أصفهان، ووصل إلى تكريت تاسع رجب، وصنع له مؤيد الملك بن نظام الملك سِماطًا بهاءً (١) وحضره السلطان، وكانت تكريت بيد مؤيد الملك، وسار من الغد إلى الموصل، ولقيه في طريقه قومٌ من العرب، وسألوه أن يُعطيَهم أمانًا لمن في الجزيرة، فأعطاهم نُشَّابًا يُفرِّقونه في حِلَلهم، لئلا يتعرَّض لهم أحدٌ، وجاءه بدوي فقال: يا سلطانَ العالم، أخذ بعضُ الغلمان رمحي. فأمر الشاوشيَّة بالبحث عنه، فأحضروا الغلام والرمح بيده، فأمر بقطع يده، وقال للبدوي: ضَعْها على رأس الرمح، وطُفْ بها في الحِلَل ليطمِئنُّوا. ففعل، وسار من الموصل يوم الأحد الحادي والعشرين من رجب، وجاء أهل الرُّها في بذل تسليمها، فأنفذ إليها أحد العمداء، وكان الفردوس الذي بأنطاكية قد عامل أهلَها بما عامل به أهل أنطاكية، وسار السلطان إلى قلعة جَعْبَر، وكان بها لصوص يقطعون الطَّريق، فعصَوا عليه، فقاتلهم، وخرجوا إليه من الباب، واشتدَّ القتال، فما شعروا إلَّا بثلاثةٍ من الغلمان قد صَعِدوا السُّور من مكان ما كان يُظَنُّ أنَّ مخلوقًا يصعد منه، فبهت الخارجون، ونادى الغلمان بشعار السلطان، وحملَ العسكر، فحالوا بين المقاتلة والباب فقتلوهم، وقُتِلَ جَعْبَر ومَنْ كان بها من المفسدين، وصَعِدت زوجة متقدمهم إلى رأس القلعة، وألقَتْ نفسَها إلى الأرض، فانكسرَتْ ساقُها وسلِمَت، وبلغ السلطان فأحضرها، وقال لها: لِمَ خاطرتِ بنفسكِ؟ فقالت: خِفْتُ الفضيحة، فاخترتُ القتلَ عليها. فعجب وقال: من [أين] (٢) أنت؟ فقالت: من دمشق. فأمر بحملها إلى أهلها.
وسار السلطان إلى حلب، فنزل إليه من القلعة سالم بن مالك العقيلي، وكان بها من قبلُ مسلم بن قريش قد عصى على تُتُش وغيره، وحفظ القلعة، وشكر السلطانُ له ذلك، فأعطاه قلعة جَعْبر، فهي تُعرَفُ ببني مالك، وأعطاه عانة وهيت، وجاءت رسل تُتُش إلى أخيه بإظهار الطاعة، وسأل أن يكون مقيمًا بإقطاعه أو ينصرف إلى مكان يأمن فيه، فأجابه السلطان بما يُطيِّب قلبه، وسار السلطان إلى أنطاكية، فخرج إليه العميد نائب سليمان بن قُتُلْمِش، وأخذ الأمان لبني سليمان وأهل البلد، ورحل السلطان إليها
стр. 9312
يوم الجمعة غرة رمضان، وأبقى العميد على حاله، وأضاف إليه أحدَ الحُجَّاب شحنةً له، وأخذ معه ولد سليمان وأهله، وأقطعهم إقطاعًا بخراسان، وجاءه ولد أبي الحسن بن منقذ صاحب شَيزَر طامعًا، فأبقاه عليها، وجاءه ابن ملاعب صاحب حمص بخيل وهدية، فأقرَّه على عمله، وتقدَّم إليه بمنع من يمضي من عسكره إلى تتش، وكان قد تسرَّب منهم إليه عدد كثير، ولمَّا قطع السلطان الفرات مضى (١) أُرْتُق إلى القدس، ثم مضى إلى الرمل، فنزل الجفار مستوحشًا من السلطان، واتَّفق الغلاء في عسكر السلطان وعدم الميرة، فبلغ الخبزُ كلَّ اثني عشر رغيفًا بدينار، ومكوك شعير بدينار، وغرارة تبن بثلاثة دنانير، فنفقت الخيل والجمال والبغال، وهلكت الأموال والأثقال، ورحل عدد كثير من العسكر، وعادوا على أقبح صورة، حدروا ما بقي من الأثقال في الفرات إلى بغداد، وانكفأ السلطان راجعًا، ورجع أهل الرُّها عما كانوا عليه من الطاعة؛ لأنَّ العميد الذي ولَّاه عليهم استقصى [أموالهم] (٢) فنفروا منه، وقبضوا على الأرمن المرتبين في البلد مع الشحنة الذين سلَّموا البلد إلى السلطان، وأخرجوا العميد من البلد، فأقطع السلطانُ للأمير بُزان الرُّها، فنزل عليها وحاصرها، فسلَّمها إليه رجلٌ تاجرٌ نصرانيٌّ من أهلها -يقال له: ابن كدانا- في ذي الحجة، فدخلها، وخرج الوزير فخر الدولة من ميَّافارقين، فتلقَّى السلطان على دارا (٣)، وحمل إليه أموالًا كثيرةً من أموال بني مروان، ورفع عليه العميد أبو علي الذي كان يتعرَّف أحوال البلاد المروانية، وقال: إن ابن جَهير اقتطع الأموال والجواهر والأمتعة لنفسه، وكثُرتِ السّعايات به والشناعات عليه، فعُزِلَ عنها، ووليها العميد المذكور، وسار إليها، وسار السلطان حتى نزل بعَقَرْقُوف، فخرج إليه أبو شجاع والخدم ووجوه النَّاس، وعظَّمه الخليفةُ أكثرَ ما جرت به العادة، بعث له الإقامات الكثيرة، فقيل: إنه كان يُعلِّق كلَّ يوم على خيله أربعةَ أكرار، وصنع له الخليفة سِماطًا عظيمًا دخله ألفا رأس، وحملانًا ودجاجًا وحلواء، فجلس عليه قليلًا، ثم قام وانتهبه الضعفاء والحواشي.
стр. 9313
ودخل عليه الوزير أبو شجاع فسلَّم عليه عن الخليفة، وأدَّى رسالةً تتضمَّن السرور بقدومه، فجثا على ركبتيه، وقدَّم له الوزيرُ سُبحةً فيها جواهر قيمة، فسُرَّ بها، فأومأ إلى تقبيل الأرض، وركب أبو شجاع، وخرج نظام الملك في صحبته وعظَّمه، وركب السلطان من عَقَرْقوف في اليوم الثالث من ذي الحجة، ودخل بغداد، ونزل بدار المملكة، وقد امتلأت بغداد بالنَّاس من الجانبين يدعون له ويضِجُّون، وهو يردُّ عليهم لا يمنعهم من المشي بين يديه.
وكان السبب في مجيئه إلى بغداد خاتون زوجته، فإنَّها ألزمَتْه لتنقل ابنتها إلى الخليفة، وأنفذت من الموصل إلى أصفهان مَنْ يُحضِر الجهاز إلى بغداد، وضرب نظام الملك سُرادِقَه بالزاهر ومعسكره حتَّى يقتدي به العسكر ولا ينزلون في دار أحد، فلم يتجاسر أحدٌ أن ينزل في دار أحد، وكان العوامُّ يدخلون على السلطان متُظلِّمين وشاكين، فيكشف مظالمهم، ويزيل شكواهم، وكان النساء يمشين بين الخيام لا يقدر (١) أحدٌ من العسكر من التعرُّض لهم، ولم يروا مثلَ هذا [الأمن] (٢) ولا مثلَ هيبة هذا السلطان، وكان في جملة [عسكر] السلطان فخر الدولة ابنُ جَهير وولدُه مثلَ بعض النَّاس، وما انتفعا بإزالة ملك بني مروان، ولم يدخل بغداد سوى الأمراء والحُجَّاب والخواص، ومَنْ سواهم تفرَّقوا في البلاد.
وكان أهل بغداد قد خافوا من زيادة الأسعار، [فادَّخروا الأقوات، فلمَّا انصرف العسكر رخصت الأسعار]، وركب السلطان إلى قبر أبي حنيفة فزاره، وإلى قبر معروف ومقابر الشهداء، والعوامُّ بين يديه يضِجُّون له بالدعاء، ومضى إلى قبر موسى بن جعفر إلى الكوفة يوم الثلاثاء نصف ذي الحجة وزار المشهد، وإلى مشهد الحسين ﵁، وفرَّق في المشهدين الأموال، وأمر بعمارة ما دُثِرَ (٣) من السور، [وبإجراء نهرين إلى المسجدين]، وفعل نظام الملك في هذه المشاهد والصدقة على العلويين أعظم ممَّا فعل السلطان.
стр. 9314
وفي ليلة الاثنين سابع ذي الحجة مضَتْ والدة الخليفة وعمَّتُه إلى دار المملكة إلى خاتون، فنزلت إليهما وخدمَتْهُما، وضربت لهما سرادقًا إلى الدار، وصعدتا إلى الدار، ثم نزلتا وهي معهما، وانحدرت إلى دار الخليفة، وحمل السلطانُ إلى الخليفة عشرين ألف دينار، ومئة وخمسين ثوبًا ديباجًا وخيلًا.
وفيه وصل نظام الملك إلى حضرة الخليفة في الليل، والتقاه أبو شجاع الوزير، والخدمُ والخواصُّ، وبين يديه الشموع، والخليفةُ جالسٌ في الشُّبَّاك، فقبل الأرض مرارًا، وسأله تقبيلَ يده، فأخرجها الخليفةُ من الشُّبَّاك فقبلها ووضعها على عينيه، وخاطبه بما شرح به صدرَه، وأدى رسالة السلطان وانصرف.
وفيه استغاثت امرأة إلى السلطان وقالت: صَعِد البارحةَ فراشٌ أعجميّ سطحي وهو نازلٌ في جواري، فانتهرتُه وقلت له: لئِنْ لم تنزل لأستغيثَنَّ غدًا إلى السلطان. فسبَّ السلطان، وغصبني على نفسي. فسيَّر مَنْ أحضره، فقال: اخصوه؛ لما فعل بها، واقطعوا يدَه ورِجلَه؛ لِتَسلُّقه عليها، ولسانَه؛ لذِكْرِه لنا. ففُعِلَ ذلك به، وحُمِلَ إلى المارستان، فمات بعد ثلاث.
قال المصنف ﵀: هذا آخر تاريخ محمَّد بن هلال الصابئ، ويُسمى "عيون التواريخ".
وفيها خلع الخليفةُ على زعيم الكُفاة أبي منصور بن المفرِّج، وقلَّده المظالم، وأزال المُكوس، وأخرب المواخير، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر.
وخرج المقتدي يومًا يتمشَّى في داره وفيها صناع، وإذا بثلاثة قد جاؤوا إليه، فقبَّلوا الأرض، فخاف منهم وقال: ما أنتم؟ قالوا: مظلومون، ولنا على هذا الباب ثلاثة أشهر، ما كان لنا مَنْ يوصِلُنا، فتحلَّينا ودخلنا في صورة روزجاريَّة. قال: ومَنْ ظلمكم؟ قالوا: ابن زريق ناظر واسط. فتقدَّم من ساعته بإيضاح الحال، فإن كان كما قالوا فيُعزلُ ابنُ زريق ويصعد مُنكَّلًا به، ثم تقدم إلى صاحب المظالم أن لا يكتم عنه حال أحدٍ من الرعية (١).
стр. 9315
وفيها ولى نظامُ الملك الشريفَ العلويَّ الدبوسي النظامية بعد موت أبي سعيد المتولي، وكان فاضلًا في الجدل والفقه.
وصاد السلطانُ في سفرته أربعةَ آلاف غزال -وقيل: عشرة آلاف- فبنى بها منارة بين مشهد النجف والكوفة وسمَّاها أمَّ القرون، وبنى أخرى بأصبهان على مثالها.
وقيل: إنَّما فعل ذلك في السنة الآتية.
وفيها تُوفِّي
خُتْلُع بن كنتِكين
أبو منصور، أمير الكوفة والحاج، ذمه محمَّد بن هلال الصابئ، وذمَّ سيرته. وكان شجاعًا، وله وقائع مع العرب بالبرية، وكانوا يخافونه، وكان محافظًا على الصلوات في جماعة، ويختم القرآن الكريم (١) في كل يوم، ويختصُّ بالعلماء والقُرَّاء، وله آثار جميلة في المشاهد والمساجد والجوامع والمصانع بطريق مكّة والمدينة، ولبث في إمارة الحاجِّ اثنتي عشرة سنة، وكانت وفاته في جمادى الأولى، وتأسَّف عليه نظام الملك لمَّا بلغه موته، وقال: مات ألف رجل (٢).
