← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 9276–9315 · переход к 9281.

стр. 9276

وفيها سار مسلم بن قريش إلى دمشق فحصرها، وعاد عنها ولم يظفر بطائل. وفيها تُوفِّي ابن ماكولا (١) علي بن هبة الله بن علي بن جعفر بن علكان بن محمد بن دُلَف بن القاسم بن علي، أبو نصر، الأمير، الحافظ، العجلي، أصله من جَرْباذقان من نواحي أصفهان، ولد ببغداد، ونشأ بها، ووَزَر أبوه هبة الله للقائم، ووُلدَ أبو نصر خامس شعبان سنة اثنتين وعشرين وأربع مئة بعُكْبَرا، وسمع الحديث الكثير، وصنَّف المصنفات الحِسان، منها: "الإكمال" و"مستمر الأوهام على ذوي النُّهى والأحلام". وقال أبو عبد الله الحميدي: ما راجعتُ الخطيبَ في شيءٍ إلَّا وأحالني على كتاب، ولا راجعتُ ابنَ ماكولا في شيء إلَّا وأجابني من حفظه، كأنما يقرأه من كتاب. وتُوفِّي في هذه السنة. وقيل: سنة تسع وسبعين. وقيل: سنة سبع وثمانين. وقيل: سنة نيِّفٍ وسبعين وأربع مئة. وخرج إلى خراسان ومعه غلمان له تُركٌ أحداث، ومالٌ كثير، وخيل وثياب، فوثبوا عليه بجرجان -وقيل: بخوزستان- فقتلوه، وأخذوا الجميع، وهربوا، وطاح دمُه هدرًا. ومن شعره: [من الطويل] أقولُ لنفسي قد سلا كلُّ عاشقٍ … ونفَّض أبوابَ الهوى عن مناكِبِهْ وحبُّكِ لا يزدادُ إلَّا تجدُّدا … فيا ليتَ شعري ذا الهوى من مُناكَ بِهْ وقال [من الطويل]: ولمَّا توافَينا تباكتْ قلوبُنا … فمُمسِكُ دمعٍ يومَ ذاكَ كساكِبِهْ فيا كَبِدي الحرّى البَسي ثوبَ حسرةٍ … فِراقُ الَّذي تَهوينَهُ قد كساكِ بِهْ وقال: [من الوافر]

стр. 9277

أليسَ وقوفُنا بدِيارِ هندٍ … وقد سارَ القَطينُ من الدواهي وهندٌ قد غدَتْ داءً لقلبي … إذا صدَّتْ ولكنَّ الدوا هي وقد روى عنه الأئمة، ولم يتكلَّم فيه غير عبد الوهَّاب الأنماطي، فقال: العلم يحتاج إلى دين. وكان يتَّهمه بالغلمان. السنة السادسة والسبعون وأربع مئة فيها في يوم الجمعة لخمسٍ بَقِينَ من صفر خرج توقيع الخليفة إلى الوزير عميد الدولة، فعزله عن الوزارة، نسخته: لكلِّ أجلٍ كتاب، انصرِفْ من الديوان إلى دارِك، وخَلِّ ما أنت منوطٌ به من نظرِك. فوصله التوقيع وهو في داره بباب عمروية لم يمضِ إلى الديوان بعد. قال عميد الدولة: فلمَّا قرأتُه قلت: السمع والطاعة، قد كُنْتُ في الديوان متحملًا للأعباء، وأنا الآن متوفِّرٌ على الدعاء، وكان قد جاءني ليلةَ الجمعة توقيعٌ يتضمن الشكرَ لي والإحماد، والثقةَ والاعتداد، وما يجري هذا المجرى من الجميل الَّذي ما أعرف سببُهُ، فارتبتُ به، وتعجبتُ منه، وما زلتُ مُفكِّرًا فيه ليلتي، فلما جاءني هذا التوقيع الثاني علمتُ أن هذاك لهذا، وحضرني بعض الخواصِّ عُقيب توقيع العزل، فأشار عليَّ بالمقام والتوقُّف والتثبُّت وترك الانصراف، فزاد ارتيابي، ونهضتُ من وقتي، واتفق وصول تارَح الحاجب المنْفَذ من جهة السلطان بكتب منه إلى الخليفة؛ إمَّا أن تستخدمنا وتُوفِّينا حقوقَ الخدمة ورجوعَنا إلى المألوف منه، أو الإذنُ لنا بالانصراف إليه والقدومِ عليه، وكان والدي كتب إليَّ هناك بأننا مُتَّهمون بكلِّ ما يكون منه اعتراضٌ للديوان والحاشية، فإمَّا أن تزول هذه التُّهم عنا، وإمَّا أن ننتقل إلى أصفهان فنُقيمَ هناك في ظلِّ السلطان، وكتب السلطان إلى والدتي وإليَّ بالمبادرة إليه إذا لم يقع من الخليفة إيثار بخدمتنا، ولم يبقَ مع العزل للكتب وإيصالها حكم، فخرجتُ أنا ووالدتي وإخواني وأهلُنا، ورحلنا بعد أن اجتمع الحاجب الوارد وشحنةُ بغداد والعميدُ والعجمُ على باب عمورية بالسلاح، حتَّى خرجنا بأموالنا وأهلنا من غير استئذان الخليفة في ذلك ولا إعلامٍ به، وتعجَّب الناسُ من هذه الحال، ونزلنا في دار المملكة.

стр. 9278

قال ابن الصابئ: وأقاموا بها يتجهَّزون، وقد اجتمع إليهم حشدٌ كبيرٌ إلى عشية السبت ثالث ربيعٍ الأول، وساروا نحو أصفهان في تحمُّلٍ كبير ومعهم ابنةُ الوزير نظام الملك زوجة عميد الدولة، وكان مسيرُهم ليلًا، واستُدعيَ تارَح الحاجب، وأُخِذت منه الكتب، ورُدَّت الأجوبة بكراهية بني جَهير والتماسِ إبعادهم، وأُعطي هذا الحاجب ثلاثَ مئة دينار، وفرسًا بمركب، وثيابًا؛ تطييبًا لقلبه، حيث لم يستَقِلْ من الديوان عند وروده، واستُنيب من الديوان مُنفِذٌ وناظرٌ أبو الفتح المظفر بن رئيس الرؤساء أبي القاسم بن المسلمة، كان قبلَ ذلك على عمارة الدار وأحوال الخدم والخواص (١). وفيها سلَّم ابنُ الصَّيقَل قلعة بعلبك إلى تاج الدولة تُتُش، كان مقيمًا فيها من قبل المصريين. وفي ربيع الأول عاد مسلم من دمشق إلى حَرَّان عَجِلًا. وقال أبو يعلى بن القلانسي: في سنة خمس وسبعين توجه تُتُش إلى الروم وفي خدمته وثَّاب بن محمود ومنصور بن كابل، فأقام هناك مدةً، واتصل به خبر مسلم وما هو عليه من الاحتشاد للنزول على دمشق، فعاد تُتُش فوصلها أوائل المُحرَّم هذه السنة، ووصل مسلم بن قريش (٢) وسار مُجِدًّا على دمشق، ووصل إليه جماعةٌ من عرب قيس واليمن، وقاتلَ أهلَ دمشق، وخرج إليه عسكر تُتُش والتقوا، وثبت مسلم، وقاتلت العرب، ثم انهزموا، وتضعضع عسكرُه، وأشرف هو على الأسْر، وتراجع أصحابُه، وكان قد اعتمد على نجدة المصريين فتقاعدوا عليه، وجاءه من بلاده ما شغل خاطِرَه، فرحل إلى مرج الصفر، ثم عاد إلى الشرق وجدَّ السير، فهلكت المواشي، وانقطع من الناس خلقٌ كثير من العطش، وخرجت به الطريق إلى قريب سلمية، فأنفذ وزيرَه صدقة إلى أن خلَّفَ ابنَ ملاعب المقيمَ بحمص، فخرج إليه، فأكرمه وخلع عليه، وقرَّر معه حفظ الشام الأسفل، وسار إلى الشرق، وخرج تُتُش إلى ناحية طرابلس، وافتتح حصن أنطرطوس وبعض الحصون وعاد إلى دمشق. وقيل: إنه قصد حلب، فلم يظفر منها بطائل.

стр. 9279

وقال محمد بن الصابئ: لمَّا وصل مسلم إلى دمشق لم يكن مع تاج الدولة تُتُش من العسكر ما يخرج بهم إليه، فعدل وثَّاب بن محمود إلى جماعة من وجوه بني كلاب فراسلوه وواعدوه يومًا عيَّنوه، واستعدَّ مسلم، وجمع إليه الأكراد والعبيد المحيطين به، وانفرد بنو كلاب وبنو نمير عنه واقتتلوا، وقُتِلَ من الفريقين عددٌ كثير، ووصل الخبر إلى مسلم بأنَّ أهل حرَّان عصوا عليه، فرجع كارًّا إلى حمص، وصالح في طريقه ملاعبًا وخالفه، وأعطاه مضافًا إلى حمص رَفَنيَّة وسلمية، وأقطع شبيبَ بن محمود بن الزَّوقلية حماة، واستخلفه في تلك الأعمال، وعاجل حرَّان فوصلها يوم الجمعة ثامن ربيع الأول، فوجد قاضيها ابن جبلة الحنبلي قد استغوى أهلَها، وأدخل إليها جماعةً من بني نمير مع ولد صغير لمَنيع بن وَثَّاب، وأنفذ ابنُ عطير أحدَ وجوه بني نمير إلى خَنْق أمير التركمان وكان قريبًا، واستدناهم إليه ليُسلِّم إليهم البلد، وشرع القاضي يُعلِّل مسلمًا ويُمنيه خديعةً منه ليصل التركمانُ، وعلم مسلمٌ، فحاربهم، ورمى قطعةً من السور، وبينا هو كذلك وصل التركمانُ، فترك أقوامًا يقاتلون البلد، وركب هو بمن معه فأشرف على التركمان، واتصل الظراد وقال للعرب: املكوا عليهم النهر -المعروف بالجلاب- واجعلوه وراءكم، وحُولوا بين التركمان وبينه. ففعلوا وعَطِشوا وخيلَهم، وهجَّرتِ الشمسُ عليهم، فمالوا بجميعهم طالبين رأس الماء على أن يشربوا ويسقوا خيولهم ويعودوا على العرب، فلمَّا عطفوا خيولَهم لم يشُكَّ العرب أنها هزيمة، فألقوا نفوسَهم عليهم فانهزموا، فتبعوهم وغنموهم، وقتلوا وأسروا، وأقام مسلم على حصار حرَّان، وكان لمَّا رمى قطعةً من السُّور نصب ابنُ جبلة بإزاء الثُّلمة مجانيق وعرادات منعت مَنْ يروم القرب منها، وراسله: إنك كلَّما رميتَ قطعة من السُّور جعلتُ مكانها مجانيق وعرادات ورجالًا أشدَّ منها. فتوقَّف عن حربهم وتربَّص، واتَّفق أنَّه استأمن إلى مسلم من أهلها ثلاثةُ إخوة، فأخذ القاضي أباهم -وكان شيخًا كبيرًا- فأصعده إلى السور وقتله، ورمى برأسه إلى مسلم، فلمَّا حضر الرأسُ بين يديه وعلم الحال قال: غدًا أفتح البلد إن شاء الله تعالى، فهذا بغيٌ أرجو من الله النصر في جوابه، وأنفذ إلى العرب وأمرهم بالبكور للقتال، فجاؤوا ولبسوا السلاح، وتقدَّم مسلم وعليه السلاح، وكان قد

стр. 9280

بعث رجالًا في الليل نظَّفوا الحجارة من الطريق لأجل الخيل، فسُئِلَ أن يكاتب ابن جبلة ويعطيه الأمان لئلا يَهلِك الناس وتُنهَبَ البلد، فلمَّا كتب عاد جوابه على رأس الورقة: السيفُ أصدق أنباءً من الكُتبِ (١) فتقدَّم إلى العرب بالدخول إلى الفتحة فما منهم من أقدم، فجمع عبيدَه وخواصَّه وهجمَ، وأتَتْه الحجارة فسَلِمَ منها، ودخلها وأحرق المجانيق والعرادات (٢)، وقتل كثيرًا من أهل البلد عندها، وتبِعَتْه العرب حينئذٍ، فدخل البلد، وصَعِد ولد أيتَكين السليماني ونزل من السور، وفتح الباب، فأقطعه قرقيسيا، ثم طلب القاضي، فوُجِدَ في كندوج فيه قطن، فأُخِذَ ولدُه، وقبض على أعيان أهل حرَّان، ونهب البلد إلى آخر النهار، ثم رفع النهب، وصلب القاضي وولديه وأعيان الحرَّانيين على السُّور، وقتل خلقًا من العوامِّ، وعاد إلى منازله بأرض الموصل. وفي يوم الثلاثاء تاسع وعشرين ربيع الأول قدم أبو إسحاق الشيرازي والخادم الَّذي كان معه من أصفهان إلى بغداد بكُتُب السلطان بإزالة الاعتراض عن إقطاع الحواشي، وأُوْصِلَ الشيرازي إلى الخليفة، وخاطبه بما طيِّب قلبه، وكان في الكتب كتابٌ من نظام الملك إلى الخليفة جواب في معنى آل جَهير، مضمونه: إذا لم يكن أمير المؤمنين يرضاهم لخدمته، وقد انصرفوا عن حضرته، وقصدونا ملتجؤون إلينا، ومستجيرون بنا، فلا بُدَّ من مقابلة ذلك بما يُصلحُ أحوالهم، ويُحقِّق فينا ظنونَهم. وثَقُل على نظام الملك صرف الوزير عميد الدولة وزوجته من بغداد ثقلًا شديدًا، ثم ورد الخبر أنهم لمَّا وصلوا إلى أصفهان أخرج نظامُ الملك ليلًا إلى ابنته زوجة عميد الدولة عماريتين جلست في إحداهما وبناتها من عميد الدولة، وفي الأخرى بنات عميد الدولة من أختها التي ماتت، ومعهم الخدم والغلمان والأتراك بالشموع، وخرج نساء الحُجَّاب والأمراء والخواص للقائهم، ودخلوا على السلطان، فأجلسهم بين يديه، ووعدهم

