← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 9346–9385 · переход к 9351.

стр. 9346

وقال محمَّد بن الصابئ: وقيل: محمَّد بن عبد الملك الهَمَذاني [وَزَر لهما أربعًا وثلاثين سنة. وقال العماد الأصفهاني]: وزَرَ لهما حدود أربعين سنة. ومن شعره: [من مخلع البسيط] بعد الثمانينَ ليس لي قوةٌ … لهفي على قوةِ الصُّبوَّة كأنَّنِي والعصا بكفِّي … موسى ولكِنْ بلا نُبُوَّة ووصل نعيُ نظام الملك إِلَى بغداد يوم الأحد ثامن عشر رمضان، فجلس عميد الدولة للعزاء ثلاثة أيام فِي الديوان، وحضر النَّاس على طبقاتهم وحزنوا عليه، ولم يتخلَّف عن العزاء سوى الخليفة، وتأسَّف عليه؛ لأنه كان يعظِّمه عند السلطان، ويزيِّنه فِي عينيه، ويمنعه من الإقدام عليه، ويقضي حوائجه، ويوصل إليه أشياءَ كانت خارجةً عن إقطاعه. أسند نظامُ الملك الحديثَ، وحدَّث بمرو ونيسابور والري وأصفهان وبغداد وفي مدرسته وبجامع المهدي، وكان يقول: إنِّي لأعلمُ أني لستُ من أهل الرواية للحديث النبوي، لكن أريد أن أربط نفسي على قطار النَّقَلةِ لحديث رسول الله ﷺ . وحدَّث عنه جماعة، منهم: أبو الفضل الأرموي، وأبو القاسم بن العُكْبَري. قال مقاتل بن عطية يرثيه: [من البسيط] كانَ الوزيرُ نظامُ الملك لؤلؤةً … يتيمةً صاغَها الرحمنُ من شَرَفِ عَزَّتْ فلم تعرفِ الأيامُ قيمتَها … فردَّها غَيرةً منهُ إِلَى الصَّدَفِ وقال: [من الكامل] قد قلتُ للرجل المُولَّى غسْلَهُ … لو قد أطاعَ وكنتُ من نُصحائِهِ جنِّبهُ ماءَكَ ثمَّ غَسِّلهُ بما … أبكَتْ عيونُ المجدِ من آلائِهِ وأزِلْ أفاوية (١) الحَنوطِ وطِيبَهُ … عنهُ وطيِّبْهُ بطيبِ ثنائِهِ لا تُوهِ أعناقَ الرجالِ بحَمْلهِ … يكفيه ما فيهنَّ مِنْ نَعْمائِهِ ومُرِ الكرامَ الكاتبينَ بحَمْلِهِ … شَرَفًا ألستَ تراهُمُ بإزائِهِ

стр. 9347

وقال التَّمِيمِيّ: كان نظامُ الملك مُمدَّحًا، يقال: إنَّ مُدَّاحه كانوا خمسة آلاف وزيادة، والقصائد التي مُدِح بها ثلاث مئة أَلْف قصيدة. وقال علي بن عقيل: رأينا فِي زماننا فِي أوائل أعمارنا أُناسًا طاب العيش معهم من العلماء والزَّهاد وأعيان النَّاس، وأما نظام الملك فإنَّ سيرته بهرت العقول جودًا وكرمًا وحشمةً وإحياءً لمعالم الدين، فبنى المدارس، ووقف عليها الوقوف، وأنعش العلم وأهله وعمَّ الحرمين، وأكثر الصدقات، وفتح أبواب البر والصِّلات، وكانت أسواق العلم فِي أيامه قائمة، وما ظنُّكَ برجل كان الدهر فِي خفارته؛ لأنه قد أفاض من الإنعام ما أرضى به النَّاس، وإنما كانوا يذمُّون الدهر لضيق الأرزاق واختلال الأحوال، فلمَّا عمَّهم إحسانُه سكتوا عن ذمِّ الدهر، وتُرِكَ النَّاسُ بعده موتى، أمَّا أهل العلم والفقر ففقدوا العيش بعده بانقطاع الأرزاق، فمات العلم، وأمَّا الصدور والأغنياء (١) فكانوا مستورين بالغَناء عنهم، فلمَّا عرضت الحاجات إليهم عجزوا عن تحمُّلِ بعض ما عوَّدَ نظام الملك من الإحسان، فانكشفَتْ أحوالُهم، وبانت معايبُهم، وضيقُ أخلاقِهم، فهؤلاء موتى بالذمِّ، والآخرون موتى بالحاجة، وأما هو فحيٌّ بعد موته بمدح النَّاس لأيامه، ثم خُتِمَ له بما خُتِمَ من الشهادة، فكفاه أمرَ أخراه كما كفى أهلَ العلم أمرَ دنياهم، ولقد كان نعمةً من الله على أهل الإِسلام فما شكروها، فسُلِبوها. ذكر أعيان شعرائه وأصحابه: منهم أبو طالب علي بن الحسن العلوي، مدحه بأبيات (٢) فقال: [من الوافر] نظامُ المُلكِ عِشْتَ مع السرورِ … مُوفَّى الدَّستِ محفوظَ السَّريرِ ودُمْتَ مُخلَّدًا ملِكًا عزيزًا … دوامَ الطينِ فينا والسَّريرِ ومَنْ والاكَ مرفوعُ السَّواري … ومَنْ عاداكَ مقطوعُ السَّريرِ عليُّ القَدْرِ منصورُ السرايا … إِلَى أن ينمحي أثرُ السَّريرِ ولا زالتْ أياديك اللَّواتي … إذا عُدَّتْ تزيدُ على السَّريرِ لتحيا فِي ذُراكَ الخلقُ طُرًّا … حياةً فِي النعيمِ وفي السَّريرِ

стр. 9348

فغوثًا يَا قوامَ الدين غوثًا … فحالي فِي الوَضاعةِ كالسَّريرِ وذلك إنما لو وَدَّ ظلمًا … تعرَّقَ مأبضي وأخاسَ ريري قد استولى على حالي وأقعى … كما يُقعي الهديرُ على السَّريرِ لحاهُ اللهُ ثمَّ أراحَ منهُ … وأركَبَه مربَّعةَ السَّريرِ (١) ومن شعره أَيضًا: [من الوافر] سلَوْتُ عن الصِّبا ولهَيتُ عنهُ … وقلتُ أجوبُ ميَّا فارِقينا لِما مارَسْتُ من سُعدى وسلمى … وزينبَ قلتُ ميَّافارقينا ومن خواصِّ نظام الملك وأصحابه الكامل أبو الفضل المظفر بن أَحْمد عارض الحماسة، فنظم بإزائها، وهو القائل: [من الطَّويل] إذا لم يكُنْ لي منكَ جاهٌ ولا غنى … ولا عِنْدَما يغتالُني الدهرُ مُوئلُ فكلُّ سلامٍ لي عليكَ تكرُّمٌ … وكلُّ التفاتٍ لي إليك تفضُّلُ وقال: [من الوافر] شقينا بالنَّوى زمنًا فلمَّا … تلاقينا كأنَّا ما شَقِينا سخِطْنا عندما جنتِ الليالي … فما زالتْ بنا حتى رضينا سَعِدْنا بالوصالِ وكَمْ شَقِينا … بكاساتِ الصُّدودِ وكَمْ بُلِينا فمَنْ لم يحيَ بعدَ الموتِ يومًا … فإنَّا بعدما مِتْنا حَيينا ومن أصحاب نظام الملك أبو عبد الله الكناء، كان صاحبَ سرِّه وخازن كتبه، وله ولد اسمه شاه مَرْزُبان، ومن شعره: [من الوافر] أميرُ الحُسْنِ رِفقًا بالرعايا … فإنَّ العنفَ من شرِّ السَّجايا ولا تسبِ القلوبَ وأنتَ فيها … فأنتَ إذًا تكون من السَّبايا

стр. 9349

وصِلْني واشْفِ نفسي من جَواها … فقد عذَّبْتَني هجرًا ونايا وكان هواكَ أبقى بعضَ صَبْري … فقد ضربَ الفراقُ على البقايا ومن أصحاب نظام الملك أبو نصر الزَّوزني، وهو القائل: [من الطَّويل] ولا أقبَلُ الدنيا جميعًا ببذلِهِ … ولا أشتري عِزَّ المراتبِ بالذُّلِّ وأعشَقُ كحلاءَ النَّواظرِ خِلْقةً … لئلا تُرى فِي عينها مِنَّةُ الكُحْلِ ومن أصحابه أسعد بن عليّ الزَّوزني البارع. قال المصنف رحمة الله عليه: ويعرف بالبارع أَيضًا، أبو منصور بن حيدر الخُرَاسَانِيّ، هجى الأبيوردي فقال: [من السريع] وليلةٍ بِتُّ بها نافضًا … أضالعي من شدة البردِ كأنَّما تنفضُ آفاقُها … على الرُّبا شعرَ الأبيوردي فقال الأبيوردي: [من الكامل] هاتيكَ نيسابورُ أشرفُ خُطَّة … بُنِيَتْ بمُعتَلجِ الفضاءِ الواسعِ لكِنْ بها بَرْدانِ بردُ شتائها … إمَّا شتوتَ وبَرْدُ شعْرِ البارعِ ذكر أولاده: وزَرَ منهم جماعةٌ للخليفة والملوك، فأحدهم: أَحْمد وزَر لمحمد بن ملك شاه والمسترشد. والثاني: علي، وزَرَ لتاج الدولة تُتُش، ولقبه فخر الملك، والثالث: مؤيد الملك عبيد الله، وزَرَ لبركياروق، ثم استوزر بركياروق فخر الملك، وعزل مؤيد الملك، وكان له الحسين عز الملك وعبد الرَّحِيم وغيرهم. عبد الباقي بن محمَّد (١) ابن الحسين بن داود بن ناقيا، أبو القاسم، البغدادي، ولد سنة عشر وأربع مئة، وتُوفِّي فِي المُحرَّم. قال أبو الحسين علي بن محمَّد الدهان: دخلتُ عليه لأُغسِّله بعد موته، فإذا يده مضمومة، فاجتهدت فِي فتحها، وإذا فيها مكتوب: [من الطَّويل]

стр. 9350

نزلتُ بجارٍ لا يُخَيَّبُ ضيفُهُ … أُرَجِّي نجاتي من عذابِ جهنَّمِ وإنِّي على خوفٍ من اللهِ واثقٌ … بإنعامهِ واللهُ أكرَمُ مُنعِمِ ملك شاه بن ألب أرسلان (١) ابن داود بن ميكائيل بن سلجوق، أبو الفتح، جلال الدولة، كانت له أفعال في الخيرات كثيرة، وفي العزل غريبة عجيبة، يُنصف المظلوم من الظالم، ويردع العساكر عن العظائم والمآثم، وأسقط الضرائب والمكوس من بلاده، وكان مبلغها ألفي أَلْف دينار، وكان حسنَ الوجه، كريمَ الأخلاق، عظيمَ الخِلْقة، كثيرَ الركوب، لا يستقرُّ فِي مكان، وكان حسنَ السيرة، عمر القناطر والجسور، وأسقط الضرائب والمكوس، وحفر الأنهار، وبنى الجامع على باب بغداد والمدرسة التي تقابل مشهد أبي حنيفة ﵁، وكان حنفيًّا، وبنى وراء النهر منارةً من قرون الغزلان، وبنى أخرى مثلها ظاهر الكوفة، وقالوا: قال: أحصوا ما صِدْتُ بنفسي من الصيود، فأُحصي، فكان عشرة آلاف صيد، فتصدَّق بعشرة آلاف دينار، وقال: إنِّي خائف من الله تعالى من إزهاق روحٍ لغير مأكلة. وخُطِبَ له من أقصى بلاد الترك والصين إِلَى أقصى اليمن، وراسله الملوك، حتَّى قال نظام الملك: كم من يومٍ قد وقَّعتُ بإطلاق إقاماتٍ لرسل ملك الروم، ورُسلِ ملك اللَّان والخزر والزنج والسند والهند والصين والشَّام واليمن وفارس والأهواز وغير ذلك. وكان خَراجُ هذا السلطان فِي السنة عشرين أَلْف أَلْف دينار، وكانت السُّبُلُ فِي أيامه آمنةً، ونيَّتُه فِي الخير جميلةً، تقف له المرأة والضعيف، فيقف لهم، ولا يبرح من مكانه حتَّى ينصفهم، وصان دُورَ البلاد عن ترك العساكر، وصان حريمَهم، وكانت له هيبةٌ لم تكن لغيره، ولمَّا توجَّه إِلَى قتال أخيه تُتُش اجتاز بطوس، فنزل عند تربة علي بن موسى الرضا رحمة الله عليهما ومعه النظام، فترجَّل وصلَّى ودعا وتصدَّق بمال على العلويين، فلمَّا خرج قال: يَا حسن، ثم دعوتُ فقال: بأن يظفرك الله بأخيك. فقال:

