خطلج إلى الدار التي كان نازلًا بها، وزحف إليه السودان، فقتلوا من أصحابه عشرة، وقتل الغُزُّ من السودان جماعةً، وجاء ابنُ أبي هاشم إلى دار خُطلج، فكفَّ السودان، واعتذر إليه، وبعث إليه خيلًا وثيابًا، وصلحت الحال، وأُقيمت الخطبة في هذه السنة للمقتدي وللسلطان، وكتب ابنُ أبي هاشم كتابًا إلى عميد الملك ابن جَهير بذلك، وعرض فيه بطلب رسومه.
وفيه تُوفِّي
محمد بن محمد بن أحمد (١)
أبو بكر، العُكْبَري، ولد في رجب سنة اثنتين وثمانين وثلاث مئة، وكان فاضلًا، فصيحًا، صدوقًا، تشيَّع، يحكي الحكايات المستحسنة، أنشد: [من الوافر]
стр. 9255
أُطيلُ تفكُّري في أيِّ ناسٍ (١) … مضَوا عنَّا وفيمن خَلَّفونا
همُ الأحياءُ بعد الموتِ ذِكرًا … ونحنُ من الخُمولِ الميِّتونا
لذلك قد تعاطيتُ التجافي … وإن خلائقي كالماء لِينا
ولم أبخَلْ بصُحبتِهمْ لأمر … ولكِنْ هاتِ ناسًا يصحبونا
وكانت وفاته في رمضان ببغداد.
نصر بن مروان (٢)
صاحب ميَّافارقين، ويُلقَّب نظام الدين، قد ذكرنا أنَّ نظام الملك أخرجه إلى السلطان وأحسن إليه، وأنه سمَّ أخاه سعيد بن مروان، ولمَّا مات وُلِّي بعدَه ناصرُ الدولة منصور، ودُفِنَ عند أبيه نصر الدولة، وخلَّف ثلاثةَ أولاد؛ منصور وبَهْرام وأحمد، وكان وزيرَه أبو طاهر بن الأنباري، فدبر الملك، وكان قد تقدَّم عند الأمير طبيب يقال له: أبو سالم، وكان عطارًا بسوق العطارين بميَّافارقين، فتقدَّم عليه، حتَّى أشار عليه بقبض ابن الأنباري، وولى منصور الطبيب، فاستبدَّ بالأمور، وكتب أبو نصر بن محمد بن جَهير إلى ملك شاه يخبر بما في الخزائن والقلاع من الأموال والجواهر، ويقول: أنا خدمتُ فيها مدةً وأعرفها. فجهَّز إليه العساكر، ومضى فحصر ميَّافارقين وآمِد، وقصد منصور باب ملك شاه، وبعث ملك شاه إلى أُرْتُق بك، فساعد ابنَ جَهير، وضايقوا ميَّافارقين، وقطعوا أشجارها، وشفع الأمراءُ في منصور، فقال للسلطان: يقنع بميَّافارقين وتكون آمِد وباقي البلاد لنا. وكان أبو سالم الطبيب في ميَّافارقين وجماعةِ الأمراء، وبلغه، فكتب إلى منصور، ويقول: لا تنزل عن ملكك، فلو أقاموا عشر سنين ما قدروا علينا. فرجع عن ذلك الرأي، وطالبه السلطانُ بتسليم آمد، فامتنع، وسنذكره إن شاء الله تعالى.
стр. 9256
هيَّاج بن عُبيد (١)
ابن الحسين بن محمد، الحِطِّيني، وحطِّين: قرية غربي طبرية، ويقال: إن قبر شعيب ﵇ بها، وبنْتِه صفورا زوجة موسى ﵇.
سمع هيَّاج الحديث وتفقَّه، وجاور بمكة، وصار فقيهَ الحرم ومفتيَ أهل مكة، وكان زاهدًا، عابدًا، ورعًا، مجتهدًا في العبادة، يصوم يومًا ويفطر يومًا، ويأكل في كلِّ ثلاثة أيام مرة، ويعتمر في كلِّ يوم ثلاث مرات على قدميه، وأقام بالحرم أربعين سنة لم يُحدِثْ فيه، وكان يخرج إلى الحِلِّ فيقضي حاجتَه، وما لبس نعلًا في الحرم قطُّ، وكان يزور النبي ﷺ في كل سنة ماشيًا، ويزور ابنَ عباس ﵁ في الطائف في كلِّ سنة مرة، يأكل أكلةً بالطائف وأخرى بمكة، وما كان يدَّخر شيئًا، ولم يكن له غيرُ ثوب واحد، وفيه يقول الشاعر: [من الوافر]
أقولُ لمكَّةَ ابتهجي وتيهي … على الدنيا بهيَّاج الفقيهِ
إمامٌ طلَّق الدنيا ثلاثًا … فلا طمَعٌ لها من بَعْدُ فيهِ
وكان السبب في وفاته وقوع فتنة بين السنة والشيعة بمكة، فشكا بعضُ الشيعة إلى محمد بن أبي هاشم أميرها، وقال: إن السنة يستطيلون علينا بهياج، فأخذه وضربه ضربًا عظيمًا على كِبَر سنِّه، فبقي أيامًا ومات، وقد نيَّف على ثمانين سنة، ودُفِنَ إلى جانب الفضيل بن عياض رحمة الله عليه.
السنة الثالثة والسبعون والأربع مئة
فيها كان ملك شاه قد قصد كرمان في السنة الماضية لقتال سلطان شاه بن قاروت بك، فلمَّا وصل إليه رأى أن يطيعه، فخرج إلى خدمته مستأمنًا من القلعة، وقبَّلَ الأرض بين يديه، فقام السلطان قائمًا وأجلسه إلى جانبه، وتحالفا، وزوَّجه ابنتَه، وعاد السلطان إلى أصبهان.
стр. 9257
وفي المُحرَّم ورد الخبر بوفاة شمس الملك تكين بن طمغاج خان صاحب سمرقند وما وراء النهر، وكانت وفاته بالقولنج، وأوصى إلى أخيه حسن أيتكين بأولاده وأهله بعد أن أجلسه موضعه، وردَّ حسنٌ سمرقند، فأفاض العدل، واستعمل الجميل، وبلَغَه أنَّ تكش أخا السلطان قد قطع جيحون، وأنه على قصد بخارى، فسار إليه حسن في ثمانية آلاف من التركمان، فالتقيا بجراورد بين بخارى وتِرْمِذ، فهُزِمَ تكش، وغَنِم حسنٌ عسكرَه، وقصده من الحانية عمر طُغرُلتكين، فالتقيا، فهرب حسنٌ وغنم ما في عسكره، ودخل سمرقند وقد اشتمل على النصر في الوقعتين، وورد الخبر أن تاج الدولة تُتُش قبض على مسمار أمير بني كلب، وسببه أنَّ تُتُش خرج يومًا يتصيَّد، فرأى قومًا، فاختفوا منهم، فطلبهم وأخذهم وفتَّشهم، فوجد معهم مكاتبات من مصر إليه ومنه إلى مصر، وورد الخبر بأن حصن الدولة ابن منزو كان مقيمًا ببانياس، فنقل أمواله إلى صور، وانتقل إليها، فقبض عليه ابنُ أبي عقيل المستولي عليها، وأخذ جميع ما نقله إليها.
وفي ربيع الأول فتح أبو بكر بن نظام الملك قلعة تكريت تسلَّمها من حسام بن المهرباط، وضرب الدنانير باسمه، فأنكر عليه الخليفة، فبطل ذلك.
وفيه وصل الحاجُّ وأميرُهم خطلج أدراز وهم له شاكرون.
قال محمد بن الصابئ: وفي يوم الثلاثاء خامس ربيع الآخر فتح مسلم بن قريش قلعة حلب، ونقل الغلَّات من الموصل إليها، وكتب إلى بغداد بالفتح.
وفي جمادى الأولى تُوفِّي العميد أبو منصور الأصفهاني بالبصرة، وأمر أن يُتصدَّق بألفي دينار مما خلَّفه على آل أبي طالب، وكان رئيسًا، نبيلًا فاضلًا، جامعًا للمحاسن ومكارم الأخلاق.
وفي ذي الحجة قُبِضَ ببغداد على ابن الرسولي الخباز وعبد القادر الهاشمي البزاز؛ انتسبوا إلى الفتوة، وكان ابن الرسولي قد صنَّف في الفتوة وفضلها كتابًا، وذكر قوانينها ورسومها، وجعل عبد القادر المتقدِّم على من يدخل في الفتوة، وأن يكونوا تلامذته، وكتب المُقدَّمين مناشر، وأقطعهم أصقاعًا، ولقَّب نفسَه كاتبَ الفتيان، وجعل ذلك طريقًا إلى منفعته ودعوات واجتماعات تعود على مصلحته، وكتب إلى خادم لصاحب مصر بمدينة
стр. 9258
النبي ﷺ يُعرف بخالصة الملك ريحان الإسكندراني، قد ندب نفسه لرياسة الفتيان، والكتب صادرة إليه بذلك من جميع البلدان، وجعلوا اجتماعهم بجامع براثا، وكان مسدودَ البابِ مهجورًا، ففتح ابن الرسولي بابَه، ورتب له قيِّمًا يُنظِّفه، وعرف أصحاب عبد الصمد ذلك، فأنكروه، وعظَّموا ما يكون منه، وقالوا: إن هؤلاء يدعون لصاحب مصر، ويجعلون دار الفتوة عنوانًا لجمع الكلمة على هذا الباطن، فتقدَّم الخليفةُ إلى عميد الدولة بالقبض على ابن الرسولي وعبد القادر، فقبض عليهما، ووجد لابن الرسولي في هذا المعنى كتبًا كثيرةً، وآل (١) الخادمَ المقيمَ بالمدينة، فسأله عميد الدولة عن الموافقين له، فسمَّاهم، فقبض على جماعة منهم، وهرب الباقون، وصودر جماعةٌ بسببهم (٢).
