← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 9381–9420 · переход к 9386.

стр. 9381

بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] وقد جئتُ معترفًا بذنوبي وجرائمي أرجو شفاعتك. وبكى، وتُوفِّي من يومه، ودُفِنَ بالبقيع عند قبر إبراهيم بن رسول الله ﷺ بعد أن صلَّوا عليه فِي مسجد رسول الله ﷺ ، وزوَّروا به الحضرة الشريفة النبوية - على صاحبها أفضلُ الصلاة والسلام - وذلك فِي منتصف جمادى الآخرة، وهو ابن إحدى وخمسين سنة. وكان متبرِّمًا بالوزارة لدينه وورعه، وكان فِي غناءٍ عنها، وما كان ينافس فِي الدنيا، وكانت أيامُه أحسنَ الأيام، وزمانه أنضرَ الأزمان، ولم يكن فِي الوزارة مَنْ يحافظ على قوانين الشرع مثله، شديدًا فِي أمور الآخرة والشريعة، سهلًا فِي أمور الدنيا. وقام للخلافة فِي أيام نظره حشمةٌ واحترامٌ عادت سالفَ الأزمان. وكان أحسنَ النَّاس خطًّا ولفظًا، وما كان يخرج كلَّ يومٍ من بيته حتَّى يكتب شيئًا من القرآن ويقرأ ما تيسَّر، وما وجبَتْ عليه زكاةٌ قطُّ. وله شعر حسن، ولم يقُلْ بعد الوزارة سوى هذه الأبيات فِي الزهد، وهي: [من البسيط] قد آن بعد ظلامِ الجهل إبصاري … للشيب صبحٌ يناجيني بإسفارِ ليلُ الشَّبابِ قصيرٌ فاسْرِ مُبتكرًا … إِلَى الصباح قُصارى المُدلجِ السَّاري كَمِ اغتراريَ بالدُّنيا وزُخرُفِها … أبني بناها على جُرْفٍ لها هارِ دارٌ مآثِمُها تبقى ولذَّتُها … تَفنى ألا قُبِّحَتْ هاتَيكَ من دارِ فما انتفاعي بأوطارٍ مضَتْ سلَفًا … قضيتُها وكأَنْ لم أقضِ أوطاري فكنتُ إذْ ظفِرَتْ ممَّا كسبتُ يدي … لم تعتلِقْ من خطاياها بأوزارِ ليسَ السعيدُ الذي دُنياهُ تُسْعِدُهُ … إنَّ السعيد الذي ينجو من النَّارِ أصبحتُ من سيِّآتي خائفًا وَجِلًا … والله يعلَمُ إعلاني وإسراري إذا تعاظمني ذنبي وآيَسَني … رجوتُ عفوَ عظيمِ العفو (١) غفَارِ

стр. 9382

ومن شعره قبل الوزارة: [من السريع] ما كان بالإحسانِ أولاكُمُ … لو زرتُمُ مَنْ كان يهواكُمُ أحبابَ قلبي ما لَكُمْ والجفا … ومَنْ بهذا الهجرِ أغراكُمُ ما ضرَّكُمْ لو عُدْتُمُ مُدْنَفًا … مُمَرَّضًا من بعدِ قتلاكُمُ أنكرتُمونا مُذْ عَهِدناكُمْ … وخُنْتُمونا مُذْ حَفِظناكُمُ لا نظرَتْ عيني سوى شخصِكُمْ … ولا أطاعَ القلبَ إلَّاكُمُ جُرْتُم وخُنْتُم وتحامَلْتُم … على المُعَنَّى فِي قضاياكُمُ يَا قومِ ما أخوَنَكُمْ فِي الهوى … وما على الهجرانِ أجراكُمُ جوروا وخونوا وانصِفوا واعدلوا … فِي كلِّ حالٍ لا عَدِمناكُمُ ما كان أغناني عن المُشتكى … إِلَى نجومِ اللَّيل لولاكُمُ سَلُوا حُداةَ العِيسِ هل أُورِدَتْ … ماءً سوى دمعي مطاياكُمُ أوْ فاسأَلوا طيفَكُمُ هل رأى … طرفي غفا من بعد مَسْراكُمُ أحاولُ النَّومَ عسى أنَّني … فِي مُستلَذِّ النَّومِ ألقاكُمُ ما آنَ تقضون غريمًا لكُمْ … يخشاكُمُ أن يتقاضاكُمُ يستنشقُ الريحَ إذا ما جرَتْ … من نحو نجدٍ أين مسراكُمُ وقال أَيضًا من شعره: [من الطَّويل]. ألا ليتَكُمْ عاينتُمُ بعد مسراكُمْ … وقوفي على الأطلالِ أندُبُ مغناكُمْ أُنادي وعيني قد تفيضُ بذِكركُمْ … أيا جيرتي لِمْ أبعَدَ البَينُ مرماكُمْ ولم غبتُمُ عن ناظري بعد رؤياكُمْ … ولِمْ لعبَ البَينُ المُشِتُّ وأقصاكُمْ مُحَمَّد بن فُتوح (١) ابن عبد الله بن حميد، أبو عبد الله بن أبي نصر، الحميدي، الأندلسي، من جزيرة مَيُورْقة، ولد قبل الأربع مئة، وسمع الكثير، وسافر إِلَى الشَّام ومكة والعراق،

стр. 9383

واستوطن بغداد، وكان مختصًا بصحبة أبي علي بن حزم الظاهري، وحمل عنه أكثر كتبه، وقال: أصلُ أبي من قرطبة من محلة يقال لها: الرُّصافة، وسكن الجزيرة -يعني الأندلس- وصنَّف فأحسن التصنيف، وجمع بين الصحيحين، وكان حافظًا ثبتًا متقنًا، وبلغ من حرصه على جمع العلم أنَّه كان يكتب فِي الليل فِي حرِّ بغداد، ويجلس فِي إِجَّانَةٍ (١) يتبرَّد بالماء، وينسخ وهو على تلك الحالة. وكانت وفاته ببغداد فِي ذي الحجة سابع عشرة، وصلَّى عليه أبو بكر الشاشي فِي جامع الخليفة، وكان قد أوصى إِلَى الأجلِّ مظفر بن رئيس الرؤساء أن يدفنه عند بشر الحافي، فخالف وصيَّته، ودُفِنَ بباب أَبْرز، فرآه فِي المنام وهو يعاتبه ويقول: خالفتَ وصيتي؟! فنقله فِي صفر سنة إحدى وتسعين وأربع مئة، فدفنه فِي دكة بشر الحافي قريبًا منه. وقال ابن ماكولا: صديقنا أبو عبد الله الحميدي من أهل العلم والفضل، ورد بغداد وسمع أصحاب الدارقطني وابن شاهين وغيرهم، وسمع منه خلق كثير، وصنَّف "تاريخ الأندلس"، ولم أرَ مثلَه فِي عفَّته ونزاهته وورعه وتشاغله بالعلم. وقال ابن عساكر: وقف كتبه ببغداد على طلحة العلم، فنفع الله بها، وكان حافظًا ديِّنًا عفيفًا نزهًا، ومن شعره: [من الوافر] طريقُ الزُّهدِ أفضَلُ ما طريقِ … وتقوى اللهِ تأديةُ الحقوقِ فلا يَغْرُركَ من يُدعى صديقًا … فما فِي الأرضِ أعوَزُ من صديقِ سألنا عن حقيقتِهِ قديمًا … فقال سألتَ عن بيضِ الأنُوقِ فثِق بالله يَكْفِكَ واستَعِنْهُ … يُعِنْكَ ودَعْ بنيَّاتِ الطريقِ محمَّد بن المظفر بن بَكْران (٢) القاضي، الشَّاميّ، منسوب إِلَى الشَّام، ولد بحماة سنة أربع مئة، وحجَّ سنة سبع عشرة، وتفقه ببلده بعد حجِّه، ثم قدم بغداد فتفقَّه على أبي الطيب الطبري، وسمع الحديث، وشهد عند قاضي القضاة أبي عبد الله الدامَغاني سنة اثنتين وخمسين، وناب عنه فِي القضاء،

стр. 9384

وزكَّاه عنده أبو يعلى بن الفراء الحنبلي وابن السِّناني، وكان حسنَ الطريقة، كريمَ الأخلاق، عفيفًا، نزهًا، لا تأخذه فِي الله لومة لائم، وكان فيه حِدَّة، لا يقبل من سلطان عطية، ولا من صديق هدية، وأقام بمسجد بقطيعة الرَّبيع يؤمُّ بأهله ويُدرِّس ويُقرأ عليه الحديث زائدًا على خمس وخمسين سنة، ولمَّا مات ابنُ الدامَغاني أشار الوزير أبو شجاع على المقتدي بتقليده القضاء فامتنع، فما زالوا به حتَّى تقلَّده فِي رمضان سنة ثمان وسبعين، وخُلِعَ عليه، وقُرئ عهدُه، وشرط أن لا يأخذ على القضاء رزقًا، ولا يقبل شفاعةً، ولا يُغيِّر ملبوسه، فأُجبيب إِلَى ذلك، ولم يتغيَّر عليه حالُه فِي مأكل ومشرب، وكان يتولَّى القضاء بنفسه ولا يستنيب ولا يحابي مخلوقًا، فلمَّا أقام على الحقِّ نفرت عنه قلوب المبطلين، ولفَّقوا له معايبَ لم يلتصِقْ به شيءٌ منها، فسخط عليه المقتدي، ومنع الشهود أن يحضروا مجلسه، فلم يتأثَّر، ثم علم المقتدي باطنَ حاله، فرضي عنه بعد سنين وشهورًا، وعاد الشهود إِلَى مجلسه، واستقامت أحوالُه، ولم يجدوا من يقوم مقامَه. وادَّعى عنده بعضُ الأتراك على رجل دعوى، فقال: ألكَ بينة؟ قال: نعم، المشطب بن محمَّد الفرغاني -وكان من فحول المناظرين، وكان يلبس الحرير ويتختَّم بالذَّهب- فقال التركي: فالسلطان ملك شاه ووزيره نظام الملك يلبسان الحرير ويتختَّمان بالذَّهب؟ فقال القاضي: لا جَرَم لو شهدا عندي على باقة بقلٍ ما قبلتُ شهادتَهما. وكانت وفاتُه فِي شعبان، ودُفِنَ عند أبي العباس بن شُريح قريبًا من الكَرْخ، وكان ورعًا ثقةً صدوقًا. منصور بن نصر الدولة بن مروان صاحب ميَّافارقين، قد ذكرنا سيرتَه، وأنه استولى على الجزيرة فمات بها، وحُمِلَ إِلَى آمِد فدُفِنَ بقبَّةٍ بَنَتْها له زوجتُه ستُّ النَّاس بنت عميد الأمة سعيد بن نصر الدولة، ودُفِنت بها أَيضًا، وهي مُطلَّة على دجلة. فصل ولاية بني مروان الدياربكر: أول ولايتهم سنة ثمانين وثلاث مئة، واستولى ابنُ جَهير على بلادهم سنة تسع وسبعين وأربع مئة، وتُوفي منصور فِي هذه السنة، فكانت مُدة ولايتهم نيفًا ومئة سنة.

стр. 9385

وأعيان ملوكهم أولهم باد الكردي ظهر سنة أربع وسبعين وثلاث مئة، وبعده مروان هو جدُّهم ملَكَ سنة ثمانين وثلاث مئة، وملك بعده ولده أحمد، فأقام إلى سنة ثلاث وخمسين وأربع مئة، وتوفي [وقام] (١) بعده ولده نظام الدين وولده سعيد ومنصور وهو ابن نظام الدين، وقد ذكرناهم. السنة التاسعة والثمانون وأربع مئة فيها حكم المُنجِّمون بأن يكون طُوفانٌ مثلَ طُوفان نوح ﵇، وكان ببغداد ابن عيشون المنجِّم، فبلغه فقال: أخطأ المُنجِّمون، طوفان نوح كان قد اجتمع في برج الحوت الطوالع السبعة، والآن فقد اجتمع ستة، زُحَلْ لم يجتمع معهم، ولكني أقول: إن بقعةً من البقاع يجتمع فيها عالمٌ كثيرٌ فيغرقون. فقيل: ما ثَمَّ أكبرُ من بغداد ويجتمع فيها ما لم يجتمع في غيرها وربما كانت هي؟ فقال ابن عيشون: لا أدري غيرَ ما قلتُ. فأمر الخليفةُ بإحكام المُسَنَّيات وسدِّ القوارح، وكان الناس يتوقعون الغرق، فوصل الخبر بأن الحاج نزلوا في وادٍ عند نخلة، فأتاهم سيلٌ عظيمٌ فاجتاح جمالهم، وأخذ الرجال والنساء، وما نجا إلَّا من تعلَّق برؤوس الجبال، فخلع الخليفة على ابن عيشون، وأجرى له جرايات، وأمن الناس الغرق (٢). وفي شعبان استوحش جناح الدولة حسين أتابك من رضوان، وكان تزوج والدة رضوان، وخاف على نفسه منه، ففصَلَ (٣) إلى حمص في خواصِّه وعسكره، وكان قراحة يأتيه بها، فسلَّمها إليه، فنقل أهلَه إليها، وشرع في تحصينها وإحكام قلعتِها، وأمن على نفسه، ووصل عُقيب انفصاله الأمير يغي شعبان صاحبُ أنطاكية إلى حلب، وشرع في الأمر والنهي، وجاءه عسكره، وبرز هو ورضوان من حلب إلى شَيزَر قاصدين دمشق، ثم وقع الخلاف بين مُقدَّمي العساكر فتفرَّقوا، وعاد رضوان إلى حلب، ويغي شعبان إلى أنطاكية.