стр. 9351

لكني قلت: يَا إلهي، إن كان أخي أصلحَ للمسلمين مني فظفِّرْه بي، وإن كنتُ أصلحَ منه فظفِّرْني به. وركب يومًا للصيد، فلقيه سواديٌّ يبكي، فوقف وقال: ما لك؟ فظنَّه بعضَ الأمراء، فقال: كان معي حمل بطيخ هو بضاعتي، فدخلتُ إِلَى هذا العسكر لأبيعه، فالتقاني ثلاثةٌ من الغلمان، فأخذوه. فقال له: امضِ إِلَى العسكر، فهناك خيمةٌ حمراءُ فاقعُدْ عندها حتَّى أرجع وأُعطيك ما يغنيك. فمضى الرَّجل، وقعد عند الخيمة، وعاد السلطان، فقال للشرابي: قد اشتهيتُ بطيخًا. ففتَّش خِيَمَ العسكر، فمضى وعاد وأحضر البطيخ فقال: وأين كان هذا؟ قال: فِي خيمة فلان الحاجب. فقال: أحضِرْه. فحضر فقال: من أين لك هذا البطيخ؟ قال: جابه الغلمان. قال: أريدهم الساعة. فمضى وقد أحسَّ الغلمان بالشر، فهربوا، فعاد الحاجب وقال: هربوا لمَّا علموا أن السلطان يطلبهم، فقال: أحضروا السواديَّ. فحضر فقال: هذا بطيخك؟ قال: نعم. قال: خذه، وهذا الحاجب مملوك أبي ومملوكي، وقد سلَّمتُه إليك، ووهبتُه لك، وواللهِ لئِنْ تركتَه لأضربنَّ عنُقَك، وقد هرب الغلمان وتعيَّنَ هو. فأخذ السواديُّ بيده وأخرجه، فاشترى نفسه منه بثلاث مئة دينار، وعاد السواديُّ إِلَى السلطان، فقال: قد بعتُ المملوكَ الذي وهبتَه لي بثلاث مئة دينار. فقال: ورضيت؟ قال: نعم. قال: اقبِضْها وامْضِ مُصاحَبًا. ولقي مرةً تُجَّارًا على عقبة ضيقة، ومعهم بغال عليها أثقال وأحمال (١)، فأراد أصحابُه يُنحُّون البغال إِلَى جانب الجَبَل، فنهاهم وقال: نحن يمكننا أن نصعد إِلَى الجبل، وهذه بغال مُحَمَّلة وعليها أثقال، وفي ترقيتها إِلَى الجبل خطر. فتنحَّى إِلَى الجبل ووقف حتَّى مضت البغال وساق. ولقي امرأةً تمشي فقال لها: إِلَى أين؟ فقالت: إِلَى الحج. فأخرج ما كان فِي خريطته من الدنانير، فطرحه إليها فِي إزارها وقال: اكتري بهذه، وأنفقيها عليكِ.

стр. 9352

وجاء إليه تركمانيٌّ قد لزم تركمانيًّا آخر وقال: هذا وجدتُه مع ابنتي قد انثنى بها، وأريد أن تأذن لي فِي قتله. فقال: لا، ولكن تُزوِّجها به، ونُعطي المهر من خزانتنا عنه. فقال: لا أقنع إلَّا بقتله. فسَلَّ السلطانُ السيفَ وأعطاه إيَّاه، وأمسك بيده الجفن، وأمره أن يعيد السيف إِلَى الجفن، فكلَّما رام الرجلُ ذلك لم يُمكِّنه السلطان، وقال: مالكَ لا تُدخل السيفَ فيه؟ فقال: ما تدَعُني. فقال: كذلك ابنتُكَ. فبقي الرجلُ متحيِّرًا وقال: الأمر إِلَى السلطان يفعل ما يشاء. فزوَّجه بها، وحمل المهر من الخزانة. ودخل عليه بعض الوُعَّاظ فحكى له أنَّ بعضَ الأكاسرة انفرد عن عسكره، فجاز على باب بستان، فاستسقى ماءً ليشرب، فأخرجَتْ له صبيةٌ إناءً فيه ماء قصب السكر والثلج، فشربه واستطابه، وقال: هذا كيف يُعمل؟ فقالت: إن قصب السكر يزكو عندنا حتَّى يُعصر بأيدينا فنُخرج منه هذا الماء. فقال: أحضريني منه شيئًا آخر. فمضت وهي لا تعرفه، فنوى فِي نفسه اصطفاء المكان لنفسه وتعويضهم عنه، فما كان بأسرع من أن خرجت وهي باكية، فقال لها: ما لكِ؟ فقالت: نيَّةُ سلطاننا قد تغيَّرتْ. علينا. فقال لها: من أين علمتِ؟ فقالت: كنتُ آخذُ من هذا الماء ما أريدُ من غير تعسُّف، والآن فقد اجتهدتُ فِي العصر فلم يسمح بشيء مما كان يخرج عفوًا. فعلم صدقها وقال: ارجعي الآن فإنك تبلغين الغرض. ونوى أن لا يفعل ما عزم عليه، فعادت وخرجت ومعها مثل الأول، فقال له ملك شاه: أَنْتَ تَحكي لي مثل هذا فلِمَ لا تحكي للرعية أنَّ كسرى اجتاز وحدَه على بستان، فقال للناطور: ناولني عنقودًا من الحصرم، فقد كظَّني العطش، واستولَتْ عليَّ الصفراء. فقال: لا أفعل؛ لأن السلطان لم يأخذ حقَّه منه، وما يُمكنني خيانتُه. وسار من جَيحون إِلَى أنطاكية فِي مئة أَلْف، فما قدر أحدٌ يقول: إنَّ أحدًا أخذ علاقة تبن بغير ثمنها. ودخل بغداد ثلاث مرات فما نزل أحدٌ دارَ أحد، وكانت السُّوقةُ تمشي ليلًا ونهارًا تخترق عسكره، والسَّوادية يطوفون بالدجاج والتبن والبيض والخبر، والنساء يمشين بين الخيام، ولا يتعرَّض أحدٌ لأحد.

стр. 9353

وأسقط من المكوس والضيافات ما قيمتُه ألفي أَلْف دينار، فكتب إليه النوَّاب: قد ضاقَتْ علينا الأمور، وتعطَّلت المصالح برفع هذه الضرائب، فكتب على رأس الرقعة: المالُ مالُ الله، والعبيدُ عبيدُ الله، والبلادُ بلاد الله، وإنَّما أنا واسطة، وما يبقى لي غير هذا، فمن راجعني فيه ضربتُ عنقه. وقصده رجلان يُعرفان بابني غزال من قرية تُعرف بالحدادية فتعلَّقا بركابه وقالا: نحن من أسفل واسط من قرية مقطعة لخُمارتكين الحلبي صادَرنا على أَلْف وست مئة دينار، وكسر ثنيتي [أحدنا بيده] (١) وقد قصدناك أيها الملك لتقتصَّ لنا منه، فقد شاع من عدلك ما حَمَلَنا على قصدك، فإن أخذتَ بحقِّنا كما أوجب الله عليك وإلَّا فاللهُ الحاكمُ بيننا وبينك. ونزل عن فرسه وقال: ليُمسِكْ كلُّ واحد منكما بطرف كُمِّي، واسحباني إِلَى دار حسن -يعني نظام الملك- فأفزعهما ذلك، ولم يُقدِما عليه، فأقسم عليهما إلَّا فعلَا ذلك، فأخذ كلُّ واحد منهما بطرف كمِّه وسارا به إِلَى باب النظام، وبلغه الخبر، فخرج مسرعًا، وقبَّل الأرضَ بين يديه، وقال: أيها الملك (٢) المُعظَّم ما حملَكَ على هذا؟ فقال: كيف يكون حالي غدًا عند الله تعالى إذا طولبتُ بحقوق المسلمين وقد قلَّدتُك هذا الأمر لتكفيني مثل هذا الموقف؟ فإن تَطرَّقَ على الرعية ثَلْمٌ لم يتطرَّقْ إلَّا بك، وأنت الطالب فانظُرْ بين يديك. فقبَّل الأرض وسار فِي خدمته، ثم عاد فكتب بعزل خُمارتِكين وحلِّ إقطاعه، وردِّ المالِ عليهما، وقلع (٣) ثنيَّتيه إن ثبت ذلك عليه بالبينة، ووصلهما نظام الملك بمئة دينار وأعادهما من وقتهما. واستحضر ملك شاه مغنيةً مستحسنةً بالري فأعجبَتْه، فتاقَتْ نفسُه إليها وأرادها، فقالت له المغنية: إنِّي أغار على هذا الوجه الجميل أن يُعذَّب بالنار، إن بين الحلال والحرام كلمة. فقال: صدقتِ، وتزوَّجها. وقال الجرجاني الواعظ وكان خِصِّيصًا بملك شاه: كانت الباطنية قد أفسدَتْ عقيدته، فكان يقول لي: أيش هو الله؟ وإلامَ تشيرون بقولكم: الله؟ فذكرتُ له أدلة

стр. 9354

النقل، فقال: أريد جوابًا حسنًا. فكتبتُ إليه: أيها السلطان، إنَّ هؤلاء الجُهَّال يطلبون الله من طريق الحواس والمشاهدة، والله تعالى لا يُعلَم من حيث الحسن؛ لأنه مُبايِنٌ له فجحدوه، وإنما يُعلَم من حيث النقل والعقل، ولابدَّ لهذه الموجودات من صانعٍ صنعها، وخالقٍ ابتدعها، وإلا فذهبت فائدةُ الوجود، وذكرتُ كلامًا فِي هذا المعنى، فقال لي: صدقتَ، ولعنَ اللهُ أولئك القائلين ماقالوا. ذكر وفاته: وسببها أنَّه خرج إِلَى الصيد بعد صلاة عيد الفطر، فأكل من لحم الصيد فأُتْخِم، فافتصد وحُمَّ. وقيل: إنه طرقَتْه حُمَّى حادَّة فجأةً. وقيل: إن خردك سمَّه (١) فِي خلال تخلَّل به، فأقام مريضًا مشغولًا بنفسه، مات ليلة الجمعة منتصف شوال، فكان بينه وبين نظام الملك ثلاثةٌ وثلاثون يومًا، وكان عمره سبعًا وثلاثين سنة وخمسة أشهر، ومدة ملكه تسع عشرة سنة وستة أشهر. وأُخرج ليلًا من دار المملكة إِلَى الشونيزية يحمله رجلان، ولم يُصَلِّ أحدٌ عليه؛ لأنهم كتموا موته (٢). قال السِّمناني: خرج السلطان يوم العيد بعد وصوله إِلَى العراق فِي المرة الثالثة، وذلك يوم السبت، فرجع إِلَى داره يوم الخميس، ولم يَصِلْ إليه أحدٌ من خواصِّه، فكأنه اختُلِسَ من بين العالم، فلم يُصَلِّ عليه، ولا ظهرت له جنازة، ولا حُذِفَ عليه ذنَبُ فرس، ولا بكى عليه باكٍ، ولم يُسمع بملك فِي الإِسلام ملك من كاشغر إِلَى القدس طولًا ومن القسطنطينية إِلَى بحر الهند عرضًا سواه، وكان فِي مملكته جميعُ ما وراء النهر وبلاد الهياطلة وباب الأبواب والروم وديار بكر والجزيرة وحلب والشَّام، وخُطِبَ له على جميع منابر الإِسلام إلَّا (٣) المغرب، وأسقط المكوس من تركستان إِلَى الشَّام، وحفر المصانع بطريق مكة، وبنى الربط والخانات فِي المفاوز، وبنى ببغداد

стр. 9355

دارًا وأضافها إِلَى دار المملكة، وحفر بالعراق نهر شبلي والأسحقي وسابروج، فأخرج من النهروان أنهارًا، وكان يحب العمارة والعدل. قال ابن الهمذاني: وفتح الرُّها وقلعة جَعْبَر وغيرَها، وبلغت عساكرُه إِلَى القسطنطينة، وأجرى الماء إِلَى الحرمين، وأجرى على المجاورين الأرزاق، وأزال المواخير من الدنيا، والخمورَ من جَيحون إِلَى الشَّام. وكان الرَّجل يسير وحده من كاشغر إِلَى اليمن، ولم تَزلْ دولتُه فِي إقبال من السعادة وسَعة العطاء بجميع الخلائق من الأمراء والعلماء والفقهاء والشعراء والأدباء والأغنياء والفقراء، وهو أول من صلَّى العيدين من الملوك ببغداد على مذهب أبي حنيفة ﵁ بالتكبير. وكان جوادًا، سمحًا، شجاعًا، يباشر الحروب بنفسه، ولم يَلِ من أول الإِسلام إِلَى زمانه من هذه أوصافه ولا من عمَّ (١) الدنيا فضلُه وإنصافُه، وكانت سعادتُه بسعادة وزيره نظام الملك مقرونة، وظهرت الأسرار التي كانت فِي طيِّ الأقدار مخزونة. ولمَّا تُوفِّي ضبطَتْ زوجتُه خاتون تركان بنت الخان الأمورَ أحسنَ ضبط، فلم يلطِمْ عليه أحدٌ، ولم يشُقَّ ثوبًا، وبعثت بخاتمه مع قوام الدولة إِلَى أَصبهان بتسليم قلعتها، وساستِ الأمورَ سياسةً عظيمةً، وفرَّقت فِي العساكر عشرين أَلْف أَلْف دينار، وبعثت إِلَى الخليفة بتقرير ولدها أبي القاسم محمود وعمره يومئذ خمس سنين وعشرة أشهر، فبعث إليها الخليفة بالخِلَع مع عميد الدولة ابن جَهير، وعزَّاها فِي السلطان، فألبسها محمودًا، وخُطِبَ له على المنابر ببغداد، واستوزرت له تاجَ الملك أَبا الغنائم المَرْزُبان بن خسرو، وكان السلطان قد هيَّأ له خِلَع الوزارة ليقيمه مقام النظام، فعاجله القدر، فخلعت عليه خاتون، وفوَّضت الأمورَ إليه، ثمَّ خرجت وابنَها وتاجَ الملك إِلَى أَصبهان بالعساكر يوم الثلاثاء العشرين من شوال، وحُمِلَ الأميرُ أبو الفضل جعفر بن المقتدي إِلَى أَبيه، ووصلت خاتون إِلَى أَصبهان، وكتبت إِلَى الخليفة أن يكتب لابنها عهدًا بالسلطنة، فقال: لا يجوز ذلك؛ لأنه لم يبلغ الحلم، وكتبوا فتاوى، فقال بعض الحنفية ويعرف بالمشطب ابن محمَّد: يجوز. وقال الغزالي: لا يجوز. فأعجبَ الخليفةَ قولُ الغزالي.