стр. 9281

بالجميل، وأُفردت لهم الدُّور الجليلة، وأُقيمت لهم الأموال الكثيرة، وأطلق لهم السلطان أموالًا، وقدموا لهم الهدايا - للسلطان والجماعة - فلم يقبَلْ منهم أحدٌ شيئًا، وقالوا: ما هذا وقتُه. فثَقُل ذلك على الخليفة، وكَبُرَ موقعُه منه. وفي جمادى الأولى عقد السلطان لفخر الدولة الوزير على ديار بكر بمالٍ ضمنه عنها، وخلع عليه، وأُعطي الكوسات والأعلام، وأُذِن له في ضرب الدبادب على بابه في أوقات الصلوات الثلاث؛ الفجر والمغرب وعشاء الآخرة في المعسكر السلطاني، والصلوات الخمس في ديار بكر، وأن يخطب لنفسه بعد السلطان في الجمع، وينقش اسمَه على السِّكك. وقد تقدَّم في ترجمة أحمد بن مروان في سنة ثلاث وخمسين وأربع مئة ما جرى لفخر الدولة معه في هذا المعنى، ثم إنه لم يقنع بتغيير دولة بني مروان الكردي حتَّى اتَّفق مع نظام الملك على تغيير الدولة العباسية، فلولا أن الله تعالى لطف بالخليفة فمات السلطان وقُتِلَ نظامُ الملك، لأُخرِجَ الخليفةُ من بغداد. وفيها عُزِلَ السلطانُ خطلج عن الكوفة وإمارة الحج؛ لكثرة شكاوى الناس منه. وفيها عزم تُتُش على مصاهرة بدر الجمالي على ابنه بدر، فأشار ابن عمار صاحب طرابلس على تُتُش أن لا يفعل، فامتنع بعدما وردت هدايا وملاطفات من مصر. وفي شعبان استوزر الخليفةُ أبا شجاع محمد بن الحسين، وخلع عليه خِلَعَ الوزارة، ولقَّبه بظهير الدين، مؤيد الدولة، سيد الوزراء، صفي أمير المؤمنين، وكتب له توقيعًا بليغًا بخطِّ ابن الموصلايا، وكان أبو شجاع من أعقل الناس وأعفِّهم وأكثرِهم اجتهادًا في خدمة سلطانه. وفيها وَلَّى السلطانُ سرهنك ساوتكين إمرة الحاجِّ والكوفة، فأحسن إلى الرعية، وأسقط عنهم وعن الحاج ما كان يأخذه خطلج من الكرى والخفارة، واستدعى العرب، وضمَّنهم الطرق، والتزم جميع ما كان يؤخذ منهم من ماله. وفيها تُوفِّي السلطان شاه إسحاق بن قاروت بك بكرمان، فجاءت أمُّه إلى السلطان بهدايا وألطاف وأموال، فأكرمها وأقرَّ أخاه مكانه.

стр. 9282

وفيها تغيَّرت نيةُ السلطان لنظام الملك ثم صَلُحت. ذكر السبب: كان أبو المحاسن بن أبي الرضا كاتبُ ديوان الرسائل قد نفق على السلطان وأخيه، ومال إليه، وأنس به، وعوَّل عليه، بحيث ينفرد بالأعمال، واطَّرح نظامَ الملك، وأطلق فيه لسانه، وضمَّنه بألف ألف دينار، وضمَّن أبا الرضا والدَه بخمس مئة ألف دينار، وكذا لشرف الملك أبي سعد المستوفي، فصنع نظام الملك سِماطًا عظيمًا ودعا السلطان إليه، فلمَّا أكل خلا به، وأقام مماليكُه الأتراكُ على خيولهم، وكانوا أكثرَ من ألف غلام وعليهم أسلحتهم وجنائبهم، وجمالهم وخيامهم عليها، وأزاح عللهم، ثم قال: أيها السلطان، إنني ما آخذه من عُشر أموال أُنفقه في هذا العسكر الَّذي تراه، وإنَّ جامَكياتهم تشتمل على مئين ألوف في كل سنة، وهؤلاء يقاتلون أعداء دولتك، ولو لم أدفع إليهم هذا المال من عندي لاحتجتَ إلى أن تعطيهم من خزانتك، وقد جمعتُهم وخيلَهم وسلاحَهم وجمالَهم وخيامَهم، فتقدَّم بنقلهم إلى مَنْ تراه من الحُجَّاب يصرف إليهم هذا العُشر الَّذي آخذه وأستريح أنا من التعب والخطر، ومع هذا فقد خدمتُ جدَّك وأباك، وشِخْتُ في دولتكم، وأنا واللهِ مشفقٌ من مُضيِّك على ما أنت ماضٍ عليه، وخائفٌ من عُقبى ما أنت خائضٌ فيه. ثم قدَّم له من الجواهر والأموال والأمتعة ما ملأ عينه به، وضمن له أن يستخرج من المتكلمين فيه أموالًا كثيرة، فأطلعه السلطان على ما جرى، وحلف له، وقبض على أبي المحاسن وغيره واعتقلهم، وانتهى أمرُ أبي المحاسن إلى أن حُمِلَ إلى قلعة ساوة وقُوِّرَتْ عيناه بالسكِّين، وحُمِلتا إلى السلطان، فأمر أن تُطرحا لكلب صيد كان بين يديه، فأكلهما، ونسب نظامُ الملك ما جرى من أبي المحاسن إلى الخادم الَّذي خرج من دار الخلافة لعقد الأملاك، وأنه اجتمع مع أبي المحاسن على ذلك، وحمل له من الخليفة خِلْعةً في جملتها دواةٌ، وأنَّ الخليفة انحرف عن نظام الملك لما فعله من الجميل مع بني جَهير. وفيها قدم سعد الدولة الكوهراني إلى بغداد نجدةً لابن جَهير، وقبَّحوا له أن يتَّبعه ويخدمه ويحملوا إليه عن الخليفة ما ألفته عن عزمه، فأقام يتعلَّل، ووصل ذلك نظام

стр. 9283

الملك، فاستدعاه إلى أصفهان، وبعث كتابًا إلى ابن مَزْيَد وأبي فراس بن وَرَّام بالمسير إلى نجدةِ ابنِ جَهير بالعسكر الَّذي كان مع سعد الدولة، فسارا، وحشد مسلم بن قريش لنصرة ابن مروان، وسار فنزل في الحَدِّ بينه وبين ميَّافارقين، وكتب إلى السلطان يقول: هؤلاء القوم أعداؤنا، ومتى وَطِئوا بلادَنا وقعت الفتن، وابن مروان فعبد طائع سامع، وهو يحمل من المال ما يطلب منه. وفي ذي الحجة ورد الخبر بأنَّ فخر الدولة ابن جَهير أخذ بلاد خلاط والقلعة وقبض على أصحاب ابن مروان، وحصل في هذه السنة من الأمن والرُّخص ما لم يُعهد؛ تسير القوافل من جَيحون إلى الشام والتجار بالأموال العظيمة والأمتعة بلا خفير ولا رفيق على الاجتماع والانفراد، ولا يُؤخَذُ لأحد عقال. وأما الرُّخْص فبلغ كُرُّ الحنطة ببغداد عشرَ دنانير بعد ثمانين دينارًا، والشعير بخمسة دنانير بعد خمسين، واللحم ثمانون رطلًا بدينار، والسمك مئة رطل بثلاثة قراريط، وعلى هذا الفواكه جميعها. وحصل بعض السَّوادية في بلد الحِلَّة كارة شعير ليبتاع بها كحلًا لمولود فلم يُعْطَ بها شيئًا، فرمى بها في النهر، وقال: ما أعمل بما لا يصلح ثمنًا لكحل مولود. وحجَّ بالناس خُمارتِكِين الحسَّاني. وفيها تُوفِّي إبراهيم بن علي بن يوسف (١) الفَيروزآبادي، أبو إسحاق، الشيرازي، الإمام، الشافعي، ولد سنة ثلاث وتسعين وثلاث مئة، وتفقَّه بفارس على أبي الفرج بن البيضاوي، وببغداد على أبي الطيب الطبري، وبالبصرة أيضًا، وسمع الحديث، وقدم بغداد سنة خمس عشرة وأربع مئة، وكان يعيد الدروس في ابتدائه مئة مرة، وإذا كان في المسألة بيتٌ يستشهد به حفظ القصيدةَ كلَّها لأجله، وصنَّف الكُتُبَ الحِسان: "المهذب"، و"التنبيه" و"النكت في

стр. 9284

الخلاف" و"اللُّمع في أصول الفقه" و"طبقات الفقهاء" و"التبصرة" و"المعونة" وغير ذلك، وكان له اليدُ البيضاءُ في النظر، وبُورك له في تصانيفه، وانتفع بها الناس؛ لِحُسن قصده، وانتشر عِلْمُه، وكثُر أتباعُه. وكان طلقَ الوجه، دائمَ البِشر، مَليحَ المحاضرة، يحكي الحكايات الحِسان، وينشد الأشعار المستحسنة، مع الزهد في الدنيا، والورعِ الشافي، وكان لا يُخرج شيئًا إلا بنية، ولا يتكلَّم في مسألة إلا قدَّم الاستعانة بالله، ولا صنَّف بابًا إلَّا وصلَّى ركعتين، فلا جرمَ شاع اسمُه في الدنيا، وانتشرت تصانيفه شرقًا وغربًا، ببركات هذا القصد والنية والإخلاص، ورأى النبيَّ ﷺ فقال له: يا شيخ. فكان يفتخر بهذا ويقول: قال لي رسول الله ﷺ : يا شيخ. ولمَّا قدم خراسان في الرسالة تلقَّاه الناس، وخرجوا إليه من نيسابور، فحمل إمام الحرمين أبو المعالي الجويني غاشيته، ومشى بين يديه كالخدم، وقال: أنا أفتخر بهذا. وسُئِلَ عن التأويل فقال: هو حَمْلُ الكلام على إخفاء مَحامله. وما عِيب عليه شيء إلا دخوله النظامية، وذكره الدرس بها؛ لأنَّ حاله في الزهد والورع خلافُ ذلك. وكان يمشي يومًا في الطريق ومعه صاحبٌ له، فعرض له كلبٌ، فزجره صاحبُه، فقال له أبو إسحاق: لم زجرتَه؟ أما علمت أن الطريق مشتركٌ بيننا وبينه؟ وله أشعار منها في غريق [في] (١) الماء: [من الطويل] غريقٌ كأنَّ الموتَ رَقَّ لأخْذِهِ … فلانَ لهُ في صورةِ الماءِ جانِبُهْ أبى اللهُ أنْ أنساهُ دهري فإنَّهُ … توفَّاهُ في الماءِ الَّذي أنا شارِبُهْ وقال: [من الوافر] سألتُ النَّاسَ عن خِلٍّ وَفِيٍّ … فقالوا ما إلى هذا سبيلُ تمسَّكْ إنْ ظفِرْتَ بوُدِّ حُرٍّ … فإنَّ الحُرَّ في الدُّنيا قليلُ وقال: [من الوافر]