وكان من جملة الكتاب الَّذي وضعه ابن الرسولي: الحمد لله القديم فلا يخلقُه دهر، العظيم فلا يلحقه قهر، العليم فلا يخفى عليه سر ولا جهر، الأول فليس لوجوده ابتداء، الآخر فليس لجوده انتهاء، الظاهر بلا مُعينٍ ينصره، الباطن بلا زمانٍ يحصره، أحمده إذ وفقني لحمده، وأشكره شُكرَ مَنْ بذل غاية جهده، وأشهد أن لا إله إلا الله، إرغامًا لمن كفر ونافق، وإدحاضًا لمن نفر وشاقق، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، أرسله على حين فترة من الرسل، وختم بملَّته (٣) سائر المِلَل، وعصمه من كلِّ زلل، وكان ممن تقدَّمه أشرف وأجلّ، فأيَّده بالرسالة، وعظَّمه بالشرف والجلالة، والحمد لله مُعزِّ الفتيان بالفتوة، وجاعِلها إرثَ الامامة والنبوة، وجعلها لأهلها أنسابًا، وسمَّاهم بها أحبابًا، فهي حلاوةٌ يجدها العارفون، ويقِفُ عندها الراغبون، ويرغب فيها مَنْ عرف معانيها، وتسمو إلى مراتبها نفسُ متعاطيها، وما زالت منذ آدم، ظهرت مع العالم، وقام بحقِّها، فلمَّا انتهت مُدَّته أوصى بها إلى شيث مستحقِّها، ثم انتقلت إلى نوحٍ فصرفها إلى سام، ثم ظهرت في الخليل ﵇، فحاز الفضلَ العميم،
стр. 9259
بما نطقَ به الكتابُ القديم: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]، ثم ظهر لموسى منها ما بطن، ففوَّض إلى هارون منها أوفى السنن، ثم ظهرت في المسيح الأمين، المبشِّرِ بسيد المرسلين. وذكر كلامًا طويلًا، وتقليده الموافقين له على ذلك الأمر، وذكر أساميهم وأنسابهم وما يتعلَّق بهم في مقدار كُرَّاسَين، فأفتى الفقهاء باستئصالهم، وإلزامهم الرجوع عن ضلالهم، وكفِّهم عن الفساد، وإطغاء العباد، فنُهِبت دورُهم، وحلَّ بهم هلاكُهم وثبورُهم، وكان وافقهم على مثل هذا نيِّفٌ ومئةٌ من الأشراف والأعيان، وزعماء البلدان.
وفيها ملك جلال الملك أبو الحسن بن عمار قاضي طرابلس حصن جبلة، وسببه أن الفردوس صاحب أنطاكية وجبلة قبض على قاضي جبلة، فراسله ابنُ عمار فيه، فأفرج عنه، وأنفذه إليه، فسأل فيه أن يردَّه إلى قضاء جبلة، ففعل، وتحدَّث معه ابنُ عمار في تسليم جبلة، فقال: نعم، ومضى ودبر الحيلة إلى أن تمَّت، فأرسل إلى ابن عمار يقول: ابعَثْ أصحابك في البحر في الليلة الفلانية، فبعث إليه ابن عمار بغلام يلقَّب بعين الزمان، في ثلاث مئة رجل من التركمان، كانوا حصلوا في جند طرابلس وجماعة من البحرانية، فجاؤوا في الليلة التي سمَّاها، فاحتال القاضي على الحرس حتَّى ناموا وجماعة من البَحْرانية، وفتح لهم الباب فدخلوا، وأقاموا الخطبة للمقتدي وملك شاه.
قال المصنف ﵀: ورأيتُ في بعض التواريخ أنَّ الخليفة عزل وزيره عميد الدولة في هذه السنة، واستوزر أبا شجاع محمد بن الحسين الرُّوذراوري، وكان صالحًا عفيفًا، إلا أنَّه كان بخيلًا، فهجاه الموصلي فقال: [من الكامل]
ما استبدلوا ابنَ جهيرَ في ديوانِهمْ … بأبي شجاعَ لرفعةٍ وجلالِ
لكن رأَوهُ أشحَّ أهلِ زمانِهِ … فاستوزروه لحفظِ بيتِ المالِ
وما وليَ لبني العباس أعفُّ من أبي شجاع ولا أكثرُ صدقات، وسنذكره إن شاء الله تعالى.
стр. 9260
وفيها تُوفِّي
محمد بن الحسين (١)
ابن عبد الله بن أحمد بن يوسف بن الشّبل (٢)، أبو علي، الشاعر، البغدادي، توفِّي في المُحرَّم، ودُفن بباب حرب، وكان شاعرًا مجودًا، ومن شعره: [من الكامل]
لا تُظهِرنَّ لعاذلٍ أو عاذِرِ … حَاليكَ في السرَّاءِ والضَّرَّاءِ
فلِرَحمةِ المتوجِّعينَ مرارةٌ … في القلب مثلُ شماتةِ الأعداءِ
وقال أيضًا: [من البسيط]
يُفني البخيلُ بجَمْعِ المالِ مُدَّتهُ … وللحوادثِ والأيامِ ما يدَعُ
كدودةِ القَزِّ ما تبنيهِ يهدِمُها … وغيرُها بالذي تَبنيهِ ينتفعُ
وقال أيضًا: [من الوافر]
بربِّكَ أيُّها الفلَكُ المُدارُ … أقَصْدٌ (٣) ذا المسيرُ أمِ اضطرارُ
مدارُكَ قلْ لنا في أيِّ شيءٍ … ففي أفهامنا عنكَ ابتهارُ
ودنيا كلَّما وضعتْ جنينًا … عراه من نوائبِها طوارُ (٤)
هي العشواءُ ما خَبَطتْ هشيمٌ … هي العمياءُ ما جرحَتْ جُبارُ (٥)
فإنْ يَكُ آدمٌ أشقى بنيهِ … بذنبٍ ما لَهُ منهُ اعتذارُ
فكَمْ من بعد غُفرانٍ … وعفوٍ يُعَيَّرُ ما تلا ليلًا نهارُ
لقد بلغَ العدوُّ بِنا مُناهُ … وحلَّ بآدمٍ وَبِنا الصَّغارُ
وتِهْنا ضائعين كقومِ موسى … ولا عِجْلٌ أضَلَّ ولا خُوارُ
فيا لكِ أكْلَةً مازال فيها … علينا نقمةٌ وعليهِ عارُ
стр. 9261
نُعاقَبُ في الظُّهورِ وما وُلدْنا … ويُذبَحُ في حشا الأُمِّ الحُوارُ (١)
ونخرجُ كارهينَ كما دخلنا … خروج الضبِّ أخرجَهُ الوَجارُ (٢)
وكانَتْ أنعُمًا لو أنَّ كونًا … يُشاوَرُ قبلهُ أو يُستشارُ
وما أرضٌ عصَتْهُ ولا سماءٌ … ففيمَ يغولُ أنجُمَها انكِدارُ
وهذا الشعر يدلُّ على فساد عقيدته.
محمد بن سلطان (٣)
ابن محمد بن حَيُّوس، الأمير، الشاعر، الفصيح، هو أحد الشعراء الشاميين، وفحولتِهم المُجيدين، مدح أعيان الأمراء والأكابر، وله ديوان مشهور، ولد سنة أربع وتسعين وثلاث مئة بدمشق، ومات بها في شعبان وقد جاوز الثمانين، وأنشد له ابن عساكر: [من الطويل]
أسُكَّانُ نَعمانِ الأراكِ تيَقَّنوا … بأنَّكُمُ في رَبْعِ قلبيَ سُكَّانُ
ودوموا على حفظِ الودادِ فإنَّني … بُلِيتُ بأحبابٍ إذا حُفِظوا خانوا
سلوا الليلَ عني مُذْ تناءَتْ ديارُكُمْ … هل اكتَحَلَت بالغَمْضِ لي فيهِ أجفانُ
وهَلْ جرَّدَتْ أسيافُ برق دياركُمْ … فكانتْ لها إلا جفونيَ أجفانُ
السنة الرابعة والسبعون والأربع مئة
فيها في المُحرَّم ورد كتاب رجلٍ -يُقال له: ابن وهبان- من واسط، يذكر فيه أنَّ امرأةً بنهر الفضل أصابها جُذامٌ فسقط أنفُها وشفتاها وأصابعُ يديها ورجليها، وجافت رائحتها، فأخرجها زوجُها وولدُها إلى ظاهر المحلة، وبَنَوا لها كوخًا تَكِنُّ فيه، وبقيَتْ مدةً فيه لا يقدر أحدٌ من الاجتياز بها من نَتْنِها، فجاء ولدها إليها برغيفين شعير، فقالت له: يا بُنيَّ، قِفْ - بالله - حتَّى أُبصِرك، وجِئني بجرعة من ماء أشربها فقد قتلني العطش. فلم يقدرِ الصبيُّ أن يدنوَ منها وهرب، وكان قريبًا منها خربةٌ يُجمع فيها ماء الكثبان،
стр. 9262
فحملها العطشُ على قصْدِها والشُّرْب منها، فزحفَتْ فوقعَتْ عندها لضعفها وغاصَتْ فيها، فذكرتْ أنها رأتْ رجلين وامرأَتين جلوسًا عندها، وأخرجوا لها قُرصين عليهما ورقةً خضراءُ قد غطَّتهما، وجاؤوها بكُرازٍ (١) فيه ماء وقالوا لها: كُلي من الخبز واشربي من هذا الماء. قالت: فشرعتُ آكُلُ، وكلَّما أكلتُ عاد القُرص كما كان إلى أن شبعت، وشربتُ من الكُراز ما لم أشرب مثلَه قَطُّ ولا ألَذُّ، فقلت: من أنتم يا سادتي؟ فقال أحدهم: أنا الحسن، وهذا الحسين، وهذه خديجة، وهذه فاطمة، ثم أمَرَّ الحسنُ يدَهُ على صدري ووجهي، والحسينُ على ظهري، فعادت شفتاي وأنفي، ونبتَتْ أصابعي، وعاد كلُّ عضوٍ قد زال مني، وأقاموني، فسقط مني نحو زَنْبيلين (٢) كهيئة صدف السمك، وهرع الناسُ لمشاهدتها من البلاد والتبرُّكِ بها (٣).