سليمان بن قُتُلْمِش (٣)
هو ابن عمة السلطان. وقيل: هو من التركمان الناوكية الذين نزلوا الشام. وقيل: هو جد ملوك الروم، وفتح عدة من بلدان الروم، وآخر ما فتح أنطاكية، وكان قد حاصر حلب ورجع عنها، وقَتلَ مسلم بن قريش في حربه، وجاء تاج الدولة تُتُش فحصر حلب، وأخذ معه الشريف إلى دمشق، وعاد ابن قُتُلْمِش فنزل على حلب، وجاء تُتُش وأُرْتُق من دمشق والتقوا، فاقتتلوا في آخر أعمال حلب قريبًا من المكان الذي قُتِلَ فيه مسلم، فجاء سليمانَ سهمٌ في وجهه فوقع من فرسه ميتًا، فدُفِنَ إلى جانب مسلم، وكان بينهما ستة أيَّام.
стр. 9316
ويقال: إن تاج الدولة عاد إلى حلب، ففتحوا له باب البلد فدخله، وقد بقي سالم بن مالك في القلعة حتَّى سلَّمها إلى ملك شاه، وعاد أصحاب سليمان إلى أنطاكية.
صافي (١)
الخرقي، الخادم، عتيق القائم بأمر الله، قرأ القرآن، وسمع الحديث، وكان ورعًا، صاحبَ معاملات وصدقاتٍ وإحسانٍ إلى النَّاس، ولما احتضر أعتَقَ عبيدَه وإماءه، وأوصى لهم بجزء من ماله، وأجاز ذلك المقتدي.
ولمَّا مات أمر المقتدي بحمل تابوته إلى بين يديه فصلَّى عليه، وحُمِلَ إلى الرُّصافة فدفن بتربة الطائع.
عبد الله بن أحمد (٢)
ابن محمَّد بن عبد الله بن عبد الصَّمد بن المهتدي بالله، الخطيب، أبو جعفر، كان صاحبَ مروءة، نبيلًا، جليلًا، فاضلًا، خطيبًا، فصيحًا، يروي الأخبار والحكايات، حسنَ المحاضرة، وكانت وفاته في شعبان، ودُفن عند جامع المنصور.
علي بن فضَّال بن علي (٣)
أبو الحسن، المغربي، القيرواني، كان فاضلًا، له النَّظم والنَّثر، مات بغَزْنة في ربيع الأوَّل، ومن شعره: [من السريع]
إنْ تُلْقِكَ الغُربَةُ في معشرٍ … قد أجمعوا فيكَ على بُغضِهِمْ
فدارِهِمْ ما دُمتَ في دارِهِمْ … وأرضِهِمْ ما دُمْتَ في أرضِهِمْ
وقال أيضًا: [من السريع]
كأنَّ بَهرامَ وقد عارضَتْ … فيهِ الثُّريا نظرَ المُبصِرِ
ياقوتةٌ يعرِضُها بائعٌ … في كفِّهِ والمشتري مشتري
стр. 9317
علي بن المُقلِّد (١)
ابن نصر بن منقذ بن محمَّد بن مالك بن منقذ بن نصر بن هاشم بن سرار (٢) بن زياد بن رغيب (٣) بن مكحول بن عمر بن الحارث بن علي بن عامر بن مالك بن أبي مالك بن عوف [بن كنانة] (٤) بن بكر بن عُذرة بن زيد اللات بن رُفيدة بن ثور [بن كلب] بن وَبْرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قُضاعة بن مالك بن حِمْيَر بن مُرَّة بن زيد بن مالك بن حِمْيَر بن سبأ بن يَشْجُب بن يَعْرُب بن قحطان، الأمير، سديد الملك، عز الدولة، صاحب شَيزَر.
وذكره ابن عساكر فقال: هو علي بن المقلِّد بن نصر بن منقذ بن محمَّد بن منقذ (٥) بن نصر بن هاشم، أبو الحسن، الكِناني.
قال الأمير أبو عبد الله محمَّد بن الأمير أبي سلامة مرشد بن علي بن المُقلّد بن نصر بن منقذ: كان جدِّي الملك أبو الحسن علي بن المُقلِّد ممن كان يُنسب إلى عمل الشعر، وكان من أبلغ أهل الشام في معرفة اللغة والنحو، وكان بينه وبين ابن عمار صاحب طرابلس مودةٌ وكيدةٌ ومكاتبات، وسببه أنَّه كان له مملوك يسمى رسلان، وكان زعيمَ عسكره، فبلغه عنه ما يكره، فقال له: اذهَبْ عني وأنت آمن على نفسك، فقصد ابنَ عمار إلى طرابلس، وسأله أن يسأل جدِّي في ماله وحرمه، فسأله، فأمر بإطلاقهم، وكان قد اقتنى منه مالًا كثيرًا، فلمَّا خرج الرسولُ بالمال والحريم لحقه جدِّي، فظنَّ أنَّه قد بدا له، فقال: غدرتَ بعبدك ورغبتَ في ماله؟ فقال: لا [واللهِ] (٦) ولكن لكلِّ أمر حقيقة، حطوا عن الجمال والبغال أحمالها. فحطُّوا، فقال: أبصروا ما عليها. فنظروا فإذا في قدور النحاس خمسةٌ وعشرون ألف دينار، ومن المتاع ما يساوي مثلها وزيادة،
стр. 9318
فقال جدِّي للرسول: أبلِغِ ابنَ عمار سلامي، وعرِّفه بما ترى؛ لئلا يقول رسلان: إنني أخذتُ ماله.
ثم إنَّ جدِّي زارَ ابنَ عمار، وأقام عنده مدة، ولمَّا رحل إلى حصنه أنشد: [من البسيط]
أحبابنا لو لقيتُم في مُقامِكُمُ … من الصَّبابةِ ما لاقيتُ في ظَعَني
لأصبحَ البحرُ من أنفاسِكُمْ يَبَسًا … كالبَرِّ من أدمُعي ينشَقُّ بالسُّفُنِ
وكان بينه وبين صالح بن محمود صاحب حلب مودة، وكانا أخوين من الرَّضاع، ومن شعره: [من البسيط]
تجني وتعرِفُ ما تجني فأُنكِرُهُ … وتدَّعي أنَّهُ الحُسنى وأعترِفُ
وكم مُقامٍ بما يُرضيكَ قمتُ على … جمرِ الغضا وهو عندي روضةٌ أُنفُ
وقال أيضًا: [من البسيط]
إذا ذكرتُ أياديكَ التي سلفَتْ … وسوءَ فعلي وزلَّاتي ومُجْتَرمي
أكادُ أقتلُ نفسي ثم يمنعُني … علمي بأنك مجبولٌ على الكرمِ
وقال: [من البسيط]
ألقى المنيَّةَ في درعين قد نُسجا … من المنيَّة لا من نسجِ داودِ
إنَّ الذي صوَّرَ الأشياءَ صَوَّرني … نارًا من النَّاس في بحرٍ من الجودِ
وقال: [من السريع]
لا تعجلوا بالهجر إنَّ النَّوى … يحملُ عنكُمْ مِنَّةَ الهَجْرِ
وظاهِرونا بوفاءٍ فقَدْ … أغناكُمُ البَينُ عن العُذرِ
قال المصنف ﵀: وقد وقع لي بيتان في هذا المعنى أرشَقُ من هذين، وهما: [من السريع]
أحبابَنا كم تنحِتون لي … ذنبًا وكم أدأبُ في العُذْرِ
ولا تعجلوا بالهجر إنَّ النَّوى … يحملُ عنكُمْ كُلفَةَ الهَجْرِ
وكانت وفاته بشيزَر. وقيل: إنه مات سنة خمس وسبعين، وهو وهم.
стр. 9319
ولمَّا مات قام ولدهُ نصر بن علي مقامه، وتُوفِّي سنة إحدى وتسعين وأربع مئة، وسنذكره إن شاء الله تعالى.
محمَّد بن أحمد (١)
أبو علي، التُّسْتَري، كان متقدم البصرة، وله مراكب تعمل في البحر، ثم ترك، وسمع الحديث، وتوفي في رجب، وتفرَّد برواية "سنن أبي داود" عن ابن عمرو، وكان فصيحًا، صحيحَ السماع، ثقةً.
محمَّد بن محمَّد بن أحمد بن المسلم (٢)
أبو علي، ولد سنة إحدى وأربع مئة، وتُوفِّي في رمضان، ودُفن بباب حرب، وكان زاهدًا يقيم أيامًا، لا يتكلم إلَّا فيما يعنيه.
محمَّد بن محمَّد بن علي (٣)
أبو نصر، العباسي، أخو النقيب الكامل، ولد في صفر سنة سبع وثمانين وثلاث مئة، وسمع الحديث، وتزهَّد في عنفوان شبابه، وانقطع في رباط أبي سعيد الصُّوفي، ثم انتقل إلى الحريم الطاهري، وتُوفِّي في جمادى الآخرة، وصلَّى عليه أخوه الكامل، ودُفِنَ بمقابر الشهداء بباب حرب عن ثلاث وتسعين سنة، وكان سيدًا، فاضلًا، صدوقًا، ورعًا، ثقةً.
محمَّد بن عبد القادر (٤)
ابن محمَّد بن يوسف، أبو بكر، البغدادي، سمع الكثير، وكان صالحًا ورعًا، لا يخرج من بيته إلَّا في أوقات الصلوات، وتُوفِّي في ربيع الأوَّل، ودُفن بمقبرة باب حرب.
وكان عالمًا متقنًا (٥)، ذا ورعٍ وتُقى، كثير السماع، متشددًا في السُّنة، حضر أخوه مجلس ابن القشيري فهجره.
стр. 9320
هبة الله بن القاضي أبي الحسن (١)
محمَّد بن علي بن المهتدي، الخطيب بجامع المنصور، ولد سنة تسع عشرة وأربع مئة، وولي القضاء بعد أبيه، ووقعت فتنة عظيمة بين السنة وأهل الكَرْخ على المذهب، وعجز عنها الشحنة والغلمان، وقُتِلَ من الفريقين عددٌ كبير، فركب فرسه ووقف بين الصفين ليردَّهم، فجاءه سهمٌ عائرٌ فوقع فيه فمات، وذلك في يوم الجمعة تاسع عشر صفر، فحُمِلَ إلى القبة الخضراء عند جامع المنصور، فدُفِنَ عند أبيه، وكان سيدًا، صالحًا، ثقةً.
السنة الثمانون وأربع مئة
فيها بعث تتش أخو السلطان إليه رسولًا يقول: قد استولى المصريون على الساحل، وضايقوا دمشق، وأسأل السلطان أن يأمر آق سنقر وبُزان أن يُنجداني، فكتب السلطان إليهما بأن يُنجداه، وكان بُزان بالرُّها، وآق سنقر بحلب، وكانت تقرَّرت ولاية حلب له من قِبَلِ ملك شاه، وأحسن السيرة فيها، وبسط العدل، وحمى السابلة، وأقام الهيبة، وأنصف الرعية، وأباد المفسدين، وأبعد أهل الشر، فتواترت القوافل، ودرَّ الارتفاع أضعافَ ما كان.
وفيها رفع السلطان المكوس ببغداد، وكُتبت ألواح، وأُلصقت على الجوامع، وفيها اسم الخليفة والسلطان.