стр. 9285

إذا طالَ الطريقُ عليك يومًا … فليسَ دواؤُهُ إلَّا الصديقُ تُحادِثُهُ وتشكو ما تُلاقي … ويَقرُبُ بالحديثِ لكَ الطَّريقُ وقال: [من البسيط] لمَّا أتاني كتابٌ منكَ مبتسمًا … عن كلِّ لفظٍ ومعنًى غير محدودِ حكَتْ معانيه في أثناءِ أسطُرِهِ … أفعالكَ البِيضَ في أحواليَ السُّودِ ومنها: [من المجزوء الكامل] جاء الربيعُ وحُسْنُ ورْدِهْ … ومضى الشتاءُ وقُبْحُ بَرْدِهْ فاشرَبْ على وجهِ الحبيـ … ـبِ ووجنتيهِ وحُسْنِ خَدِّهْ ذكر وفاته: تُوفِّي ليلةَ الأحد الحادي والعشرين من جمادى الآخرة بدار الخلافة من الجانب الشرقي في دار المظفر بن رئيس الرؤساء، وغسَّله ابنُ عقيل، وتقدَّم الخليفةُ بأن يُحمَلَ تابوتُه إلى باب الفردوس، فصلَّى عليه الخليفةُ أولَ النَّاس، ثم صلَّى عليه المظفر بن رئيس الرؤساء وهو يومئذٍ نائب بالديوان، ثم حُمِلَ إلى جامع القصر فصُلِّي عليه، ثم حُمِلَ إلى باب أبرز فدُفِنَ به، وقبره ظاهرٌ يُزار. وقال أبو يعلى: رأيتُ أبا إسحاق في المنام بعد موته، فقلتُ له: أليس قد مِتَّ؟ قال: لا والله ما مِتُّ، ثم قال: أبرأُ إلى الله من المدرسة وما فيها. قلتُ: أليس قد دُفِنتَ في التوبة التي تُعرف ببيت فلان؟ فقال: لا والله ما مِتُّ. وقال ابن عقيل: رُؤي أبو إسحاق في المنام وعليه ثياب بيض، وعلى رأسه تاج، فقيل له: ما هذا؟ فقال: الثيابُ شرفُ الطاعة، والتاجُ عِزُّ العلم. وقد روى عن أبي إسحاق جماعةٌ من الأئمة، وكانت له اليد العليا في المناظرة واللسان الذَّلِق في الجدال والمشاجرة، حتَّى ضُربت به في ذلك الأمثال، وفاق النُّظراء والأمثال. قال أبو زكريا بن السلار العقيلي: [من الطَّويل] كفانيَ إذْ عَنَّ الحوادثُ صارمٌ … يُنيلُنيَ المأمولَ بالأَثْرِ والأَثَر يقدُّ ويفري في اللِّقاء كأنهُ … لسانُ أبي إسحاقَ في مجلسِ النَّظر

стр. 9286

ولمَّا مات أبو إسحاق أجلسوا مكانه بالنظامية أبا سعيد المتولي، وسنذكره إن شاء الله. طاهر بن الحسين (١) ابن أحمد بن عبد الله، أبو الوفاء، القوَّاس، ولد سنة تسعين وثلاث مئة، وقرأ القرآن، وسمع الحديث، وتفقَّه أولًا على أبي الطَّيِّب الطبري، ثم رأى مذهب الإمام أحمد ﵀، فتفقَّه على القاضي أبي يعلى، وأفتى ودرَّس، وكانت له حلقة بجامع المنصور للمناظرة والفتوى، وكانت وفاته في شعبان، ودُفن بدكة الإمام أحمد ﵀ إلى جانب الشريف أبي جعفر. وروى عنه الشيوخ، وكان زاهدًا، عابدًا، ورعًا، ثقةً، أقام بمسجده المعروف به بباب البصرة خمسين سنة لا يخرج منه إلَّا إلى الجامع. محمَّد بن أحمد (٢) ابن محمَّد بن إسماعيل، أبو طاهر بن أبي الصقر، الأنباري، وُلد في ذي الحجة سنة سبع وسبعين وثلاث مئة بالأنبار، وتُوفِّي في شعبان، ودُفِنَ ببلده، وكان يقول: هذه كتبي أَحَبُّ إليَّ من وزنها ذهبًا. واتَّفقوا على صدقه وثقته وزهده وصيامه وقيامه، وكان يشعر، فمن شعره: [من الكامل] صدِّقْ وصَلِّ وصُمْ وجاهِدْ مشركًا … واحجُجْ وطُفْ بين الحطيمِ وزَمْزَمِ وتجنَّبِ السبعَ الكبائرَ واجتهِدْ … في الخيرِ ويحَكَ لا تُلِمَّ بمحرمِ إنْ لم تعِفَّ عن الفواحشِ كلِّها … وتخافَ خالِقَنا فلستَ بمسلمِ وأنشد لابن الرومي: [من الكامل] يا دهرُ صافيتَ اللِّئامَ مواليًا … أبدًا وعاديتَ الأكارمَ عامدا فغدوتَ كالميزان ترفع ناقصًا … أبدًا وتخفضُ لا محالةَ زائدًا

стр. 9287

محمَّد بن أحمد (١) ابن الحسن بن جردة، أبو عبد الله، البَيِّع البغدادي، أصله من عُكْبَرا، كان يتردَّد منها إلى بغداد يبيع الخام، وكان رأسُ ماله عشر نصافي، فبارك الله له، ووسَّع عليه، وأثرى حتَّى صارت بضاعتُه ثلاثَ مئة ألف دينار، وزوَّجه الشَّيخُ الأجلُّ أبو منصور ابنتَه، وكان جليلًا، نبيلًا، جوادًا، سمحًا، مُحبًّا للعلماء، وما خرج عن ملبوس التجار، ولا غيَّر زيَّه، وبنى مسجده بالرَّيحانِيّين، وهو الذي قال فيه ابن البياضي: [الخفيف] حبَّذا مسجدٌ بنهر مُعلَّى الأبيات وخَتَم في هذا المسجد مئةَ ألفٍ في مئةِ ألفِ خَتمة على مدى الأنفاس، وكانت صدقاتُه دارَّةً على الفقراء والمساكين والأرامل، وكانت أكثرُ صدقاته سِرًّا على أرباب البيوت، وكانت دارُه بباب المراتب بمقدار الجامع فيها ثلاثون دارًا، ولها بابان، على كلِّ باب مؤذن، إذا أذَّن أحدُهما لا يسمعه الآخر. ولمَّا دخل البساسيري بغداد ونهب دارَ الخليفة خرجت خاتون زوجةُ القائم إلى دار ابن جردة، فخدمها وأحسنَ إليها، وحمل إلى قريش عشرةَ آلاف دينار حتَّى سمى داره من النهب، فلمَّا اجتمعت خاتون بالسلطان طُغْرُلْبَك حكَتْ له ما فعل ابنُ جردة معها، فلمَّا دخل طُغْرُلْبَك بغداد جاء بنفسه إلى دار ابن جردة شاكرًا له. وكانت وفاتُه في ذي القعدة، ودُفن في التوبة الملاصقة لتربة أبي الحسن القزويني الزَّاهد في الحربية رحمة الله عليه. السنة السابعة والسبعون والأربع مئة فيها في المُحرَّم ورد الخبرُ بأن تُتُش ورد من دمشق إلى أنطرطوس، فحصرها وأخذها من ابن ملاعب، وسلَّمها إلى جلال الملك بن عمار صاحب طرابلس، وأخذ منه مالًا، وكان قد سأله ذلك وعاد إلى دمشق.

стр. 9288

وفي صفر وصل الحاجُّ سالمين مع خُمارتِكين الحسباني، وذكروا حُسْنَ سيرته. وفي يوم الاثنين منتصف ربيع الأوَّل كانت وقعةٌ عظيمةٌ على باب آمد بين فخر الدولة ابن جَهير ومسلم بن قريش. ذكر السبب: كان ابن جَهير قد سار إلى ديار بكر لفتحها، فبلغه أن مسلم على قصده، [ومنعه] (١)، فكتب إلى السلطان يلتمس منه عسكر الدفعة، فتقدم إلى ارْتُق بك يجمع التركمان والعرب من فخر الدولة، ففعل، وسار مسلم إلى ابن جَهير، فأرسل إلى أُرتُق بك، فجاءه بجمع كبير من التركمان، ووقعت المراسلة، وكلٌّ أشار على مسلم بالرجوع إلى أعماله، فقال: ترجعون مرحلةً إلى ورائكم وأرجع أنا؛ لئلا يُقال: إنَّني منهزمًا عدتُ، فامتنع أُرْتُق بك وقال: أنا لا أردُّ رايات السلطان على عقبها. وعرف التركمان ما يجري فقالوا: نحن جئنا من البلاد البعيدة لطلب النهب، وهؤلاء يسارعون في الصلح؟!. وركبوا نصف الليل من غير إعلامٍ لأُرْتُق بك، وأشرفوا يوم الجمعة على العرب، وكانوا أضعاف العرب، فأخذوهم باليد من غير طعن ولا ضرب، واحتاطوا بهم، ولم يكن لمسلم سبيلٌ إلى الهرب، فطلب صوب (٢) آمِد، وتبعه ابنُ مروان وجماعةٌ من أصحابهما فدخلوا آمد، وبقوا يومَهم وليلتَهم لم يَطْعَموا طعامًا، ولا شربوا شرابًا، وكذا خيلُهم، وأشرف ابنُ جَهير وأُرْتُق على القوم ضاحي النهار وقد استولى التركمان على الحِلل والأموال والمواشي، وكان ممَّا [لا يُحصى و] (٣) لا يُحَدُّ ولا يُحصر، وأخذوا النساء وفضحوهنَّ، وربطوا أمراء بني عقيل بالحبال، وباعوهم بالقراريط، وأشعل التركمانُ عشرةَ آلاف رمح تحت القدور، وجرى على العرب ما لم يجرِ عليهم قبلُ، وسبَوا نساءهم، وبلغ الفرسُ الجيِّدُ دينارًا، وكذا الجملُ والرأسُ الغنمِ نصفَ قيراط، والعبيدُ والإماءُ من دينار إلى دينارين، وما سوى ذلك فما اشتُري ولا بِيع،

стр. 9289

وراسل مسلم أُرْتُق بك وقال: لمثل هذا اليوم خبأتُكَ، ولمثله تُستَحبُّ الصنيعةُ، وأُريد أن تمُنَّ عليَّ بنفسي. وبذل له مالًا أرغبه فيه، فأجابه، وبعث ابنُ جَهير إلى أُرْتُق بك يقول: قد حصلت بنو عقيل في أيدي التركمان، ويجب أن تجمعَهم وتُنفِذَهم إلى السلطان، وتُقيم على هذا الإنسان -يعني مسلم بن قريش- وتستنزله، وقد ملكتُ الأرض إلى مصر. فقال أُرْتُق: هذا أمر ما إليك منه قليل ولا كثير، وأنا صاحب الحرب، وليس عادتُنا مع من نأسره أن نحبسه، بل نبيعه ونُطلِقُه. وكانت نيةُ أُرْتُق بك مع السلطان غيرَ مستقيمة، فأنفذ ابنُ جَهير إليه يقول: إن السلطان أنفذ لي شحنةً معي وجندًا بين يدي يفعلون ما أراه، وكان على آمد، فغضب أُرْتُق بك، ورحل من وقته، وذلك في اليوم الثالث من الوقعة، وتبعه أكثرُ التركمان، وقصد سنجار، وسار ابنُ جَهير ومن معه إلى ميَّافارقين ولم يقدروا على المقام بعد أُرْتُق بك، فخرج مسلم من آمد يوم الأحد لتسع بَقِين من ربيع الأوَّل، ووصل الرقة، وبعث إلى أُرْتُق بك بما كان بذله له وزادَه، وأقام ابنُ جَهير على ميَّافارقين، فاشتدَّ الغلاءُ، وراسل أهلَها وأهلَ آمد، فهمُّوا بفتح الأبواب، وعلم ابنُ مروان، فقبض عليهم، وبطل ذلك التدبير، ومضى ابنُ جَهير إلى أخلاط، وعاد مَنْ معه إلى العراق، وكتب إلى السلطان يشكو أُرْتُق بك، وكان اتصل بالسلطان ما جرى، وأن مسلمًا في آمد محصورٌ، ولم يشُكَّ في أخذه، فندب عميد الدولة لحرب الجزيرة، وأخذ مسلم، وردَّ إليه أمر حلب والرحبة، وبعث معه خُمارتِكين صوب الحاجب وجماعةٍ من الأتراك، وكُوتِبَ أُرْتُق بك بموافقته، وسار من أصفهان، وبلغه في الطَّريق خلاصُ مسلم، فكتب إلى السلطان يخبره، فسار السلطان يريد الموصل، وسار أُرْتُق بك من سنجار إلى الموصل، فالتقى عميدَ الدولة، وكان قد مرض بدَقوقا، ونزلا بإزاء الموصل، وراسل عميدُ الدولة أهلَها أن يفتحوا للسلطان الباب ويطيعوه، فقالوا: إذا حضر السلطان سلَّمنا إليه، وجاء السلطان، فخرج إليه نُوَّاب مسلم [وأجابوه] (١) وحاموه وأطاعوه، وقالوا: أمرَنا صاحبُنا أن لا نُغلق في وجهك بابًا. فأعجبه ذلك، وأمَّنهم، ودخل إليها، وأقام أيامًا.