وفي يوم الأحد النصف منه وصل خطلج والحاجُّ إلى الكوفة سالمين.
وورد الخبرُ بأن مسلم بن قريش فتح بلد حران وسروج، ووصل إليه أُرْتُق بك في جمعٍ من التركمان نجدةً لتُتُش ومعه والدة تُتُش، وطلب العبور إلى تُتُش، فمنعه مسلم وقال: إن أردت تعبر جريدة، وإلَّا فأخاف عليك من العرب. فاستقر الأمر على عبور أم تُتُش وخدمُها.
وفي ربيع الآخر ورد كتاب مسلم إلى بغداد يخبر أن صاحب الرُّها [أطاعه، ونقش اسمَه على السِّكَّة، وكان قد اتَّخذ جامع الرُّها] (٤) حانةً يشرب فيه الخمر مع امرأته، فخرج منه وسلَّمه إلى المسلمين، فأقاموا فيه الجماعة، وبعث مسلم توقيعًا إلى حربى بخمس مئة دينار يعمل بها منبرًا، وكانت إقطاعه، فردَّ الخليفة عليه توقيعَه، وأمر بعمل المنبر من الديوان.
وفي سلخه وصل ملك شاه إلى أصفهان عائدًا من تِرْمِذ وحربِ أخيه شهاب الدولة تكش، وكان قد خلع الطاعة، وتحصَّن بقلعةٍ من قلاع تِرْمِذ، وسار ملك شاه ورآه بعد
стр. 9263
أن جرَتْ بين العسكرين مناوشةٌ عند بَلْخ ظهر فيها أصحاب السلطان، ثم عبروا، وكان أصحابُ تكش قد حصَّنوا أموالهم ومواشيهم في جبال لا سبيلَ إليها، فسار عسكر السلطان إليها، فظفروا بها وأخذوها، فانزعج أصحاب تكش وقالوا له: قد أخذتَ أموالنا، فإمَّا صالحتَ لتعود إلينا، وإلَّا خرجنا إلى السلطان وخدمناه، فراسل السلطان فقال: يخرجُ من تِرْمِذ ويُسلِّمها ويعود إلى ما كان له أولًا من بَلْخ وأعمالها ويطأ البساط. فقال: أُسَلِّم تِرْمِذ نَعَمْ بَلى، أطأُ بساطَهُ لا. فسلَّم تِرْمِذ، ورجع إلى أصفهان ولم يجتمعا، وكتب إلى الخليفة بشرح الحال.
وفي ليلة الأربعاء سادس جمادى الأولى تُوفِّي أيتكين السليماني بعُكْبَرا.
وفي ليلة الجمعة بعد العشاء وثب خادم مسلم بن قريش - وكان حظيًّا عنده في الحمَّام - عليه فخنقه بوترٍ وصاح، فسمعَتْ خاتون الصيحة، فجاءت إليه، فرأت باب الحمَّام مغلقًا، فكسرَتْه ودخلت والخادمُ خارجٌ من عنده، فبدأها وقال: الأمير في كلِّ وقت يسومني للقبيح، وأنا أمتنع عليه، وقد ضربني الساعة، وأنا هاربٌ منه. وخرج فركب فرسًا وهرب، فدخلت خاتون فرأته ميتًا قد خرج الدم من أنفه، فأخرجَتْه فتنفَّس وهو في أدنى رمق، ثم دبَّ الدمُ فيه قليلًا قليلًا، ثم أفاق، فأمر بطلب الخادم، وبَثَّ الخيل فوجده في منارة مشهد على جبل سنجار، فأخذ وهو يقول: ويلَكُم إلى من تحملوني؟! واللهِ ما خرجتُ من الحمَّام وقد تركتُ فيه روحًا.
وحملوه إليه، فاستخلاه ومنَّاه، وحلف له، فأقرَّ على جماعة من عشيرته أنهم حملوه على ذلك، فقتله، واستوحش من حواشيه، واحتجب عن أكثر خواصيه ومؤانسيه، وقبض على جماعة من أهله، وبعثهم إلى القلاع، ثم عاش مسلم بعد هذا إلى أن قُتِلَ في حرب قُتُلْمِش سنة سبع وسبعين وأربع مئة. وقيل: إنما وثب عليه خادمان، وكان بمكان يقال له: القابوسية.
وفي يوم الأحد مستهلِّ رجب ركب قاضي القضاة أبو عبد الله الدامغاني إلى باب الأزج، ومعه ولدُه أبو الحسن والشهود والوكلاء، فولَّاها ولدَه أبا الحسن، وحكم بين يديه فيها.
стр. 9264
وفي رجب ورد الخبر بأن بهمنيار الشرابي اجتمع بملك شاه، وتكلَّم في نظام الملك، وذُكِرَ أنَّه ينثر من الأموال في كلِّ سنة سبعَ مئة ألف دينار، وأقام وجوهَها في الأماكن، وضمن أصفهان زيادة سبعين، فسُلِّمت إليه، فلم يَفِ بما قال، وفي أثناء ذلك جاء صوفيَّان إلى نظام الملك ومع أحدهما قُرصان، وقال: هذان من إفطار فلان الزاهد، فتبرَّكْ بأكل شيءٍ منهما. فأوما بيده إليهما، فغمزه الصوفيُّ الآخر، فكفَّ يده، وظهر له أنهما من دسيس ابن بهمنيار، فأُخِذَ الصوفيُّ ليُقتل، فمنعهم نظام الملك، ووهب له شيئًا، وأخبر السلطان، فقال ابن بهمنيار: هذه موضوعة عليَّ ليكون طريقًا إلى إبعادي عنك، تضييع المال الَّذي ضمنته. فتصوَّر إلى السلطان صحةُ قوله، فلم يسمع فيه قولًا، وعلت منزلتُه عنده (١).
وفي شعبان كان في الديوان إملاكٌ لأبي القاسم علي ابن نقيب النقباء الكامل على ابنة علي بن الملك جلال الدولة ابن بُوَيه، وكانت وردت من مصر بعد قَتْلِ أبيها هناك.
وفيه أُفرجَ عن الرسول وعبد القادر الهاشمي متقدِّم الفتيان ومَنْ كان في الاعتقال منهم.
وفي شوال توفِّي دُبيس بن مَزْيَد.
وفيه ورد الخبر بأن أبا الحسن علي بن مُقَلِّد بن نصر صاحب تل الحسن أخذ حصن شَيزَر من الروم.
قال محمد بن الصابئ: وقفتُ على كتاب بخطِّه منه: كتابي هذا من حصن شَيزَر وقد رزقني الله تعالى من الاستيلاء على هذا المعقل العظيم ما لم يتأتَّ لمخلوق، ومن دون هذا الحصن بيض الأنوق، ومن وقف على حقيقة الحال علم أني هاروت هذه الأمة، وسليمانُ الجِنِّ المَرَدة، وأنني أُفرِّقُ بين المرء وزوجته، وأستنزل القمر من محلِّه، وأجمع بين الذئب والغنم، إنِّي نظرتُ إلى هذا الحصن فرأيتُ أمرًا يُذهِلُ الألباب، ويُطيشُ العقول، يسع ثلاثة آلاف رجل، ليس عليه حصار، ولا فيه حيلةٌ لمحتال، فعمدت إلى تلٍّ قريبٍ منه يُعرف بتلِّ الحسن، فعمَرْتُه حصنًا، وجعلتُ فيه عشيرتي
стр. 9265
وأهلي، وكان بين التلِّ وشَيزَر حصنٌ يعرف بالحراض، فوثبتُ عليه، وأخذتُه بالسيف، وحين ملكتُه أحسنتُ إلى أهله، ولم أُكلِّفْهم ما يعجزون عنه، وخلطتُ خنازيرَهم بغنمي، ونواقيسَهم بأصوات المؤذنين عندي، وصِرْنا مثلَ الأهل مختَلِطين، فحين رأى أهلُ شَيزَر فِعْلي مع الروم أنسوا بي، وصاروا يجيئوني من واحد واثنين، إلى أن حصل عندي نحو نصفهم، فأجريتُ عليهم الجرايات، ومزجتُهم بأهلي، وحريمَهم [بحريمي] (١)، وأولادَهم مع أولادي، وأيُّ مَنْ قصد حصْنَهم أعنتُهم عليه.