وفي المُحرَّم بعث الخليفةُ ظفر الخادم يستدعي السلطان إلى دار الخلافة، وبعث معه بالطيار، فقام السلطان من دار المملكة، وقبَّل الأرض، ونزل في الطيار، وجاء إلى باب العَزْبة، وقد هُيئِّ فرسٌ من خيل الخليفة، وسَرْجُه حديدٌ صيني، ولُبده أسود، فركبه ونزل عند باب صحن السُّلَّم، ومشى إلى الخليفة، وقبَّل الأرض مرارًا، ونظام الملك قائم مشدود الوسط بين يدي الخليفة يقول للأمير بالفارسية: هذا أمير المؤمنين، ويقول للخليفة: هذا العبد الخادم فلان بن فلان، وله من العساكر كذا وكذا، والأمير
стр. 9321
يُقبِّل (١) الأرض، وكانوا أربعين أميرًا، والسلطان جالس على كرسيٍّ بين يدي الخليفة، وجاء أمير يقال له: آيْتِكين خال السلطان، فاستقبل القبلة، وصلَّى بإزاء الخليفة ركعتين، واستلم بيديه الحيطان، وأمر الخليفةُ بإفاضة الخِلَع على السلطان، فقام إلى المكان الذي فيه الخِلَع، فخلع عليه، ورجع وقد أثقله التاج والطوقُ والسِّواران، وقلَّده سيفين، وكُمُشْتِكينَ الجندار يرفع ذيله عن يمينه، والكوهراني يرفعه عن شماله، وجاء إلى بين يدي السُّدَّة وبينه وبين الخليفة الشباك، فقبَّلَ الأرض دفعات، وسأل الخليفةَ أن يُقبِّلَ يدَه فلم يفعل، وأعطاه خاتمه، فقبَّله ووضعه على عينيه، وقال له أبو شجاع الوزير: يا جلال الدولة، هذا سيدنا ومولانا أمير المؤمنين، الذي اصطفاه الله بعزِّ الإمامة، واسترعاه الأمة، فقد أوقع الوديعة عندك موقعها، وقلدك سيفين لتكون قويًّا عَلى أعدائك وأعداء الله تعالى، وخرج وبين يديه ثلاثةُ ألوية، ونثرت الدراهم والدنانير، وقُرئ صدرٌ من عهده، وقُرئ الباقي في داره من الغد، وجلس للهناء، وبعث الخليفة بالأموال والهدايا.
وفيه دخل نظامُ الملك مدرسته ولم يكن رآها، فجلس بها، وأملى الحديث، وسمع عليه، وسأل عن العلماء ببغداد، فلم يبقَ مَنْ يُشار إليه، وفرَّق الخِلَع والمال في الفقهاء وأحسن إليهم.
وفي مستهلِّ صفر زُفَّت ابنةُ السلطان إلى الخليفة، وأمر بضرب القباب وتزيين البلد من الجانبين، ونُقل الجهازُ على مئة وثلاثين جملًا، وبين يديه العساكر والخدم، ونثر النَّاس عليه الدراهم والدنانير، فلمَّا كان من الغد نُقِل شيءٌ آخر على أربعة وسبعين بغلًا، وكانت الخزانة اثني عشر صندوقًا من فضة، وبين يديها ثلاثون فرسًا جنائب، ونُقلت خاتون في الليل في محَفَّة مُرصَّعة بالجواهر، وقد أحاط بها مئتا جارية من خواصِّها وبين يديها نظام الملك وأبو سعد المستوفي والأمراء، وبِيَد كلِّ واحد منهم شمعة، فدخلت دار الخليفة.
стр. 9322
وفي رواية: نُقِلَ جهازُها في ثلاثة أيَّام (١) على الجمال والبغال أثواب الديباج، وفي أعناقها أرسان الحرير وقلائد الذَّهب، والصناديق مملوءة ذهبًا وفضة وجواهر.
وجاءت والدة الخليفة وعمته إلى دار المملكة في الليل، وضربوا السرادق من دجلة إلى الدار، فنزلت خاتون وقبَّلت الأرض بين أيديهما، وسلمت إليهما ابنتَها، وأصبح الخليفة، فعمل لأصحاب السلطان سِماطًا لم يُعمَلْ مثلُه، استعمل فيه أربعون ألف منّ من السكر، وخلع على خواص أصحاب السلطان، وكان السلطان قد خرج ليلة الزفاف إلى الصيد فأقام ثلاثًا.
وفي صفر خرج السلطان ومعه نظام الملك نحو أصبهان، وخرج الوزير أبو شجاع معه مُودِّعًا إلى النهروان، وعاد.
وفيه وُلدَ للسلطان ولدٌ سمَّاه محمودًا، وولي الأمر بعد أبيه، وسنذكره إن شاء الله تعالى.
وفي شعبان وردت كتب السلطان إلى الخليفة يسأله أن يخطب لابنه الأمير أحمد بن ملك شاه من بعد ذكر أبيه، وكان السلطان قد جعله وليَّ عهده، ومشى في ركابه، فتقدَّم الخليفةُ إلى خطباء المنابر بذلك، ونُثِرت الدنانير على الخطباء.
وفيه زُلزلت هَمَذان وأعمالُها زلزلة عظيمة دامت سبعة أيَّام، فهلك تحت الردم خلق كثير، وهرب النَّاس إلى البرية.
وفي ذي القعدة ولِدَ للخليفة من بنت السلطان ولدٌ أسماء جعفرًا، وكنَّاه أبا الفضل، وجلس الوزير للهناء بباب الفردوس، ونُصِبت القباب، وزُيِّنت بغداد من الجانبين، ونُثِرت الدنانير والدراهم.
وفيها بنى تاج الملك أبو الغنائم المدرسة التاجية بباب أَبْرز، وضاهى بها النظامية، ووقفها على الحنفية، وقيل: على الشَّافعية، ودرَّس بها [في] (٢) أول السنة الآتية أبو بكر الشاشي (٣).
стр. 9323
وفيها توفِّي
شافع بن صالح بن حاتم (١)
أبو محمَّد، الحنبلي، الفقيه، تفقَّه على القاضي أبي يعلى، وتُوفِّي في صفر، ودُفِنَ بباب حرب، وكان صالحًا زاهدًا فاضلًا ثقة.
فاطمة بنت علي المؤدِّب (٢)
الكاتبة، برعت في الكتابة على طريقة ابن البواب، وكتب الأعيان على خطِّها، وأمرها الخليفةُ فكتبت كتاب الهدنة بين الديوان وملك الروم، وقالت: كتبتُ لعميد الملك الكُنْدَري ورقةً، فأعطاني ألف دينار.
سمعت الحديث، وتُوفِّيت في المُحرَّم، ودُفِنت بباب أَبْرز، وكانت صالحةً زاهدة.
محمَّد بن المقتدي (٣)
تُوفِّي بالجُدَري وقد قارب تسع سنين، وحزن أبوه عليه حزنًا عظيمًا، وجلس الوزير للعزاء في باب الفردوس ثلاثة أيَّام، ومنع الخليفةُ من ضرب الطبل في أوقات الصلوات، وغُلِّقت الأسواق، وبطلت المعايش، ثم برز توقيعُ الخليفة إلى النَّاس: إن أمير المؤمنين أول من اقتدى بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ . قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] ولمَّا مات إبراهيم ولدُ النبي ﷺ ، وذكر الحديث.
وقد عزَّى أميرُ المؤمنين نفسه بما عزَّى الله به الأمة بعد نبيِّه ﷺ بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، فإنا لله وإنا إليه راجعون تسليمًا لحكمه، ورضًا بقضائه، فليعلم الحاضرون ذلك، وقد أذن لكم في الانكفاء مشكورين.
стр. 9324
محمَّد [بن محمَّد] (١)
ابن زيد بن علي بن موسى بن جعفر [بن علي] بن الحسين بن علي بن الحسين بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين، الحسيني، ذو الكنيتين، أبو الحسن وأبو المعالي، ولد سنة خمس وأربع مئة ببغداد، وبها نشأ وسمع الحديث [الكثير] (٢)، وسكن سمرقند، وصنَّف فأجاد.
وكانت له دنيا واسعة، فكان يملك نحو أربعين قرية بنواحي كَشّ، وكان يؤدي زكاة ماله، ويتنفَّل بالصدقة، فيبعث إلى جماعة من الأئمة بألف دينار وخمس مئة إلى كل واحد وعشرة آلاف دينار، ويقول: أنا لا أعرف الفقراء، ففرِّقوها أنتم عليهم.
وكان يرجع إلى عقل كامل، وفضل وافر، ودين متين.
ولمَّا اشتهرت عنه هذه الفضائل حسده قاضي سمرقند وما وراء النهر، فقال الخضر بن إبراهيم لك ما وراء النهر: إن له بستانًا ليس للملوك مثله. فبعث إليه: أريد أن أُبصرَ بستانك. فقال للرسول: قُلْ له: أنت تشرب الخمر، وهذا عمرتُه من المال الحلال لأجتمع فيه بأهل الزهد والدين. فأعاد الرسول عليه الجواب، وطلبه فاختفى، فأظهر الخضر أنَّه قد ندم، فظهر الشريف فقبض عليه، واستصفى أمواله وحبسه.
قال بعض وكلائه: فتوصَّلتُ إليه وقلت له: إنه يأخذ مالك بغير اختيارك، فأعطِه ما يريد وتخلَّص. فقال: قد طاب لي الحبس والجوع، وقد كنت أُفكِّر في نفسي منذ مدة وأقول: مَنْ يكون من أهل بيت رسول الله ﷺ لابُدَّ أن يُبتلى في ماله ونفسه، وأنا قد ربيتُ في النعم والدولة، فلعلَّ فيَّ خللًا، فلمَّا وقعت هذه الواقعة فرِحْتُ بها، وعلمتُ أنَّ نسبي صحيحٌ متصلٌ برسول الله ﷺ ، فأنا أصبر ولا أفعل شيئًا إلَّا برضا الله تعالى، فمنعوه الطَّعام، فمات وأُخرج من القلعة، فأخذه ولدُه فدفنوه، فقبره ظاهر يُزار.
ورآه أبو العباس الطبري وهو في الجنَّة وبين يديه مائدة موضوعة عليها الطَّعام، قال: فقلت له: ألا تأكل؟ قال: لا، حتَّى يجيء ابني المطهر فإنَّه غدًا يجيء، فانتبهت من نومي، فقُتِلَ ابنُه من وقت الظهر من ذلك اليوم.
стр. 9325
محمَّد بن هلال (١)
ابن المحسن بن إبراهيم الصابئ، أبو الحسن، الملقَّب بغرس النعمة، صاحب التاريخ المسمى بـ "عيون التواريخ"، ذيَّله على تاريخ أبيه، وأبوه ذيَّل على تاريخ [ثابت بن سنان، وثابت بن سنان ذيَّل على تاريخ] (٢) ابن جرير الطبري، فتاريخ الطبري انتهى إلى سنة اثنتين أو ثلاث وثلاث مئة، وتاريخ ثابت إلى سنة ستين وثلاث مئة، وتاريخ هلال إلى سنة ثمان وأربعين وأربع مئة وتاريخ غرس النعمة من سنة ثمان وأربعين وأربع مئة إلى سنة تسع وسبعين وأربع مئة.
وكان غرس النعمة فاضلًا، أديبًا، مترسلًا، له صدقةٌ ومعروفٌ، وإحسانٌ كثير، ومروءةٌ ظاهرة، وكانت وفاته في ذي القعدة، ودُفِنَ في داره بشارع عوف غربي، ثم نُقل إلى الكوفة فدُفن بمشهد أمير المؤمنين، وخلَّف سبعين ألف دينار، وكان محترمًا عند الخلفاء والوزراء والأكابر، وقد غمزه عبد الله بن المبارك السَّقطي، ضعيف.
أمير المُلثَّمين بمراكش والمغرب (٣)
وكنيته أبو بكر بن عمر من ولد تاشفين، كان مجاهدًا في سبيل الله تعالى، يركب في خمس مئة ألف من رجال الديوان والمطاوعة ويخطب للدولة العباسية، وكان مثل واحد من أصحابه يواسيهم بنفسه، وكان يصلِّي بالنَّاس الصلوات الخمس، ويقيم الحدود، ويلبس الصوف، وينصف المظلوم، ويعدل في الرعية، ويقسم بينهم بالسوية.
خرج في غَزاة، فلقي الفرنج وظهر عليهم، فبينما هو واقف إذ جاءه سهمٌ عائرٌ فذبحه، وبلغ نيِّفًا وستين سنة.
стр. 9326
السنة الحادية والثمانون وأربع مئة
فيها سار السلطان طالبًا سمرقند، وقطع جَيحون، وأخرج الخليفةُ أصحاب خاتون زوجته من حريم داره، فنزلوا بدار المملكة، وسببه استطالتُهم على العامة، فضخوا واستغاثوا إلى الخليفة، فخاف من فتنة.
وفيها شرع أهل باب البصرة يبنون القنطرة الجديدة، وثار عليهم أهل الكَرْخ، فكان أهل البصرة ينقلون الآجر في أطباق الذَّهب والفضة، وثارت الفتنة.
وفيها تُوفِّيت داية السلطان بحلب، كانت تأخَّرت عند قسيم الدولة آق سنقر، فجلس يومًا وبيده سكين، فأومأ إليها يداعبها، فخرجت من يده بغير قصده، فأصابت مقتلها، فماتَتْ، فحزن عليها حيث ماتَتْ بهذا السبب، وكانت قد أوصَتْ أن يُحمل تابوتُها إلى المشرق، فجهَّزها وخرج مع التابوت مرحلةً وعاد.