стр. 9290

وفي جمادى الأولى توفي سرهنك ساوتكين الحاجب، وخلف ألفي ألف دينار وخمسة عشر ألف ثوب، منها تسعة آلاف ديباج رومي، وخمسة آلاف رأس خيل، وألف جمل، وثلاثين ألف رأس غنم، سوى الضياعات والأسلحة والأمتعة، وجاء للسلطان خبرٌ من ناحية أخيه تُتُش، فرأى إعادة مسلم إلى بلاده، فأرسل إليه أبا بكر بن نظام الملك، وكان نازلًا مقابل الرحبة، فتوثَّق به، وعاد به إلى السلطان، فخلع عليه وأعاده إلى أعماله، ورجع إلى أصفهان في الرابع والعشرين من رجب. وفي يوم الخميس سلخ رجب فتح سليمان بن قُتُلْمِش نيقية وهي بلدة بالساحل تضاهي أنطاكية، وجمع ما يليها من طَرَسوس وأذَنة والمِصِّيصة وعين زربة. وكان الفردوس المتولِّي على أنطاكية من قِبَل ملك الروم قد أساء السيرة، وصادر أرباب الأموال، وقتل من الأحداث خلقًا كثيرًا، وقبض على ولد نفسه وحبسه، فكاتب سليمان، وواعده ليلةً بعينها، فجاء في طائفة من التركمان، ففتحوا له الباب، فدخلها واستولى على أموالها وقلعتها، واستولى على الكنيسة وما فيها من الأموال والجواهر، وكان الفردوس قد خرج إلى بعض النواحي، ولم يتعرَّض سليمان للودائع، ثم نادى في عسكره: لا تتعرَّضوا لأحد من النصارى، ولا ينزل أحد في دار أحد، فلم يؤخذ لأحد درهم، وأحبَّته النصارى، وشاع عدلُه فيهم، فعمرت أنطاكية، وعادت أحسن حالًا من جميع البلاد، فبعث مسلم إلى حلب ألفي فارس يحفظها، وأرسل إلى سليمان يقول: للسلطان في كلِّ سنة على أنطاكية مال، فإن كنتَ طائعًا فابعَثْ به إليَّ، وإن كنتَ عاصيًا فعرِّفني. فقال: بل أنا السامع المطيع، وقد كتبتُ إلى السلطان أُخبره بهذا الفتح، والمال إنما كان يؤخذ من صاحب أنطاكية على وجه الجزية ونحن مسلمون، ومن جند السلطان، وكانت الرسالة مع ابن الحلزون نائب مسلم بحلب، فقال: ما نعرف إلَّا المال. وأغلظَ له، فغضب سليمان، وأرسل عسكره، فنهبوا سواد حلب من منبج إلى المعرة، وسَبُوا وساقوا من الجمال والدوابِّ والماشية شيئًا كثيرًا، وقصده أرباب النهب، فاعتذر إليهم وقال: ما لي بهذا عادة، وإنما أميركم فعل هذا حيث نَزَّلني منزلة الكفار، ثم تقدَّم بردِّ النَّهبِ عليهم، فردَّ بعضَه، وصونِعَ عن الباقي بشيء يسير.

стр. 9291

وقيل: أخذ عن كلِّ دابة دينارًا أو درهمًا، وبلغ ابنَ قريش، فسار من منزله بالقابوسية إلى حلب وهو مُخف من العسكر والمال؛ لما جرى عليه وعلى آمد، واتَّفق أنَّه وقع بين الحنيني الهاشمي مُتقدِّم الأحداث بحلب وبين علي أخي مسلم المقيم بحلب لحمايتها، فأنفذ الهاشميُّ إلى مسلم يشكو منه، وقال في رسالته: قد شاع ما في أنطاكية من العدل والإنصاف، وأخاف أنَّ أهل حلب يريدون ويقصدون ويتوصَّلون إلى تسليم البلد، فقبض مسلم على أخيه واعتقله، وأخذ منه عشرة آلاف دينار، وتتبَّع الهاشمي أصحابَه، فقبض عليهم، وشفى فؤاده منهم، وخبُثت نفسُه، فابتاع حصنًا يُعرف بحصن أبي قبيس لا يرام، ونقل أمواله وذخائره إليه، وقُتِلَ مسلم في هذه السنة. وأمَّا السلطان فسار مُجِدًّا في نفر يسير، حتَّى ورد نيسابور ولَحِقَ به عسكرُه، فوجد أخاه تكش (١) قد أفسد في البلاد، وأخذ وجوه أهل مرو وصادرهم؛ ظنًّا منه أن السلطان توغَّل في الشام، والتقت طلائع الفريقين، فانهزم تُكش إلى قلعته بعد أن أُسِرَ من أصحابه جماعة، فبعث بهم السلطان إلى أصفهان معتقَلين، وسار وراءه متيمِّمًا، وبعث إلى تِرْمِذ مَن انتزعها من يد نُوَّاب (٢) تُكش، وراسل إبراهيم بن مسعود صاحب غزنة، وقال: قد عرفتَ ما فعلتُه مع أخي، وأحسنتُ إليه وخرج عليَّ وعصاني، وقد حاصرتُه وما له ميرةٌ إلَّا من بلادك، فإن منعتَه فهو المأمول منك، وإن أعنتَه كنتَ ناكثًا لما بيننا من الإيمان. فأرسل إلى إبراهيم يعتذر ويومئ إلى توسُّط الحال وإصلاحها، ومضى جماعةٌ من الحُجَّاب والأمراء نحو القلعة (٣) والسلطان نازلٌ على المضيق، فوقعوا بخيول وجمال، ومواشٍ وغلمان، فأخذوا الجميع، وكان عددًا لا يُحصى، وكان تكش على قرب منهم سكران، فهرب وسَلِم. وقال محمَّد بن هلال: وردت الأخبار إلى السلطان لمَّا كان بالموصل أنَّ تكش نزل بمرو الرُّوذ فأخربها ونهب أموال أهلها، وانتقل إلى مرو الشاهجان، فخدع أهلَها، ففتحوها له، فأباحها ثلاثةَ أيَّام، فنهبوا الأموال، وهتكوا الحريم، وشربوا الخمور في

стр. 9292

نهار رمضان بالجامع الأعظم، وفعلوا ما لا يَستحسن الكفارُ فِعْلَه، ثم صادر أربابَ الأموال، وأخرب البلاد، ثم سار إلى سَرَخْسَ، وبها مسعود ناجر التركماني نائب السلطان، وكان تكش مغتاظًا عليه؛ لأنَّه هزمه مرَّة بعد مرَّة، فتحصن منه بقلعة سَرَخْسَ وهي في حصانتها لا تُرام، فنازلها أيامًا، وراسله وخدعه ومسعود يقول: كأنك بالرايات السلطانية قد أطلت، فنصب المجانيق وقاتل. فوصلت الأخبار بوصول السلطان إلى الري، وبلغه ما فعل تكش، فقدَّم بين يديه المقدمات، وبلغه ما اقتضى مسيره بنفسه، وتقدَّم العساكر في خواضه، وحمل الكوسات على الجمَّازات، فوصل من الري إلى نيسابور في ستة أيَّام، وكتب إلى مسعود يقول: إذا سمعت صوت الكؤوس في الوقت الفلاني، فاخرُجْ في عسكرك من أمامهم، ونحن نأتي من ورائهم. فاتَّفق أن طلائع تكش أخذوا الجاسوس، وحملوه إلى تكش، فلما وقف على الكتاب دُهِشَ ورحل من وقته، وحمل ما قدر عليه، وضرب الباقي في النَّار، وكان شيئًا كثيرًا، وجاء إلى مرو، فغلق أهلُها في وجهه الباب، وقاتلوه، وقتلوا من (١) تخلَّف من أصحابه. ووصلت مقدمات السلطان مع الأمير بُزان إلى سَرَخْسَ، فانضمَّ إليه مسعود، ولحق بهما الأمير بُرْسُق، وساروا يقصُّون أثر تكش ويسارقونه، ولا يقدمون على الهجوم عليه، ووصل إلى بَلْخ، وأقام يستخرج ماله وذخائره، ودنا السلطان منه، فسار إلى قلعة بلخ، واتَّبعه السلطان، [فنزل] (٢) على مرج قريب من بلخ، فيه عشب كثير، وأطلق النَّاسُ دوابَّهم فيه، وكان أُرْتُق بك معهم، [فرتبه] على بعض المضايق، وفرَّق الأمراء حول القلعة، وركب السلطان وصَعِد على جبل مشرف عليها، فرأى مكانًا قَويَ في خاطره الوصولُ إليها منه. ووصل رسول صاحب غَزْنة يشفع في تكش، فقال السلطان للرسول: إذا فرغنا من هذا الوجه قصدناكم، فإنَّ صاحبك هو الذي يجسره على العصيان. فقال الرسول:

стр. 9293

صاحبي يقول: أنا مقيمٌ على العهد الذي بيننا، وقد فرَّغتُ غَزْنة (١) ونقلتُ أهلها وأموالها إلى بلاد الهند، وأعوذُ بالله أن أواجهك أو أحاربك، ألقاك بالخضوع حتَّى يزول ما وقر في صدرك. فقال السلطان: إننَّا نرفعه من الدخول في (٢) عهد هذا الغلام الجاهل، ولا نؤثر مقاطعته لأجله. وضاق بجند تكش الأمر، وأشرفوا على الهلاك، وتغيَّروا عليه، فأرسل رسولًا إلى السلطان يخدعه باطنًا، ويُجامله ظاهرًا، ووصل الرسول إلى نظام الملك، فقال له السلطان: قد خشيتُم أن نردَّ إليه منكم رسولًا أو كتابًا، ولا يتجاسر أحدٌ على خطابه في معناكم. فقال الرسول للنظام: هو قد ألقى إليك مَقاليدَه (٣)، وفوَّض إليك أموره، وحكَّمك فيما تراه. وقال: إن رأيتَ أنني أجيءُ وأطرحُ نفسي عليه جئتُ بعد أن تتوثَّق لي من السلطان، وأنا أُسلِّم إليه القلاع التي في يدي، فإنَّها سبب الوحشة، ويقرُّ عملي في يدي. فدخل النظام على السلطان وأخبره، فقال: عندي من الأمر أوفى من ذلك وأتمُّ، إن أراد أن أُقِرَّه في بلاده وأدعَ قلاعَه في يده، وأزيدَه في الإحسان فليحضرْ عندي بعد أن يُخَلِّفني بما شاء، ويتوثَّق بما أراد من جهتي وجهتك، وإن خاف الحضور فأنا أُفرِدُ له من بلادي موضعًا آخر، وأُفرِّج له عن الطَّريق حتَّى يمضي إليه ويُسلِّم ما بيده من هذه القلاع، وإن شاء أن أُسلِّم إليه طخارستان سلَّمتُها إليه، وليس بعد هذا عندي كلام ولا جواب، فأعلِمِ الرسولَ بهذا، وقل له: إن عاد بغير أَحَدِ هذه الأقسام ضربتُ عنقه. واتَّفق أنَّ بعض الأمراء توغَّل في شعب تحت القلعة فيه قصرٌ قريبٌ من الباب وفيه تكش سكران، فواقعه، وحماه أصحابُه واستنقذوه، فصعد إلى القلعة، وعاد الرسول، فقيل له: بماذا جئت؟ فقال: بما يرضي السلطان. فبادر النظام، وأخذ بيده، ودخل على السلطان، فقال له: بماذا جئت؟ فقال: الملك العادل يقول: أمَّا القلاع فلا أُسلِّمها، ولكني أُخرِبُها، وأمَّا اللِّقاء فإنني لا أحضر بابك، ولكني أكون على رأس

стр. 9294

جبل وأنت على آخر، وبيننا الوادي، فنتحدث ونتعاهد، وتُسلِّم إليَّ بلد هراة، وتُنفذ إلى خواجا بزرك لأقرر معه هذه القواعد، فلستُ بأقلَّ من مسلم بن قريش. فاستشاط السلطانُ غضبًا، وأمر بضرب عنق الرسول، فقام نظام الملك وقبَّل الأرض، وسأله فيه، وعزَّ على النظام؛ لأنَّه بادر به إلى السلطان، وكان في مجلس شُرْبِه، فلمَّا عرف مجيء نظام الملك أمر برفع المجلس احترامًا له، وهذه كانت عادتُه، فلمَّا لم ينفصل أمرٌ عَزَّ على النظام ذلك، وأمر السلطان بأن يُطاف بالرسول العسكر، وأن يُضرب ضربًا مُبرِّحًا، ففعل به ذلك، وعاد إلى صاحبه. ووصل الأمير منصور بن مروان صاحب ميَّافارقين فنزل على الأمير، فماج، وحمل من الغد خيلًا لا قيمةَ لها، وأشياءَ زرية، فأقامت على سرادق السلطان يومًا لم يلتفِتْ إليها، ورآها فلم تُعجِبْه، وحمل إلى خاتون هديةً قليلةً، ولم تمضِ عليه غيرُ خمسة أيَّام حتَّى بعث إلى إياز النظامي يقترض منه ألف دينار، وأمرَ دلَّالةً أعجميةً أن تقترض له على ثلاثة آلاف دينار بسبعة آلاف، وأظهر جماعةٌ تواقيع للسلطان عليه منذ عشر سنين لم يُعطِ أهلَها شيئًا، وطالبوه وأهانوه هوانًا كثيرًا، فذل، ومع هذا لم يؤثر فيه، وقصد نظام الملك ورمى بنفسه عليه وعلى الحاشية، فلمَّا كثروا على السلطان في أمره قال: لا سبيل إلى إعادة البلاد حتَّى ينفصل أمر تكش، فقال النظام لمنصور: لا سبيل إلى إعادة ما أخذه ابن جَهير منك، فقال: لو أخذ مني ضيعةً ما رضيتُ. وورد كتابُ ابنِ جَهير أنَّه قد استولى على أربعة حصون، وأنَّ أهل ميَّافارقين قد كاتبوا بالتسليم، فحينئذٍ أجاب على أن يكون له ميَّافارقين، وتوقَّف الحال، وتحدَّث في مصاهرة السلطان، وبذل ستين ألف دينار، فقيل له: أنت تستقرض بالربا، فمن أين لك ستون ألف دينار؟ وافتضح وصار ضحكةً بقلَّة عقله، وقد كان خرج من ميَّافارقين بغير خيمةٍ ولا زادٍ ولا درهم. وفي ذي الحجَّة فُتحت مدينة ملطية، فتحها خالٌ لسليمان بن قُتُلْمِش. وفيها بنى بدر الجمالي جامع العطَّارين بالإسكندرية، وسببه أن ولدًا له عصى عليه، ودخل الإسكندرية فتحصَّن بها، فسار أبوه إليها فنازلها شهرًا، وطلب أهلُها الأمان، وفتحوا له الباب، فدخلها، وأخذ ابنَه أسيرًا، وبنى هذا الجامع.