وحصرهم شرفُ الدولة مسلم بن قريش، فأخذ منهم عشرين رجلًا فقتلهم، فدسَسْتُ إليهم عشرين عِوَضَهم، ولمَّا انصرف عنهم جاؤوا وقالوا: نُسَلِّم إليك الحصن. فقلت: لا، ما أُريد لهذا الموضع خيرًا منكم، وجَرَتْ (٢) بينهم وبين واليهم نَبْوَةٌ، فنفروا منه، وجاؤوا إليَّ وقالوا: لا بُدَّ من تسليم الحصن إليك. فقلت: ذاك اليوم. فسلَّموه إليَّ ونزلوا منه، وحصلتُ فيه ومعي سبعُ مئة رجل من بني عمي ورجالي، وحصلوا في الرَّبَض، لم يُؤخَذ لواحد منهم درهم فرد، وأعطيتُهم مالًا له قدر، وخلعتُ على مقدَّميهم وأعطيتُهم واجباتهم لستة أشهر، وقمتُ بأعيادهم ونواقيسهم وصُلْبناهم وخنازيرهم، وسمع بذلك أهلُ بَرْزَبه وعينِ تاب (٣) وحصون الروم، فجاءني رسلُهم، ورغب كلُّهم في التسليم إليَّ، فبينا أنا على تلك الحال إذ شُنَّت عليَّ الغارات، وجُيِّشت نحوي الجيوش من ناحية مسلم بن قريش؛ غيظًا منه لِمَ تسلمتُ حصنَ شَيزَر بعد أن حلف لي قبل ذلك أنني إن أخذتُ حصن شَيزَر أنَّه لا يقودُ إليَّ فرسًا، ولا يبعث جيشًا، وباللهِ أقسم لئِنْ لم ينتَهِ عني لأُعيدَنَّه إلى الروم ولا أُسلِّمه إليه ولا إلى غيره أبدًا.
وقال أبو يعلى بن القلانسي: في يوم السبت السابع والعشرين من رجب هذه السنة ملكَ الأميرُ أبو الحسن علي بن المُقَلِّد بن منقذ حِصْنَ شَيزَر من الأسقف الَّذي كان فيه
стр. 9266
بمالٍ بذله له وأرغبُ فيه، هالى أن حصل في يده، وشرع في عمارته وتحصينه والممانعة عنه، إلى أن تمكَّنت حالُه فيه، وقَويَتْ نفسُه في حمايته والمراءاة دونه.
وفي شوال ابتدأ مسلم بن قريش بعمارة سور على الموصل من حجارة وحصى، وكان قومٌ من أهلها قد سألوه ذلك ليحموه ممن يتطرَّقهم عند بُعدِه عنهم، وقدَّر لعمارته مئةَ ألف دينار، أطلقَ لهم بعضَها من ماله معونةً.
وقيل: إنَّ طوله ثلاث مئة وستون برجًا، بين كلِّ بُرجين أربعون ذراعًا.
وفيه خلعَ على الوزير فخر الدولة وأُعطي الفرس بمركب مغموس، وندب الخروج إلى أصبهان بسبب اتصال الخليفة بابنة ملك شاه، وكان الوزير يُؤثِر ذلك فأُجيب.
وسار يوم السبت لسبعٍ بَقِين من شوال، ووصل عُقيب مَسيرِهِ بهاء الدولة منصور بن دُبيس قاصدًا باب السلطان ليُقرَّر في مكان أبيه.
وفي يوم الخميس خامس ذي القعدة سار خطلج بالحاجِّ من الكوفة على عادته إلى مكة.
وفيه خرج الوزير أبو شجاع محمد بن الحسين الأصفهاني إلى أصفهان، وأصحَبه الخليفةُ مختصًا الخادمَ، وتوقيعًا بخطِّه إلى نظام الملك، يتضمَّن الوصيةَ به وعودَه إلى منزله محروسًا.
ذكر السبب:
لمَّا عُزِل فخرُ الدولة وكان ابنُه عميدُ الدولة غائبًا عن الديوان، ترشَّح لذلك مؤيدُ الملك أبو بكر بن نظام الملك، وكان يومئذ ببغداد، وأظهر التوبة من شُرْبِ الخمر وغيره، وجرَتْ في ذاك مخاطبات، وحملَ إلى الديوان مالًا أعاده الخليفة إليه، وأنكر أن يكون جرى في هذا شيء أو طُولع به، وأحضر الوزيرُ أبا شجاع ورتبه في الديوان منفذًا للأمور، إلى أن تستقرَّ الحال على مَنْ يقوم بهذا الأمر، وجلس على طرف البساط، ولم يجلس في مرتبة الوزارة، فنقل ذلك عليُّ بن نظام الملك وكاتَبَ أباه، وعاد عميد الدولة إلى الوزارة، وكان الخليفة يميل إلى أبي شجاع؛ لعقله، وتركِ
стр. 9267
مخالطة الأعاجم، فورد من نظام الملك إلى الخليفة كتابٌ بتبعيد أبي شجاع عن بغداد وإقصائه، فاقتضى ذلك إنفاذُه إليه لإزالة ما في نفسه.
وفي ذي الحجة تُوفِّي داود بن السلطان باصبهان، وسنذكره إن شاء الله تعالى.
وفي يوم السبت لثلاثٍ بَقِين منه رفع صاحب خبر إلى السلطان بأنَّ بهمنيار كاتب خُمارتِكين الشرابي جلس عند موت داود، وتشاغل بالشرب والغناء، ومعه جعفرك، وكان السلطانُ قد سلَّم إليه ولدَه أحمد يُربِّيه، وأن جعفرك أخذ القدح وشربه، وقال: سار ملَك الموت حيث أخذ داود ولم يأخذ أحمد. وكان السلطان قد حزن على داود حُزنًا لم يحزَنْه والد على ولد، فشقَّ ذلك عليه، وبعث في الحال وكبس دار ابنِ بهمنيار، فوجد فيها الدليلَ على ما حكي عنه، فأحضر المُغنِّيات والمُغَنِّين فشهدوا بذلك، فشَقَّ لسانَ جعفرك ثلاثَ قِطَعٍ، وقتله، وكحلَ ابنَ بهمنيار دفعات حتَّى عمي، وكُفيَ نظامُ الملك أمره بعد أن كان قد أشفى على التلف، وكان بهمنيار قد تقدم عند السلطان بقدر ما زاد على نظام الملك، فكان إذا أحضر إليه ما يأكل ويشرب يقول السلطان لمن بحضرته: كُلْ منه واشرَبْ، فإنَّ هذا الرجل قد صار له أعداءٌ كثيرون منذ قَرُبَ منا، فيجب أن نحرسَ نفسه ونُلاحِظَ أمره.
وفيها توفِّي
داود بن السلطان ملك شاه
في يوم الخميس حادي عشر ذي الحجة بأصبهان، ولَحِقَ والدَه عليه ما زاد عن المعهود، وفعل في مُصابه ما لم يُسمَعْ به، ورام قتل نفسه دفعات، ولازمه أصحابُه وخواصُّه لمنعه من ذلك، ولم يُمكِّنْ من أخذِه وغسله؛ لقلة صبره على فراقه، حتَّى تغيَّر وكادت رائحتُه تظهر، فحينئذ مكَّن منه، وامتنع عن الطعام والشراب، وسلَّم إلى الهلَعِ زمانَه، وأعطى الجزَعَ قيادَه، ونزع عن الصبر أثوابَه، وأغلق دون السُّلُوِّ أبوابه، واجتمع الأتراك والتركمان في دار المملكة فجزُّوا شعورَهم، واقتدى بهم نساء الحواشي والحشم والأتباع والخدم، وجُزَّت نواصي الخيول، وقُلِبتِ السروج، وأُقيمت الخيولُ مُسَوَّدات، وكذا النساء المذكورات، وأقام أهلُ البلد المآتم في منازلهم وأسواقهم،
стр. 9268
وبقيت الحالُ على ذلك سبعة أيام، وورد كتاب من أصبهان مضمونه: كتابي من بلدةٍ أقلبتُ بها في ساعة واحدة، وما رأيتُ قبل ما شاهدت الآن مثلَه فأصفه وأشرحه، وقد وقف بذلك أمير الوصلة التي مضى فيها فخر الدولة، وخرج السلطان من بعد شهر من يوم الحادثة إلى الصيد، وكتب بخطِّه رَقعةً يقول فيها: أمَّا أنا يا ولدي داود، فقد خرجتُ أتصيدُ وأنتَ غائبٌ عني، وعندي من الانزعاج لفراقك لي، والاستيحاشِ لبُعْدِكَ عني، والبكاءِ على أخْذِكَ مني، ما أسهرَ ليلي، ونغَّصَ عليَّ عيشي، وقطع كبدي، وضاعف كمدي، فأخبِرْني أنت بعدي ما حالُكَ؟ وما غيَّر البِلى منكَ؟ وما فعل الدودُ بجسمك والترابُ بوجهِكَ وعينِكَ؟ وهل عندك علي مثلُ ما عندي لك؟ وهل بلغ بِكَ الحزنُ مثلَ ما بلغَ بي؟ فواشوقاه إليكَ، ويا حُزناه عليك، ووا أسفاه على ما فات منك.