وفي رجب سار آق سنقر من حلب فنزل على شَيْزَر محاصرًا لها، ونهب ربَضَها، فصالحه ولد أبي الحسن بن منقذ على مالٍ وأطاعه، فرحل عنها (١)، وحجَّ من العراق الوزير أبو شجاع، واستناب في الديوان ابنَه أبا منصور وطرَّاد بن محمَّد الزينبي.
وفيها تُوفِّي
أحمد بن محمَّد (٢)
ابن الحسن بن الخضر، أبو طاهر، الجواليقي، والد أبي منصور موهوب، كان شيخًا صالحًا متعبدًا، من أهل البيوتات القديمة ببغداد، وكان جدُّه صاحبَ دنيا واسعة، وتُوفِّي في رجب فجأة.
стр. 9327
عبد الله بن محمَّد بن علي (١)
أبو إسماعيل، الهروي، الأنصاري، ولد سنة خمس وتسعين وثلاث مئة [وتُوفي بِهَراة] (٢) في ذي الحجة، وكان صائمًا، متعبدًا، زاهدًا، ثقةً، سمع أبا الحسين بن بُشْران وغيره، وروى عنه الكَرْخي وغيره.
قلت: هذا مضمون ما ذكره المصنف ﵀، ومثله لا يخفى عنه محلُّ شيخ الإسلام الأنصاري ﵀ عليه من العلم والعمل، فإنَّه كان كبيرَ الشأن، عظيمَ المحلّ، والعجَبُ من المصنف كونُه اقتصر على ما ذكره ولم يُنبِّه على شيء من مناقبه مع كثرتها.
عبد الواحد بن الفرج
أبو الرِّضا، المعرِّي، الشاعر، كان سليم المصدر، إلَّا أنَّه يأتي بديهة بالعجائب، استدعاه معز الدولة ثِمال بن صالح بن الزَّوقلية صاحب حلب، فوافاه جالسًا على قُوَيق، فأنشده: [من الطويل]
رأيتُ قُويقًا إذْ (٣) تجاوزَ حدَّهُ … له زَجَلٌ (٤) في جَرْيهِ وضَجيجُ
وكان ثِمالٌ جالسًا بشفيرهِ … فشبَّهتُهُ بحرًا لدَيهِ خليجُ
فقال له ثِمال: قد زعم الحلبيُّون أنَّ هذا ليس بشعرك.
ونظر إلى غرابين على نشزٍ، فقال: قُلْ فيهما بديهًا. فقال: [من الخفيف]
يا غُرابينِ أنتما سببُ البيـ … ـنِ فكيفَ اجتمعتُما في مكانِ
إنَّما قد وقفتُما في خُلُوٍّ … لفراقِ الأحبابِ تشْتَورانِ
فاحْذَرا أنْ تُفرِّقا بين إلْفَيـ … ـنِ فما تدريان ما تلقيانِ
فطرب ثِمال وأعطاه جائزة.
стр. 9328
وكان بالمعرة قصرٌ عظيمٌ لبعض الملوك في محلة شيات، فأمر صاحب المعرة بنقضه ليأخذ حجارته يبني بها مكانًا آخر، فاجتاز المعرِّي بالقلعة وهم يخربونه، فوقف مفكرًا، وأنشده بديهًا: [من الطَّويل]
مررتُ بقصرٍ في شياتٍ فساءني … بهِ زجلُ الأحجار تحت المعاولِ
تناولَها عبلُ الذِّراع كأنَّما … جرى الحربُ فيما بينهم حربُ وائلِ
فقلتُ لهُ شَلَّتْ يمينُكَ خَلِّها … لمُعْتَبِرٍ أو زائرٍ أو مُسائلِ
منازل قومٍ (١) حدَّثتنا ديارُهُم … ولم ألقَ أحلى من حديثِ المنازلِ
السنة الثَّانية والثمانون وأربع مئة
فيها بعث السلطان صواب الخادم يطلب ابنتَه من الخليفة، فإنَّ شكاويها قد كثُرت منه، وأنَّه معرضٌ عنها، فأذِنَ لها في الخروج، فقالت: أريد ولدي أبا الفضل جعفر. فامتنع الخليفة من خروج الولد معها، فشدَّدت عليه، فأذن لها على كُره، فخرجت من بغداد يوم الأربعاء سادس عشر ربيع الأوَّل، وأصحبها الخليفةُ النقيبين الكامل والطاهر وجماعةً من الخدم، وخرج الوزير أبو شجاع مُشيِّعًا للأمير أبي الفضل بين يدي مِحَفَّته إلى النَّهروان، وكان السلطان قد قطع النهر إلى سمرقند (٢).
وفي صفر كانت فتنة عظيمة ببغداد بين السنة والشيعة، وسببها أنَّ أناسًا من أهل البصرة كبسوا الكَرْخ [فقتلوا رجلًا وجرحوا آخر، فأغلقت أسواق الكَرْخ] (٣) ورفع أهلُها المصاحف، وقُتِلَ بينهم خلقٌ كثير، وجاء خمارتاش [نائب] (٤) الشحنة، فنزل قريبًا من دجلة ليكفَّ الفريقين فما قدر، وكان أهل باب البصرة يزحفون وبين أيديهم سَبُعٌ أحمر قد زَيَّنوه يقاتل وهم خلفه، وبعث الخليفة إليهم الخدم والخواصَّ والهاشميين والقضاة والأعيان والمشايخ، فلم يلتفتوا، ورفع العامَّةُ الصلبان على
стр. 9329
القصب، ونادوا: المستنصر يا منصور، ونادت الطائفة الأخرى: المسيحَ يا منصور، وتفاقم أمر الفتنة، وقُتِلَ من الفريقين نحوٌ من مئتين، وسبَّ أهلُ الكَرْخ أصحابَ رسول الله ﷺ ، [وأزواجَه رضوان الله عليهم، وتعدَّوا إلى سبِّ رسول الله ﷺ ] (١) وكتب الخليفة إلى صدقة بن مَزْيَد بإنفاذ جيش، فبعث إليه بالعرب، واتفقوا مع الشحنة، فنقضوا الدُّور، وأحرقوا المحالَّ، وحلقوا الشعور، [وأحرقوا] ونهبوا أماكن المفسدين من الفريقين، فسكنت الفتنة.
وفي شوال ورد الخبر بموت خاتون بنت السلطان بأصبهان بالجُدَري، فجلس الوزير في العزاء بباب الفردوس ثلاثة أيَّام -وقيل: سبعة أيَّام (٢) - وأخرج الخليفة أبا محمَّد التميمي وعفيف الخادم لتعزية السلطان.
ووردت الأخبار أن السلطان ملك شاه فتح سمرقند وأسر ملِكَها ابن طنغاج، وكان زوج أخت السلطان، وله منها ثلاثة أولاد، فجعل الولايةَ لأحدهم واسمه أحمد، وأمر بالخطبة له على المنابر. وقيل: إن هذا أحمد مات سنة أربع وثمانين.
وفيها ولَّى السلطانُ عميدَ الدولة ابنَ جَهير ديار بكر بسعي نظام الملك، فمضى إليها ومعه زوجتُه زبيدة بنت نظام الملك، وكان مقصودُه بالولاية أخْذَ مال أبيه فخرِ الدولة من الودائع العظيمة، فأخذها وأقام إلى سنة أربع وثمانين، فاستدعاه السلطان إليه، ومات أبوه سنة ثلاث وثمانين، وسنذكره إن شاء الله تعالى.
وفيها عمرت المنارة بجامع حلب.
وفيها جهز بدر الجمالي عسكرًا من نصير (٣) الدولة الجيوشي، فنزل على صور وبها القاضي عين الدولة ابن أبي عقيل، فسلَّمها إليه لمَّا لم يكن له به طاقة، وفتح صيدا وجُبيل وعكا، وكان لتُتُش بهذه البلاد أموال، فأخذها ونزل على بعلبك، وجاءه ابن ملاعب وخطب للمستنصر، وبعث تُتُش إلى آق سنقر بحلب وإلى بُزان بالرُّها وقال
стр. 9330
لهما: هذه البلاد التي أُخِذَت كان لي فيها ذخائر وأموال وقد أُخِذَتْ، وطلب منهما النجدة، فبعثا له عسكرًا.
وفيها تُوفِّي
طاهر بن بركات بن إبراهيم (١)
أبو الفضل، القرشي، الخشوعي، من أكابر شيوخ دمشق.
قال ابن عساكر: سألتُ ولده إبراهيم بن طاهر: لِمَ سُمِّيتم الخشوعيين؟ فقال: لأنَّ جدَّنا الأعلى كان يؤمُّ النَّاس، فمات في المحراب.
وكانت وفاة طاهر بدمشق، وكان صدوقًا ثقة.
عاصم بن الحسن (٢)
ابن محمَّد بن علي بن عاصم، أبو الحسين، ولد سنة سبع وتسعين وثلاث مئة، وتوفي في جمادى الآخرة، ودفن عند جامع المنصور، وكان ظريفًا شاعرًا، فصيحًا أديبًا، ثقة متقنًا حافظًا، ومن شعره: [من الكامل]
لهفي على قومٍ بكاظمةٍ … ودَّعْتُهم والركبُ مُعترِضُ
لم تترُكِ العَبَراتُ مُذْ بَعُدوا … لي مُقلةً ترنو وتغتمِضُ
رحلوا فطَرْفي دمعُهُ هَطِلٌ … جارٍ وقلبي حشوُهُ مَرَضُ
وتعوَّضوا لا ذُقْتُ فَقْدَهمُ … عنِّي وما لي عنهمُ عِوَضُ
أقرضتُهم قلبي على ثقةٍ … بهم فما ردُّوا الذي اقترضوا
فَرَضوا على الأجفانِ أنهمُ … لا تلتقي فَرَضُوا بما فَرَضُوا
أم أبرموا أمرًا فإنَّهمُ … بصدودِهم للعهدِ قد نَقَضُوا
وقال: [من الرجز]
أتعجبون من بياض لمَّتي … وهجرُكُمْ قد شيَّبَ المفارقا
стр. 9331
لمَّا رأيتُ دارَكُمْ خاليةً … من بعدما ثوَّرتُمُ الأيانقا (١)
بكيتُ في ربوعِها صبابةً … فأنبتَتْ مدامعي شقائقا
وقال: [من الكامل]
ماذا على متلوِّنِ الأخلاقِ … لو زارني فأبُثَّهُ أشواقي
وأبوحَ بالشكوى إليه تذلُّلًا … وأفضَّ ختم الدَّمع من آماقي
فعساهُ يسمحُ بالوصالِ لمدنفٍ … ذي لوعةٍ وصبابةٍ مشتاقِ
أسرَ الفؤادَ ولم يرِقَّ لموثقٍ … ما ضرَّه لو جادَ بالإطلاقِ
يا قاتلي ظلمًا بسيف صدودِهِ … حاشاكَ تقتلني بلا استحقاقِ
أسقيتَني دمعي وما يَروى بهِ … ظَمَأي ولكن لا عَدِمتُ الساقي
وقال: [من الطَّويل]
وحرَّم غمضي بالحجيجِ على منى … غزالٌ رأيناهُ بمكة مُحرِما
رمى وَهو يسعى بالجِمارِ وإنَّما … رمى جمرةَ القلب المُعذَّب إذ رمى
ولمَّا تفرَّقْنا بمُنعرجِ اللِّوى … وأنجدْتُ لا أرجو اللِّقاءَ وأتْهما
بكيتُ على وادي الأراكِ وماؤُهُ … مَعينٌ فصار الماءُ مِنْ عَبْرتي دمًا
وقال: مرضتُ فغسلتُ ديوان شعري، وكان ذلك من المرض أيضًا.
علي بن [أبي] يعلى (٢)
ابن زيد، أبو القاسم، الدَّبُوسي (٣)، من أهل دَبُوسة بلدة بين بخارى وسمرقند، أقدمه نظام الملك إلى بغداد لتدريس النظامية بعد المتولي، كان فاضلًا عارفًا بالفقه والجدل والمناظرة، وكانت وفاته في شعبان [ببغداد] (٤).