стр. 9386

وفيها ورد كتاب المستعلي والأفضل بن أمير الجيوش إلى رضوان بالدخول في الطاعة، فأجاب، وأمر بالدعاء للمستعلي على المنابر، وللأفضل بعده، ولنفسه بعدهما، فأقام على ذلك مدة شهر، وكان قد بنى أمره على أنَّ المستعلى ينجده ويبعث العساكر إلى دمشق فيأخذها من أخيه ويسكنها رضوان إليه، فوصل يغي شعبان من أنطاكية وسُكمْان بن أُرْتُق صاحب القدس إلى حلب، وأنكرا على رضوان الدخول في هذه الحال، فأعاد الخطبة العباسية. وفيها نزل العسكر المصري على صور، وكان قد عصى واليه، ويعرف بالكتيلة، وخالف صاحب مصر، فأقام العسكر عليها حتَّى فتحها عنوةً، وقَتلَ بها خلقًا كثيرًا، وأخذوا المال العظيم، وأسر الكتيلة، فحُمِلَ إلى مصر فقُتِل بها. وفيها سار الأفضل بن أمير الجيوش إلى القدس وفيه سُكْمان بن أُرْتُق، فحصرها ونصب عليها المجانيق، وقاتلهم أربعين يومًا، وراسل أهلَه فواطؤوه على فتح الباب، وطلبوا منه الأمان، فأمنهم، وفتحوا له الباب، وخرج سُكْمان من باب آخر، ومضى إلى الرُّها، ومضى أخوه إيل غازي إلى بغداد. وفيها تواترت الأخبار بخروج ملك الروم من بلد الروم بخلقٍ لا يُحصى، فأخرج يغي شعبان النصارى من أنطاكية، واستصرخ بحلب ودمشق والشرق على أعمال أنطاكية، وقتلوا ونهبوا وسَبَوا. وقيل: إنهم وصلوا إلى المعرة، وسببه قتل تُتُش واختلاف ولديه. وفيها قتل رضوانُ رئيسَ حلب ويعرف بالمجنِّ، وقتل ولدَه، ونهب دارَه، وكان ظالمًا فاتكًا، واستوزَر رضوان أبا الفضل بن الموصل مشيد الدين. وفيها توفِّي إبراهيم بن الحسين (١) أبو إسحاق، الخزَّاز الزاهد، العابد، كان يسكن بالرُّصافة من بغداد، وكان في رمضان يصمت فلا يتكلم إلا بالقرآن، وكان ابن عقيل قد قرأ عليه القرآن، فقال له: هذا تعتقده عبادة وإنه معصية. قال ابن عقيل: فصعب عليه، فقلت: إن هذا القرآن

стр. 9387

العزيز نزل في بيان أحكام الشريعة، فلا يُستعمل في أغراض دنيوية، وما هذا إلا بمنزلة صرّك السدر والأشنان في ورق المصحف. قال: فهجرني وهجرتُه. وكانت وفاته في ربيع الآخر، ودُفن بباب حرب، وكان صدوقًا. عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله (١) أبو حكيم الخَبْري، وخَبْر: إحدى بلاد فارس، وهو جدُّ أبي الفضل بن ناصر لأمِّه، تفقَّه على أبي إسحاق الشيرازي، وبرع في علم الفرائض، وله فيها مصنَّف (٢)، وكان له معرفة بعلم الأدب. وقال ابن ناصر: كان يكتب المصاحف، فبينا هو يومًا قاعدًا مستندًا يكتب، وضع القلم من يده وقال: واللهِ إن كان هذا موتًا فهو موت طيب. ثم تُوفِّي ودُفن بمقبرة باب حرب، وكان حسن الطريقة صالحًا. عبد الرزاق بن عبد الله (٣) ابن المُحسِّن، أبو غانم، التنوخي، المعرِّي، ولد بالمعرة سنة ثماني عشرة وأربع مئة، وكانت وفاتُه بها أيضًا، ومن شعره في كوز الفُقَّاع: [من الوافر] ومحبوسٍ بلا ذنب جناهُ … له سجنٌ بباب من رصاصِ يُضيَّقُ بابُه خوفًا عليهِ … ويُوثَقُ بعدَ ذلك بالعِقاصِ إذا أطلقْتَهُ خرجَ ارتقاصًا … وقبَّلَ فاك من فرحِ الخلاصِ عبد الملك بن إبراهيم بن أحمد (٤) أبو الفضل، الهمَذَاني، كان عالمًا بالعلوم الشرعية والأدبية، وإليه انتهى علم الحساب والفرائض، وتفقَّه على الماوردي، وسأله الوزير أبو شجاع عن المقتدي أن يليَ قضاء القضاة فلم يُجِبْ، واحتجَّ بعلوِّ السن، وكان لا يفعل شيئًا إلا بنيَّة.

стр. 9388

قال أبو الحسن ولدُه: كان أبي إذا أراد أن يضربني يأخذ السوط بيده ويقول: نويتُ أن أضرب ولدي تأديبًا كما أمر الله تعالى، فإلى أن تتمَّ النية أكون أنا قد هربتُ. وكانت وفاته في رمضان، ودُفِنَ عند ابن سُريج، وكان زاهدًا ورعًا ثقة. محمد بن أحمد بن عبد الباقي (١) ويُعرف بابن الخاضبة، الدَّقاق، كان عالمًا بالقراءات والحديث، وكان له عائلة، فنسخ "صحيح مسلم" في سنةٍ سبعَ مرات. وقال: رأيتُ في المنام كأنَّ القيامة قامت، ومنادٍ ينادي: أين ابنُ الخاضبة؟ قلت: هذا أنا. فقيل: ادخُلِ الجنّة، فدخلتُ، فاستلقيتُ على فراش، ورفعتُ إحدى رجليَّ على الأخرى وقلت: آه، استرحتُ من النسخ. وتُوفِّي في ربيع الأول بمقبرة الأجمة المتصلة بباب أَبْرَز، وكان دينًا صدوقًا ثقة. محمد بن عباد بن إسماعيل (٢) أبو القاسم، ويُلقَّب بالمعتمد، وأبوه عبَّاد يُلقَّب بالمعتضد، وكنيته أبو عمرو، وكانوا ملوك الأندلس. ولد محمد بمدينة باجَة (٣) سنة إحدى وثلاثين وأربع مئة، وَوَليَ الملك سنة إحدى وستين بإشبيلية، فقام به أحسن قيام، واهتمَّ به أبْيَنَ اهتمام، وعدل في الرعية، وقسم بينهم بالسوية، وانتجعه الفضلاء، وقصده الشعراء، وكان جوادًا مُمدَّحًا، فأقام على حاله تلك إلى سنة أربع وثمانين، فقصده ابن تاشفين، فخلعه من سلطانه، فقام في أسره مدةً يلاقي أليم ذُلِّه وهوانه، ثم نفاه عن أوطانه إلى مدينة أغمات قاطع العدوة القصوى وبينها وبين بحر الظلمات ثلاث ليال. وقد ذكره علماء المغرب، وأثنوا عليه، ودوَّنوا شعره. وقالوا: لما وصل أغمات صادف أهلها يستسقون، فقال على البديهة: [من الكامل]

стр. 9389

خرجوا ليَستَسْقوا فقلتُ لهُمْ قفوا … دمعي ينوبُ لَكُمْ عن الأنواءِ قالوا حقيقٌ في دموعِكَ مَقْنَعٌ … لو لم تكُنْ ممزوجةً بدماءِ ومن شعره أيضًا: [من السريع] يا مُعرِضًا عني ولم أجْنِ ما … يوجِبُ إعراضًا ولا هجرا قد طال ليلُ الهجرِ فاجْعَل لنا … وصلَكَ في آخره فجرا وقال أيضًا: [من الطويل] ولمَّا التقينا للوداعِ غديَّةً … وقد خفقَتْ في سَاحةِ القصرِ راياتُ بكيتُ دمًا حتَّى كأنَّ عيونَنا … لِجَريِ الدموعِ الحُمْرِ فيها جراحاتُ ينظر إلى قول القائل: [من الطويل] بكيتُ دمًا حتَّى لقد قَال قائلُ … أهذا الفتى من جفنِ عينيهِ يرعفُ ولمَّا غلب عليه يوسف بن تاشفين قيل له: عليكَ بالخضوع له، فلعلَّهُ يُبقي على نفسك. فقال: [من مجزوء الكامل] قالوا الخضوعُ سياسةٌ … فليبْدُ (١) منكَ لهم خضوعُ إن يسلبِ القومُ العِدا … ملكي ويسلمني الجموعُ فالقلبُ بين ضلوعِهِ … لم يُسلمِ القلبَ الضُّلوعُ (٢) كم رُمْتُ يومَ نزالهِمْ … أن لا تحصِّنَني الدُّروعُ ما سِرْتُ قطُّ إلى القتا … لِ فكان في أملي الرجوعُ شِيَمُ الأُلى أنا منهمُ … والأصلُ تتبعُهُ الفروعُ وقال: [من الكامل] سألوا اليسير من الأسير وإنَّهُ … بسؤالهم لَأحقُّ منهم فاعجَبِ لولا الحياءُ وهِمَّةٌ لخميةٌ … طيَّ الحشا لحكاهم في المطلَبِ وقال وهو مأسور في أغمات: [من البسيط]:

стр. 9390

فيما مضى كنتَ بالأعيادِ مسرورًا … أسرَّكَ العيدُ في أغماتَ مأسورا قد كانَ دهرُكَ إن تأمُرْه ممتثلًا … فردَّكَ الدَّهرُ منهيًّا ومأمورا مَنْ باتَ بعدَكَ في ملكٍ يُسَرُّ بهِ … فإنَّما باتَ بالأحلامِ مغرورا أرى بناتي في أغماتَ من عدمٍ … يغزِلْنَ للناس لا يملِكْنَ قِطْميرا يَمْشينَ في الأرضِ والأقدامُ حافيةٌ … وطال ما وطِئَتْ مسكًا وكافورا وتوفي في هذه السنة، وقيل: في سنة ثمان وثمانين، أقام في الأسر أربع سنين، ورثاه ابن اللَبَّانة (١) فقال: [من البسيط] لكلِّ شيءٍ من الأشياء ميقاتُ … وللمنى من مناياهنَّ غاياتُ والدَّهرُ في صبغة الحرباءِ مُنْغمِسٌ … ألوانُ حالاتهِ فيها استحالاتُ ونحنُ من لُعَبِ الشطرنجِ في يدِهِ … ورُبما قُمِرَتْ بالبيدقِ الشاةُ انفُضْ يديكَ من الدُّنيا وساكِنِها … فالأرضُ قد أقفرَتْ والناسُ قد ماتوا وقُلْ لعالمها الأرضيِّ قد كُتِمَتْ … سريرةُ العالمِ العلويِّ أغماتُ طوَتْ مظلَّتُها لا بَلْ مذَّلتُها … من لم يَزلْ فوقَهُ للعزِّ راياتُ مَنْ كان بين النَّدى والبأس أنصلُهُ … هندية وعطاياه هنيداتُ وكان مثلَ عيانِ العينِ تُبصِرهُ … وللأمانيِّ في مرآه مرآةُ رماه مِنْ حيثُ لم تستُرْهُ سابِغةٌ … دهرٌ مصيباتُهُ نيلٌ مصيباتُ وبدرُ سبعٍ وسبعٌ تستنيرُ بهِ … السبعُ الأقاليمُ والسبعُ السماواتُ له وإن كانَ أخفاهُ السَّرارُ سنًّا … مثلُ الصباحِ به تُجلى الدجنَّاتُ لهفي على آلِ عبَّادٍ فإنهمُ … أهِلَّةٌ ما لها في الأُفْقِ هالاتُ فُجِعْتُ منهم بإخوانٍ ذوي ثقةٍ … فاتوا وللدهرِ في الإخوانِ آفاتُ واعتضْتُ في آخرِ الصحراءِ طائفةً … لغاتُهُمْ في جميعِ الكُتْبِ مُلغاةُ بمغرب العُدْوةِ القُصوى دُجًى أملي … فهَلْ لهُ بديار الشرقِ مِشْكاةُ ذكر أولاده كان له أولاد، منهم: يزيد، يُلقَّب بالراضي، وكان فاضلًا، ومن شعره يذمُّ الدنيا: [من المتقارب]