وحُملتِ الرُّقعة إلى نظام الملك، فقرأها وبكى بكاءً شديدًا، وجمع الوجوهَ والمحتشمين (١)، ومضى إلى القبر، وقرأها عنده، وارتجَّ المكانُ بالبكاء والعويل، وتجدَّد الحزن في البلد، وعادت المصيبة كلما حدثت، وجلس عميدُ الدولة للعزاء في صحن السُّلَّم ثلاثةَ أيام، أولها يوم السبت لثلاثٍ بَقِينَ من ذي الحجة.
نورُ الدولة (٢)
دُبَيس بن علي بن مَزْيَد، أبو الأغر، صاحب الجِلَّة، عاش ثمانين سنة، كان فيها أميرًا نيِّفًا وستين سنة، وكان في دولة الإسلام مثلَ جذيمة الأبرش؛ يُجير الوزراء والأمراء والأكابر من جميع العرب وغيرهم، وكانت الطبول تُضرَبُ على بابه في أوقات الصلوات، وكانت وفاته بِشَهْرابان من أعمال مطير آباذ، فحُمِلَ إلى النَّجف، ودُفِنَ في مشهد أمير المؤمنين رضوان الله عليه، وقام بعدَه ولدُه أبو كامل منصور بهاء الدولة، وأظهر العدل والإحسان، وأزال المكوس.
стр. 9269
سليمان بن خلف (١)
ابن سعد بن أيوب بن وارث، أبو الوليد، الباجي، القاضي، الإمام، المتكلم، الفقيه، أديب، شاعر، رحل إلى المشرق والحجاز، ورجع إلى الأندلس، وصنَّف الكتب، ومولده في ذي الحجة سنة أربع أو ثلاث وأربع مئة، وسمع الحديث الكثير، وكان عظيمًا في العرب، سُمِّي ذا الوزارتين، وكان على مذهب مالك، وله فيه التصانيف المشهورة، ومن شعره: [من المتقارب]
إذا كنتُ أعلمُ علمًا يقينًا … بأنَّ جميع حياتي كساعَهْ
فلِمْ لا أكونُ ضنينًا بها … وأجعَلُها في صلاحٍ وطاعَهْ
واتَّفقوا على فضله وصدقه وثقته وأمانته ودينه وورعه، وأنه تُوفِّي بالأندلس بالمَرِيَّة، وقبره ظاهرٌ يُزار.
السنة الخامسة والسبعون وأربع مئة
فيها شَفَعَ أُرْتُق بك إلى تاج الدولة تُتُش في الأمير مسمار الكلبي فأَفرج عنه، وسار أُرْتُق إلى القدس وبها تُرْمُس من قبل أتْسِز، فراسله وطيَّب قلبه، فخرج إليه، وسلَّم البلد، فأخذ له أُرْتُق من تاج الدولة مثل إقطاع القدس وزيادةً من ذلك قلعة صرخد، وكان في القدس خالُ أتْسِز وزوجتُه وابنتُه، فلم يأمنوا المُقام بأرض الشام، فساروا إلى بغداد.
وفي صفر ورد منصور بن دُبيس من أصبهان ماضيًا إلى بلده، فانحدر عميد الدولة الوزير إلى مشرعة البصلية تحت بغداد وتلقَّاه، فنزل منصور عن فرسه وقبَّل الأرض، وقام الوزير له وهنَّاه بقدومه، وتقرَّر أن يحضر بيت النُّوبة ليخلع عليه الخليفة بمحضر من القضاة والنقباء والأشراف يوم السبت منتصف صفر، وتقدَّم إليه بالحضور، فبكَّر الناس لذلك، فوجدوا منصورًا قد سار في أول الليل إلى بلده، فعادوا.
стр. 9270
وقيل: السبب أنَّه طُولِبَ بأملاكٍ في بلده أُظهِرَت كتُبُها، فقال: لم يطالبْ بها والدي فلِمَ أُطالبُ بها أنا؟ إن كان هذا لأجل الخِلَعِ فما أُريدها. ورحل، ثم أُنفِذَت إليه الخِلَعُ بعد مدة مع مختصٍّ الخادم إلى بلده، وأمسك عن الأملاك التي بقُربه.
وقدم خطلج والحاجُّ سالمين في سلخ صفر.
وفي ربيع الأول وردت البشائر من أصبهان بأن السلطان أجاب إلى تزويج ابنته من الخليفة.
قد ذكرنا خروج الوزير فخر الدولة إلى أصبهان في السنة الماضية بهذا السبب ومعه الخِلَعُ والهدايا للسلطان والجماعة وما تقصر عن عشرين ألف دينار، ووصل فخر الدولة إلى أصبهان يوم الخميس ثالث ذي الحجة، وخرج إليه نظام الملك والأمراء والوجوه، واتَّفق وفاةُ داود بن السلطان يوم الجمعة حادي عشره، فلمَّا انقضى الشهر عن الوفاة جارى فخرُ الدولة نظامَ الملك في معنى الوصلة، وكان معه خادمٌ بهذا السبب، فقال لخادم المملكة: عندي (١) في هذا أصلٌ مقرَّر، فاكتبوا إلى أمير المؤمنين ليُجهِّز من يتحدَّث مع والدة الصَّبيَّة، وإما أن يعودوا يحتجُّوا بهذه المصيبة الحادثة، وأمَّا إذا مضت الأيام وسلي هذا الحُزْن (٢) فأجْدَدْتُ خُطاي. فقال فخر الدولة: ما عندي في هذا أمرٌ أقوله، وإنما هذا الخادم حكى لي أنَّ هذا الأمر جرى ها هنا عامَ أول، فأنفذني الخليفةُ لإتمامه والمسير في صحبة هذه السيدة، وأنفذ هذا الخادم ليتولَّى أمرها. فقال مَنْ مع فخر الدولة لنظام الملك: نحن إذا كتبنا نعلم أن الخليفة يردُّ الأمر إليك، فافعل ما تراه. فقام نظام الملك، ومضى إلى خاتون، وقال لها: أمير المؤمنين راغبٌ إليك في الوصلة إلى ابنتك. فقالت: قد رغب إليَّ في ذلك ملك غزنة لابنه، وملوك الجابية، وبذل كلُّ واحد منهم أربعَ مئة ألف دينار، فإن أعطاني أمير المؤمنين هذا القدر كان أحبَّ إليَّ من غيره. فقال النظام: أمير المؤمنين لا يُواجَه بمثل هذا. وجرَتْ مخاطباتٌ انتهت إلى تسليم خمسين ألف دينار عن حقِّ الرضاع وزنًا نقدًا، وهذه عادة الترك عند التزويج، ومئة ألف دينار نقدًا مهرًا. فقال فخر الدولة: نحن
стр. 9271
نحصل ها هنا عشرة آلاف دينار، ونُنفِذ من بغداد أربعين ألف دينار، ووقع الرضا بهذا، وشرعوا في تحصيل العشرة آلاف فلم يكن لها وجه، وعرف السلطان، فأمر بتأخير الكلِّ إلى أن ينفذ من بغداد.
وقالت خاتون: إذا أملكتُ ابنتي بأمير المؤمنين فأُريد أن يخرج إلى عمته وأمه وجدَّته ومن يجري مجراهنَّ من أهل بيته ومحتشمي دولته، وأُحضر أنا خواتينَ غَزْنة وسمرقند وخراسان ووجوهَ البلد، ويكون العقد بمحضرٍ منهنَّ، وأُنفذ معها في الجماعة من يصلح على قدر ما يليق بحال أمير المؤمنين وحالنا. فقال فخر الدولة: تُعطينا يدَها على ذلك لتقع الثقة، وشاور النظام السلطان، فأذن في ذلك، وأعطاهم يده، واخترقت خاتون أشياءَ، منها: أنَّه لا يبقى بدار الخليفة سُرِّية ولا قَهرمانة، وأن يكون مقام الخليفة عندها. وعاد فخر الدولة إلى بغداد في ربيع الأول، فخرج ولدُه والحجَّاب والوجوهُ للقائه، وجاء إلى باب الحُجرة، وأخبر بما لقي من السلطان والنظام من الإحسان والخِلَع والإطلاق وأعطاه السلطان ألفي دينار، وببغداد مثلها، ولولده عميد الدولة مثلَها، وأعطاه الأعلام والكوسات والخيل بمراكب الذهب والثياب المُذْهبة، ولمَّا ودَّع السلطانَ أخذ يده على أنَّه لا يُمكِّن الخليفةَ من الاستبدال بهم في خدمته، ولم يُفسِح للوزير أبي شجاع في العَوْد إلى بغداد، ورسم له بالمُقام في العسكر، وعاد مختصٌّ الخادمُ الَّذي كان معه، ونقل ذلك إلى الخليفة، ونسبه إلى فخر الدولة.