стр. 9332
السنة الثالثة والثمانون وأربع مئة
فيها تولى تُتُش على حمص وفيها ابن ملاعب، ومع تُتُش آق سنقر وبُزان، وقاتلوه مدةً، وقالوا: أنت نزلت إلى المصريين وخطبتَ لهم، فلمَّا ضايقوه طلب الأمان على نفسه وماله وأهله، فأعطوه، فنزل من القلعة، وتوجُّه إلى مصر، وتسلم تُتُش حمص، ثم أقام بمصر مدة وعاد إلى الشام، فدبَّر الحيلة على حصن فامية وملكه، وقدم أبو عبد الله الطبري بغداد في المُحرَّم ومعه منشور نظام الملك بالتدريس في النظامية، فدرس، ثم وصل عبد الرحمن الشيرازي ومعه منشور آخر، فتقرَّر أن يكون يذكر الدرس هذا يومًا، وهذا يومًا.
وفي ربيع الآخر خلع الخليفة على علي بن طِراد وولَّاه نقابة العباسيين بعد أبيه.
وفيها ظهر بالبصرة رجل مُنجِّم فادَّعى أنَّه المهدي، وكان من القرامطة، فاحتال حتَّى أحرق البصرة وهرب، فأتت النَّار على معظمها، واسمه بلبا، فآل أمرُه إلى أن حُمِل إلى بغداد، وأُشهِر على جمل، وصُلِب في السنة الآتية.
وفيها تُوفِّي
جعفر بن محمَّد
ابن جعفر بن المكتفي بالله، كان عاقلًا أديبًا صالحًا، سمع الحديث، ومات في جمادى الآخرة، ودُفن بباب حرب عن ست وتسعين سنة.
علي بن محمَّد
القيرواني، كان فقيهًا فاضلًا شاعرًا فصيحًا، وهو القائل: [من مجزوء الكامل]
ما في زمانِكَ ماجدٌ … لو قَدْ تأمَّلْتَ الشَّواهِدْ
فاشهَدْ بصدقِ مقالتي … أولًا فكذِّبني بواحِدْ
محمَّد بن محمَّد بن جَهير (١)
أبو نصر، فخر الدولة، الوزير، أصله من الموصل وبها وُلد، وقَدِم ميَّافارقين، وكتب إلى القائم يسأله أن يستوزره، فأجابه، ثم نقم عليه ونفاه إلى الحِلَّة ثم أعاده،
стр. 9333
ووَزَر للمقتدي فنفاه، ولابنه عميد الدولة، فمضى إلى السلطان، وتحدَّث عليّ بني مروان، وأطمعه في مملكتهم، فأزالها، وفتح ميَّافارقين وآمِد وديار بكر، وخطب له على المنابر بها، وكان يبعث بالأموال إلى ولده عميد الدولة من ميَّافارقين، وعميد الدولة عند السلطان.
وكان مما أنفذ له مائدة بِلَّور، دورها خمسة أشبار، وقوائمها منها، وزبادي، وأقداح بِلَّور ليس لها قيمة، وبعث إليه خُفًّا من ذهب فيه السُّبحة التي كانت لنصير الدولة، وكانت مئة وأربعين حبة لؤلؤ، وزنُ كلِّ حبة مثقالٌ وزيادة، وفي وسطها الحبل الياقوت، وقطع بلخش قيمة الجميع ثلاث مئة ألف دينار.
واستولى ابنُ جَهير على أموال ديار بكر، وأخذ من أبي سالم الطَّبيب ألفي ألف دينار سوى الجواهر واليواقيت، ولمَّا بلغ السلطان هذا استدعاه إلى بابه، فهمَّ بالعصيان، ثم فكَّر، فعلم أنَّه لا يقدر على ذلك وابنُه عند السلطان، فجاء إليه وقد عاد من حلب وولى السلطانُ ديارَ بكر للعميد قوام الدين أبي علي البلخي، فسار إليها، وكان فقيهًا عفيفًا، فكان يجلس للدرس من بكرة إلى قريب الظهر، ثم يمضي إلى الديوان فيقضي أشغال النَّاس إلى العصر، وأظهر العدل والإحسان.
وسمع ليلةً صوت ناقوس بدير عباد على الجبل، فقال: أيُضرب الناقوس في بلاد المسلمين؟ فأخرب الديرَ، وبناه مسجدًا، ووقف عليه الوقوف، وأقام حاكمًا، حتَّى تعصَّب عليه نظام الملك وعزله وولَّى عميدَ الدولة، وقد ذكرناه، وذكرنا قصد صاحب ميَّافارقين بابَ السلطان، وأنَّه لم يلتفت عليه لخِسَّة نفسه، فلمَّا فُتحت بلادُه قال السلطان: قولوا له: أيش يريد؟. فجاءه الرسول فقال: أيش تريد حتَّى يُعوِّضك السلطان؟ فقال: يزيد حربةً تقع في صدره تخرج من ظهره. فقيل للسلطان: قد طلب حربى قريةً ببغداد ارتفاعها ثلاثون ألف دينار، فأقطعه إياها، فأقام بها حتَّى مات ملك شاه.
وكان أبو سالم الطَّبيب قد حبس الوزير أبا طاهر بن الأنباري بميَّافارقين، فأطلقه ابنُ جَهير، وبعث به إلى حصن كيفا وبها خادمٌ يقال له: ياقوت، وناظرٌ يقال له: أبو الحسن علي بن الأزرق، فقيل لفخر الدولة: إن ابن الأنباري قد عرف أموال بني
стр. 9334
مروان وذخائرهم، فإن أطلقتَه ربما مضى إلى السلطان وأخبره بما وصل إليك. فبعث إلى ياقوت الخادم وابن الأزرقِ يأمرهما بقتله، فقال ابن الأزرق للخادم: هذا رجل كبير القدر، وربما عزل ابنَ جَهير من البلاد فلا تقتُلْه. قال: وكيف أعمل؟ قال: أظهِرْ موته وأخْفِه. فقال الخادم لابن الأنباري: تمارَضْ أيامًا. ففعل وعاده النَّاس والأطباء، ثم أظهر موته، وأخرج جنازةً وصلَّى عليها النَّاس، وكتب إلى ابن جَهير بذلك، وأثبت موتَه على القاضي، ثم ظهر ابنُ الأنباري بعد مفارقة ابن جَهير البلاد، ولم يأخذ أحد من الوزراء من الأموال والجواهر ما رأى ابن جَهير من بلاد بني مروان، ولم تزل الأقدار تتقلب به حتَّى عاد إلى الموصل فمات بها.
وكان قد سأل السلطان لمَّا رأى تغيُّره عليه أن يأذن له في المقام بالموصل، فأذِن له، فمرض في رجب، وتُوفِّي، فحمل أمراءُ بني عقيل جنازته إلى تلِّ توبة شرقي الموصل، فدُفِنَ به.
السنة الرابعة والثمانون وأربع مئة
فيها في صفر كتب الوزير أبو شجاع إلى الخليفة يُعرِّفه باستطالة أهل الذمة على المسلمين، وأنَّ الواجبَ تمييزُهم عنهم، فأمره الخليفة أن يفعل ما يراه، فألزمهم لبس الغيار والزنانير، وتعليق الدراهم الرصاص في أعناقهم، مكتوب على الدراهم: ذمِّي، وتُجعل هذه الدراهم في حلوق نسائهم في الحمامات ليُعرَفْنَ بها، وأن يلبسنَ الخفاف فردةً سوداءَ وفردةً حمراء، وخلخالًا في أرجلهن، فذلُّوا وانقمعوا، وأَسْلَمَ حينئذٍ أبو سعد بن الموصلايا كاتبُ الإنشاء للخليفة، وابنُ أخيه أبو نصر هبةُ الله، وسأل أن يكون ذلك بحضرة الخليفة، فأُجيب إلى ذلك.
وفي جمادى الأولى قدم أبو حامد الطُّوسي الغزالي بغداد مدرسًا بالنظامية ومعه توقيع نظام الملك (١).
стр. 9335
وفي شعبان حدث بالشَّام زلزلةٌ عظيمةٌ لم يُسمع بمثلها، ووافق ذلك تشرين الأول، وخرج النَّاسُ من دورهم هاربين، وانهدم معظم أنطاكية، ووقع من السور نحوٌ من تسعين برجًا، ونزل آق سنقر على فامية فأخذها وأخرج ابنَ ملاعب منها.
ووردت الأخبارُ بأنه مات سلطان سمرقند المرتب فِي مملكة جدِّه.
وفي رمضان خرج توقيع الخليفة بعزل الوزير أبي شجاع من الوزارة، وكان له أسباب:
أحدُها أن نظام الملك كان يكرهه ويروم الوزارة لابنه.
ومنها شكوى أصحاب السلطان منه وما يعاملهم به.
ومنها أن الخليفة كان قد ضجر من أفعالِه وكَسْرِه لأغراض الديوان، وتبرُّمِه بالخدمة، وكان قليلَ الرغبة فيها، فصادف ذلك أن السلطان لمَّا فتح سمرقند كتب إِلَى بغداد، فخلع الخليفة على البشير، وضرب بين يديه الدبادب، فقال أبو شجاع: وأيُّ بشارة هذه؟ كأنه من بلاد الكفار، وهل هم إلَّا مسلمون استُبيح منهم ما يُستباح من الكفرة؟ وكتب إِلَى السلطان بذلك، فشقَّ عليه، وكتب إِلَى الخليفة يشكوه، ووافق ما ذكرناه من الأسباب، فعزله وهو بالديوان، فلم يتأثَّر، وقام على حالة فِي حاشيته وهو ينشد: [من الوافر]
تولَّاها وليسَ لهُ عدوٌّ … وفارقَها وليسَ له صديقُ
ثم ورد كتاب نظام الملك بإبعاده عن بغداد، فاستأذن فِي الحجِّ فأُذِن له، فخرج إِلَى مشهد أمير المُؤْمنين رضوان الله عليه، فأقام به ينتظر الحاجَّ، وبلغ نظام الملك، فَرقَّ له، وكتب إليه يقول: سألتُكَ بالله أن أكون عديلَك. وكان النظام عَزَمَ على الحج، لكن لم يُقْدَرْ له، فقال أبو شجاع لرسوله: اخدمه عني، وقيل له: منذ أطبق أمير المُؤْمنين دواتي لم أفتحها، ولولا ذلك لكتبتُ الكتاب والجواب، وأنا أعادله بالدعاء. ولمَّا فارق الوزير الديوان ناب فيه ابن الموصلايا الكاتب ولُقِّب أمينَ الدولة (١).
стр. 9336
وفي رمضان أخرج الخليفةُ أَبا محمَّد التَّمِيمِيّ إِلَى ميَّافارقين يُحضر عميدَ الدولة ابنَ جهير ليولِّيه الوزارة، وسببه ميل نظام الملك إليه، وكونه صهره على ابنته.
وفي رمضان دخل السلطان بغداد ومعه نظام الملك، فخرج إِلَى لقائه ابنُ الموصلايا والموكب، ثم سار السلطان إِلَى زيارة المشهدين الحائر ومشهد الكوفة، ومعه ولده وولد ابنته من الخليفة.
وفي ذي القعدة قدم عميد الدولة بغداد ومعه الأعيان؛ القاضي أبو القاسم بن نُباتة، وولده أبو الحسن، والقاضي أبو بكر بن صدقة، وغيرهم. ويقال: إن عميد الدولة والجماعة قصدوا أَصبهان وقدموا بغداد مع السلطان، واستناب عميد الدولة أخاه الكافي، وكان أصغر إخوته بميَّافارقين، وخلع الخليفةُ على عميد الدولة خِلَع الوزارة وهذه هي النوبة الثَّانية [من] (١) وزارته، وركب إليه نظام الملك إِلَى داره بباب العامة فهنأه.