стр. 9295

وفيها وردت الأخبار من ناحية الغرب بأن الفرنج استولوا على جزيرة الأندلس، وفتكوا بأهلها، وأنَّ صاحب طُليطِلة استصرخ بالملثمين واستنجدهم على الفرنج فأنجدوه، ووصلوا إليه في خلقٍ عظيمٍ والتقوا، وكان الفرنج في مئين ألوف، فكُسِروا كسرةً عظيمةً لم ينْجُ منهم إلَّا من سبقَ جواده، وأُخِّر [في] (١) أجله، بحيث أُحصيَ القتلى فكانوا عشرين ألفًا جُمِعتْ رؤوسهم، وبُنيَ بها أربعُ منائر للمؤذنين في غاية الارتفاع (٢)، وأذَّنَ المسلمون فيها، وعاد عسكر الملثَّمين إلى بلادهم مسرورين ظافرين. وفيها تُوفِّي أحمد بن محمَّد بن دوست (٣) أبو سعد (٤)، الصُّوفي، النيسابوري، صاحب رياضات ومجاهدات، سافر كثيرًا، وحجَّ مرات، وكان يجمع الفقراء ويخرج بهم إلى البادية، وينتقل في القبائل، وكان حسنَ الأخلاق، دائمَ البشر، وتقدم حتَّى صار شيخَ الصوفية ببغداد، وكان له الجاهُ العظيم، وكان غاب بالبادية مدةً، ثم جاء فنزل على صاحبه أبي بكر الطُّرَيثيثي، وكانت له زاويةٌ صغيرة، فقال له أبو سعد: يا أبا بكر، لو بنيتَ للأصحاب موضعًا أوسع من هذا وأرفع بابًا. فقال له: إذا بنيتَ أنت رباطًا للصوفية فاجعل له بابًا يدخل فيه جملٌ براكبه (٥)، فذهب أبو سعد إلى نيسابور فباع جميع أملاكه، وجاء إلى بغداد، فكتب إلى القائم بأمر الله يلتمس منه خربةً يبني فيها رباطًا، فأذن له، فبنى الرباط، وجمع الصوفية، وأحضر أبا بكر الطُّرَيثيثي، وعمل له دعوةً، وأدخل رجلًا راكبًا على جملٍ

стр. 9296

من باب الرباط، وقال للطُّرَيثيثي: يا أبا بكر، قد امتثلتُ ما رسمتَ. ثم جاء الغرق سنة سبع وستين فهدم الرباط، فأعاده أحسن (١) ما كان، وقال ولدُه (٢) أبو البركات: لمَّا غرقت بغداد كان الماء يدخل إلى الدور من السطوح، فأخرب الجانبَ الشرقيَّ، فاكترى أبي زورقًا وحُملنا والصوفيةَ فيه، والماءُ يرمي الحيطان، ويحدر الأخشابَ والأبوابَ والجذوعَ إلى البطائح والبحر، فقال أحمد بن زهير الصُّوفي لوالدي: يا أبا سعد، لو اكتريتَ مَنْ يجمعُ هذه الأخشاب في مكان، فإذا نقص الماء بنيت بها الرباط ثانيًا. فقال له أبو سعد: هذا زمانُ تفرقة لا زمانُ جمع، فإذا جاء وقت الجمع جمعنا. واجتاز أبو سعد بالسوق قبل أن يبني الرباط، فرأى الخبز النقي، وكان من عادة الصوفية أكل الخشكار، فقال: إنْ قُدِّر لي بناء رباط لأشرُطَنَّ في سجلِّه أن لا يطعم الصوفية إلَّا الخبز النقي، فهم الآن على ذلك. وكانت وفاتُه ليلة الجمعة في ربيع الآخر، ودُفِنَ بمقبرة باب أبرز قريبًا من أبي إسحاق الشيرازي، وقد أناف على السبعين، وأوصى أن يُقام ولدُه مقامَه، وله اثنتا عشرة سنة، ومولده سنة خمس وستين وأربع مئة. نشأ ببغداد، وسمع الحديث، وزار القدس، ونزل بخانكاه السُّمَيساتي بدمشق وعاد إلى بغداد و [قد] (٣) صار شيخَ الشيوخ بها. وكتب إليه أبو القاسم [عبد الله بن القاسم] بن علي الحريري: [من الطَّويل] سلامٌ كأزهارِ الربيعِ نضارةً … وحُسْنًا على شيخِ الشيوخِ الذي صفا و [لو] لم يَعُقْني الدَّهرُ عن قصدِ رَبْعِهِ … سعيتُ كما يسعى المُلبِّي إلى الصَّفا ولكِنْ عداني عنه (٤) دهرٌ مُكَدَّرٌ … ومَنْ ذا الذي واتاه في دهره الصَّفا

стр. 9297

عبد السيد بن محمَّد بن عبد الواحد (١) أبو نصر بن الصباغ، الإمام، الشَّافعي، ولد سنة أربع مئة، وتفقَّه وبرع في الفقه، وصار فقيهَ العراق، وكان يُقدَّم على أبي إسحاق في معرفة المذهب، وصنف الكتُبَ الحِسان؛ منها: "الشامل" و "الكامل" و "تذكرة العالم" و "الطَّريق السالم". وولي التدريس بالنظامية قبل أبي إسحاق عشرين يومًا، وكان قد سافر إلى السلطان وأحسن إليه، فلمَّا قدم [بغداد] هرع النَّاس يهنُّونه بذاك أيامًا. وكانت وفاته في جمادى الأولى، ودُفن بداره بدرب السلولي من الكَرْخ، ثم نُقل إلى باب حرب. وكان ثقةً ثبتًا صدوقًا [ديِّنًا] فاضلًا. علي بن أحمد بن عبد العزيز (٢) الأندلسي، رحل وسمع الحديث الكثير، ومن شعره: [من البسيط] صَيِّرْ فؤادَكَ للمحبوبِ منزلةً … سَمُّ الخِياطِ مجالٌ للمُحِبَّينِ ولا تُسامِحْ بغيضًا في معاشَرةٍ … فقلَّما تسَعُ الدنيا بَغيضينِ (٣) مسلم بن قُريش بن بدران أبو البركات، شرف الدولة، أمير بني عقيل، صاحب الموصل والجزيرة وحلب، وزوَّجه السلطان ألب أرسلان أُختَه. وكان شجاعًا جوادًا داهيةً، يحتاج إليه الخلفاء والملوك والأمراء والوزراء والأعيان، وأولد أختَ السلطان، وخُطِبَ له على المنابر من باب بغداد إلى العواصم

стр. 9298

والشام، وأقام حاكمًا على البلاد نيِّفًا وعشرين سنة، ولمَّا مدحه ابن حَيُّوس بقصيدته التي أولها: [من الكامل] ما أدركَ الطَّلِباتِ مثلُ مُصمِّمِ … إن أقدمَتْ أعداؤُهُ لم يُحْجِمِ وقد تقدَّمت الأبيات، فأعطاه الموصل، فأقامت بيده -يعني في حكمه- ستة أشهر، ومات ولم يدخلها. ذكر مقتله: قد ذكرنا استيلاء سليمان بن قُتُلْمِش على أنطاكية، وأنَّ مسلمًا خاف منه، فقطع الفرات في خفٍّ من العسكر، فنزل على حلب، ثم توجَّه إلى أنطاكية، فخرج إليه سليمان في التركمان واقتتلوا أيامًا، وكان مع مسلم طائفة من التركمان، فمالوا إلى سليمان، وانهزمت العرب، وبقي مسلمٌ في أربع مئة فارس من بني عقيل، فثبتوا معه، وقاتلوا دونه، فصَعِد على عقبة هي آخر أعمال حلب وأول أعمال أنطاكية وقتَ العصر يوم الجمعة الرابع والعشرين من صفر، وكان قد جمع جمعًا من الأرمن من سُمَيساط، وأخذ من حلب ست مئة رجل من أحداثها، وأطلق لحُبَّق مُقدَّم التركمان الذين كانوا معه مالًا، وكان قد صادقه وصار معه، فمال أصحاب حُبَّق إلى سليمان مستأمنين، وأجفلت بنو كلاب من الميمنة وبنو نمير من الميسرة، وقتل من أحداث حلب نحوًا من أربع مئة، وبقي وحده، فانهزم، فأدركوه فقتلوه وغنموا عسكره، وسار بنو عقيل إلى القابوسية، وأخرجوا أخاه إبراهيم بن قريش من القلعة وهو لا يقدر أن يمشي ولا يركب سِمَنًا، وكسروا القيد، وأمَّروه عليهم، وكانوا مُحِبِّين له، ومؤثرين لخدمته أكثر من مسلم، ووقع لهم بالإطلاقات والإقطاعات. وكتب ابن الحنيني الهاشمي (١) الحلبي إلى السلطان يخبره بما جرى، وطلب أن يتقدَّم إليه بتسليم البلد إلى من ينظر فيه، وأغلق الأبواب وحاصره ابن قُتُلْمِش، وقيل: إنهم أجلسوا مكان مسلم ولده بهاء الدولة.

стр. 9299

وقال أبو يعلى بن القلانسي: وفي سنة ثمان وسبعين وأربع مئة كان مصاف بين الأمير شرف الدولة مسلم بن قريش وبين الملك سليمان بن قُتُلْمِش في رابع وعشرين صفر على نهر سفيان، فكُسِرَ عسكرُ قريش وقُتِل، ورحل سليمان نحو حلب محاصرًا لها في غرة ربيع الأوَّل، ولم يتهيَّأ له ما أراد، فرحل عنها خامس ربيع الآخر إلى أنطاكية، والأصحُّ أنَّ مسلمًا قُتِلَ في هذه السنة، والله أعلم. السنة الثامنة والسبعون وأربع مئة فيها في ثالث صفر فتح فخر الدولة من جَهير آمِد لكثرة الغلاء بها، فإنه بلغ المكوك الحنطة دينارًا، وقالت النصارى: ما نبيعه إلَّا بأكثر. فثار بهم المسلمون، وقتلوا جماعةً منهم، ونهبوا أموالهم، وكان وزير آمد نصرانيًّا من قِبَل وزير ميَّافارقين، وكان الآخر نصرانيًّا، فهدَّدهم، فأعلنوا بشعار فخر الدولة، وفتحوا له الباب فدخلها، وأحسن إلى أهلها، وجلب إليهم الغلَّات، وأقام ولده زعيم الرؤساء في قصر السلطان، وسار إلى حصار ميافارقين، وورد الخبر بمسير أُرْتُق بك من حلوان والجبل، وكانت إقطاعه طالبًا الجزيرة والشام، ورجع ابنُ جَهير إلى آمد متحصِّنًا بها لخوفه من أُرْتُق بك؛ لأنَّ ابنَ جَهير هو الذي كاتب السلطان فيه، وأنَّه أطلق مسلمًا وأخذ منه المال، فاستوحش أُرْتُقْ بك، وكان قد اتفق مع مسلم أنهما يمضيان إلى حلب ويكاتبان المصري وينحازان إليه ويُدخلان تاج الدولة تُتُش معهما في ذلك، وكان مسلمٌ أنفذ عمَّه مقبل بن بدران عند انفلاته من آمد إلى مصر بالانتماء إلى دولتهم، وأن يأخذ لهم العراق والجزيرة والشام، ويلتمس إنفاذَ عسكرٍ إلى الشام، ويعبر هو الفرات ويسير إليهم ويتَّفق معهم، وبعث بدر الجمالي ولدَه وابنَ المغربي (١) وجماعةً مع مقبل إلى الشام، فوصلوا دمشق وأقاموا بها، وبعثوا مقبلًا يشعر مسلمًا وأُرْتُق بوصولهم، فوصل حلب، فوجد مسلمًا قد قتل قَيِّم آل قرقيسيا، واجتمع بأُرْتُق، فوعده بإفساد التركمان لتلك الدولة، ونقلهم إلى الشام، وأقام أُرْتُق بالجزيرة وقد فَتَّ قتلُ مسلم (٢) عضُدَه، وكان أُرْتُق لمَّا سار من خراسان نهب ضياعًا للسلطان، وأنفذ إليه السلطان خِلَعًا وذهبًا فلم يقبَلْ منه

стр. 9300

شيئًا، وكان جماعةٌ من عسكر السلطان بديار بكر منهم الكوهراني وقراتكين وأنوشكين، فراسلوه، وقربوا منه، وقالوا: إن كنت عاصيًا سِرْنا إليك، وإن كنتَ طائعًا فيجب أن تجتمع معنا على خدمة السلطان. وراسلوا التركمان الذين معه، وخرجوا ولم يبقَ معه إلا أصحابُه وخواصُّه، وأعاد الجواب أنَّني سامع مطيع، غير أنَّ ابنَ جَهير جعل في نفس السلطان أنني خلَّصتُ ابنَ قريش من آمد، وقد تشوَّشَتْ نيتُه، وما آمَنُ على نفسي منه، وأنا أمضي إلى حلب فأقيم بظاهرها بإزاء سليمان بن قُتُلْمِش وأكفُّه عن فساد (١) طرأ منه، وقد كانت الكتب وردت إليَّ بذلك ويطلبها منه. وفي جمادى الأولى فتح ابنُ جَهير ميَّافارقين عنوةً، واستولى على مملكة بني مروان. ذكر السبب: كان الطنطاق الحاجب المقيم معه شحنةٌ في تلك الأعمال، مائلًا إلى أخذ البراطيل ممن كان في ميَّافارقين، فلذلك طال المُقام عليها، واتَّفق وفاته، فوجد ابنُ جَهير في تركته مكاتبات القوم إليه، فكتب إليه سعد الدولة الكوهراني، فلحق به فأوقفه على الكتب، وصدقوا القتال ثلاثة أيَّام، ففتح البلد يوم الثلاثاء سادس عشر جمادى الأولى. وفي يوم الخميس تاسع جمادى الآخرة قُبِضَ على تُكش، وحُمِلَ إلى قلعة فيروز كورة من أعمال الدامغان، فوصلها في العشرين من رمضان واعتُقِلَ فيها. وفيها توفِّي قاضي القضاة ابن الدامغاني، وخلع على أبي بكر محمَّد بن المظفر الشاهد، وولي قاضي القضاة. وفي رمضان ورد زعيم الرؤساء أبو القاسم بن فخر الدولة بغداد ومعه من أموال بني مروان ما ظفر بها أبوه، ونزل في دار المملكة، ثم خرج في شوال متوجِّهًا إلى أصبهان، وبعث الخليفةُ تاجَ الرؤساء أخا الوزير أبي شجاع مختصَّ الخادم إلى السلطان بسبب الوصلة بابنة السلطان، وبعث معهما بالتحف والهدايا. وفي ذي القعدة تُوفِّي حاجب باب النُّوبي، وسنذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 9301

وفي ذي الحجة تُوفِّي أبو علي بن الوليد المعتزلي، وسنذكره إن شاء الله تعالى. وفيها وقع طاعون عظيم بالعراق، ثم عمَّ الدُّنيا، فكان يكون الرجل قاعدًا في شغله فتثور به الصفراء فتصرعه فيموت من وقته. وهبَّتْ ببغداد ريحٌ سوداء فأظلمت الدُّنيا، ولاحَتْ نيرانٌ في أطراف السماء وأصواتٌ هائلة، فأهلكت خلقًا كثيرًا من النَّاس والبهائم، واشتدَّت الأمراض ببغداد، فكان الأطباء يصفون اللحم في الحميات لحفظ القوة، وامتلأت المقابر من الموتى، وفُقِدَ المغسِّلون والحفَّارون. ومرَّ بعضُ الأتراك بباب مُحَوِّل، فرأى طفلةً على باب بيت وهي تقول: مَنْ يغتنِمْ أجري ويأخُذْني، فإن أبي وأمي وأخواتي ماتوا في هذا البيت. فدخل التركيُّ فرأى في البيت عدة أموات، فخرج مسرعًا وركب، ثم خطر له أن يرجع ويأخذها، فعاد فلم يجدها على الباب، فنزل ودخل الدار، وإذا بها ميتة في صدر أمها. وكان أهلُ الدرب يموتون كلهم فيُسَدُّ بابُ الدرب. وفيها اتَّفق جماعةٌ مع ولد بدر الجمالي بمصر على قتله وينفرد بالملك، وعلم بدر، فقتل الجماعةَ الذين واطؤوه، وعفَّى آثار ولده. ويقال: إنه دفنه حيًّا. وقيل: غرَّقه. وقيل: جوَّعه حتَّى مات. وكان بدر فاتكًا جبارًا عاتيًا، قتل خلقًا من العلماء وغيرهم، وأقام الأذان بحيَّ على خير العمل، وكبَّر على الجنائز خمسًا، وكتب سبَّ الصّحابة على الحيطان. وفيها أمر المقتدي بالله بأن يلبس أهل الذمة الغيارات والزنانير ويهانوا، وتُنقَضَ دورُهم التي تعلو دور المسلمين، وتُسدَّ أبوابُهم المقابلة للجامع، وأن يغضُّوا أصواتهم عند قراءة التوراة في دورهم، وأمر بإراقة الخمور وكسر الملاهي ونقض دور المفسدين. ووردت الأخبار بأن الأنبروت ملك الفرنج نزل على المهدية، وضايقها وفتحها عنوة، وقتل رجالها، وسبى نساءها.

стр. 9302

وعاد سليمان بن قُتُلْمِش إلى حصار حلب وطمع فيها، فوصلت أخبار السلطان أنَّه قاصدٌ إلى الشام، فرحل عنها، وجاءه تُتُش وقد رحل من حلب والتقيا، فهزمه تُتُش وغنم عسكره، ومضى ابن قُتُلْمِش إلى أنطاكية. قال ابن القلانسي: وحاصر تُتُش حلب وضايقها فسلمها إليه ابن البرغوثي الحلبي، ووصل السلطان ملك شاه إلى الشام، ودخل حلبَ في شهر رمضان، وانهزم تُتُش إلى دمشق. والأصحُّ أنَّ السلطان قدم الشام في السنة الآتية لما نذكر إن شاء الله تعالى. وحجَّ بالنَّاس خُمارتِكين، وكان محمودَ السيرة. وفيها تُوفِّي أحمد بن الحسن (١) ابن محمَّد بن إبراهيم، أبو بكر، سبط ابن فورك، وخَتَن أبي القاسم القشيري على ابنته. وكان يعظ في النظامية، فوقعت بسببه الفتنة في المذاهب، وكان مؤثرًا للدنيا، طالبًا للجاه، لا يتحاشى من لبس الحرير. وقيل لابن جَهير الوزير: ألا تُحضره لتسمع منه؟ فقال: الحديث أصلَفُ من الحال التي هو عليها. وكان داعيةً إلى البدعة، يأخذ مكس الفحم من الحدَّادين ويأكل منه. وتوفِّي في شعبان وقد نَيَّفَ على الستين، ودُفِنَ عند قبر الأشعري. الحسين بن علي (٢) أبو عبد الله، المردوسي، حاجب باب النُّوبي، وكان رئيس زمانه، كاملَ المروءة، لا يسعى إلَّا في مكرُمة، كثيرَ الصَّلاة والصوم والصدقة والتعبُّد.

стр. 9303

وكان الخلفاء والملوك يحترمونه، وعمَّر طويلًا، وخدم بني بويه إلى هُلمَّ جرًا. وكانت وفاته في ذي القعدة عن خمس وتسعين سنة، وهو صحيح البدن، سليم الحواس، مستقيم الأحوال، ودُفن بمقبرة باب التبن، وكان قد حفر قبره قبل موته بخمسين سنة. عبد الرحمن بن مأمون بن علي (١) أبو سعيد، المتولِّي، وُلدَ سنة سبع وعشرين وأربع مئة، ودرس بالنظامية موضع أبي إسحاق، ودرس الأصول مدة، ثم قال: الفروع أسلم. وكان فاضلًا شجاعًا فصيحًا. تُوفِّي ليلةَ الجمعة ثامن عشر شوال، وصلَّى عليه أبو بكر الشامي، ودُفِنَ بمقبرة باب أبرز. عبد الملك بن عبد الله بن يوسف (٢) إمام الحرمين، أبو المعالي، الجُوَيني، وجُوَين قرية من قرى نيسابور، ولد سنة سبع عشرة وأربع مئة، وتفقَّه في صباه على والده وله دون العشرين سنة، فأقعده مكانه للتدريس، فأقام الدرس، وسمع الحديث الكثير بالبلاد، وحجَّ وجاور أربع سنين، ثم عاد إلى نيسابور، فجلس يُدرِّس موضع أبيه ثلاثين سنة، وإليه المنبر والمحراب والخطابة، ويجلس للوعظ يوم الجمعة، وكان يحضر درسه في كلِّ يوم نحوٌ من ثلاث مئة فقيه، وتخرَّج به جماعةٌ من الأكابر، ودرَّسوا في حياته، وصنَّف "نهاية المطلب". وكان أبو إسحاق يقول له: أنت إمام الأئمة. وكان ابن الجويني قد بالغ في علم الكلام، وصنَّف الكتب الكثيرة، كـ "الإرشاد" وغيره، وقال: ركبتُ البحر الأعظم، وغُصتُ في الذي نهى أهل الإسلام عنه، كل ذلك في طلب الحق، وكنتُ أهرب في سالف الدهر من التقلُّب، والآن فقد رجعتُ إلى كلمة الحق: عليكم بدين العجائز، فإن لم يتداركني الحقُّ بلطيف بِرِّه، وإلَّا فالويلُ لابن الجويني.

стр. 9304

وكان يقول: يا أصحابنا، لا تشتغلوا بعلم الكلام، فلو عرفتُ أنَّ الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلتُ به. وقال محمَّد بن علي تلميذ أبي المعالي الجويني: دخلتُ عليه في مرضه الذي مات فيه وأسنانه تتناثر من فيه، ويسقط منها الدم والدود، ولا يستطاع شمُّ فيه، فقال: هذه عقوبة اشتغالي بالكلام فاحذروه. وكانت وفاته ليلة الأربعاء الخامس والعشرين من ربيع الآخر عن تسع وخمسين سنة بظاهر نيسابور، ثم نُقل إلى داره بعد سنتين إلى مقبرة الحسين، فدُفن إلى جانب أبيه، وكان أصحابه المقتبسون من علمه نحوُ أربعِ مئة يطوفون في البلد وينوحون عليه. علي بن عبد السَّلام بن محمَّد (١) أبو محمَّد (٢) الأرمنازي ولد سنة سبع وتسعين وثلاث مئة، وسمع الحديث، وكان فاضلًا شاعرًا، فمن شعره: [من الطَّويل] ألا إنَّ خيرَ النَّاسِ بعدَ محمدِ … وأصحابِهِ والتَّابعينَ بإحسانِ أُناسٌ أرادَ اللهُ إحياءَ دينِهِ … بحفظِ الذي يروي عن الأولِ الثَّاني أقاموا حدودَ الشَّرعِ بعدَ نبيِّهمْ … بما أوضحوهُ من دليلٍ وبُرهانِ وساروا مسيرَ الشَّمسِ في جمعِ علمهِ … فأوطانُهم أضحَتْ لهُمْ غير أوطانِ فلستَ ترى ما بينهم غيرَ ناطقٍ … بتصحيحِ علمٍ أو تلاوةِ قُرآنِ من أبيات وكانت وفاته بدمشق، وكان ثقة. محمَّد بن أحمد (٣) ابن عبد الله بن أحمد بن الوليد، أبو علي، المتكلِّم، المعتزلي، شيخ المعتزلة والفلاسفة، والداعية إلى مذهبهم ورأيهم، وهو من أهل الكَرْخ، وكان يدرِّس علم

стр. 9305

الاعتزال والفلسفة والمنطق، فاضطرَّه أهلُ السنَّة إلى أن لزم بيته خمسين سنة لا يتجاسر أن يظهر. ولم يكن عنده من الحديث سوى حديث واحد لم يرو غيرَه، سمعه من شيخه أبي الحسين البصري، ولم يرو أيضًا غيره، وهو قوله ﷺ : "إذا لم تستَحِ فاصنَعْ ما شئت"، فكأنهما خوطبا بهذا الحديث، كأنهما لم يستحيا من بدعتهما التي خالفا بها السُّنَّة وعارضاها بها، ومن فعل ذلك فما استحى. ولهذا الحديث قصة، وذلك لأنَّ القَعْنبي لم يسمع من شعبة غيره؛ لأنَّه قدم البصرة فصادف مجلس شعبة قد انقضى، ومضى إلى منزله، فوجد الباب مفتوحًا، وشعبة على البالوعة، فهجم عليه من غير استئذان وقال: أنا غريب، وقد قصدتُكَ من بلد بعيد لتُحدِّثني، فاستعظم ذلك شعبة وقال: دخلتَ منزلي بغير إذني، وتُكلِّمني وأنا على مثل هذه الحال؟ حدَّثنا منصور، عن رِبْعي بن حِراش، عن أبي مسعود ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "إذا لم تستحِ فاصنَعْ ما شئت"، ثم قال: واللهِ لا حدَّثتُكَ غيرَه، ولا حدَّثْتُ أقوامًا أنتَ منهم. وقيل: إنَّ القَعنْبي كان يشرب النبيذ، ويصحب الأحداث، فجلس يومًا على بابه، فمرَّ شعبةُ والنَّاس خلفه يهرعون، فقال: من هذا؟ قيل: شعبة. قال: وما شعبة؟ قيل: مُحدِّث. فقام إليه وعليه إزار أحمر، فقال له: حدِّثني. فقال: ما أنتَ من أصحاب الحديث. فشهر سِكِّينه وقال: أتُحدِّثني أو أجرحك؟ فقال: حدَّثنا منصور، وذكر الحديث، فرمى سِكِّينه، ورجع إلى منزله فأهرق ما عنده، ومضى إلى المدينة، ولزم مالك بن أنس، ثم رجع إلى البصرة وقد مات شعبة، فما سمع منه غير هذا الحديث، وهو حديثٌ صحيحٌ اتَّفق مسلم والبخاري على إخراجه (١)، ولفظ الصَّحيح: "إنَّ ممَّا أدرك النَّاس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنَعْ ما شئت". واسم القَعْنبي عبد الله بن مَسْلَمة بن قَعْنَب، وكنيته أبو عبد الرحمن.