стр. 9356

ولمَّا وصلت خاتون أَصبهان وجدت غلمان نظام الملك قد أقاموا بركياروق بن ملك شاه فِي السلطنة، وكان أكبر أولاده [وأمُّه زبيدة] (١) وخطبوا له بالملك، وانحاز إليه العساكر، وكان بالري، ولقَّبوه غياث الدين، فأخرجت خاتونُ ثلاثةَ آلاف أَلْف دينار، وأنفقَتْها فِي العساكر، وبعثت معهم تاجَ الملك أَبا الغنائم، فالتقوا فِي عشر ذي الحجة بالري، فاستأمن أكثرُ العسكر إِلَى بركياروق، وانهزم تاج الملك فيمن بقي معه، فلحقه غلمان نظام الملك فقطَّعوه قِطَعًا ومثَّلوا به؛ لأنهم نسبوا قتل النظام إليه، ثم اتفق الصلحُ على أنَّ أَصبهان وفارس لخاتون وابنها محمود، وباقي البلاد لبركياروق وهو السلطان، ثم جاء تاج الدولة تُتُش عم بركياروق لقتاله، فخرجت خاتون لتلقِّي تاج الدولة، ثم رجعت من جَرْباذَقَان، وجاء بركياروق إِلَى أَصبهان طارحًا نفسه على أخيه محمود، ومستنجدًا به على عمه تاج الدولة، فنزل محمود من السرير وأجلسه عليه، ثم مات محمود بعد قليل، فقيل: حُمَّ فمات. وقيل: كحله بركياروق. وقال أبو يعلى بن القلانسي: كان تُتُش قد خرج من دمشق إِلَى بغداد للقاء أخيه ملك شاه والخدمة له، فوصل الخبر بوفاته، فرجع إِلَى الرحبة وضايقها، فلم يستقِمْ له فيها أمر، فسار إِلَى دمشق وحشد، وعاد إليها، وكتب إِلَى آق سنقر صاحب حلب ومؤيد الدولة يغي شعبان صاحب أنطاكية يسألهما المساعدة، فجاءا بأنفسهما وأنجداه، وضايقها وملكها بالأمان، وكان قد نذر على نفسه متى ملكها شهر سيفَه فيها، فلمَّا دخلها شهر سيفه عند بابها ثم أغمده، فقال: قد وفيتُ بنذري، وأحسن إِلَى أهلها، وسار إِلَى نَصيبين، وقد كان إبراهيم بن قريش رجع إِلَى أعماله الموصل وأعمالها، وغلب ولد أخيه شرف الدولة محمدًا وأبعده عن الولاية، ولمَّا نزل تُتُش على نَصيبين خرج إليه واليها طائعًا، وعصاه الجند الذين كانوا بها من أصحاب إبراهيم بن قريش، فملكها بالسيف، وهدم قطعةً من سورها، وقتل كلَّ من التجأ إِلَى الجامع والمساجد، وهتك أصحابُه البناتِ وفضحوهنَّ، وقتل ألفي رجل، وجرى على المسلمين منه مالا يستحِلُّه الكفار، وكان الأتراك يباشرون النساء فِي الطرقات، وكان فتوحُها سنة سبع وثمانين وأربع مئة.

стр. 9357

المَرْزُبان بن خسرو (١) أبو الغنائم، تاج الملك، الوزير، بنى التاجية ببغداد وتربة أبي إسحاق الشيرازي، وعمل لقبره ملبنًا. هبة الله بن عبد الوارث (٢) ابن عليّ بن أَحْمد بن بوري، أبو القاسم، الشيرازي، أحد الرَّحالين فِي طلب الحديث، وحكى عن والدته فاطمة بنت علي [أنها (٣)] قالت: سمعت أَبا زُرعة الطبري يقول: سافرتُ مع أبي إِلَى المدينة، فلحِقَتْنا إضاقةٌ شديدةٌ، فجلسنا عند الحجرة النبوية وبتْنَا طاويين. فقال أبي: يَا رسولَ الله، نحن أضيافُكَ. ونِمْنا، فانتبه أبي، وفي يده دراهم، فقال: يا بُنيَّ، رأيتُ رسولَ الله ﷺ وترك فِي يدي هذه الدراهم. قال: فأنفقنا منها إِلَى شيراز، وكانت وفاته بمرو بمرض البطن، وكان فِي كل مرة يقوم ويغتسل، فقام فِي تلك الليلة سبعين مرة، فدخل النهر ليغتسل فمات، وكان حافظًا متقنًا، ثقةً صدوقًا، صالحًا دينًا. السنة السادسة والثمانون وأربع مئة فيها خطب تُتُش لنفسه بالسلطنة، وراسل الخليفةَ بأن يخطب له ويوعده، فما التفت إليه، وكتب فِي الجواب: إنما تصلح للخطبة إذا حصلتِ الدنيا بحُكْمِك، والخزائنُ التي بأصبهان، وتكون صاحب المشرق وخراسان، ولم تُبقِ من أولاد أخيك من يخالفك، أما فِي هذه الحال فلا سبيل إِلَى ما التمسته، فلا تَعْدُ حَدَّ العبيد، ولْيَكن خطابُك ضراعةً لا تحكُّمًا، وسؤالًا لا تجبُّرًا، وإن أبيتَ قاتلناك وردَّيناك، وأتاك من الله ما لا قِبَل لكَ به. فلما وقف على ذلك سار إِلَى الموصل وبها إبراهيم بن قريش، فخرج إليه فِي بني عقيل، والتقوا على الهرماس فاقتتلوا، فقتل إبراهيم، وقتل عليه أعيان بني عقيل، وكان علي بن مسلم بن قريش عند بركياروق، فأخبره فعزَّ عليه، وكتب إِلَى تُتُش يلومه

стр. 9358

ويقول: هؤلاء القوم أصهارنا وأصحابنا، وما بدا منهم ما يوجب ما فعلتَ (١). فلم يلتفت، فبعث إليه بركياروق بجيش عظيم، فرجع تُتُش إِلَى دمشق، ومضى بركياروق، ودخل بغداد، وتلقَّاه الوزير عميد الدولة والناس. وقال أبو يعلى بن القلانسي: وعاد تُتُش عن نَصيبين بعد ما جرى فيها ما جرى طالبًا لإبراهيم بن قريش، وكان قد استنجد وحصل فِي خلق عظيم، وجاء فنزل شرقي الهرماس، وتُتُش على دارًا، فلمَّا كان يوم الاثنين ثاني ربيع الأول التقي الجيشان على نهر الهرماس، واشتدَّ القتال، وقُتِلَ جماعةٌ من الغُزِّ والأتراك، وعاد كلُّ فريق إِلَى مكانه، فلمَّا استقر بالعرب المنزل عاد (٢) عسكر تُتُش عليهم وهم غارون، فانهزموا، وأخذهم السيف، وقُتِلَ إبراهيم بن قريش وأمراءُ بني عقيل، وكان القتلى من الفريقين عشرة آلاف، فاستولى تُتُش على القتل والنهب والسبي، وقتلَ كثيرٌ من نساء العرب (٣) نفوسهنَّ خوفًا من الفضيحة، وقصد تُتُش آمِد، فأخذها وأخذ ميَّافارقين، واستولى على ديار بكر والجزيرة، وبعث عمَّاله إِلَى (٤) الموصل وسنجار، وانهزم بنو عقيل إِلَى بركياروق، وكان علي بن مسلم بن قريش ووالدته خاتون بنت السلطان محمَّد بن داود عمة السلطان ملك شاه فِي جملة بني عقيل، فشكوا إِلَى بركياروق ما فعل بهم تُتُش، وانفصل عنه آق سنقر بُزان، ودخلا على بركياروق مخالفين له، وعاد تُتُش إِلَى ديار بكر، وقصد سروج فأخذها، وبلغه أنَّ آق سنقر وبُزان دخلا على بركياروق، فأكرمهما وسُرَّ بمقدمهما، وأنهما وقعا فِي تُتُش، وقبَّحا أفعاله، وذمَّا سيرته، وأنه على طلب السلطنة، والمصلحةُ معاجلتُه، فسار معهما إِلَى الموصل، وردَّ إمرة بني عقيل إِلَى علي بن مسلم بن قريش، وسار آق سنقر إِلَى حلب فِي شوال ومعه جماعة من بني عقيل ومن عسكر بركياروق إِلَى بغداد، و [سار] (٥) تُتُش إِلَى دمشق فِي آخر ذي الحجة، ومعه

стр. 9359

وثَّاب بن محمود بن صالح وجماعة من بني كلاب لم يجرؤوا (١) على الإقامة بحلب خوفًا من آق سنقر. وفيها فتح العسكر المصري صور، وكان قد عصى بها منير الدولة، فحمل إِلَى مصر وأصحابه وأجناده، فضرب بدر الجمالي رقابَ الجميعِ، ولم يعْفُ عن أحد منهم، وقطع على أهل صور ومَنْ وافقهم ستين أَلْف دينار عقوبةً لهم. وفي هذه السنة وردت الأخبار من (٢) ناحية العراق بإبطال مسير الحاج خوفًا عليه، وسار من دمشق [الحاجُّ] (٣) صحبةَ الأمير الحابي أحد أصحاب السلطان، وحجُّوا ولم يُوصِلوا إِلَى أمير مكة مايرضيه، فلمَّا رحلوا خرج فنهبهم، وعاد مَنْ سَلِم منهم على أقبحِ حال وتخطَّفتهم العرب. وفيها تُوفِّي جعفر بن المقتدي (٤) وأمُّه خاتون بنت [السلطان] (٥) ملك شاه، وكان قد نشأ نشوءًا حسنًا، فحزن عليه الخليفة، وصلَّى عليه، وحُمِلَ تابوتُهُ إِلَى الرُّصافة، وجلس الوزير فِي العزاء بباب الفردوس ثلاثة أيام، وكانت وفاتُه يوم الثلاثاء ثالث عشرين جمادى الأولى. عبد القادر بن عبد الكريم بن الحسين (٦) أبو البركات، ولد بدمشق فِي ذي الحجة سنة تسع عشرة وأربع مئة، ومات بها فِي ذي الحجة.

стр. 9360

وكان شيخًا صالحًا، خطب بدمشق لبني العباس والمصريين، وأنشد لبعضهم: [من الطَّويل] يُعَدُّ رفيعُ القومِ مَنْ كان عاقلًا … وإن لم يكُنْ فِي قومهِ بحسيبِ فإنْ حَلَّ أرضًا عاش فيها بعقلِهِ … وما عاقلٌ فِي بلدةٍ بغريبِ عبد الواحد بن محمَّد (١) ابن عليّ بن أَحْمد، أبو الفرج، الحنبلي، أصله من شيراز، وولد بحَرَّان، وينتهي نسبُه إِلَى الْأَنصار، وقدم بغداد، وتفقَّه على أبي يعلى بن الفراء، ثم عاد إِلَى حرَّان، وقدم دمشق فأقام بها، ونشر مذهب الإِمام أَحْمد رحمة الله عليه بها وبأعمالها، وصنَّف كتاب "الإيضاح" فِي مذهب الإِمام أَحْمد ﵁، وكان صالحًا، زاهدًا، متعبدًا، ورعًا، صاحبَ كرامات، مشغولًا بنفسه، يعظ النَّاس، وتوفي بدمشق فِي ذي الحجة، ودفن بالباب الصغير، وقبره ظاهر يُزار، والدعاء عنده مستجاب، وكان صدوقًا، ثبتًا، وافرَ العلم، متينَ الدين، حسنَ الوعظ، محمودَ السمت، تُوفِّي يوم الأحد الثامن والعشرين من الشهر المذكور. علي بن أَحْمد (٢) ابن يوسف بن جعفر بن عرفة، الهَكَّاري، ويعرف بشيخ الإِسلام -والهَكَّارية: جبالٌ فوق الموصل فيها قُرًى وبِنًى-[وابتنى (٣)] أبو الحسن عليٌّ المذكور أربطةً، وقدم بغداد، ونزل برباط الزُّوزني، وسمع الحديث، وكان صالحًا من أهل السنة، كثيرَ التعبد، وكان يقول: رأيتُ رسول الله ﷺ فِي المنام [فِي الروضة فِي المدينة (٤)] فقلت: يَا رسول الله أوصني، فقال: عليك باعتقاد أَحْمد بن حنبل ومذهب الشَّافعيّ ﵁، وإيَّاك ومجالسةَ أهل البدع.

стр. 9361

وكانت وفاته فِي المُحرَّم ببلده، وكان شيخَ بلاده فِي التصوف، من السيَّاحين فِي الدنيا، أول مرة سافر إِلَى الأمصار وتغرَّب ولقي المشايخ، وكان من أرباب المجاهدات والرياضات والخلوات، وقد غمزه ابن عساكر، وظاهِرُ حاله الصدق. نصر بن الحسن بن القاسم (١) أبو الليث، التاجر، الثُّنْكُتي، وثُنْكُتْ (٢) بلدة عند الشاش بما وراء النهر، ولد سنة سبع وأربع مئة، وطاف الدنيا شرقًا وغربًا من الصين إِلَى الأندلس مدةً، وسمع الكثير، وكان ثقةً، صدوقًا، مأمونًا، فاضلًا، من أهل الثروة والنّعم والصِّلات والصدقات، وعاد إِلَى خراسان، فتوفي بنيسابور، وخلف مئة أَلْف دينار وثلاثين أَلْف دينار. السنة السابعة والثمانون وأربع مئة فيها تُوفي المقتدي ببغداد والمستنصر وبدر الجمالي بمصر، وقُتِلَ آق سنقر وبُزان، وتُسمَّى سنةَ الخلفاء والأمراء. ويُقال: إن المريخ وزُحل إنما اقترنا فِي برج الأسد فِي هذه السنة. وكانت زلزلةٌ عظيمةٌ فِي المُحرَّم ما بين العشاءين حدث بها الفتن وغلاء الأسعار (٣). الباب الثامن والعشرون فِي خلافة المستظهر بالله أَحْمد بن عبد الله المقتدي وكنيته أبو العباس، وأمه طيف الخيال، أم ولد، مصرية، وقيل: تركية، ولد فِي شوال سنة سبعين وأربع مئة، وكان له يوم بويع بالخلافة ست عشرة سنة وشهران وأيام، وبُويع بالخلافة يوم الثلاثاء ثامن عشر المُحرَّم بعد موت أَبيه بثلاثة أيام، وتولَّى البيعة له عميد الدولة ابنُ جَهير، وحضر نظام الدين بن نظام الملك وزيرُ السلطان والقضاةُ والأعيانُ وطِراد

стр. 9362

الزينبي والغزالي والأماثل وسيف الدولة صدقة بن مَزْيَد، وكان المقتدي قد نصَّ عليه وولَّاه العهد، ولمَّا بُويع قال لعميد الدولة: أَنْتَ على وزارتك والأمور مفوَّضَةٌ إليك. فقال: هذا وقت صعب، وعندنا السلطان، والخزائن مقفلة، ونحتاج إِلَى المال. فقال: هذه الخزائن بين يديك، تصرَّفْ كما تختار من غير مراجعة ولا استئمار. ففتح الخزائن، وأخرج الأموال، وفرَّقها فِي العساكر، ثم استدعى المستظهر بركياروق إِلَى حضرته، وخَلَع عليه خِلعَ السلطنة، وتقرَّرت الخلافة والملك فِي المُحرَّم. وفي شعبان وَليَ أبو الحسن الدامَغاني قضاءَ القضاة وخُلِعَ عليه، وولَّى أخاه أبا جعفر قضاء الرُّصافة، ومن أعلى بغداد إِلَى الموصل (١). وفيها حشد تُتُش، وسار من دمشق إِلَى حلب وأفسد ضواحيها، وكتب بركياروق إِلَى بُزان وكربوقا (٢) ليسيرا إِلَى حلب فيُنجدا آق سنقر، فسارا إليه، ونزل آق سنقر من قلعة حلب، وساروا جميعًا، والتَقوا بتُتُش بين قِنَّسْرين وتل السلطان، فكان بينهم قتال عظيم، أُسِرَ فيه آق سنقر وبُزان وكربوقا، وقُتل معظمُ أصحابهم، وانهزم الباقون، وغَنِمَهم تُتُش، واعتُقل بُزان وكربوقا بحمص، وأحضر آق سنقر وقال له: لو ظفرتَ بي ما كنتَ تفعل بي؟ قال: أقتُلُك. قال: فأنا أحكم عليك بما حكمت به عليَّ. فقتله وصلبه، ثم سار إِلَى حلب، فأخذها وعبر الفرات، وجاء إِلَى الرُّها، فعصوا عليه، فقتل بُزان ورمى برأسه إليهم، وأقام كربوقا معتقلًا بحمص حتَّى أُطْلِقَ بعد قتل تُتُش، ثم استولى على الجزيرة وديار بكر، وكان قد فعل بأهل نَصيبين مافعل، فأرسل إِلَى أهل ميَّافارقين، وكانوا قد اتفقوا -عند نزول الكافي بن جَهير من عندهم وموت ملكشاه- على الشيخ أبي سالم يحيى بن الحسن بن المنجور، فامتنع، فأصعدوه برج الملك كرهًا، وسلَّموا إليه مفاتيح البلد، وكان قوم تُتُش بدمشق، فكان ناصر الدولة منصور بن مروان مقيمًا بِجرْبى، فأصعد إِلَى جزيرة ابن عمرو وملكها وأقام بها، وكاتبه قومٌ

стр. 9363

من أهل ميَّافارقين، وكرهه آخرون لما رأوا من عدل ابن جَهير، وكان ابنُ أسد الفَارقي الشاعر [له (١)] عشيرة، فاجتمعوا إليه، وانضاف إليهم العوام، وصاروا يدورون فِي البلد على سبيل الحفظ له، وطال على النَّاس جواب بركياروق، وكانوا قد كاتبوه، وجاء تُتُش من دمشق، وفعل بأهل نصيبين ما لا يفعله الكفار، فخاف أهلُ ميَّافارقين منه، فجاء إليه أعيانُهم وسألوه المسيرَ إليهم، وابن المنجور فِي برج الملك بحاله (٢)، وكان قد سار إِلَى تُتُش ابنُ زيدان والقاضي ابنُ صدقة وغيرُهما، فالتقاهم تُتُش وأكرمهم، وقال: تصبرون أيامًا ونسيرُ جميعًا. وكان منصور بن مروان مقيمًا بالجزيرة، فأرسل إِلَى أبي نصر الفارقي فوعده بالجميل، فاستدعاه وسلَّم إليه البلد، فدخل، واستوزره، ولقَّبه محيي الدولة، وأمِنَ ابنُ المنجور على نفسه، فنزل من البرج، ثم خرج إِلَى نَصيبين يطلب أباه، وكان قد خرج مع القاضي وغيره فوجدهم قد ساروا مع تُتُش إِلَى آمِد، ففتحها، ثم جاء إِلَى ميَّافارقين فِي هذه السنة وخوَّفهم، ففتحوا له الباب، وخرج منصور إِلَى المخيم، فاستجار بوزير السلطان أبي النجم، فأجاره، وسلَّم تُتُش ميَّافارقين إِلَى الوزير ابن الأنباري الذي كان ابنُ جَهير أمر بقتله، فأقام بها إِلَى أن قَتل تُتُش ابنَ أسد الفارقي الشَّاعر، فاستوحش منه، وخرج إِلَى الهيَّاج، فأقام به مدة، وكان معه ولده الأمير أبو القاسم وولده أبو سعد وابنُ أخيه محمَّد بن السديد، وكان أخوه السديد أبو الغنائم بميَّافارقين، فقبض عليه طُغْتُكِين مملوك تُتُش، وأقام ابنُ الأنباري بالهيَّاج، ثم ألحَّ تُتُش فِي طلبه، فسُلِّم إليه، فضرب عنقه وعنق ولده أبي القاسم عند ملطية فِي هذه السنة، وقتل طُغْتُكِين السديدَ أَبا الغنائم بميَّافارقين، ضرب عنقه على بابها فِي رجب، وكان صائمًا، فعرض عليه الماء، فقال: لا والله لا ألقى الله إلَّا صائمًا. فقتلَ تُتُش بعدُ أولادَ الأنباري شرَّ قِتلة. ولمَّا قَتل تُتُش ابنَ الأنباري على ملطية سار إِلَى عراق العجم يريد الاستيلاء على الممالك، وخرج بركياروق من بغداد يقصد الجزيرة للقائه.

стр. 9364

قال السِّمناني: وكتب تُتُش إِلَى الأمراء بأصبهان ليطيعوه، فأجابه بعضُهم، وكانت خاتون تركان مقيمةً بهَمْدان، فكتبت إليه وأطمَعَتْه فِي نفسها، فسار على طريق أذربيجان متباعدًا عن بركياروق، فأخذ خلاط ومنازكرد وإرمينية، وسار إِلَى همَذَان، وخرجت خاتون للقائه، فتوفِّيت بين هَمَذان وأصبهان، ووصل هَمَذان وبها فخر الملك ابن نظام الملك وزير بركياروق، فأراد قتْلَه، فشفع فيه بعيسان، فتركه، واستولى تُتُش على الممالك من باب الري إِلَى القدس، وأما بركياروق فإنَّه وصل أَصبهان وحشد ما قدر عليه، وأنفذ تُتُش من هَمَذان إِلَى بغداد يوسف بن آبق التركماني وعلى يده كتب، وقد أضمر السوء، فنزل دار المملكة ولم يلتفِتْ إليه. وقيل: إنما كان ذلك فِي السنة الآتية، وسنذكره إن شاء الله تعالى. وفيها تُوفِّي آقسُنْقُر بن عبد الله (١) قسيمُ الدولة، كان شجاعًا، عادلًا، منصفًا، وكان الملوك السلجوقية يحترمونه، ولم يكن له ولد غير زنكي، فلمَّا قُتِلَ انضمَّ إِلَى مماليك أَبيه وصار معهم. بدر (٢) الجَمالي، الأرمني، أميرُ الجيوش، وولي الشَّام والساحل للمستنصر، ثم خالفه، وأقام بعكا، ثم استدعاه المستنصر إِلَى مصر، وفوَّض إليه الأمور، فاستقامت وسكنت الفتن، وكانت وفاته فِي ذي الحجة. وقيل: فِي سنة خمس وثمانين. ولمَّا مات ولَّى المستنصرُ ولدَه أَبا القاسم شاهنشاه، ولقبه الأفضل، فأحسن إِلَى النَّاس، وشاع فضلُه فِي الدنيا، وسنذكره إن شاء الله تعالى. وقف الشعراء بباب بدر بمصر فَكُلٌّ آيَسَهُمْ، وخرج بدر إِلَى الصيد، فخرج علقمة الشَّاعر فِي إثره، وعمل فِي عمامته ريشَ النَّعام كأنه مظلوم، فلمَّا قرب منه أنشده: [من الكامل] نحن التِّجارُ وهذه أعلاقُنا … دُرٌّ وجُودُ يمينِكَ المُبتاعُ

стр. 9365

قَلِّبْ وفَتِّشْها بسمعِكَ إنَّما … هي جوهرٌ تختارُه الأسماعُ كَسَدتْ علينا بالشَّآمِ وكُلَّما … قلَّ النِّفاقُ تعطَّلَ الصُّنَّاعُ فأتاكَ يحمِلُها إليكَ تِجارُها … ومَطِيُّها الآمالُ والأطماعُ حتَّى أناخوها ببابِكَ والرَّجا … من دونِك السمسارُ والبيَّاعُ فوهَبْتَ ما لم يُعْطِهِ فِي دهرِهِ … هَرِمٌ ولا كعبٌ ولا القعقاعُ وسبقْتَ هذا النَّاس فِي طلب العُلا … فالناسُ بعدكَ كلُّهمْ أتباعُ يَا بدرُ أُقسِمُ لو بِكَ اعتصمَ الورى … ولَجَوْا إليك جميعهُم ما ضاعوا وكان على يده بازٍ، فدفعه إِلَى البازدار، وقبض على يد علقمة، وانفرد به عن الجيش، وجعل يستنشده الأبيات ويردِّدُها حتَّى عاد إِلَى مجلسه، ثم التفت إِلَى غلمانه وخاصَّته وقال: مَنْ أحبَّني فليخلَعْ عليه. قال علقمة: فوالله لقد خرجتُ من عنده ومعي وقر سبعين بغلًا من الخلع، وأمر لي بعشرة آلاف درهم، فقلت لمن ببابه من الشعراء والقُصَّاد: يَا متخلفين الحقوا بي إِلَى منزلي. فلحِقُوني، مامنهم إلَّا من خلعتُ عليه وأعطيتُه من جائزتي. تركان بنت طغراج الملك (١) من نسل أفراسياب ملك الفرس، وكانت حازمةً [حافظةً] (٢) شهمة، قادت الجيوش، وكان فِي خدمتها عشرة آلاف فارس إِلَى أن توفِّيت، ودبَّرت الأمور بعد موت ملك شاه، وحفظت أموال التجار فلم يذهب لهم عقال، وكانت صاحبة أَصبهان، وتباشر الحروب، وتوفِّيت فِي رمضان. وقيل: إنما سُمَّت فِي الطريق. الحسن بن أسد (٣) أبو نصر، الفارقي، الشَّاعر، قد ذكرنا أنَّه سلَّم ميَّافارقين إِلَى منصور بن مروان، فلما دخلها تُتُش اختفى، فلمَّا عاد تُتُش إِلَى حرَّان ظهر ووقف بين يديه، وأنشده: [من البسيط]

стр. 9366

فاستَحلبَتْ حلبٌ جفنيَّ فانهملا … وبشَّرَتْني بحرِّ القتلِ حَرَّانُ فقال تُتُش: من هذا؟ فقيل له: [هذا ابنُ (١)] أسد الذي حشد الجموع قبل دخولك ميَّافارقين وسلَّمها إِلَى ابن مروان، فقال: اضربوا عنُقَه. فضربوا عُنُقَه، وكان قولُه: "وبشَّرتْني بحرِّ القتلِ حرَّانُ" فألًا على هلاكه. وكان شاعرًا، فصيحًا، فاضلًا، عارفًا باللغة والأدب، من أعيان أهل ميَّافارقين، ومن شعره: [من البسيط] يا مَنْ إذا ما بدا والبدرُ كانَ لَهُ … عليهِ فِي الحُسْنِ إشراقٌ ولَألاءُ كم [قد] (١) سألتُكَ لي وصلًا فلا نَعَمٌ … كانت جوابَكَ لي فيه ولا لاءُ وقال أَيضًا: [من البسيط] ما العمرُ لو فهِمَ الإنسانُ غايتَهُ … إلَّا مكارِهُ لا تَفنى وأسواءُ وما البريةُ إلَّا واحدٌ وهُمُ … فِي قيمة الذاتِ أكفاءٌ وأسواءُ وقال أَيضًا: [من المتقارب] إذا ما نبا بلدٌ بي رحَلْتُ … وألقيتُ حبلي على غاربي وأصبحتُ ذا كوكبٍ طالعٍ … لجوبِ المفاوزِ أو غاربِ فباعِدْ إذا ما نويتَ الرَّحيلَ … بهمِّكَ فِي الأرضِ أو قارب [فمَنْ لجَّ فِي خوضِ لُجٍّ الفَلا … ةِ لم يقربِ الموتَ من قاربِ] (١) فسِرْ أو تموتَ غريبًا بغَيرِ … أخٍ لك راثٍ ولا نادبِ وإنْ أنتَ ناديتَ أهلَ الحِفاظِ … فعرِّضْ بذكرِيَ أو نادِ بي يُجِبْكَ فتًى نَسبَتْهُ الكِرامُ … مفاخِرُه حليةُ الناسبِ شَرُفْتُ فأكثرتُ غيظَ الحسودِ … وأنكَرني أعرَفُ الناسِ بي وقال أَيضًا: [من الوافر] قديمًا كان فِي الدنيا أناسٌ … بهمْ تحيا العُلا والمكرماتُ فلمَّا عال فِعْلَ الخيرِ دهرٌ … بهِ عاشَ الخنا والمكرُ ماتوا

стр. 9367

وقال: [من الطويلِ] إذا نِلْتَ مِنْ دنياك خيرًا ففُزْ بهِ … فإنَّ لِجَمْعِ الدَّهرِ من صَرْفهِ شَتَّى فكَمْ مِنْ مُشَتٍّ لَمْ يُصَيِّفْ بأهلِهِ … وآخرُ لم يدرِكْهُ صيفٌ إذا شَتَّى وقال: [من السريع] ليثٌ بلا خُرقٍ ولا لوثةٍ … والخُرقُ واللوثةُ فِي اللَّيثِ غيثٌ بلا غَيثٍ (١) إذا ما هما … والغيثُ لا يخلو من الغَيثِ وقال أَيضًا من شعره: [من الوافر] وإخوانٍ بواطِنُهم قِباحُ … وإنْ أضحَتْ ظواهِرُهم مِلاحا حسبْتُ مياهَ وُدِّهِمُ عِذابًا … فلمَّا ذُقْتُها كانَتْ مِلاحا وقال: [من المتقارب] أتيتُ إِلَى داره البارِحَهْ … وفي كلِّ ناحيةٍ نائِحَهْ وقدْ عَلقتْهُ أَكُفُّ المنون … ففي كلِّ جارحةٍ جارِحهْ وقال: [من المنسرح] كم ساءني الدَّهرُ ثم سرَّ فلَمْ … يُدِمْ لنفسي همًّا ولا فرحًا ألقاه بالصَّبرِ ثم يَعْرِكُني … تحتَ رحًى منُ صروفِهِ فرحى وقال: [من الطَّويل] بعُدْتَ فقد أضرَمْتَ ما بين أضْلُعي … ببُعْدِكَ نارًا شَجْوُ قلبي وَقودُها وكلَّفْتُ نفسي قطعَ بيداءَ لوعةٍ … تكَلُّ بها هُوجُ المهارَى وَقودُها وقال: [من البسيط] كم خاطبَتْني خطوبٌ ما عبأتُ بها … ولَمْ أقُلْ جزعًا عن حَوْزتي جوزي علمًا بأنِّي مجزيٌّ بمكتسبي … إنِ امرؤٌ بجوازي فِعلِهِ جوزي وقال: [من البسيط] يَا مَنْ تُسَلُّ علينا من لواحظِهِ … بِيضٌ وتُشْرَعُ من ألحاظِهِ أسَلُ

стр. 9368

بحقِّ مُعطيكَ هذا الحُسنَ صِلْ دَنِفًا … فإنَّني منكَ غَيرَ الوصلِ لا أسَلُ وقال: [من الخفيف] صِرْتُ فِي النَّاس أجنبيًّا لأنِّي … فِي زمانٍ لم ألْقَ فيه وفيَّا فيه غدرٌ وفيَّ حُسْنُ وفاءٍ … فتأمَّلْ ما قلتُ فيهِ وفِيَّا المقتدي بأمر الله (١) عبد الله بن محمَّد الذخيرة بن القائم بأمر الله، وكنيته أبو القاسم، ومولده فِي جمادى الآخر سنة ثمان وأربعين وأربع مئة، وأمه أُرْجُوان أمُّ ولد، أرمينية. وقيل: قرة العين. كان من رجال بني العباس، له همَّة عالية، وشجاعةٌ وافرة، وفي زمانه قامت حشمة الدولة العباسية، وخُطِبَ له فِي الشرق بأسره، وبما وراء النهر وغَزْنة والهند والصين والجزيرة والشَّام واليمن، وكانت أيامُه كثيرةَ الخيرات، عمرت فيها بغداد، واسترجع المسلمون الرُّها وأنطاكية فِي خلافته، وكان قد تقرَّر مع السلطان بركياروق لمَّا قدم بغداد أن يحمل مال البيعة وأن يخطب له بالسلطنة على رسم أَبيه، وتقدم إِلَى أبي سعيد بن الموصلايا أن يكتب عهده، فكتبه، وهُيِّئت الخِلَع، وذلك يوم الجمعة رابع عشر المُحرَّم، وحُمِلَ العهدُ إِلَى الخليفة فِي هذا اليوم، فوقع فيه وتأمل الخِلَعَ، ثم قُدِّمَ إليه طعامٌ فتناول منه ثم غسل يده، وأقبل على النظر فِي العهد وبين يديه شمس النهار القهرمانية، فقال لها: من هؤلاء الأشخاص الذين دخلوا علينا بغير إذن؟ قالت: فالتفتُّ فلم أرَ أحدًا. وتغيَّرت حالُه، واسترخَتْ يداه ورجلاه، وانحلَّت قُواه، وسقط إِلَى الأرض، فظننتُها غشيةً، ومرةً غلبت عليه، فحللتُ إزاره، فوجدتُه ليس فيه عرق يضرب، فتيقَّنتُ موتَه، فسكنتُ وتماسكتُ، وكانت عندي جاريةٌ، فقلت لها: ليس هذا وقت الجزع، فإن صِحْتِ قتلتُكِ، وأفردْتُها فِي حجرة، وغلقتُ عليها الباب، ثم استدعيتُ يمن الخادم صهري على ابنتي، وقلت: أحضِرْ لي عميد الدولة. فحضر عند

стр. 9369

اختلاط الظلام، وقد خاف وذَهِل عقلُه، فلما رأى القهرمانةَ خدمها على عادته وأبلغ، فدخلت الحجرة كأنها تشاور، ثم خرجت وقالت: الخليفةُ مودِّع، وسينتبه عن قريب. ثم فاوضَتْهُ فِي أحاديثَ وقالت له: قد عجزتُ عن الخدمة، وأريد الحجَّ، وأن تسأل أمير المُؤْمنين فِي ذلك، وأنت شفيعي إليه، واستحلفَتْه وأكَّدَتْ عليه الأيمان أن يحفظها فِي المشهد والمغيب، فلما استوثَقَتْ منه قالت له: قُمْ. فدخل فرأى الخليفةَ مُسَجًّى، فأجهش فِي البكاء، واستدعى وليَّ العهد وعرَّفه الحال، فبكى، ثم بايعه، وكانت وفاتُه فجأةً ليلة السبت خامس عشر المحرَّم. وقيل: إن القهرمانة سمَّته فِي ذلك الطعام لأنها خافَتْه، وكان عمره ثمانيًا وأربعين سنة وثمانية أشهر ويومين، وخلافته تسع عشرة سنة وخمسة أشهر ويومين، وصلَّى عليه ولده المستظهر، وحُمِلَ تابوتُه إِلَى الرُّصافة، ووَزَرَ له فخر الدولة ابنُ جَهير وابنُه عميد الدولة، ثم أبو شجاع، ثم عزله وأعاد عميدَ الدولة، وكان على قضائه أبو عبد الله الدامَغاني، ثم أبو بكر الفامي، وحاجبه أبو عبد الله المردوسي، ثم أبو نصر بن المفرج، وخلَّف ستَّ بنين. محمَّد بن أبي هاشم (١) أمير مكة، كان ظالمًا، جبارًا، فاتكًا، سفاكًا للدماء، مسرفًا، متلونًا، تارةً مع الخلفاء، وتارةً مع المصريين، وكان يقتل الحاجَّ ويأخذ أموالهم، وكانت وفاته بمكة وقد ناهز السبعين (٢) فرح المسلمون بموته، وقام بعده ولده هاشم. المستنصر مَعَد ابن عليّ الظاهر بن منصور، الحاكم، أبو تميم، صاحب مصر، ولد بالقاهرة سادس عشر جمادى الآخرة سنة عشرين وأربع مئة، وبُويع يوم مات أبوه وهو يوم الأحد منتصف شعبان سنة سبع وعشرين، وعمره يومئذ سبع سنين وسبعة وعشرون

стр. 9370

يومًا، وخُتِنَ وهو ابن ست سنين، وأقام واليًا ستين سنة وأربعة أشهر وثلاثة أيام، ولم يَلِ أحدٌ من الخلفاء الأمويين والعباسيين والمصريين مثلَ هذه المدة، وعاش سبعًا وستين سنة وخمسة أشهر فِي الهزاهز (١) والشدائد والوباء والغلاء والجلاء والفتن، وكان القحط في أيامه سبعَ سنين مثل سنيِّ يوسف الصِّدِّيق صلوات الله عليه، من سنة سبع وخمسين [وأربع مئة] (٢) إِلَى سنة أربع وستين وأربع مئة، أقامت البلاد سبع سنين، يطلع النيل فيها وينزل، ولا يوجد مَنْ يزرع؛ لموت النَّاس، واختلاف الولاة والرعية، فاستولى الخرابُ على البلاد، ومات أهلها، وانقطعت السُّبُل برًّا وبحرًا، وكان معظم الغلاء سنة اثنتين وستين، وكانت وفاته يوم عيد الفطر وهو يوم الخميس ثامن عشر من ذي الحجة، وبايعَ النَّاسُ ابنَه أَبا القاسم أَحْمد، ولُقِّب بالمستعلي بالله، وتُوفِّي سنة خمس وتسعين وأربع مئة، وسنذكره إن شاء الله تعالى. وقال أبو يعلى بن القلانسي: فِي أيامه ثارت (٣) الفتن فِي (٤) بني حمدان وأكابر القُوَّاد، وغلَتِ الأسعار، واضطربَتِ الأحوال، واختلَّتِ الأعمال، وحصره ماءٌ فِي قصره (٥)، وطُمِعَ فِي خلعه؛ لضعف أمره، ولم يَزَلْ على ذلك حتَّى استدعى أمير الجيوش بدرًا الجمالي من عكَّا إِلَى مصر، فاستولى على التدبير، وقتل جماعة ممن يطلب الفساد، فتهمدت الأمور، ولم يبقَ للمستنصر أمرٌ ولا نهيٌ إلَّا الركوب فِي العيدين، ولم يزَل كذلك حتَّى مات بدر وقام بعدَه ولدُه الأفضل، ولمَّا مات المستنصر وقام المستعلي مقامَه وتقرَّرت الأمور خرج عبد الله ونزار ابنا المستنصر من مصر خيفةً، وقصد نزار الإسكندرية، وحصل عند نصير الدولة واليها، وجَرَتْ بينه وبين الأفضل حروب.

стр. 9371

السنة الثامنة والثمانون وأربع مئة قد (١) ذكرنا مسير تُتُش إِلَى هَمَذان، وكان بعث ولده فخر الملوك رضوان يطلبه بعساكر الشَّام، فسار ومعه الأمير (٢) نجم الدين إيل غازي بن أُرتق، ووثَّاب بن محمود بن صالح، وجماعةٌ من أمراء العرب، فنزلوا على الرحبة، وبعث تاج الدولة تُتُش يوسف بن آبق (٣) التركماني إِلَى بغداد فِي صفر لإقامة الدعوة [له] (٤) فلم يلتفت إليه. وقيل: أُخرِجَ إليه حاجبٌ من الديوان، فلمَّا لقيه ضربه يوسف ونزل بدار المملكة، وكان فِي عزمه نهب بغداد، فاستعدَّ له الوزير، وأحضر صدقة بن منصور وكان نافرًا عن تُتُش، فبينا يوسف على عزم السوء جاءه أخوه فأخبره بقتل تاج الدولة تُتُش، فانهزم إِلَى حلب. وفي ربيع الأول خُطِبَ لولي العهد أبي منصور الفضل بن المستظهر. وفي ربيع الآخر خرج الوزير عميد الدولة فخطَّ السُّور على حريم دار الخلافة بأمر المستظهر، وهذا السور مذكورٌ فِي الملاحم، وأنه يسعى فِي بنائه رجلٌ أصفرُ من بني تغلب [يعني (٥)] عميدَ الدولةِ ابن جَهير، قال الشَّاعر: [من الطَّويل] إذا طَلَع المرِّيخُ من أرض بَابِل … وقارَنَهُ النَّجمانِ فالهربَ الهربْ ويبني على الزَّوراء أصفرُ تغلِبٍ … على الجانبِ الشَّرقي سورًا على شَغَبْ ويبنيهِ غلمانٌ يُخالطهم نِسا … وفيهم رجالٌ بالمزاهرِ واللُّعَبْ ولمَّا خطَّ الوزير السُّور تقدَّم بجباية المال الذي يحتاج إليه من عقارات النَّاس ودُورِهم، واجتمع أهلُ المحالِّ بالأعلام والبوقات والدَّبادب وأنواع الملاهي والزمور والخيالات، وجرى من المنكرات وإخراق الربعة ما لم تجْرِ به عادة، وساءت السمعة باجتماع الرجال والنساء والمخانيث واختلاطهم، فأنكر علي بن عقيل على الوزير، وكتب إليه كتابًا طويلًا من جملته: كان هذا الخرق الذي جرى بالشريعة عن عمدٍ لمناصبة واضعها، فما بالُنا نعتقد

стр. 9372

القرآن ورواية الأحاديث؟ وإذا نزلَتْ بنا نازلةٌ تقدمنا بجموع الختمات والأدعية عقيبها؟ وأين هذا من طبول وزمور مخانيث وخيالات وكشف عورات؟ ومعنى هذا أننا مستهزؤون بحكم الله لا نبالي به، فبأيِّ وجه نلقى محمدًا ﷺ ؟ وأيُّ حرمةٍ تبقى لنا عند الله؟ ثم إنكَ يَا ابن جَهير تقيم الحدود فِي عتبة باب تأمر بلثم ترابه، ثم تمزج العوامَّ فِي المنكر المجمع على تحريمه. وذكر كلامًا طويلًا بمعناه، فلم يلتفت إليه، وجرت الأمور على ماهي عليه حتَّى استدار سور الحريم. وفي رمضان جرحَ السلطانَ بركياروق إنسانٌ سِجْزيٌّ، فأخذ فأقرَّ على رجلين سِجْزيَّين أنهما أعطياه مئة دينار، فقُتِلَ الرَّجل، وأُخِذَ الرجلان فقُرِّرا، فطُرِحَ أحدُهما تحت أرجل الفِيَلَة، فقال: خلِّصوني حتَّى أُقِرَّ. فخلَّصوه، فقال لرفيقه: يَا أخي، لا بُدَّ من هذه القتلة فلا تفضح أهل سجستان بإفشاء سرِّهم. فقُتِلا. وفي ذي القعدة خرج أبو حامد الغزالي من بغداد متوجهًا إِلَى البيت المقدس زاهدًا فِي التدريس بالنظامية، لابسًا خشن الثياب بعد ناعمها، وناب عنه أخوه أَحْمد فِي التدريس، وعاد فِي السنة الثالثة من خروجه منها، وقد صنف كتاب "الإحياء"، ثم حجَّ سنة تسعين وعاد إِلَى بلده. وقال بعضهم: ولمَّا دخل بغداد قُوِّم ما عليه من الثياب والطوق فِي عنق بغلته بألف دينار، ثم عاد إِلَى بغداد وجميعُ ما عليه يساوي دينارًا، فنزل فِي رباط أبي سعيد الصوفي، واجتمع إليه خلقٌ كثير يسمعون عليه الأخبار. وفيها اصطلح أهل السنة والشيعة ببغداد، ودخل أهل باب البصرة الكَرْخ، ودخل أهل الكَرْخ إليهم وعملوا الدعوات وتزاوروا، وجاء أهل باب الأزج المختارة، ودخل أهل المختارة إِلَى باب الأزج، وهذا من العجائب، ما جرى مثلُه ببغداد إلا نُوبة النسوي؛ بغضًا لولاية النسوي عليهم، أما فِي هذه النُّوبة فبغير سبب ظهر لكنها خطرات (١).

стр. 9373

وفيها تُوفِّي تُتُش بن ألب أرسلان محمَّد بن داود بن ميكائيل، أبو سعيد، تاج الدولة، كان مقيمًا بالشرق، فاستنجده أتْسِز الخُوارَزمي صاحب الشَّام، فقدم دمشق سنة اثنتين وسبعين وأربع مئة، فقَتلَ أتْسِز، واستولى على دمشق، وامتدَّت أيامه، وهو الذي قتل آق سنقر وبُزان، وسار إِلَى الشرق وملك هَمَذان، وكان ابنُ أخيه بركياروق بالري قد حشد وجمع ثلاثين ألفًا، وتُتُش فِي خمسة عشر ألفًا، فالتقوا على الري يوم الأحد سابع [عشر (١)] صفر هذه السنة، وكان تُتُش فِي القلب مقابل بركياروق، وكان لمَّا قُتِلَ آق سنقر وبُزان أخذ جماعةً من الأمراء فقتلهم بين يديه صبرًا، وكان بكجور من أكابر الأمراء، فقتل أولاده [بين يديه] صبرًا، وأفلت إِلَى بركياروق، وكان تُش قد نادى فِي عسكره قبل المصاف بيوم: مَنْ ظفرتم به من عسكر بركياروق فاقتلوه، ومن بقي بعد الحرب فأنا أقتله. فاستشعر العسكر منه، فلمَّا التقوا على الري استأمن أكثرُ عسكر تُتُش إِلَى بركياروق، وجاء بكجور إِلَى بركياروق وهو يبكي على أولاده، فقال: قد قتل عمُّكَ أولادي بين يديَّ صبرًا، وأنا قاتله بأولادي لآخذ بثأري. فقال: افعَلْ. فلما نشبت الحرب واختلط النَّاس قصد بكجور تاجَ الدولة فطعنه فألقاه عن فرسه، ونزل [سُنْقُرجه -وكان صاحبَ ثأرٍ-] فحزَّ رأسه. وقيل: رماه مملوك بُزان بسهم فِي ظهره فوقع، فقتلوه وأتوا برأسه إِلَى بركياروق، فطِيفَ به فِي العسكر، وبعث به إِلَى بغداد، وانهزم أصحابُه وأمر بركياروق بالكفِّ عنهم، ونادى بالأمان، وأُسِرَ فخر الملك علي بن نظام الملك وزير تُتُش، فعفا عنه بركياروق لأجل أخيه مؤيد الملك وزيره، وكان المستظهر قد هيَّأ الطيار، وأخذ بالحزم، وأعدَّ السفن، ونقل إليها أمواله وأهله لينحدر إِلَى الأهواز، وخرج عميد الدولة إِلَى حِلَّة صدقة خوفًا من ظهور تُتُش، فجاء - من لُطفِ الله - ما لم يكُنْ فِي الحساب، فقُتِلَ تُتُش، وطيف برأسه فِي إقطاع بغداد، ثم وُضِعَ فِي خزانة الرؤوس، وعاد ابنُ جَهير ووضع الرأس بين يديه، فقال أبو الفضل عطية يخاطبه: [من البسيط]

стр. 9374

ورايةٍ كادَ أن يُعنى الزمانُ بها … أمدَّها بجيوش الرأيِ إمدادا ضَرَبْنَ بالريِّ من آرائه قُضُبًا … أضحى لها مِغْفَرُ التِّيجانِ أغمادا ومأتمٌ قامَ نحوَ الغربِ صارِخُهُ … فعادَ أيامُ مَنْ بالغرب أعيادا ومعجزاتٍ أَرادَ اللهُ يُظهِرُها … فِي كَبْتِه لك أعداءً وحُسَّادا ذكر ما جرى لأولاد تُتُش: كان ابنُه رضوان قد خرج من الشَّام بجيش كثيف يريد أباه لينصره، ووصل الرحبة، فبلغه مقتلُ أَبيه، فعاد إِلَى حلب، ففُتِحت له، ووصل [إليه] (١) من الفلّ (٢) الذين كانوا مع أَبيه أخوة دُقاق وجماعةٌ من خواص أَبيه، فأقام بحلب مدةً يسيرة، وكان ساوتكين الخادم والي دمشق، فكاتب دُقاقًا، ووعده أن يُسلِّمها إليه، فسار إليها. ولم يُعلِم أخاه رضوان، وبلغَه مسيرُه، فبعث وراءه عسكرًا فلم يلحَقْه، ودخل دمشق، وحسدَه رضوان، فسار إليه بالعساكر، فحصره مدة شهرين فلم يظفَرْ بطائل، فعاد إِلَى حلب، وبعث دقاق إِلَى بركياروق يُعرِّفه، فأرسل إليه طُغْتِكين مملوك تُتُش ليدبِّر أمره، فقتل ساوتكين الخادم، وأقام بدمشق. وقال أبو يعلى بن القلانسي: ورد الخبرُ إِلَى رضوان بقتل أَبيه وهو نازل بعانة على الفرات يريد المسير إِلَى أَبيه، فقلق، وسار مُغِذًّا فِي نفر من غلمانه وخواصِّه إِلَى حلب، ونزل العسكر، ورآه، وفتح الوزير أبو القاسم النائب بالقلعة لها أبوابَها، فصَعِد إليها، ووصل إليه أخوه دُقاق من ناحية ديار بكر، فأقام بحلب مدةً، ثم راسلَ (٣) ساوتِكين المقيم بقلعة دمشق، فأجابه، فخرج فِي الحال من حلب [ليلًا (٤)] مُجِدًّا ليلًا ونهارًا، وبعث رضوان خلفه الخيل ففاتهم، ووصل دمشق، فأجلسه ساوتِكين فِي منصب أَبيه، وأخذ له العهد على الأمراء والعساكر، فاستقام أمرُه، ووردت الأخبارُ بخلاص الأمير ظهير الدين طُغْتِكين أتابِك من اعتقاله عقيب الكسرة، وتوجَّه عائدًا إِلَى دمشق، وخرج

стр. 9375

صاحبُه حصن الدولة بختيار شحنة دمشق ليلتقيه، وقد كان تُتُش رشَّح طُغْتِكين فِي حداثة سنِّه لحجبته، واستنابه فِي عسكره، وفوَّض إليه أموره أيام غيبته، فأحسن السيرة، وأنصف الرعية، فعَلَتْ منزلتُه، وولَّاه ميَّافارقين وهي أول ولايته، وسلَّم إليه ولدَه دُقاق، واعتمد عليه فِي تربيته، فدبَّر أمر ميَّافارقين، وأنكى فِي جماعة عُرِفَ منهم خيانةٌ ومخامرةٌ، فاستقامت أحوالُها، وسار مع تُتُش إِلَى لقاء بركياروق، وشهد الواقعة، وأسر واعتقل، ثم خلص، فسار إِلَى دمشق فِي هذه السنة، فتلقَّاه دُقاق فِي العسكر وأرباب الدولة، وبالغَ فِي إكرامه، وردَّ إليه النظر فِي الإسفهسلارية على حالة، واتُّهم ساوتِكين برضوان فقُتِل، وتزوَّج طُغْتِكين بخاتون أم دُقاق، وأحسن السيرة، وكانَ رضوان يحبُّ دمشق ولا يختار غيرَها، فجمع واستنجد بِسُكْمان بن أُرْتُق، وبرز طالبًا دمشق، وقد كان دُقاق غاب عنها فِي هذا الوقت مع يغي شعبان (١) وإيل غازي بن أُرْتُق، ووصل رضوان بعسكره، ونزل ظاهر دمشق. وقيل: كان ذلك سنة تسع وثمانين، وكان بدمشق وزير دُقاق زين الدولة محمَّد بن الوزير أبو القاسم، ونفرٌ قليل من العسكر، وانضاف إليهم جماعةٌ من الأحداث، وأغلقوا الأبواب، وصَعِدوا على الأسوار، ورشقوهم بالنُّشَّاب، فرجعوا إليهم من سوق الغنم وباب الجابية والباب الصغير، فأراد أهلُ البلد الخووجَ إليهم ودفْعَهم، فمنعهم بختيار شحنة البلد وأمين الدولة محمَّد بن الصوفي رئيس البلد، وقاتلوهم على الأسوار، ومنعوهم الوصول إليها. وجاء حاجبَ رضوان حجرُ المنجنيق وهو قائمٌ يُحرِّض على القتال فقتلَه، وسكنت الحرب، واشتغلوا به، وعادوا إِلَى خيامهم ولم يتمَّ لهم أمر، وبلغهم أنَّ دُقاق قد عاد بالعسكر، فرحلوا (٢) وطلبوا مرج الصفر ليقصدوا القدس، ووصل دُقاق إِلَى دمشق، وسار رضوان طالبًا ناحية حلب.

стр. 9376

وقيل: إن أولاد تُتُش اقتسموا البلاد، فكانت حلب وما يليها لرضوان، ودمشق وميَّافارقين لدُقاق، وانكفأ يغي شعبان إِلَى أنطاكية. رزق الله بن عبد الوهَّاب (١) ابن عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث بن سليمان بن الأسود بن سفيان بن يزيد بن أُكينة بن إبراهيم بن عبد الله، ويقال: أُكينة هو إبراهيم، وعبد الله بن إبراهيم كان اسمُه عبد اللات، فسمَّاه رسول الله ﷺ : عبد الله، وعلَّمه، وأرسله إِلَى اليمامة والبحرين ليعلِّمهم أمر دينهم، ودعا له، فقال رسول الله ﷺ : "نزعَ اللهُ من صدرِك وصدرِ ولدك الغِشَّ والغِل إِلَى يوم القيامة" (٢). وكنيةُ رزق الله أبو محمَّد التَّمِيمِيّ الحنبلي، ولد سنة إحدى وأربع مئة، وقيل: سنة أربع مئة، وقرأ القرآن على أبي الحسن الحمامي بالروايات، وسمع الأحاديث، وتفقَّه على أبي علي بن أبي موسى الهاشمي، وشهد عند القاضي أبي عبد الله الحسن بن عليّ بن ماكولا قاضي القضاة، فلمَّا ولي بعده قاضي القضاة أبو عبد الله الدامَغاني ترك الشهادة ترفُّعًا أن يشهد عنده، فجاء قاضي القضاة إليه مستدعيًا لمودَّته وشهادته عنده، فلم يشهد، وكان التَّمِيمِيّ قد جمع بين الفقه والقرآن والحديث والأدب والوعظ وحُسْنِ الصورة، فوقع له القبول التامُّ عند الخاصِّ والعامِّ، وجعله الخليفةُ رسولًا إِلَى السلطان فِي مهام الدولة، وهو الذي بعثه فأحضر عميدَ الدولة ابنَ جَهير من ميَّافارقين يستوزره، وكان له حلقةٌ فِي الفقه والحديث والفتوى والوعظ بجامع المنصور، فلما انتقل إِلَى باب المراتب كانت له حلقة بجامع القصر، وكان يقصُّ فِي رجب وشعبان ويوم عرفة وعاشوراء عند قبر الإِمام أَحْمد ﵁، ومن شعره: [من الطَّويل] أفِقْ يا فؤادي مِنْ غرامِكَ واستَمِعْ … مقالةَ محزونٍ عليكَ شفيقِ علِقْتَ فتاةً قلبُها مُتعلِّقٌ … بغيرِكَ فاستوثقتَ غيرَ وثيقِ فأصبحْتَ موثوقًا وراحَتْ طليقةً … فكَمْ بينَ موثوقٍ وبينَ طَليقِ

стр. 9377

وكانت وفاتُه ليلة الثلاثاء خامس عشر جمادى الأولى، وصلَّى عليه ابنُه أبو الفضل عبد الواحد، ودُفِنَ فِي داره بباب المراتب بإذن الخليفة، ولم يُدْفَن بها أحدٌ قبله، ثم تُوفِّي ابنُه أبو الفضل سنة إحدى وتسعين وأربع مئة، فنُقِلَ معه ولدُه إِلَى مقبرة باب حرب فدُفنَ إِلَى جانب أَبيه وجده وعمه بدُكَّة الإِمام أَحْمد رحمة الله عليه عن يمينه. سمع خلقًا كثيرًا، وروى عنه ابنُ ناصر وطبقتُه، وأجمعوا على فضله وصدقه وثقته ورياسته. وقال علي بن عقيل: كان التميميُّ سيدَ الجماعة من أصحاب الإِمام أَحْمد يُمنًا ورياسةً وحشمةً، وكان أحلى النَّاس عبارةً فِي النظر، وأجرأهم فِي الفُتيا، وأحسنَهم وعظًا. عبد السلام بن محمَّد (١) ابن يوسف بن بُندار، أبو يوسف، القَزويني، شيخ المعتزلة فِي زمانه، ولد سنة ثلاث وتسعين وثلاث مئة، وقرأ القرآن، سمع الحديث، وقرأ الكلام على عبد الجبار الهَمَذاني، وفسَّر القرآن فِي سبع مئة مجلدة -وقيل: فِي ثلاث مئة. وقيل: فِي أربع مئة- والكتاب وقفٌ فِي مشهد (٢) أبي حنيفة، وقال: من قرأه عليَّ وهبتُه له، فلم يقرأه عليه أحد. ورحل إِلَى مصر، فأقام بها أربعين سنة، وحصل أحمالًا من الكتب، وحملها إِلَى بغداد، وكان محترمًا، إذا دخل على قاضي القضاة الدامَغاني قام له وأجلسه إِلَى جانبه، وكان ظريفًا، حسنَ العشرة، سمحًا، وكان يخالط بني جَهير، فلما أُخرجوا من بغداد اتُّهم بأنَّ لهم عنده ودائعَ، فوكل به بعض الأتراك، فقيل له: ادْعُ الله. فقال: ما لله فِي هذا شيء هذا فِعْلُ الظَّلَمة. ودخل على نظام الملك وعنده أبو محمَّد التَّمِيمِيّ ورجل آخر أشعري، فقال له: أيها الصدر، قد اجتمع عندك رؤوس أهل النَّار. قال: وكيف؟ قال: أنا معتزلي وهذا مُشبِّهي -يعني التَّمِيمِيّ- وذاك أشعري، وبعضُنا يكفِّر بعضًا. فضحك النظام وقال:

стр. 9378

اجتمعتُ بملحد المعرفة -يعني أَبا العلاء- فقال لي: سمعتُ فِي مراثي الحسين بن عليّ مرثيةً تُكتَب. فقلت: قد قال بعض فلاحي بلدنا أبياتًا يعجز عنها شيخ تنوخ. فقال: وما هي؟ قلت: قوله: [من الكامل] رأسُ ابنِ بنتِ محمدٍ ووصيِّهِ … للمسلمين على قناةٍ تُرفَعُ والمسلمون بمَنظرٍ وبمَسمَعٍ … لا جازعٌ فيهم ولا مُتوجِّعُ أيقظْتَ أجفانًا وكنتَ أنَمْتَها … وأنَمْتَ عينًا لم تكُنْ بِكَ تهجَعُ ما روضةٌ إلَّا تمنتْ أنَّها … لك تربةٌ ولخَطِّ قبرِكَ موضِعُ (١) فقال المعري: ما سمعتُ أرقَّ من هذه. وقال ابن عساكر: سكن طرابلس الشَّام مدة، وكان يتشيَّع. فقال له ابن البراج متكلم الشيعة: ما تقول فِي الشيخين؟ فقال: سَفِلان ساقِطان. قال: من تعني؟ قال: أنا وأنت. وقال أبو محمَّد بن طاوس: استأذنتُ عليه ببغداد فأذن، فدخلتُ عليه فقال: من أين أَنْتَ؟ قلت: من دمشق. فقال: من بلد النصب. فسمعتُ منه شيئًا يسيرًا، وكان قد أُقعِدَ، وكانت وفاتُه فِي ذي القعدة وقد بلغ ستًّا وتسعين سنة، ولم يتزوَّج إلَّا فِي آخر عمره، ودُفن بمقابر الخيزُران عند أبي حنيفة ﵁. محمَّد بن الحسين (٢) ابن عبد الله بن إبراهيم، أبو شجاع، الوزير، الرُّوذراوري، ولد بالأهواز بقلعة كنكور سنة سبع وثلاثين وأربع مئة. وكان القائم بأمر الله كاتبَ أباه يستدعيه للوزارة وهو بالأهواز، فوصل الكتاب إليه وقد مات. وكان أبو شجاع قد قرأ الفقه والعربية، وسمع الحديث من جماعة، وصنَّف المصنفات الحِسان، مِنها كتابه الذي ذيَّله على "تجارب الأمم"، ووَزر للمقتدي سنة

стр. 9379

سبع وسبعين، وعُزِل سنة أربع وثمانين، وكان سليمًا من الطمع، وكان يملك حينئذ ست مئة أَلْف دينار، فأنفقها فِي الخيرات والصدقات. قال أبو جعفر بن الخرقي: كنت أنا واحدًا من عشرة يتولَّون إخراج صدقاته، فحسبتُ ما خرج على يدي فكان مئة أَلْف دينار، ووقف الوقوف، وبنى المساجد، وأكثر الإنعام على الأرامل واليتامى، وكان يبيع المخطوط المستحسنة ويتصدق بثمنها، ويقول: أَحَبُّ الأشياء إليَّ الدينار والخطُّ الحسن، فأنا أخرج محبوبي لله تعالى. ووقع مرضٌ فِي زمانه، فبعث إِلَى جميع ضعاف البلد أنواع الأشربة والأدوية، وكان يخرج العشر من جميع أمواله النباتية على اختلاف أنواعها. وعرضت عليه رقعة من بعض الصالحين يذكر فيها امرأةً معها أربعة أطفال أيتام وهم عُراةٌ جِياع، فقال لبعض أصحابه: امضِ إليهم، واحمِلْ لهم ما يُصلِحُهم. ثم خلع ثيابه وقال: واللهِ لا لَبِسْتُها، ولا أكلتُ طعامًا، حتَّى تعود وتخبرني أنك كسوتَهم وأشبعتَهم. فمضى الرَّجل وعاد وهو يرعد من البرد. وقال حاجبُه الخاص: استدعاني ليلةً، وأمرني بعمل قطايف، فعملتُها، فلما حضرت بين يديه [قال: فرِّقها فِي الفقراء، فحملها الفرَّاشون معي ففرَّقتُها فِي الأضِرَّاء والفقراء، فقلتُ له فِي ذلك، فقال: لمَّا حضر بين يديَّ (١)] ذكرتُ نفوسًا تشتهيه ولا تقدرُ عليه، فتنغَّص عليَّ أكلُه، فلم أذُق منه شيئًا. وكان قد ترك الاحتجاب، ويُكلِّم المرأة والطفل، ويحضر مجالِسه الفقهاءُ والعوامُّ، ولا يمنع أحدًا، وإذا أفتى الفقهاء بوجوب القصاص على شخص سأل أولياءَ الدم أخْذَ شيءٍ من ماله وأن يعفوا عنه، فإن فعلوا، وإلَّا أمر بالقصاص، وأعطى ذلك المال ورثةَ المقتول الثاني. ولقد غُمَّ الهلالُ فِي رمضان، فأمر بإفطار النَّاس، وأحضر أطباقًا فيها سُكَّر ولوز وأطعم النَّاس، ثم تبيَّن أن اليوم من رمضان، فندم أشدَّ الندامة، وذبح البقر والغنم، وتصدَّق بصدقات كثيرة، وآلى أن لا (٢) يتكلم فِي الفروع.

стр. 9380

وفي أيامه سقطت المُكوس، وألبَس أهلَ الذمة الغيار، وتقدَّم إِلَى المحتسب أن يؤدِّب كلَّ من يفتح دُكَّانه يوم الجمعة ويغلقه يوم السبت من البزازين وغيرهم، وقال: هذه مشاركة لليهود فِي حفظ سنتهم (١). وحجَّ فِي وزارته سنة ثمانين، فترك فِي طريقه الزادَ مبذولًا والأدوية، وعمَّ أهلَ الحرمين بصدقاته، وساوى الفقراء فِي إقامة المناسك والتعبُّد، وكانت به وسوسةٌ فِي الطهارة، فكتب إليه ابن عقيل رُقعةً ذكر فيها أخبارًا تتعلَّق بالوسوسة، مثل قوله ﷺ : "صبُّوا على بول الأعرابي ذَنوبًا من ماء (٢) " و"أمِطْه عنك ولو بإذخرة (٣) " و"يُغسَل [من] بولِ الجارية، ويُنضَحُ [من] بولِ الغلام (٤) " ونحو ذلك، فزالت عنه الوسوسة. ولمَّا عُزِلَ خرج يوم الجمعة إِلَى الجامع ماشيًا، فانثالتْ عليه العامة تصافحه وتدعو له، فقيل للخليفة: إنما قصد الشناعة عليك. فألزمَه بيتَه، وأنكر على مَنْ تَبِعه، فبنى فِي دهليز داره مسجدًا، فكان يؤذِّن ويُصلِّي فيه. وبعث نظام الملك بإخراجه من بغداد، فأُخرج إِلَى بلده، فأقام مدة، ثم استأذن الحجَّ، فأذِنَ له، فخرج إِلَى مكة. قال أبو الحسن بن عبد السلام: اجتمعتُ به فِي المدينة، فقبَّل يدي، فأعظمتُ ذلك، فقال لي: قد كنتَ تفعَلُ بي هذا فأحببتُ أن أُكافيك. وجاور بالمدينة، فلمَّا مَرِضَ مَرَضَ الموت أمر أن يُحمل إِلَى حضرة النَّبِيّ ﷺ ، فوقف وبكى وقال: يَا رسول الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلا لِيُطَاعَ

стр. 9381

بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] وقد جئتُ معترفًا بذنوبي وجرائمي أرجو شفاعتك. وبكى، وتُوفِّي من يومه، ودُفِنَ بالبقيع عند قبر إبراهيم بن رسول الله ﷺ بعد أن صلَّوا عليه فِي مسجد رسول الله ﷺ ، وزوَّروا به الحضرة الشريفة النبوية - على صاحبها أفضلُ الصلاة والسلام - وذلك فِي منتصف جمادى الآخرة، وهو ابن إحدى وخمسين سنة. وكان متبرِّمًا بالوزارة لدينه وورعه، وكان فِي غناءٍ عنها، وما كان ينافس فِي الدنيا، وكانت أيامُه أحسنَ الأيام، وزمانه أنضرَ الأزمان، ولم يكن فِي الوزارة مَنْ يحافظ على قوانين الشرع مثله، شديدًا فِي أمور الآخرة والشريعة، سهلًا فِي أمور الدنيا. وقام للخلافة فِي أيام نظره حشمةٌ واحترامٌ عادت سالفَ الأزمان. وكان أحسنَ النَّاس خطًّا ولفظًا، وما كان يخرج كلَّ يومٍ من بيته حتَّى يكتب شيئًا من القرآن ويقرأ ما تيسَّر، وما وجبَتْ عليه زكاةٌ قطُّ. وله شعر حسن، ولم يقُلْ بعد الوزارة سوى هذه الأبيات فِي الزهد، وهي: [من البسيط] قد آن بعد ظلامِ الجهل إبصاري … للشيب صبحٌ يناجيني بإسفارِ ليلُ الشَّبابِ قصيرٌ فاسْرِ مُبتكرًا … إِلَى الصباح قُصارى المُدلجِ السَّاري كَمِ اغتراريَ بالدُّنيا وزُخرُفِها … أبني بناها على جُرْفٍ لها هارِ دارٌ مآثِمُها تبقى ولذَّتُها … تَفنى ألا قُبِّحَتْ هاتَيكَ من دارِ فما انتفاعي بأوطارٍ مضَتْ سلَفًا … قضيتُها وكأَنْ لم أقضِ أوطاري فكنتُ إذْ ظفِرَتْ ممَّا كسبتُ يدي … لم تعتلِقْ من خطاياها بأوزارِ ليسَ السعيدُ الذي دُنياهُ تُسْعِدُهُ … إنَّ السعيد الذي ينجو من النَّارِ أصبحتُ من سيِّآتي خائفًا وَجِلًا … والله يعلَمُ إعلاني وإسراري إذا تعاظمني ذنبي وآيَسَني … رجوتُ عفوَ عظيمِ العفو (١) غفَارِ

стр. 9382

ومن شعره قبل الوزارة: [من السريع] ما كان بالإحسانِ أولاكُمُ … لو زرتُمُ مَنْ كان يهواكُمُ أحبابَ قلبي ما لَكُمْ والجفا … ومَنْ بهذا الهجرِ أغراكُمُ ما ضرَّكُمْ لو عُدْتُمُ مُدْنَفًا … مُمَرَّضًا من بعدِ قتلاكُمُ أنكرتُمونا مُذْ عَهِدناكُمْ … وخُنْتُمونا مُذْ حَفِظناكُمُ لا نظرَتْ عيني سوى شخصِكُمْ … ولا أطاعَ القلبَ إلَّاكُمُ جُرْتُم وخُنْتُم وتحامَلْتُم … على المُعَنَّى فِي قضاياكُمُ يَا قومِ ما أخوَنَكُمْ فِي الهوى … وما على الهجرانِ أجراكُمُ جوروا وخونوا وانصِفوا واعدلوا … فِي كلِّ حالٍ لا عَدِمناكُمُ ما كان أغناني عن المُشتكى … إِلَى نجومِ اللَّيل لولاكُمُ سَلُوا حُداةَ العِيسِ هل أُورِدَتْ … ماءً سوى دمعي مطاياكُمُ أوْ فاسأَلوا طيفَكُمُ هل رأى … طرفي غفا من بعد مَسْراكُمُ أحاولُ النَّومَ عسى أنَّني … فِي مُستلَذِّ النَّومِ ألقاكُمُ ما آنَ تقضون غريمًا لكُمْ … يخشاكُمُ أن يتقاضاكُمُ يستنشقُ الريحَ إذا ما جرَتْ … من نحو نجدٍ أين مسراكُمُ وقال أَيضًا من شعره: [من الطَّويل]. ألا ليتَكُمْ عاينتُمُ بعد مسراكُمْ … وقوفي على الأطلالِ أندُبُ مغناكُمْ أُنادي وعيني قد تفيضُ بذِكركُمْ … أيا جيرتي لِمْ أبعَدَ البَينُ مرماكُمْ ولم غبتُمُ عن ناظري بعد رؤياكُمْ … ولِمْ لعبَ البَينُ المُشِتُّ وأقصاكُمْ مُحَمَّد بن فُتوح (١) ابن عبد الله بن حميد، أبو عبد الله بن أبي نصر، الحميدي، الأندلسي، من جزيرة مَيُورْقة، ولد قبل الأربع مئة، وسمع الكثير، وسافر إِلَى الشَّام ومكة والعراق،

стр. 9383

واستوطن بغداد، وكان مختصًا بصحبة أبي علي بن حزم الظاهري، وحمل عنه أكثر كتبه، وقال: أصلُ أبي من قرطبة من محلة يقال لها: الرُّصافة، وسكن الجزيرة -يعني الأندلس- وصنَّف فأحسن التصنيف، وجمع بين الصحيحين، وكان حافظًا ثبتًا متقنًا، وبلغ من حرصه على جمع العلم أنَّه كان يكتب فِي الليل فِي حرِّ بغداد، ويجلس فِي إِجَّانَةٍ (١) يتبرَّد بالماء، وينسخ وهو على تلك الحالة. وكانت وفاته ببغداد فِي ذي الحجة سابع عشرة، وصلَّى عليه أبو بكر الشاشي فِي جامع الخليفة، وكان قد أوصى إِلَى الأجلِّ مظفر بن رئيس الرؤساء أن يدفنه عند بشر الحافي، فخالف وصيَّته، ودُفِنَ بباب أَبْرز، فرآه فِي المنام وهو يعاتبه ويقول: خالفتَ وصيتي؟! فنقله فِي صفر سنة إحدى وتسعين وأربع مئة، فدفنه فِي دكة بشر الحافي قريبًا منه. وقال ابن ماكولا: صديقنا أبو عبد الله الحميدي من أهل العلم والفضل، ورد بغداد وسمع أصحاب الدارقطني وابن شاهين وغيرهم، وسمع منه خلق كثير، وصنَّف "تاريخ الأندلس"، ولم أرَ مثلَه فِي عفَّته ونزاهته وورعه وتشاغله بالعلم. وقال ابن عساكر: وقف كتبه ببغداد على طلحة العلم، فنفع الله بها، وكان حافظًا ديِّنًا عفيفًا نزهًا، ومن شعره: [من الوافر] طريقُ الزُّهدِ أفضَلُ ما طريقِ … وتقوى اللهِ تأديةُ الحقوقِ فلا يَغْرُركَ من يُدعى صديقًا … فما فِي الأرضِ أعوَزُ من صديقِ سألنا عن حقيقتِهِ قديمًا … فقال سألتَ عن بيضِ الأنُوقِ فثِق بالله يَكْفِكَ واستَعِنْهُ … يُعِنْكَ ودَعْ بنيَّاتِ الطريقِ محمَّد بن المظفر بن بَكْران (٢) القاضي، الشَّاميّ، منسوب إِلَى الشَّام، ولد بحماة سنة أربع مئة، وحجَّ سنة سبع عشرة، وتفقه ببلده بعد حجِّه، ثم قدم بغداد فتفقَّه على أبي الطيب الطبري، وسمع الحديث، وشهد عند قاضي القضاة أبي عبد الله الدامَغاني سنة اثنتين وخمسين، وناب عنه فِي القضاء،

стр. 9384

وزكَّاه عنده أبو يعلى بن الفراء الحنبلي وابن السِّناني، وكان حسنَ الطريقة، كريمَ الأخلاق، عفيفًا، نزهًا، لا تأخذه فِي الله لومة لائم، وكان فيه حِدَّة، لا يقبل من سلطان عطية، ولا من صديق هدية، وأقام بمسجد بقطيعة الرَّبيع يؤمُّ بأهله ويُدرِّس ويُقرأ عليه الحديث زائدًا على خمس وخمسين سنة، ولمَّا مات ابنُ الدامَغاني أشار الوزير أبو شجاع على المقتدي بتقليده القضاء فامتنع، فما زالوا به حتَّى تقلَّده فِي رمضان سنة ثمان وسبعين، وخُلِعَ عليه، وقُرئ عهدُه، وشرط أن لا يأخذ على القضاء رزقًا، ولا يقبل شفاعةً، ولا يُغيِّر ملبوسه، فأُجبيب إِلَى ذلك، ولم يتغيَّر عليه حالُه فِي مأكل ومشرب، وكان يتولَّى القضاء بنفسه ولا يستنيب ولا يحابي مخلوقًا، فلمَّا أقام على الحقِّ نفرت عنه قلوب المبطلين، ولفَّقوا له معايبَ لم يلتصِقْ به شيءٌ منها، فسخط عليه المقتدي، ومنع الشهود أن يحضروا مجلسه، فلم يتأثَّر، ثم علم المقتدي باطنَ حاله، فرضي عنه بعد سنين وشهورًا، وعاد الشهود إِلَى مجلسه، واستقامت أحوالُه، ولم يجدوا من يقوم مقامَه. وادَّعى عنده بعضُ الأتراك على رجل دعوى، فقال: ألكَ بينة؟ قال: نعم، المشطب بن محمَّد الفرغاني -وكان من فحول المناظرين، وكان يلبس الحرير ويتختَّم بالذَّهب- فقال التركي: فالسلطان ملك شاه ووزيره نظام الملك يلبسان الحرير ويتختَّمان بالذَّهب؟ فقال القاضي: لا جَرَم لو شهدا عندي على باقة بقلٍ ما قبلتُ شهادتَهما. وكانت وفاتُه فِي شعبان، ودُفِنَ عند أبي العباس بن شُريح قريبًا من الكَرْخ، وكان ورعًا ثقةً صدوقًا. منصور بن نصر الدولة بن مروان صاحب ميَّافارقين، قد ذكرنا سيرتَه، وأنه استولى على الجزيرة فمات بها، وحُمِلَ إِلَى آمِد فدُفِنَ بقبَّةٍ بَنَتْها له زوجتُه ستُّ النَّاس بنت عميد الأمة سعيد بن نصر الدولة، ودُفِنت بها أَيضًا، وهي مُطلَّة على دجلة. فصل ولاية بني مروان الدياربكر: أول ولايتهم سنة ثمانين وثلاث مئة، واستولى ابنُ جَهير على بلادهم سنة تسع وسبعين وأربع مئة، وتُوفي منصور فِي هذه السنة، فكانت مُدة ولايتهم نيفًا ومئة سنة.

стр. 9385

وأعيان ملوكهم أولهم باد الكردي ظهر سنة أربع وسبعين وثلاث مئة، وبعده مروان هو جدُّهم ملَكَ سنة ثمانين وثلاث مئة، وملك بعده ولده أحمد، فأقام إلى سنة ثلاث وخمسين وأربع مئة، وتوفي [وقام] (١) بعده ولده نظام الدين وولده سعيد ومنصور وهو ابن نظام الدين، وقد ذكرناهم. السنة التاسعة والثمانون وأربع مئة فيها حكم المُنجِّمون بأن يكون طُوفانٌ مثلَ طُوفان نوح ﵇، وكان ببغداد ابن عيشون المنجِّم، فبلغه فقال: أخطأ المُنجِّمون، طوفان نوح كان قد اجتمع في برج الحوت الطوالع السبعة، والآن فقد اجتمع ستة، زُحَلْ لم يجتمع معهم، ولكني أقول: إن بقعةً من البقاع يجتمع فيها عالمٌ كثيرٌ فيغرقون. فقيل: ما ثَمَّ أكبرُ من بغداد ويجتمع فيها ما لم يجتمع في غيرها وربما كانت هي؟ فقال ابن عيشون: لا أدري غيرَ ما قلتُ. فأمر الخليفةُ بإحكام المُسَنَّيات وسدِّ القوارح، وكان الناس يتوقعون الغرق، فوصل الخبر بأن الحاج نزلوا في وادٍ عند نخلة، فأتاهم سيلٌ عظيمٌ فاجتاح جمالهم، وأخذ الرجال والنساء، وما نجا إلَّا من تعلَّق برؤوس الجبال، فخلع الخليفة على ابن عيشون، وأجرى له جرايات، وأمن الناس الغرق (٢). وفي شعبان استوحش جناح الدولة حسين أتابك من رضوان، وكان تزوج والدة رضوان، وخاف على نفسه منه، ففصَلَ (٣) إلى حمص في خواصِّه وعسكره، وكان قراحة يأتيه بها، فسلَّمها إليه، فنقل أهلَه إليها، وشرع في تحصينها وإحكام قلعتِها، وأمن على نفسه، ووصل عُقيب انفصاله الأمير يغي شعبان صاحبُ أنطاكية إلى حلب، وشرع في الأمر والنهي، وجاءه عسكره، وبرز هو ورضوان من حلب إلى شَيزَر قاصدين دمشق، ثم وقع الخلاف بين مُقدَّمي العساكر فتفرَّقوا، وعاد رضوان إلى حلب، ويغي شعبان إلى أنطاكية.
следующие страницы →