وفي ذي الحجَّة عَمِلَ السلطان السَّذَقَ (٢) بدجلة، وهو إشعال النيران والشموع العظيمة فِي السفن والزواريق الكبار، وعلى كل زورق قبة عظيمة، وبات أهل بغداد على جانب دجلة من كل ناحية، وحملوا الملاهي فِي السفن، ولم يبقَ ببغداد من حاشية السلطان وغيرهم إلَّا من حمل الشمع والمشاعل، وكانت ليلةً عظيمة، وعلى السطوح أَيضًا، وأكثرَ الشعراءُ فِي ذلك، فقال أبو القاسم المُطرِّز: [من البسيط]
وكلُّ (٣) نارٍ على العُشَّاقِ مُضْرَمةٌ … من نارِ قلبي أو من ليلةِ السَّذَقِ
نارٌ تجلَّتْ بها الظَّلماءُ واشتبَهَتْ … بسُدْفةِ الليلِ فيها غُرَّةً الفلَقِ
وزارتِ الشمسُ فيها البدرَ واصطلحا … على الكواكبِ بعد الغَيظِ والحَنَقِ
مُدَّتْ على الأرضِ بُسْطٌ من جواهِرِها … ما بينَ مجتمِعٍ وارٍ ومُفترِقِ
مثلِ المصابيح إلَّا أنَّها نزلَتْ … من السماءِ بلا رجْمٍ ولا حَرَقِ
стр. 9337
أعْجِبْ بنارٍ ورضوانٌ يُسَعِّرُها … ومالكٌ قائمٌ منها على فرَقِ
فِي مجلسٍ ضحكَتْ روضُ الجِنان لَهُ … لمَّا جلا ثغرُهُ عن واضحٍ يَقَقِ (١)
وللشموعِ عيونٌ كلَّما نظرَتْ … تظلَّمَتْ من يديها أنجمُ الغَسَقِ
مِنْ كلِّ مُرهَفةِ الأعطافِ كالغصنِ الـ … ميَّادِ لكنَّهُ عارٍ من الورقِ
إنِّي لأعجَبُ منها وهي (٢) وادعةٌ … تبكي وعيشتُها فِي ضربة العُنُقِ
قال المصنف ﵀: إن أَبا القاسم المطرز [مات سنة تسع وثلاثين وأربع مئة، فإما أن يكون هذا الشعر لمطرِّزٍ آخر] (٣) أو يكون وهمًا من الكاتب، أو نسيانًا، والله أعلم.
وقال أَيضًا: أنشدني علي بن الحسن الأبنوسي بالموصل سنة ثلاث وست مئة فِي نار السَّذَقِ (٤) منها: [من المنسرح]
واللهِ ما خمرةٌ مُشَعْشَعةٌ … خمرًا تأتَّى كالشمسِ فِي الغَسَقِ
مشمولةٌ تغتدي وقد سكبَتْ … لابسةً حُلَّةً من الشَّفَقِ
رَقَّتْ وطابَتْ عَرْفًا فلو سُقِيَتْ … عُزَيرَ عامَ السُّباتِ (٥) لم يَفِقِ
ولا حيا (٦) ديمةٍ له زَجَلٌ … قد جعل الأرضَ منهُ فِي طبقِ
أقام شهرًا ينهَلُّ هيدبُهُ (٧) … مُنْبَجِسًا لم يُبِنْ عن الأُفقِ
تحسَبُ منه بروقَه سحرًا … نارَ مجوسٍ فِي ليلة السَّذقِ
يومًا بأيدٍ من الملوكِ ولا … أطيبَ عَرْفًا من نشرِهِ العَبِقِ
يَا ابنَ الفلانيِّ يَا أعزَّ فتًى … له أيادٍ كالطَّوقِ فِي عُنقي
أثقلْنَ ظهري بحملِهِنَّ فلو … رُمْتُ نهوضًا بالشُّكرِ لم أُطِقِ
стр. 9338
وفيها حاصر تُتُش طرابلس ومعه آق سنقر بُزان، وبها جلال الملك ابن عمار، فاحتجَّ عليه بأنَّ معه منشور السلطان بإقراره على البلد، فلم يقبل منه تُتُش، ونصب عليه المجانيق، وتوقَّف آق سنقر عن قتاله، فقال له تُتُش: أنتَ تبَعٌ لي فكيف تخالفني؟ فقال: أنا تبَعٌ لك إلَّا فِي عصيان السلطان، وهذا من أصحابه. فغضب تاج الدولة ورجع إِلَى دمشق، ومضى آق سنقر إِلَى حلب، وبُزان إِلَى الرُّها.
وفيها بعث السلطان سعد الدولة الكوهراني إِلَى اليمن، فاستولى على البلاد السهلية والساحلية دون القلاع، وخطب للسلطان بها، فاستقام له معظم الدنيا إلَّا مصر والمغرب، وكان فِي عزمه أن يسير إِلَى مصر بنفسه، فجاءه ما لم يكن فِي حسبانه.
وفيها ملك يوسف بن تاشفين الأندلس ونفى ابن عباد عنها، وسنذكره إن شاء الله تعالى.
وفيها تُوفِّي
عبد الرحمن بن أَحْمد بن علَّك (١)
أبو طاهر، الأَصْبهانِيّ، ولد بأصبهان، وسمع الحديث، وسافر إِلَى سمرقند فتفقَّه بها. وقيل: إنه كان السبب فِي فتحها، وكان من رؤساء الشافعية، كثيرَ المال، واسع الحال، يُقرض الأمراء من خمسين أَلْف دينار فما زاد، وكان عظيمَ الجاه، قدم مع السلطان إِلَى بغداد فتوفِّي، فمشى تاج الملك وحاشية السلطان إِلَى قبره بين يدي جنازته من النظامية إِلَى باب أبْرز، وجاء السلطان عشية ذلك اليوم إِلَى قبره وصلَّى عليه، وجاء نطام الملك فجلس عند قبره وهو يُدفَن، فقال: لا إله إلَّا الله، دُفِنَ فِي هذا المكان أزهدُ النَّاس فِي الدنيا وأرغبُهم فيها، يشير إِلَى أبي إسحاق الشيرازي، فإنَّه الزَّاهد، وإلى ابن علَّك، فإنَّه الراغب.
وكان قد مشى جميع الدولة فِي جنازته إلَّا نظام الملك وحده، فإنَّه ركب واعتذر بعلوِّ السن.
стр. 9339
وكان فقيهًا فاضلًا، لم يُرَ فِي زمانه فقيهٌ أنصفُ منه ولا أعلم، وكانت له هيبةً حسنة، ومروءةٌ ظاهرة.
عيشون بن عمران بن محمَّد (١)
أبو بكر، الرَّبَعي، السَّبتي، قدم الشَّام، وحجَّ ونزل بغداد، وسمع الحديث، وأعطاه ابنُ جَهير كتبًا من المقتدي إِلَى وُلاة الغرب بإقامة الدعوة له، وكان وجيهًا، فجاء الإسكندرية وركب البحر، وبلغ بدرًا الجمالي ذلك فطلبه ففاته، فلمَّا كان بعد أيام ردَّت الريحُ المركب الذي كان فيه إِلَى الإسكندرية، فقبضوا عليه، وأخذوا الكتب، وحُمِلَ إِلَى بدر فقتله، وكان فاضلًا ثقةً.
محمَّد بن أَحْمد (٢)
ابن عليّ بن حامد، أبو نصر، المروزي، كان إمامًا فِي القراءات، وصنَّف فيها التصانيف، وانتهت إليه الرياسة فيها، وغرق فِي البحر، وجاء وقت الصلاة، وزالت الشَّمس، فشرع فِي الصلاة على حسب الحال، فنُجِّي ببركات تلك النية، وعاش نيِّفًا وتسعين سنة، ومات فِي ذي القعدة أو الحجة.
محمَّد بن عليّ بن محمَّد (٣)
أبو عبد الله، التنوخي، الحلبي، ويعرف بابن العُظَيمي، ومن شعره: [من البسيط]
يلقى العِدا بِجَنانٍ ليس يُرعِبُهُ … خَوْضُ الحِمامِ ومتنٍ ليس ينقصِمُ
فالبِيضُ تُكسَرُ والأوداجُ داميةٌ … والخيلُ تعرِمُ والأبطالُ تلتطِمُ
والنقعُ غيمٌ ووقْعُ المرهَفاتِ بهِ … لمعُ البوارقِ والغيثُ المُلِثُّ دَمُ
стр. 9340
السنة الخامسة والثمانون وأربع مئة
فيها فِي المُحرَّم أمر السلطان بعمارة جامع السلطان قريبًا من دار المملكة على باب بغداد، وتولَّى السلطانُ تقديرَه وذَرْعَه بنفسه، وجمع له المنجِّمين وأرباب الرصد والهندسة، وندب للإشراف على عمارته قاضي القضاة أَبا بكر الشَّاميّ، ونقلوا أخشابه من جامع سامرَّاء، وأمر بعمارة الأسواق حول داره، فعوجل فِي هذه السنة، ومطلت عمارة الجامع حتَّى تمَّ سنة أربع وعشرين وخمس مئة.
وفي النصف من ربيع الأول توجَّه السلطان من بغداد إِلَى أَصبهان، وخرج معه الأمير أبو الفضل جعفر بن الخليفة (١).
وذُكِرَ فِي بعض التواريخ أن تُتُش قدم بغداد فِي هذه السنة شاكيًا من آق سنقر، فلم يلتفت السلطان إليه، فترك ابنَه عند السلطان وعاد إِلَى دمشق.
قال المصنف ﵀: وهذا بعيدٌ؛ فإن السلطان وصل حلب ولم يَلْتَقِه تُتُش لأنه كان مستوحشًا منه.
وفي يوم الاثنين منتصف ربيع الأول وقت الظهر وهو السادس من نيسان اقترن زُحل والمريخ فِي برج السرطان، وذكر أهل صناعة النجوم أن هذا القرآن لم يحدُثْ مثلُه فِي هذا البرج منذ بُعِثَ النبيُّ ﷺ وإلى هذه السنة، فكان من تأثير هذا القرآن هلاكُ ملك شاه سيد الملوك، ومقتل نظام الملك سيد الوزراء.
وفي غُرَّة رمضان توجَّه السلطان من أَصبهان إِلَى بغداد بنيةٍ غيرِ مرضيةٍ فِي حقِّ الخليفة، وعزم على تغييره، وكان معه النظام، فقُتِلَ فِي عاشر رمضان فِي الطريق ووصل السلطان [إِلَى] (٢) بغداد ثامن عشر رمضان، وقد حزن على نظام الملك على ما قيل، فلما قارب بغداد خلع الخليفةُ على عميد الدولة جبرًا لمصابه بنظام الملك؛ لأنه صهره على ابنته، ولما نزل السلطانُ داره ثاني عشرين رمضان يوم السبت دخل عليه عميد الدولة وهنَّأه عن الخليفة بمَقْدَمه، وبعث السلطان يقول للخليفة: لا بُدَّ أن تترك
стр. 9341
لي بغداد وتذهب إِلَى أيِّ بلد شئت. فانزعج الخليفة، وبعث إليه يقول: أمهلني شهرًا. فقال: ولا ساعة. فأرسل الخليفةُ إِلَى تاج الملك أبي الغنائم، وكان السلطان قد استوزره، فقال: سَلْه أن يؤخِّرَنا عشرةَ أيام. فدخل تاجُ الملك على السلطان وقال له: لو أنَّ بعض العوام أراد أن ينتقل من دار إِلَى دار لم يقدر على النقلة فِي أقلَّ من عشرة أيام، فكيف بالخليفة وخدمه وأهله وأسبابه؟ فيحسن أن يؤخَّر عشرة أيام. فقال السلطان: يجوز. ومرض السلطان ومات بعد أيام، وعدَّ النَّاسُ من كرامات (١) الدولة العباسية موتَه.
وفيها وقع (٢) بالبصرة بَرَدٌ وزن البَرَدة خمسةُ أرطال إِلَى اثني عشر رطلًا وأكبر، فهدم الأبراج المبنيَّة بالجصِّ والآجرِّ، وقلع عامة النخيل، وأهلك خلقًا كثيرًا، وخرج النَّاس للحجِّ، فنهبهم بنو خفاجة، فعادوا.
وفيها تُوفِّي
نظام الملك (٣)
الحسن بن إسحاق بن العباس، أبو علي الطُّوسي، ولد بطُوس، وكان من أولاد الدَّهاقين وأرباب الضياع بناحية بَيهَق، كان عاليَ الهِمَّة، إلَّا أنَّه كان فقيرًا مشغولًا بسماع الحديث والفقه، يخدم أَبا علي بن شاذان المعتمد عليه ببَلْخ كاتبًا بين يديه، فكان فِي كلِّ وقت يصادره، فهرب منه إِلَى داود بن ميكائيل وعرَّفه خدمته، وأخذ بيده وسلَّمه إِلَى ألب أرسلان، فقال: يَا محمَّد، هذا حسن الطوسي، فتسلَّمْه واتَّخِذْه والدًا ولا تُخالِفْه. فلمَّا وصل إِلَى ألب أرسلان دبَّر دولتَه أحسن التدبير عشرَ سنين، ومات ألب أرسلان، فازدحم أولاده على الملك، فوطده لولده ملك شاه، ولمَّا دخل على المقتدي أمره بالجلوس بين يديه، وقال له: يَا حسن، رضي الله عنك لرضا أمير المُؤْمنين عنك. وكان مجلسه عامرًا بالعلماء والصُّلحاء، حتَّى كانوا يشغلونه عن كثير من مهام الدولة، فقال له بعض كتَّابه: قد بسطت هذه الطائفة فِي مجلسك حتَّى شغلوك عن مصالح الرعية، فلو حجبتَهم وأذِنْتَ لمن شئت، وأمرت بأن لا يُضيِّقوا عليكَ مجلسك، وإنما
стр. 9342
يجلسوا ناحيةً. فقال له: ويحك، هذه الطائفة أركان الإِسلام، وجمال الدنيا والآخرة، فلو أجلستُ كلَّ واحد منهم على رأسي لما استكثرتُ له ذلك ولا استقللتُه.