وفي هذا الشهر عاد مسلم بن قريش من الشام إلى منزله بالقابوسية من أعمال الموصل.
ذكر السبب:
لمَّا صَعِد إلى الشام طالب الفردوس والي أنطاكية بمال الهدنة وهو ثلاثون ألف دينار في كل سنة، فلم يحمل إليه شيئًا، وكانت أهل أنطاكية قرَّروا معه فَتْحَها وتسليمَها إليه، وكان من سوء رأي مسلم وتخلُّفه أنَّه كان له كاتب نصراني، فكان يدَعُ عنده مكاتباتهم ثقةً به، وتحقَّق الكاتبُ فتحَ أنطاكية، فهرب إليها ومسلمٌ بحلب، ودفع تلك الكتب إلى الفردوس، فلما وقف عليها أحضرهم، وكانوا ثلاث مئة إنسان، فقتلهم بين يديه صبرًا، وكاشف مسلمًا، وكتب إلى السلطان بأنه يكاتِبُ صاحب مصر ويُنفِذُ له
стр. 9272
الخِلَعَ والأموال، واستقرَّ أنَّ الفردوس يَحمل إلى السلطان في كل سنة مال الهدنة، وبعث نظام الملك، فعَتَب مسلم بن قريش، فقال في الجواب: إن كانت الكتبُ مني إلى صاحب مصر توجَّه العَتْبُ عليَّ، صبيان كانت منه إليَّ فاحفظوا صاحبًا لكم يرغب فيه صاحبُ مصر، لا تُخرجوه عن أبيديكم، وارغبوا فيه كما رغب فيه غيرُكم. ثم سار مسلم إلى شَيزَر وفيها ابن منقذ، فحاصره، واستقرَّ أن يعطيه عشرة آلاف دينار ويرحل عنه، وسار إلى حمص وهي في يد ابن ملاعب، فتحصَّن بالقلعة، فأخذ البلد، وكتب ابن ملاعب إلى تُتُش يستنجده، فكتب إلى مسلم: إنَّ هذا صاحبي مُنتمٍ إليَّ فارحَلْ عنه. فبعث إليه: إنَّ هذا رجل مفسدٌ في أعمال السلطان قاطعٌ سُبُلَها، فإن كان صاحبًا لك فخُذْه إليك. فرحل تاج الدولة تُتُش من دمشق يريد ابن قريش، فخاف من عَتْب السلطان وأنه حارب أخاه، فسار إلى صور، وأظهر أنَّه يريد حصارها، فرجع تُتُش إلى دمشق، وعاد مسلم إلى حمص، فخرج نساءُ ابن ملاعب وحريمُه فتعلَّقْنَ بذيل مسلم، فاستحى منهنَّ، وذمَّ له وأبقاه على حاله، ولم يُطالِبْه بمال تقرَّر عليه، واستحلفه وحلف له، وعاد إلى حلب، وكان في أعمالها نحوٌ من ثلاث مئة فارس من التركمان بقايا مَنْ كان يخدم بني الزَّوقلية، فاستدعاهم من الأعمال، وأظهر أنَّه يعرضهم، فلمَّا حضروا على بابه أمر العرب فنكسوهم عن خيولهم وقيَّدوهم، وفرَّقهم في القلاع، وكان ذلك آخر العهد بهم، وقبض على حسن بن مَنيع بن وثَّاب النمري الأعرج صاحب سروج، وأخذها منه.
وقيل: إنه وجد له منطلقات إلى تُتُش، فكان آخر العهد به، وقبض على شبيب ووثَّاب ولدَي محمود بن الزَّوقلية، وطالبهما بتسليم قلعتي أعزاز والأثارب، فسلَّماهما، فأفرج عنهما، وعوَّضهما الخاتونية، وقرقيسيا، ودورًا من أعمال الرحبة.
وفيه ثار رجل بالبصرة يُعرف بعبد الباقي بن الشاموخي، فجمع العوامَّ، وتعرَّض لأماكن الشيعة، منها مسجد البغل، سَدَّ بابه، وفتح له بابًا إلى ناحية السُّنَّة، وسمَّاه مسجد عائشة، وجعل فيه حجرًا زعم أنها كانت تصعد عليه إذا ركبت الجمل، ولفَّه في ثياب ديباج. وفي محلَّة بني مازن مسجدٌ يعرف بعلي ﵁، فأخذ ما كان فيه في الآلات، وأمر العوامَّ بغسله وتطهير القبلة، وكان إلى جانبه أشرافٌ مدفونون، فنبشهم
стр. 9273
وأحرقهم، وكتب على باب المسجد: أمير المؤمنين معاوية العدل الرضا، ثم الإمام صالح المؤمنين - يَزيدُ ابنُهُ - وسلَّط العوام، فكانوا يتعرَّضون لأهل البيت عليهم الصلاة والسلام، وبلغ الخليفة، فقامت عليه القيامة، وأحضر نقيب النقباء الكامل إلى البصرة، فالتجأ ابن الشاموخي إلى الجامع، وأقام يتعبَّد، ورجع عن تلك الأفعال، وثار عليه الهاشميون، وقصدوا قتله، ونهبوا منزله، فدافع عنه أصحابُه، وقُتِلَ بينهم جماعة وهرب، ثم أصلح النقيبُ الحال.
وفي ربيع الآخر تكلَّم على العوام رجلٌ قاصٌّ، فقال: هذه المدرسة التي بناها الطوسي -يشير إلى نظام الملك- مدرسةٌ للدين، مفسدةٌ على المسلمين، ويجب أن تُنقَض وتُدْرَس، ثم هرب إلى دار علي بن عقيل، فبعث عميد الدولة، فكبس دارَ ابن عقيل، وأخذ القاصَّ فأدَّبه وحبسه، وهرب ابنُ عقيل إلى الحريم.
وفيه أمر السلطان بأن يكتب لوحان مضمونهما رفع المكس عن قافلة الحاجِّ صادرة وواردة، وكتب في أول اللوحين اسم المقتدي، وبعده اسم السلطان، وجعل أحدَهما على باب الحلبة، والآخرَ في باب جامع القصر، ولعن من يُغيِّر ذلك أو يُبدِّله.
وفي رجب عاد الوزير أبو شجاع من أصفهان على أن يلازم داره بباب المراتب ولا يركب إلى دار الخليفة، فأخرج له الخليفة الموكب إلى الحلبة لتلقِّيه، ودخل إلى باب الحجرة وخدم، وخرج له التوقيع بما سُرَّ به، وانكفأ إلى منزله، ثم كتب الخليفةُ إلى نظام الملك في معناه، وبقبيح ما فعل معه من منعه هذه المدة.
وفيها سار تُتُش إلى حلب، فأخذ من غلَّاتها ما باعه بثمن بخس عجلةً وسرعةً. قيل: إن ملك شاه كتب له بمال على ابن قريش فمَطَله، فسار بنفسه وباع ما قدر عليه، وأنفذ مسلمٌ أصحابَه لحفظ حلب، فغاظ تُتُش، وأقام بجسر الحديد وما يقارب حلب، وأمر أُرْتُق بك بشنِّ الغارات على حلب، فظفر أصحابُه بطلائعَ من العرب، فأسروا منهم نيفًا وثمانين رجلًا، فقتلهم أُرتق بك جميعَهم، وعاد أصحابُ مسلم إلى القابوسية، ووردت كتب السلطان إلى أخيه بأن يرجع إلى دمشق ولا يُقيم ببلد حلب، وإلى أُرْتُق بك بالعود إلى بابه، ففارقه أُرْتُق بك من جسر الحديد، وسار تُتُش إلى دمشق، فنزل
стр. 9274
على فرسخين وحلَّ بها، وضعُفَتْ نفسُه لمفارقة أُرْتُق بك، وعبر مسلم في العرب والأكراد وراء تُتُش إلى دمشق، فنزل على فرسخين منها.
وفي يوم الخميس ثالث شعبان جلس مؤيد الملك بن نظام الملك للعزاء بأخيه الأكبر جمال الملك، وركب إليه الوزير فخر الدولة وولده عميد الدولة، وكان جمال الملك قد خرج من نيسابور في رجب لاحقًا بالسلطان وابنِه، فعرض له قولنج كان يعتاده دائمًا، فنزل عن فرسه في خَرْكاة، واستدعى والدته من نيسابور، فلمَّا وصلت إليه قضى نحبَه، فدخلت عليه وكمُّه على وجهه، فظنَّت أنَّه نائم، فلمَّا طال عليها يَقَّظَتْه وكشفت عن وجهه فإذا به ميت، فخرجت حاسرةً قد حثَتِ الترابَ على رأسها، فلمَّا شاهدها أصحابُه وغلمانُه جزُّوا شعورهم، وحذفوا (١) خيولهم، وطرحوا ذلك على باب الخَرْكاة، فكان كالميل الأسود، وأُعيد إلى نيسابور فدُفن بها، وكان قد خرج منها خروج الملوك، فرجع كما قال (٢): [من مجزوء الرمل]
رُحْنَ في الوشيِ وأصبَحُـ … ـــنَ عليهنَّ المُسوحُ
كلُّ نَطَّاحٍ من الدَّهْـ … ـــرِ له يومٌ نَطوحُ
وقيل: إن السلطان أراد قتله؛ لأنه كان قد استولى على خراسان، فراعى قلب والده، فدسَّ إليه مَن سَمَّه.