стр. 9306

وقال ابن عقيل: جرت مسألةٌ بين أبي علي بن الوليد وبين أبي يوسف القزويني في إباحة جماع الولدان في الجنَّة، فقال ابن الوليد: لا يمتنع أن يُجعل ذلك من جملة لذَّاتهم في الجنَّة لزوال المفسدة؛ لأنَّه إنَّما منع منه في الدُّنيا لما فيه من قطع النسل، وكونه محلًّا للأذى، وليس في الجنَّة ذلك؛ ولهذا أُبيح لهم شرب الخمر لمَّا أُمِنَ فيه السكرُ وغائلتُه من العربدة وزوال العقل، فلمَّا أُمِنَ ذلك من شربها لم يمنع من الالتذاذ بها. فقال له أبو يوسف: إنَّ الميلَ إلى الذكور عاهة، وهو قبيح في نفسه؛ لأنَّ هذا المحل لم يُخلَق (١) للوطء، ولهذا لم يُبَحْ في شريعة، بخلاف الخمر، وهو -أيضًا- مخرج [الأذى و] (٢) الحدث، وإذا كانت عاهةً فالجنَّةُ منزَّهةٌ عن العاهات. فقال ابن الوليد: إن العاهة هي التلويث بالأذى، وإذا لم يكن أذى لم يبقَ إلَّا مجرَّد الالتذاذ. وكانت وفاة ابن الوليد في ذي الحجة، ودُفن بالشُّونيزية. وسُئِلَ أبو الفضل بن ناصر عن الرِّواية عنه، فقال: لا تحِلُّ، كان داعيةً إلى الاعتزال. ومن شعره: [من السريع] أيا رئيسًا بالمعالي ارتدى … واستخدمَ العيُّوقَ (٣) والفَرْقدا ما لِيَ لا أجري على مُقتضى … مودةٍ طال عليها المدى إنْ غِبْتُ لم أُطْلَبْ وهذا … سليمانُ بنُ داودَ نبيُّ الهدى تفقَّدَ الطيرَ على مِلْكهِ … فقال ما لي لا أرى الهُدْهُدا محمَّد بن علي (٤) ابن محمَّد بن الحسن بن عبد الملك بن عبد الوهاب بن حمُّويه (٥)، أبو عبد الله، الدَّامَغاني، القاضي، الحنفي.

стр. 9307

ولد بالدامغان في ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين وثلاث مئة، وتفقَّه ببلده، ثم قدم بغداد في رمضان سنة تسع عشرة، وتفقَّه على الصَّيمري والقَدُوري، وسمع منهما الحديث، وبرع في الفقه، وخُصَّ بالفضل الوافر، والتواضع الزائد، فارتفع وشيوخه أحياء، وانتهت إليه رئاسة أصحاب أبي حنيفة. وكان فصيحَ العبارة، مليحَ الإشارة، غزيرَ العلم، سهلَ الأخلاق، وعانى من الفقر في بدايته شدة، فربما كان يستضيء بسراج حارس الدرب للمطالعة من حرصه. وفي ربيع الأوَّل سنة إحدى وأربعين شهد عند أبي عبد الله بن ماكولا قاضي القضاة، فلما مات ابن ماكولا قال القائم بأمر الله للشيخ الأجلِّ أبي منصور بن يوسف: قد كان هذا الرجل قاضيًا حسنًا نزهًا، ولكنه كان خاليًا من العلم، ونريد عالمًا قاضيًا ديِّنًا، فعلم ابنُ يوسف أن عميد الملك هو المستولي على الدولة، وهو شديدُ التعصب للحنفية، فأراد أن يتقرَّب إليه، فأشار بابن الدامغاني، فولي قضاء القضاة يوم الأربعاء عاشر ذي القعدة سنة سبع وأربعين، وخلع الخليفة عليه، وقُرئ عهدُه وقصد خدمة طُغْرُلبَك، فأعطاه دَسْتَ ثياب وبغلة، فاستمرت ولايته ثلاثين سنة، ونظر في الديوان نيابة عن الوزارة مرتين؛ مرةً للقائم، ومرةً للمقتدي. وقال: كنتُ آخذ الجزء في كُمِّي وأنزل أيَّام الحر إلى دجلة أتفيَّأ ظلال المشتيات وأُعيده، فلا أقوم إلَّا وقد حفظتُه، فانتهى بي السعي يومًا إلى مشتيات الحريم الطاهري، فجلستُ أقرأ، وإذا قد اطَّلع شيخٌ حسنُ الهيئة، وجاءني خادمٌ بعد ساعة فأقامني وأدخلني إلى دار كبيرة، وعلى بابها حواشٍ وخدم، وإذا بالشَّيخ جالسٌ، فسلَّمتُ عليه، فردَّ واستدناني ورحَّبَ بي، وكان عليَّ قميصٌ خامٌ وَسِخٌ، فسألني عن بلدي، فقلت: الدَّامَغان. فقال: ما تقرأ؟ قلت: مذهب أبي حنيفة. قال: من أين مؤنتك؟ فقلت: لا مؤنة لي. فسألني عن مسائل فأجبتُه، فقال: تجيء كلَّ خميس إلى هنا. ورمى إليَّ قرطاسًا مكتوبٌ فيه شيئًا بخطِّه، وقال: تعرضُ هذا على مَنْ فيه اسمُه، وتأخذ ما يعطيك، فأخذتُه ودعوتُ له وخرجتُ، وإذا على الباب رجل جالس، فقلت له: من صاحب هذه الدار؟ فقال: ابن المقتدر. فأعطيتُه الكتاب، فقال: نَعمْ، هذا

стр. 9308

خطُّ مولانا. وإذا فيه عشر كارات دقيق سعيد، وعشر دنانير، وكانت الكارة تساوي ثمانية دنانير، فأعطاني الدقيق والدنانير، فاتَّسعتُ به، واشتريت الكتب والكسوة. وكانت وفاتُه ليلةَ السبت الرابع والعشرين من رجب، وقد ناهز الثمانين، وكانت له جنازة عظيمة، نزع العلماء طيالسهم ومشوا فيها، وصلى عليه ابنه [أبو] (١) الحسن، ودفن بداره بدرب القلايين، ثم نُقل إلى مشهد أبي حنيفة ﵁. واتَّفقوا على فضله ودينه ورياسته ونزاهته وصدقه وثقته. وبذل ابنُه [أبو] الحسن مالًا للخليفة ليولِّيه القضاء فلم يفعل. محمَّد بن عمر (٢) ابن محمَّد بن أبي عقيل، أبو بكر، الكَرْخي، الواعظ، ولد سنة خمس وأربع مئة، وسافر إلى البلاد، واستوطن دمشق، وتوفي بها في رجب، ودُفن بالباب الصَّغير. وكان فاضلًا فصيحًا ثقة ثبتًا صدوقًا صالحًا، ومن شعره: [من البسيط] بَيِّضْ صحيفتَكَ السوداءَ (٣) في رجبِ … بصالحِ العمل المُنْجي من اللَّهَبِ شهرٌ حرامٌ أتَى من أشهرٍ حُرُمٍ … إذا دعا اللهَ داعٍ فيه لم يَخِبِ طوبى لعبدٍ زكا فيهِ لهُ عمَلٌ … فكَفَّ فيه عن الفحشاءِ والرِّيبِ منصور بن دُبَيس (٤) ابن علي بن مَزْيَد، أبو كامل، بهاء الدولة، صاحب الحِلَّة، تُوفِّي بها، وقيل: بالسلّ (٥). وكانت إمارتُه ستَّ سنين، وقام بعده ولده سيف الدولة صدقة، وكانت وفاة منصور في رجب، وقيل: في سنة تسع وسبعين (٦).

стр. 9309

هبةُ الله بن عبد الله بن أحمد (١) أبو الحسن، السِّيبي، البغدادي، ولد سنة أربع وتسعين وثلاث مئة، وسمع الحديث، وكان شاعرًا فصيحًا، وتُوفِّي في المُحرَّم، ودُفِنَ بباب حرب، وكان قد أدَّب المقتدي وأولاده، وكان ثقةً، وبلغ خمسًا وثمانين سنة، وهو القائل: [من المتقارب] رجوتُ الثمانينَ من خالقي … لِما جاءَ فيها عن المصطفى فبلَّغَنيها وشُكرًا لَهُ … وزادَ ثلاثًا بها أردفا وها أنا منتظرٌ وعدَهُ … ليُنجِزَهُ فهو أهلُ الوفا يَحْيَى بن محمَّد بن طَباطَبا (٢) أبو المُعَمَّر، العلوي، بقية شيوخ الطَّالِبيين، وكان هو وأخوه من نُسَّابهم، وكان فاضلًا ظريفًا، شاعرًا أديبًا، فقيهًا في مذاهب الشيعة، نزل بركة زلزل بربع الكَرْخ غربي بغداد، ويأوي إليه الطالبيون وغيرهم، وتُوفِّي في رمضان، وهو آخر من بقي بالعراق من أولاد طَباطَبا، ولم يُعقِبْ. السنة التاسعة والسبعون وأربع مئة في صفر قُتل سليمان بن قُتُلْمِش. وفي ربيع الآخر ورد صدقة بن منصور بن دُبَيس (٣) إلى بغداد يريد قصد السلطان بأصفهان ليولِّيه أعمال أبيه. وفيه عاد إبراهيم بن قريش من أصفهان إلى الموصل، وقد قرَّره السلطان على الموصل والجزيرة، وزوَّجه خاتون صفية عمته التي كانت زوجة مسلم، وكانت مقيمةً بالموصل. وفيه تُوفِّي خطلج أدراز أميرُ الحاجِّ وصاحبُ الكوفة بقرية من قرى أصفهان، وكان يمنع الحاج من التجارة ويوفرها على نفسه، ويأخذ منهم في الطَّريق أضعافَ ما كان

стр. 9310

يُقرِّره عليهم، وأمَّا الرجَّالة فيسير بهم عدةَ فراسخ في مرحلة، فيموتون ظنًّا منه أنَّه معهم ما يأخذه، فكثُر الدعاء عليه، والشكوى منه، فعجَّل الله عليه. وفيه عاد تاج الرؤساء أخو الوزير أبي شجاع ومختصٌّ الخادم من أصفهان [ومعهما منشور على طريق خراسان بعشرين ألف دينار كلَّ سنة، وبثلاثين ألف دينار حوالة على صدقة بن منصور معونةً للخليفة على ما يحتاج إليه من مؤنة لنقل بنت السلطان إليه. وفيه ورد محمَّد بن مسلم بن قريش من أصفهان] (١). وقد عقد له السلطان على الرحبة والرقة وحرَّان والأعمال النميرية، وقَرَّر عليه في كلِّ سنة ما قرَّر على عمه إبراهيم بن قريش، وزوَّجه السلطان بأخته من الرضاع، وتلقَّاه الوزير أبو شجاع، وخلع عليه في بيت النُّوبة الخِلَعَ التَّامة؛ الفَرَجية، والعمامةَ، والمركبَ الذَّهب، والمنجوق، وذلك في سابع جمادى الآخرة، وتوجَّه إلى الرحبة. وفي سابع ذي القعدة سار الحاجُّ على هيئة لم تكن أيَّام خطلج من زيادة وكثرة، وتحمَّل مع خُمارتِكين الحسباني، وبعث الخليفة معه صفائحَ من ذهب وفضة لتُطبَق على باب الكعبة، فأُطبقت، وقُلِعَ كلُّ ما كان في الحرم ممَّا عليه اسم صاحب مصر، وجرى من العلويين امتناعٌ، فمنعهم أمير مكة ابنُ أبي هاشم. وفي ثالث ذي الحجة دخل السلطان ملك شاه إلى بغداد عائدًا من الشام. ذكر القصة: لمَّا قُتِلَ سليمان بن قُتُلْمِش قتله تتش، ونزل على حلب، فتح له أهلُها الباب كراهية لابن الحنيني الهاشمي، وكان قد بنى فيها قلعةً يأوي إليها خوفًا من أهلها وهي قلعة الشريف، فاستنزله تتش، وحمله معه إلى دمشق، وكان السلطان قد قدَّم بين يديه الأمير بُزان الحاجب، فلمَّا وصل إلى الجزيرة ومعه سنقر الحاجب وعلِمَ تتش، عاد إلى دمشق، ومضى (٢) أُرْتُق بك إلى بيت المقدس، وكان تاج الدولة تتش قد سلمه إليه، وجعل أهله وماله في محراب داود ﵇، وسار السلطان في جمادى الآخرة من