وكان إذا دخل عليه أبو القاسم القشيري وأبو المعالي بن الجويني قام لهما وأجلسهما إِلَى جانبه، وإذا دخل عليه أبو علي الفارْمَذي قام له وأجلسه فِي طراحته وجلس بين يديه، فامتعض من ذلك القشيري وابن الجويني، وقالا للحاجب: نحن أولى بالإكرام من الفارمَذي. فأبلغَ الحاجبُ النظامَ ما قالا، فقال: القشيريُّ وابنُ الجويني وأمثالُهما إذا دخلوا عليَّ أضرُّوني، وقالوا: أنتَ وأنتَ، ووصفوني بما ليس فيَّ، فيزيدُني كلامُهُم تِيهًا، والفارْمَذي إذا دخل عليَّ وعظني وزجَرَني ويذكر لي عيوبي وظلمي فأنكسر وأنتفع به، وأرجع عن كثيرٍ ممَّا أنا فيه، وكان يُعظِّم الصوفية ويُحبُّهم، حتَّى إنه أعطى بعضَ متمنِّيهم فِي أوقاتٍ ثمانينَ أَلْف دينار.
وسأله التَّمِيمِيّ عن سبب تعظيمه إيَّاهم، فقال: كنتُ فِي خدمة بعض الأمراء، فأتاني صوفيٌّ فقال: اخدُمْ من تنفعُكَ خدمتُه، ولا تخدُمْ من تمزِّقُه الكلاب غدًا. فلم أفهم معنى قوله، وكان الأمير يشرب الخمر، فشرب فِي تلك الليلة، وكانت له كلابٌ كالسباع الضارية تدور حول خيمته وتفترس الغرباء، فغلبه السُّكْرُ، فخرج آخرَ الليل وحدَه، فلم تعرِفْه الكلاب فمزَّقَتْه، فعلمتُ أن الرَّجل كُوشِفَ بذاك، فأنا أطلب أمثاله.
وكان النظام إذا سمع الأذان أمسك عما كان فيه، ويراعي أوقات الصلوات، ويصوم الاثنين والخميس، ويكثر الصدقة، وكان حليمًا وقورًا، وبنى المدارس والرباطات فِي كلِّ بلد، ووقف عليها الأوقاف الكثيرة، وله بأصبهان نظاميةٌ وبغيرها، وصرف العناية إِلَى نظامية بغداد، وأوقف عليها أوقافًا كثيرة، منها سوق المدرسة وغيره، ونقل إليها الكتب الفائقة، وشرط أن يكون بها القُرَّاءُ والنُّحاةُ، وكان يُطلِقُ ببغداد فِي كلِّ سنة برسم الصِّلاتِ (١) عشرين أَلْف دينار وخمس مئة كُرٍّ غلَّةً.
ولمَّا بنى المدارس والرباطات فِي المفاوز والقناطر والجسور ونحوها سعى به أعداؤه إِلَى ملك شاه، وقالوا: قد ضيَّع عليكَ أموالًا عظيمةً فِي هذه الوجوه، وكان قد
стр. 9343
كتب على أبوابها اسم ملك شاه، فعاتبه [عليه] (١) وقال: ضيَّعتَ الأموال في هذه الأشياء (٢)؟ فقال له: يَا ملك، لمَّا أقمتُ لكَ [العساكر تقاتل بين يديك، والأعداء بالنهار، أقمتُ لك] جندًا فِي الليل يصفُّون أقدامهم ويدعون لك وأنت نائم، وبعد هذا فانظُرْ فِي المال الذي غرمته فِي هذه الوجوه فأنا أحمله لك، وأمحو اسمك من أبوابها، وأكتب اسمي، ليبقى لي ذِكْرُها وأجرُها. فقال ملك شاه: لا واللهِ ما أريد أن أمحو اسمي من أماكن البر والصلة، وجزاك اللهُ خيرًا فيما فعلتَ.
وعبر جَيحون، فأطلق للملَّاحين عشرة آلاف دينار على عامل (٣) أنطاكية، وشكى إليه الفرَّاشون وهو بما وراء النهر تأخيرَ جامكياتهم (٤)، فوقَّع لهم على مال الهدنة إِلَى القسطنطينية، فقيل له: بالأمس تُطلِقُ على أنطاكية واليوم على القسطنطينية؟ فقال: قصدتُ إظهار هيبة الملك الذي أنا فِي خدمته فِي الدنيا وأنَّ أحدًا من الملوك ما وصل إِلَى هذا، وملَكَ من الغلمان ألوفًا، ومن المال ما لا يُحصى، ومع هذا فكان يتمنى الانقطاع إِلَى الله تعالى، ويقول: أتمنَّى أن تكون لي قريةٌ ومسجدٌ أتخلَّى فيه بطاعة ربي. ثم قال بعد ذلك: تمنَّيتُ قطعةً من الأرض أتقوَّتُ بها [وأتخلَّى فِي مسجد. ثم قال بعد ذلك: أتمنَّى أن يكون لي رغيفٌ كلَّ يوم وأتعبَّد فِي مسجد].
وقال: رأيتُ إبليس فِي المنام، فقلتُ له: ويلَكَ، خلقك الله ثم أمركَ بسجدةٍ فلم تفعل، وأنا حسنٌ أمرني اللهُ بالسجود، فأنا أسجد له كلَّ يوم سجدات. فقال: [من مخلع البسيط]
مَنْ لم يكُن للوصال أهلًا … فكلُّ إحسانِهِ ذنوبُ
وقال التَّمِيمِيّ: كان قد وظف على الهند والروم والترك وظائف فِي كل سنة، فكان يطلق فِي بلاد ساقون والصين وما وراء القسطنطينية جامكيات الفراشين والغلمان، وهذا شيء ما جرى لغيره.
стр. 9344
ذكر مقتله:
واختلفوا فِي السبب على أقوال:
أحدها: أنَّه طال عمره فخدم ألب أرسلان وملك شاه تسعًا وعشرين سنة، أخرج أموالًا عظيمة، وكثر عليه أعداؤه عند ملك شاه. فوضع عليه من قتله.
والثاني: أنَّ ملك شاه بعث بعض مماليكه إِلَى مرو واليًا، وكان بها ابنُ نظام الملك مقيمًا، فعسف المملوك النَّاسَ وظلم، فقبض عليه ابنُ نظام الملك، فسُئِلَ فيه فأطلقه، فجاء إِلَى ملك شاه واستغاث بين يديه وبكى، وقال: ما فعلَ هذا إلَّا بك. فغضب ملك شاه، واستدعى أرباب دولته وقال لهم: امضوا إِلَى خواجة حسن وقولوا له: إن كنتَ شريكي فِي ملكي فلذلك حُكم، وإن كنتَ تابعي (١) فيجب أن تلزم حدَّك، وهؤلاء أولادُك قد استولَوا على الدنيا، ولا يُقنعهم ذلك حتَّى يخرقوا الحرمة (٢). فجاؤوا إليه وأبلغوه كلامه، فقال: قولوا له: ما علِمَ أنني شريكُه فِي الملك إِلَى اليوم؟! وهل بلغ ما بلغ إلَّا بتدبيري؟ أو ما يذكر لمَّا قُتِلَ أبوه كيف جمعتُ النَّاس عليه وكان قد تطاول إِلَى هذا الأمر إخوتُه وعمُّه فأبعدتهم وقرَّرتُ الملك فيه، وعبرتُ النهر، وفتحتُ البلاد، وحكمتُ على الدنيا، وجعلتُ ملوكها طوعًا له؟ وبعد هذا فقولوا له: إن ثبات قَلنسوةٍ على رأسه معذوق (٣) بفتح هذه الدَّواة، ومتى أُطبقَتْ هذه زالتْ تلك. فعادوا إليه وأخبروه بما قال، فخاف، واتَّفق مع تاج الملك على التدبير عليه، وأن يُفوِّض الأمر إِلَى تاج الملك أبي الغنائم.
والثالث: أن ملك شاه [كان] (٤) قد عزم على تشعيث الأمر على الخليفة، وأن يقيم خليفةً على حكم إرادته، وأطلع النظام على ذلك، فسفَّه رأيَه وقال: الله الله، لا يجوز ذلك شرعًا ولا عقلًا. فاطَّلع تاج الملك رأيَه (٥)، فصوَّب رأيه وقال: اقتل النظام لتستريح منه.
стр. 9345
والرابع: أن خاتون طلبت من ملك شاه أن يعهد إِلَى (١) ابنها محمود، فشاور النظام فقال له: بأيِّ وجهٍ تلقى الله غدًا وقد وَلَّيتَ على المسلمين امرأةً وصبيًّا ولك أولاد كبار؟ فاتفقت خاتون وملك شاه وتاج الملك على قتله.
ذكر كيفية قتله:
كان ملك شاه قد خرج من أَصبهان غُرَّة رمضان يقصد بغداد، وسار نظام الملك
بعده، فنزل بقرية من قرى نهاوند مكان الوقعة التي كانت فِي زمن عمر بن الخطاب
﵁، فقال: هذا موضعٌ مباركٌ قُتِلَ فيه جماعة من الصحابة، وطوبى لمن كان منهم.
وكان جالسًا والملوك والأمراء بين يديه، وكان صائمًا يوم الخميس، فتقدم إليه رجل من الأجناد فقال: رأيتُ رسول الله ﷺ قد أتاك وأنت فِي مِحفَّةٍ فأخذك منها. فاستبشر النظام وقال: الحمد لله بشارةُ خير، وهل أريد وأبغي إلَّا هذا؟ فلما فرغ النَّاسُ من الأكل حُمِلَ النظام فِي مِحفَّةٍ إِلَى خيمة النساء، وكان به نقرس، فاعترضه صبيٌّ ديلميٌّ فِي زيِّ الصوفية وبيده قصبة، فدعا له، وسأله أن يناوله إيَّاها من يده إِلَى يده، فقال: هاتِ. فمدَّ يدَه، فضربه بسكين فِي فؤاده، فحُمِلَ إِلَى مضربه فمات، وهرب الديلميُّ، فتعثَّر بطُنْب خيمة فقُطِّع قِطَعًا.
وقال أبو يعلى بن القلانسي: وثب عليه رجل ديلميٌّ من الباطنية، فقتله وهرب من ساعته، فطُلِبَ فلم يوجد، ولا ظهر له خبر، ولا بان له أثر، فأسف النَّاس [وتألَّموا] (٢) لِما أصاب نظام الملك، وتضاعف حزنُهم لفقد مثله؛ لما كان عليه من حسن الطريقة، وإيثار العدل فِي النصفة، والإحسان فِي أهل الدين والفقه والقرآن والعلم، وحبِّ الخير، وحميد السياسة، وما كان قد أثر من الآثار الحسنة فِي البلاد، بحيث كان رزقُه على اثني عشر أَلْف إنسان من فقيه وغيره، وحزن السلطان ملك شاه عليه، وتأسَّف لفقده، وذلك ليلة الجمعة عاشر رمضان، ونظام الملك أولُ من قتَلَتْه الباطنية، وكان عمره ستًّا وسبعين سنة وعشرة أشهر وأيامًا.
ووَزَر لألب أرسلان وملك شاه على نسق واحد تسعًا وعشرين سنة.
стр. 9346
وقال محمَّد بن الصابئ: وقيل: محمَّد بن عبد الملك الهَمَذاني [وَزَر لهما أربعًا وثلاثين سنة. وقال العماد الأصفهاني]: وزَرَ لهما حدود أربعين سنة.