стр. 9391

هي الدَّارُ قاطعةٌ بالرجالِ … وقاطعةٌ لحبال الوصالِ وتفجعُ منها بغيرِ اللَّذيذِ … وتَشرقُ منها بغيرِ الزُّلالِ وتزدادُ مع ذاكَ عِشقًا لها … ألا إنَّما سعيُنا في ضلالِ كمعشوقةٍ ودُّها لا يدومُ … وعاشِقُها أبدًا غيرُ سالِ وقُتِلَ يزيد بين يدي أبيه يوم الوقعة، وكان له ولد آخر يقال له: الفتح، وآخر اسمه عبد الله، والكلُّ فُضلاء شُعراء، وعدَّةُ بناتٍ كُنَّ يغزِلْنَ للناس بالكراء في أغمات، بعد أن كان يقوم على رأس كلِّ واحدة منهنَّ مئةُ وصيفةٍ وخادم. ذكر وزرائه: كان له عِدَّةٌ من الوزراء، منهم: أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن زيدون، وهو القائل (١): [من الرمل] ودَّعَ الصبرَ مُحِبُّ ودَّعَكْ … ذائعٌ (٢) من سرِّهِ ما استودعَكْ يَقرَعُ السِّنَّ على أنْ لَمْ يكُنْ … زادَ في تِلْكَ الخُطا إذ شَيَّعَكْ يا أخا البدرِ سناءً وسنًا … حَفِظَ اللهُ زمانًا أطلَعَكْ إن يَطُلْ بعدَكَ ليلي فلَكمْ … بِتُّ أشكو قِصَرَ الليلِ معَكْ وقال أيضًا (٣): [من البسيط] بيني وبينَكَ ما لو شِئْتَ لم يَضِعِ (٤) … سرٌّ إذا ذاعتِ الأسرارُ لم يَذِعِ يا بائعًا حظَّهُ منِّي ولو بُذِلَتْ … ليَ الحياةُ بحظِّي منهُ لم أبِعِ تِهْ احتَمِلْ واستَطِلْ اصبِرْ وعِزَّ أهنْ … وولِّ أقْبِلْ وقُلْ اسمَعْ ومُرْ أطِعِ

стр. 9392

ومنهم محمد بن عمار، كتب إليه أبو يحيى بن صالح المعتصم صاحب البريد (١) ونُجَّابه (٢)، وكان ابنُ عمار من أعيان الوزراء: [من الطويل] وزهَّدني في النَّاسِ معرفتي بِهمْ … وطولُ اختباري صاحبًا بعدَ صاحبِ فلم تُؤتِني الأيامُ خِلًّا تسُرُّني … بواديهِ إلَّا ساءني في العواقِبِ ولا صِرْتُ أرجوهُ لدفعِ مُلِمَّةٍ … من الدَّهرِ إلا كان إحدى النوائبِ فكتب إليه ابن عمار: [من الطويل] فديتُكَ لا تزهَدْ وثَمَّ بقيَّةٌ … سيرغبُ فيها عند وقع التجاربِ وأبقِ على الخُلْصان (٣) إنَّ لديهِمُ … على الدَّهرِ كرَّاتٍ بحُسنِ العواقبِ ومن شعر [إبراهيم بن خفاجة كتب إلى] (٤) … محمد بن عباد وهو بأغمات: [من الكامل] وعسى الليالي أنْ تَمُنَّ بنَظْمِنا … عقدًا كما كُنَّا عليه وأجملا ولربما نثرَ الجمَانُ تعمُّدًا … ليُعادَ أحسنَ في النظام وأكملا ولابن خفاجة في الحمَّام: [في السريع] أهلًا ببيتِ النارِ من منزلِ … شيدَ لأبرارٍ وفُجَّارِ يقصدُهُ ملتمسو لذَّةٍ … فيدخلوا الجنَّةَ في النَّارِ [وفيها توفِّي] محمد بن علي بن محمد (٥) أبو ياسر، الحمَّامي، البغدادي، قرأ القرآن، وسمع الحديث، وتوفِّي في المُحرَّم، ودُفن بباب حرب، وكان إمامًا ثقةً، ورُويَ عنه أنَّه قال: [من السريع]

стр. 9393

دحرجني الدهرُ إلى معشرٍ … ما فيهمُ للخيرِ مُستمتَعُ إن حدَّثوا لم يفقَهوا لفظَةً … أو حدِّثوا ضَجُّوا فلم يسمعوا المنصور بن محمد بن عبد الجبار (١) أبو المظفَّر، السمعاني، جد أبي سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور صاحب "الذيل"، وأبو المظفر من أهل مرو، وتفقَّه على مذهب أبي حنيفة حتَّى برع، ثم ورد بغداد [سنة إحدى وستين، واجتمع بابي إسحاق الشيرازي وابن الصباغ (٢)] فانتقل إلى مذهب الشافعي، ورجع إلى بلده فلم يقبلوه، وقالوا: مذهبٌ ناظرتَ عليه أكثر من ثلاثين سنة (٣) تنتقل عنه؟ اخرجْ من عندنا، وجلب عليه العوام، فخرج إلى طُوس، ثم قصد نيسابور ووعظ بها، وصنَّف "التفسير" و"البرهان" و"الاصطلاح" و"الاصطلام" و"القواطع في أصول الفقه" و"الانتصار في الحديث لا وغير ذلك. وقال: ما سمعتُ شيئًا فنسيتُه قَطُّ. وسُئِلَ عن أخبار الصفات، فقال: عليكم بدين العجائز. وسُئِلَ عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فأنشد هذين البيتين: [من الخفيف] جئتُماني لتعلَما سِرَّ سُعدى … تجداني بسِرِّ سُعدى شحيحا إنَّ سُعدى لمُنيةُ المتمنِّي … جمعَتْ عِفَّةً ووجهًا صحيحا ثم رجع إلى مرو فتُوفِّي بها في ربيع الأول. السنة التسعون وأربع مئة فيها في يوم عاشوراء هرب أبو نصر بن جلال الدولة أبي طاهر بن بُوَيه من بغداد، وكان ملك شاه أقطعه المدائن ودير العاقول، فالتجأ إلى سيف الدولة بن مَزْيَد فلم يحمله، فتنقَّل في البلاد، وسببُ هربه أنَّه شهد عليه بالإلحاد عند القاضي، فحكم

стр. 9394

بإراقة دمه، وكان له داران بدرب القيَّار، فتقدَّم الخليفة بأن يجعلا مسجدين أحدهما لأصحاب أبي حنيفة، والآخر لأصحاب الشافعي، وأُقيم في كل واحد إمامٌ ومؤذن، ولم يُدْرَ ما فُعِلَ به، وهو آخر من ركب الخيل من بني بُوَيه (١). ويقال: إن في هذه السنة خُطِبَ للمصريِّ بحلب، ثم بطل ذلك. ويقال: إن فيها فتح عسكر مصر صور. وفيها سار دُقاق من دمشق محاربًا لأخيه رضوان، والتقوا على قُويق، فانهزم دُقاق إلى دمشق، وتَبِعه رضوان، ثم أصلح بينهما يغي شعبان بأنَّ كلَّ مَنْ كان في يده شيء يبقى على حاله. وفيها فتحت الفرنج نيقيَة، وهي أول بلد فتحوه، ثم فتحوا حصون الدروب شيئًا بعد شيء، ووصلوا إلى البارة وجبل السماق وفامية وكفر طاب ونواحيها. وفيها توفِّي محمد بن [محمد] (٢) ابن أحمد بن هميماه، أبو نصر، الرامشي، ولد سنة أربع وأربع مئة، وقيل: كانت وفاته في جمادى الأولى سنة تسع وثمانين، ومن شعره: [من المتقارب] أدينُ بدِين خيارِ الورى … محمدٍ المصطفى شافعي ومُعتصَمي حبُّ أصحابِهِ … ومُعتَقَدي مذهب الشافعي المُعمَّر بن محمد (٣) ابن المُعمَّر بن أحمد، أبو الغنائم، الحسيني، الطاهر، ذو المناقب، نقيب الطالبيين. كان كريمَ الطرفين، حسنَ الأخلاق، كثيرَ العبادة، لا يُحفظ عنه أنَّه آذى مخلوقًا ولا شتم أحدًا. وكانت وفاته بداره بالكَرْخ ثامن ربيع الأول، وصُلِّي عليه بجامع المنصور،

стр. 9395

وحُمِلَ إلى مقابر قريش فدُفِنَ بها، ومات عن اثنتين وسبعين سنة، ولي منها النقابة اثنتين وثلاثين سنة وشهورًا، وولي النقابة مكانَه ولدُه أبو الفتوح حيدرة، ولُقِّب بالرضا ذي الفخرين، ورثاه أبو عبيد بن عطية بأبيات منها: [من الكامل] هل ينفَعَنَّ من المنونِ حذارُ … أمْ للأنامِ من الرَّدى أنصارُ هيهاتَ ما دونَ الحِمامِ إذا دنا … وزَرٌ ولا يُسطاعُ منهُ حِذارُ نَفَذَ القضاءُ على الورى من عادلٍ … في حكمه وجرَتْ به الأقدارُ ما لي أرى الآمال تخدَعُ بالمنى … عِدَةً تطولُ وتَقْصُرُ الأعمارُ والناسُ في شُغلٍ وقد أفناهُمُ … ليلٌ يكِرُّ عليهمُ ونهارُ ويدُ المنيةِ شَثنةٌ (١) مبسوطةٌ … في كلِّ أُنملةٍ لها أظفارُ لو كان يدفعُ بطشَها عن مُهجةٍ … ويرُدُّ حتفًا معقلٌ وجِدارُ لفدَتْ ربيعةُ ذا المناقب واشترَتْ … حُبًّا لهُ طولَ البقاء نزارُ خرجَتْ ذُرى المجدِ المُنيفِ وأصبحتْ … عَرَصاتُ رَبعِ المجدِ وهي قفارُ وخلا مقامُ النُّسْكِ من تسبيحِهِ … وبكَتْ على صلواتِهِ الأسحارُ نصر بن إبراهيم (٢) ابن نصر بن إبراهيم، أبو الفتح، الفقيه، المقدسي، الشافعي، أصله من نابلس، وأقام بالقدس مدةً ودرس به، وقدم دمشق سنة إحدى وسبعين وأربع مئة، وسمع بها الحديث، ثم سافر إلى آمِد والجزيرة وعاد إلى دمشق سنة ثمانين، ودرس بالزاوية شمالي جامع دمشق عند الكلاسة، وكان من الزهد على حالةٍ لم يُسبَق إليها، أقام بدمشق سنة ثمانين إلى أن مات، لا يقبل من أحدٍ هديةً، ويقتات من غلة تُحمل إليه من نابلس، يُخبز له كلَّ ليلة منها قرصٌ على الكانون، ولزم طريقةً واحدةً في الزهد في الدنيا والتنزُّه عن أهلها، وسلوك طريقة السلف، من تجنُّب الملوك، ورفْضِ الطمع، والقناعة باليسير من الدنيا.

стр. 9396

وزاره تاجُ الدولة فلم يقُمْ له ولم يلتفت إليه، وكذا ولده دُقاق، وسأله دُقاق: أيُّ الأمور أحلُّ؟ فقال: مال الخوالي. فلما خرج بعث إليه بمبلغ فلم يقبَلْه. وكانت وفاتُه يوم الثلاثاء تاسع المُحرَّم بدمشق، وكانت له جنازٌ لم يرَ الناسُ مثلَها، خرج بها بعد الظهر فلم تُدفن إلى وقت الغروب؛ لأن الناس حالوا بينه وبين حامليه، ودُفِنَ بالباب الصغير خارج الحظيرة التي على قبر معاوية الضيِّق جانبها القبلي، وأقام الناسُ على قبره سبعَ ليالٍ يختمون [القرآن] (١) كل ليلة عدة ختمات، سمع بدمشق، وأقام بصور عشر سنين، فسمع بها، وأمَّ بالجامع الأقصى بالبيت المقدَّس، ومن صحب أبا إسحاق الشيرازي وابن الجويني عَلِمَ أنَّ الفقيه نصرًا كان أفضلَ منهما وأحسنَ طريقةً، رحمةُ الله عليه. يحيى بن أحمد (٢) ابن [أحمد (٣)] بن محمد بن السِّيبي، ولد سنة ثمان وثلاثين وثلاث مئة، وتُوفَّي في ربيع الآخر هذه السنة، وعاش مئة وثلاثة وخمسين سنة وثلاثة أشهر وأيامًا، وكان صحيحَ الحواسِّ، يُقرأ عليه القرآن، ويسمع الحديث، ورحل الناس إليه، وكان ثقةً صالحًا صدوقًا. السنة الحادية والتسعون وأربع مئة فيها كثر الاستنفار على الفرنج، وتواترت الشكايات منهم، وكتب السلطان بركياروق إلى العساكر يأمرهم بالخروج مع عميد الدولة للجهاد، ويجهز سيف الدولة صدقة، وبعث مقدماته إلى الأنبار، ثم وردت الأخبار إلى بغداد بأن الفرنج ملكوا أنطاكية وصاروا إلى معرة النعمان، فقتلوا ونهبوا، وكانوا في ألف ألف إنسان (٤).

стр. 9397

ذكر شرح ذلك: كان خروجهم أولًا إلى بلد أنطاكية فلم ينازلوها، وجاؤوا إلى المعرة، فنصبوا عليها السلالم (١)، ونزلوا فقتلوا من أهلها مئة ألف إنسان، وسبوا مثلَ ذلك، ثم دخلوا كفر طاب، وفعلوا مثلَ ذلك، وعادوا إلى أنطاكية، وكان بها الأمير يغي شعبان، وكان على الفرنج صنجيل، فحاصروها مدةً، فنافق رجل يُقال له: فيروز، وفتح لهم في الليل شباكًا فدخلوا منه، ووضعوا السيف، وهرب يغي شعبان وترك أهله وأمواله وأولاده بها، فلما بعُدَ عن البلد ندم على ذلك، فنزل عن فرسه، فحثا التراب على رأسه وبكى ولطم، وتفرَّق عنه أصحابُه، وبقي وحده، فمرَّ به رجلٌ أرمنيٌّ حطَّاب، فعرفه، فقتله وحمله معه -بعد أن قطع رأسه- إلى صَنْجيل. وقال أبو يعلى بن القلانسي: في جمادى الأولى ورد الخبر بأن قومًا من أهل أنطاكية عملوا عليها، وواطؤوا الفرنج على تسليمها إليهم لإساءةٍ تقدَّمت منه في حقِّهم ومصادرته لهم، ووجدوا الفرصة (٢) في برج من أبراج البلد ممَّا يلي الجبل، فباعوهم إياه، وأصعدوهم منه في السحر، وصاحوا، وانهزم يغي شعبان، وخرج في خلق عظيم، فلم يسلَمْ منهم شخص، فسقط من فرسه عند معرة مِصْرين، فحمله بعضُ أصحابه وأركبه، فلم يثبُتْ على ظهر الفرس، وسقط ثانيًا فمات. وأما أنطاكية فقتل منها وسبي من الرجال والنساء والأطفال ما لا يُدركه حصر، وهرب إلى القلعة قَدْرُ ثلاثة آلاف تحصَّنوا بها، وكان افتتاح المعرة في ذي الحجة بعد فتح أنطاكية. وفيها اجتمع ملوك الإسلام بالشام؛ رضوان صاحب حلب، وأخوه دُقاق، وطُغْتِكين، وكربوقا (٣) صاحب الموصل، وسُكْمان بن أُرْتُق صاحب ماردين، وأرسلان صاحب سنجار، فنازلوا أنطاكية، وضيَّقوا على الفرنج، حتَّى أكلوا ورق الشجر، وكان صنجيل مقدَّم الفرنج فيه دهاء ومكر، فرتب مع راهبٍ لهم حيلة، وقال:

стр. 9398

اذهَبْ فادفِنْ هذه الحربة في مكان كذا. وقال للفرنج: رأيتُ المسيح في منامي وهو يقول: في المكان الفلاني حربةٌ مدفونةٌ فاطلبوها، فإن وجدتموها فالظَّفرُ لكم، وهي حربتي، فصوموا ثلاثة أيام، وصلُّوا وتصدَّقوا، وجاء وهم معه إلى المكان فنبشوه، فظهرت الحربة، فصاحوا، وصاموا، وتصدَّقوا، وخرجوا إلى المسلمين، فدفعوهم عن البلد، وثبت جماعةٌ فقُتِلوا عن آخرهم. وقال أبو يعلى بن القلانسي: في رجب اجتمعت عساكر الإسلام في عددٍ لا يُدركه حَصْرٌ ولا حَزْرٌ، وقصدوا عمل أنطاكية، فحصروها حتَّى عدم الفرنج القوت، وأكلوا الميتة، فزحف الفرنج -وهم على غاية من الضعف- إلى عساكر الإسلام -وهم في غاية القوة والكثرة- فكسروا المسلمين، وفرَّقوا جموعهم، وانهزم أصحاب الجرد السوابق، ووقع السيف في المجاهدين والمطوعين، وكتب دُقاق ورضوان والأمراء إلى الخليفة يستنصرونه، فأخرج الخليفةُ أبا نصر بن الموصلايا إلى بركياروق إلى الري يستنجده. وفيها عزل بركياروق مؤيد الدولة بن نظام الملك عن وزارته، واستوزر أخاه فخر الملك، وذلك برأي مجد الملك القُمِّي المستوفي، وكان مؤيد الدولة في غاية من الفضل والعقل وحسن التدبير، وفخر الملك في غاية من الجهل والحمق والتبذير، فانقطع المؤيد إلى الزهد والعبادة، وانسلَّ مستخفيًا، فلحق بمحمد بن ملك شاه وهو بكرمان، فأطمعه في الملك، فاستوزره، وسار به إلى أصفهان، فاستولى عليها بغير قتال، بل بحُسن التدبير، وكان فخر الملك قد أساء فيهم السيرة، وقبض محمد بن ملك شاه على زبيدة أم بركياروق، واعتقلها في قلعة وخنقها، وقال: ماتت. وقيل: إنما خنقها مؤيد الملك بوتر. وفيها شغب الجند على بركياروق وقالوا: لا طاعةَ لك علينا، حتَّى تُسلِّم إلينا القُمِّي المستوفي وكان قد أساء السيرة فيهم، وضيَّق أرزاقهم، وبلغ القُمِّي، فقال لبركياروق: نفسي فداؤك، دعهم (١) يقتلوني ويبقى عليك ملكُك. فقال: لا والله لا مكَّنتُهم منك

стр. 9399

أبدًا. وعزم على تغييبه عنهم، فقيل له: متى أُخرج عنك قتلوه، ولكن أرسله مع كبرائهم، فإنهم يكرمونه. فأرسله مع ولديه وكبراء دولته؛ ظنا منه أنهم يكرمونه، فلما جاؤوا به إليهم قالوا لهم: إن السلطان يُسلِّم عليكم ويشفع إليكم فيه، وقد نفذ ولديه معه. فثاروا عليه فقتلوه، ثم جاؤوا من الغد فقبَّلوا الأرضَ بين يدي بركياروق وقالوا: نحن عبيدك. فسكت، وبلغَ مؤيدَ الملك، وكان قد استولى على داره وأسبابه بأصفهان، فسُرَّ بقتله، وعلم أنَّه قد تمكَّن مما يريد، لكنه بقي مرتهنًا بسوء صنيعته مع زبيدة وخنْقِه إيَّاها. ذكر بداية محمد بن ملك شاه: كان لملك شاه أولاد؛ محمود، وأمه خاتون، وبركياروق، وأمه زبيدة، ومحمد شاه، وسنجر لأم وأب، وكان محمد هذا قد خرج مع بركياروق من بغداد صغيرًا لأبويه مختفيًا، وكانت أمه في عسكر بركياروق، فلما ولي بركياروق ضمَّه إليه، فأقام عنده مدة، ثم أقطعه كنجةَ وأعمالها، فسار إليها، ورتب بين يديه بعضَ أصحابه -كالأتابك- له، واسمه محمد، فاستولى عليه، فوثب عليه محمد شاه فقتله، واتفق مع مسير مؤيد الملك بن النظام إليه، وأطمعه في الملك، وجرت له مع أخيه بركياروق حروبٌ ووقائع، واستولى محمد شاه على المملكة، وبعث إلى بغداد، فخطبوا له سنة اثنتين وتسعين، ثم خطب لبركياروق، وسوف نذكر ذلك إن شاء الله تعالى. وفيها تُوفِّي الحسين بن الحسن أبو عبد الله، الشهرستاني، الفقيه، الشافعي، ولي القضاء بدمشق سنة سبع وسبعين في ولاية تُتُش، وكان نَزِهًا، عفيفًا، مَهيبًا، شديدًا على من خالف الحق، خرج مع الجموع إلى أنطاكية، فاستشهد بها. أنشد لغيره: [من الطويل] حبيبي لقد واللهِ (١) ضاقَتْ مذاهبي … عليَّ وقد واللهِ أسلمني صبري

стр. 9400

فإنْ كنتَ قد أحببتَ فُرقةَ بينِنا … على كلِّ حالٍ فانتظِرْ غَيرَة الدَّهرِ ومَنْ ينتظِرْ غدرَ الزَّمانِ بإلفهِ … يُلاقي الَّذي يهوى ولا يَكُ ذا عُذْرِ وإلَّا فأيَّامُ الزَّمانِ بأسْرِها … أقَلُّ أذًى مِنْ أنْ تُمَحَّقَ بالهجْرِ وهي لأبي بكر بن داود بن علي الأصفهاني. طِراد بن محمد (١) ابن علي بن الحسن (٢) بن محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم الإمام بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، أبو الفوارس، الزَّينبي، من ولد زينب بنت سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، وهي أم ولد عبد الله بن محمد بن إبراهيم الإمام، وذلك أنَّ محمدًا تزوَّجها فأولدها عبد الله، كانت عظيمة في بني العباس في الفُضلاء مثل المنصور. ووُلد طِراد في سنة ثمان وتسعين وثلاث مئة، وسمع الحديث الكثير، ورحل الناس إليه من الأقطار، وأملى بجامع المنصور، وكان يحضر مجلسه جميعُ المحدثين والفقهاء والأشراف وقاضي القضاة أبو عبد الله الدامَغاني، وحجَّ سنة تسع وثمانين، فأملى بمكة والمدينة، وولي نقابة العباسيين بالبصرة، ثم انتقل إلى بغداد، وترسَّل من الخليفة إلى الملوك مرارًا، وبيته بيت رئاسة وجلالة، وتُوفِّي في شوال وقد جاوز التسعين، ودُفِنَ في داره بباب البصرة، ثم نُقِلَ في ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين وأربع مئة إلى مقابر الشهداء، وكان يُلقَّب بذي الشرفين شهاب الحضرتين، وكان يوم مات صحيحَ الأعضاء، سليمَ الحواس، وقد تورَّع بعضُ المحدِّثين عن الرواية عنه والسماع منه؛ لترسُّله إلى الملوك، وأخذِ أموالهم، وتصرُّفِه في الولايات، وهو فما كان يلتمس الرسل، وإنما كان الخلفاء يلزمونه ذلك إصلاحًا لأحوال المسلمين وانتظام الأحوال مع الملوك، ثقةً بأمانته وديانته وفضله وشرفه وطهارة أصله، والظاهر عنه التورُّع عن قبول أموالهم.

стр. 9401

ولمَّا احتضر بكى أهله، فقال: إنما يُبكى على الشباب، أما من جاوز التسعين فلا معنى للبكاء عليه. المُظفَّر (١) ابن رئيس الرؤساء أبي القاسم الوزير بن المسلمة، أبو الفتح، قرأ القرآن، وسمع الحديث، وكان عارفًا بالفقه والأدب، وكانت دارُه مجمع العلماء والفضلاء، وأقام أبو إسحاق الشيرازي أبداره حتَّى تُوفي بها المظفَّر في ذي القعدة، ودُفن عند أبي إسحاق الشيرازي (٢)] وكان جليلًا نبيلًا. نصر بن علي (٣) ابن المُقلِّد بن نصر بن منقذ، أبو المُرْهَف، الكِناني، عِزُّ الدولة، مَلَكَ شَيزَر بعد أبيه، وكان [يُعنى] بتربية إخوته وقام بها أحسن قيام، ولمَّا قدم ملك شاه الشام سلَّم إليه فامية وكفر طاب واللاذقية، وكان شجاعًا، سمحًا، صوَّامًا، قوَّامًا، بارًّا بوالديه، وفيه يقول أبوه علي بن المُقلِّد من أبيات: [من الطويل] جزى اللهُ نصرًا خيرَ ما جُزِيَتْ بِهِ … رجالٌ قضَوا فرض العُلا وتنقَّلوا هو الولدُ البَرُّ اللطيفُ فإن رمى … به حادِث فَهْوَ الحِمامُ المُعَجَّلُ سألقاكَ يومَ الحشرِ أبيضَ واضحًا … وأشكرُ عندَ اللهِ ما كنتَ تفعلُ إلى اللهِ أشكو من فراقِكَ لوعةً … تَوَقَّدُ في الأحشاءِ ثمَّ تَرَحَّلُ (٤) تُفدِّيك يا نصرٌ رجالٌ محلُّهمْ … من المجدِ والإحسانِ أن يتقوَّلوا (٥) وقال أبو عبد الله محمد بن أبي سلامة مرشد بن علي: لم يكن أهل الشام يعرفون الغدر، وفد أبو مسلم بن سليم أحدُ بُناة المعرة على والي حلب ظنًّا منه أن الناس كما

стр. 9402

يعهد، فقبض عليه وحبسه وضيَّق [عليه (١)] وقال: سَلِّم إليَّ المعرة. فقال: أنا واحد من بُناة المعرة. فقطع عليه خمسة آلاف دينار مصرية، ولم يكن يُعرف بالشام غير الذهب المصري، فكتب ابنُ سليم إلى عمه نصر (٢) -وكان ابنُ سليم فقيرًا لكثرة ما يُعطي الناس-: [من السريع] يا نصرُ يا ابنَ الأكرمينَ ومَنْ … ملَكَ التِّلادَ بطارفِ (٣) الفخرِ هذا كتابٌ من أخي ثقةٍ … هذا أوانُ النَّفعِ والضرِّ فامنُنْ بما أوليتَ من حَسَنٍ … أشكو إليكَ نوائبَ الدَّهرِ فبعث إليه بستةِ آلاف دينار، خمسةِ آلاف خلَّص بها نفسه، وبقي معه ألفُ دينار، ولمَّا تُوفِّي نصر وجدوا في خريطته اسم البيوت التي يتفقَّدها في كل سنة ويُموِّنها من الشام والساحل وحلب ودمشق والقدس ومصر وبغداد ومكة والمدينة وخراسان وأصفهان والمشرق، فكان جملة ما يخرج عليهم في كل سنة عشرين ألف دينار، ولمَّا مات أخرج كل ما خلَّفه والدُه أبو الحسن، ومغلَّ عشر قلاع كانت تحت يده؛ حصن الجسر وشَيزَر وفامية وكفر طاب وعَلَّان وأسقوبا واللاذقية وغيرها، وبقي عليه سبع مئة دينار سُلِّم إلى أربابها مِلْكٌ استغلُّوه حتَّى استوفوا مالهم. وكان يركب في عشرة آلاف فارس من كتابة الأوائل. قال مرشد بن علي: دخلت عليه يومًا وهو نائم وقد كادت صلاة الصبح أن تفوته، فقلتُ لأمرأته: أينامُ أخي حتَّى تطلع الشمس وتفوته صلاة الصبح؟ فقالت: قد صلَّى العشاء الآخرة ولم يضَعْ جنبه إلى الأرض حتَّى صلَّى الصبح ونام، وهذا دأبُه منذ صَحِبتُه. قال مرشد: أنشدت أخي أبا المرهف قول القائل: [من الخفيف] كُنْتُ استعمِلُ السَّوادَ مِنَ الأمـ … ـشاطِ والشَّعرُ مثلُ لونِ الدَّياجي

стр. 9403

أتلقَّى مثلًا بمثلٍ فلمَّا … صارَ عاجًا سرَّحْتُهُ بالعاجِ فلما كان من الغد أنشدني لنفسه: [من الخفيف] كُنْتُ أستعمل البياض من الأمْـ … شاطِ عُجْبًا بلمَّتي وشبابي فاتَّخذتُ السوادَ في حالة الشَّيـ … ـبِ سُلُوُّا عن الصِّبا بالتَّصابي وكانت وفاته في جمادى الآخرة بشَيزَر رحمه الله تعالى. السنة الثانية والتسعون وأربع مئة في يوم الجمعة ثالث عشرين شعبان استولى الفرنج على البيت المقدس، ساروا من أنطاكية ومقدمهم كُنْدَهري في ألف ألف، منهم خمس مئة ألف مقاتل، والباقون رجَّالة، وفَعَلة، وأربابُ مجانيق، وعرَّادات، وغيرها من آلة القتال، وجعلوا طريقَهم على الساحل، وكان بها افتخارُ الدولة من قِبَل المصريين، فأقاموا يقاتلون أربعين يومًا، وعملوا بُرجَين مُطِلَّين على السور، أحدهما بباب صهيون، والآخر بباب العمود وباب أسباط وهو برج الزاوية، ومنه فتحها صلاح الدين ﵀، فأحرق المسلمون البرج الَّذي كان بباب صهيون، وقتلوا مَنْ فيه. وأما الآخر فزحفوا به حتَّى ألصقوه بالسور، وحكموا به على البلد، وكشفوا مَن كان عليه، ورمَوا بالمجانيق والسهام رمية رجل واحد، فانهزم المسلمون، فنزلوا البلد، وهرب الناس إلى الصخرة والأقصى، فاحتموا بها، فهجموا عليهم، فحُكي أنهم قتلوا في الحرم مئة ألف، وسبَوا مثلهم، وقتلوا الشيوخ والعجائز، وسبوا النساء، وأخذوا من الصحرة والأقصى سبعين قنديلًا، منها عشرون ذهبًا، في كل قنديل ألف مثقال، ومنها خمسون فضة، في كل قنديل ثلاثة آلاف وست مئة درهم بالشامي، وأخذوا تنورًا من فضة وزنه أربعون رطلًا بالشامي، وأخذوا من الأموال ما لا يُحصى. ومنذ افتتحه عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه في سنة ست عشرة لم يزل في أيدي المسلمين إلى هذه السنة، وكان الأفضل بن أمير الجيوش لمَّا بلغه أنهم قد ضايقوا القدس سار في عشرين ألفًا، وجَدَّ في السير، فوصل ثاني يوم فتحه ولم يعلم،

стр. 9404

وقصده الفرنج، فدخل عسقلان، وقُتِلَ من أصحابه عددٌ كثير، وأحرق الفرنج ما حول عسقلان، وقطعوا أشجارها، وعادوا إلى القدس. وذكر أبو يعلى أنَّ فتوح المعرة كان في هذه السنة قبل القدس، فقال: زحف الفرنج في مُحرَّم هذه السنة إلى سور المعرة من الناحية الشرقية والشمالية، وأسندوا البرج إلى سورها، وكان أعلى منه، ولم تزل الحرب عليها إلى وقت المغرب من اليوم الرابع عشر من المُحرَّم، وصعدوا السور، وانكشف أهلُ البلد بعد أن تردَّدت إليهم رسل الفرنج، وأعطوهم الأمان على نفوسهم وأموالهم وأن لايدخلوا إليهم، بل يبعثوا إليهم شحنة، فمنع من ذلك الخلف بين أهلها، وملكوا البلد بعد المغرب، وقُتِلَ من الفريقين خلقٌ كثير، ثم أعطوهم الأمان وغدروا بهم، ورحلوا في آخر رجب إلى القدس، وانجفل الناس بين أيديهم، فجاؤوا إلى الرملة فأخذوها عند إدراك الغلَّة، وانتهوا إلى القدس، وقاتلوا أهلَه، وألصقوا البرج إلى السور. وبلغهم خروج الأفضل من مصر، فجدُّوا في القتال، ونزلوا من السور، وقتلوا خلقًا كثيرًا، وجمعوا اليهود في الكنيسة وأحرقوها عليهم، وهدموا المشاهدَ وقبرَ الخليل ﵊، وتسلَّموا محراب داود بالأمان، ووصل الأفضلُ بالعساكر وقد فات الأمر، فنزل ظاهرَ عسقلان في رابع عشر رمضان ينتظر الأسطول في البحر والعرب، فنهض إليه الفرنج في [خلقٍ عظيم، فانهزم العسكر المصري إلى ناحية عسقلان، ودخل الأفضل عسقلان، ولعبت سيوف الفرنج في (١)] العسكر والراجل والمطوعة وأهل البلد، وكانوا زُهاءً عن عشرة آلاف، ومضى الأفضل إلى مصر، وقرَّروا على أهل البلد عشرين ألف دينار تُحمل إليهم، وشرعوا في جبايتها من أهل البلد، فاختلف المُقدَّمون فرحلوا ولم يقبضوا من المال شيئًا. وحُكيَ أنَّه قُتِلَ في هذه الوقعة (٢) من أهل عسقلان من شهودها وبناتها وتجارها وأحداثها سوى أجنادها ألفان وسبع مئة نفس، ولمَّا تمت هذه الحادثة خرج

стр. 9405

المستنفرون من دمشق مع قاضيها زين الدين أبي سعد الهروي، فوصلوا بغداد، وحضروا في الديوان [وقطعوا شعورهم، واستغاثوا وبكوا، وقام القاضي في الديوان (١)] وأوردوا كلامًا أبكى الحاضرين، وندب من الديوان مَنْ يمضي إلى العساكر السلطاني ويعرِّفهم بهذه المصيبة، ووَقْعِ التقاعد، فقال القاضي الهروي -وقيل: هي لأبي بكر المظفر الأبيوردي (٢) -: [من الطويل] مزَجْنا دماءً بالدموعِ السواجمِ (٣) … فلم يبقَ منَّا عُرضةٌ للمراجمِ (٤) فإيهًا بني الإسلام إنَّ وراءَكُمْ … وقائعُ يُلحِقنَ الذُّرا بالمناسمِ (٥) بحيثُ السيوفُ البيضُ مُحمرَّةُ الظُبا (٦) … وسُمْرُ العوالي دامياتُ اللَّهاذِمِ (٧) وبين اختلاسِ الطَّعنِ والضربِ وقفةٌ … تظلُّ لها الولدانُ شِيبَ القوادمِ (٨) وكيف تنامُ العينُ ملءَ جفونها … على هَفَواتٍ أيقَظَتْ كل نائم وإخوانُكُمْ بالشَّامِ يُضحي مقيلُهُمْ … ظهورَ المذاكي (٩) أو بطونَ القشاعمِ (١٠) يسومُهُمُ الرومُ الهوانَ وأنتمُ … تجرُّونَ ذيلَ الخَفْضِ فِعْلَ المُسالِمِ وتلك حروبٌ مَنْ يغِبْ عن غِمارِها … ليَسْلَمَ يقرَعْ بعدَها سِنَّ نادِمِ وكاد لهنَّ المُستَجِنُّ بطيبةٍ … يُنادي بأعلى الصوتِ يا آل هاشمِ أرى أُمتي لا يشرعون إلى العِدى … رماحَهم والدين واهي الدعائمِ ويجتنبون النارَ خوفًا من الرَّدى … ولا يحسبون العارَ ضربةَ لازمِ

стр. 9406

أترضى صناديدُ الأعاريبِ بالأذى … ويُغْضي على ذُلٍّ كُمَاةُ الأعاجمِ وليتَهُمُ إذ لم يَذودوا حميَّةً … عن الدِّينِ ضَنُّوا غَيرَةً بالمحارمِ وإن زهِدوا في الأجرِ إذ حميَ الوغى … فهلَّا أتوْهُ رغبةً في المغانمِ وقال أيضًا: [من الوافر] أحلَّ الكفرُ بالإسلامِ ضَيمًا … يطولُ عليه للدِّين النَّحيبُ فحقٌّ ضائعٌ وحِمًى مُباحٌ … وسيفٌ قاطعٌ ودمٌ صَبيبُ وكم من مسلمٍ أمسى سليبًا … ومسلمةٍ لها حَرَمٌ سليبُ وكم من مسجدٍ جَعلوهُ ديرًا … على مِحرابِهِ نُصِبَ الصليبُ دمُ الخِنزيرِ فيهِ لهُمْ خَلوقٌ … وتحريقُ المصاحفِ فيه طيبُ أمورٌ لو تأملهُنَّ طِفْلٌ … لَطَفَّلَ في عوارضِهِ المشيبُ أتُسبى المسلماتُ بكلِّ ثغرٍ … وعيشُ المسلمين إذًا يطيبُ أما واللهِ والإسلامُ حقٌّ … يدافعُ عنه شُبَّانٌ وشِيبُ فقلْ لذوي البصائرِ حيث كانوا … أجيبوا اللهَ ويحكُمُ أجيبوا وفيها توفِّي إبراهيم بن مسعود (١) ابن محمود بن سُبُكْتِكين، آلَ أمرُه إلى أن استولى على بلاد غَزْنة. وكان عادلًا منصفًا شجاعًا جوادًا، منقادًا إلى الخير، كثيرَ الصدقات والصِّلات، محبوبًا إلى العساكر والرعية. وقال الفقيه أبو الحسن (٢) الطبري: أرسلني إليه بركياروق في رسالة، فرأيتُ في مملكته ما لا يتأتَّى وصفُه، دخلتُ عليه وهو في طيارة عظيمة بمقدار رواق المدرسة النظامية، وسقوفُها وأبوابُها مصفحةٌ بالذهب والفضة، وعلى أبوابها الستور التِّنِّيسي، وللمكان شعاع يأخذ بالبصر، وهو على سرير من الذهب مرصَّعٍ بالجواهر، وحوله

стр. 9407

التماثيل المرصَّعة باليواقيت، فسلَّمتُ عليه، وجلست بين يديه (١)، فلما أديتُ الرسالةَ قال للخادم: دُرْ به في القصر. فطاف بي، فرأيتُ ما هالني، ومن جملة ما رأيتُ خَرْكاة عظيمة قد أُلبست صفائح الذهب، وفيها من تماثيل اليواقيت والجواهر ما لا أقدر أن أصِفَه، وفي وسطها سرير من العود القُماري، وحوله تماثيل طيور من الذهب بخرْكاةٍ، إذا جلس الملكُ على السرير صفَّقت بأجنحتها، إلى غير ذلك من العجائب، فلمَّا عدتُ إليه أوردتُ له أحاديث، منها قولُه ﷺ : " لمَناديلُ سعد بن معاذ في الجنَّة أحسَنُ من هذا" فبكى (٢). وما كان يبني لنفسه مكانًا حتَّى يبني لله مسجدًا أو مدرسة. وكانت وفاته في رجب، وقد جاوز السبعين، وأقام واليًا نيِّفًا وأربعين سنة. عبد الباقي بن يوسف (٣) ابن علي بن صالح، أبو تراب، المَراغي، الفقيه، الشافعي، ولد سنة إحدى وأربع مئة، ونزل نيسابور ودرَّس بها، وكان يقول: أحفظ أربعة آلاف مسألة في اختلاف الفقهاء والكلام عليها، وأُناظر في جميعها. وكان يحفظ الحكايات والنوادر، قانعًا من الدنيا باليسير على طريقه السلف، بعث إليه السلطان منشورًا بقضاء هَمَذان، فردَّه وقال: أنا في انتظار المنشور الأكبر من الله تعالى بلقائه، وقدومي عليه، وقعودي ساعةً في هذا المسجد على فراغ القلب أحبُّ إليَّ من ملك الثقلين. وكانت وفاته في ذي القعدة عن ثلاث وتسعين سنة، وكان إمامًا زاهدًا ورعًا عابدًا. السنة الثالثة والتسعون وأربع مئة فيها في يوم السبت سادس عشر صفر خرج الوزيرُ عميدُ الدولة لاستقبال بركياروق إلى صَرْصَر في الموكب، وعاد من يومه، ودخل بركياروق يوم الأحد إلى دار المملكة، وبعث إليه الخليفة خيلًا وسلاحًا وهدايا.

стр. 9408

وسبب دخوله بغداد أن أخاه محمد شاه كان قد ظهر عليه وخطب لمحمد ببغداد، وطرد بركياروق من هَمَذان، فقصد خوزستان والأهواز هاربًا من محمد، ثم قدم واسطًا، فهرب أعيانُ البلد، فدخل العسكرُ البلد، وفعلوا مثل ما فعل الفرنج بالمسلمين، وصادروا الناس، وأخربوا سقوف الدور، وأوقدوا أخشابها، وسبوا الحريم، ثم قصدوا بلاد سيف الدولة صدقة ففعلوا بها مثلَ ما فعل بواسط، ثم قصد بغداد، وكان سعد الدولة الكوهراني مخيمًا بالنَّجمي (١) مباينًا لبركياروق، مصافيًا لمحمد شاه، فرحل عن بغداد في صفر، وأخذ معه زوجة مؤيد الملك بن نظام الملك، وهي ابنة أبي القاسم بن رضوان فلما كان يوم الجمعة منتصف صفر قُطعت خطبة محمد شاه، وأُقيمت لبركياروق، واستولى محمد شاه على أصفهان والممالك، ومال الجندُ إليه. وفي ربيع الأول استوزر بركياروق العميد أبا المحاسن عبد الجليل الدَّهسْتاني ولُقب بنظام الدين، وجلس للنظر في دار المملكة، فبعث له الخليفة خِلعًا مع عميد الدولة، فحبس (٢) بركياروق عميدَ الدولة، واستدعى القاضي أبا الحسن (٣) الدامَغاني، وأبا القاسم الزينبي وأبا منصور صاحب الباب، وقال لهم أبو المحاسن: السلطان يقول لكم: قد عرفتُم ما نحن فيه من الإضاقة ومطالبة العسكر لنا بالمال، وهذا الوزير ابنُ جَهير قد تصرَّف هو وأبوه في ديار بكر وخلاط والجزيرة والموصل في أيام جلال الدولة، وجبوا أموالها، وأخذوا ارتفاعها، وينبغي أن يُعاد كلُّ حق إلى مستحقِّه، فخرجوا إلى الوزير وأعلموه، فقال: أنا مملوك، ولا أقدر على الكلام إلا بإذن مولاي. وانصرف القوم، وأقام الوزير معتقلًا، فكتب الخليفة إلى السلطان كتابًا يتهدَّده ويقول فيه: لا يغُرَّكَ إمساكُنا من مقابلة الفلتات، فوَحَقِّ مَنْ سلف من آبائنا [لئن لم (٤)] يعُدِ الوزير شاكرًا لنفعلنَّ ولنفعلنَّ.

стр. 9409

فلمَّا قُرئ الكتاب على السلطانُ أحضر عميدَ الدولة، واعتذر إليه الوزيرُ أبو المحاسن، وقال: السلطان يقول: ثقَّلنا عليك كما يُثقِّل الولدُ على والده. وأطلقه وبين يديه الحُجَّاب، واستقرَّ أن يحمل مئة ألف دينار وخمسين (١) ألف دينار، فحملها. وفي رابع جمادى الآخرة (٢) خرج بركياروق من بغداد، وجاءه محمد شاه في رجب إلى هَمَذان، والتقيا، فانهزم بركياروق في خمسين فارسًا، فنزل على فراسخ من مكان المصاف فاستراح، والتأم إليه أصحابُه، ثم لقي أخاه محمدًا، فانهزم محمد وأُسِرَ سنجر وأمُّه وهي أم محمد، فأحسن بركياروق إليهما، وبعث بهما إلى أخيه محمد، وبعث محمد مَنْ كان عنده من الأسارى من أصحاب بركياروق. وفي رجب سار دُقاق من دمشق على الرحبة إلى ميَّافارقين، فتسلَّمها، ورتب فيها نوَّابه. وفي رجب خرج بيمُنْد زعيم الروم صاحب أنطاكية، فعاث في أرض حلب، وبلغه أنَّ الدانشمَنْد وصل إلى ملطية في جيش كثيف من الأتراك وعسكر سليمان بن قُتُلْمِش، فعاد بيمُنْد إلى أنطاكية وجمع وحشد، وعاد والتقاه المسلمون فأسروه، وقتلوا من أصحابه مقتلةً عظيمة. وفي رمضان قبض الخليفةُ على عميد الدولة ابن جَهير وإخوته؛ زعيم الرؤساء أبي القاسم، وأبي البركات الملقَّب بالكافي، وجلسوا في دار الخلافَة، واستوزر أبا المحاسن عبد الجليل بن محمد الدَّهستاني وزير بركياروق، ولقَّبه جلال الدولة، إلا أنَّه لم يتمَّ أمرُه، لأنه استوزر في شوال، وورد كتاب بركياروق يحثُّه على اللحاق به، فسار إليه، فاستوزر الخليفةُ سديدَ الملك أبا المعالي الفضل بن عبد الرزاق الأصفهاني، وكان كاتبًا في ديوان الجيش لملك شاه (٣). وفي ذي الحجَّة قتل رجلٌ أميرًا في الري في دار فخر الملك بن نظام الملك -وقيل: إن الرجل باطني- فأُحضرَ إلى بين يدي فخر الملك، فقال: ويحك قتلتَ هذا الأمير في

стр. 9410

داري، وهتكتَ حُرمتي، وأذهبتَ حشمتي، فقال له الباطني: وهل لكَ حُرمةٌ مهتوكة، أو دارٌ مملوكة، أو حشمةٌ تمنع من الدماء المسفوكة؟ أو ما علِمتَ أننا ستةُ نفر بُعِثنا إلى ستة لنقتلهم أحدُهم أخوك؟ قال: وهل أنا في جملتهم؟ قال: أنت أقلُّ من أن تُذكرَ أو نلوِّثَ سكاكينَنا بدمك. فعُذِّبَ على أن يُقِرَّ على من أمر بقَتْلِه، فلم يُقِرَّ، فقتله (١). وفيها خرج سعد الدولة القوامسي من مصر بعسكر كثيف، فالتقى الفرنجَ على عسقلان، وكان في القلب (٢)، فقاتل قتالًا شديدًا، فكبا به فرسُه فقُتِلَ، وثبت المسلمون، وحملوا على الفرنج فهزمهم إلى قيسارية، فيقال: إنهم قتلوا من الفرنج ثلاثَ مئة ألفٍ ولم يُقتَل من المسلمين سوى سعد الدولة ونفرٍ يسير. وفيها توفِّي سعد الدولة الكوهراني (٣) من الخدم الأتراك الذين ملكهم أبو كاليجار بن سلطان الدولة بن بهاء الدولة بن عضد الدولة، وكان قبل انتقاله إليه لامرأة، فكان بعد إقبال الدنيا عليه ومسير الجيوش تحتَ ركابه يقصد مولاته ويخدمها ويستعرض حوائجها، وبعث به أبو كاليجار مع ابنه أبي نصر إلى بغداد، فلم يزَلْ معه حتَّى قدم طُغْرُلبك بغداد واعتقل أبا نصر في القلعة، فلم يُفارِقْهُ سعد الدولة، فلما مات خدم سعدُ الدولة ألب أرسلان ووقاه بنفسه لمَّا جرحه يوسف -وقد ذكرناه- فلمَّا مَلَكَ مَلِك شاه بعثَ سعد الدولة إلى بغداد في رسالة، فجلس له القائم في صفر سنة سبع وستين، وأعطاه الخِلَعَ والعهد لملك شاه، وأقطعه ملك شاه واسطًا، وكان قد ولَّاه شحنة بغداد، ورأى ما لم يرَه خادمٌ من المال والجاه ونفوذ الأمر وطاعة العساكر، ولم يُنقَل أنَّه مرض ولا صدع، ونال مُرادَهُ من كلِّ عدوٍّ له، وذكر أنَّه لم يجلس قطُّ إلا على وضوء، وكان يتوضأ ولا يستعين بأحد، ويصوم، ويقوم الليل، ويتصدَّق، ولم يصادِرْ أحدًا، ولا ظلم أحدًا، وكان يوم

стр. 9411

المصافِّ بين محمد وبركياروق مع بركياروق، فكبا به فرسُه وعليه سلاحه فلم يعرفوه، فقُتِلَ، وحُمِلَ إلى بغداد فدُفِنَ في الجانب الشرقي مُقابل رباط أبي النجيب، وكان يعمل برأيه في قتل ما لا يجوز قتلُه من اللصوص ويُمَثِّل بهم، ويزعم أن ذلك سياسة. عبد الله بن أحمد (١) ابن علي بن صابر، أبو القاسم، السُّلَمي، الدمشقي، ويعرف بابن سِيدَه، وُلدَ سنة اثنتين وخمسين وأربع مئة، وكانت وفاتُه في ربيع الآخر بدمشق، وأنشد: [من الكامل] صبرًا لِحُكْمِكَ أيُّها الدَّهرُ … لكَ أن تجورَ ومنِّيَ الصبرُ آليتُ لا أشكوكَ مجتهدًا … حتَّى يَرُدَّكَ مَنْ لهُ الأمرُ عبد الرزاق الصوفي، العربوني (٢). كان مقيمًا برباط عتاب غربي بغداد، وهو معروف بسُكنى المجردين، حجَّ سنين كثيرة على التجريد وقارب مئة سنة، ولمَّا احتُضِرَ لم يُخلِّف من الدنيا شيئًا، فقالت له زوجته: وافضيحتُك [قال: ولمَ؟ قالت: ما لكَ كفن. فقال لها: وافضيحتي] (٣) لو كان لي كفن. وتوفِّي ﵀ واتَّفق أنَّه مات في هذا الوقت أبو الحسن البسطامي شيخ رباط ابن المحلبان، وكان لا يَلْبَس إلا الصوف، ويغلظ على نفسه، ويُظهر التجريد والفقر، فظهر عنه أن له عشرة آلاف دينار مدفونة، فتعجَّب الناس من تفاوت ما بين الرجلين، وكلاهما شيخا رباطين. عبد الواحد بن رزق الله بن عبد الوهاب (٤) أبو القاسم، التميمي، الحنبلي، قدم رسولًا إلى دمشق من المستظهر سنة تسعين بِخِلَع إلى دُقاق، وعاد إلى بغداد فتُوفِّي بها، وكان ثقةً صدوقًا.

стр. 9412

محمد بن سلطان (١) ابن محمد بن حيُّوس، أبو الفتيان، الأمير، الشاعر، ولد سنة إحدى وأربع مئة، وقال الشعر وله خمسة عشرة سنة، وهو من أهل بيت الفضل والعلم، وتُوفِّي في رجب وقد جاوز تسعين سنة، ومن شعره قال يمدح ناصر الدولة بن حمدان في أبيات: [من الطويل] لكم أن تجوروا مُغضَبين (٢) وتغضبوا … وعادتكُم أن تزهدوا حينَ تغضبوا جنيتُمْ علينا واعتَذْرنا إليكمُ … ولولا الهوى لم يسألِ الصفحَ مُذْنِبُ صبابةُ شوقٍ غادرتْهُ صبابةٌ … إذا ذلَّ فيها طالبٌ عزَّ مطلَبُ مواصَلَةٌ كانَتْ كأحلامِ نائمٍ … وإن لامَ فيها عاذِلٌ ومؤنِّبُ وقد رُمْتُ أن ألقى الصُّدودَ بمثلِهِ … مقابلة لكنَّني أتهيَّبُ وداويَّةٍ بِكْرٍ جعَلْتُ نِكاحَها … سُرى ضُمَّرٍ فارقنَها وَهْيَ ثَيِّبُ تضِلُّ فلو بعضُ النُّجومِ سرى بها … ورامَ نجاةً ما درى كيف يذهَبُ دليلانِ فيها حُسْنُ ظنِّي وبارقٌ … يُبشِّرُ بالتَّهطالِ والعامُ مُجْدِبُ ومُذْ أَرَياني ناصرَ الدولةِ انْجلى … برُؤياه ما أخشى وما أترقَّبُ فجاورتُ مَلْكًا تَستَهِلُّ يمينُهُ … ندًى حينَ يرضى أو ردًى حين يغضَبُ إذا البيضُ كلَّتْ يوم حربٍ فإنَّها … مواضٍ قواضٍ أنَّ تغلِبَ تغلِبُ خلائقُ كالماءِ الزُّلالِ وتحتَها … من العزمِ والإقدامِ نارٌ تلهَّبُ فإن طابتِ الأوطانُ لي أو ذكرتُها … فإنَّ مُقامي في جنابِكَ أطيَبُ وقال: [من الخفيف] كُنْ بعيدًا إن شئتَ أو كُنْ قريبًا … فأياديكَ عندنا لَنْ تغيبا

стр. 9413

خلفَكَ الآلاءُ مُذْ غِبْتَ عنَّا … فتساوَيتَ مشهدًا ومَغيبا كالغَمامِ الرُّكامِ يمضي ويُبقي … موردًا فائضًا ومرعًى خَصيبا (١) وله أشعار كثيرة. وقال: [من الطويل] سأشكرُ ما دامَ الكلامُ يُطيعني … صُنوفًا أتَتْ من جودِكَ المتتابعِ توالتْ على من لا يُدِلُّ بخدمةٍ … عليك ولا يُدلي إليكَ بشافعِ مَنَحْتُكَ من محضِ القريضِ وحُسْنِهِ … بضائعَ ليسَ العُرْفُ فيها بِضائعِ وقال: [من الطويل] ولمَّا وقفنا والرسائلُ بينَنا … دموعٌ نهاها الوجدُ أن تتوقَّفا ذَكَرْنا الليالي بالعقيقِ وظِلَّها الْـ … أنيقَ فقطَّعْنا القلوبَ تأسُّفا كتمتُ الهوى جَهدي وبالصبر مُسْكَةٌ … وبرَّح ما ألقى فقد برح الخفا ولي سنةٌ لم أدرِ ما سِنَةُ الكرى … لِهَمٍّ أتى ضيفًا فألفى مُضيِّفا وقال: [من الكامل] هَلْ غيرُ ظِلِّكَ للعُفاةِ مَقيلُ … أم غيرُ عفوكَ للجُناةِ مُقيلُ نكَّلتَ بالأَحداث لمَّا أن عَدَتْ … فلِصِرْفها عمَّا حميتَ نكولُ يا من قواضبُهُ تُشايعُ عزمَهُ … ولأجلِ ذاكَ تَصِل حين يصولُ حرمٌ لإكرامِ الوفودِ مُؤهَّلٌ … ففناؤه أبدًا بهم مأهولُ ويروقُه الأسَلُ المُحطَّمُ في العِدى … يومَ الوغى لا الخدُّ وهو أسيلُ إنِّي برغم عدايَ ممنوعُ الحِمى … ما هزَّ هذَا القَيلَ هذا القيلُ ذلَّلْتَ لي صعبَ القوافي منعِمًا … فالقولُ جزلٌ والعطاءُ جزيلُ

стр. 9414

وقال: [من الكامل] يا للرجالِ لنظرةٍ سفكَتْ دمًا … ولحارثٍ لم ألقَهُ مستسلما وأرى السهام تؤمُّ من يُرمى بها … فعلامَ سهمُ اللَّحظِ يُصمي من رمى يا آمري بتجلُّدٍ لم أُعطَهُ … ما نمَّ دمعي بالجَوى حتَّى نما ولقد وقفتُ بدارِ زينب موهِنًا … والوجدُ يأبى أن أقولَ فأُفهما مستخبرًا عنها فلم أرَ مَعْلَمًا … منها بأخبارِ الأحبَّةِ مُعْلِما أبكي ويمنعني تناسي ما مضى … ما يمنع الأَطلال أن تتكلَّما وقال: [من الطويل] عداكُمْ هوًى مُذْ شَفَّنا ما تعدَّانا … فهوَّنتُمُ خطْبًا من البَينِ ما هانا وقلتم تداووا بالفِراقِ فما الَّذي … ألانَ النَّوى من بعد قسوتِها الآنا محمد بن صدقة بن دُبَيس (١) أبو المكارم، عِزُّ الدولة، كان شجاعًا، ذكيًّا، جوادًا، ولمَّا مرض مرض الموت كان أبوه سيف الدولة صدقة جالسًا عنده، فأُتي بديوان أبي نصر بن نُباتة، فأخذ محمد الديوان وفتحه فطلع ما صورتُه، وقال: نُعزِّي سيف الدولة في ابنه أبي المكارم محمد، فأخذ بعض الجماعة الديوان من يده، فأخذه وفتحه ثانيًا، فخرج ذلك الشعر الَّذي قاله ابن نُباتة من قصيدة: [من الطويل] فإنَّ بميَّافارقينَ حفيرةً … ترَكْنا عليها ناظِرَ الجودِ داميا وحاشاكَ سيفُ الدولةِ اليومَ أن تُرى … من الصبرِ خِلْوًا أوإلى الحُزنِ ظاميا ولمَّا عدِمنْا الصبرَ بعدَ محمدٍ … أتينا أباهُ نستفيدُ التَّعازيا فمات بعد يومين، وجلس الوزيرُ عميدُ الدولة في داره للعزاء ثلاثة أيام، للصهر الَّذي كان بينهما، وخرج له في اليوم الثالث توقيعُ الخليفة يتضمن التعزية له، والأمر بعوده إلى الديوان، فقرأه قائمًا، وبعث الخليفة قاضي القضاة أبا الحسن الدامَغاني إلى حِلَّة سيف الدولة رسالة من الخليفة تتضمّن التعزية له.

стр. 9415

محمد بن محمد (١) ابن محمد بن جَهير، الوزير، عميد الدولة، شرف الدين، كان حسنَ التدبير، كافيًا في المهامِّ، شجاعًا، جوادًا، حليمًا، لم يعجل على أحدٍ بمكروه، وسمع الحديث على الشيوخ، وكان كثير الصدقات، واسعَ المعروف، يجيز العلماء والشعراء، ويحسن إليهم، وخدم ثلاثة خلفاء؛ القائم، ولمَّا احتضر أوصى به المقتدي، ووَزَر للمقتدي سنة اثنتين وسبعين، فبقي فيها خمس سنين، ثم عُزِل بالوزير أبي شجاع، ثم عاد بعد عزل أبي شجاع سنة أربع وثمانين، فلم يزل إلى أن مات المقتدي، وولي المستظهر، فدبر أمور الخلافة ثمانَ سنين وأحد عشر شهرًا وأربعة أيام، وكان سيِّدَ الولاة؛ لبرِّ كان فيه، وكانت كلماتُه معدودة، كلَّم يومًا لولد أبي نصر بن الصباغ فقال: اشتَغِلْ وادأبْ وإلَّا كنتَ صبَّاغًا بغير أب. فلمَّا قام من مجلسه أتى النَّاسُ ابنَ الصباغ فهنَّوه حيث كلَّمه، وله ترسُّلٌ بديع، وتوقيعاتٌ وجيزة، وأشعارٌ رقيقة، وقرأ الفقه وأنواع العلوم، وكانت له سياسةٌ ورياسةٌ وهيبة، وكان ممدَّحًا، فيقال: إنه مُدِحَ بمئة ألف بيت من الشعر. وقال العماد: مدحهُ عشرةُ آلاف شاعر، ومن مُدَّاحه: مسعود بن العلاء، المعروف بابن الخباز، ومن مدحه فيه: [من البسيط] وماءُ دجلةَ أو ماءُ الفراتِ على … العِلَّاتِ أعذبُ لي من ماءِ يَبْرينِ (٢) كم بين ماءٍ تظلُّ الأُسْدُ شارعةً … منهُ وتسكنُهُ عيسُ السَّراحينِ (٣) مستوحشٍ في القِفارِ البيدِ منفردٍ … لا يعرفُ الأَمنَ إلَّا في الأحايينِ وبين ماءٍ كماءِ الوردِ مُطَّرِدٌ … تحتَ القصورِ وروضاتِ البساتينِ عذبٌ إذا عَبثَتْ أيدي النسيمِ بهِ … تَنَزَّهَتْ فيه أقمارُ الرواشينِ (٤) والفُلكُ تقطعهُ عرضًا وتخرِقُهُ … طولًا وتنقضُّ فيه كالشَّواهينِ

стр. 9416

لا أبتغي الشِّيحَ بالرَّيحان مغتَنمًا … ولا أحاول حَوْذانًا بنسرينِ (١) ولا ألَذُّ برؤياهُ ويعجِبني … شَمُّ الخُزامى ولي نشْرُ الرَّياحينِ ولا أهيمُ بربعٍ غابَ ساكِنُهُ … عنهُ وأصبحَ قفْرًا غيرَ مسكونِ حسبي ببغدادَ دارًا والحريمِ حِمًى … من طارقاتِ صروفِ الدَّهرِ يكلوني فالعيشُ غضٌّ به والأمنُ متصلٌ … بالعدلِ من شَرَفٍ الدُّنيا مع الدِّينِ مُجرَّبُ الرأي يقظانُ البصيرةِ هجَّـ … ـامُ العزيمةِ قوَّامُ البراهينِ يُريكَ في الدَّستِ إطراقًا وهيبتُهُ … من الصعيدِ إلى أقطار جَيحونِ للحمدِ سوقٌ لديهِ غيرُ كاسدةٍ … وللمدائحِ أجرٌ غيرُ ممنونِ فلو رآه ابنُ يحيى وابنُ ذي يَزَنٍ … لَعوَّذاه بآياتِ الطَّواسينِ ثم آل أمرُه إلى أن حبسه الخليفة في داره، وأُخرج ميتًا في شوال، فحُمِلَ إلى داره، فغُسِّل فيها، ودُفن بالربة التي استجدَّها في قراح بن رزين، ومع ما رأى من الأموال والجواهر التي لم يرَها غيرُه مات مديونًا، فمنع أصحابُ الديون من دفنه في تربته، وقالوا: هذه ملكه، ولم يصحَّ وقفُها. ثم عجزوا عن إبطال الوقف، فسكتوا. وقال أبو يعلى بن القلانسي: في سنة أربع وتسعين تقدَّم المستظهر بالقبض على عميد الدولة وعلى نوَّابه ومصادرتهم وقتلهم لأشياء نقمها عليه، ومنكراتٍ عُزِيَتْ إليه. يحيى بن عيسى بن جَزلة (٢) أبو علي، المتطبِّب، صاحب "المنهاج"، كان نصرانيًّا، يقرأ على أبي علي بن الوليد المعتزلي، فلم يزَلْ يدعوه إلى الإسلام ويذكر له الدلائل الواضحة حتَّى أسلم، واستخدمه أبو الحسن قاضي القضاة في كَتْبِ السجِلَّات، وكان يَطُبُّ أهل محلَّته ومعارفه بغير أجرة، ويحمل إليهم الأشربة والأدوية بغير عِوَض، ويتفقَّد الفقراء ويُحسِن إليهم، ووقف كتبه قبل وفاته، وجعلها في مشهد أبي حنيفة ﵁ وأرضاه.

стр. 9417

السنة الرابعة والتسعون وأربع مئة فيها قتل السلطان بركياروق خلقًا من الباطنية تحقَّق مذهبهم، وكانوا ثلاث مئة ونيِّفًا، وكتب إلى الخليفة بالقبض على من يُتَّهم أنَّه منهم، فصار مَنْ في نفسه شيء من أحد نسبه إليهم فيُنهب، حتَّى حُسِمَ هذا الأمر. وأول ما عُرِفَ من أحوال الباطنية في أيام ملك شاه أنهم اجتمعوا فصلُّوا العيد في ساوة، ففطن بهم الشِّحْنة، فأخذهم وحبسهم ثم أطلقهم، ثم سألوا مؤذنًا من أهل ساوة أن يدخل في مذهبهم، فامتنع، فخافوا أن يَنِمَّ عليهم فاغتالوه وقتلوه، ورُفِعَ ذلك إلى نظام الملك [وأخذ المتَّهم بقتل المؤذن -وكان نجارًا- فقتله، فقتلوا نظام الملك عِوَضَه، وهو أول مَنْ قتلوا، وكانوا يقولون: قتلتُم منَّا نجَّارًا، فقتلنا به نظام الملك] (١). ثم استفحل أمرهم بأصبهان لمَّا مات ملك شاه، فكانوا يسرقون الناس فيقتلونهم ويُلقونهم في الآبار، فكان الإنسان إذا دنا المساء ولم يعُدْ إلى منزله يئسوا منه. وأجلسوا امرأة على حصير لا تبرح منه، فدخلوا الدار وأزالوها، فوجدوا تحت الحصير بئرًا فيها أربعون قتيلًا، فقتلوا المرأة، وهدموا الدار والمحلَّة. وكانوا يُجلِسون رجلًا ضريرًا على باب الزُّقاق الَّذي فيه هذه الدار، فإذا مرَّ به إنسانٌ سأله أن يقوده خطواتٍ إلى الزُّقاق، فإذا فعل جذَبه مَنْ في الدار وأخذوه قهرًا فقتلوه، فجَدَّ أهلُ أصبهان فيهم، فقتلوا منهم خلقًا كثيرًا. وأول قلعة ملكها الباطنية قلعة في ناحية أصبهان يُقال لها: الرُّوذبار من نواحي الدَّيلم، وكانت هذه القلعة لقماج صاحب ملك شاه، وكان متهمًا بمذهبهم، فلمَّا مات ملك شاه أعطوه ألفًا ومئتي دينار فسلَّمها إليهم سنة ثلاث وثمانين وأربع مئة. وقيل: لم يكن ملك شاه مات، وكان مُقدِّمها يقال له: الحسن بن الصبَّاح، وأصلُه من مرو، وكان كاتبًا للرئيس عبد الرزاق بن بَهْرام إذ كان صبيًّا، ثم سار إلى مصر وتلقَّى من

стр. 9418

دعاتهم (١)، وعاد داعيةً (٢) للقوم ورأسًا فيهم، فحصلت له هذه القلعة، وكانت سيرتُه في دعائه أنَّه لا يدعو إلَّا غبيًّا، لا يفرِّق بين يمينه وشماله، ولا يعرف من أمور الدنيا شيئًا، ويطعمه الجوز والعسل والشونيز حتَّى ينشط دماغه، ثم يذكر له حينئذٍ ما تمَّ على أهل البيت ﵈ من العدوان والظلم، حتَّى يستقرَّ ذلك في نفسه، ثم يقول له: إذا كانت الأزارقةُ والخوارجُ سمحوا بنفوسهم في القتال مع بني أمية، فما سببُ تخلُّفِكَ بنفسك عن نُصرة إمامك؟ فيتركه بهذه المقالة طعمةً للسِّباع. وكان ملك شاه قد أنفذ إلى ابن الصبَّاح يدعوه إلى الطاعة، ويتهدَّده ويأمره بكفِّ أصحابه عن قتل العلماء والأمراء، فقال الرسول: الجواب ما تراه، ثم قال لجماعةٍ وقوفٍ بين يديه: أريد أن أُنفذكم إلى مولاكم في حاجة، فمن ينهض لها؟ فاشرأبَّ كلُّ واحدٍ منهم لذلك، فظنَّ الرسولُ أنها رسالة يُحَمِّلها إياهم، فأومأ إلى شابٍّ منهم وقال: اقتُلْ نفسَك. فجذب سِكِّينه، وضرب بها غَلْصَمته فخرَّ ميتًا، وقال لآخر: ارمِ بنفسك من القلعة. فألقى نفسه فتقطَّع، ثم التفت إلى الرسول وقال: لهم عندي من هؤلاء عشرون ألفًا هذا حدُّ طاعتهم. فعاد الرسولُ وأخبر ملك شاه، فعجب وأعرض عن كلامهم. وصار بأيديهم قلاعٌ كثيرةٌ منها قلعة على خمسة فراسخ من أصبهان، وكان حافظُها تركيًّا، فصادفه نجَّارٌ باطني، وأهدى له جاريةً وفرشًا ومركبًا، فوثِقَ به، وكان يستنيبه في حفظ القلعة، فاستدعى النجارُ ثلاثين رجلًا من أصحاب ابن عطاش، وعمل دعوةً، ودعا التركيَّ وأصحابَه، وسقاهم الخمر، فلمَّا سكروا رفع الثلاثين رجل بالحبال إليه، وسلَّم القلعة إليهم، فقتلوا أصحاب التركي، وسَلِمَ التركيُّ وحدَه وهرب، وصارت القلعةُ في يدي عطاش، وتمكَّنوا وقطعوا الطرقات ما بين فارس وخوزستان، وانصرف جماعةٌ من أصحاب جاولي إليهم، وصاروا معهم، وحسَّنوا لهم اتباعَ جاولي والاستيلاء على ماله، فقصَدَه ثلاثُ مئة من صناديدهم، وعلم بهم، فلمَّا توسَّطوا الشعب عاد عليهم وأصحابُه فقتلوهم، ولم يُفلِتْ منهم أحد، وكان جماعة منهم في

стр. 9419

عسكر بركياروق، فاستغووا خلقًا منهم، فوافقوهم، فاستشعر أصحابُ السلطان منهم، ولبسوا السلاح، ثم قتلوا منهم نحو مئة رجل. وكان بالصَّيمر -وهو بلد من أعمال المشان- رجلٌ منهم يقال له: ابن الشيباش، ويتزهَّد ويدَّعي الكرامات، فمِنْ ذلك أنَّه أحضر يومًا جَدْيًا مشويًّا، وكان عنده جماعة، فلمَّا أكلوا أمر بَردِّ عظامه إلى التَّنُّور، فرُدَّت، وجعل على التَّنُّور طبقًا، ثم رفعه بعد ساعة، فوجدوا جَدْيًا يرعى حشيشًا، ولم يروا للنار أثرًا، ولا للرماد خبرًا، فتلطَّف بعضُ أصحابه حتَّى عرف القصة، وأن ذلك التَّنُّور كان يُفضي إلى سرداب وبينهم طبق من حديد يدور بلَولَب، فإذا أراد إزالة النار عنه فركه، ثم يُنزِلُ مكانَه طبقًا آخر مثله. وقال الغزالي: قد شاهدتُ قصة الحسن بن الصبَّاح لمَّا تزهَّد تحت حصن الموت، وكان أهل الحصن يتمنَّون صعوده إليهم، فامتنع، وكان مدة مُقامه تحت الحصن يقول: أما ترون المنكر كيف قد فشا؟ وفسد الناس، فصبا (١) إليه خلق كثير، فخرج الأمير صاحب الحصن إلى الصيد، وكان أكثرُ تلامذته في الحصن، فأصعدوه إليهم، وملَّكوه الحصن، وبعث الأمير مَنْ قتله، ولمَّا كثُرت قلاعُهم واشتغل أولادُ ملك شاه عنهم باختلافهم اغتالوا جماعةً من الأمراء والأعيان فقتلوهم. وفيها التقى محمد شاه وبركياروق، وكان بركياروق قد قصد خوزستان وانضمَّ إليه أولاد بُرْسُق وإياز، وسار يطلب أخاه محمد شاه وهو بأصبهان وقد جمع خلقًا من التركمان في خمسة عشر ألفًا، وكان بركياروق في خمسة وعشرين ألفًا، واقتتلوا قتالًا شديدًا، وقُتِلَ من الفريقين عددٌ كثير، فانهزم محمد شاه، وهرب وزيرُه مؤيد الملك بن النظام، فتبعه غلمان بركياروق، فأخذوه (٢) وجاؤوا به إلى بركياروق، فقام إليه وضرب عنقه بيده، وقال: هذا بوالدتي، فكانت وزارتُه سنةً وأحد عشر شهرًا وعمره خمسون سنة، ومضى محمد شاه إلى أخيه سنجر شاه، وكان له في خراسان، فاستجار به لينجده على بركياروق، فأرسل سنجر إلى بركياروق يسأله في محمد، فقال: لابُدَّ أن يطأ بساطي. فامتنع عليه محمد، واستفزَّ عليه طوائف الترك، وكان محمد شاه لمَّا كتب إلى

стр. 9420

أخيه سنجر يطلب منه مالًا قسَّط عليه أهل نيسابور، حتَّى أُخِذ من الحمامات والخانات، والكبير والصغير، والقوي والضعيف، وسار إلى محمد ليقصد بغداد، وكان بركياروق قد تفَرَّق عنه عسكره، فوصل إلى بغداد في خمسة آلاف فارس، وخرج الموكب لتلقِّيه، فنزل بدار المملكة، ولمَّا وصل لم يرد سيفُ الدولة صدقة إلى خدمته، فراسله السلطان، فقال: إن أردتَ أن أكون في خدمتك فسلِّمْ إليَّ الوزير أبا المحاسن الدِّهِسْتاني، وكان الوزير قد نفذ إلى سيف الدولة قبل ذلك يقول: قد اجتمع عليك للخزانة ألفُ ألف دينار، فإن حملتَها وإلا قصدناك. وكان رسولُ العميد، فأنزله في خيمة، ولمَّا قرأ كتاب الوزير أمر أن تُقطع أطنابُ الخيمة، فقُطعت فوقعت عليه، فخرج وركب فرسه وقصد بغداد، وكتب إلى صدقة من الطريق: [من الرجز] لا ضُرِبَتْ لي بالعراقِ خيمةٌ … ولا عَلَتْ أناملي على قَلَمْ إن لم أقُدْها من بلاد فارسٍ … شعثَ النواصي فوقَها سودُ اللِّمَمْ حتَّى تُرى لي في الفرات وقعةٌ … يُشربُ منها الماءُ ممزوجًا بدمْ وقطع صدقة خطبة بركياروق، وخطب لمحمد. وفيها وصل محمد وسنجر إلى النَّهروان، وكان بركياروق مريضًا، فنقلوه إلى الجانب الغربي، ودخل محمد وسنجر بغداد في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة، وسار بركياروق إلى واسط، ثم إلى الجبل، وقُطعت خطبتُه ببغداد، وخُطب لمحمد شاه، ونزل بدار المملكة، ونزل سنجر بدار سعد الدولة. وقال أبو يعلى بن القلانسي: في ربيع الأول جمع سُكْمان بن أُرْتُق خلقًا كثيرًا من التركمان، وزحف بهم إلى سَرُوج فملكها، وحشد الفرنج من الرُّها وغيرها وساروا إليه، فهرب التركمان، فضعُفَتْ نفسُه وانهزم، وجاء الفرنج إلى سَرُوج فقتلوا أهلها وسَبَوْهم، ولم يُفْلِتْ إلا من انهزم. وفيها وصل كُنْدُفري صاحبُ القدس إلى عكَّا وأغار عليها، فأصابه سهمٌ فقتله، وكان قد عمَّر يافا وسلَّمها إلى طُنْكري، فلما قُتِلَ كُنْدُفري سار أخوه بَرْدَويل القُومَص صاحب الرُّها إلى القدس في خمس مئة فارس وراجل، فجمع شمسُ الملوك دُقاق العسكرَ، وجاءه جناحُ الدولة صاحبُ حمص، وكان في خمس مئة فارس، وكان
следующие страницы →