وفيها فتح ابن قُتُلْمِش حِصْنَ طَرَسُوس من الروم، وبعث إلى ابن عمار وقاضي طرابلس يستدعي لها قاضيًا وخطيبًا.
وفي يوم الجمعة لخمسٍ إن بَقِينَ من شوال عبرَ قاضٍ أشعريٍّ -يُقال له: البكري- إلى جامع المنصور، ومعه الشِّحنة والأتراك، والعجمُ بالسلاح، وكان يذكر أنَّه من ولد أبي بكر ﵁، وكانت فيه حِدَّةٌ وجرأةٌ وطيشٌ وخِفَّة، وورد بكتب نظام الملك تتضمَّن الإذن له في الجلوس بالمدرسة النظامية والكلام بمذهب الأشعري، فجرى بينه وبين أصحاب ابن الفراء الحنبلي سيئاتٌ ورجم، وآل أمره إلى أن خرج من بغداد سابع عشر شوال إلى عسكر السلطان، وأُعطي من الديوان مئتا دينار وخمسُ قطع من الثياب،
стр. 9275
ولُقب علمَ السنة، وكان سفيهًا طرقيًّا، ظاهرُ أحواله الإلحاد، وأغرى بسبٍّ الحنابلة، وقال: هؤلاء يقولون: لله ذَكَر. فرماه الله في ذَكَرِه بالخبائث، فمات ودُفِنَ بمشرعة الزوايا عند الأشعري يوم الاثنين تاسع جمادى الأولى سنة سبع وسبعين.
وفيها رجع السلطان من بَلْخ وكان قد سار لقتال أخيه شهاب الدين تُتُش، ولمَّا وصل بَلْخ وجد الغلاء العظيم، وتعذُّرَ الأقوات والعلوفات، ووصل القلعة، وتعرف بدركز، وهي على سن رأس جبل، ومساحة الموضع - على ما قيل - أربعة فراسخ، وبين يديها ساحة كبيرة يطيف بها جبل شامخ، والعسكر في تلك الساحة، وفي الجبل بابٌ يُدْخَل منه إلى الساحة، ولم تكن له حيلة في الوصول إلى تلك الساحة، فجاءه تركماني ودلَّه على مكان يصل منه إليها، فركب السلطان، وجاء إلى ذلك المكان، وأشرف على الساحة ومعسكر تكش بها، فصعد تكش ومن معه إلى القلعة، وجاء أصحاب السلطان فنزلوا في الخيم، ووقع القتال، وأُسِرَ جماعة من أصحاب السلطان، فأحسن إليهم، فدخلوا بينهما وأصلحوا الحال، على أن يردَّ عليه تِرْمِذ، ويعطيه تكش ولدَه رهينة، وظهر تكش من القلعة على بعد، وخدم السلطان، ورضي عنه، ورحل عن المكان، وسبب رحيله وصلحه كثرة الثلج والغلاء وعدم الأقوات، ولمَّا قرب السلطان من سرخس جاءه أخو طغان شاه صاحب تلك البلاد وخدمه، ولاطفه بالهدايا، وشرب عنده، فقال له على سكر: يا سلطان، أنت ما تعطي إلَّا لمن يخرج عليك ويعصيك، ومن يطيعك ويتقرَّب إليك تحرمه وتمنعه -يعني أخاه تكش ونفسه - فغضب السلطان من قوله، وقبض عليه، وبعث به إلى أصفهان، وراسل القلعة التي فيها والدته وأولاده وأمواله ليأخذها، فامتنعت أمه من تسليمها، ثم سلَّمتها بعد ذلك.
وفي ذي الحجة أخرج الخليفة أبا إسحاق وشافهه بما يقوله -وهو أبو إسحاق الشيرازي- ممَّا يجري على البلد وأهله من العهد، فاستشعر الوزيرُ وولدُه من ذلك، وخافا أن تكون الرسالة في معناهما، فقام ولد الوزير من الديوان، ومضى إلى داره، وأغلق بابَه، فأرسل الخليفةُ إليه وطيَّب قلبه، فعاد إلى الديوان على كُرْهٍ وفي نفسه ما فيها، وأقام أبوه في داره على كُرْهٍ أيضًا، وقد كان كتب إلى أصفهان يسأل إنفاذَ مَنْ يخرجه من موضعه ويحمله إلى مقصده.
стр. 9276
وفيها سار مسلم بن قريش إلى دمشق فحصرها، وعاد عنها ولم يظفر بطائل.
وفيها تُوفِّي
ابن ماكولا (١)
علي بن هبة الله بن علي بن جعفر بن علكان بن محمد بن دُلَف بن القاسم بن علي، أبو نصر، الأمير، الحافظ، العجلي، أصله من جَرْباذقان من نواحي أصفهان، ولد ببغداد، ونشأ بها، ووَزَر أبوه هبة الله للقائم، ووُلدَ أبو نصر خامس شعبان سنة اثنتين وعشرين وأربع مئة بعُكْبَرا، وسمع الحديث الكثير، وصنَّف المصنفات الحِسان، منها: "الإكمال" و"مستمر الأوهام على ذوي النُّهى والأحلام".
وقال أبو عبد الله الحميدي: ما راجعتُ الخطيبَ في شيءٍ إلَّا وأحالني على كتاب، ولا راجعتُ ابنَ ماكولا في شيء إلَّا وأجابني من حفظه، كأنما يقرأه من كتاب.
وتُوفِّي في هذه السنة. وقيل: سنة تسع وسبعين. وقيل: سنة سبع وثمانين. وقيل: سنة نيِّفٍ وسبعين وأربع مئة.
وخرج إلى خراسان ومعه غلمان له تُركٌ أحداث، ومالٌ كثير، وخيل وثياب، فوثبوا عليه بجرجان -وقيل: بخوزستان- فقتلوه، وأخذوا الجميع، وهربوا، وطاح دمُه هدرًا.
ومن شعره: [من الطويل]
أقولُ لنفسي قد سلا كلُّ عاشقٍ … ونفَّض أبوابَ الهوى عن مناكِبِهْ
وحبُّكِ لا يزدادُ إلَّا تجدُّدا … فيا ليتَ شعري ذا الهوى من مُناكَ بِهْ
وقال [من الطويل]:
ولمَّا توافَينا تباكتْ قلوبُنا … فمُمسِكُ دمعٍ يومَ ذاكَ كساكِبِهْ
فيا كَبِدي الحرّى البَسي ثوبَ حسرةٍ … فِراقُ الَّذي تَهوينَهُ قد كساكِ بِهْ
وقال: [من الوافر]
стр. 9277
أليسَ وقوفُنا بدِيارِ هندٍ … وقد سارَ القَطينُ من الدواهي
وهندٌ قد غدَتْ داءً لقلبي … إذا صدَّتْ ولكنَّ الدوا هي
وقد روى عنه الأئمة، ولم يتكلَّم فيه غير عبد الوهَّاب الأنماطي، فقال: العلم يحتاج إلى دين. وكان يتَّهمه بالغلمان.
السنة السادسة والسبعون وأربع مئة
فيها في يوم الجمعة لخمسٍ بَقِينَ من صفر خرج توقيع الخليفة إلى الوزير عميد الدولة، فعزله عن الوزارة، نسخته:
لكلِّ أجلٍ كتاب، انصرِفْ من الديوان إلى دارِك، وخَلِّ ما أنت منوطٌ به من نظرِك.
فوصله التوقيع وهو في داره بباب عمروية لم يمضِ إلى الديوان بعد.
قال عميد الدولة: فلمَّا قرأتُه قلت: السمع والطاعة، قد كُنْتُ في الديوان متحملًا للأعباء، وأنا الآن متوفِّرٌ على الدعاء، وكان قد جاءني ليلةَ الجمعة توقيعٌ يتضمن الشكرَ لي والإحماد، والثقةَ والاعتداد، وما يجري هذا المجرى من الجميل الَّذي ما أعرف سببُهُ، فارتبتُ به، وتعجبتُ منه، وما زلتُ مُفكِّرًا فيه ليلتي، فلما جاءني هذا التوقيع الثاني علمتُ أن هذاك لهذا، وحضرني بعض الخواصِّ عُقيب توقيع العزل، فأشار عليَّ بالمقام والتوقُّف والتثبُّت وترك الانصراف، فزاد ارتيابي، ونهضتُ من وقتي، واتفق وصول تارَح الحاجب المنْفَذ من جهة السلطان بكتب منه إلى الخليفة؛ إمَّا أن تستخدمنا وتُوفِّينا حقوقَ الخدمة ورجوعَنا إلى المألوف منه، أو الإذنُ لنا بالانصراف إليه والقدومِ عليه، وكان والدي كتب إليَّ هناك بأننا مُتَّهمون بكلِّ ما يكون منه اعتراضٌ للديوان والحاشية، فإمَّا أن تزول هذه التُّهم عنا، وإمَّا أن ننتقل إلى أصفهان فنُقيمَ هناك في ظلِّ السلطان، وكتب السلطان إلى والدتي وإليَّ بالمبادرة إليه إذا لم يقع من الخليفة إيثار بخدمتنا، ولم يبقَ مع العزل للكتب وإيصالها حكم، فخرجتُ أنا ووالدتي وإخواني وأهلُنا، ورحلنا بعد أن اجتمع الحاجب الوارد وشحنةُ بغداد والعميدُ والعجمُ على باب عمورية بالسلاح، حتَّى خرجنا بأموالنا وأهلنا من غير استئذان الخليفة في ذلك ولا إعلامٍ به، وتعجَّب الناسُ من هذه الحال، ونزلنا في دار المملكة.
стр. 9278
قال ابن الصابئ: وأقاموا بها يتجهَّزون، وقد اجتمع إليهم حشدٌ كبيرٌ إلى عشية السبت ثالث ربيعٍ الأول، وساروا نحو أصفهان في تحمُّلٍ كبير ومعهم ابنةُ الوزير نظام الملك زوجة عميد الدولة، وكان مسيرُهم ليلًا، واستُدعيَ تارَح الحاجب، وأُخِذت منه الكتب، ورُدَّت الأجوبة بكراهية بني جَهير والتماسِ إبعادهم، وأُعطي هذا الحاجب ثلاثَ مئة دينار، وفرسًا بمركب، وثيابًا؛ تطييبًا لقلبه، حيث لم يستَقِلْ من الديوان عند وروده، واستُنيب من الديوان مُنفِذٌ وناظرٌ أبو الفتح المظفر بن رئيس الرؤساء أبي القاسم بن المسلمة، كان قبلَ ذلك على عمارة الدار وأحوال الخدم والخواص (١).
وفيها سلَّم ابنُ الصَّيقَل قلعة بعلبك إلى تاج الدولة تُتُش، كان مقيمًا فيها من قبل المصريين.
وفي ربيع الأول عاد مسلم من دمشق إلى حَرَّان عَجِلًا.
وقال أبو يعلى بن القلانسي: في سنة خمس وسبعين توجه تُتُش إلى الروم وفي خدمته وثَّاب بن محمود ومنصور بن كابل، فأقام هناك مدةً، واتصل به خبر مسلم وما هو عليه من الاحتشاد للنزول على دمشق، فعاد تُتُش فوصلها أوائل المُحرَّم هذه السنة، ووصل مسلم بن قريش (٢) وسار مُجِدًّا على دمشق، ووصل إليه جماعةٌ من عرب قيس واليمن، وقاتلَ أهلَ دمشق، وخرج إليه عسكر تُتُش والتقوا، وثبت مسلم، وقاتلت العرب، ثم انهزموا، وتضعضع عسكرُه، وأشرف هو على الأسْر، وتراجع أصحابُه، وكان قد اعتمد على نجدة المصريين فتقاعدوا عليه، وجاءه من بلاده ما شغل خاطِرَه، فرحل إلى مرج الصفر، ثم عاد إلى الشرق وجدَّ السير، فهلكت المواشي، وانقطع من الناس خلقٌ كثير من العطش، وخرجت به الطريق إلى قريب سلمية، فأنفذ وزيرَه صدقة إلى أن خلَّفَ ابنَ ملاعب المقيمَ بحمص، فخرج إليه، فأكرمه وخلع عليه، وقرَّر معه حفظ الشام الأسفل، وسار إلى الشرق، وخرج تُتُش إلى ناحية طرابلس، وافتتح حصن أنطرطوس وبعض الحصون وعاد إلى دمشق. وقيل: إنه قصد حلب، فلم يظفر منها بطائل.
стр. 9279
وقال محمد بن الصابئ: لمَّا وصل مسلم إلى دمشق لم يكن مع تاج الدولة تُتُش من العسكر ما يخرج بهم إليه، فعدل وثَّاب بن محمود إلى جماعة من وجوه بني كلاب فراسلوه وواعدوه يومًا عيَّنوه، واستعدَّ مسلم، وجمع إليه الأكراد والعبيد المحيطين به، وانفرد بنو كلاب وبنو نمير عنه واقتتلوا، وقُتِلَ من الفريقين عددٌ كثير، ووصل الخبر إلى مسلم بأنَّ أهل حرَّان عصوا عليه، فرجع كارًّا إلى حمص، وصالح في طريقه ملاعبًا وخالفه، وأعطاه مضافًا إلى حمص رَفَنيَّة وسلمية، وأقطع شبيبَ بن محمود بن الزَّوقلية حماة، واستخلفه في تلك الأعمال، وعاجل حرَّان فوصلها يوم الجمعة ثامن ربيع الأول، فوجد قاضيها ابن جبلة الحنبلي قد استغوى أهلَها، وأدخل إليها جماعةً من بني نمير مع ولد صغير لمَنيع بن وَثَّاب، وأنفذ ابنُ عطير أحدَ وجوه بني نمير إلى خَنْق أمير التركمان وكان قريبًا، واستدناهم إليه ليُسلِّم إليهم البلد، وشرع القاضي يُعلِّل مسلمًا ويُمنيه خديعةً منه ليصل التركمانُ، وعلم مسلمٌ، فحاربهم، ورمى قطعةً من السور، وبينا هو كذلك وصل التركمانُ، فترك أقوامًا يقاتلون البلد، وركب هو بمن معه فأشرف على التركمان، واتصل الظراد وقال للعرب: املكوا عليهم النهر -المعروف بالجلاب- واجعلوه وراءكم، وحُولوا بين التركمان وبينه. ففعلوا وعَطِشوا وخيلَهم، وهجَّرتِ الشمسُ عليهم، فمالوا بجميعهم طالبين رأس الماء على أن يشربوا ويسقوا خيولهم ويعودوا على العرب، فلمَّا عطفوا خيولَهم لم يشُكَّ العرب أنها هزيمة، فألقوا نفوسَهم عليهم فانهزموا، فتبعوهم وغنموهم، وقتلوا وأسروا، وأقام مسلم على حصار حرَّان، وكان لمَّا رمى قطعةً من السُّور نصب ابنُ جبلة بإزاء الثُّلمة مجانيق وعرادات منعت مَنْ يروم القرب منها، وراسله: إنك كلَّما رميتَ قطعة من السُّور جعلتُ مكانها مجانيق وعرادات ورجالًا أشدَّ منها. فتوقَّف عن حربهم وتربَّص، واتَّفق أنَّه استأمن إلى مسلم من أهلها ثلاثةُ إخوة، فأخذ القاضي أباهم -وكان شيخًا كبيرًا- فأصعده إلى السور وقتله، ورمى برأسه إلى مسلم، فلمَّا حضر الرأسُ بين يديه وعلم الحال قال: غدًا أفتح البلد إن شاء الله تعالى، فهذا بغيٌ أرجو من الله النصر في جوابه، وأنفذ إلى العرب وأمرهم بالبكور للقتال، فجاؤوا ولبسوا السلاح، وتقدَّم مسلم وعليه السلاح، وكان قد
стр. 9280
بعث رجالًا في الليل نظَّفوا الحجارة من الطريق لأجل الخيل، فسُئِلَ أن يكاتب ابن جبلة ويعطيه الأمان لئلا يَهلِك الناس وتُنهَبَ البلد، فلمَّا كتب عاد جوابه على رأس الورقة:
السيفُ أصدق أنباءً من الكُتبِ (١)
فتقدَّم إلى العرب بالدخول إلى الفتحة فما منهم من أقدم، فجمع عبيدَه وخواصَّه وهجمَ، وأتَتْه الحجارة فسَلِمَ منها، ودخلها وأحرق المجانيق والعرادات (٢)، وقتل كثيرًا من أهل البلد عندها، وتبِعَتْه العرب حينئذٍ، فدخل البلد، وصَعِد ولد أيتَكين السليماني ونزل من السور، وفتح الباب، فأقطعه قرقيسيا، ثم طلب القاضي، فوُجِدَ في كندوج فيه قطن، فأُخِذَ ولدُه، وقبض على أعيان أهل حرَّان، ونهب البلد إلى آخر النهار، ثم رفع النهب، وصلب القاضي وولديه وأعيان الحرَّانيين على السُّور، وقتل خلقًا من العوامِّ، وعاد إلى منازله بأرض الموصل.
وفي يوم الثلاثاء تاسع وعشرين ربيع الأول قدم أبو إسحاق الشيرازي والخادم الَّذي كان معه من أصفهان إلى بغداد بكُتُب السلطان بإزالة الاعتراض عن إقطاع الحواشي، وأُوْصِلَ الشيرازي إلى الخليفة، وخاطبه بما طيِّب قلبه، وكان في الكتب كتابٌ من نظام الملك إلى الخليفة جواب في معنى آل جَهير، مضمونه: إذا لم يكن أمير المؤمنين يرضاهم لخدمته، وقد انصرفوا عن حضرته، وقصدونا ملتجؤون إلينا، ومستجيرون بنا، فلا بُدَّ من مقابلة ذلك بما يُصلحُ أحوالهم، ويُحقِّق فينا ظنونَهم. وثَقُل على نظام الملك صرف الوزير عميد الدولة وزوجته من بغداد ثقلًا شديدًا، ثم ورد الخبر أنهم لمَّا وصلوا إلى أصفهان أخرج نظامُ الملك ليلًا إلى ابنته زوجة عميد الدولة عماريتين جلست في إحداهما وبناتها من عميد الدولة، وفي الأخرى بنات عميد الدولة من أختها التي ماتت، ومعهم الخدم والغلمان والأتراك بالشموع، وخرج نساء الحُجَّاب والأمراء والخواص للقائهم، ودخلوا على السلطان، فأجلسهم بين يديه، ووعدهم