стр. 9311

أصفهان، ووصل إلى تكريت تاسع رجب، وصنع له مؤيد الملك بن نظام الملك سِماطًا بهاءً (١) وحضره السلطان، وكانت تكريت بيد مؤيد الملك، وسار من الغد إلى الموصل، ولقيه في طريقه قومٌ من العرب، وسألوه أن يُعطيَهم أمانًا لمن في الجزيرة، فأعطاهم نُشَّابًا يُفرِّقونه في حِلَلهم، لئلا يتعرَّض لهم أحدٌ، وجاءه بدوي فقال: يا سلطانَ العالم، أخذ بعضُ الغلمان رمحي. فأمر الشاوشيَّة بالبحث عنه، فأحضروا الغلام والرمح بيده، فأمر بقطع يده، وقال للبدوي: ضَعْها على رأس الرمح، وطُفْ بها في الحِلَل ليطمِئنُّوا. ففعل، وسار من الموصل يوم الأحد الحادي والعشرين من رجب، وجاء أهل الرُّها في بذل تسليمها، فأنفذ إليها أحد العمداء، وكان الفردوس الذي بأنطاكية قد عامل أهلَها بما عامل به أهل أنطاكية، وسار السلطان إلى قلعة جَعْبَر، وكان بها لصوص يقطعون الطَّريق، فعصَوا عليه، فقاتلهم، وخرجوا إليه من الباب، واشتدَّ القتال، فما شعروا إلَّا بثلاثةٍ من الغلمان قد صَعِدوا السُّور من مكان ما كان يُظَنُّ أنَّ مخلوقًا يصعد منه، فبهت الخارجون، ونادى الغلمان بشعار السلطان، وحملَ العسكر، فحالوا بين المقاتلة والباب فقتلوهم، وقُتِلَ جَعْبَر ومَنْ كان بها من المفسدين، وصَعِدت زوجة متقدمهم إلى رأس القلعة، وألقَتْ نفسَها إلى الأرض، فانكسرَتْ ساقُها وسلِمَت، وبلغ السلطان فأحضرها، وقال لها: لِمَ خاطرتِ بنفسكِ؟ فقالت: خِفْتُ الفضيحة، فاخترتُ القتلَ عليها. فعجب وقال: من [أين] (٢) أنت؟ فقالت: من دمشق. فأمر بحملها إلى أهلها. وسار السلطان إلى حلب، فنزل إليه من القلعة سالم بن مالك العقيلي، وكان بها من قبلُ مسلم بن قريش قد عصى على تُتُش وغيره، وحفظ القلعة، وشكر السلطانُ له ذلك، فأعطاه قلعة جَعْبر، فهي تُعرَفُ ببني مالك، وأعطاه عانة وهيت، وجاءت رسل تُتُش إلى أخيه بإظهار الطاعة، وسأل أن يكون مقيمًا بإقطاعه أو ينصرف إلى مكان يأمن فيه، فأجابه السلطان بما يُطيِّب قلبه، وسار السلطان إلى أنطاكية، فخرج إليه العميد نائب سليمان بن قُتُلْمِش، وأخذ الأمان لبني سليمان وأهل البلد، ورحل السلطان إليها

стр. 9312

يوم الجمعة غرة رمضان، وأبقى العميد على حاله، وأضاف إليه أحدَ الحُجَّاب شحنةً له، وأخذ معه ولد سليمان وأهله، وأقطعهم إقطاعًا بخراسان، وجاءه ولد أبي الحسن بن منقذ صاحب شَيزَر طامعًا، فأبقاه عليها، وجاءه ابن ملاعب صاحب حمص بخيل وهدية، فأقرَّه على عمله، وتقدَّم إليه بمنع من يمضي من عسكره إلى تتش، وكان قد تسرَّب منهم إليه عدد كثير، ولمَّا قطع السلطان الفرات مضى (١) أُرْتُق إلى القدس، ثم مضى إلى الرمل، فنزل الجفار مستوحشًا من السلطان، واتَّفق الغلاء في عسكر السلطان وعدم الميرة، فبلغ الخبزُ كلَّ اثني عشر رغيفًا بدينار، ومكوك شعير بدينار، وغرارة تبن بثلاثة دنانير، فنفقت الخيل والجمال والبغال، وهلكت الأموال والأثقال، ورحل عدد كثير من العسكر، وعادوا على أقبح صورة، حدروا ما بقي من الأثقال في الفرات إلى بغداد، وانكفأ السلطان راجعًا، ورجع أهل الرُّها عما كانوا عليه من الطاعة؛ لأنَّ العميد الذي ولَّاه عليهم استقصى [أموالهم] (٢) فنفروا منه، وقبضوا على الأرمن المرتبين في البلد مع الشحنة الذين سلَّموا البلد إلى السلطان، وأخرجوا العميد من البلد، فأقطع السلطانُ للأمير بُزان الرُّها، فنزل عليها وحاصرها، فسلَّمها إليه رجلٌ تاجرٌ نصرانيٌّ من أهلها -يقال له: ابن كدانا- في ذي الحجة، فدخلها، وخرج الوزير فخر الدولة من ميَّافارقين، فتلقَّى السلطان على دارا (٣)، وحمل إليه أموالًا كثيرةً من أموال بني مروان، ورفع عليه العميد أبو علي الذي كان يتعرَّف أحوال البلاد المروانية، وقال: إن ابن جَهير اقتطع الأموال والجواهر والأمتعة لنفسه، وكثُرتِ السّعايات به والشناعات عليه، فعُزِلَ عنها، ووليها العميد المذكور، وسار إليها، وسار السلطان حتى نزل بعَقَرْقُوف، فخرج إليه أبو شجاع والخدم ووجوه النَّاس، وعظَّمه الخليفةُ أكثرَ ما جرت به العادة، بعث له الإقامات الكثيرة، فقيل: إنه كان يُعلِّق كلَّ يوم على خيله أربعةَ أكرار، وصنع له الخليفة سِماطًا عظيمًا دخله ألفا رأس، وحملانًا ودجاجًا وحلواء، فجلس عليه قليلًا، ثم قام وانتهبه الضعفاء والحواشي.

стр. 9313

ودخل عليه الوزير أبو شجاع فسلَّم عليه عن الخليفة، وأدَّى رسالةً تتضمَّن السرور بقدومه، فجثا على ركبتيه، وقدَّم له الوزيرُ سُبحةً فيها جواهر قيمة، فسُرَّ بها، فأومأ إلى تقبيل الأرض، وركب أبو شجاع، وخرج نظام الملك في صحبته وعظَّمه، وركب السلطان من عَقَرْقوف في اليوم الثالث من ذي الحجة، ودخل بغداد، ونزل بدار المملكة، وقد امتلأت بغداد بالنَّاس من الجانبين يدعون له ويضِجُّون، وهو يردُّ عليهم لا يمنعهم من المشي بين يديه. وكان السبب في مجيئه إلى بغداد خاتون زوجته، فإنَّها ألزمَتْه لتنقل ابنتها إلى الخليفة، وأنفذت من الموصل إلى أصفهان مَنْ يُحضِر الجهاز إلى بغداد، وضرب نظام الملك سُرادِقَه بالزاهر ومعسكره حتَّى يقتدي به العسكر ولا ينزلون في دار أحد، فلم يتجاسر أحدٌ أن ينزل في دار أحد، وكان العوامُّ يدخلون على السلطان متُظلِّمين وشاكين، فيكشف مظالمهم، ويزيل شكواهم، وكان النساء يمشين بين الخيام لا يقدر (١) أحدٌ من العسكر من التعرُّض لهم، ولم يروا مثلَ هذا [الأمن] (٢) ولا مثلَ هيبة هذا السلطان، وكان في جملة [عسكر] السلطان فخر الدولة ابنُ جَهير وولدُه مثلَ بعض النَّاس، وما انتفعا بإزالة ملك بني مروان، ولم يدخل بغداد سوى الأمراء والحُجَّاب والخواص، ومَنْ سواهم تفرَّقوا في البلاد. وكان أهل بغداد قد خافوا من زيادة الأسعار، [فادَّخروا الأقوات، فلمَّا انصرف العسكر رخصت الأسعار]، وركب السلطان إلى قبر أبي حنيفة فزاره، وإلى قبر معروف ومقابر الشهداء، والعوامُّ بين يديه يضِجُّون له بالدعاء، ومضى إلى قبر موسى بن جعفر إلى الكوفة يوم الثلاثاء نصف ذي الحجة وزار المشهد، وإلى مشهد الحسين ﵁، وفرَّق في المشهدين الأموال، وأمر بعمارة ما دُثِرَ (٣) من السور، [وبإجراء نهرين إلى المسجدين]، وفعل نظام الملك في هذه المشاهد والصدقة على العلويين أعظم ممَّا فعل السلطان.

стр. 9314

وفي ليلة الاثنين سابع ذي الحجة مضَتْ والدة الخليفة وعمَّتُه إلى دار المملكة إلى خاتون، فنزلت إليهما وخدمَتْهُما، وضربت لهما سرادقًا إلى الدار، وصعدتا إلى الدار، ثم نزلتا وهي معهما، وانحدرت إلى دار الخليفة، وحمل السلطانُ إلى الخليفة عشرين ألف دينار، ومئة وخمسين ثوبًا ديباجًا وخيلًا. وفيه وصل نظام الملك إلى حضرة الخليفة في الليل، والتقاه أبو شجاع الوزير، والخدمُ والخواصُّ، وبين يديه الشموع، والخليفةُ جالسٌ في الشُّبَّاك، فقبل الأرض مرارًا، وسأله تقبيلَ يده، فأخرجها الخليفةُ من الشُّبَّاك فقبلها ووضعها على عينيه، وخاطبه بما شرح به صدرَه، وأدى رسالة السلطان وانصرف. وفيه استغاثت امرأة إلى السلطان وقالت: صَعِد البارحةَ فراشٌ أعجميّ سطحي وهو نازلٌ في جواري، فانتهرتُه وقلت له: لئِنْ لم تنزل لأستغيثَنَّ غدًا إلى السلطان. فسبَّ السلطان، وغصبني على نفسي. فسيَّر مَنْ أحضره، فقال: اخصوه؛ لما فعل بها، واقطعوا يدَه ورِجلَه؛ لِتَسلُّقه عليها، ولسانَه؛ لذِكْرِه لنا. ففُعِلَ ذلك به، وحُمِلَ إلى المارستان، فمات بعد ثلاث. قال المصنف ﵀: هذا آخر تاريخ محمَّد بن هلال الصابئ، ويُسمى "عيون التواريخ". وفيها خلع الخليفةُ على زعيم الكُفاة أبي منصور بن المفرِّج، وقلَّده المظالم، وأزال المُكوس، وأخرب المواخير، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر. وخرج المقتدي يومًا يتمشَّى في داره وفيها صناع، وإذا بثلاثة قد جاؤوا إليه، فقبَّلوا الأرض، فخاف منهم وقال: ما أنتم؟ قالوا: مظلومون، ولنا على هذا الباب ثلاثة أشهر، ما كان لنا مَنْ يوصِلُنا، فتحلَّينا ودخلنا في صورة روزجاريَّة. قال: ومَنْ ظلمكم؟ قالوا: ابن زريق ناظر واسط. فتقدَّم من ساعته بإيضاح الحال، فإن كان كما قالوا فيُعزلُ ابنُ زريق ويصعد مُنكَّلًا به، ثم تقدم إلى صاحب المظالم أن لا يكتم عنه حال أحدٍ من الرعية (١).

стр. 9315

وفيها ولى نظامُ الملك الشريفَ العلويَّ الدبوسي النظامية بعد موت أبي سعيد المتولي، وكان فاضلًا في الجدل والفقه. وصاد السلطانُ في سفرته أربعةَ آلاف غزال -وقيل: عشرة آلاف- فبنى بها منارة بين مشهد النجف والكوفة وسمَّاها أمَّ القرون، وبنى أخرى بأصبهان على مثالها. وقيل: إنَّما فعل ذلك في السنة الآتية. وفيها تُوفِّي خُتْلُع بن كنتِكين أبو منصور، أمير الكوفة والحاج، ذمه محمَّد بن هلال الصابئ، وذمَّ سيرته. وكان شجاعًا، وله وقائع مع العرب بالبرية، وكانوا يخافونه، وكان محافظًا على الصلوات في جماعة، ويختم القرآن الكريم (١) في كل يوم، ويختصُّ بالعلماء والقُرَّاء، وله آثار جميلة في المشاهد والمساجد والجوامع والمصانع بطريق مكّة والمدينة، ولبث في إمارة الحاجِّ اثنتي عشرة سنة، وكانت وفاته في جمادى الأولى، وتأسَّف عليه نظام الملك لمَّا بلغه موته، وقال: مات ألف رجل (٢). سليمان بن قُتُلْمِش (٣) هو ابن عمة السلطان. وقيل: هو من التركمان الناوكية الذين نزلوا الشام. وقيل: هو جد ملوك الروم، وفتح عدة من بلدان الروم، وآخر ما فتح أنطاكية، وكان قد حاصر حلب ورجع عنها، وقَتلَ مسلم بن قريش في حربه، وجاء تاج الدولة تُتُش فحصر حلب، وأخذ معه الشريف إلى دمشق، وعاد ابن قُتُلْمِش فنزل على حلب، وجاء تُتُش وأُرْتُق من دمشق والتقوا، فاقتتلوا في آخر أعمال حلب قريبًا من المكان الذي قُتِلَ فيه مسلم، فجاء سليمانَ سهمٌ في وجهه فوقع من فرسه ميتًا، فدُفِنَ إلى جانب مسلم، وكان بينهما ستة أيَّام.
следующие страницы →