ومن شعره: [من مخلع البسيط]
بعد الثمانينَ ليس لي قوةٌ … لهفي على قوةِ الصُّبوَّة
كأنَّنِي والعصا بكفِّي … موسى ولكِنْ بلا نُبُوَّة
ووصل نعيُ نظام الملك إِلَى بغداد يوم الأحد ثامن عشر رمضان، فجلس عميد الدولة للعزاء ثلاثة أيام فِي الديوان، وحضر النَّاس على طبقاتهم وحزنوا عليه، ولم يتخلَّف عن العزاء سوى الخليفة، وتأسَّف عليه؛ لأنه كان يعظِّمه عند السلطان، ويزيِّنه فِي عينيه، ويمنعه من الإقدام عليه، ويقضي حوائجه، ويوصل إليه أشياءَ كانت خارجةً عن إقطاعه.
أسند نظامُ الملك الحديثَ، وحدَّث بمرو ونيسابور والري وأصفهان وبغداد وفي مدرسته وبجامع المهدي، وكان يقول: إنِّي لأعلمُ أني لستُ من أهل الرواية للحديث النبوي، لكن أريد أن أربط نفسي على قطار النَّقَلةِ لحديث رسول الله ﷺ .
وحدَّث عنه جماعة، منهم: أبو الفضل الأرموي، وأبو القاسم بن العُكْبَري.
قال مقاتل بن عطية يرثيه: [من البسيط]
كانَ الوزيرُ نظامُ الملك لؤلؤةً … يتيمةً صاغَها الرحمنُ من شَرَفِ
عَزَّتْ فلم تعرفِ الأيامُ قيمتَها … فردَّها غَيرةً منهُ إِلَى الصَّدَفِ
وقال: [من الكامل]
قد قلتُ للرجل المُولَّى غسْلَهُ … لو قد أطاعَ وكنتُ من نُصحائِهِ
جنِّبهُ ماءَكَ ثمَّ غَسِّلهُ بما … أبكَتْ عيونُ المجدِ من آلائِهِ
وأزِلْ أفاوية (١) الحَنوطِ وطِيبَهُ … عنهُ وطيِّبْهُ بطيبِ ثنائِهِ
لا تُوهِ أعناقَ الرجالِ بحَمْلهِ … يكفيه ما فيهنَّ مِنْ نَعْمائِهِ
ومُرِ الكرامَ الكاتبينَ بحَمْلِهِ … شَرَفًا ألستَ تراهُمُ بإزائِهِ
стр. 9347
وقال التَّمِيمِيّ: كان نظامُ الملك مُمدَّحًا، يقال: إنَّ مُدَّاحه كانوا خمسة آلاف وزيادة، والقصائد التي مُدِح بها ثلاث مئة أَلْف قصيدة.
وقال علي بن عقيل: رأينا فِي زماننا فِي أوائل أعمارنا أُناسًا طاب العيش معهم من العلماء والزَّهاد وأعيان النَّاس، وأما نظام الملك فإنَّ سيرته بهرت العقول جودًا وكرمًا وحشمةً وإحياءً لمعالم الدين، فبنى المدارس، ووقف عليها الوقوف، وأنعش العلم وأهله وعمَّ الحرمين، وأكثر الصدقات، وفتح أبواب البر والصِّلات، وكانت أسواق العلم فِي أيامه قائمة، وما ظنُّكَ برجل كان الدهر فِي خفارته؛ لأنه قد أفاض من الإنعام ما أرضى به النَّاس، وإنما كانوا يذمُّون الدهر لضيق الأرزاق واختلال الأحوال، فلمَّا عمَّهم إحسانُه سكتوا عن ذمِّ الدهر، وتُرِكَ النَّاسُ بعده موتى، أمَّا أهل العلم والفقر ففقدوا العيش بعده بانقطاع الأرزاق، فمات العلم، وأمَّا الصدور والأغنياء (١) فكانوا مستورين بالغَناء عنهم، فلمَّا عرضت الحاجات إليهم عجزوا عن تحمُّلِ بعض ما عوَّدَ نظام الملك من الإحسان، فانكشفَتْ أحوالُهم، وبانت معايبُهم، وضيقُ أخلاقِهم، فهؤلاء موتى بالذمِّ، والآخرون موتى بالحاجة، وأما هو فحيٌّ بعد موته بمدح النَّاس لأيامه، ثم خُتِمَ له بما خُتِمَ من الشهادة، فكفاه أمرَ أخراه كما كفى أهلَ العلم أمرَ دنياهم، ولقد كان نعمةً من الله على أهل الإِسلام فما شكروها، فسُلِبوها.
ذكر أعيان شعرائه وأصحابه:
منهم أبو طالب علي بن الحسن العلوي، مدحه بأبيات (٢) فقال: [من الوافر]
نظامُ المُلكِ عِشْتَ مع السرورِ … مُوفَّى الدَّستِ محفوظَ السَّريرِ
ودُمْتَ مُخلَّدًا ملِكًا عزيزًا … دوامَ الطينِ فينا والسَّريرِ
ومَنْ والاكَ مرفوعُ السَّواري … ومَنْ عاداكَ مقطوعُ السَّريرِ
عليُّ القَدْرِ منصورُ السرايا … إِلَى أن ينمحي أثرُ السَّريرِ
ولا زالتْ أياديك اللَّواتي … إذا عُدَّتْ تزيدُ على السَّريرِ
لتحيا فِي ذُراكَ الخلقُ طُرًّا … حياةً فِي النعيمِ وفي السَّريرِ
стр. 9348
فغوثًا يَا قوامَ الدين غوثًا … فحالي فِي الوَضاعةِ كالسَّريرِ
وذلك إنما لو وَدَّ ظلمًا … تعرَّقَ مأبضي وأخاسَ ريري
قد استولى على حالي وأقعى … كما يُقعي الهديرُ على السَّريرِ
لحاهُ اللهُ ثمَّ أراحَ منهُ … وأركَبَه مربَّعةَ السَّريرِ (١)
ومن شعره أَيضًا: [من الوافر]
سلَوْتُ عن الصِّبا ولهَيتُ عنهُ … وقلتُ أجوبُ ميَّا فارِقينا
لِما مارَسْتُ من سُعدى وسلمى … وزينبَ قلتُ ميَّافارقينا
ومن خواصِّ نظام الملك وأصحابه الكامل أبو الفضل المظفر بن أَحْمد عارض الحماسة، فنظم بإزائها، وهو القائل: [من الطَّويل]
إذا لم يكُنْ لي منكَ جاهٌ ولا غنى … ولا عِنْدَما يغتالُني الدهرُ مُوئلُ
فكلُّ سلامٍ لي عليكَ تكرُّمٌ … وكلُّ التفاتٍ لي إليك تفضُّلُ
وقال: [من الوافر]
شقينا بالنَّوى زمنًا فلمَّا … تلاقينا كأنَّا ما شَقِينا
سخِطْنا عندما جنتِ الليالي … فما زالتْ بنا حتى رضينا
سَعِدْنا بالوصالِ وكَمْ شَقِينا … بكاساتِ الصُّدودِ وكَمْ بُلِينا
فمَنْ لم يحيَ بعدَ الموتِ يومًا … فإنَّا بعدما مِتْنا حَيينا
ومن أصحاب نظام الملك أبو عبد الله الكناء، كان صاحبَ سرِّه وخازن كتبه، وله ولد اسمه شاه مَرْزُبان، ومن شعره: [من الوافر]
أميرُ الحُسْنِ رِفقًا بالرعايا … فإنَّ العنفَ من شرِّ السَّجايا
ولا تسبِ القلوبَ وأنتَ فيها … فأنتَ إذًا تكون من السَّبايا
стр. 9349
وصِلْني واشْفِ نفسي من جَواها … فقد عذَّبْتَني هجرًا ونايا
وكان هواكَ أبقى بعضَ صَبْري … فقد ضربَ الفراقُ على البقايا
ومن أصحاب نظام الملك أبو نصر الزَّوزني، وهو القائل: [من الطَّويل]
ولا أقبَلُ الدنيا جميعًا ببذلِهِ … ولا أشتري عِزَّ المراتبِ بالذُّلِّ
وأعشَقُ كحلاءَ النَّواظرِ خِلْقةً … لئلا تُرى فِي عينها مِنَّةُ الكُحْلِ
ومن أصحابه أسعد بن عليّ الزَّوزني البارع. قال المصنف رحمة الله عليه: ويعرف بالبارع أَيضًا، أبو منصور بن حيدر الخُرَاسَانِيّ، هجى الأبيوردي فقال: [من السريع]
وليلةٍ بِتُّ بها نافضًا … أضالعي من شدة البردِ
كأنَّما تنفضُ آفاقُها … على الرُّبا شعرَ الأبيوردي
فقال الأبيوردي: [من الكامل]
هاتيكَ نيسابورُ أشرفُ خُطَّة … بُنِيَتْ بمُعتَلجِ الفضاءِ الواسعِ
لكِنْ بها بَرْدانِ بردُ شتائها … إمَّا شتوتَ وبَرْدُ شعْرِ البارعِ
ذكر أولاده:
وزَرَ منهم جماعةٌ للخليفة والملوك، فأحدهم: أَحْمد وزَر لمحمد بن ملك شاه والمسترشد. والثاني: علي، وزَرَ لتاج الدولة تُتُش، ولقبه فخر الملك، والثالث: مؤيد الملك عبيد الله، وزَرَ لبركياروق، ثم استوزر بركياروق فخر الملك، وعزل مؤيد الملك، وكان له الحسين عز الملك وعبد الرَّحِيم وغيرهم.
عبد الباقي بن محمَّد (١)
ابن الحسين بن داود بن ناقيا، أبو القاسم، البغدادي، ولد سنة عشر وأربع مئة، وتُوفِّي فِي المُحرَّم.
قال أبو الحسين علي بن محمَّد الدهان: دخلتُ عليه لأُغسِّله بعد موته، فإذا يده مضمومة، فاجتهدت فِي فتحها، وإذا فيها مكتوب: [من الطَّويل]
стр. 9350
نزلتُ بجارٍ لا يُخَيَّبُ ضيفُهُ … أُرَجِّي نجاتي من عذابِ جهنَّمِ
وإنِّي على خوفٍ من اللهِ واثقٌ … بإنعامهِ واللهُ أكرَمُ مُنعِمِ
ملك شاه بن ألب أرسلان (١)
ابن داود بن ميكائيل بن سلجوق، أبو الفتح، جلال الدولة، كانت له أفعال في الخيرات كثيرة، وفي العزل غريبة عجيبة، يُنصف المظلوم من الظالم، ويردع العساكر عن العظائم والمآثم، وأسقط الضرائب والمكوس من بلاده، وكان مبلغها ألفي أَلْف دينار، وكان حسنَ الوجه، كريمَ الأخلاق، عظيمَ الخِلْقة، كثيرَ الركوب، لا يستقرُّ فِي مكان، وكان حسنَ السيرة، عمر القناطر والجسور، وأسقط الضرائب والمكوس، وحفر الأنهار، وبنى الجامع على باب بغداد والمدرسة التي تقابل مشهد أبي حنيفة ﵁، وكان حنفيًّا، وبنى وراء النهر منارةً من قرون الغزلان، وبنى أخرى مثلها ظاهر الكوفة، وقالوا: قال: أحصوا ما صِدْتُ بنفسي من الصيود، فأُحصي، فكان عشرة آلاف صيد، فتصدَّق بعشرة آلاف دينار، وقال: إنِّي خائف من الله تعالى من إزهاق روحٍ لغير مأكلة.
وخُطِبَ له من أقصى بلاد الترك والصين إِلَى أقصى اليمن، وراسله الملوك، حتَّى قال نظام الملك: كم من يومٍ قد وقَّعتُ بإطلاق إقاماتٍ لرسل ملك الروم، ورُسلِ ملك اللَّان والخزر والزنج والسند والهند والصين والشَّام واليمن وفارس والأهواز وغير ذلك.
وكان خَراجُ هذا السلطان فِي السنة عشرين أَلْف أَلْف دينار، وكانت السُّبُلُ فِي أيامه آمنةً، ونيَّتُه فِي الخير جميلةً، تقف له المرأة والضعيف، فيقف لهم، ولا يبرح من مكانه حتَّى ينصفهم، وصان دُورَ البلاد عن ترك العساكر، وصان حريمَهم، وكانت له هيبةٌ لم تكن لغيره، ولمَّا توجَّه إِلَى قتال أخيه تُتُش اجتاز بطوس، فنزل عند تربة علي بن موسى الرضا رحمة الله عليهما ومعه النظام، فترجَّل وصلَّى ودعا وتصدَّق بمال على العلويين، فلمَّا خرج قال: يَا حسن، ثم دعوتُ فقال: بأن يظفرك الله بأخيك. فقال: